﴿فَلَا تَدْعُ﴾. ﴿عَشِيرَتَكَ﴾: مفعول. ﴿الْأَقْرَبِينَ﴾: صفة لـ ﴿عَشِيرَتَكَ﴾. ﴿وَاخْفِضْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف عليه أيضًا. ﴿جَنَاحَكَ﴾: مفعول به. ﴿لِمَنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخفض﴾. ﴿اتَّبَعَكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حال من الضمير المستتر في ﴿اتَّبَعَكَ﴾
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾
﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا امتثلت ما أمرتك به، وأردت بيان ما هو اللازم لك إذا خالفوك .. فأقول لك: إن عصوك. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿عَصَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقُل﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾، وجملة ﴿إِن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما تعملونه. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿توكل﴾: فعل أفعل، وفاعل مستتر يعود على محمد معطوف على الجواب؛ أي: على جملة ﴿فَقُلْ﴾. ﴿عَلَى الْعَزِيزِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَتَوَكَّلْ﴾. ﴿الرَّحِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾. ﴿يَرَاكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة صلة الموصول. ﴿حِينَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَرَاكَ﴾. ﴿تَقُومُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾، ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾: معطوف على الكاف في ﴿يَرَاكَ﴾. ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: حال من كاف ﴿تَقَلُّبَكَ﴾، و ﴿فِي﴾ بمعنى مع؛ أي: حالة كونك مصليًا مع الجماعة. ﴿إِنَّهُ﴾
стр. 9137
ناصب واسمه. هُوَ: ضمير فصل. ﴿السَّمِيعُ﴾: خبره. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾
﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، أو على محمد إن قدرنا القول، و ﴿الكاف﴾: في محل النصب مفعول أول. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الجر بـ ﴿عَلَى﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾، وإنما قدم؛ لأن له صدر الكلام، وهو معلق ما قبله من التنبئة عن العمل فيما بعده. ﴿تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿تَنَزَّلُ﴾ في محل النصب ساد مسد المفعول الثاني والثالث إن جعل ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ متعديًا لثلاثة، ومسد الثاني فقط إن جعل متعديًا لإثنين. ﴿تَنَزَّلُ﴾: فعل مضارع، وهو على حذف إحدى التاءَين، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيَاطِينُ﴾. ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾. ﴿أَثِيمٍ﴾: صفة ﴿أَفَّاكٍ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان المستفهم عنه. ﴿يُلْقُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّمْعَ﴾ هو: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الشَّيَاطِينُ﴾، إن قلنا: إن ﴿الواو﴾ في ﴿يُلْقُونَ﴾ يعود على ﴿الشَّيَاطِينُ﴾، أو الجملة مستأنفة، أو صفة لـ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، إن قلنا: إن ﴿الواو﴾ تعود على ﴿أَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ هو: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿يُلْقُونَ﴾
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾
﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾: مبتدأ. ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾: فعل ومفعول به. ﴿الْغَاوُونَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع
стр. 9138
مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية جملة مفسرة لما قبلها، لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَهِيمُونَ﴾، وجملة ﴿يَهِيمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾ تقديره: ألم تر هيامهم في كل واحد، وفن من فنون القيل والقال. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على جملة ﴿أن﴾ الأولى. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يفعلونه. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: مسستثنى من ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ المذمومين. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: ذكرًا كثيرًا، أو منصوب على الظرفية الزمانية؛ لأنه صفة لظرف محذوف؛ أي: وقتًا كثيرًا. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَانْتَصَرُوا﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿ظُلِمُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من بعد ظلمهم. ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، والسين حرف استقبال. ﴿يعلم الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بـ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: ينقلبون أي انقلاب؛ لأن أيًّا تعرب بحسب ما تضاف إليه، وقد علقت ﴿يعلم﴾ عن العمل فيما بعدها، والناصب لـ ﴿أَيَّ﴾ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾، كما بينا، وقدم عليه لتضمنه معنى الاستفهام. وأسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها للزومها الصدارة. قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى، وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه لدخل بعض المعاني في بعض" اهـ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ في محل النصب ساد مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾.
стр. 9139
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَتَنْزِيلُ﴾: مصدر نزل المضعف، بمعنى اسم المفعول، سمي به مبالغة، وصيغة التفعيل فيه تدل على أن نزوله كان بالدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة، كما مر في مبحث التفسير.
﴿الْأَمِينُ﴾: صفة مشبهة من أمن فهو أمن من باب فعل المكسور اللازم إذا اتصف بالأمانة. والأمانة ضد الخيانة؛ لأنه أمين على وحيه تعالى وموصله إلى من شاء من عباده.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: على روحك؛ لأنه المدرك والمكلف دون الجسد. وفي " الفتوحات": إن أريد بالقلب الروح فظاهر، وإن أريد به العضو فتخصيصه؛ لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولًا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تصعد منه إلى الدماغ، فتنتعش بها المتخيلة.
وفي "الكرخي" قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خصه بالذكر، وهو إنما أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ، والرسول متمكن من قلبه، لا يجوز عليه التغير، ولأن القلب هو المخاطب حقيقة؛ لأنه موضع التميز والاختيار.
والقلب في الأصل لحمة صنوبرية الشكل؛ أي: التي شكلها كشكل الصنوبر، وهو شجر ينبت في البرية دقيق أحد الطرفين غليظ الآخر مع نوع استدارة كقمع السكر، فهذه اللحمة على شكله، فهي دقيقة أحد الطرفين غليظة الآخر مع نوع استدارة كقمع السكر، كما يشاهد ذلك في قلب الدجاجة وغيرها، لكن هنا بمعنى اللطيفة الربانية التي تسمى روحًا ونفسًا، لا بمعنى اللحمة الصنوبرية، اهـ. من "البيجوري على السلم" في المنطق.
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ في الأصل الجارحة المعروفة، ولكن المراد بها هنا معنى اللغة؛ لأنها آلة التلفظ بها. ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع زبور بمعنى الكتاب، مثل رسل ورسول؛ أي: لفي الكتب المتقدمة.
﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ قال صاحب "التحرير": الأعجمين جمع أعجمي،
стр. 9140
ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع سلامة. قلت: وكان سبب منع جمعه أنه من باب أفعل فعلاء، كأحمر حمراء، والبصريون لا يجيزون جمعه جمع سلامة إلا ضرورة، وقد جعله ابن عطية جمع أعجم، فقال: الأعجمون جمع أعجم، وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب، يقال له: أعجم، والأعجمي هو الذي نسبه في العجم، وإن كان فصيح اللسان. وقال الزمخشري: الأعجم الذي لا يفصح، وفي لسانه عجمة أو استعجام، والأعجمي مثله، إلا أن فيه زيادة بياء النسب توكيدًا، اهـ من "السمين".
﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ أي: أدخلنا تكذيب القرآن، أو معرفة معانيه وإعجازه.
﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: اسم مفعول من الإنظار، والإنظار: التأخير والإمهال؛ أي: هل نحن مؤخرون لنؤمن ونصدق.
﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاستعجال: طلب عجلة العذاب. ﴿مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ من الإيعاد. والإيعاد: التخويف بالعذاب. ﴿ذِكْرَى﴾ أي: تذكرة وعبرة وموعظة لغيرهم. ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ يقال: تنزل إذا نزل في مهلة.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾؛ أي: وما يصح وما يستقيم، وما يتيسر لهم أن ينزلوا بالقرآن من السماء. ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: وما يقدرون على ذلك. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾؛ أي: عن استماع الوحي أصلًا من أول الأمر، أو عن استماع خبر السماء. ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾؛ أي: لممنوعون بالشهب بعد أن كانوا ممكنين من استماع خبر السماء لا الوحي.
﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ العشيرة: أهل الرجل الذي يتكثر بهم؛ أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشيرة هو العدد الكامل، فصارت العشيرة اسمًا لكل جماعة من أقارب الرجل يتكثر بهم، والعشير: المعاشر قريبًا كان أو مقارنًا، كذا في "المفردات".
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ والخفض ضد الرفع والدعة، والسير اللين. ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ مضارع تنزل من باب تفعل، أصله: تتنزل، حذفت منه إحدى التائين.
стр. 9141
﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الإفك والكذب. قال الراغب: الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه. ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الإثم، وهو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾، أصله: يلقيون السمع، من ألقى الرباعي استثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان الياء والواو، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنها جزء كلمة، وحذفها أولى من حذف كلمة مستقلة.
﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾: جمع شاعر، كعلماء جمع عالم قال: في "المفردات": شعرت: أصبت الشعر، ومنه استعير شعرت كذا؛ أي: علمته في الدقة كإصابة الشعر. قيل: وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته، فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري، وصار في التعارف اسمًا للموزون المقفى من الكلام على تفاعيل أجزاء العروضيين، والشاعر: المختص بصناعته.
﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: جمع غاو، كقاضون جمع قاض، وهم الضالون المائلون عن السنن القويم. ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾ قال الراغب: أصل الوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء، ومنه سمي المنفرج بين الجبلين واديًا، ويستعار للطريقة كالمذهب والأسلوب، فيقال: فلان في واد غير واديك.
﴿يَهِيمُونَ﴾؛ أي: يسيرون سير البهائم حائرين، لا يهتدون إلى شيء، يقال: هام على وجهه من باب باع يهيم هيمًا وهيومًا وهيامًا وهيمانًا وتهيامًا إذا ذهب وهو لا يدري أين يتوجه؛ أي: يذهبون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين، بل يتحيرون في أودية القيل والقال، يعني أساليب الكلام من المدح والهجاء والجدل والغزل وغير ذلك من الأنواع؛ أي: في كل نوع من الكلام يغلون. قال في "الوسيط": فالوادي مثل لفنون الكلام، وهيمانهم فيه قولهم على الجهل بما يقولون من لغو وباطل وغلو في مدح أو ذم، اهـ.
﴿وَانْتَصَرُوا﴾ الانتصار: الانتقام ممن ظلمك .. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الانحراف عن العدالة، والعدول عن الحق البخاري مجرى النقطة من الدائرة. ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ والمنقلب: المرجع؛ وهو مصدر ميمي بمعنى الانقلاب؛
стр. 9142
أي: الرجوع.
فائدة: والظلمة ثلاثة أقسام: الظالم الأعظم: وهو الذي لا يدخل تحت شريعة الله، وإياه قصد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
والأوسط هو الذي لا يلزم حكم السلطان، والأصغر هو الذي يتعطل عن المكاسب والأعمال، فيأخذ منافع الناس، ولا يعطيهم منفعته.
ومن فضيلة العدالة أن الجور الذي هو ضدها لا يثبت إلا بها، فلو أن لصوصًا تشارطوا فيما بينهم شرطًا فلم يراعوا العدالة فيه، ولم ينتظم أمرهم، فعلى العاقل أن يصيخ إلى الوعيد والتهديد الأكيد، فيرجع عن الظلم والجور، وان كان عادلًا فنعوذ بالله من الحور بعد الكور. والله المعين لكل سألك، والمنجي في المسالك من المهالك. اهـ "روح".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد بمؤكدات ثلاث؛ بإن وباللام واسمية الجملة، في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن الكلام مع المتشككين في صحة القرآن، فناسب تأكيده بأنواع من المؤكدات.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِلِسَانٍ﴾ ففيه إطلاق آلة الشيء؛ لأن اللسان هنا بمعنى اللغة؛ لأنه آلة التلفظ بها.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: والمبشرين، وهو ذكر أحد المتقابلين وحذف الآخر لدلالة المذكور على المحذوف، واختير ذكر الإنذار وحذف مقابله دون العكس؛ لأن باب التخلية بالخاء المعجمة مقدم على باب التحلية بالحاء المهملة.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾؛ أي: وإن
стр. 9143
ذكر القرآن لا عينه.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ﴾.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من إطلاق المحل وإرادة الحال؛ أي: أهلها.
ومنها: بيان كمال نزاهته بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره منه من الظلم في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ إذ هلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم أصلًا.
ومنها: التهييج والإلهاب في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للرسول بطريق التهييج لزيادة إخلاصه وتقواه.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط. فشبه التواضع ولين الأطراف والجوانب عند مصاحبة الأقارب والأجانب بخفض الطائر جناحه؛ أي: كسره عند إرادة الانحطاط، فأطلق على المشبه اسم الخفض بطريق الاستعارة التصريحية، فاشتق منه خفض بمعنى: ألان على طريقة التبعية.
ومنها: صيغتا المبالغة في قوله: ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾؛ لأن فعالاً وفعيلًا من صيغ المبالغة؛ أي: كثير الكذب، كثير الفجور.
ومنها: الطباق بين ﴿يَقُولُونَ﴾ و ﴿يَفْعَلُونَ﴾، وبين ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ و ﴿ظُلِمُوا﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية البديعة في قوله: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم والتشبب وأنواع الشعر، وضلالهم عن سنن الهدى بهيام الهائم في الصحراء الذي هام في مقصده، وخبط في طريقه، ولا يقصد موضعًا معينًا، فهو لا يدري أين يذهب. وهذا من ألطف
стр. 9144
الاستعارات ومن أرشقها وأبدعها.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
ومنها: مراعاة الفواصل؛ لأنها تزيد في جمال الكلام ورونقه مثل ﴿يَهِيمُونَ﴾ - ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ - ﴿يَقُولُونَ﴾ - ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
وحكي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ ثم بكى وهو ينشد:
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... وَلَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لَازِمُ
تُسَرُّ بما يَفْنَى وَتَفْرَحُ بِالمُنَى ... كَمَا سُرَّ بِاللَّذَّاتِ فِيْ النَوْمِ حالِمُ
وَتَسْعَى إِلَى مَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ... كَذَلِكَ في الدُّنْيَا تَعِيْشُ الْبَهَائِمُ
والله أعلم
* * *
стр. 9145
خلاصة ما حوته هذه السورة
١ - مقدمة في تسلية الرسول ﷺ على إعراض قومه عن الدين، وبيان أنهم ليسوا ببدع في الأمم، وأنه ﷺ ليس بأول الرسل الذين كذبوا، وأن الله قادر على إنزال القوارع التي تلجئهم إلى الإيمان، ولكن جرت سنته أن يجعل الإيمان في القلوب اختياريًا لا اضطراريًا.
٢ - الاستدلال بخلق النبات، وأطواره المختلفة، وأشكاله المنوعة على وجود الإله ووحدانيته.
٣ - قصص الأنبياء مع أممهم؛ لما فيه من العبرة لأولىك المكذبين.
٤ - إثبات أن القرآن وحي من رب العالمين، لا كلام تنزل به الشياطين.
٥ - بيان أن محمدًا ﷺ ليس بكاهن ولا بشاعر.
٦ - التهديد والوعيد لمن يعبد مع الله سواه من الأصنام والأوثان، ويكذب بالرسول والنور الذي أنزل معه (١).
والله أعلم
* * *
стр. 9146
سورة النمل
سورة النمل مكية، قال القرطبي (١): وهي مكية كلها في قول الجميع. وأخرج ابن الضريسي والنحاس وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: أنزلت سورة النمل بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وهي أربعة وتسعون آية، وقيل: ثلاث وتسعون آية، وألف مئة وتسع وأربعون كلمة، وأربعة آلاف وسبع مئة وسبع وستون حرفًا.
الناسخ والمنسوخ: جميع السورة (٢) محكم غير آية واحدة؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ ... الآية (٢٧) نسخت بآية السيف، وقد اشتملت هذه السورة على خمس قصص؛ الأولى: قصة موسى مع فرعون، الثانية: قصة النمل، الثالثة: قصة بلقيس، الرابعة: قصة صالح مع قومه، الخامسة: قصة لوط مع قومه، وما بقي منها حكم ومواعظ.
التسمية: وأمَّا تسميتها بسورة النمل فلذكر النمل فيها.
المناسبة: ومناسبتها لِمَا قبلها من وجوه (٣):
أولًا - أنها كالتتمة لها؛ إذ جاء فيها زيادة على ما تقدم من قصص الأنبياء قصص داود وسليمان.
ثانيًا - أن فيها تفصيلًا وبسطًا لبعض القصص السالفة كقصص لوط وموسى ﵉.
ثالثًا - أن كلتيهما قد اشتمل على نعت القرآن، وأنه منزل من عند الله.
стр. 9147
رابعًا - تسلية رسوله ﷺ على ما يلقاه من أذى قومه وعنتهم وإصرارهم على الكفر به والإعراض عنه.
وقال أبو حيان: مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة (١)؛ لأنه قال في السابقة: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ وقبله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال هنا: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾؛ أي: الذي هو تنزيل رب العالمين.
والله أعلم
* * *
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾
المناسبة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) أن المؤمنين يزيدهم القرآن هدى وبشرى؛ إذ هم به يستمسكون ويؤدون ما شرع من الأحكام على أتم الوجوه .. أردف هذا ببيان أن من لا يؤمن بالآخرة يتمادى في غيه، ويعرض عن القرآن أشد الإعراض، ومن ثم تراه حائرًا مترددًا في ضلاله فهو في عذاب شديد في دنياه؛ لتبلبله وقلقه واضطراب نفسه، وفي الآخرة له أشد الخسران؛ لما يلحقه من النكال والوبال والحرمان من الثواب والنعيم الذي يتمتع به المؤمنون.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما وصف القرآن بأنه هدى وبشرى للمؤمنين، وأن من أعرض عنه كان له الخسران المبين .. أردف بذكر حال المنزل عليه وهو الرسول ﷺ مخاطبًا له.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر قصص موسى ﵇ تقريرًا لما قبله ببيان أنه تلقاه من لدن حكيم عليم .. أردفه قصص داود وسليمان ﵉، وذكر أنه آتى كلًّا منهما طائفة من علوم الدين والدنيا، فعلم داود صنعة الدروع ولبوس الحرب، وعلم سليمان منطق الطير، ثم بين أن سليمان طلب من ربه أن يوفقه إلى شكر نعمه عليه وعلى والديه، وأن يمكنه من العمل الصالح وأن يدخله جنات النعيم.
