النداء. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة. ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾: فعل مضارع، ونون توكيد ثقيلة، ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿لَا﴾ الناهية مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿سُلَيْمَانُ﴾: فاعل. ﴿وَجُنُودُهُ﴾: معطوف عليه، والجلمة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ على كونها مستأنفة؛ لأنها لا تعلق لها بما قبلها. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. ﴿فَتَبَسَّمَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فسمع قولها فتبسم ﴿تَبَسَّمَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾. ﴿ضَاحِكًا﴾ حال مؤكدة من فاعل ﴿تَبَسَّمَ﴾، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾: متعلق بـ ﴿ضَاحِكًا﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَبَسَّمَ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَوْزِعْنِي﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ومفعول به ونون وقاية، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَشْكُرَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾. ﴿نِعْمَتَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿نِعْمَتَكَ﴾، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿أَوْزِعْنِي﴾؛ لأنه بمعنى: ألهمني، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: رب أوزعني شكر نعمتك. ﴿أَنْعَمْتَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أنعمتها. ﴿عَلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمْتَ﴾. ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: معطوف على قوله: ﴿عَلَيَّ﴾. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾: ناصب وفعل مضارع، وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو مفعول مطلق. ﴿تَرْضَاهُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صفة ﴿صَالِحًا﴾. ﴿وَأَدْخِلْنِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فعل دعاء ونون وقاية وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿أَوْزِعْنِي﴾. ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَدْخِلْنِي﴾، والباء سببية، أو بمحذوف حال من مفعول ﴿أَدْخِلْنِي﴾؛ أي: حالة كوني متلبسًا برحمتك. ﴿فِي عِبَادِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَدْخِلْنِي﴾ أيضًا. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: نعت لـ ﴿عِبَادِكَ﴾.
стр. 9207
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة في سرد أمر آخر حدث لسليمان أثناء مسيره الذي كان فيه قصة النمل. ﴿فَقَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَفَقَّدَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون. ﴿لي﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿الْهُدْهُدَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب حال من ياء المتكلم. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾. ﴿الْغَائِبِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
وفي "الفتوحات": قوله: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: ﴿أَمْ﴾: منقطعة، كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى﴾، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: أهو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. اهـ. "بيضاوي". وعلى هذا فتقدر ببل والهمزة، أو ببل وحدها، أو بالهمزة وحدها، اهـ.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أُعَذِّبَنّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد القيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول به ﴿عَذَابًا﴾ مفعول مطلق. ﴿شَدِيدًا﴾: صفة له، والجملة جواب القسم. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بالنون، وفاعله ضمير يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، و ﴿اللام﴾: حرف موطئة للقسم. ﴿يَأْتِيَنِّي﴾: فعل مضارع في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾، ونون الوقاية حرف لا محل لها من الإعراب؛ لأن أصله: لياتينني بثلاث نونات، و ﴿الياء﴾: مفعول به. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِيَنِّي﴾.
стр. 9208
﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿سُلْطَانٍ﴾، والجملة معطونة على جملة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾.
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾.
﴿فَمَكَثَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿مَكَثَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية؛ أي: زمانًا غير بعيد، أو على المكانية؛ أي: مكانًا غير بعيد. ﴿فَقَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾، معطوف على ﴿مَكَثَ﴾. ﴿أَحَطْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَحَطْتُ﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تُحِطْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾ مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُحِطْ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَجِئْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَحَطْتُ﴾. ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿نَبَأ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿بِنَبَإٍ﴾: متعلق بـ ﴿جِئْتُكَ﴾. ﴿يَقِينٍ﴾ صفة ﴿نباء﴾.
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾.
﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ووجد هنا يتعدى لمفعول واحد؛ لأنه من وجدان الضالة، والجملة في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿امْرَأَةً﴾، ومفعول به، والجملة صفة لـ ﴿امْرَأَةً﴾. ﴿وَأُوتِيَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿امْرَأَةً﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُوتِيَتْ﴾. ﴿وَلَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿عَرْشٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿عَرْشٌ﴾، والجملة في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿أوتيت﴾.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾
﴿وَجَدْتُهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿وَقَوْمَهَا﴾: معطوف على الهاء، أو مفعول معه، والجملة الفعلية بدل من جملة قوله: ﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾، فهي داخلة في
стр. 9209
حيز خبر ﴿إنَّ﴾، ووجد يتعدى لواحد، كما مر آنفًا؛ لأنه بمعنى لقيتها. ﴿يَسْجُدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِلشَّمْسِ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿يَسْجُدُونَ﴾؛ أي: مجاوزين الله، وجملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾: في محل النصب حال من مفعول ﴿وَجَدْتُ﴾ وما عطف عليه. ﴿وَزَيَّنَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿زَيَّنَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾. ﴿فَصَدَّهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿صَدَّهُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿زَيَّنَ﴾. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: متعلق بـ ﴿صَدَّهُمْ﴾. ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿فَصَدَّهُمْ﴾.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾
﴿أَلَّا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر مبني بسكون على النون المدغمة في لام ﴿لا﴾، وحذفت في الخط اتباعًا لرسم المصحف العثماني، ﴿لا﴾: زائدة. ﴿يَسْجُدُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بحذف النون، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَهْتَدُونَ﴾، لكن بنزع الخافض، وهو إلى. والمعنى: فهم لا يهتدون إلى السجود، وعلى هذا الإعراب لا يصح الوقف على ﴿يَهْتَدُونَ﴾. ويجوز أن يكون المصدر بدلًا من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، و ﴿لَا﴾: نافية حينئذ، والتقدير: وزين لهم الشيطان أعمالهم عدم السجود، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿السَّبِيلِ﴾، و ﴿لا﴾: زائدة، وفيه أوجه آخر كما أشرنا إليها في مبحث التفسير. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْجُدُوا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَيَعْلَمُ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿يُخْرِجُ﴾. ﴿مَا﴾: مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿تُخْفُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: ما تخفونه.
стр. 9210
﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُخْفُونَ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾: خبر ثان للجلالة. ﴿الْعَظِيمِ﴾: بالجر صفة لـ ﴿الْعَرْشِ﴾، وبالرفع صفة لـ ﴿رَبُّ﴾.
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿سَنَنْظُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَصَدَقْتَ﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام، ﴿صَدَقْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مفعول ﴿نَنْظُر﴾ معلق عنها بهمزة الاستفهام. ﴿أَمْ﴾: متصلة معادلة للهمزة. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿صَدَقْتَ﴾. ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾: قبله محذوف تقديره: ثم كتب سليمان كتابًا، فقال اذهب بكتابي هذا. ﴿اذْهَبْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْهُدْهُدَ﴾. ﴿بِكِتَابِي﴾: متعلق به. ﴿هَذَا﴾ صفة لـ ﴿كِتَابِي﴾، أو بدل منه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف، كما قدرنا. ﴿فَأَلْقِهْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَلْقِهْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذْهَبْ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿تَوَلَّ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَلْقِ﴾. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَوَلَّ﴾، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿تَوَلَّ﴾؛ أي: متجاوزًا إياهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَوَلَّ﴾. ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾. ﴿يَرْجِعُونَ﴾: فعل وفاعل؛ أي: أي شيء يرجعون؟، أو ﴿ما﴾: اسم استفهام مبتدأ ﴿ذَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبره، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: صلة ﴿ذَا﴾، والعائد محذوف تقديره: أي شيء الذي يرجعونه؛ وعلى كلا التقديرين، فالجملة الاستفهامية قد علق عنها العامل، وهو ﴿انْظُرْ﴾ بالاستفهام، فمحلها
стр. 9211
النصب على نزع الخافض؛ أي: ثم انظر في أي شيء يرجعونه.
﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾
﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على بلقيس، والجملة مستأنفة. ﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿هَا﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الْمَلَأُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أُلْقِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق به. ﴿كِتَابٌ﴾: نائب فاعل. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾، وجملة ﴿أُلْقِيَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنِّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة للرد على سؤال مقدر، كأنهم قالوا: ممن هو وما هي منطوياته. ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة البسملة خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿أَلَّا﴾: ﴿أن﴾: مفسرة. ﴿لَّا﴾: ناهية. ﴿تَعْلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿عَلَيَّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مفسرة لـ ﴿كِتَابٌ﴾؛ لتضمنه معنى القول دون حروفه؛ أي: ألقي إلى أن لا تعلوا علي. ويجوز أن تكون ﴿أن﴾ مصدرية ناصبة للفعل، و ﴿لَّا﴾: نافية، و ﴿أن﴾ وما في حيزها مصدر مؤول في محل رفع بدل من ﴿كِتَابٌ﴾، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: مضمونه أن لا تعلوا، أو في محل النصب بنزع الخافض؛ أي: بأن لا تعلوا. ﴿وَأْتُونِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَأْتُونِي﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل، و ﴿النون﴾: للوقاية، و ﴿الياء﴾: مفعول به. ﴿مُسْلِمِينَ﴾: حال من فاعل ﴿وَأْتُونِي﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: هما مصدران أقيما مقام الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهدى والبشارة.
стр. 9212
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يترددون ويتحيرون في أودية الضلال من العمه، وهو التردد في الأمر من التحير؛ أي: يترددون بين تركها؛ لأنها واضحة البطلان، ظاهر السوء، وبين الاستمرار عليها. وقيل: معنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يستمرون من غير تردد؛ إذ لم يدر في خلدهم لحظة الإقلاع عنها. ويقال في تصريفه: عمه يعمه - من باب ضرب وفتح - عمهًا وعموهًا وعموهية وعمهانًا إذا تحير في طريقه أو أره، وتردد في الضلال فهو عمه، وجمعه عمهون وعامه، وجمعه عامهون وعمه.
﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ والسوء: كل ما يسوء الإنسان ويغمه.
﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ أي: أشد الناس خسرانًا لحرمانهم الثواب، واستمرارهم في العذاب.
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ أي: لتلقن وتعطي، يقال: تلقى الكلام من فلان ولقنه إذا أخذه من لفظه وفهمه. وعبارة "القرطبي": أي: يلقى إليك فتتلقاه، وتعلمه وتأخذه من لدن حكيم عليم. وفي "السمين": لقي مخففًا يتعدى لواحد، ومضعفًا يتعدى لاثنين، فأقيم أولهما هنا مقام الفاعل، والثاني: ﴿الْقُرْآنَ﴾. اهـ.
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي: أبصرت إبصارًا حصل لي به أنس، يقال: آنست نارًا، وآنست فزعًا، وآنست منه رشدًا، فهو يطلق على المادي والمعنوي.
﴿بِخَبَرٍ﴾ أي: عن الطريق وحاله. ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾؛ أي: بشعلة نار قبس؛ أي: بقطعة من النار مقبوسة، ومأخوذة من أصلها. يقرأ بإضافة ﴿بِشِهَابٍ﴾ إلى ﴿قَبَسٍ﴾، فالإضافة فيه للبيان؛ لأن الشهاب يكون قبسًا وغيره، كالكوكب فهو من إضافة النوع إلى جنسه، كخاتم حديد وثوب خز، وهي بمعنى من؛ أي: شهاب من قبس، ويقرأ بتنوين ﴿شِهَابٍ﴾، فـ ﴿قَبَسٍ﴾ على هذا بدل منه، أو نعت له على تأويله بالمفعول؛ أي: شهاب مقتبس؛ أي: مأخوذ من نار، فالشهاب الشعلة، والقبسس النار. والشهاب في الأصل كل مضيء متولد من النار، وما يرى كأنه كوكب انقض، والكوكب عمومًا، والسنان لما فيه من البريق، وجمعه شهب وشُهبان وشِهبان وأشهب، ويقال: فلان شهاب حرب إذا كان ماضيًا فيها،
стр. 9213
والقَبَس - بفتحتين -: النار المقبوسة. تقول: خذ لي قبسًا من النار ومقبسًا ومقباسًا، واقبس لي نارًا واقتبس، ومنه: ما أنت إلا كالقابس العجلان؛ أي: المقتبس، وما زورتك إلا كقبسة العجلان. وتقول: ما أنا إلا قبسة من نارك وقبضة من آثارك، وقبسته نارًا وأقبسته، كقولك بغيته الشيء وأبغيته، ومن المجاز قبسته علمًا وخبرًا وأقبسته.
وفي "المفردات": الشهاب: الشعلة الساطعة من النار المتوقدة، والقبس: المتناول من الشعلة، والاقتباس، ثم استعير لطلب العلم والهداية.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: فيه الإبدال من تاء الافتعال؛ لأن أصله تصتلون، فقلبت التاء طاء لوقوعها بعد حرف الإطباق، وهو الصاد على القاعدة التصريفية، وهو من صلي بالنار - بكسر اللام - من باب تعب. وفي "المصباح": صلى بالنار وصليها صلى - من باب تعب -: وجد حرها، والصلاء - بوزن كتاب - حر النار، والنار العظيمة، وصليت اللحم أصليه - من باب رمى - شويته. وفي "الأساس": وصلي النار وصلى بها يصلى النار الكبرى وتصلاها وتصلى بها، وأصلاه وصلاه، وشاة مصلية: مشوية، وقد صليتها. ومعنى ﴿تَصْطَلُونَ﴾: تستدفئون بها. قال الشاعر:
النَّارُ فَاكِهَةُ الشِّتَاءِ فَمَنْ يُرِدْ ... أَكْلَ الْفَوَاكِهِ شَاتِيًا فَلْيَصْطَلِ
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ والجان: حية صغيرة سريعة الحركة، هذا بالنظر إلى أصل معناها، وإلا فجثتها كانت كبيرة جدًّا. وفي "القاموس" و"التاج": والجان: اسم جمع للجن، وحية أكحل العين لا تؤذي كثيره في الدور.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ قال: ولى عنها: أعرض عنها، وأدبر عنها: جعلها تلي ظهره. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يعطف ولم ينتظر من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.
قال الشاعر:
فَمَا عَقبُوْا إِذْ قِيْلَ هَلْ مِنْ مُعَقِّبٍ ... وَلَا نَزَلَوُا يَوْمَ الْكَرِيْهَةِ مَنْزِلاَ
يصف قومًا بالجبن، وأنهم إن قيل لهم: هل من معقب وراجع على عقبه
стр. 9214
للحرب لم يرجعوا إليها، ولا نزلوا يوم الحرب منزلًا من منازلها.
﴿فِي جَيْبِكَ﴾؛ أي: طوق قميصك، وسمي جيبك؛ لأنه يجاب؛ أي: يقطع ليدخل فيه الرأس. ﴿جَحَدُوا بِهَا﴾ أي: كذبوها. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: علمت علمًا يقينيًا أنها من عند الله، والجحود: إنكار الشيء بعد المعرفة والإيقان تعنتًا، وأريد هنا التكذيب؛ لئلا يلزم استدراك قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾؛ أي: قام مقامه في النبوة والملك.
﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: أعطينا فهم ما يريده كل طائر إذا صوت. والمنطق: مصدر ميمي لنطق ينطق - من باب ضرب - نطقًا ومنطقًا ونطوقًا؛ أي: تكلم بصوت وحروف تعرف بها المعاني، والمنطق: الكلام، وقد يستعمل في غير الإنسان. يقال: سمعت منطق الطير.
وقال البيضاوي: والنطق والمنطق في المتعارف: كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردًا كان أو مركبًا، مفيدًا كان أو غير مفيد، وقد يطلق على ما يصوت به على التشبيه أو التبع، كقولهم: نطقت الحمامة إذا صوتت، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، وعلم المنطق: هو علم يبحث في صحيح الفكر وفاسده، فهو يضع القواعد التي تعصم الذهن من الوقوع في الأخطاء.
والطير جمع طائر، كريب وراكب، وهو كل ذي جناح يسبح في الهواء ويجري، وكان سليمان يعرف نطق غير الطير أيضًا، كما يجيء من قصة النمل، لكنه أدرج هذا في قوله ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وخص منطق الطير؛ لشرف الطير على سائر الحيوان.
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ﴾ الحشر: إخراج الجماعة من مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب وغيرها.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يحبس أولهم ليلحق آخرهم، فيكونون مجتمعين لا يتخلف منهم أحد. وفي "المختار": وزعه يزعه وزعًا مثل وضعه يضعه وضعًا؛ أي: كله فانتزع هو؛ أي: كف، وأوزعه بالشيء أغراه به، واستوزعت الله
стр. 9215
شكره، فأوزعني؛ أي: استلهمته، فالهمني. والوازع: الذي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر، وجمعه وزعة. وقال الحسن: لا بد للناس من وازع؛ أي: سلطان يكفهم. يقال: وزعت الجيش إذا حبست أولهم على آخرهم.
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ النَمل والنُمل - بضم الميم - حيوان حريص على جمع الغذاء، يتخذ قرى تحت الأرض، فيها منازل ودهاليز، وغرف وطبقات منعطفة يملؤها حبوبًا وذخائر للشتاء. الواحدة: نملة، ونملة للذكر والأنثى. والجمع: نمال كرملة ورمال. وفي "الروح": ونملة مؤنث حقيقي بدليل لحوق علامة التأنيث فعلها؛ لأن نملة تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تمييزها احتيج إلى مميز خارجي، نحو نملة ذكر، ونملة أنثى، وكذلك لفظة حمامة ويمامة من المؤنثات اللفظية. اهـ
﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ والوادي: الموضع الذي يسيل فيه الماء، والنمل معروف، الواحدة: نملة، سميت نملة لتنملها؛ وهي كثرة حركتها وقلة قوائمها، ومعنى وادي النمل: واد يكثر فيه النمل، والمراد: واد بالشام أو بالطائف كثير النمل، والمشهور أنه النمل الصغير.
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يكسرنكم ويهشمنكم سليمان وجنوده. وفي "المختار": حطمه من باب ضرب؛ أي: كسره فانحطم وتحطم، والتحطيم: التكسير، والحطام: ما تكسر من اليبس. اهـ.، وسمي حجر الكعبة الحطيم؛ لأنه كسر منها.
﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني، وحقيقته: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وارتبطه لا ينفلت عني حتى لا أنفك شاكرًا لك، وقد تقدم شرح هذه المادة قريبًا.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ قال في "القاموس": تفقده طلبه عن غيبة. وفي "كشف الأسرار": التفقد: طلب المفقود، وإنما قيل له التفقد؛ لأن طالب الشيء درك بعضه ويفقد بعضه. في المفردات: التفقد التعهد، لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان
стр. 9216
الشيء، والتعهد: تعرف العهد المقدم، والطير: اسم جامع للجنس كما في "الوسيط".
﴿الْهُدْهُدَ﴾ - بضمتين مع سكون الدال - والهُدَهِد - بضم ففتح فكسر - والهداهد: طائر ذو خطوط وألوان كثيرة، الواحدة: هدهدة بضمتين بينهما سكون، وهدهدة بضم ففتح فكسر، وهداهدة، والجمع: هداهد وهداهيد.
