النبوة والملك بعد موته، وسخرت له الريح والشياطين؛ أي: صار إليه العلم والنبوة والملك بعد موت أبيه دون سائر أولاده، فسمي ميراثًا تجوزًا؛ لأن حقيقة الميراث في المال، والأنبياء إنما يرثون الكمالات النفسانية، ولا قدر للمال عندهم. وقال قتادة والكلبي (١): كان لداود تسعة عشر ولدًا ذكرًا، فورث سليمان من بينهم نبوته، ولو كان المراد وراثة المال لم يَخُصَّ سليمانَ بالذكر؛ لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين: فهذه الوراثة هي وراثة مجازية، كما في قوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء".
وقال قتادة في معنى الآية (٢): ورث نبوته وملكه وعلمه، وأعطي ما أعطي داود، وزيد له تسخير الريح والشياطين، وكان أعظم ملكًا منه، وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدًا من سليمان، شاكرًا لنعم الله تعالى، اهـ.
ثم ذكر بعض نعم الله عليه، ﴿وَقَالَ﴾؛ أي: سليمان تشهيرًا لنعمة الله تعالى عليه ودعاء للناس إلى الإيمان إلى التصديق به بذكر المعجزات الباهرة التي أوتيها؛ أي: لا فخرًا وتكبرًا.
قال البقلي (٣): إن سليمان ﵇ أخبر الخلق بما وهبه الله تعالى؛ لأن المتمكن إذا بلغ درجة التمكين يجوز له أن يخبر الخلق بما عنده من موهبة الله؛ لزيادة المؤمنين، وللحجة على المنكرين. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ أي قال سليمان متحدثًا بنعمة ربه ومنبها إلى ما شرفه به يكون أجدر ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا﴾ (النون) (٤) نون الواحد المطاع على عادة الملوك، فإنهم متكلمون مثل ذلك، رعاية لقاعدة السياسة، لا تكبرًا وتجبرًا. وكذا في ﴿وَأُوتِينَا﴾ وقال بعضهم: ﴿عُلِّمْنَا﴾؛ أي: أنا وأبي، وهذا ينافي اختصاص سليمان بفهم منطق الطير على ما هو المشهور؛ أي: علمنا الله ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: صوت الطير؛ أي: قال سليمان مخاطبًا للناس، تحدثًا بما أنعم الله به عليه،
стр. 9172
وشكرًا للنعمة التي خصه بها: يا أيها الناس إن ربي يسر لي فهم ما يريده الطائر إذا صوت، فأعطاني قوة أستطيع بها أن أتبين مقاصده التي يومىء إليها فضلًا منه ونعمة. والمعنى: علمنا فهم ما يقوله كل طائر إذا صوت.
وقدم منطق الطير (١)؛ لأنها نعمة خاصة به لا يشاركه فيها غيره. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير؛ لأنه كان جندًا من جنوده يسير معه لتظليله من الشمس. وقال قتادة والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة، ولا يعترض ذلك بالنملة، فإنها من جملة الطير، وكثيرًا ما تخرج لها أجنحة فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع كلامها وفهمه.
وسميت (٢) أصوات الطير منطقًا اعتبارًا بسليمان الذي كان يفهمه، فمن فهم من شيء معنى .. فذلك الشيء بالنسبة إليه ناطق وإن كان صامتًا، وبالنسبة إلى من لا يفهم عنه صامت وإن كان ناطقًا.
وقد اجتهد (٣) كثير من الباحثين في العصر الحاضر فعرفوا كثيرًا من لغات الطيور؛ أي: تنوع أصواتها لأداء أغراضها المختلفة، من حزن وفرح، وحاجة إلى طعام وشراب، واستغاثة من عدو إلى نحو ذلك من الأغراض القليلة التي جعلها الله سبحانه للطير.
وفي هذا معجزة لكتابه الكريم؛ لقوله في آخر السورة: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾.
وإنك لتعجب إذ ترى اليوم أن كثيرًا من الأمم تبحث في لغات الطيور والحيوان والحشرات، كالنمل والنحل، وتبحث في تنوع أصواتها لتنوع أغراضها، فكأنه تعالى يقول: إنكم لا تعرفون لغات الطيور الآن، وعلمتها سليمان، وسيأتي يوم ينتشر فيه علم أحوال مخلوقاتي، ويطلع الناس على عجائب صنعي فيها.
стр. 9173
﴿وَأُوتِينَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما نحتاج إليه في تدبير الملك، ويعيننا في ديننا ودنيانا، كالعلم والحكمة، والنبوة والمال، وتسخير الجن والإنس، والطير والرياح، والوحوش والدواب، وكل ما بين السماء والأرض. وهذا أسلوب يراد به الكثرة من أي شيء، كما يقال: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بيانًا لحاله من كونه مطاعًا لا يخالف، لا تكبرًا وتعظيمًا لنفسه، وسيأتي في مقال الهدهد عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فإن قلت: كيف (١) سوى بينه في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وبين بلقيس في قول الهدهد ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟
قلتُ: الفرق بينهما أنها أوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا فقط؛ لعطف ذلك على تملكهم، وسليمان أوتي من كل شيء من أسباب الدين والدنيا؛ لعطف ذلك على المعجزة؛ وهي: ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾
قال مقاتل: كان سليمان ﵇ جالسًا إذ مر به طير يصوت، فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول هذا الطائر الذي مر بنا؟ قالوا: أنت أعلم. قال سليمان: إنه قال لي: السلام عليك أيها الملك المسلط على بني إسرائيل، أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى فروخي، ثم أمر بك الثانية. وإنه سيرجع إلينا الثانية، فانظروا إلى رجوعه، قال: فنظر القوم إذ مر بهم، فقال: السلام عليك أيها الملك، إن شئت إيذن لي كيما أكتسب على فروخي حتى أشبعها ثم آتيك، فتفعل ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال، فأذن له.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور من التعليم والإيتاء ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ﴾ والإحسان من الله تعالى ﴿الْمُبِينُ﴾؛ أي: الواضح الذي لا يخفى على أحد. وفي "الوسيط": لهو الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، قاله على سبيل الشكر والحمد، كما قال
стр. 9174
رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؛ أي: أقول هذا القول شكرًا، لا فخرًا.
١٧ - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: جمع له بقهر وإكراه بأيسر أمر ﴿جُنُودُهُ﴾ وعساكره ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ من مختلف النواحي؛ ليحارب بهم من لم يدخل في طاعته، وإنما (١) قال: ﴿جُنُودُهُ﴾؛ لاختلاف أجناس عساكره، فكل جنس من الخلق جند على حدة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ فالبعوض لنمرود جند، والأبابيل لأصحاب الفيل جند، والمعنى: أخرج لسليمان وجمع له عساكره في مسير وسفر كان له من الشام إلى طرف اليمن.
وفي "فتح الرحمن": من إِصطخر إلى اليمن، وإِصطخر - بكسر الهمزة وفتح الخاء - بلدة من بلاد فارس كانت دار السلطنة لسليمان ﵇. من الجن والإنس والطير؛ أي: جمع له بمباشرة الرؤساء من كل جنس؛ لأنه كان إذا أراد سفرًا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود؛ ليجمعوا له أجناسهم، وقدم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه من أول أمر؛ لما أن الجن طائفة طاغية بعيدة من الحشر والتسخير ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يحبسون ويمنعون من الانتشار والتفرق، حتى يرد أولهم على آخرهم، من الوزع بمعنى الكف والمنع عن التفرق والانتشار. والوازع الذي يكف الجيش عن الانتشار، ويكف الرعية عن التظالم والفساد، وجمعه وزعة، والمعنى يحبس أوائلهم على أواخرهم ليتلاحقوا، ويجتمعوا ولا ينتشروا حتى ساقوا، كما هو حال الجيش الكثير، وكان لكل صنف من جنوده وزعة ومنعة ترد أولادهم على أخراهم صيانة من التفرق.
قال محمد بن القرظي (٢): كان مُعَسْكَرُ سليمان ﵇ مئة فرسخ في مئة فرسخ، خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمس وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من القوارير مصنوعة على الخشب، فيها ثلاث مئة منكوحة؛ يعني حرة، وسبع مئة سرية. وقد نسجت له
стр. 9175
الجن بساطًا من ذهب وإبريسم فرسخًا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب فيقعد عليه، وحوله ست مئة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر.
وفي "أبي السعود" قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم؛ أي: يوقف أوائل العسكر حتى يلحقهم الأواخر، فيكونون مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة. ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر، وفيه إشعار بكمال مسارعتهم إلى السير، وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق آخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضًا؛ لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا كله إذا لم يكن سيرهم بتيسير الله الريح في الجو، اهـ.
١٨ - ﴿حَتَّى﴾: ابتدائية؛ لدخولها على الجملة، وغائية؛ لكونها غاية لمحذوف يدل عليه قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ تقديره: فساروا حتى ﴿إِذَا أَتَوْا﴾ أي: ساروا مشاة على الأرض، وركبانًا حتى إذا أتوا وأشرفوا ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ من فوق، وبلغوا آخره، ولعلهم أرادوا أن ينزلوا عند منتهى الوادي؛ إذ حينئذ يخافهم ما في الأرض لا عند مسيرهم في الهواء، كما في "الإرشاد"، ولعل هذه القصة قبل تسخير الله له الريح. والوادي مسيل الماء، والنمل معروف، الواحدة نملة.
