← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

ليتعرف ساقيها ورجليها. ٤٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ بلقيس سليمان والعرش بين يديه ﴿قِيلَ﴾ لها من جهة سليمان بالذات، أو بالواسطة امتحانًا لعقلها: ﴿أهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؛ أي: أمثل هذا عرشك الذي تركته في قصرك، وأغلقت عليه الأبواب، وجعلت عليه حراسًا، ولم يقل: هذا عرشك؛ لئلا يكون تلقينًا لها، فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير، وهو اختيار عقلها ﴿قَالت﴾ بلقيس جوابًا له: ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ أي: كأن عرشي ﴿هُوَ﴾؛ أي: هذا العرش الحاضر، أو كأن هذا الحاضر هو عرشي، فلوحت لما اعتراه بالتنكير من نوع مغاير في الصفات مع اتحاد الذات، فاستدل سليمان بذلك على كمال عقلها، حيث لم تقر ولم تنكر، ولم تقل لا، ولا قالت: نعم، بل شبهوا عليها فشبهت عليهم مع علمها بحقيقة الحال، ولو قيل لها: هذا عرشك؟ لقالت: نعم، لمعرفتها للعرش. وقال عكرمة: كانت حكيمة، لم تقل: نعم، خوفًا من أن تكذب، ولم تقل: لا، خوفًا من التكذيب لها. وكأنها ظنت أن سليمان أراد بذلك اختبار عقلها، وإظهار معجزة لها، فقالت: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾؛ أي (١): وأعطينا العلم بكمال قدرته تعالى، وصحة نبوتك ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾؛ أي: من قبل هذه المعجزة التي شاهدناها الآن في العرش بما سمعناه من رسولنا المنذر بن عمرو من الآيات الدالة على ذلك ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: منقادين خاضعين لأمر سليمان من ذلك الوقت. وهذا من تتمة كلام بلقيس. والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبلها؛ أي: من قبل الآية الظاهرة في العرش. وقيل: هو من كلام سليمان، والمعنى عليه: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وقيل: أوتينا العلم بإسلامها، وبمجيئها طائعة من قبلها؛ أي: من قبل مجيئها، وكنا مسلمين منقادين لأوامر الله تعالى. ويكون الغرض من هذا (٢): شكر نعمة الله تعالى عليه أن خصه بمزيد العلم

стр. 9242

والتقدم في الإِسلام، وقيل: هو من كلام قوم سليمان، والقول الثاني أرجح (١) من سائر الأقوال. وخلاصة المعنى على القول الأول: وعليه أكثر المفسرين؛ أي: وأوتينا العلم بكمال قدرة الله وصدق نبوتك من قبل هذه المعجزة بما شاهدناه من أمر الهدهد، وبما سمعناه من رسلنا إليك من الآيات الدالة على ذلك، وكنا منقادين لك من ذلك الحين، فلا حاجة إلى إظهار معجزات أخرى. ٤٣ - وقوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾؛ أي: منع بلقيس من إظهار ما ادعته من الإِسلام إلى الآن. ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه، بيان من جهته تعالى لما كان يمنعها من الإِسلام؛ أي: منعها عن عبادة الله سبحانه عبادة ما كانت تعبده من دون الله تعالى قديمًا؛ وهو الشمس، فـ ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل ﴿صد﴾ ويحتمل كون (٢) فاعل ﴿صد﴾ ضميرًا عائدًا على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، و ﴿مَا﴾ مجرورة بحرف جر محذوف. والمعنى: وصدها سليمان؛ أي: منعها وصرفها عن الذي كانت تعبده من دون الله، وحال بينها وبينه؛ وهو الشمس، أو المعنى (٣): وصدها الله سبحانه عن عبادتها القديمة بالتوفيق للإيمان، فيكون الفاعل ضميرًا يعود على ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه، و ﴿مَا﴾: مفعول على الوجهين الأخيرين، وفاعل على الأول، والأول أولى، والجملة مستأنفة للبيان، كما ذكرنا. وقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: تعليل لسببية عبادتها المذكورة؛ للصد عن عبادة الله سبحانه؛ أي: إنها كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إسلامها، وهي بين ظهرانيهم إلى أن دخلت تحت ملك سليمان؛ أي: فصارت من قوم مؤمنين، أو استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من مجوس يعبدون الشمس، فلا تعرف إلا عبادتها. قرأ الجمهور (٤): بكسر الهمزة. وقرأ سعيد بن جبير وأبو حيوة وابن أبي