ويقولون: هو أبصر من هدهد؛ لأنهم يزعمون أنه يرى الماء تحت الأرض، وفي "حياة الحيوان": الهدهد: منتن الريح طبعًا؛ لأنه يبني أفحوصه في الزبل. وهذا عام في جنسه وإن بخر المجنون بعرف الهدهد أبرأه ولحمه إذا بخر به معقود عن المرأة، أو مسحور أبرأه. وفي "الفتاوى الزينية": سئل عن أكل الهدهد أيجوز أم لا؛ أجاب نعم يجوز. انتهى.
﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾: الإيجاع الشديد، وعذبه تعذيبًا أكثر حبسه في العذاب. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ وأصل الذبح شق حلق الإنسان. اهـ. "روح".
﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مفتوحة؛ هي نون التوكيد الثقيلة بعدها نون مكسورة؛ هي نون الوقاية، وقرىء ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مكسورة أصله: ليأتينني بثلاث نونات، فحذفت النون التي قبل ياء المتكلم لتوالي الأمثال.
﴿فَمَكَثَ﴾ بضم الكاف وفتحها، والأول من باب قرب، والثاني من باب نصر، وفي "القاموس" وغيره: مكث يمكث - من باب نصر - مكثًا بفتح فسكون ومكثًا بفتحتين ومكوثًا ومكيثي بالمكان أقام ولبث فهو ماكث. والاسم المكث بضم الميم، والمِكث بكسرها، ومكث يمكث - من باب قرب - مكاثة نبت ورزن. اهـ والمكث: ثبات مع انتظار.
﴿بِمَا لَمْ تُحِطْ﴾ والإحاطة بالشيء علمًا: أن يعلمه من جميع جهاته حتى لا يخفى عليه معلوم ما. اهـ "خازن".
﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ وسبأ: بلاد واقعة جنوبي غربي الجزيرة العربية في اليمن،
стр. 9217
ذكرت في كتاب العهد القديم، وفي مؤلفات العرب، واليونان، والرومان كانت على جانب عظيم من الحضارة، كان يتعاطى سكانها تجارة الذهب والفضة والأحجار الكريمة.
﴿تَمْلِكُهُمْ﴾؛ أي: تسوسهم وتدبر أمورهم، لا ملك الرقبة ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ والعرش في الأصل: شيء مسقف، ويراد به هنا سرير عظيم، أعني: سرير الملك. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ والسبيل من الطريق ما هو معتاد السلوك.
﴿الْخَبْءَ﴾: مصدر بمعنى المخبوء، يقال: خبأت الشيء أخبؤه خبأ - من باب نفع -؛ أي: سترته، والخبء في السموات المطر وفي الأرض النبات.
﴿سَنَنْظُرُ﴾ من النظر بمعنى التأمل، والسين للتأكيد؛ لنعرف بالتجربة البتة.
﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه؛ ليكون ما يقولونه بسمع منك. ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: تأمل وفكر. ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والملأ: عظماء القوم الذين يملؤون العيون مهابة، والقلوب جلالة، جمعه أملاء كنبأ وأنباء. ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾؛ أي: ألا تتكبروا ولا تنقادوا للهوى والنفس. ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: منقادين خاضعين.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإشارة بالبعيد عن القريب في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ للإيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف.
ومنها: التنكير للتعظيم والتفخيم في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: كتاب عظيم الشأن رفيع القدر.
ومنها: الإتيان بالمصدر بدل اسم الفاعل؛ للمبالغة في قوله: ﴿هُدًى
стр. 9218
وَبُشْرَى﴾؛ أي: هاديًا ومبشرًا، كأنها نفس الهدى والبشارة.
ومنها: تكرير الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لإفادة الحصر والاختصاص، وأما وجه تكراره هنا فهو أنه كان أصل الكلام هم يوقنون بالآخرة، ثم قدم المجرور على عامله عناية به، فوقع فاصلًا بين المبتدأ والخبر، فأريد أن يلي المبتدأ خبره. وقد حال المجرور بينهما، فطرّي ذكره ليليه الخبر، ولم يفت مقصود العناية بالجار والمجرور حيث بقي على حاله مقدمًا، ولا يستنكر أن تعاد الكلمة مفصولة له وحدها بعدما يوجب التطرية. ومثله ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ وفيه المقابلة اللطيفة بين الجملتين.
ومنها: العدول في الصلة عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية؛ لإفادة التأكيد والمبالغة والدوام، فإن الإيمان والإيقان بالآخرة أمر ثابت مطلوب دوامه، ولذلك أتي به جملة اسمية، وجعل خبرها فعلًا مضارعًا، فقال: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾؛ للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد، أما إقامة الصلاة ايتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما المعينة، ولذلك أتى بهما فعلين، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.
ومنها: التأكيد بـ ﴿إن﴾ واللام في قوله: ﴿إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ أي: لوجود المتشككين في القرآن.
ومنها: تنوين الاسمين للتعظيم في قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.
ومنها: الجمع بين الحكيم والعليم إشعارًا بأن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية.
ومنها: استعمال أو بدل ﴿الواو﴾ في قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ آثر ﴿أو﴾ على ﴿الواو﴾؛ نكتة بلاغية رائعة، فإن ﴿أَوْ﴾ تفيد التخيير، وقد بني رجاءهُ على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعًا فلن يعدم بواحدة منهما، وهما: إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار هضمًا لنفسه، واعترافًا بقصوره نحو ربه.
стр. 9219
ومنها: إيجاز الحذف في قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ حذفت قبل الرؤية جمل تقديرها: فألقاها فانقلبت إلى حية الخ.
ومنها: التعجيب من عظمة ما رأى في قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حيث شبه الحية العظيمة المسماة بالثعبان بالجان؛ أي: الحية الصغيرة في سرعة الحركة والالتواء.
ومنها: التعريض بظلم موسى بقتل القبطي في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾.
ومنها: الطباق بين الحسن والسوء في قوله: ﴿حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، وبين ﴿وَلَّى مُدْبِرًا ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ذكرت أداة التشبيه وحذفت وجه الشبه، فصار مرسلًا مجملًا.
ومنها: المجاز العقلي في إسناد الإبصار إلى الآيات في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ حيث نسب الإبصار إليها مجازًا؛ لأنه بها يبصر، ويجوز أن يكون مجازًا مرسلًا، والعلاقة السببية؛ لأنها سبب الإبصار، وهذا أولى من قول بعضهم: إن مبصرة اسم فاعل بمعنى اسم المفعول نحو ماء دافق؛ أي: مدفوق إشعارًا بأنها لفرط وضوحها وإنارتها كأنها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر.
ومنها: التنوين والتنكير في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾؛ لتعظيم العلم الذي أوتياه وتكثيره، كأنه قال: علمًا أي، علم، وهو كذلك فإن علمهما كان مما يستغرب ويستعظم، ومن ذلك علم منطق الطير وسائر الحيوانات على أن كل علم بالإضافة إلى علم الله سبحانه قليل ضئيل.
ومنها: استعمال حرف الاستعلاء لإفادة الفوقية في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ فعدى ﴿أَتَوْا﴾ بـ ﴿عَلَى﴾؛ لأن الإتيان كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء.
стр. 9220
ومنها: التوليد في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فإن هذه الآية اشتملت على أحد عشر نوعًا من البلاغة يتولد بعضها من بعض: أولها: النداء بـ ﴿يَا﴾، وثانيها: كنت بـ ﴿أَيُّ﴾، وثالثها: نبهت بـ ﴿هَا﴾ التنبيه، ورابعها: سمت بقولها: ﴿النَّمْلُ﴾، وخامسها: أمرت بقولها: ﴿ادْخُلُوا﴾، وسادسها: نصت بقولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾، وسابعها: حذرت بقولها: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، وثامنها: خصصت بقولها: ﴿سُلَيْمَانُ﴾، وتاسعها: عممت بقولها: ﴿وَجُنُودُهُ﴾ وعاشرها: أشارت بقولها؛ ﴿وَهُمْ﴾، وحادي عشرها: عذرت بقولها: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾. هذا وقد أنشدوا ملغزين في نملة سليمان وبقرة بني إسرائيل.
فَمَا مَيْتٌ أَحْيَا لَهُ اللهُ مَيِّتًا ... لِيُخْبِرَ قَوْمًا أُنْذِرُوْا بِبَيَانِ
وَعَجْفَاءُ قَدْ قَامَتْ لِتُنْذِرَ قَوْمَهَا ... وَأَهْلَ قُرَاهَا رَهْبَةَ الْحَدَثَانِ
ومنها: أسلوب التعجب في قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾.
ومنها: التأكيد المكرر في قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾، ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾؛ لتأكيد الأمر.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ﴾.
ومنها: جناس التصريف في قوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ اختلاف صيغة الكلمتين بإبدال حرف من حرف إما من مخرجه، أو من قريب من مخرجه؛ وهو من محسنات الكلام المتعلقة باللفظ. وقال أبو حيان في تعريفه: وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف. انتهى.
قال صاحب "الكشاف": وهذا من محاسن الكلام بشرط أن يجيء مطبوعًا غير متكلف، أو يصنعه عالم بجوهر الكلام، ولقد حسن في الآية، وباع لفظًا ومعنى، ألا ترى أنه لوهوضع مكان ﴿بِنَبَإٍ﴾ لفظة بخبر .. لكان المعنى صحيحًا، ولكن يفوت ما في النبأ من الزيادة التي معناها الخبر الهام، والتي يطابقها وصف الحال؛ لأنه جاء منغومًا عذب الجرس؛ لاتفاق سبأ ونبأ.