ومعنى واد النمل (١): وادٍ يكثر فيه النمل، كما يقال: بلاد الثلج لبلد يكثر فيه الثلج، والمراد هنا: واد بالشام أو بالطائف كثير النمل، والمشهور أنه النمل الصغير. وقيل: كان نمل ذلك المكان كالذئاب والبخاتي، ولذا قال بعضهم: ﴿في وادي النمل﴾: هو واد يسكنه الجن والنمل مراكبهم، ووقف القراء (٢) جميعهم على ﴿وَادِ﴾ بدون ياء إتباعًا للرسم، حيث لم يكن الحذف عندهم
стр. 9176
للالتقاء الساكنين، كقوله: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل.
والمعنى: فهم يسيرون ممنوعًا بعضهم من مفارقة بعض، حتى إذا أتوا على وادٍ النمل، وقطعوه، وبلغوا آخره، وأرادوا النزول. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ من نمال الوادي؛ وهي ملكة النملة، وكانت عرجاء ذات جناحين في عظم الديك، أو النعجة، أو الذئب، واسمها منذرة أو طاخية، أو جرمى، سميت بهذا الاسم في التوراة أو في الإنجيل، أو في بعض الصحف الإلهية، سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به الأنبياء قبل سليمان، وخصت بالتسمية لنطقها، وإلا فكيف يتصور أن يكون للنملة اسم علم، والنمل لا يسمي بعضهم بعضًا، ولا يتميز للآدميين صورة بعضهم من بعض حتى يسمونهم، ولا هم واقعون تحت ملك بني آدم كالخيل والكلاب ونحوهما، كما في كتاب التعريف والأعلام للسهيلي ﵀، وهي من الحيونات التي تدخل الجنة.
أي: قالت قولًا مشتملًا على حروف وأصوات على وجه النصيحة، وهو جواب ﴿إِذَا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾؛ أي: حجركم ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يكسرنكم من الحطم؛ وهو الكسر. ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يحطمنكم، ولا يعلمون بمكانكم، والجملة الاسمية حال من فاعل ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: والحال (١) أنهم لا يشعرون أنهم يحطمونكم؛ إذ لو شعروا لم يفعلوا؛ أي: إن من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بأن لا يشعروا، كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والأذى إلا على سبيل السهو.
وجعل خطاب النمل كخطاب العقلاء؛ لفهمها لذلك الخطاب، وجملة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ نهي لهم عن الحطم، والمراد: نهيها عن التوقف والتأخر في دخول مساكنهم بحيث يحطمونها، قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال،
стр. 9177
وكان لا يتكلم أحد بشيء إلا حملته الريح حتى تلقيه إلى مسامع سليمان.
وقرأ الحسن (١) وطلحة بن مصرف ومعتمر بن سليمان وأبو سليمان التيمي وأبو مجلز وأبو رجاء وعاصم الجحدري: ﴿نمُلة﴾ - بضم الميم - على وزن سمرة، وعن سليمان التيمي ﴿نُمُلة﴾ ونمل بضم النون والميم فيهما، وقرأ شهر بن حوشب وأبي بن كعب وأبو المتوكل وعاصم الجحدري ﴿مسكنكم﴾ على الإفراد، وعن أبي ﴿دخلن مساكنكن لا يحطمنكم﴾ مخففة النون التي قبل الكاف.
وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى بن عُمر الهمداني الكوفي ونوح القاضي: ﴿لا يُحطمنكم﴾ بضم الياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون، مضارع حطم المضعف. وقرأ (٢) أبي بن كعب وأبو رجاء: ﴿ليحطمنكم﴾ بغير ألف بعد اللام. وقرأ ابن مسعود ﴿لا يَحْطمكم﴾ بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وسكون الميم وحذف النون.
وقرأ عمرو بن العاص وأبان ﴿يَحْطِمَنْكم﴾ بفتح الياء وسكون الحاء والنون ساكنة أيضًا والطاء خفيفة. وقرأ أبو المتوكل وأبو مجلز: ﴿لا يحطمنكم﴾: بفتح الياء وكسر الحاء وتشديد الطاء والنون جميعًا، أصله لا يحتطمنكم من الاحتطام. وقرأ ابن السميقع وابن يعمر وعاصم الجحدري: ﴿يحطمنكم﴾ بضم الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وتشديد النون من الإحطام.
وفي "القرطبي" (٣): قال الثعلبي: كان للنملة جناحان، فصارت من الطير، فلذلك علم منطقها، ولولا ذلك لما علمه. قال أبو إسحاق الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أخفت من ظلمي أم علمت أني نبي عدل، فلم قلت لا يحطمنكم سليمان وجنوده؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي وهم لا يشعرون، مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب
стр. 9178
خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت ويفتتن بالدنيا، ويشتغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر، فلما تكلمت مع سليمان مضت مسرعة إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شيء نهديه إلى نبي الله؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له، والله ما عندنا إلا نبقة واحدة. قالت: حسنة ائتوني بها، فأتوها بها، فحملتها بفيها، وانطلقت تجرها، وأمر الله الريح فحملتها وأقبلت تشق الجن والإنس والأنبياء والعلماء على البساط حتى وقفت بين يديه، فوضعت تلك النبقة من فيها في فيه، وأنشأت تقول:
أَلَمْ تَرَنَا نَهْدِيْ إِلَى اللهِ مَالَهُ ... وَإِنْ كَانَ عَنْهُ ذَا غِنًى فَهْوَ قَابِلُهْ
وَلَوْ كَانَ يُهْدَى لِلْجَلِيْلِ بِقَدْرِهِ ... لأَقْصَرَ عَنْهُ الْبَحْرُ يَوْمًا وَسَاحِلُهْ
وَلَكِنَّنَا نَهْدِيْ إِلَى مَنْ نُحِبُّهُ ... فَيَرْضَى بِهَا عَنَّا وَيُشْكَرُ فَاعِلُهْ
وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ كَرِيْمِ فِعَالِهِ ... وِإِلَّا فَمَا فِيْ مُلْكِنَا مَا يُشَاكِلُهْ
فقال لها: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله، وأكثر خلق الله، والنمل حيوان معروف، شديد الإحساس والشم، حتى أنه يشم الشيء من بعيد، ويدخر قوته، ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة فلقتين خوفًا من الإنبات، ويفلق حبة الكزبرة أربع فلق؛ لأنها إذا فلقت فلقتين نبتت، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة. اهـ. وهذه النملة التي تكلمت مع سليمان مؤنثة حقيقة بدليل لحاق علامة التأنيث لفعلها؛ لأن نملة تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تمييز ذلك .. قيل: نملة ذكر، ونملة أنثى، نحو حمامة ويمامة.
وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة ﵀: أنه وقف على قتادة، وهو يقول: سلوني، فأمر أبو حنيفة شخصًا أن يسأل قتادة عن نملة سليمان، هل كانت ذكرأ أو أنثى؟ فلم يجب قتادة، فقيل لأبي حنيفة في ذلك، فقال: كانت أنثى، واستدل على ذلك بلحاق علامة التأنيث بالفعل المسند إليه. اهـ. ورده بعضهم؛ لأنه يصح أن يقال في الذكر: قالت نملة على إرادة الواحدة.
стр. 9179
١٩ - وقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سليمان ﴿ضَاحِكًا﴾ أي: شارعًا في الضحك متعجبًا ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ كلام مفرع (١) على محذوف تقديره: فسمع قولها المذكور، فتبسم. وكل (٢) من التبسم والضحك والقهقهة انفتاح في الفم، لكن الأول انفتاح بلا صوت أصلًا، والثاني انفتاح مع صوت خفيف، والثالث انفتاح مع صوت قوي، اهـ عن "شرح على المواهب" يعني: أنه بالغ في تبسمه حتى بلغ نهايته التي هي أول مراتب الضحك، فهو حال مقدرة، أو مؤكدة على معنى: تبسم متعجبًا من حذرها وتحذيرها، واهتدائها إلى مصالحها ومصالح بني نوعها، فإن ضحك الأنبياء التبسم، والإنسان إذا رأى أو سمع ما لا عهد له به يتعجب ويتبسم.
قال بعضهم: ضحك سليمان كان ظاهره تعجبًا من قول النملة، وباطنه فرحًا بما أعطاه الله سبحانه من فهم كلام النملة، وسرورًا بشهرة حاله وحال جنوده في باب التقوى والشفقة فيما بين أصناف المخلوقات، فإنه لا يسر نبي بأمر الدنيا وإنما كان يسر بما كان من أمر الدين. وقرأ ابن السمقيع: ﴿ضحكا﴾ جعله مصدرًا؛ لأن تبسم بمعنى ضحك، فانتصابه على المصدرية، أو على أنه مصدر في موضع الحال كقراءة ﴿ضَاحِكًا﴾.
﴿وَقَالَ﴾ سليمان ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني، وفقني. وقرأ البزي وورش بفتح ياء ﴿أَوْزِعْنِي﴾. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾ من النبوة والملك والعلم والعدل وفهم كلام الطير ونحوها. ﴿وَ﴾ أنعمت بها ﴿عَلَى وَالِدَيَّ﴾ أي: والدي ووالدتي، وأدرج فيه (٣) ذكر والديه تكثيرًا للنعمة أو تعميمًا لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما، لا سيما الدينية. اهـ "بيضاوي".