стр. 9150
قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر في (١) سابق الآيات أنه سخر لسليمان الجن والإنس والطير، وجعلهم جنودًا له .. ذكر هنا أنه احتاج إلى جندي من جنوده؛ وهو الهدهد، فبحث عنه فلم يجده، فتوعده بالعذاب أو القتل إلا إذا أبدى له عذرًا يبرئه، فحضر بعد قليل وقص عليه خبر مملكة باليمن من أغنى الممالك وأقواها، تحكمها امرأة هي بلقيس ملكة سبأ، ووصف له ما لها من جلال الملك وأبهته، وأنها وقومها يعبدون الشمس لا خالق الشمس العلم بكلِّ شيء في السموات والأرض، والعليم بما نخفي وما نعلن، والعليم بالسر والنجوى، وهو رب العرش العظيم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أن الهدهد أبدى المعاذير لتبرئة نفسه .. أردف ذلك بإجابة سليمان عن مقالة الهدهد، ثم أمره بتبليغ كتاب منه إلى ملكة سبأ، والتنس جانبًا ليستمع ما يدور من الحديث بينها وبين خاصَّتها.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر فيما سلف أن الهدهد حينما ألقى الكتاب أحضرت بطانتها وأولي الرأي لديها، وقرأت عليهم نص الكتاب .. بين هنا أنها طلبت إليهم إبداء آرائهم فيما عرض عليهم من هذا الخطب المدلهم والحادث الجلل حتى ينجلي لهم صواب الرأي فيما تعمل ويعملون؛ لأنها لا تريد أن تشيد بالأمر وحدها، فقلبوا وجوه الرأي واشتد الحوار بينهم، وكانت خاتمة المطاف أن قالوا: الرأي لَدَيْنَا القتال، فإنا قوم أولو بأس ونجدةٍ، والأمر مفوض إليك فافعلي ما بدا لك، وقالت: إني أرى أن عاقبة الحرب الدمار والخراب وصيرورة العزيز ذليلًا، وإني أرى أن نهاديه ونرسل إليه بهدية، ثم ننظر ماذا يكون رده عَلَّه
стр. 9151
يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجًا نحمله إليه كل عام ونلتزم ذلك، وبذلك يترك قتالنا وحربنا.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿طس﴾؛ أي: هذه طس؛ أي: هذه السورة مسماة به، وقد مر الكلام مفصلًا في فواتح السور أنها إن كانت اسمًا للسورة، فمحلها الرفع على أنها خبر مبتدأ كما قدرنا، أو على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، وإن لم تكن هذه الحروف اسمًا للسورة بل مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها من الإعراب، وقد مر أيضًا أن القول الأسلم في تفسيرها أن يقال: الله أعلم بمراده بذلك. وقيل (١): الطاء من اللطيف، والسين من السميع، حكاه الثعلبي، وقيل: ﴿الطاء﴾: إشارة إلى طوله؛ أي: فضله، و ﴿السين﴾: إلى سنائه؛ أي: علوه.
وفي "التأويلات النجمية": يشير بطائه إلى طيب قلوب محبيه، وبالسين إلى سر بينه وبين قلوب محبيه، لا يسعهم فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وقيل: إنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه قال: هو اسم الله الأعظم، وفي "كشف الأسرار": ﴿الطاء﴾: إشارة إلى طهارة قدسه، و ﴿السين﴾ إشارة إلى سناء عزه. يقول تعالى بطهارة قدسي وسناء عزي: لا أخيب أمل من أمل لطفي، انتهى. وقيل غير ذلك، والله أعلم بأسرار كتابه.
﴿تِلْكَ﴾؛ أي (٢): هذه السورة العظيمة الشأن، أو آيات هذه السورة. ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾؛ أي: بعض آيات القرآن المعروف بعلو الشأن، والإشارة بـ ﴿تِلْكَ﴾ إلى السورة المترجم عنها باسم خاص، والإتيان بإشارة البعيد؛ لتنزيل البعد الرتبي منزلة البعد الحسين، والقرآن عبارة عن جميع القرآن، أو عن جيمع المنزل عند نزول هذه السورة؛ إذ هو المتسارع إلى اللهم حينئذ عند الإطلاق.
стр. 9152
﴿وَكِتَابٍ﴾ أي: وآيات من كتاب عظيم الشأن. ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب، إن قلنا: إنه من أبان بمعنى أظهر، أو ظاهر إعجازه وصحته، على أنه من أبان بمعنى بان؛ أي؛ ظهر، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، مثل غافر الذنب وقابل التوب.
أي: هذه السورة آيات الكلام الجامع بين القرآنية والكتابية، وكونه قرآنًا من جهة أنه يقرأ، وكونه كتابًا بسبب أنه يكتب، وقدم الوصف الأول؛ لتقدم القرآنية على حال الكتابية، وأخَّره في سورة الحجر حيث قال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ نظرًا إلى حالته التي قد صار عليها، فإنه مكتوب والكتابة سبب القراءة، وقيل: نظرًا إلى أن الإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب أدخل في المدح، فإن وصفه بالكتابية مفصح عن اشتماله على صفة كمال الكتب الإلهية، فكأنه كلها.
وأما تعريف القرآن هنا (١) وتنكير الكتاب، وتعريف الكتاب في سورة الحجر وتنكير القرآن؛ فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير. وفي "كشف الأسرار": القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد، ووصفان لأنه يُقرأ ويُكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ النكرة فهو الوصف.
وقال شيخ الإِسلام: إن قلت (٢): الكتاب المبين هو القرآن، فكيف عطفه عليه من أن العطف يقتضي المغايرة؟
قلتُ: المغايرة تصدق بالمغايرة لفظًا ومعنى، وباللفظ فقط، وهو هنا من الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾. أو المراد بالكتاب المبين هو اللوح المحفوظ، فهو هنا من الأول. فإن قلت: لم قدم القرآن هنا على الكتاب وعكس في الحجر؟
стр. 9153
قلت: جريًا على قاعدة العرب في تفننهم في الكلام، انتهى.
وقال أبو حيان (١): وأضاف الآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل التفخيم لها والتعظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم، والكتاب المبين؛ إما اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين، وإما السورة، وإما القرآن وإبانتهما أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع، وأن إعجازهما ظاهر مكشوف، ونكر ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له، كقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾. وإذا أريد به القرآن فعطفه من عطف إحدى الصفتين على الأخرى؛ لتغايرهما في المدلول عليه بالصفة من حيث إن مدلول القرآن الاجتماع، ومدلول كتاب الكتابة، انتهى. ونظيره قولهم: هذا فعل السخي والجواد الكريم.
ومعنى الآية: أي إن (٢) هذه الآيات التي أنزلتها إليك أيها الرسول لآيات القرآن وآيات كتاب بين واضح لمن تدبَّره، وفكَّر فيه أنه من عند الله سبحانه أنزله إليك، لم تتقوله أنت ولا أحد من خلقه، إذ لا يستطيع ذلك مخلوق ولو تظاهر معه الجن والإنس.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بجر ﴿كِتَابٍ﴾ عطفًا على ﴿الْقُرْآنِ﴾، أي: تلك آيات القرآن وآيات كتاب مبين. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو المتوكل وأبو عمران: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بالرفع فيهما عطفًا على ﴿آيَاتُ﴾، والأصل: وآيات كتاب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بعرابه حالة كون تلك الآيات.
٢ - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: هادية لهم ومبشرة لهم بالجنة، فأقيم المصدر مقام الفاعل؛ للمبالغة كأنها نفس الهدى والبشارة.
ومعنى هدايتها لهم وهم مهتدون أنَها تزيدهم هدى، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وأما معنى تبشيرها إياهم فظاهر؛ لأنها تبشرهم
стр. 9154
برحمة من الله ورضوان، وخصهم بالذكر لانتفاعهم بها. فـ ﴿هُدًى﴾ و ﴿بُشْرَى﴾ إما حالان من ﴿الآيات﴾، أو من الكتاب، كما فسرنا، ويجوز أن يكونا خبرين آخرين لـ ﴿تِلْكَ﴾، أو هما مصدران منصوبان بفعل مقدر؛ أي: يهدي هدى ويبشر بشرى.