стр. 9243

عبلة بفتحها، فإنا على تقدير الجر؛ أي: لأنها، وإما على أن يكون بدلًا من الفاعل الذي هو ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾؛ أي: ومنعها عن إظهار دعواها الإِسلام كونها من قوم كافرين، أو وصرفها سليمان عن صيرورتها كافرة. والمعنى: أي (١) ومنعها ما كانت تعبده من دون الله تعالى؛ وهو الشمس عن إظهار الإِسلام، والاعتراف بوحدانيته تعالى من قبل أنها من قوم كانوا يعبدونها، ونشأت بين أظهرهم، ولم تكن قادرة على إظهار إسلامها إلى أن مثلت بين يدي سليمان، فاستطاعت أن تنطق بما كانت تعتقده في قرارة نفسها، ويجول في خاطرها. ٤٤ - روي: أن سليمان أمر قبل مقدمها ببناء قصر عظيم جعل صحنه - أي أرضه - من زجاج أبيض شفاف يجري من تحته الماء، وألقى فيه دواب البحر من سمك وغيره، فلما قدمت إليه استقبلها فيه، وجلس في صدره، فحين أرادت الوصول إليه .. حسبته ماء، فكشفت عن ساقيها؛ لئلا تبتل أذيالها، كما هي عادة من يخوض الماء، فقال لها سليمان: إن ما تظنينه ماء ليس بالماء، بل هو صرح قد صنع من الزجاج، فسترت ساقيها وعجبت من ذلك، وعلمت أن هذا ملك أعز من ملكها، وسلطان أعز من سلطانها، ودعاها سليمان إلى عبادة الله سبحانه، وعابها على عبادة الشمس دون الله سبحانه، فأجابته إلى ما طلب، وقالت: رب إني ظلمت نفسي بالثبات على ما كنت عليه من الكفر، وأسلمت مع سليمان لله رب كل شيء، وأخلصت له العبادة. وإلى ما تقدم أشار سبحانه بقوله: ﴿قِيلَ لَهَا﴾ من جهة سليمان ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾؛ أي: الصحن والبلاط المتخذ من زجاج. قال أبو عبيدة (٢): الصرح: القصر. وقال الزجاج: الصرح الصحن. يقال: هذه صرحة الدار وقاعتها. وقال ابن قتيبة: الصرح: بلاط اتخذ من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك. ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾؛ أي: فلما رأت بلقيس الصرح؛ أي: ذلك الصحن المتخد من

стр. 9244

زجاج شفاف ﴿حَسِبَتْهُ﴾؛ أي: ظنت ذلك الصرح ﴿لُجَّةً﴾؛ أي: ماء غمرا ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ على عادة من أراد خوض الماء، تثنية ساق؛ وهي (١) ما بين الكعبين، كعب الركبة وكعب القدم. وقرأ ابن كثير وقنبل في رواية الأخريط عن وهب بن واضح: ﴿عن سأقيها﴾ بالهمز. قال أبو عليّ: وهي ضعيفة، وكذلك في قراءة قنبل ﴿يوم يكشف عن سأق﴾، وأما همزة السؤق وعلى سؤقه، فلغة مشهورة في همز ﴿الواو﴾ التي قبلها ضمة، ذكره أبو حيان. أي: تَشَمَّرَت؛ لئلا تبتل أذيالها؛ لأجل أن تصل إلى سليمان، فإذا هي أحسن الناس ساقًا وقدمًا، خلا أنها شعراء. قال وهب بن منبه: فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنها قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها بدّ من امتثال الأمر، فرفعت ثيابها عن ساقيها فرآهما، فإذا هي أحسن النساء ساقًا وقدمًا سليمة مما قالت الجن فيها إلا أنها كانت كثيرة الشعر في ساقيها، فلما علم الحال صرف بصره عنها. ﴿قَالَ﴾ سليمان ﵇ حين رأى منها الدهشة والرعب لا تكشفي ساقيك ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن ما توهمته ماء ﴿صَرْحٌ﴾؛ أي: بلاط ﴿مُمَرَّدٌ﴾؛ أي: مملس؛ أي: أملس مصنوع ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾؛ أي: من زجاج صاف شفاف، وليس بماء؛ جمع قارورة؛ أي: إن الذي ظننته ماء سقف مملس مصنوع من زجاج تحته ماء، فلا تخافي واعبري. وحاصل مما في المقام كما مر قريبًا: أن سليمان (٢) أمر الشياطين قبل قدوم بلقيس بأن يحفروا على طريقها حفيرة، ويجعلوا سقفها زجاجًا أبيض شفافًا، ويصنعوا فيها ماء وسمكًا وضفدعًا وغير ذلك من حيوانات الماء، وصار الماء وما فيه يرى من هذا الزجاج، فمن أراد مجاوزته يمر فوق السطح الذي تحته الماء، ولا يمسه الماء، ومن لم يكن عالمًا بالحال يظن هذا ماء مكشوفًا ليس له