قال أهل الكتاب (٤): وأمه هي زوجة أوريا بوزن قوتلا التي امتحن الله سبحانه بها داود.
أي (٥): وأنعمت بها على والدي داود بن إيشا بالنبوة، وتسبيح الجبال
стр. 9180
والطير معه وصنعة اللبوس، وإلانة الحديد وغيرها، وعلى والدتي بتشايع بنت اليائن، كانت امرأة أوريا التي امتحن بها داود؛ وهي امرأة مسلمة زاكية طاهرة، وهي التي قالت له: يا بني لا تكثرن النوم بالليل، فإنه يدع الرجل فقيرًا يوم القيامة، كذا في "كشف الأسرار".
قال ابن قتيبة (١): معنى ﴿أَوْزِعْنِي﴾: ألهمني، وأصل الإيزاع: الإغراء بالشيء، يقال: أوزعته بكذا؛ أي: أغريته به، وهو موزع بكذا، مولع بكذا. وقال الزجاج: تأويله في اللغة: كفني عن الأشياء، إلا عن شكر نعمتك. والمعنى: كفني عما يباعدني منك.
﴿و﴾ ألهمني ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ أي: مخلصًا لوجهك ﴿تَرْضَاهُ﴾؛ أي: تقبله منى قيد العمل الصالح بذلك؛ لأن العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل:
إِذَا كَانَ الْمُحِبُّ قَلِيْلَ حَظٍّ ... فَمَا حَسَنَاتُهُ إِلَّا ذُنُوْبُ
﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ وفضلك ﴿فِي﴾ زمرة ﴿عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ إبراهيم إسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين، كما قاله ابن عباس؛ لأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله تعالى، ولا يهم بمعصية؛ أي: أثبت اسمي في أسمائهم، واحشرني في زمرتهم. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك؛ لأنه لا يدخل الجنة أحد إلا بالرحمة والفضل، لا بالعمل مع عبادك الصالحين؛ أي: الكاملين في الصلاح. قال المفسرون: إنما شكر الله ؛ لأن الريح أبلغت إليه صوتها ففهم ذلك.
فإن قيل (٢): درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، وقد تمنى يوسف ﵇ ذلك بقوله: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؟
стр. 9181
أجيب: بأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله سبحانه، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية. اهـ "خطيب".
وإصلاح الله تعالى (١) الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحًا، وتارة بإزالة ما فيه من الفساد، والأول أعز وأندر.
٢٠ - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ والتفقد: تطلب ما غاب عنك، وتعرف أحواله. والطير: اسم جنس لكل ما يطير، وكانت تصحبه في سفره، وتظله بأجنحتها؛ أي: تعرف سليمان أحوال الطير، وبحث عنها - فلم ير الهدهد فيما بينها، أي (٢): نزل سليمان منزلًا، واحتاج إلى الماء، فطلبوه فلم يجدوه، فطلب الهدهد ليدل على الماء؛ لأنه يعرف موضع الماء قربه وبعده، فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيحفرونها ويستخرجون الماء في ساعة يسيرة. ﴿فَقَالَ﴾ سليمان ﴿مَا لِيَ﴾؛ أي: أي شيء ثبت لي حال كوني ﴿لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ وكان رئيس الهداهد، واسمه يعفور، وقيل: عنبر، كما أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن؛ أي: ما لي لا أراه، هل ذلك لساتر ستره عني، أو لشيء آخر؛ ثم ظهر له أنه غائب، فقال: ﴿أَمْ كَانَ﴾؛ أي الهدهد ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي: من الذين غابوا عني، و ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة التي تقدر ببل وبالهمزة. أي (٣): بل أكان من الغائبين، كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر، ولا يراه لساتر أو غيره، فقال: ما لي لا أراه، ثم احتاط فلاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: أهو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.
والصحيح (٤): أن ﴿أَمْ﴾ في هذا الموضع هي المنقطعة؛ لأن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام، فلو تقدمها أداة الاستفهام غير الهمزة كانت أم منقطعة، وهنا تقدم عليها ﴿ما﴾ ففات شرط المتصلة.
стр. 9182
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب هنا وفي يس (١): ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ بفتح الياء، وقرأ حمزة ويعقوب والبزار بإسكانها في الموضعين، وقرأ الباقون بفتح التي في "يس" وإسكان التي هنا. قال أبو عمرو: لأن هذه التي هنا استفهام، والتي في "يس" نفي، واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان.
وخلاصة ذلك: اْغاب عني الهدهد الآن، فلم أره حين تفقدته، أم كان قد غاب من قبل ولم أشعر بغيبته.
وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن الواجب على الملوك التيقظ في مملكتهم وحسن قيامهم وتكفلهم بأمور رعاياهم، وتفقد أصغر رعيتهم، كما يتفقدون أكبرها بحيث لم يخف عليهم غيبة الأصاغر والأكابر منهم، كما أن سليمان تفقد حال أصغر طير من الطيور، ولم يخف عليه غيبته ساعة، ثم غاية شفقته على الرعية أحال النقص والتقصير إلى نفسه، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ وما قال: ما للهدهد لم أره؛ لرعاية مصالح الرعية، وتأديبهم، قال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ يعني: من الذين غابوا عني بلا إذني.
روي: أن سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس .. تجهز للحج، فوافى الحرم، وأقام به ما شاء، وكان ينحر في كل يوم طول مقامه فيه خمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف بقرة، وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن، فخرج من مكة صباحًا، فوافى صنعاء وقت الزوال، فرأى أرضًا حسناء أعجبته خضرتها، فنزل بها ليتغذى ويصلي، فلم يجد الماء، فتفقد الهدهد، وكان حين اشتغل سليمان بالنزول ارتفع نحو السماء، فنزل إلى بستان بلقيس، فإذا هو بهدهد آخر، وكان اسم هدهد سليمان يعفور، وهدهد اليمن عفير، فقال: عفير ليعفور: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الإنس والجن والشياطين، والطير والوحش والرياح، قال يعفور: ومن ملك هذه البلاد؟ قال عفير: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن - لصاحبك ملكًا عظيمًا، ولكن ليس ملك بلقيس دونه،
стр. 9183
فإنها تملك اليمن، وتحت يدها أربع مئة ملك، كل ملك على كورة، مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاث مئة وزير يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر ألف قائد، مع كل قائد مئة ألف مقاتل، وذهب معه لينظر إلى بلقيس وملكها، فما رجع يعفور إلا بعد العصر،
٢١ - فلما دخل العصر سأل سليمان الإنس والجن والشياطين عن الماء، فلم يعلموا، فتفقد الهدهد فلم يره فدعا عريف الطير؛ وهو النسر، فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان! فغضب سيلمان عند ذلك، وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾؛ أي: والله لأعذبن الهدهد بسبب غيبته فيما لم آذن فيه، ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾؛ أي: عذابًا موجعًا بنتف ريشه وإلقائه في الشمس، أو حيث النمل تأكله، أو جعله مع ضده في قفص، فهذا عذاب الطير، ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ بالسكين، ليعتبر به أبناء جنسه، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ الهدهد ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة تبين عذره، فلا أذبح ولا أعذب، يشير (١) إلى أن حفظ المملكة يكون بكمال السياسة، وكمال العدل، فلا يتجاوز عن جرم المجرمين، ويقبل منهم العذر الواضح بعد البحث عنه، والحلف في الحقيقة على أحد الأولين على عدم الثالث، فكلمة ﴿أَو﴾ بين الأولين للتخيير، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما.
وفيه (٢): دليل على الإغلاظ على العاصين وعقابهم، وبدأ أولًا بأخف العقابين؛ وهو التعذيب، ثم أتبعه بالأشد؛ وهو إذهاب المهجة بالذبح، وأقسم على هذين؛ لأنهما من فعله، وأقسم على الإتيان بالسلطان وليس من فعله لما نظم الثلاثة في الحكم بـ ﴿أَو﴾، كأنه قال: ليكونن أحد الثلاثة.
ثم دعا العقاب (٣)؛ وهو أشد الطير طيرانًا، فقال له: على بالهدهد الساعة، فارتفع العقاب في الهواء، فالتفت يمينًا وشمالًا، فرأى الهدهد من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه، يريده، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء، فقال: بحق الله الذي قواك، وأقدرك علي، وإلا ما رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء، فتركه
стр. 9184
العقاب، وقال له: ويلك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك، أو يذبحك، فطارا متوجهين نحو سليمان، فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير، فقالوا له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله، وأخبروه بما قال سليمان، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله؟ فقالوا: بلى إنه قال: أو ليأتيني بلسطان مبين، فقال: نجوت إذًا، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان، وكان قاعدًا على كرسيه، فقال: العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
قرأ (١) ابن كثير وحده بنون التوكيد المشددة بعدها نون الوقاية. وقرأ الباقون بنون مشددة فقط؛ وهي نون التوكيد. وقرأ عيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة غير موصولة بالياء. وقرأ الجمهور: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ نون مشددة بعدها ياء المتكلم.
قال شيخ الإِسلام (٢): قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ توعد به سليمان الهدهد مع أنه غير مكلف بيانًا لكونه خص بذلك، كما خص بعلم منطقه. اهـ.