٣ - ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: يؤدون الصلوات الخمس بأركانها وشرائطها في مواقيتها. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: يعطون الصدقة المفروضة للمستحقين. وتخصيص (١) الصلاة والزكاة بالذكر؛ لأنهما قرينتا الإيمان، وقطرا العبادات البدنية والمالية، مستتبعان لسائر الأعمال الصالحة، والموصول في محل جر صفة لـ ﴿لْمُؤْمِنِينَ﴾، أو بدل، أو عطف بيان منه، أو منصوب على المدح، أو مرفوع على تقدير مبتدأ. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ في محل النصب حال من ﴿الواو﴾ في الصلة، فهي من تتمة الصلة؛ أي: الذين (٢) يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، والحال أنهم يصدقون بالآخرة بأنها آتية مع ما فيها، ويعلمونها علمًا يقينًا لا شك فيه، فإن تحمل مشاق العبادات إنما يكون لخوف العاقبة والوقوف على المحاسبة. وكرر (٣) الضمير للدلالة على الحصر، كأنه قيل: أي: لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لا من عداهم، وجعل الخبر مضارعًا؛ للدلالة على التجدد في كل وقت، وعدم الانقطاع.
وقال أبو حيان (٤): ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مما يتجدد ولا يستغرق إلا زمان .. جاءت الصلة فعلية، ولما كان الإيمان بالآخرة بما هو ثابت عندهم مستقر الديمومة .. جاءت الجملة اسمية، وأكد المسند إليه فيها بتكراره.
وفي "زاده" ولما كان (٥) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في
стр. 9155
أوقاتهما .. أتى بهما فعلين، ولمَّا كان الإيقان بالآخرة أمرًا ثابتًا مطلوبًا دوامه .. أتى به جملة اسمية، وجعل خبرها مضارعًا؛ للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد. اهـ
ومعنى الآية: أي (١) إن المؤمنين حق الإيمان هم الذين يعملون الصالحات، فيقيمون الصلاة المفروضة على أكمل وجوهها، ويؤدون الزكاة التي تطهير أموالهم وأنفسهم من الأرجاس، ويوقنون بالمعاد إلى ربهم، وأن هناك يومًا يحاسبون فيه على أعمالهم خيرها وشرها، فيذلون أنفسهم في طاعته رجاء ثوابه، وخوف عقابه، وليسوا كاولئك المكذبين الذين لا يبالون أحسنوا أم أساؤوا، أطاعوا أم عصوا؛ لأنهم إن أحسنوا لا يرجون ثوابًا وإن أساؤوا لم يخافوا عقابا.
٤ - ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ ولا يصدقون بالبعث بعد الموت؛ وهم الكفار. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ القبيحة حيث جعلناها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس، كما ينبىء عنه قوله ﵇: "حفَّت النار بالشهوات"؛ أي: جعلت محفوفة ومحاطة بالأمور المحبوبة المشتهاة.
واعلم (٢): أن كل مشيئة وتزيين وإضلال ونحو ذلك منسوبة إلى الله تعالى بالأصالة، وإلى غيره بالتبعية. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته هنا، وأسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ .. قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله مجاز. اهـ وهذا تأويل منه على طريق الاعتزال.
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يترددون في ضلالتهم، كما يكون حال الضال عن الطريق، وقيل: أي: يتحيرون ويترددون على التجدد والاستمرار في الاشتغال بها، والانهماك فيها من غير ملاحظة لما يتبعها من الضرر والعقوبة، لا يهتدون
стр. 9156
إلى طريقة ولا يقفون على حقيقة، والفاء لترتيب المسبب على السبب.
٥ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالكفر والعمه: مبتدأ، خبره ﴿الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: أشد العذاب واْقبحه في الدنيا، كالقتل والأسر يوم بدر، ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾؛ أي: أشد الناس خسرانًا وأعظمهم خيبة؛ لاشترائهم الضلالة بالهدى، فخسروا الجنة ونعيمها وحرموا النجاة من النار.
قال بعضهم (١): واعلم أن أهل الدنيا في خسارة الآخرة، وأهل الآخرة في خسارة المولى، فمن لم يلتفت إلى الكونين ربح المولى. والمعنى: أي (٢): إن الذين لا يصدقون بالآخرة وقيام الساعة، والمعاد إلى الله بعد الموت، وبالثواب والعقاب .. حببنا إليهم قبيح أعمالهم، ومددنا لهم في غيهم، فهم في ضلالهم حيارى تائهون، يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، لا يفكرون في عقبى أمرهم، ولا ينظرون إلى ما يؤول إليه سلوكهم. قال الزجاج: أي: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه بأن جعلناه مشتهى بالطبع محبوبًا إلى النفس، أولئك الموصوفون هم الذين لهم سوء العذاب في الدنيا بقتلهم وأسرهم حين قتال المؤمنين، كما وقع في بدر، وهم في الآخرة أعظم خسرانًا مما هم فيه في الدنيا؛ لأن عذابهم فيها مستمر لا ينقطع، وعذابهم في الدنيا ليس بدائم، بل هو زائل لا بقاء له.
٦ - ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ أي: لتعطى القرآن بطريق التلقية والتلقين. ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾؛ أي: من عند رب حيكم فيما دبره لخلقه. ﴿عَلِيمٍ﴾ بأحوال خلقه؛ أي: تلقن القرآن من عند الله بواسطة جبريل، لا من عند نفسك، ولا من تلقاء غيرك، كما يزعم الكفار. ﴿لَدُنْ﴾ بمعنى: عند، وتنوين (٣)
стр. 9157
الاسمين للتعظيم؛ أي: من عند حكيم؛ أيّ: حكيم وعليم، أيّ عليم، وفي تفخيمهما تفخيم لشأن القرآن، وتنصيص على طبقته ﷺ في معرفة القرآن، والإحاطة بما فيه من الجلائل والدقائق، فإن من تلقى الحكم والعلوم من مثل ذلك الحكيم العلم يكون علمًا في رصانة العلم والحكمة، وفي الجمع بين الحكيم والعليم إشعارٌ بأن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية.
والمعنى: أي وإنك أيها الرسول لتحفظ القرآن وتعلمه من عند حكيم بتدبير خلقه عليم بأخبارهم وما فيه الخير لهم، فخبره هو الصدق، وحكمه هو العدل، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
قصص موسى ﵇
٧ - ثم شرع في بيان بعض تلك العلوم، فقال: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة قول موسى لزوجته ومن معها من ولده وخادمه في وادي الطور، وذلك أنه مكث بمدين عند شعيب عشر سنين، ثم سار بأهله بنت شعيب إلى مصر لزيارة أمه وأخيه هارون فضل الطريق في ليلة مظلمة شديدة البرد، وقد أخذ امرأته الطلق، فقدح فأصلد زنده، فبدا له من جانب الطور نار، فقال لأهله: اثبتوا مكانكم. ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ وأبصرت ﴿نَارًا﴾.
قال مقاتل: النار هو النور، وهو نور رب العزة رآه ليلة الجمعة عن يمين الجبل بالأرض المقدسة. ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك النار؛ أي: ممن عندها. ﴿بِخَبَرٍ﴾؛ أي: عن حال الطريق أين هو. و ﴿السين﴾ (١): للدلالة على بعد المسافة، أو لتحقيق الوعد بالإتيان. وإن أبطأ فيكون للتأكيد. ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ منها. ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾؛ أي: بشعلة نار مقبوسة؛ أي: مأخوذة من معظم النار ومن أصلها إن لم أجد عندها من يدلني على الطريق، فإن سنة الله سبحانه أن لا يجمع حرمانين على عبده، يقال: اقتبست منه نارًا، أو علمًا: استفدته منه، والشهاب:
стр. 9158
الشعلة، والقبس: النار المقبوسة، فعل بمعنى مفعول؛ وهو القطعة من النار في عود أو غيره.
وقرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب إلا زيدًا (١): ﴿بِشِهَابٍ﴾ منونًا. فـ ﴿قَبَسٍ﴾: بدل منه، أو صفة له؛ لأنه بمعنى المقبوس. وقرأ باقي السبعة بالإضافة غير منون؛ وهي قراءة الحسن. قال الفراء: هذه الإضافة كالإضافة في قولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، أضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس: هي إضافة النوع إلى الجنس، كما تقول: ثوب خزٍّ وخاتم حديد.
فإن قلت: قال (٢) في سورة طه: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ وفي القصص: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ب صيغة الترجي في السورتين، وقال هنا: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر﴾ بصيغة الإخبار والتيقن، فبين الإخبار والترجي تناقض، فكيف يجمع بينهما؟
قلتُ: لا تناقض بينهما؛ لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا بصيغة الأخبار وإن كانت الخيبة يمكن أن تقع. وعبارة شيخ الإِسلام: كيف قال هنا ذلك، وفي طه: ﴿نَارًا لَعَلِّي﴾، وأحدهما قطع وجزم، والآخر ترجّ، والقضية واحدة؟
قلتُ: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه عدم الجزم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾؛ أي: رجاء أن تستدفئوا بها، أو لكي تستدفئوا بها، وتدفعوا البرد بحرها، وكان الزمان شتاء والليلة مثلجة، يقال: صلى بالنار واصطلى بها إذا استدفا بها، والصلاء النار العظيمة، والاصطلاء الاستدفاء بها. قال بعضهم: الاصطلاء بالنار يقسي القلب، ولم يرو أنه ﷺ اصطلى بالنار.