стр. 9221
ومنها: الطباق في اللفظ في قوله: ﴿تُخْفُونَ﴾ و ﴿تُعْلِنُونَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
فلما قرأت بلقيس الكتاب جمعت أشراف قومها وقالت لهم: يا أيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ وكرر (١) ﴿قَالَتْ﴾؛ للإيذان بغاية اعتنائها بما قالت؛ أي: قالت: يا أيها الأشراف أفتوني في أمري؛ أي: أجيبوني في الذي ذكرت لكم بما يقتضيه الحزم، واذكروا ما تستصيبون فيه، وأشيروا علي وبينوا لي الصواب فيه، وعبرت عن جواب المشورة بالفتوى الذي هو الجواب في الحوادث المشكلة غالبًا، إشعارًا بأنهم قادرون على حل المشكلات النازلة، وليكون في ذلك حل لما أشكل عليها من الأمر. قال بعضهم: الفتوى من الفتى؛ وهو الشاب القوي، وسميت الفتوى بذلك؛ لأن المفتي؛ أي: المجيب الحاكم بما هو صواب يقوي السائل في جواب الحادثة.
ثم زادت في التأدب لهم، واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب، فقالت: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: فاصلة ومنفذة أمرًا من الأمور ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾؛ أي: حتى تحضروا عندي، وتشيروا علي؛ أي: لا أقطع أمرًا إلا بمحضركم وبموجب آرائكم؛ أي: عادتي معكم أن لا أفعل أمرًا من الأمور المتعلقة بالملك حتى أحضركم وأشاوركم.
وفيه استمالة لقلوبهم (٢)؛ لئلا يخالفوها في الرأي والتدبير، وفيه إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يكون مستبدًا برأيه، ويكون مشاورًا في جميع ما سنح له من الأمور، لا سيما الملوك يجب أن يكون لهم قوم من أهل الرأي والبصيرة، فلا يقطعون أمرًا إلا بمشاورتهم. والمعنى: أي (٣): قالت بلقيس لأشراف قومها: أيها الملأ أشيروا علي في أمر هذا الكتاب الذي ألقي إلى، فإني لا أقضي فيه برأي حتى تشهدوني فأشاوركم فيه.
وفي قولها هذا دلالة على إجلالهم، وتكريمهم ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب، ولتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم
стр. 9224
وإمضاءهم على الطاعة لها، علمًا منها أنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها .. لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم .. كان ذلك عونًا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم .. لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، وتعمية في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم، وأخذ رأيهم عون على ما تريد من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم، ألا ترى إلى قولهم في جوابهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ على ما لها من عقل راجح وأدب جم في التخاطب. وعلى هذا النهج سار الإِسلام، فقد قال سبحانه لنبيه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقد مدح سبحانه صحابة رسوله بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
وفي قراءة عبد الله (١): ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ وقوله: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون (٢) والفتح لحن؛ لأن النون إنما تفتح في موضع الرفع، وهذا في موضع النصب. وأصله: حتى تشهدونني، فحذفت النون الأولى للنصب والياء؛ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف. قرأ يعقوب: أي: حتى تحضروني، أو تشيروني، أو تشهدوا أنه صواب؛ أي: لا أبت الأمر إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلًا.
٣٣ - وقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي: قال الملأ مجيبين لها، استئناف بياني، كأنه قيل: فماذا قالوا في جوابها؟ فقيل: قالوا: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العدد والعدة؛ أي: ذووا قوة في الآلات والأجساد والعدد. ﴿وَأُولُو بَأْسٍ﴾ أخذ ﴿شَدِيدٍ﴾ لأعدائنا عند الحرب واللقاء؛ أي: لنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا وبلدنا ومملكتنا؛ أي: لنا شجاعة مفرطة، وبطش شديد، فلا نخاف أعداءنا.
وهذا تعريض (٣) منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم فوضوا الأمر إليها؛ لعلمهم بصحة رأيها وقوة عقلها، فقالوا: ﴿وَالْأَمْرُ﴾ في شأننا هذا، بل في كل
стр. 9225
أمورنا مفوض ﴿إِلَيْكِ﴾ أيتها الملكة، وموكول إلى رأيك ونظرك. ﴿فَانْظُرِي﴾ وفكري ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ وتشيرين علينا؛ أي: تأملي ماذا تأمرينا به سامعون لأمرك، مطيعون له، فمري بنا بأمرك.
وفيه إشارة إلى أن شرط أهل المشاورة أن لا يحكموا على الرئيس المستشير بشيء، بل يخيرونه فيما أراد من الرأي الصائب، فلعله أعلم بصلاح حاله منهم،
٣٤ - فلما أحست منهم الميل إلى الحرب، والعدول عن سنن الصواب، بادعائهم القوى الذاتية والعرضية لم ترض به، لما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده، ومالت إلى الصلح، وبينت السبب في رغبتها فيه. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ من القرى، ومدينة من المدن على منهاج الحراب والقتال.
قال الزجاج: أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ أي (١): خربوا مبانيها، وغيروا مغانيها، وأتلفوا أموالها، وفرقوا شمل أهلها ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾؛ أي: ذليلين بالقتل والأسر، والإجلاء وغير ذلك من أنواع الإهانة والإذلال؛ أي: أهانوا أشرافها، وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة. وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة، وتتقرر لهم في قلوبهم المهابة، والمقصود من قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم، وقد صدقها الله سبحانه فيما قالت، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: مثل ذلك الفعل من الإفساد، وجعل الأعزة أذلة يفعلون؛ أي: وكما قالت هي تفعل الملوك.
قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ وقف تام. فقال الله تحقيقًا لقولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقيل (٢): هذه الجملة من تمام كلامها، ذكرته توكيدًا لما وصفته من حال الملوك، وتقريرًا بأن ذلك من عادتهم المستمرة؛ أي: إن الذين أرسلوا الكتاب يفعلون مثل الذي تفعله الملوك،
стр. 9226
فإن ذلك عادتهم المستمرة.
وفي ذلك إشارة إلى أن العاقل مهما تيسر له دفع الخصوم بطريق صالح لا يوقع نفسه في خطر الهلاك بالمحاربة والمقاتلة بالاختيار، إلا أن يكون مضطرًا. قال بعضهم: من السؤدد الصلح وترك الإفراط في المغيرة.
وفي "الفتوحات المكية": للملك أن يعفو عن كل شيء إلا عن ثلاثة أشياء، وهي: التعرض للحرم، وإفشاء سره، والقدح في الملك. نسأل الله حسن الأدب في طريق الطلب.
ومعنى الآية: أي قالت لهم حين عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان: إنّ الملوك إذا دخلوا قرية فاتحين أفسدوها بتخريب عمائرها، وإتلاف أموالها، وأذلوا أهلها بالأسر والإجلاء عن موطنهم، أو قتلوهم تقتيلًا ليتم لهم الملك والغلبة، وتتقرر لهم في النفوس المهابة، وهكذا يفعلون معنا، وفي هذا تحذير شديد لقومها من مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم.
٣٥ - ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة، وبينت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة .. أوضحت لهم وجه الرأي عندها، وصرحت لهم بصوابه، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى سليمان وقومه رسلًا ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ عظيمة، وهي (١) اسم للشيء المهدي بملاطفة ورفق ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾ هو؛ أي: فمنتظرة. قال في "كشف الأسرار": الناظر ها هنا بمعنى المنتظر، و ﴿الفاء﴾ فيه للعطف على مرسلة.
﴿بِمَ﴾ أصله بما، على أنه استفهام؛ أي: بأي شيء. ﴿يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ بالجواب من عنده حتى أعمل بما يقتضيه الحال، و ﴿بِمَ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْجِعُ﴾؛ أي: إني أجرب هذا الرجل بإرسال رسلي إليه بهدية مشتملة على نفائس الأموال، فإن كان ملكًا أرضيناه بذلك، وكفينا أمره، وإن كان نبيًا لم يرضه ذلك؛ لأن غاية مطلبه، ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين فلا ينجينا منه إلا إجابته ومتابعته، والتدين بدينه، وسلوك طريقته، وإني ناظرة فيما يرجع به رسلي المرسلون بالهدية
стр. 9227
من قبول أو رد، فعاملة بما يقتضيه ذلك.