٢٢ - ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد بعد تفقد سليمان إياه مكثًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: غير طويل، أو مكث زمانًا غير مديد، يشير إلى أن الغيبة، وإن كانت موجبة للعذاب الشديد؛ وهو الحرمان من سعادة الحضور ومنافعه، ولكنه من أمارات السعادة سرعة الرجوع، وتدارك الفائت.
قرأ الجمهور: ﴿فَمَكَثَ﴾: بضم الكاف. وقرأ عاصم وحده بفتحها، ومعناه على القراءتين: أقام زمانًا غير طويل. قال سيبويه: مكث مكوثًا من باب قعد قعودًا. وقيل: إن الضمير في مكث لسليمان. والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زمانًا غير طويل، والأول أولى.
وقرأ ابن مسعود: ﴿فتمكث﴾: بزيادة تاء من باب تفعل. ﴿فَقَالَ﴾ معطوف على محذوف تقديره: فمكث الهدهد غير بعيد، فجاء فعوتب على مغيبه، فقال معتذرًا عن ذلك: ﴿أَحَطْتُ﴾ علمًا ومعرفة ﴿بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ علمًا ومعرفة؛ أي:
стр. 9185
علمت من الأمر ما لم تعلمه، ويجوز (١) إدغام التاء في الطاء، فقال: ﴿أحط﴾ وإدغام الطاء في التاء، فيقال: أحت.
وقيل: هنا محذوفات تقديرها (٢): فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما تواضعًا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه، وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابًا شديدًا، فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد، وعفا عنه، ثم سأله، فقال: ما الذي أبطأك عني؛ فقال الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ أي: علمت ما لم تعلم أيها الملك، وبلغت إلى ما لم تبلغ.
وذلك (٣) لأنه كان مما لم يشاهده سليمان، ولم يسمع خبره من الجن والإنس يشار إلى سعة كرم الله تعالى ورحمته بأن يختص طائرًا بعلم ما لم يعلمه نبي مرسل، وهذا لا يقدح في حال النبي ﷺ والرسول بأن لا يعلم علمًا غير نافع في النبوة.
والحاصل: أن الذي أحاط به الهدهد كان من الأمور المحسوسة التي لا تعد الإحاطة بها فضيلة، ولا الغفلة عنها نقيصة؛ لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد إحساس يستوي فيه العقلاء وغيرهم. وفي "القرطبي": فإن قلت: كيف يخفى على سليمان مكانها، وكانت المسافة بينهما قريبة؛ وهو مسيرة ثلاث مراحل بين صنعاء ومأرب؟ فالجواب أن الله أخفى ذلك عنه لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. اهـ.
وفي "الأسئلة المقحمة": هذا سوء أدب في المخاطبة، فكيف واجهه بمثله، وقد احتمله وعفاه؟ والجواب أنه لا بأس به؛ لأنه عقبه بفائدة، والخشونة المصاحبة بفائدة قد يحتملها الأكابر، انتهى.
ثم أشار إلى أنه بصدد إقامة خدمة مهمة له، كما قال: ﴿وَجِئْتُكَ﴾ أيها
стр. 9186
الملك ﴿مِنْ﴾ مدينة ﴿سَبَإٍ﴾ وهي مدينة من اليمن تعرف بمأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وعلى هذا فسبأ غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. وقيل: اسم لحي باليمن، سموا باسم أبيهم الأكبر، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ﵇. قالوا: اسمه عبد الشمس، لقب به لكونه أول من سبى، ثم سميت مدينة مارب بسبأ، وعلى هذا فسبأ مصروف.
﴿بِنَبَإٍ﴾؛ أي: بخبر خطير ﴿يَقِينٍ﴾؛ أي: صادق محقق لا شك فيه، يشير إلى أن شرط المخبر أن لا يخبر عن شيء إلا أن يكون متيقنًا فيه لا سيما عند الملوك.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ - بكسر الهمزة مصروفًا هنا -، وفي قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ على جعله اسمًا لحي، أو الموضع، أو للأب، كما في حديث فروة بن مسيك وغيره عن رسول الله ﷺ ، أنه اسم رجل ولد عشرة من الأولاد، تيامن ستة منهم، وتشاءم أربعة، والستة الذين تيامنوا: حمير، وكندة، والأزد، وأشعر، وخشعم، وبجيلة، والأربعة الذي تشاءموا: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة غير مصروف فيهما. وقرأ قنبل من طريق النبال بإسكانها فيهما. وقرأت (٢) فرقة: ﴿بنبأ﴾ بألف عوض الهمزة، وكأنها قراءة من قرأ: ﴿لسبا﴾ بالألف لتوازن الكلمتين، كما توازنتا في قراءة من قرأهما بالهمزة المكسور والتنوين.
وقرأ الأعمش: ﴿من سبأ﴾ بكسر الهمزة من غير تنوين، حكاها عنه ابن خالويه وابن عطية. ويبعد توجيهها، وقرأ ابن كثير في رواية: ﴿من سبًا﴾ بتنوين الباء على وزن رحى، جعله مقصورًا مصروفًا. وذكر أبو معاوية أنه قرأ: ﴿من سبْا﴾ بسكون الباء وهمزة مفتوحة غير منونة، بناء على فعلى، فامتنع الصرف للتأنيث اللازم. وروى ابن حبيب عن اليزيدي ﴿من سبأ﴾ بألف ساكنة، كقولهم:
стр. 9187
تفرقوا أيدي سبأ.
قال الزمخشري (١): ألهم الله سبحانه الهدهد، فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة، والعلوم الجمة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في علمه، وتنبيهًا على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط بما لم يحط به سليمان لتتحاقر إليه نفسه، ويصغر إليه علمه، ويكون لطفًا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، اهـ.
٢٣ - ولما أبهم الهدهد أولًا، ثم أبهم ثانيًا دون ذلك الإبهام .. صرح بما كان أبهمه، فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ﴾ ورأيت ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾؛ أي: تملك أهل سبأ، وهذه الجملة كالبيان والتفسير للجملة التي قبلها؛ أي: ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء.
وإيثار ﴿وَجَدْتُ﴾ على رأيت؛ لأنه أراه ﵇ كونه عند غيبته بصدد خدمته بإبراز نفسه في معرض من يتفقد أحوال تلك المرأة، كأنها ضالة ليعرضها على سليمان، والضمير في ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ لسبأ على أنه اسم للحي، أو لأهل المدلول عليهم بذكر مدينتهم على أنه اسم لها، يعني أنها تملك الولاية والتصرف عليهم ولم يرد به ملك الرقبة، والمراد بها بلقيس بنت شرحبيل بن مالك بن ريان من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، وورث الملك من أربعين أبًا، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك، ودانت لها الأمة، وكانت هي وقومها يعبدون النار، وكان أبوها يقول لملوك الأطراف ليس أحد منكم كفؤًا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: قارعة، أو ريحانة بنت السكن، فولدت بلقيس، وتسمى بلقة، وبلقيس - بالكسر -، كما في "القاموس". وذلك يدل على إمكان العلوق بين الإنسي والجني، كما قيل. وذلك لأن الجن وإن كانوا من النار، لكنهم ليسوا بباقين على عنصرهم الناري، كالإنس ليسوا بباقين على عنصرهم الترابي، فيمكن أن يحصل الازدواج
стр. 9188
بينهما على ما حقق في "آكام المرجان" قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب إليهم أنه كان كثير الصيد، فربما اصطاد من الجن وهم على صورة الظباء فيخلىء عنهم، فظهر له ملك الجن، وشكره على ذلك، اتخذه صديقًا فخطب ابنته فزوجه اياها، اهـ "خازن".
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: من الأشياء التي يحتاج إليها الملوك، من الخيل وعتاد الحرب والسلاح، والسياسية، والهيبة، والمال، والنعيم ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾؛ أي: سرير ﴿عَظِيمٌ﴾؛ أي: كبير؛ أي: بالنسبة إلى حالها، أو إلى عروش أمثالها من الملوك. ووصفه (١) بالعظم؛ لأنه كما قيل كان طولها ثمانين ذراعًا في ثمانين ذراعًا، وطوله في الهواء ثمانين ذراعًا، مقدمه من ذهب مفصص بالياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، ومؤخره من فضة مكلل بأنواع الجواهر، له أربع قوائم قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من زبرجد، وقائمة من در، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبيات لكل بيت باب مغلق، وكان عليه من الفرش ما يليق به.
والحال: أنه (٢) بين في هذه الآية شؤونهم الدنيوية، وذكر منها ثلاثة أمور:
١ - أن ملكتهم امرأة؛ وهي بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها من قبلهم ملكًا جليل القدر، واسع الملك.
٢ - أنها أوتيت من الثراء وأبهة الملك، وما يلزم ذلك من عتاد الحرب والسلاح، وآلات القتال الشيء الكثير الذي لا يوجد مثله إلا في الممالك العظمى.
٣ - أن لها سريرًا عظيمًا تجلس عليه، مرصعًا بالذهب وأنواع اللآلىء والجواهر، في قصر كبير رفيع الشأن، وفي هذا أكبر الأدلة على عظمة الملك وسعة رقعته، ورفعة شأنه بين الممالك.