стр. 9245

سقف يمنع من الخوض فيه، ووضع سليمان ﵇ سريره في صدر ذلك السطح، فجلس عليه، فدعاها إليه وقال لها: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾. فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت، و ﴿قَالت﴾ وحين عاينت تلك المعجزة أيضًا بعد أن دعاها سليمان إلى الإِسلام ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة الشمس، والثبات على الكفر فيما تقدم من الزمان، وقيل بسوء ظني بسليمان أنه يغرقني في اللجة. ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: ودخلت في دين الإِسلام مصاحبة له في الدين مقتدية به. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: معبود العالمين، التفتتا من الخطاب إلى الغيبة؛ أي: إلى الاسم الجليل، والوصف بالربوبية لإظهار معرفتها بالوهيته تعالى، وتفرده باستحقاق العبودية، وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس. والمعنى (١): أخلصت له التوحيد متابعة لسليمان مقتدية به. وقال القيصري: أسلمت إسلام سليمان؛ أي: كما أسلم سليمان. و ﴿مَعَ﴾ في هذا الموضع كـ ﴿مع﴾ في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ إذ لا شك أن زمان إيمان المؤمنين ما كان مقارنًا لزمان إيمان الرسل، وكذا إسلام بلقيس ما كان عند إسلام سليمان، فالمراد كما أنه آمن بالله آمنت بالله، وكما أنه أسلم لله أسلمت لله. انتهى. ويجوز أن يكون ﴿مَعَ﴾ هنا واقعًا بعد، كما في قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ وقال (٢) شيخ الإِسلام: حقيقة المعية الاتفاق في الزمان، وسليمان كان مسلمًا قبلها، ولم يقل بدل ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ على يد سليمان؛ لأنها كانت ملكة فلم تذكر عبارة تدل على أنها صارت مولاة له بإسلامها، وإن كان الواقع كذلك. انتهى. قيل لما أراد سليمان أن يتزوجها، وكره شعر ساقيها .. أمر الشياطين أن يتخذوا النورة والحمام لأجل إزالته، فكانتا من يومئذ، فلما تزوجها سليمان أحبها حباَ شديدًا حتى بقيت على نكاحه إلى أن مات عنها، ورزق منها بولد اسمه داود.

стр. 9246

وأقرها على ملكها، وأمر الجن فبنوا لها بأرض اليمن ثلاثة قصور لم يرَ الناس مثلها ارتفاعًا وحسنًا، وكان يزورها في الشهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام، وكان يبكر من الشام إلى اليمن ومن اليمن إلى الشام، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان، فسبحان من لا يزول ملكه. فائدة: روي (١) أن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فمدة ملكه أربعون سنة، ووفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇، وبين وفاته والهجرة الشريفة الإِسلامية ألف وسبع مئة وثلاث وسبعون سنة، ونقل أن قبره ببيت المقدس عند الجيسمانية، وهو وأبوه داود في قبرٍ واحد، وعاش أبوه داود مئة سنة. قصص صالح ﵇ ٤٥ - قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ معطوف (٢) على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ﴾ واللام فيه موطئة للقسم، وهذه القصة من جملة بيان قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ وهي قبيلة من العرب كانوا يعبدون الأصنام ﴿أَخَاهُمْ﴾ النسبي المعروف عندهم بالصدق والأمانة، وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ عطف بيان من ﴿أَخَاهُمْ﴾، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن حاذر بن ثمود، وعاش (٣) صالح مئتين وثمانين سنة، وبينه وبين هود مئة سنة، وعاش هود أربع مئة سنة وأربعًا وستين سنة، وبينه وبين نوح ثمان مئة سنة. أي: أرسلناه إليهم بـ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ سبحانه أي: وحدوه بالعبادة، ولا تعبدوا غيره معه، فـ ﴿إن﴾ مصدرية في محل الجر بالباء المحذوفة، ويصح كونها مفسرة؛ لأن الإرسال بمعنى الوحي يتضمن معنى القول، كما في "الكرخي". و ﴿إِذَا﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ فجائية؛ أي؛ ففاجأ إرساله تفرقهم واختصامهم، فآمن فريق وكفر فريق؛ أي: استمروا على كفرهم.