والمعنى: أي (١) وإنى ساْرسل إليه هدية من نفائس الأموال؛ لأتعرف حاله، وأختبر أمره، أنبي هو أم ملك، فإن كان نبيًا لم يقبلها، ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه، وإن كان ملكًا قبل الهدية، وانصرف إلى حين، فإن الهدايا مما تورث المودة، وتذهب العداوة. وفي الحديث: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء", ولقد أحسن من قال:
هَدَايَا النَّاسِ بَعْضُهُمُ لِبَعْضٍ ... تُوَلِّدُ في قلُوْبِهِمُ الْوِصَالاَ
وَتَزْرَعُ فِيْ الضمِيْرِ هَوَى وَوِدًّا ... وَتُكْسِبُهُمْ إِذَا حَضَرُوْا جَمَالاَ
وحال القصة (٢): أن بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة، قد ساست الأمور وجربتها فأهدت وصفاء ووصائف. قال ابن عباس: مئة وصيف، ومئة وصيفة. وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمس مئة غلام، وخمس مئة جارية، فألبست الجواري لباس الغلمان الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في أيديهم أساور الذهب، وفي أعناقهم أطواف الذهب، وفي آذانهم أقرطة، وشنوفًا مرصعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمس مئة فرس، والغلمان على خمس مئة برذون، على كل فرس سرج من الذهب مرصع بالجواهر وأغشية الديباج، وبعثت إليه لبنات من ذهب، ولبنات من فضة، وتاجًا مكللًا بالدر والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود والألنجوج، وعمدت إلى حقة جعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جرع معوجة الثقب، ودعت رجلًا من أشراف قومها - يقال له: المنذر بن عمرو - وضمت إليه رجالًا من قومها أصحاب عقل ورأي، وكتبت مع المنذر كتابًا تذكر فيه الهدية، وقالت: إن كنت نبيًا فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحقة قبل أن تفتحها، وأثقب الدرة ثقبًا مستويًا، وأدخل في خرزة خيطًا من غير علاج إنس ولا جن، وأمرت بلقيس الغلمان، فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث
стр. 9228
وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرًا فيه غضب .. فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره، فإنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا .. فاعلم أنه نبي فتفهم قوله، ورد الجواب، فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سلميان فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنًا من الذهب والفضة ففعلوا، وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ، وأن يفرش فيه لبن الذهب والفضة، وأن يخلوا قدر تلك اللبنات التي معهم، وأن يعملوا حول الميدان حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال سليمان: أي دواب البر والبحر أحسن، فقالوا يا نبي الله رأينا في بحر كذا دواب مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص، قال: عليَّ بها، فأتوه بها، فقال: شدوها عن يمين الميدان وشماله، وقال للجن: عليَّ باولادكم، فاجتمع منهم خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان وشماله، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع أربعة آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله، وأمر الجن والإنس والشياطين والوحوش والسباع والطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لبن الذهب والفضة .. تقاصرت إليهم أنفسهم، ووضعوا ما معهم من الهدايا، وقيل: إن سليمان لما فرش الميدان بلبنات الذهب والفضة .. ترك من طريقهم موضعًا على قدر ما معهم من اللبنات، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا خافوا أن يتهموا بذلك، فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع، ولما نظروا إلى الشياطين هالهم ما رأوا وفزعوا، فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم، وكانوا يقرون على كراديس الإنس والجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم بوجه طلق، وتلقاهم متلقى حسنًا، وسألهم عن حالهم، فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه، وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال: أين الحقة؟ فأتي بها، فحركها فجاءه جبريل ﵇، فأخبره بما فيها، فقال لهم: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة فقال الرسول صدقت فأثقب الدرة، وأدخل الخيط في الجزعة، فقال سليمان: من لي بثقبها؟ وسأل الإنس
стр. 9229
والجن فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرضة، فلما جاءت الأرضة، أخذت شعرة في فمها، ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: يكون رزقي في الشجرة، فقال لها: لك ذلك، ثم قال: من لهذه الخرزة؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبيَّ الله، فأخذت الدودة خيطًا في فمها، ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: يصير رزقي في الفواكه، فقال لها: لك ذلك، ثم ميز بين الغلمان والجواري بأن أمرهم بأن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها، وتضرب بها الأخرى، وتغسل وجهها، والغلام يأخذ الماء بيديه، ويضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها، والغلام يصبه على ظهره، فميز بين الغلمان والجواري، ثم رد سليمان الهدية،
٣٦ - كما أخبر الله سبحانه عنه بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ أي: الرسول المبعوث من قبل بلقيس وهو المنذر بن عمرو ﴿سُلَيْمَانَ﴾، والمراد بهذا المضمر الجنس، فلا ينافي كونهم جماعة، كما يدل عليه قولها: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
وقرأ عبد الله (١): ﴿فلما جاؤوا﴾ وقرأ: ﴿ارجعوا﴾ جعله عائدًا على قوله: ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿قَالَ﴾ سليمان مخاطبًا للرسول والمرسل تغليبًا على الغائب؛ أي: قال بعدما جرى بينه وبينهم من قصة الحقة وغيرها، أنه خاطبهم أول ما جاؤوه، كما يفهم من ظاهر العبارة.
﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ حقير، أصله: أتمدونني (٢)، فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة الدالة عليها، والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ أي؛ لا ينبغي لكم يا أهل سبأ أن تمدوني وتعاونوني بالمال، ثم علل هذا الإنكار بقوله: ﴿فَمَا﴾ موصولة ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ مما رأيتم آثاره من النبوة، والملك الذي لا غاية وراءه ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من المال ومتاع الدنيا، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقع لها عندي؛
стр. 9230
أي: لأن الله قد أعطاني منه ما لم يعط أحدًا، ومع ذلك أكرمني بالنبوة والدين.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (١): ﴿أتمدونني﴾ بنونين وياء في الوصل. وروي المسيبي عن نافع: ﴿أتمدوني﴾ بنون واحدة خفيفة وياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم وابن عامر والكسائي: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ حمزة ﴿أتمدوني بمال﴾ بنون واحدة مشددة ووقف على الياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿فما آتان الله﴾ بكسر النون من غير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص عن عاصم: ﴿فَمَا آتَانِيَ﴾ بفتح الياء، فكأنهم فتحوا التاء، غير الكسائي، فإنه أمالها من ﴿أتاني الله﴾.
أي: قال منكرًا لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه، وكثرة أمواله (٢): أتساعدونني وتكرمونني بمال حقير، فما آتاني الله من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته، ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم، فقال؛ ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ﴾؛ أي: بما يهدى إليكم من الأموال. فالمضاف إليه ضمير المهدي إليه ﴿تَفْرَحُونَ﴾ حبًا لزيادة المال وكثرته لما أنكم لا تعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، توبيخًا لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء، وأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي؛ لأن الله قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدًا من العالمين، ومع ذلك أكرمني بالنّبوة. والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزدراء بهم والحط عليهم.
وفي "الإرشاد" (٣): إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه افتخارًا وامتنانًا، واعتدادًا بها، كما ينبىء عنه ما ذكر من حديث الحقة والجزعة وتغيير زي الغلمان والجواري وغير ذلك. انتهى.
стр. 9231
يقول الفقير: إنهم لما رأوا ما أنعم الله به على سليمان من الملك الكبير .. استقلوا بما عندهم حتى هموا بطرح اللبنات، إلا أنه منعتهم الأمانة من ذلك، فكيف امتنوا على سليمان بهديتهم، وافتخروا على أن حديث الحقة ونحوه إنما كان على وجه الامتحان لا بطريق الهدية كما عرف.
وفي "التأويلات" يشير إلى أن الهدية موجبة لاستمالة القلوب، ولكن أهل الدين لما عارضهم أمر ديني في مقابلة منافع كثيرة دنيوية .. رجحوا طرف الدين على طرف المنافع الكثيرة الدنيوية، واستقلوا كثرتها؛ لأنها فانية، واستكبروا قليلًا من أمور الدين؛ لأنها باقية، كما فعل سليمان لما جاءه الرسول بالهدية .. استغل كثرتها، وقال: فما آتاني الله من كمالات الدين والقربات والدرجات الأخروية خير مما آتاكم من الدنيا وزخارفها. ﴿بَلْ أَنْتُمْ﴾: أمثالكم من أهل الدنيا بمثل هديتكم الدنيوية الفانية تفرحون؛ لخسة نفوسكم، وجهلكم عن السعادات الأخروية الباقية.
قال جعفر الصادق: الدنيا أصغر قدرًا عند الله وعند أنبيائه وأوليائه من أن يفرحوا بشيء منها، أو يحزنوا عليه، فلا ينبغي لعالم ولا لعاقل أن يفرح بعرض الدنيا.
وعبارة المراح هنا: قوله: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ فالمصدر (١) إما مضاف لفاعله؛ أي: تفرحون بما تهدونه افتخارًا على أمثالكم، واعتدادًا به من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثله، وإما مضاف لمفعوله؛ أي: تفرحون بما يهدى إليكم حبًا في كثرة أموالكم، وحالي خلاف حالكم، فلا أفرح بالدنيا، وليست الدنيا من حاجتي. وقيل: بل أنتم بهديتكم هذه تفرحون باخذها إن رددت إليكم.
٣٧ - ثم قال سليمان ﵇ للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ﴿ارْجِعْ﴾ أيها الرسول (٢)، أفرد الضمير هاهنا بعد جمع الضمائر الخمسة فيما سبق؛ لأن الرجوع مختص بالرسول، والإمداد ونحوه عام. أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا،
стр. 9232
وخاطبهم معه فيما سبق افتنانًا في الكلام. وقرأ عبد الله: ﴿ارجعوا﴾. وقيل: إن الضمير يرجع إلى الهدهد.
﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى بلقيس وقومها بهديتهم؛ ليعلموا أن أهل الدين لا ينخدعون بحطام الدنيا، وإنما يريدون الإِسلام فليأتوا مسلمين مؤمنين، وإلا ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾؛ أي: بجموع من الجن والإنس والتاييد الإلهي ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ﴾؛ أي: لا طاقة لهم ﴿بِهَا﴾؛ أي: بمقاومتها، ولا قدرة لهم على مقابلتها. وقرأ ابن مسعود: ﴿بهم﴾ بضمير جمع المذكور، واللام في ﴿لَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ موطئة للقسم المحذوف. وقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ﴾ معطوف على جواب القسم؛ أي: فوالله لنأتين بلقيس وقومها في أرضهم سبأ بجنود لا قبل له بها، ولنخرجنهم ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من سبأ وأرضهم التي هم فيها حالة كونهم ﴿أَذِلَّةً﴾ بذهاب ما كانوا فيه من العز؛ أي: ذليلين بذهاب ملكهم وعزهم. بعدما كانوا أعزة أهلها، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾؛ أي: أسارى مهانون بوقوعهم في أسر واستعباد بأغلال أيمانهم إلى أعناقهم، حال أخرى مفيدة لكون إخراجهم بطريق الإجلاء. وقيل (١): هي حال مؤكدة؛ لأن الصَّغار هو الذلة. وقيل: إن المراد بالصغار هنا الأسر والاستعباد. وقيل: إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة.