стр. 9189
٢٤ - وبعد أن بين شؤونهم الدنيوية ذكر معتقداتهم الدينية، فقال: ﴿وَجَدْتُهَا﴾؛ أي: وجدت تلك المرأة ﴿وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ لا لرب العرش وخالق الكون المحيط بكل شيء علمًا. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: متجاوزين عبادة الله تعالى، قيل: كانوا مجوسًا.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ﴾؛ أي: حسن لهم ﴿الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ القبيحة التي هي عبادة الشمس ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي ﴿فَصَدَّهُمْ﴾؛ أي: صدهم الشيطان بسبب ذلك التزين ومنعهم ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن طريق الحق والصواب، وهو الإيمان بالله وتوحيده ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: تلك المرأة وقومها بسبب صد الشيطان إياهم ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى ذلك السبيل.
والمعنى: أي لقيتها وقومها في ضلال مبين، فهم يعبدون الشمس لا رب الشمس وخالق الكون، وزين لهم الشيطان أعمالهم القبيحة، فظنوا حسنًا ما ليس بالحسن، وصدهم عن الطريق القويم الذي بعث به الأنبياء والرسل؛ وهو إخلاص السجود والعبادة لله وحده.
٢٥ - وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: مفعول له للصد على حذف اللام منه؛ أي: فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا لله، وهو ذم لهم على ترك السجود، فلذا وجب السجود عند تمام هذه الآيات.
قرأ الجمهور: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بالتشديد (١)، خرجت على أن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ في موضع نصب على أن يكون بدلًا من قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: فزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، وما بين المبدل منه والبدل معترض، أو في موضع جر على أن يكون بدلًا من ﴿السَّبِيلِ﴾؛ أي: فصدهم عن أن لا يسجدوا، وعلى هذا التخريج تكون ﴿لا﴾ زائدة؛ أي: فصدهم عن أن يسجدوا لله، فيكون قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ معترضًا بين المبدل منه والبدل، ويحتمل أن يكون على تقدير اللام على أنه مفعول به لـ ﴿زين﴾، أو ﴿صدهم﴾؛ أي: زين لهم أعمالهم لئلا
стр. 9190
يسجدوا لله، أو صدهم عن السبيل لئلا يسجدوا لله. وقيل: العامل في قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ﴿يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، وتكون ﴿لا﴾ على هذا زائدة، كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾.
وعلى قراءة الجمهور - أعني التشديد - ليست هذه الآية موضع لسجدة؛ لأن ذلك إخبار عنهم بترك السجود؛ إما بالتزيين، أو بالصد، أو بمنع الاهتداء، وقد رجح كونه علة للصد الزجاج. ورجح الفراء كونه علة لـ ﴿زين﴾. قال: زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا، ثم حذفت اللام.
وقرأ ابن عباس (١) وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن والزهري وقتادة وأبو العالية وحميد الأعرج والأعمش وابن أبي عبلة والكسائي ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بتخفيف ﴿أَلَّا﴾ على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا فتكون ﴿أَلَّا﴾ على هذه القراءة حرف تنبيه واستفتاح، وما بعدها حرف نداء، والمنادى محذوف، واكتفى منه بـ ﴿يا﴾ و ﴿اسجدوا﴾ فعل أمر، ويكون الوقف على قوله: ﴿ألا يا﴾ والابتداء بـ ﴿اسجدوا﴾. وكان (٢) حق الخط على هذه القراءة أن يكون هكذا ﴿ألا يا اسجدوا﴾، ولكن الصحابة ﵃ أسقطوا الألف من يا، وهمزة الوصل من ﴿اسجدوا﴾ خطًا، ووصلوا الياء بسين ﴿اسجدوا﴾ فصارت صورة الخط هكذا: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ والمنادى محذوف، تقديره: ألا يا هؤلاء اسجدوا. وقد حذفت (٣) العرب المنادى كثيرًا من كلامها. ومنه قول الشاعر:
أَلَا يَا أسْلَمِيْ يَا دَارَمَيَّ عَلَى الْبِلَى ... وَلاَ زَالَ مُنْهَلًا بِجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ
وقول الآخر:
يَا اسْلَمِيْ يَا هِنْدُ هِنْدَ بَنِيْ بَدْرٍ ... وَإِن كَانَ جَبَانًا عِدَا آخِرُ الدَّهْرِ
وقول الآخر:
стр. 9191
فَقَالَت أَلَا يَا اسْمَعْ أعِظْكَ بِخُطْبَةٍ ... فَقُلْتُ سَمِعْنَا فَانْطُقِي وَأَصِيْبِيْ
وسُمع بعض العرب يقول: ألا يا ارحمونا ألا تَصَدَّقوا علينا. وقال (١) أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف، يعني: ألا يا أيها الناس اسجدوا، وعلى هذه القراءة أعني قراءة التخفيف تكون الآية آية سجدة. قال الزجاج: ولقراءة التخفيف وجه حسن، إلا أن فيها انقطاع الخبر عن أمر سبأ، ثم الرجوع بعد ذلك إلى ذكرهم. قال النحاس: وعلى هذه القراءة تكون جملة ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ معترضة (٢) من كلام الهدهد، أو من كلام سليمان، أو من كلام الله سبحانه. والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضًا، لا انقطاع في وسطه. وفي قراءة عبد الله بن مسعود:. ﴿هلا تسجدوا﴾ بالفوقية وبالهاء. وفي قراءة أبي ﴿ألا تسجدوا﴾: بالفوقية أيضًا. وعن عبد الله: ﴿هلا تسجدون﴾. وعن أبي ﴿ألا تسجدون﴾.
وقال الزمخشري: فإن قلت (٣): من أين للهدهد الهدي إلى معرفة الله ووجوب السجود له، وإنكار السجود للشمس، وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟
قلتُ: لا يبعد أن يلهمه الله سبحانه، كما ألهم غيره من الطيور، وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة التي لا تكاد العقلاء يهتدون لها. ومن أراد استقراء ذلك فجليه بكتاب "الحيوان" خصوصًا في زمان نبي سخرت له الطيور، وعلم منطقها، وجعل ذلك معجزة له، انتهى.
وقال الزمخشري أيضًا: فإن قلت أَسَجْدَةُ التلاوة واجبة في قراءتي التشديد والتخفيف جميعًا، أو في واحدة منهما؟
قلتُ: هي واجبة فيهما، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم للتارك. وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه. انتهى.
стр. 9192
وقوله: ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة، أو بدل منه، أو عطف بيان له؛ أي: للإله الذي ﴿يُخْرِجُ﴾؛ أي: يظهر ﴿الْخَبْءَ﴾؛ أي: الشيء المدخر المستور ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي (١): يظهر للناس ما كان مخبؤًا ومخفيًا ومستورًا فيهما كائنًا ما كان، كالثلج والمطر في السموات والنبات، والماء في الأرض. وقيل: خبء الأرض كنوزها ونباتها، والمعنى: يعلم الغيب في السموات والأرض. وقال ابن جرير: ﴿فِي﴾ بمعنى من، فتقديره: يخرج الخبء من السموات والأرض.
وقرأ أبي وعيسى بن عمر (٢): ﴿الخب﴾: بنقل حركة الهمزة إلى الباء، وحذف الهمزة تخفيفًا. وقرأ عبد الله بن مسعود وعكرمة ومالك بن دينار: ﴿الخبا﴾ بالألف بدل الهمزة، فلزم فتح ما قبلها. قال أبو حاتم: وهذا لا يجوز في العربية، ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب أن الألف تبدل من الهمزة إذا كان قبلها ساكن.
وقرأ الجمهور: ﴿الْخَبْءَ﴾ بسكون الباء والهمزة. وفي قراءة عبد الله: ﴿يخرج الخبء من السماوات والأرض﴾ قال الفراء: ومن وفي يتعاقبان. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ في القلوب ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بالألسنة والجوراح. وذكر ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ لتوسيع دائرة العلم؛ للتنببه على تساويهما بالنسبة إلى العلم الإلهي.
وقرأ الجمهور (٣): بالتحتية في الفعلين. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص عن عاصم والكسائي بالتاء فيهما للخطاب. أما القراءة الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ضمائر غيبة، وأما القراءة الثانية فلكون قراءة الزهري والكسائي فيهما الأمر بالسجود، والخطاب لهم بذلك فهذا عندهم من تمام ذلك الخطاب.
والمعنى: أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفاء بعلمه له، كما يخرج ما خفي في السموات والأرض.
٢٦ - ثم بعدما وصف الرب سبحانه بما تقدم مما يدل على عظيم قدرته، وجليل
стр. 9193
سلطانه، ووجوب توحيده، وتخصيصه بالعبادة .. قال: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: الجملة خبره ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: خبر بعد خبر.
قرأ الجمهور (١): ﴿الْعَظِيمِ﴾ بالجر نعتًا لـ ﴿الْعَرْشِ﴾. وقرأ ابن محيصن والضحاك بالرفع نعتًا لـ الرب، وخص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات، كما ثبت ذلك في الحديث المرفوع إلى رسول الله ﷺ ، ووصفه بالعظيم؛ لأنه أعظم ما خلق الله سبحانه من الأجرام، وما سواه في ضمنه.
وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف العظيم؟
قلت: بين الوصفين فرق؛ لأن وصف عرشها تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله سبحانه بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق الله من السموات والأرض، فبين العظمين تفاوت عظيم.
وقال ابن زيد: من قوله: ﴿أَحَطْتُ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَظِيمِ﴾ كلام الهدهد. انتهى. وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ محل سجود بالاتفاق، كما في "فتح الرحمن"، يستحب للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءتها.