стр. 9159
والمعنى: أي (١) واذكر أيها الرسول الكريم لقومك قصة قول موسى لأهله، وقد سار بهم فضل الطريق في ليل دامس وظلام حالك، فرأى نارًا تأجج وتضطرب، فقال إني أبصرت نارًا سآتيكم منها إما بخبر عن الطريق أو آتيكم بشعلة من النار تستدفئون بها، وكان كما قال، فإنه رجع منها بخير عظيم، واقتبس نورًا جليلًا.
وقد كان هذا حين مسيره من مدين إلى مصر، ولم يكن معه سوى امرأته، وكانا يسيران ليلًا، فاشتبه عليهما الطريق والبرد شديد، وفي مثل هذه الحال يستبشر النَّاس بمشاهدة النار من بعد؛ لما يرجى فيها من زاول الحيرة، وأمن الطريق، ومن الانتفاع بها للاصطلاء، ومن ثم قال لها هذه المقالة.
٨ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾؛ أي: فلما جاء موسى النار ووصل إليها، أي: جاء ذلك النور الذي ظنه نارًا. قال السدي: كان في النار ملائكة، والنار هنا مجرد نور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما وصل إليها وجدها نورًا، وكانت الشجرة سمرة. ﴿نُودِيَ﴾ موسى من قبل الله تعالى؛ أي: جاءه النداء؛ وهو الكلام المسموع من جانب الطور، وأن في قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ إما مفسرة بمعنى أي؛ لأن في النداء معنى القول؛ أي: قيل له (٢): بورك من في النار، وبورك: مجهول بارك، وهو خبر لا دعاء؛ أي: جعل مباركًا، وهو ما فيه الخير والبركة؛ أي: بورك من في مكان النار؛ وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ واستعملت ﴿مَن﴾ بمعنى (ما) حينئذ، ويدل عليه قراءة أبي: ﴿تباركت الأرض ومن حولها﴾ وعنه أيضًا: بوركت النار ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: ومن حول مكان النار.
والظاهر (٣): أن المبارك فيه عام في كل من في تلك البقعة وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات؛ لكونها مبعث الأنبياء، وكفاتهم أحياء وأمواتًا،
стр. 9160
وخصوصًا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى.
وقرأ أبيّ وابن عباس ومجاهد: ﴿أن بوركت النار ومن حولها﴾ أو مصدرية؛ أي: نودي موسى بأن بورك من في النار ومن حولها، أو مخففة من الثقيلة؛ أي: نودي بأنه بورك، والضمير ضمير الشأن. وقيل (١): المراد بـ ﴿مَنْ فِي النَّار﴾ هو موسى ﵇ لقربه منها. و ﴿مَنْ حَوْلَهَا﴾ الملائكة؛ أي: نودي ببركة من في النار؛ أي: بتطهيره مما يشغل قلبه عن الله سبحانه، وتخليصه للنبوة والرسالة؛ أي: ناداه الله بأنا قدسناك يا موسى، واخترناك للرسالة، وهذه تحية من الله سبحانه لموسى، وتكرمة له، وبارك يتعدَّى بنفسه، كما هنا، وبـ "على" كما في قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وبـ ﴿في﴾ كما في قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾.
وفي ابتداء (٢) خطاب الله سبحانه موسى بذلك عند مجيئه بشارة بأنه قد قضي له أمر عظيم ديني تنتشر بركاته في أقطار الأرض المقدسة، وهو تكليمه تعالى إياه، واستنباؤه له وإظهار المعجزات على يده، وكل موضع يظهر فيه مشاهدة الحق ومكالمته يكون ذا بركة، ألا ترى إلى قول القائل:
إِذَا نَزَلَتْ سَلْمَى بِوَادٍ فَمَاؤُهُ ... زُلَالٌ وَسِلْسَالٌ وَجَنَّاتُهُ وَرْدُ
وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من تمام ما نودي به؛ لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهًا، وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر. وعبارة "المراح" (٣) هنا: وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ من كلام الله مع موسى، نزه الله تعالى نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته؛ ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى ﵇، وإعلامًا بأن ذلك الأمر مكونه رب العالمين، ولدفع ما قد يتوهمه بحسب الطبع البشري البخاري على العادة الخلقية من أن الله سبحانه المتكلم به في مكان، أو في جهة. ومن أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث ككلام
стр. 9161
الخلق، وقد علم موسى ﵇ أن النداء من الله تعالى؛ لما دل على ذلك من أن النار كانت مشتعلة على شجرة خضراء لم تحترق. وقال السدي: هو من كلام موسى؛ لما سمع النداء قال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تنزيهًا لله تعالى عن سمات المحدثين.
وحاصل معنى الآية: أي (١) فلما وصل موسى إلى النور الذي ظنه نارًا .. نودي بأن بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها هي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ ومن حولها هو من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام الموسومة بالبركات، ومهبط الخيرات؛ لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتًا. وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيه لنفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته، وإيذان بأن مدبر ذلك الأمر هو رب العالمين.
٩ - ﴿يَا مُوسَى﴾؛ أي (٢): إن مكلمك ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: القوي القادر على ما يبعد من الأوهام، كقلب العصا حية، وأمر اليد الفاعل ما أفعله بحكمة بالغة، وتدبير تامّ، و ﴿أَنَا﴾ خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللَّهُ﴾ عطف بيان له، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: صفتان لله ممهدتان؛ لما أراد الله أن يظهره على يد موسى ﵇ من المعجزات.
قيل (٣): معناه أن موسى قال: من المنادي؛ قال: إنه أنا الله. وقال أكثر المفسرين: إن الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن، وجملة ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ جملة مفسرة للشان.
١٠ - وقوله ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ معطوف على ﴿بُورِكَ﴾، فكلاهما تفسير ﴿نُودِيَ﴾؛ أي: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك.
فإن قلت: لم قال هنا: و ﴿ألق﴾ بدون ذكر أن، وفي القصص بذكرها؟
стр. 9162
قلتُ: لأن ما هنا تقدمه فعل بعد ﴿أَنْ﴾، وهو ﴿بُورِكَ﴾ فحسن عطف الفعل عليه، وما هناك لم يتقدمه فعل بعد ﴿أَنْ﴾، فذكرت ﴿أَنْ﴾؛ لتكون جملة ﴿وَأَنْ أَلْقِ﴾ معطوفة على جملة ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فألقاها موسى من يده، فانقلبت حية تسعى، فلما رآها وأبصرها موسى حالة كونها تهتز وتضطرب وتتحرك بحركة شديدة، وتذهب إلى جانب، وحال كونها ﴿كَأَنَّهَا﴾: كأن تلك العصا ﴿جَانٌّ﴾؛ أي: حية صغيرة في سرعة الحركة وخفتها، فشبه الحية العظيمة المسماة بالثعبات بالجان في سرعة الحركة والالتواء، والجان (١) ضرب من الحيات؛ أي: حية كحلاء العين لا تؤذي كثيرة في الدور، كما في "القاموس".
قال أبو الليث: الصحيح أن الثعبان كان عند فرعون، والجان عند الطور، وقرأ الحسن (٢) والزهري وعمرو بن عبيد: ﴿جأن﴾ بهمزة مكان الألف، كأنه فر من التقاء الساكنين.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾؛ أي: هرب موسى منها مدبرًا؛ أي: رجع وأعرضين عنها هاربًا خوفًا منها. قال في "كشف الأسرار": أي أدبر عنها، وجعلها خلف ظهره. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ أي: ولم يرجع على عقبه، من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، وإنما اعتراه الرعب؛ لظنّه أن ذلك الأمر أريد به هلاك نفسه، ويدل عليه قوله: ﴿يَا مُوسَى﴾؛ أي: قال الله تعالى: يا موسى ﴿لَا تَخَفْ﴾ من الحية وضررها، أو لا تخف من غيري مطلقًا ثقة بي لقوله: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ في حالة الإيحاء والإرسال، لا في جميع الأوقات، بل حين يوحي إليهم في وقت الخطاب، فإنهم حينئذ مستغرقون في مطالعة شؤون الله تعالى، لا يخطر ببالهم خوف من أحد أصلًا. أما الخوف في غير هذه الحالة فلا يفارقهم، قال النبي ﵇: "أنا أخشاكم"،
١١ - ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء متصل من ﴿المرسلين﴾؛ أي: إلا من ظلم
стр. 9163
نفسه من المرسلين بذنب صدر منه، كآدم ويونس وداود وموسى ﵈، والتعبير فيهم بالظلم؛ لقول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ وموسى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾.
﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾؛ أي: توبة وندما. ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: بعد عمل سوء ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ﴾ للتائبين ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: مشفق عليهم بقبول توبتهم، وهذا تعريض لطيف بما وقع من موسى ﵇ من وكزه القبطي. و (١) اختار النحاس هذا القول؛ أي: جعله استثناء متصلًا، وقال: علم من عصى منهم فاستثناه، فقال: إلا من ظلم، وإن كنت قد غفرت له كآدم وداود وموسى، ولا مانع من الخوف بعد المغفرة، فإن نبينا ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول: "وددت أني شجرة تعضد".
وقيل: الاستثناء منقطع؛ أي: لكن من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء. وقيل: الاستثناء من محذوف، تقديره: أي: لا يخاف لدي المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم إلا من ظلم ثم بدل حسنًا إلخ. قاله الفراء، ورده النحاس. والمعنى: على الانقطاع؛ أي: لكن (٢) من ظلم من سائر العباد فإنه يخاف إلا إذا تاب فبدل بتوبته حسنًا بعد سوء فإني أغفر له، وأمحو ذنوبه، وجميع آثارها، كما فعل السحرة الذين آمنوا بموسى. وفي هذا بشارة عظيمة لسائر البشر، فإن من عمل ذنبًا ثم أقلع عنه وتاب وأناب فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾
وقال أبو حيان: والأظهر (٣) أن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾: استثناء منقطع؛ إذ الأنبياء معصومون من وقوع الظلم والواقع من غيرهم. وقال الأخفش وأبو عبيدة: ﴿إِلَّا﴾: حرف عطف بمعنى ﴿الواو﴾ في التشريك في اللفظ، والمعنى: والتقدير: ولا من ظلم، وهذا ليسى بشيء؛ لأن معنى ﴿إِلَّا﴾ مباين لمعنى
стр. 9164
﴿الواو﴾ مباينة كثيرة؛ إذ ﴿الواو﴾ للإدخال؛ و ﴿إِلَّا﴾: للإخراج، فلا يمكن وقوع أحدهما موقع الآخر.
وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم (١): ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح وتنبيه، و ﴿مَنْ﴾ شرطية، وجوابها ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقرأ الجمهور: ﴿حُسْنًا﴾ بضم الحاء وإسكان السين منونًا. وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني كذلك إلا أنه لم ينون، جعله فعلى فامتنع الصرف، وابن مقسم بضم الحاء والسين منونًا. وقرأ مجاهد وأبو حيوة وابن أبي ليلى والأعمش وأبو عمرو في رواية الجعفي وأبو زيد وعصمة وعبد الوارث وهارون وعياش بفتحهما منونًا.
قال شيخ الإِسلام زكريا: قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ فإن قلت (٢): قال ذلك هنا، وقال في سورة القصص: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ بزيادة ﴿أَقْبِلْ﴾، فلم خالف بين الموضعين؟
قلتُ: لأن ما هنا بني عليه كلام يناسبه، وهو ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ فناسبه الحذف، وما هناك لم يبن عليه شيء فناسبه زيادة ﴿أَقْبِلْ﴾ جبرًا له، وليكون في مقابلة مدبرًا؛ أي: أقبل آمنًا غير مدبر ولا تخف.
وقال أيضًا: قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ...﴾ الآية، إن قلت: كيف وجه صحة الاستثناء فيه مع أن الأنبياء معصومون من المعاصي؟
قلتُ: الاستثناء منقطع؛ أي: لكن من ظلم من غير الأنبياء فإنه يخاف، فإن تاب وبدل حسنًا بعد سوء فإني غفور رحيم، أو متصل يحمل الظلم على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل، أو ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: ولا، كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإنما خص المرسلين بالذكر؛ لأن الكلام في قصة موسى وكان من المرسلين، وإلا فسائر الأنبياء كذلك وإن لم يكن بعضهم رسلًا.
стр. 9165
١٢ - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾: معطوف على ﴿بُورِكَ﴾ أيضًا، والجيب مدخل الرأس من القميص المفتوح إلى الصدر؛ أي: وأدخل يدك في حبيب مدرعتك، واجعلها تحت إبطك، ولم يقل (١): في كمِّك؛ لأنه كان عليه مدرعة من صوف، لا كم لها ولا إزار، فكانت يده الكريمة مكشوفة، فأمر بإدخال يده في مدرعته، وهي جبة صغيرة يتدرع بها؛ أي: تلبس بدل الدرع، وهو القميص؛ أي: وأدخل يدك في جيبك وأخرجها.
﴿تَخْرُجْ﴾ يدك حالة كونها ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ أي: براقة لها شعاع كشعاع الشمس؛ أي: إن أدخلتها تخرج على هذه الصفة ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: من غير آفة وعلة ومرض، كبرص وبهق ونحوهما مما يبيض الجسم.
فإن قلت: لِمَ (٢) ثم أتى هنا بلفظ ﴿أَدْخِلْ﴾، وفي القصص بلفظ ﴿اسْلُكْ﴾ هو فلم خالف بين الموضعين؟
قلتُ: أتى هنا بلفظ ﴿أَدْخِلْ﴾ وهناك بلفظ ﴿اسْلُكْ﴾؛ لأن الإدخال أبلغ من السلوك؛ لأن ماضيه أكثر حروفًا من ماضي السلوك، فناسب ﴿أَدْخِلْ﴾ كثرة الآيات في قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: معها مرسلًا إلى فرعون، وناسب ﴿اسلك﴾ قلتها، وهي سلوك اليد وضم الجناح المعبر عنهما بقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
وقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هاتان الآيتان المذكورتان؛ الأولى منهما تغيير ما في يده، وقلبها من جماد إلى حيوان، والثانية تغيير يده نفسها، وقلب أوصافها إلى أوصاف أخرى نورانية؛ أي (٣): هما داخلتان في جملة تسع آيات، فتكون الآيات تسعًا بالعصا واليد؛ وهن: العصا، واليد البيضاء، والجدب في البوادي، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والدم، والضفادع، حالة كونك مبعوثًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ اللعين ﴿وَقَوْمِهِ﴾
стр. 9166
القبطيين، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليل للبعث؛ أي: وإنما بعثناك إليهم بهذه الآيات التسع؛ لأن فرعون وقومه كانوا قومًا فاسقين؛ أي: خارجين عن الحدود في الكفران والعدوان؛ أي: خرجوا عما تقتضيه الفطرة ويوجبه العقل بادعاء فرعون الألوهية وتصديقهم له في ذلك.
والظاهر (١): أن قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿أَلْقِ﴾ و ﴿أَدْخِلْ﴾، وأن قوله: ﴿فِي تِسْعِ﴾ متعلق بمحذوف حال من مفعولهما؛ أي: ألق عصاك، وأدخل يدك حالة كون العصا واليد مع جملة الآيات التسع، فإن الآيات إحدى عشرة: العصا واليد، والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، وحالة كونك مرسلًا بها إلى فرعون وقومه القبط إنهم كانوا قومًا خارجين عن ربقة الانقياد لأمري والعبودية لألوهيتي.
فإن قلت: قال هنا (٢): بلفظ ﴿وَقَوْمِهِ﴾، وفي القصص بلفظ ﴿وَمَلَئِهِ﴾ فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: الفرق بينهما أن الملأ أشراف القوم، ولم يوصفوا ثَمَّ بما وصف به القوم من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ الآية، فناسب ذكر القوم هنا؛ ليعم هذا الوصف الكل، وذكر الملأ ثم.
١٣ - و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾ للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنا بعثناه إلى فرعون وقومه في تسع آيات، وأردت بيان حالهم حين جاءهم موسى بآياتنا .. فأقول لك: لما جاءهم موسى بآياتنا التسع، وظهرت على يده حالة كون تلك الآيات ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: مستنيرة واضحة. وعبارة "الجمل"؛ أي: مضيئة إضاءة معنوية في كلها، وحسية أيضًا في بعضها؛ وهو اليد. اهـ. شيخنا.
стр. 9167
فقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ اسم فاعل (١) أطلق على المفعول إشعارًا بأنها لفرط إنارتها ووضوحها للأبصار كانت بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر. ﴿قَالُوا هَذَا﴾ الذي جئت به يا موسى من الخوارق التي تشاهدها ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ واضح سحريته؛ أي (٢): فلما جاءت فرعون وقومه أدلتنا الواضحة المنيرة الدالة على صدق الداعي أنكروها، وقالوا: هذا سحر وخيال لا حقيقة له، بين لائح في أنه خيال يدل على مهارة فاعله، وحذق صانعه.
وقرأ علي بن الحسين وقتادة مبصرة بفتح الميم والصاد؛ أي: مكانًا يكثر فيه البصر.