٣٨ - ولما رجع رسل بلقيس إليها، وأخبروها بخبر سليمان .. قالت: والله قد علمت أنه ليس بملك، ولا لنا به من طاقة، وبعثت إلى سليمان أني قادمة إليك بملوك قومي حتى انظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك، وتجهزت للمسير إلى سليمان. وقيل: أخبر جبريل سليمان بذلك، فقال سليمان: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ... إلخ.
وروي عن ابن عباس (٢) ﵄ أنه قال: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، وأخبروها الخبر .. قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك، ولا لنا به من طاقة، وبعثت إلى سليمان أني قادمة إليك بملوك قومي حتى
стр. 9233
أنظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها، فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في داخل بعض، ثم غلقت عليه سبعة أبواب، وجعلت عليها حراسًا يحفظونه، ثم تجهزت للمسير، فارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف ملك من ملوكها تحت كل ملك ألوف، فخرج سليمان يومًا فجلس على سريره فسمع وهجًا قريبًا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، وقد نزلت بهذا المكان؛ أي: الذي على مسيرة فرسخ من سليمان ﵇. فأقبل سليمان على جنوده فـ ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والأشراف ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾؛ أي: من الذي منكم يأتيني بعرشها وسريرها؛ أي: بعرش بلقيس الذي تقدم وصفه بالعظم ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي﴾؛ أي: قبل أن تأتيني هي وقومها حالة كونهم ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: مؤمنين بالله وبرسوله؛ لأنه قد أوحي إليه أنها سوف تسلم.
قيل: أراد سليمان أن يريها بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده الدالة على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى صدقه في نبوته، وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس، وعرشها في سبأ بلدة باليمن، وبينها وبين بيت المقدس مسيرة شهرين، وأن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه؛ لأن العرش سرير المملكة، وقيل: إنما أراد أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا؛ لأنها إذا أسلمت وأسلم قومها .. لم يحل أخذ أموالهم بغير رضاهم، وهذا (١) بعيد عند أهل التحقيق، أو أراد أن يؤتي به فينكر ويغير، ثم ينظر أتثبته أم تنكره، اختبارًا لعقلها، ولهذا قال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾.
قال ابن عطية: وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان هي بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. انتهى. وقيل: أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم. والقول الأول هو الذي عليه الأكثر.
٣٩ - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾؛ أي: مارد خبيث ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ بيان له؛ إذ يقال للرجل
стр. 9234
الخبيث المنكر المعفر لأقرانه عفريت. قيل: اسم (١) هذا العفريت كودت. ذكره النحاس عن وهب بن منبه. وقال السهيلي: اسمه ذكوان. وقيل: اسمه دعوان. وقيل: صخر. وفي "فتح الرحمن": اسمه كوذى أو اصطخر سيد الجن، وكان قبل ذلك متمردًا على سليمان. واصطخر فارس تنسب إليه، وكان الجني كالجبل العظيم يضع قدمه عند منتهى طرفه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿عِفْرِيتٌ﴾ - بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء -، وقرأ أبي بن كعب وأبو العالية وابن يعمر وعاصم الجحدري: ﴿عَفْريت﴾ - بفتح العين وكسر الراء - وقرأ أبو رجاء وأبو السمال وعيسى الثقفي وابن السميقع ورويت عن أبي بكر الصديق: ﴿عَفْريَة﴾ - بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء بعدها ياء مفتوحة بعدها تاء التأنيث -، وقرأت فرقة: ﴿عفر﴾ بلا ياء ولا تاء. ويقال في لغة طي وتميم: ﴿عفراة﴾ بالألف وتاء التأنيث، وفيه لغة سادسة: ﴿عفارية﴾ ويوصف بها الرجل، ولما كان قد يوصف به الإنس .. خص بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. وقرأ ابن مسعود وابن السميقع أيضًا: ﴿عفراة﴾ بكسر العين وفتح الراء وبالف من غير ياء.
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرشها ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾؛ أي: من مجلسك للحكومة بين الناس، وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم. وقيل: المعنى قبل أن تستوي من جلوسك قائمًا. وقوله: ﴿آتِيكَ﴾: فعل مضارع، أصله: أأتيك بهمزتين، فأبدلت الثانية ألفًا، وكذا في الموضع الآتي. وقيل: هو اسم فاعل، وهو (٣) الإنسب لمقام ادعاء الإتيان بلا محالة، وأوفق بما عطف عليه من الجملة الاسمية؛ أي: أنا آت به في تلك المدة البتة.
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾؛ أي: على حمله والإتيان به ﴿لَقَوِيٌّ﴾ لا يثفل علي حمله ﴿أَمِينٌ﴾ على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والذهب والفضة، لا أغيره ولا أبدله
стр. 9235
بغيره، والمعنى أنه سيأتي بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكومة بين الناس.
٤٠ - ولما قال سليمان ﵇: أريد أسرع من هذا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو آصف بن برخيا بن خالة سليمان، وكان وزيره وكاتبه ومؤدبه في حال صغره، وكان رجلًا صديقًا يقرأ الكتب الإلهية، ويعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وقد خلقه الله لنصرة سليمان ونفاذ أمره.
فالمراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة على موسى وإبراهيم وغيرهما، أو اللوح المحفوظ وأسراره المكنونة. قال ابن عطية: وقالت فرقة: هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت، كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال له تحقيرًا له: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾؛ أي: بعرشها ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾ ويرجع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ أي: بصرك مما نظرت إليه يعني أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.
والمعنى على هذا القول الأخير؛ أي (١): قال سليمان للعفريت محدثًا بنعمة الله وعظيم فضله عليه: أنا أفعل ما لا تستطيع أنت، أنا أحضره في أقصر ما يكون مدة، أنا أحضره قبل ارتداد طرفك إليك، وقد كان كما قال. وقال المعتزلة: هو جبريل؛ وذلك لأنهم لا يرون كرامة الأولياء، وقيل: الخضر، والأول أولى، وقيل: غير ذلك مما لا أصل له. والله أعلم.
ويروى (٢): أن اصف قال لسليمان ﵇: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله تعالى قبل أن يرتد طرفه. قيل: كان الدعاء الذي دعا به اصف يا ذا الجلال والإكرام. وقيل: يا حي يا قيوم، وروي ذلك عن عائشة، وروي عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. والمراد بالطرف تحريك
стр. 9236
الأجفان وفتحها للنظر، وارتداده انضمامها.
قال شيخ الإِسلام (١): القائل في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو كاتب سليمان واسمه آصف. فإن قلت: كيف قدر مع أنه غير نبي على ما لم يقدر عليه سليمان من إحضار عرش بلقيس في طرفة عين؟ قلت: يجوز أن يخص غير النبي بكرامة لا يشاركه فيها النبي، كما خصت مريم بأنها كانت ترزق من فاكهة الجنة، وزكريا لم يرزق منها، ولم يلزم من ذلك فضلها على زكريا، وقد نقل أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أراد الخروج إلى الغزاة .. قال لفقراء المهاجرين والأنصار ادعو لنا بالنصرة، فإن الله سبحانه ينصرنا بدعائكم، ولم يكونوا أفضل منه مع أن كرامة التابع من جملة كرامة المتبوع.
ويحكى: أن العلم الذي كان عند آصف هو اسم الله الأعظم، فدعا به، فأجيب له في الحال، وهو عند أكثر العلماء كما قال البندنيجي اسم الله، وقيل: يا حي يا قيوم، وقيل: يا ذام الجلال والإكرام، وقيل: الله يا رحمن، وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت. انتهى.
قال بعضهم (٢): أراد سليمان أن يظهر كرامة أمته؛ ليعلم أن في أمم الأنبياء أهل الكرامات؛ لئلا ينكروا من كرامات الأولياء. وقال محمد بن المنكدر: إنما الذي عنده علم هو سليمان نفسه، قال له عالم من بني إسرائيل: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه منك عند الله، فإن دعوت الله كان العرش عندك، فقال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في الوقت.
قال الرازي: وهذا القول أقرب، والمخاطب العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان ﵇ إظهار المعجزة فطالبه أولًا، ثم بين أنه يتحصل له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت. قيل: خر سليمان ساجدًا ودعا باسم الله الأعظم، فغاب العرش تحت الأرض حتى ظهر عند كرسي سليمان. وإنما هذا
стр. 9237
أقرب؛ لأن سليمان كان أعرف بالكتاب من غيره؛ لأنه نبي، وإن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف .. لاقتضى ذلك تفضيله على سليمان، ولو افتقر إليه في ذلك .. لاقتضى ذلك نقص حال سليمان في اْعين الخلق، ولأن ظاهر قوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ يقتضي أن يكون إتيان العرش بدعاء سليمان. انتهى.
قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ قبله حذف، تقديره: فأذن له سليمان، فدعا الله، فأتي به فلما رآه سليمان؛ أي: فلما رأى سليمان العرش ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ أي: حاضرًا لديه؛ أي: متحولًا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف ﴿قَالَ﴾ سليمان شاكرًا لربه لما آتاه الله سبحانه من هذه الخوارق ﴿هذا﴾؛ أي: إتيان العرش في هذه المدة القصيرة ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾؛ أي: من إحسانه إلى من غير استحقاق له من قبلي أكرمني به ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾؛ أي: لكي يختبرني ﴿أَأَشْكُرُ﴾ بذلك، واعترف بأنه من فضله من غير حول منى ولا قوة. ﴿مْ أَكْفُرُ﴾ بترك الشكر عليه، وعدم القيام به، أو بأن أثبت لنفسي تصرفًا في ذلك.
قال الأخفش: المعنى لينظر أأشكر أم أكفر. والابتلاء: الاختبار، وإذا قيل (١): ابتلي فلان بكذا وبلاه .. يتضمن أمرين:
أحدهما: تعرف حاله، والوقوف على ما يجهل من أمره.
والثاني: ظهور جودته ورداءته، وربما قصد به الأمران، وربما يقصد به أحدهما، فإذا قيل بلاه الله كذا، وابتلاه .. فليس المراد إلا ظهور جودته، أو رداءته دون التعرف لحاله، والوقوف على ما يجهل منه؛ إذ كان تعالى علام الغيوب.
﴿أَأَشْكُرُ﴾ بأن أراني محض فضله تعالى من غير حول من جهتي ولا قوة، وأقوم بحقه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ بأن أجد لنفسي مدخلًا في البين، وأقصر في إقامة موجبه، و ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة.
стр. 9238
﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ فضل الله سبحانه وإحسانه إليه ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لأنه غني عنه وعن شكره؛ أي: لغرض نفسه ونفعها، فإن نفع شكره يعود إليه؛ وهو أن يخرج عن علقة وجوب الشكر عليه، ويستوجب به تمام النعمة ودوامها؛ لأن (١) الشكر قيد النعمة الموجودة، وصيد النعمة المفقودة.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؛ أي: ترك شكر الله سبحانه على فضله وإحسانه إليه بأن لم يعرف النعمة، ولم يؤد حقها، فإن مضرة كفره ووباله عليه، لا يضر الله سبحانه كفرانه. ﴿فَإِنَّ رَبِّي﴾؛ أي: لأن ربي سبحانه ﴿غَنِيٌّ﴾ عن شكره، لا يضره ذلك الكفران ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضال عليه، لا يقطع نعمه عنه بسبب إعراضه عن الشكر وكفران النعمة. قال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا.
قال في "المفردات": المنحة والمحنة جميعًا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر ﵁: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر، ولهذا قال أمير المؤمنين ﵁: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله. وقال الواسطي أيضًا في الشكر: إبطال رؤية الفضل كيف يوزاي شكر الشاكرين فضله، وفضله قديم وشكرهم محدث. اهـ.
قال في "الأسئلة المقحمة": في الآية دليل على إثبات الكرامات من وجهين:
أحدهما: أن العفريت من الجن لما ادعى إحضاره قبل أن يقوم سليمان من مقامه .. لم ينكر عليه سليمان، بل قال: أريد أعجل من ذلك، فإذا جاز أن يكون مقدورًا لعفريت من الجن .. فكيف لا يكون مقدورًا لبعض أولياء الله تعالى.
стр. 9239
والثاني: أن الذي عنده علم من الكتاب؛ وهو آصف وزير سليمان لم يكن نبيًا، وقد أحضره قبل أن يرتد طرفه إليه، كما نطق به القرآن، فدل على جواز إثبات الكرامات الخارقة للعادات للأولياء خلافًا للقدرية حيث أنكروا ذلك.
فصل
والكرامة (١): ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص صالح غير مقرون بدعوى النبوة والرسالة، فما لا يكون مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح يسمى استدراجًا، وما يكون مقرونًا بدعوى النبوة يسمى معجزة. قال بعضهم: لا ريب عند أولي التحقيق أن كل كرامة نتيجة فضيلة من علم أو عمل أو خلق حسن، فلا يعول على خرق العادة بغير علم صحيح، أو عمل صالح، فطي الأرض إنما هو نتيجة عن طي العبد أرض جسمه بالمجاهدات، وأصناف العبادات، وإقامته على طوال الليالي بالمناجاة، والمشي على الماء لمن أطعم الطعام وكسا العراة؛ إما من ماله، أو بالسعي عليهم، أو علم جاهلًا، أو أرشد ضالًا؛ لأن هاتين الصفتين سر الحياتين، الحسية والعلمية، وبينهما وبين الماء مناسبة بينة.
وترك الظهور بالكرامات الحسية والعلمية أليق للعارف؛ لأنه محل الآفات، وللعارف استخدام الجن أو الملك في غذائه من طعامه وشرابه وفي لباسه. قال في "كشف الأسرار": قد تحصل الكرامة باختيار الولي ودعائه، وقد تكون بغيره، وفي الحديث: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين - إزار ورداء باليين - لا يؤبه - يبالي - له لو أقسم على الله لأبره".
وكرامات الأولياء ملحقة بمعجزات الأنبياء؛ إذ لو لم يكن النبي صادقًا في معجزته ونبوته .. لم تكن الكرامة تظهر على من يصدقه، ويكون من جملة أمته، ولا ينكر كرامات الأولياء إلا أهل الحرمان سواء أنكروها مطلقًا، أو أنكروا كرامات أولياء زمانهم، وصدقوا كرامات الأولياء الذين ليسوا في زمانهم
стр. 9240
كالصحابة والسلف الصالح، كمن صدق بموسى وكذب بمحمد ﵉. وما هي إلا خصلة إسرائيلية، نسأل التوفيق وحسن الخاتمة لنا ولجميع المسلمين أجمعين. آمين.
٤١ - ﴿قَالَ﴾ سليمان، كرر الحكاية تنبيهًا على ما بين السابق واللاحق من المخالفة؛ لما أن الأول من باب الشكر، والثاني أمر لخدمه: ﴿نَكِّرُوا﴾؛ أي: غيروا ﴿لَهَا﴾؛ أي: لأجل إدراك مستوى عقلها. ﴿عَرْشَهَا﴾؛ أي: سريرها الذي جيء به؛ أي: غيروا هيئته وشكله بوجه من الوجوه، بحيث ينكر ويجهل، والأمر للشياطين، فجعل الشياطين أسفله أعلاه، وبنوا فوقه قبابًا أخرى هي أعجب من تلك القباب، وجعلوا موضع الجوهر الأحمر الأخضر وبالعكس؛ أي: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته بزيادة أو نقصان.
قال الفراء وغيره: إنما أمرهم بتنكيره؛ لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئًا، فأراد أن يمتحنها. وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان، فيولد له منها ولد، فيبقوا مسخرين لآل سليمان أبدًا، فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار.
وقوله: ﴿نَنْظُرْ﴾ قراءة الجمهور بالجزم على أنه جواب الأمر (١). وقرأ أبو حيوة بالرفع على الاستئناف؛ أي: نختبر ﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته فتظهر رجاحة عقلها. ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفته فتطهر سخافة عقلها. وذلك (٢) أن الشياطين خافوا أن تفشي بلقيس أسرارهم إلى سليمان؛ لأن أمها كانت جنية، وأن يتزوجها سليمان، ويكون بينهما ولد جامع للجن والإنس فيرث الملك، ويخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد وأفظع، ولا ينفكون من التسخير، ويبقون في التعب والعمل أبدًا، فأرادوا أن يبغضوها إلى سليمان، فقالوا: إن في عقلها خللًا وقصورًا، وإنها شعراء الساقين، وإن رجليها كحافر الحمار، فأراد سليمان أن يختبرها في عقلها فأمر بتنكير العرش، واتخذ الصرح كما سيأتي؛
стр. 9241
ليتعرف ساقيها ورجليها.
٤٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ بلقيس سليمان والعرش بين يديه ﴿قِيلَ﴾ لها من جهة سليمان بالذات، أو بالواسطة امتحانًا لعقلها: ﴿أهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؛ أي: أمثل هذا عرشك الذي تركته في قصرك، وأغلقت عليه الأبواب، وجعلت عليه حراسًا، ولم يقل: هذا عرشك؛ لئلا يكون تلقينًا لها، فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير، وهو اختيار عقلها ﴿قَالت﴾ بلقيس جوابًا له: ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ أي: كأن عرشي ﴿هُوَ﴾؛ أي: هذا العرش الحاضر، أو كأن هذا الحاضر هو عرشي، فلوحت لما اعتراه بالتنكير من نوع مغاير في الصفات مع اتحاد الذات، فاستدل سليمان بذلك على كمال عقلها، حيث لم تقر ولم تنكر، ولم تقل لا، ولا قالت: نعم، بل شبهوا عليها فشبهت عليهم مع علمها بحقيقة الحال، ولو قيل لها: هذا عرشك؟ لقالت: نعم، لمعرفتها للعرش. وقال عكرمة: كانت حكيمة، لم تقل: نعم، خوفًا من أن تكذب، ولم تقل: لا، خوفًا من التكذيب لها.
وكأنها ظنت أن سليمان أراد بذلك اختبار عقلها، وإظهار معجزة لها، فقالت: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾؛ أي (١): وأعطينا العلم بكمال قدرته تعالى، وصحة نبوتك ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾؛ أي: من قبل هذه المعجزة التي شاهدناها الآن في العرش بما سمعناه من رسولنا المنذر بن عمرو من الآيات الدالة على ذلك ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: منقادين خاضعين لأمر سليمان من ذلك الوقت. وهذا من تتمة كلام بلقيس.
والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبلها؛ أي: من قبل الآية الظاهرة في العرش. وقيل: هو من كلام سليمان، والمعنى عليه: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وقيل: أوتينا العلم بإسلامها، وبمجيئها طائعة من قبلها؛ أي: من قبل مجيئها، وكنا مسلمين منقادين لأوامر الله تعالى.
ويكون الغرض من هذا (٢): شكر نعمة الله تعالى عليه أن خصه بمزيد العلم
стр. 9242
والتقدم في الإِسلام، وقيل: هو من كلام قوم سليمان، والقول الثاني أرجح (١) من سائر الأقوال.
وخلاصة المعنى على القول الأول: وعليه أكثر المفسرين؛ أي: وأوتينا العلم بكمال قدرة الله وصدق نبوتك من قبل هذه المعجزة بما شاهدناه من أمر الهدهد، وبما سمعناه من رسلنا إليك من الآيات الدالة على ذلك، وكنا منقادين لك من ذلك الحين، فلا حاجة إلى إظهار معجزات أخرى.
٤٣ - وقوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾؛ أي: منع بلقيس من إظهار ما ادعته من الإِسلام إلى الآن. ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه، بيان من جهته تعالى لما كان يمنعها من الإِسلام؛ أي: منعها عن عبادة الله سبحانه عبادة ما كانت تعبده من دون الله تعالى قديمًا؛ وهو الشمس، فـ ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل ﴿صد﴾ ويحتمل كون (٢) فاعل ﴿صد﴾ ضميرًا عائدًا على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، و ﴿مَا﴾ مجرورة بحرف جر محذوف.
والمعنى: وصدها سليمان؛ أي: منعها وصرفها عن الذي كانت تعبده من دون الله، وحال بينها وبينه؛ وهو الشمس، أو المعنى (٣): وصدها الله سبحانه عن عبادتها القديمة بالتوفيق للإيمان، فيكون الفاعل ضميرًا يعود على ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه، و ﴿مَا﴾: مفعول على الوجهين الأخيرين، وفاعل على الأول، والأول أولى، والجملة مستأنفة للبيان، كما ذكرنا.
وقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: تعليل لسببية عبادتها المذكورة؛ للصد عن عبادة الله سبحانه؛ أي: إنها كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إسلامها، وهي بين ظهرانيهم إلى أن دخلت تحت ملك سليمان؛ أي: فصارت من قوم مؤمنين، أو استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من مجوس يعبدون الشمس، فلا تعرف إلا عبادتها.
قرأ الجمهور (٤): بكسر الهمزة. وقرأ سعيد بن جبير وأبو حيوة وابن أبي
стр. 9243
عبلة بفتحها، فإنا على تقدير الجر؛ أي: لأنها، وإما على أن يكون بدلًا من الفاعل الذي هو ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾؛ أي: ومنعها عن إظهار دعواها الإِسلام كونها من قوم كافرين، أو وصرفها سليمان عن صيرورتها كافرة.
والمعنى: أي (١) ومنعها ما كانت تعبده من دون الله تعالى؛ وهو الشمس عن إظهار الإِسلام، والاعتراف بوحدانيته تعالى من قبل أنها من قوم كانوا يعبدونها، ونشأت بين أظهرهم، ولم تكن قادرة على إظهار إسلامها إلى أن مثلت بين يدي سليمان، فاستطاعت أن تنطق بما كانت تعتقده في قرارة نفسها، ويجول في خاطرها.
٤٤ - روي: أن سليمان أمر قبل مقدمها ببناء قصر عظيم جعل صحنه - أي أرضه - من زجاج أبيض شفاف يجري من تحته الماء، وألقى فيه دواب البحر من سمك وغيره، فلما قدمت إليه استقبلها فيه، وجلس في صدره، فحين أرادت الوصول إليه .. حسبته ماء، فكشفت عن ساقيها؛ لئلا تبتل أذيالها، كما هي عادة من يخوض الماء، فقال لها سليمان: إن ما تظنينه ماء ليس بالماء، بل هو صرح قد صنع من الزجاج، فسترت ساقيها وعجبت من ذلك، وعلمت أن هذا ملك أعز من ملكها، وسلطان أعز من سلطانها، ودعاها سليمان إلى عبادة الله سبحانه، وعابها على عبادة الشمس دون الله سبحانه، فأجابته إلى ما طلب، وقالت: رب إني ظلمت نفسي بالثبات على ما كنت عليه من الكفر، وأسلمت مع سليمان لله رب كل شيء، وأخلصت له العبادة.
وإلى ما تقدم أشار سبحانه بقوله: ﴿قِيلَ لَهَا﴾ من جهة سليمان ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾؛ أي: الصحن والبلاط المتخذ من زجاج. قال أبو عبيدة (٢): الصرح: القصر. وقال الزجاج: الصرح الصحن. يقال: هذه صرحة الدار وقاعتها. وقال ابن قتيبة: الصرح: بلاط اتخذ من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾؛ أي: فلما رأت بلقيس الصرح؛ أي: ذلك الصحن المتخد من
стр. 9244
زجاج شفاف ﴿حَسِبَتْهُ﴾؛ أي: ظنت ذلك الصرح ﴿لُجَّةً﴾؛ أي: ماء غمرا ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ على عادة من أراد خوض الماء، تثنية ساق؛ وهي (١) ما بين الكعبين، كعب الركبة وكعب القدم.
وقرأ ابن كثير وقنبل في رواية الأخريط عن وهب بن واضح: ﴿عن سأقيها﴾ بالهمز. قال أبو عليّ: وهي ضعيفة، وكذلك في قراءة قنبل ﴿يوم يكشف عن سأق﴾، وأما همزة السؤق وعلى سؤقه، فلغة مشهورة في همز ﴿الواو﴾ التي قبلها ضمة، ذكره أبو حيان.
أي: تَشَمَّرَت؛ لئلا تبتل أذيالها؛ لأجل أن تصل إلى سليمان، فإذا هي أحسن الناس ساقًا وقدمًا، خلا أنها شعراء. قال وهب بن منبه: فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنها قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها بدّ من امتثال الأمر، فرفعت ثيابها عن ساقيها فرآهما، فإذا هي أحسن النساء ساقًا وقدمًا سليمة مما قالت الجن فيها إلا أنها كانت كثيرة الشعر في ساقيها، فلما علم الحال صرف بصره عنها.
﴿قَالَ﴾ سليمان ﵇ حين رأى منها الدهشة والرعب لا تكشفي ساقيك ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن ما توهمته ماء ﴿صَرْحٌ﴾؛ أي: بلاط ﴿مُمَرَّدٌ﴾؛ أي: مملس؛ أي: أملس مصنوع ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾؛ أي: من زجاج صاف شفاف، وليس بماء؛ جمع قارورة؛ أي: إن الذي ظننته ماء سقف مملس مصنوع من زجاج تحته ماء، فلا تخافي واعبري.
وحاصل مما في المقام كما مر قريبًا: أن سليمان (٢) أمر الشياطين قبل قدوم بلقيس بأن يحفروا على طريقها حفيرة، ويجعلوا سقفها زجاجًا أبيض شفافًا، ويصنعوا فيها ماء وسمكًا وضفدعًا وغير ذلك من حيوانات الماء، وصار الماء وما فيه يرى من هذا الزجاج، فمن أراد مجاوزته يمر فوق السطح الذي تحته الماء، ولا يمسه الماء، ومن لم يكن عالمًا بالحال يظن هذا ماء مكشوفًا ليس له
стр. 9245
سقف يمنع من الخوض فيه، ووضع سليمان ﵇ سريره في صدر ذلك السطح، فجلس عليه، فدعاها إليه وقال لها: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾. فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت، و ﴿قَالت﴾ وحين عاينت تلك المعجزة أيضًا بعد أن دعاها سليمان إلى الإِسلام ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة الشمس، والثبات على الكفر فيما تقدم من الزمان، وقيل بسوء ظني بسليمان أنه يغرقني في اللجة. ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: ودخلت في دين الإِسلام مصاحبة له في الدين مقتدية به. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: معبود العالمين، التفتتا من الخطاب إلى الغيبة؛ أي: إلى الاسم الجليل، والوصف بالربوبية لإظهار معرفتها بالوهيته تعالى، وتفرده باستحقاق العبودية، وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس. والمعنى (١): أخلصت له التوحيد متابعة لسليمان مقتدية به.
وقال القيصري: أسلمت إسلام سليمان؛ أي: كما أسلم سليمان. و ﴿مَعَ﴾ في هذا الموضع كـ ﴿مع﴾ في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ إذ لا شك أن زمان إيمان المؤمنين ما كان مقارنًا لزمان إيمان الرسل، وكذا إسلام بلقيس ما كان عند إسلام سليمان، فالمراد كما أنه آمن بالله آمنت بالله، وكما أنه أسلم لله أسلمت لله. انتهى.
ويجوز أن يكون ﴿مَعَ﴾ هنا واقعًا بعد، كما في قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ وقال (٢) شيخ الإِسلام: حقيقة المعية الاتفاق في الزمان، وسليمان كان مسلمًا قبلها، ولم يقل بدل ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ على يد سليمان؛ لأنها كانت ملكة فلم تذكر عبارة تدل على أنها صارت مولاة له بإسلامها، وإن كان الواقع كذلك. انتهى.
قيل لما أراد سليمان أن يتزوجها، وكره شعر ساقيها .. أمر الشياطين أن يتخذوا النورة والحمام لأجل إزالته، فكانتا من يومئذ، فلما تزوجها سليمان أحبها حباَ شديدًا حتى بقيت على نكاحه إلى أن مات عنها، ورزق منها بولد اسمه داود.