وحاصل معنى الآيتين: أي (٢) فصدهم عن السبيل حتى لا يهتدوا ويسجدوا لله الذي يظهر المخبوء في السموات والأرض، كالمطر والنبات، والمعادن المخبوءة في الأرض، ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ ولما بين أن كل العوالم مفتقرة إليه ومحتاجة إلى تدبيره .. ذكر ما هو كالدليل على ذلك، فأبان أن أعظمها قدرًا؛ وهو العرش الذي هو مركز تدبير شؤون العالم هو الخالق به، وهو محتاج إليه، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ أي: هو الله الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو رب
стр. 9194
العرش العظيم، فكل عرش وإن عظم فهو دونه فأفردوه بالطاعة، ولا تشركوا به شيئًا.
٢٧ - ولما ذكر الهدهد (١) قصة بلقيس .. لم يتغير سليمان ﵇ لذلك، ولم يستفزه الطمع لما سمع من ملكها، كعادة الملوك في الطمع في ملك غيرهم، فلما ذكر الهدهد عبادة بلقيس وقومها غير الله سبحانه اغتاظ سليمان، وأخذته حمية الدين، وجعل يبحث عن تحقق ذلك. و ﴿قَالَ﴾؛ أي: سليمان للهدهد، استئناف بياني، كأنه قيل: فما فعل سليمان بعد فراغ الهدهد من كلامه، فقيل: قال: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فيما أخبرتنا، وسنتعرف في مقالتك بالتجربة من النظر بمعنى التأمل، والسين للتأكيد. ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما قلت ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه، هذه الجملة استفهامية في محل نصب على أنه مفعول ﴿سَنَنْظُرُ﴾، و ﴿أَمْ﴾ هي المتصلة، وقوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أبلغ من قوله: أم كذبت؛ لأن المعنى من الذين اتصفوا بالكذب وصار خلقًا لهم؛ أي: قال له: سنختبر مقالك ونتعرف حقيقته بالامتحان، أصادق أنت فيما تقول أم كاذب فيه؛ لنتخلص من الوعيد.
وفي هذا (٢): دلالة على أن خبر الواحد، وهو الحديث الذي يرويه الواحد والاثنان فصاعدًا ما لم يبلغ حد الشهرة والتواتر لا يوجب العلم، فيجب التوقف فيه على حد التجويز، وفيه دليل على أن لا يطرح، بل يجب أن يتعرف هل هو صدق أو كذب، فإن ظهرت أمارات صدقه قبل، وإلا لم يقبل.
٢٨ - فكتب سليمان - أي: في المجلس أو بعده - كتابًا إلى بلقيس، فقال فيه: من عبد الله سليمان بن داود إلى ملكة سبأ بلقيس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السلام على من أَتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وائتوني مسلمين، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه المنقوش على فصه اسم الله الأعظم، ودفعه إلى الهدهد فأخذه بمنقاره، أو علقه بخيط، وجعل الخيط في عنقه، وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾؛ أي: اذهب بهذا الكتاب، فالباء للتعدية، وتخصيصه بالرسالة دون سائر
стр. 9195
ما تحت ملكه من أبناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف؛ لما عاين فيه من علامات العلم والحكمة وصحة الفراسة، ولئلا يبقى لها عذر.
وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أنه لما صدق فيما أخبر، وبذل النصح لملكه، وراعى جانب الحق .. عوض عليه حتى أهل لرسالة رسول الحق على ضعف صورته ومعناه.
﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: اطرحه على بلقيس وقومها؛ لأنه ذكرهم معها في قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا﴾. وفي "الإرشاد": وجمع الضمير؛ لما أن مضمون الكتاب الكريم دعوة الكل إلى الإِسلام قال الزجاج (١): في ﴿أَلْقِهْ﴾ خمسة أوجه: إثبات الياء في اللفظ وحذفها، وإثبات الكسرة للدلالة عليها، وبضم الهاء، وإثبات ﴿الواو﴾، وبحذف ﴿الواو﴾ هو إثبات الضمة للدلالة عليها، وبإسكان الهاء. وقرأ بهذه اللغة الخامسة أبو عمرو هو حمزة وأبو بكر. وقرأ قالون بكسر الهاء فقط من غير ياء، وروي عن هشام وجهان: إثبات الياء لفظًا، وحذفه مع كسر الهاء، وقرأ الباقون إثبات الياء في اللفظ. وفي "الروح" قوله: فالقه بسكون الهاء تخفيفًا لغة صحيحة، أو على نية الوقف يعني: أن أصله ﴿ألقه﴾ بكسر القاف والهاء على أنه ضمير مفعول راجع إلى الكتاب، فسكن لما ذكر. اهـ.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: أعرض عنهم بترك وليهم وقربهم، وابتعد إلى مكان تتوارى فيه، وتسمع ما يجيبونه. أمره بالتولي؛ لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع. ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: أي تأمل وتعرف ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول.
قال ابن الشيخ: ﴿مَاذَا﴾ اسم واحد استفهام منصوب بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾، أو مبتدأ، و ﴿ذَا﴾ بمعنى الذي، و ﴿يَرْجِعُونَ﴾ صلتها، والعائد محذوف؛ أي: أي شيء الذي يرجعونه؟
стр. 9196
وقيل: في (١) الآية تقديم وتأخير، تقديرها: فالقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم قول عنهم؛ أي: انصرف إلى. فأخذ الهدهد الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض مارب من اليمن على ثلاثة مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة مستلقية على قفاها وقد غلقت الأبواب، ووضعت المفاتيح تحت رأسها،
٢٩ - فألقى الكتاب على نحرها، وتوارى في الكوة، فانتبهت فزعة، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت؛ لأن ملك سليمان كان في خاتمه، فعند ذلك ﴿قَالَتْ﴾ بلقيس لأشراف قومها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن أهل مشورتها كانوا ثلاث مئة واثني عشر رجلًا. ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ وهم عظماء قومها، يجمع على أملاء كنبا وأنباء ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: مختوم، وفي الكلام حذف، والتقدير: فذهب الهدهد، فألقاه إليهم، فسمعها تقول: يا أيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم؛ أي (٢): مكرم علي معظم لدي؛ لكونه مختومًا بخاتم عجيب وأصلًا على نهج غير معتاد، كما قال في "الأسئلة المقحمة": معجزة سليمان كانت في خاتمه، فختم الكتاب بالخاتم الذي فيه ملكه، فأوقع الرعب في قلبها حتى شهدت بكرم كتابه إظهارًا لمعجزته، انتهى.
ويدل على أن الكريم هنا بمعنى المختوم. قوله ﷺ : "كرم الكتاب ختمه". وقيل: معنى ﴿كَرِيمٌ﴾: مرضي في لفظه ومعانيه، أو ﴿كَرِيمٌ﴾: شريف؛ لأنه صدر بالبسملة.
٣٠ - وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ استئناف بياني، كأنه قيل: ممن هو، وماذا مضمونه فقالت: إنه من سليمان؛ أي: إن هذا الكتاب مرسل من سليمان. ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ أي (٣): وإن ما اشتمل عليه من الكلام، وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية، وبعد التسمية
٣١ - ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تتكبروا عليَّ كما
стр. 9197
يفعله جبابرة الملوك.
و ﴿أن﴾ هي المفسرة، أو مصدرية، و ﴿لا﴾ ناهية، وقيل: نافية، ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من ﴿كِتَابٌ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أن لا تعلوا، وهذه (١) البسملة ليست بآية تامة مثل ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بخلاف ما وقع في أوائل السور، فإنها آية منفردة نزلت مئة وأربع عشرة مرة، عدد السور، كذا قاله بعضهم.
قرأ الجمهور (٢): ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ﴾ بكسرهما على الاستئناف، وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة بفتحهما على إسقاط حرف الجر؛ أي: لأنه. وقرأ أبي: ﴿أن من سليمان وأن بسم الله﴾ بحذف الضميرين وإسكان النونين على أنهما مفسرتان، أو مخففتان من الثقيلة. وقرأ عبد الله بن مسعود: ﴿وإنه من سليمان﴾ بزيادة ﴿الواو﴾ عطفًا على ﴿إِنِّي أُلْقِيَ﴾. وروى ذلك أيضًا عن أبي. وقرأ أشهب العقيلي وابن السميقع: ﴿أن لا تغلوا﴾ بالغين المعجمة من الغلو؛ وهو تجاوز الحد في الكبر.
فإن قلت: لم قدم (٣) سليمان اسمه على اسم الله سبحانه في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾؟.
قلت: قدم سليمان اسمه على اسم الله تعالى مع أن المناسب عكسه؛ لأنه عرف أن بلقيس تعرف اسمه دون اسم الله تعالى، فخاف أن تستخف باسم الله تعالى أول ما يقع نظرها عليه، أو كان اسمه على عنوان الكتاب واسم الله تعالى في باطنه.
﴿وَأْتُونِي﴾ حال كونكم ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: منقادين للدين مؤمنين بما جئت به، فإن الإيمان لا يستلزم الإِسلام والانقياد، دون العكس. وهذا (٤) الكلام كان في غاية الإيجاز مع كمال الدلالة على المقصود؛ لاشتماله على البسملة الدالة على
стр. 9198
ذات الصانع وصفاته صريحًا، أو التزامًا، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإِسلام الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته، حتى يكون استدعاء للتقليد، فإن إلقاء الكاتب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلة.