١٤ - ثم بين أن هذا التكذيب إنما كان باللسان فحسب، لا بالقلب، فقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾؛ أي: وكذبوا بتلك الآيات بألسنتهم، ولم يقروا أنها من عند الله سبحانه، والواو: في قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ للحال؛ أي: وقد أيقنتها أنفسهم، وعلمتها قلوبهم وضمائرهم علمًا يقينيًا أنها من عند الله وليست بسحر؛ أي: كذبوها بألسنتهم حالة كون أنفسهم مستيقنة لها. قال أبو الليث: وإنما استيقنتها قلوبهم؛ لأن كل آية رأوها استغاثوا بموسى، وسألوا منه بأن يكشف عنهم، فكشف عنهم، فظهر لهم بذلك أنها من الله تعالى.
وقوله: ﴿ظُلْمًا﴾ نفسانيًا ﴿وَعُلُوًّا﴾؛ أي: استكبارًا شيطانيًا، علتان لـ ﴿جَحَدُوا﴾؛ أي: جحدوا بها ظلما لتلك الآيات؛ إذ حطوها عن مرتبتها العالية، وسموها سحرًا وعلوًا؛ أي: ترفعًا عن الإيمان بها، وهم يعلمون أنها من الله سبحانه، أو حالان من ﴿الواو﴾ في ﴿وَجَحَدُوا﴾؛ أي: حالة كونهم ظالمين لتلك الآيات ومترفعين عن الإيمان بها.
وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة وأبان بن تغلب: ﴿وعليًا﴾ بقلب ﴿الواو﴾ ياء، وكسر العين واللام، وأصله فعول، لكنهم كسروا العين إتباعًا. وروي ضمها عن ابن وثاب والأعمش وطلحة. والمعنى: أي وكذبوا بها
стр. 9168
بألسنتهم، وأنكروا دلالتها على صدقه، وأنه رسول من ربه، لكنهم علموا في قرارة نفوسهم أنها حق من عنده، فخالفت ألسنتهم قلوبهم ظلمًا للآيات، إذ خطوها عن مرتبتها العالية، وسموها سحرًا ترفعًا عن الإيمان بها، كما قال في آية أخرى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾.
والخلاصة: أنهم تكبروا عن أن يؤمنوا بها، وهم يعلمون أنها من عند الله يسبحانه وتعالى. ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد وفكر ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض وهو الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة، أي فانظر أيها الرسول ما آل إليه أمر فرعون وقومه من الإغراق على الوجه الذي فيه العبر للظالمين ومن إخراجهم من الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم.
وفي هذا تحذير للمكذبين بمحمد ﷺ الجاحدين لما جاء به من عند ربه أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك؛ لعلهم يقلعون عن عنادهم واستكبارهم حتى لا تنزل بهم القوارع، ويأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون، فمن قدر على إهلاك فرعون كان قادرًا على إهلاك من هو على صفته، وذلك إلى يوم القيامة، فإن جلال الله سبحانه دائم للأعداء، كما أن جماله باق للأولياء، مستمر في كل عصر وزمان، فعلى العاقل أن يتعظ بحال غيره، ويترك الأسباب المؤدية إلى الهلاك مثل الظلم والعلو الذي هو من صفات النفس الأمارة، ويصلح حاله بالعدل والتواضع، وغير ذلك مما هو من ملكات القلب.
قصة داود وسليمان ﵉
١٥ - ولما فرغ سبحانه من قصة موسى شرع في قصة داود بن إيشا وقصة ابنه سليمان ﵉، وهذه القصص وما قبلها وما بعدها هي كالبيان والتقرير لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ فقال: ﴿و﴾ عزتي وجلالي. ﴿لَقَدْ آتَيْنَا﴾ وأعطينا ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ ابنه ﵉ ﴿عِلْمًا﴾؛ أي: طائفة عظيمة من العلم، فعلمنا داود صنعة الدروع ولبوس الحرب، وعلمنا سليمان منطق الطير والدواب وتسبيح الجبال ونحو ذلك، مما لم نؤته أحدًا ممن قبلهما، فشكرا الله سبحانه على ما أولاهما من منته ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ بما آتانا
стр. 9169
من النبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين لم يؤتهم مثل ما آتانا.
تنبيه: وعاش داود مئة سنة، وبينه وبين موسى خمس مئة وتسع وستون سنة. وعاش سليمان نيفًا وخمسين سنة، وبينه وبين محمد ألف وسبع مئة سنة. اهـ. شيخنا نقلًا عن "التجيير".
فائدة: قال في "مشكاة الأنوار": قالت نملة لسليمان ﵇: يا نبي الله أتدري لم صار اسم أبيك داود، واسمك سليمان؟ قال: لا. قالت: لأن أباك داوى قلبه عن جراحة الالتفات إلى غير الله سبحانه فَوُدَّ، وأنت سليم تصغير سليم آن لك، أي: حان لك أن تلحق بأبيك، انتهى.
فائدة أخرى: وعلم (١) سبعة أنفار سبعة أشياء: علم آدم أسماء الأشياء، فكان سببًا في حصول السجود والتحية، وعلم الخضر علم الفراسة، فكان سببًا لوجدان موسى ويوشع تلميذًا له، وعلم يوسف التعبير، فكان سببًا لوجدان الأهل والمملكة، وعلم داود صنعة الدروع، فكان سببًا لوجدان الرياسة والدرجة، وعلم سليمان منطق الطير فكان سببًا لوجدان بلقيس، وعلم عيسى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، فكان سببًا لزوال التهمة عن الشر، وعلم محمدًا ﷺ الشرع والتوحيد، فكان سببًا لوجود الشفاعة.
وقال الزمخشري: قوله: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فإن قلت: أليس (٢) هذا موضع الفاء دون ﴿الواو﴾، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟
قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعارًا بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم، وشيء من موجبه، فاضر ذلك، ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علمًا فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا الحمد لله. والكثير المفضل عليه من لم يؤت علمًا، أو من لم يؤت مثل علمهما، كذا قال أبو حيان. وقال غيره: والمفضل عليه من لم يؤت مثل علمهما، لا من
стр. 9170
لم يؤت علمًا أصلًا، فإنه قد بين الكثير بالمؤمنين وخلوهم من العلم بالكلية مما لا يمكن، وفي تخصيصهما الكثير بالذكر رمز إلى أن البعض مُفَضَّلُون عليهما.
وقال الماوردي: المراد بقوله: ﴿عِلْمًا﴾ علم الكيمياء، وذلك لأنه من علوم الأنبياء والمرسلين والأولياء العارفين، والكيمياء في الحقيقة القناعة بالموجود، وترك التشوق إلى المفقود. وفي الآية إيماء (١) إلى فضل العلم وشرف أهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من العباد، ومنحا شرفًا جليلًا حيث شكرا عليه، وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئًا دونه مما أوتياه من الملك العظيم.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وفيها تحريض للعلماء على أن يحمدوا الله على ما آتاهم من فضله، وأن يتواضعوا، ويعتقدوا أن في عباد الله من يفضلهم فيه، وفوق كل ذي علم عليم، ونعم ما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: كل الناس أفقه من عمر.
وروي (٢): أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال؟ فقال: "العلم بالله والفقه في دينه". وكررهما عليه، فقال يا رسول الله أسألك عن العمل؟ فتخبرني عن العلم، فقال: "إن العلم ينفعك معه قليل من العمل، وإن الجهل لا ينفعك معه كثير العمل". والمتعبد بغير علم كحمار الطاحونة، يدور ولا يقطع المسافة.
وهذا التفضيل سبب لمزيد الحمد والشكر لله تعالى، فإن الثناء بقدر الموهبة والعطية، نحمد الله تعالى على آلائه ونعمائه، ونستزيد العلم وقطراته من دَأْمَائِه، ونسأله التوفيق في طريق التحقيق، والثبات على العمل الصالح بالعلم النافع الذي هو للهوى قامع، وللشهوات دافع، إنه المتفضل المنعم الكبير والوهاب الفياض الرحيم.
١٦ - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ بن داود أباه ﴿دَاوُودَ﴾ ﵉؛ أي قام مقامه في
стр. 9171
النبوة والملك بعد موته، وسخرت له الريح والشياطين؛ أي: صار إليه العلم والنبوة والملك بعد موت أبيه دون سائر أولاده، فسمي ميراثًا تجوزًا؛ لأن حقيقة الميراث في المال، والأنبياء إنما يرثون الكمالات النفسانية، ولا قدر للمال عندهم. وقال قتادة والكلبي (١): كان لداود تسعة عشر ولدًا ذكرًا، فورث سليمان من بينهم نبوته، ولو كان المراد وراثة المال لم يَخُصَّ سليمانَ بالذكر؛ لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين: فهذه الوراثة هي وراثة مجازية، كما في قوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء".
وقال قتادة في معنى الآية (٢): ورث نبوته وملكه وعلمه، وأعطي ما أعطي داود، وزيد له تسخير الريح والشياطين، وكان أعظم ملكًا منه، وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدًا من سليمان، شاكرًا لنعم الله تعالى، اهـ.
ثم ذكر بعض نعم الله عليه، ﴿وَقَالَ﴾؛ أي: سليمان تشهيرًا لنعمة الله تعالى عليه ودعاء للناس إلى الإيمان إلى التصديق به بذكر المعجزات الباهرة التي أوتيها؛ أي: لا فخرًا وتكبرًا.