وروي (١): أنه لم يكتب أحد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قبل سليمان ﵇، والظاهر أن الكاتب هو ما نص الله عليه فقط، واحتمل أن يكون مكتوبًا بالعربي؛ إذ الملوك يكون عندهم من يترجم بعدة ألسن، فكتب بالخط العربي، واللفظ العربي؛ لأنها كانت عربية من نسل تبع بن شراحيل الحميري، واحتمل أن يكون باللسان الذي كان سليمان يتكلم به، وكان عندها من يترجم لها؛ إذ كانت هي عارفة بذلك اللسان.
ونص هذا الكتاب مع وَجازَيه يدل على أمور:
١ - إنه مشتمل على إثبات الإله ووحدانيته وقدرته، وكونه رحمانًا رحيمًا.
٢ - نهيهم عن اتباع أهوائهم، ووجوب اتباعهم للحق.
٣ - أمرهم بالمجيء إليه منقادين خاضعين. وبهذا يكون الكتاب قد جمع كل ما لا بد منه في الدين والدنيا.
الإعراب
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾
﴿طس﴾ قد تقدم إعراب هذه الكلمة، وتقدم لنا أن القول الأسلم في معنى هذه الكلمة تفويض علمها إلى الله سبحانه، وعلى هذا القول ليس لهذه الكلمة محل من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع عن إدراك المعنى ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿آيَاتُ﴾
стр. 9199
الْقُرْآنِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَكِتَابٍ﴾: معطوف على ﴿الْقُرْآنِ﴾. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة لـ ﴿كِتَابٍ﴾. ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾: حالان من ﴿آيَاتُ﴾، والعامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة؛ أي: هادية ومبشرة، ويجوز فيهما الرفع على أنهما خبران لمبتدأ محذوف؛ أي: هي هدى وبشرى، ومعنى هداها للمؤمنين، وهم مهديون، زيادتها في هداهم. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: تنازع فيه كل من ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر صفة لـ ﴿المؤمِنين﴾، ويجوز قطعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين. ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُقِيمُونَ﴾. ﴿وَهُم﴾: ﴿الواو﴾: حالية، أو عاطفة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾. ﴿هُمْ﴾: تأكيد لفظي للمبتدأ، ولما فصل بين المبتدأ والخبر بالمتعلق الذي هو ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ .. أعيد المبتدأ ثانيًا؛ ليتصل بخبره في الصورة، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿وَيُؤْتُونَ﴾، أو معطوفة على جملة الصلة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿زَيَّنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾. ﴿هُمْ﴾: تأكيد للمبتدأ. ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة الصلة ﴿وَإِنَّكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إنك﴾: ناصب واسمه. ﴿لَتُلَقَّى﴾:
стр. 9200
﴿اللام﴾: حرف ابتداء، تلقى: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على محمد. ﴿الْقُرْآنَ﴾ مفعول ثان ﴿لَتُلَقَّى﴾ ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُلَقَّى﴾. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ﴿حَكِيمٍ﴾، وجملة ﴿تلقى﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة.
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال موسى، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قَالَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل. ﴿لِأَهْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿سَآتِيكُمْ﴾ ﴿السين﴾: حرف تنفيس واستقبال، ﴿آتِيكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿مِنْهَا﴾: جار ومجرور حال من خبر؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿بِخَبَرٍ﴾: متعلق بـ ﴿آتِيكُمْ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مستأنفة، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع، وهي مانعة خلو. ﴿آتِيكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آتِيكُمْ﴾ الأول. ﴿بِشِهَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿آتِيكُمْ﴾. ﴿قَبَسٍ﴾: بدل من ﴿بِشِهَابٍ﴾، أو نعت له على تأويله بمشتق؛ أي: شهاب مقتبس؛ أي: مأخوذ من نار. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَصْطَلُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لَعَلَّ﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لما قبلها.
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف معلوم من السياق تقديره: فذهب موسى من عند أهله، فلما جاءها نودي. ﴿لَمَّا﴾ اسم شرط غير جازم في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان. ﴿جَاءَهَا﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير مستتر
стр. 9201
يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة فعل شرط ومحلها الجر بالإضافة لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿نُودِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ وجملة لما معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَن﴾: مفسرة بمعنى أي؛ لأن في النداء معنى القول دون حروفه، والمعنى: قيل له بورك، ويجوز أن تكون مصدرية، ودخلت هنا على الماضي، أو مخففة من الثقيلة، و ﴿أَنْ﴾ ما بعدها ﴿بُورِكَ﴾ في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: بأن بورك. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿بُورِكَ﴾. ﴿فِي النَّارِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ﴿مَنْ﴾ والموصولة؛ أي: استقر في مكان النار، وجملة ﴿بُورِكَ﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، و ﴿مَنْ﴾ الثانية: معطوفة على ﴿مَن﴾ الأولى. ﴿حَوْلَهَا﴾: ظرف صلة ﴿مَنْ﴾ الثانية. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَسُبْحَانَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا. ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: بدل منه، أو نعت له، والجملة المحذوفة مستأنفة، وهي من جلمة لمّا نودي.
﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾.
﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه والهاء: إما ضمير الشأن، أو عائدة إلى ما دل عليه ما قبلها، يعني إن مكلمك. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿اللَّهُ﴾: خبره، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: صفتان للجلالة. ﴿وَأَلْقِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَلْقِ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿عَصَاكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على ﴿بُورِكَ﴾ لأن المعنى: نودي أن بورك من النار وأن ألق عصاك، وهذا مما يرجح كون ﴿أن﴾ مفسرة. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فألقاها فاستحالت حية فلما رآها. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم. في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان ﴿رَآهَا﴾: فعل وفاعل مستتر
стр. 9202
ومفعول به، و ﴿رأى﴾ هنا بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. ﴿تَهْتَزُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على العصا، والجملة في محل النصب حال من مفعول رآها. ﴿كَأَنَّهَا﴾: ناصب واسمه. ﴿جَانٌّ﴾ خبره، وجملة كان في محل النصب حال ثانية من ضمير ﴿رَءَاهَا﴾ أو هي حال من ضمير ﴿تَهْتَزُّ﴾ فتكون حالًا متداخلة. ﴿وَلَّى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿مُدْبِرًا﴾: حال من فاعل ﴿وَلَّى﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿وَلَمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يُعَقِّبْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَّى﴾. ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: قال الله سبحانه يا موسى. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَخَفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها جواب النداء. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَخَافُ﴾: فعل مضارع. ﴿لَدَيَّ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَخَافُ﴾. ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها معللة لما قبلها ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء بمعنى لكن؛ لأن الاستثناء منقطع. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء. ﴿ظَلَمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَدَّلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر. ﴿حُسْنًا﴾: مفعول به. ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾: ظرف ومضاف إليه صفة لـ ﴿حُسْنًا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿ظَلَمَ﴾. ﴿فَإِنِّي﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان لها، والجملة في محل النصب مقول القول المحذوف على كونها معلل للاستثناء.
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾
стр. 9203
﴿وَأَدْخِلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَدْخِلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿يَدَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فِي جَيْبِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْخِلْ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أَلْقِ﴾، ﴿تَخْرُجْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على ﴿يَدَكَ﴾. ﴿بَيْضَاءَ﴾: حال من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة ﴿بَيْضَاءَ﴾، أو حال أخرى من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾. ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال أخرى من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾؛ أي: حالة كونها آية مندرجة في جملة الآيات التسع ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿أدخل﴾؛ أي: أدخل يدك في جيبك حال كونك مرسلًا بها إلى فرعون. ﴿وَقَوْمِهِ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانُوا قَوْمًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿فَاسِقِينَ﴾: صفة ﴿قَوْمًا﴾ وجملة ﴿كَان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالذهاب. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنا بعثناه إلى فرعون وقومه في تسع آيات، وأردت بيان حالهم حين جاءهم موسى ... فأقول لك. ﴿لَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾: ﴿لَمَّا﴾ اسم شرط. ﴿جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾: فعل ومفعول به وفاعل. ﴿مُبْصِرَةً﴾: حال من ﴿آيَاتُنَا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿سِحْرٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُ﴾. ﴿وَجَحَدُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿جَحَدُوا﴾. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿استيقنتها﴾: فعل ومفعول به. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿جَحَدُوا﴾ ولكنها على تقدير قد. ﴿ظُلْمًا﴾: مفعول لأجله لـ ﴿جَحَدُوا﴾، أو حال من فاعل ﴿جَحَدُوا﴾؛ أي: ظالمين ومستكبرين. ﴿وَعُلُوًّا﴾: معطوف على ﴿ظُلْمًا﴾. ﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت جحدهم بآيات الله سبحانه، وأردت بيان ما هو اللائق بك .. فأقول لك انظر وفكر واعجب. ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على
стр. 9204
محمد، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام التعجبي في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليه وجوبًا ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: فعل واسمه ومضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول به لـ ﴿فانْظُرْ﴾ معلقة عنها باسم الاستفهام. وعبارة "السمين": والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض؛ لأنها معلقة لـ ﴿انظر﴾ بمعنى: تفكر.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: اسئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾: معطوف على ﴿دَاوُودَ﴾. ﴿عِلْمًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿آتَيْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقَالَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطف على محذوف تقديره: فعملا بما أعطياه بالقلب بالعزم وعملا به بالجوارح بالمباشرة، وعملا به باللسان، وقالا الحمد لله، والجملة المحذوفة معطوفة على ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿قَالَا﴾: فعل وفاعل معطوف على الجملة المحذوفة. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَا﴾. ﴿الَّذِي﴾ صفة للجلالة. ﴿فَضَّلَنَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَى كَثِير﴾: متعلق بـ ﴿فَضَّلَنَا﴾. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿كَثِيرٍ﴾. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة لـ ﴿عِبَادِهِ﴾. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾ معطوف على ﴿وَرِثَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿النَّاسُ﴾: بدل من ﴿أي﴾ وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عُلِّمْنَا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿عُلِّمْنَا﴾، والجملة في
стр. 9205
محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أُوتِينَا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿عُلِّمْنَا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة، أو تبعيضية. ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أُوتِينَا﴾. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْفَضْلُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة ﴿الْفَضْلُ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَحُشِرَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿لِسُلَيْمَانَ﴾: متعلق به. ﴿جُنُودُهُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿وَحُشِرَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: حال من ﴿جُنُودُهُ﴾. ﴿وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾: معطوفان على ﴿الْجِنِّ﴾. ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حشر جنوده، وأردت بيان حالهم عند الحشر .. فأقول لك هم. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية لمحذوف تقديره: فساروا حتى إذا أتوا. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَتَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿وَادِ﴾: مجرور بـ ﴿عَلَى﴾، وحذفت الياء في الخط تبعًا للفظ. ﴿النَّمْلِ﴾: مضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَتَوْا﴾. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ الشرطية في محل الخفض بـ ﴿حَتَّى﴾ الجارة تقديره: فساروا إلى قول النملة وقت إتيانهم وادي النمل. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أَيّ﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿النَّمْلُ﴾: بدل من ﴿أَي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به على السعة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ على كونها جواب
стр. 9206
النداء. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة. ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾: فعل مضارع، ونون توكيد ثقيلة، ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿لَا﴾ الناهية مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿سُلَيْمَانُ﴾: فاعل. ﴿وَجُنُودُهُ﴾: معطوف عليه، والجلمة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ على كونها مستأنفة؛ لأنها لا تعلق لها بما قبلها. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. ﴿فَتَبَسَّمَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فسمع قولها فتبسم ﴿تَبَسَّمَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾. ﴿ضَاحِكًا﴾ حال مؤكدة من فاعل ﴿تَبَسَّمَ﴾، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾: متعلق بـ ﴿ضَاحِكًا﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَبَسَّمَ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَوْزِعْنِي﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ومفعول به ونون وقاية، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَشْكُرَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾. ﴿نِعْمَتَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿نِعْمَتَكَ﴾، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿أَوْزِعْنِي﴾؛ لأنه بمعنى: ألهمني، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: رب أوزعني شكر نعمتك. ﴿أَنْعَمْتَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أنعمتها. ﴿عَلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمْتَ﴾. ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: معطوف على قوله: ﴿عَلَيَّ﴾. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾: ناصب وفعل مضارع، وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو مفعول مطلق. ﴿تَرْضَاهُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صفة ﴿صَالِحًا﴾. ﴿وَأَدْخِلْنِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فعل دعاء ونون وقاية وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿أَوْزِعْنِي﴾. ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَدْخِلْنِي﴾، والباء سببية، أو بمحذوف حال من مفعول ﴿أَدْخِلْنِي﴾؛ أي: حالة كوني متلبسًا برحمتك. ﴿فِي عِبَادِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْخِلْنِي﴾ أيضًا. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: نعت لـ ﴿عِبَادِكَ﴾.
стр. 9207
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة في سرد أمر آخر حدث لسليمان أثناء مسيره الذي كان فيه قصة النمل. ﴿فَقَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَفَقَّدَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون. ﴿لي﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿الْهُدْهُدَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب حال من ياء المتكلم. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾. ﴿الْغَائِبِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
وفي "الفتوحات": قوله: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: ﴿أَمْ﴾: منقطعة، كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى﴾، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: أهو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. اهـ. "بيضاوي". وعلى هذا فتقدر ببل والهمزة، أو ببل وحدها، أو بالهمزة وحدها، اهـ.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أُعَذِّبَنّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد القيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول به ﴿عَذَابًا﴾ مفعول مطلق. ﴿شَدِيدًا﴾: صفة له، والجملة جواب القسم. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بالنون، وفاعله ضمير يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، و ﴿اللام﴾: حرف موطئة للقسم. ﴿يَأْتِيَنِّي﴾: فعل مضارع في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾، ونون الوقاية حرف لا محل لها من الإعراب؛ لأن أصله: لياتينني بثلاث نونات، و ﴿الياء﴾: مفعول به. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِيَنِّي﴾.
стр. 9208
﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿سُلْطَانٍ﴾، والجملة معطونة على جملة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾.
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾.
﴿فَمَكَثَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿مَكَثَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية؛ أي: زمانًا غير بعيد، أو على المكانية؛ أي: مكانًا غير بعيد. ﴿فَقَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾، معطوف على ﴿مَكَثَ﴾. ﴿أَحَطْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَحَطْتُ﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تُحِطْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾ مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُحِطْ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَجِئْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَحَطْتُ﴾. ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿نَبَأ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿بِنَبَإٍ﴾: متعلق بـ ﴿جِئْتُكَ﴾. ﴿يَقِينٍ﴾ صفة ﴿نباء﴾.
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾.
﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ووجد هنا يتعدى لمفعول واحد؛ لأنه من وجدان الضالة، والجملة في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿امْرَأَةً﴾، ومفعول به، والجملة صفة لـ ﴿امْرَأَةً﴾. ﴿وَأُوتِيَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿امْرَأَةً﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُوتِيَتْ﴾. ﴿وَلَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿عَرْشٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿عَرْشٌ﴾، والجملة في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿أوتيت﴾.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾
﴿وَجَدْتُهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿وَقَوْمَهَا﴾: معطوف على الهاء، أو مفعول معه، والجملة الفعلية بدل من جملة قوله: ﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾، فهي داخلة في
стр. 9209
حيز خبر ﴿إنَّ﴾، ووجد يتعدى لواحد، كما مر آنفًا؛ لأنه بمعنى لقيتها. ﴿يَسْجُدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِلشَّمْسِ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿يَسْجُدُونَ﴾؛ أي: مجاوزين الله، وجملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾: في محل النصب حال من مفعول ﴿وَجَدْتُ﴾ وما عطف عليه. ﴿وَزَيَّنَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿زَيَّنَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾. ﴿فَصَدَّهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿صَدَّهُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿زَيَّنَ﴾. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: متعلق بـ ﴿صَدَّهُمْ﴾. ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿فَصَدَّهُمْ﴾.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾
﴿أَلَّا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر مبني بسكون على النون المدغمة في لام ﴿لا﴾، وحذفت في الخط اتباعًا لرسم المصحف العثماني، ﴿لا﴾: زائدة. ﴿يَسْجُدُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بحذف النون، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَهْتَدُونَ﴾، لكن بنزع الخافض، وهو إلى. والمعنى: فهم لا يهتدون إلى السجود، وعلى هذا الإعراب لا يصح الوقف على ﴿يَهْتَدُونَ﴾. ويجوز أن يكون المصدر بدلًا من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، و ﴿لَا﴾: نافية حينئذ، والتقدير: وزين لهم الشيطان أعمالهم عدم السجود، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿السَّبِيلِ﴾، و ﴿لا﴾: زائدة، وفيه أوجه آخر كما أشرنا إليها في مبحث التفسير. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْجُدُوا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَيَعْلَمُ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿يُخْرِجُ﴾. ﴿مَا﴾: مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿تُخْفُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: ما تخفونه.
стр. 9210
﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُخْفُونَ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾: خبر ثان للجلالة. ﴿الْعَظِيمِ﴾: بالجر صفة لـ ﴿الْعَرْشِ﴾، وبالرفع صفة لـ ﴿رَبُّ﴾.
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿سَنَنْظُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَصَدَقْتَ﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام، ﴿صَدَقْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مفعول ﴿نَنْظُر﴾ معلق عنها بهمزة الاستفهام. ﴿أَمْ﴾: متصلة معادلة للهمزة. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿صَدَقْتَ﴾. ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾: قبله محذوف تقديره: ثم كتب سليمان كتابًا، فقال اذهب بكتابي هذا. ﴿اذْهَبْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾. ﴿بِكِتَابِي﴾: متعلق به. ﴿هَذَا﴾ صفة لـ ﴿كِتَابِي﴾، أو بدل منه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف، كما قدرنا. ﴿فَأَلْقِهْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَلْقِهْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذْهَبْ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿تَوَلَّ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَلْقِ﴾. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَوَلَّ﴾، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿تَوَلَّ﴾؛ أي: متجاوزًا إياهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَوَلَّ﴾. ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾. ﴿يَرْجِعُونَ﴾: فعل وفاعل؛ أي: أي شيء يرجعون؟، أو ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ ﴿ذَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبره، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: صلة ﴿ذَا﴾، والعائد محذوف تقديره: أي شيء الذي يرجعونه؛ وعلى كلا التقديرين، فالجملة الاستفهامية قد علق عنها العامل، وهو ﴿انْظُرْ﴾ بالاستفهام، فمحلها