قال البقلي (٣): إن سليمان ﵇ أخبر الخلق بما وهبه الله تعالى؛ لأن المتمكن إذا بلغ درجة التمكين يجوز له أن يخبر الخلق بما عنده من موهبة الله؛ لزيادة المؤمنين، وللحجة على المنكرين. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ أي قال سليمان متحدثًا بنعمة ربه ومنبها إلى ما شرفه به يكون أجدر ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا﴾ (النون) (٤) نون الواحد المطاع على عادة الملوك، فإنهم متكلمون مثل ذلك، رعاية لقاعدة السياسة، لا تكبرًا وتجبرًا. وكذا في ﴿وَأُوتِينَا﴾ وقال بعضهم: ﴿عُلِّمْنَا﴾؛ أي: أنا وأبي، وهذا ينافي اختصاص سليمان بفهم منطق الطير على ما هو المشهور؛ أي: علمنا الله ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: صوت الطير؛ أي: قال سليمان مخاطبًا للناس، تحدثًا بما أنعم الله به عليه،
стр. 9172
وشكرًا للنعمة التي خصه بها: يا أيها الناس إن ربي يسر لي فهم ما يريده الطائر إذا صوت، فأعطاني قوة أستطيع بها أن أتبين مقاصده التي يومىء إليها فضلًا منه ونعمة. والمعنى: علمنا فهم ما يقوله كل طائر إذا صوت.
وقدم منطق الطير (١)؛ لأنها نعمة خاصة به لا يشاركه فيها غيره. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير؛ لأنه كان جندًا من جنوده يسير معه لتظليله من الشمس. وقال قتادة والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة، ولا يعترض ذلك بالنملة، فإنها من جملة الطير، وكثيرًا ما تخرج لها أجنحة فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع كلامها وفهمه.
وسميت (٢) أصوات الطير منطقًا اعتبارًا بسليمان الذي كان يفهمه، فمن فهم من شيء معنى .. فذلك الشيء بالنسبة إليه ناطق وإن كان صامتًا، وبالنسبة إلى من لا يفهم عنه صامت وإن كان ناطقًا.
وقد اجتهد (٣) كثير من الباحثين في العصر الحاضر فعرفوا كثيرًا من لغات الطيور؛ أي: تنوع أصواتها لأداء أغراضها المختلفة، من حزن وفرح، وحاجة إلى طعام وشراب، واستغاثة من عدو إلى نحو ذلك من الأغراض القليلة التي جعلها الله سبحانه للطير.
وفي هذا معجزة لكتابه الكريم؛ لقوله في آخر السورة: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾.
وإنك لتعجب إذ ترى اليوم أن كثيرًا من الأمم تبحث في لغات الطيور والحيوان والحشرات، كالنمل والنحل، وتبحث في تنوع أصواتها لتنوع أغراضها، فكأنه تعالى يقول: إنكم لا تعرفون لغات الطيور الآن، وعلمتها سليمان، وسيأتي يوم ينتشر فيه علم أحوال مخلوقاتي، ويطلع الناس على عجائب صنعي فيها.
стр. 9173
﴿وَأُوتِينَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما نحتاج إليه في تدبير الملك، ويعيننا في ديننا ودنيانا، كالعلم والحكمة، والنبوة والمال، وتسخير الجن والإنس، والطير والرياح، والوحوش والدواب، وكل ما بين السماء والأرض. وهذا أسلوب يراد به الكثرة من أي شيء، كما يقال: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بيانًا لحاله من كونه مطاعًا لا يخالف، لا تكبرًا وتعظيمًا لنفسه، وسيأتي في مقال الهدهد عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فإن قلت: كيف (١) سوى بينه في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وبين بلقيس في قول الهدهد ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟
قلتُ: الفرق بينهما أنها أوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا فقط؛ لعطف ذلك على تملكهم، وسليمان أوتي من كل شيء من أسباب الدين والدنيا؛ لعطف ذلك على المعجزة؛ وهي: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾
قال مقاتل: كان سليمان ﵇ جالسًا إذ مر به طير يصوت، فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول هذا الطائر الذي مر بنا؟ قالوا: أنت أعلم. قال سليمان: إنه قال لي: السلام عليك أيها الملك المسلط على بني إسرائيل، أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى فروخي، ثم أمر بك الثانية. وإنه سيرجع إلينا الثانية، فانظروا إلى رجوعه، قال: فنظر القوم إذ مر بهم، فقال: السلام عليك أيها الملك، إن شئت إيذن لي كيما أكتسب على فروخي حتى أشبعها ثم آتيك، فتفعل ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال، فأذن له.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التعليم والإيتاء ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ﴾ والإحسان من الله تعالى ﴿الْمُبِينُ﴾؛ أي: الواضح الذي لا يخفى على أحد. وفي "الوسيط": لهو الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، قاله على سبيل الشكر والحمد، كما قال
стр. 9174
رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؛ أي: أقول هذا القول شكرًا، لا فخرًا.
١٧ - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: جمع له بقهر وإكراه بأيسر أمر ﴿جُنُودُهُ﴾ وعساكره ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ من مختلف النواحي؛ ليحارب بهم من لم يدخل في طاعته، وإنما (١) قال: ﴿جُنُودُهُ﴾؛ لاختلاف أجناس عساكره، فكل جنس من الخلق جند على حدة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ فالبعوض لنمرود جند، والأبابيل لأصحاب الفيل جند، والمعنى: أخرج لسليمان وجمع له عساكره في مسير وسفر كان له من الشام إلى طرف اليمن.
وفي "فتح الرحمن": من إِصطخر إلى اليمن، وإِصطخر - بكسر الهمزة وفتح الخاء - بلدة من بلاد فارس كانت دار السلطنة لسليمان ﵇. من الجن والإنس والطير؛ أي: جمع له بمباشرة الرؤساء من كل جنس؛ لأنه كان إذا أراد سفرًا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود؛ ليجمعوا له أجناسهم، وقدم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه من أول أمر؛ لما أن الجن طائفة طاغية بعيدة من الحشر والتسخير ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يحبسون ويمنعون من الانتشار والتفرق، حتى يرد أولهم على آخرهم، من الوزع بمعنى الكف والمنع عن التفرق والانتشار. والوازع الذي يكف الجيش عن الانتشار، ويكف الرعية عن التظالم والفساد، وجمعه وزعة، والمعنى يحبس أوائلهم على أواخرهم ليتلاحقوا، ويجتمعوا ولا ينتشروا حتى ساقوا، كما هو حال الجيش الكثير، وكان لكل صنف من جنوده وزعة ومنعة ترد أولادهم على أخراهم صيانة من التفرق.
قال محمد بن القرظي (٢): كان مُعَسْكَرُ سليمان ﵇ مئة فرسخ في مئة فرسخ، خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمس وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من القوارير مصنوعة على الخشب، فيها ثلاث مئة منكوحة؛ يعني حرة، وسبع مئة سرية. وقد نسجت له
стр. 9175
الجن بساطًا من ذهب وإبريسم فرسخًا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب فيقعد عليه، وحوله ست مئة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر.
وفي "أبي السعود" قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم؛ أي: يوقف أوائل العسكر حتى يلحقهم الأواخر، فيكونون مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة. ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر، وفيه إشعار بكمال مسارعتهم إلى السير، وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق آخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضًا؛ لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا كله إذا لم يكن سيرهم بتيسير الله الريح في الجو، اهـ.
١٨ - ﴿حَتَّى﴾: ابتدائية؛ لدخولها على الجملة، وغائية؛ لكونها غاية لمحذوف يدل عليه قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ تقديره: فساروا حتى ﴿إِذَا أَتَوْا﴾ أي: ساروا مشاة على الأرض، وركبانًا حتى إذا أتوا وأشرفوا ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ من فوق، وبلغوا آخره، ولعلهم أرادوا أن ينزلوا عند منتهى الوادي؛ إذ حينئذ يخافهم ما في الأرض لا عند مسيرهم في الهواء، كما في "الإرشاد"، ولعل هذه القصة قبل تسخير الله له الريح. والوادي مسيل الماء، والنمل معروف، الواحدة نملة.
ومعنى واد النمل (١): وادٍ يكثر فيه النمل، كما يقال: بلاد الثلج لبلد يكثر فيه الثلج، والمراد هنا: واد بالشام أو بالطائف كثير النمل، والمشهور أنه النمل الصغير. وقيل: كان نمل ذلك المكان كالذئاب والبخاتي، ولذا قال بعضهم: ﴿في وادي النمل﴾: هو واد يسكنه الجن والنمل مراكبهم، ووقف القراء (٢) جميعهم على ﴿وَادِ﴾ بدون ياء إتباعًا للرسم، حيث لم يكن الحذف عندهم