стр. 9247

و ﴿هُمْ﴾: مبتدأ و ﴿فَرِيقَانِ﴾: خبره، وجملة ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: صفة ﴿فَرِيقَانِ﴾، والواو: فيه مجموع الفريقين، كما في "البيضاوي". وهو العامل في إذا على القول بظرفيتها؛ أي: ففي الوقت الحاضر أعني: وقت الإرسال اختصم الفريقان في الدين، كل فريق يقول الحق معي. والمراد بالفريقين (١): المؤمنون منهم والكافرون، ومعنى الاختصام: أن كل فريق يخاصم على ما هو فيه، ويزعم أن الحق معه. وقيل: إن الخصومة بينهم في صالح هل هو مرسل أم لا؟ وقيل: أحد الفريقين صالح، والفريق الآخر جميع قومه؛ وهو ضعيف. والمعنى (٢): إذا قوم صالح فريقان مؤمن به وكافر به يختصمون في الدين، فيقول كل فريق الحق معي، وهو مبين في قوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ وقال الفريق الكافر: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين. ومعنى الآية: وعزتي وجلالي لقد بعثنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وقلنا لهم: اعبدوا لله وحده لا شريك له، ولا تجعلوا معه إلهًا غيره. وحين دعاهم إلى ذلك افترقوا فرقتين؛ فريق صدق صالحًا، وآمن بما جاء به من عند ربه، وفريق كذبه، وكفر بما جاء به وصارا يتجادلان ويتخاصمان، وكل منهما يقول: أنا على الحق، وخصمي على الباطل. ٤٦ - ثم ذكر أن صالحًا ستعطف المكذبين، وكانوا أكثر عددًا وأشد عتوا وعنادًا، حتى قالوا: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ ﴿قَالَ﴾ صالح ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: بالعقوبة التي يسوْءُكم نزولها بكم.

стр. 9248

﴿قَبْلَ﴾ حصول ﴿الْحَسَنَةِ﴾ والخيرات التي بشرتكم بها في الدنيا والآخرة إن أنتم مؤمنون. والاستعجال: طلب الشيء قبل أوانه، وأصل ﴿لِمَ﴾ لما على أنه استفهام، حذفت ألفها فرقًا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة في صورة الجر بالحرف؛ أي: قال لهم: لأي غرض تطلبون عجلة العقوبة حيث قلتم ائتنا بما تعدنا قبل التوبة، فتؤخرونها إلى حين نزول العذاب، فإنهم كانوا من جهلهم وغوايتهم يقولون: إن وقع تبنا حينئذٍ وإلا فنحن على ما كنا عليه. ثم نصحهم، وطلب إليهم أن يستغفروا ربهم لعلهم يرحمون، فقال: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلا؛ أي: هلا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ سبحانه وتتوبون إليه من كفركم، فيغفر لكم عظيم جرمكم، ويصفح عن عقوبتكم على ما أتيتم به من الخطايا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بقبولها؛ إذ قد جرت سنته أن لا تقبل التوبة بعد نزول العقوبة، أي (١): رجاء أن ترحموا أو لكي ترحموا فلا تعذبوا، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازًا؛ إما لأن العذاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهًا، ٤٧ - فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال الفريق الكافر منهم لصالج ومن معه: إنا قد ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ وتشاءمنا ﴿بِكَ﴾ يا صالح ﴿و﴾ بـ ﴿مَنْ﴾ دخل ﴿مَعَكَ﴾ في دينك؛ أي: كرهنا فالكم وفأل دينكم، حيث (٢) تتابعت علينا الشدائد والمصائب. من القحط والاختلاف منذ اخترعتم دينكم هذا، وكانوا قحطوا عند مبعثه بسبب تكذيبه، فقالوا: أصابنا هذا الشر من شؤمك وشؤم أصحابك فنسبوه إلى مجيئه، يعنون: شدتنا من شؤمك ومن شؤم من آمن معك؛ أي: من قبح حالكم وقبح دينكم، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وأشقاهم بها، وكانوا إذا أرادوا سفرًا أو أمرًا من الأمور نفروا - حركوا - طائرًا من وكره، فإن طار يمنةً ساروا وفعلوا ما عزموا، وإن طار يسرةً تركوا ذلك.

стр. 9249

وفي "الفتوحات": تشاءمنا؛ أي: أصابنا الشؤم؛ أي: الضيق والشدة. وفي "القرطبي": الشؤم النحس، ولا شيء أضر ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة، أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورًا .. فقد جهل. اهـ وأصل ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ تطيرنا، وقد قرىء بذلك فادغمت التاء في الطاء، واجتلبت الهمزة لسكون الطاء، فإذا ابتدأت قلت: اطيرنا، وإذا وصلت لم تذكر الهمزة وتسقط لأنها همزة وصل. فلما قالوا ذلك ﴿قَالَ﴾ لهم صالح ﴿طَائِرُكُمْ﴾؛ أي: حظكم ونصيبكم من الخير والشر مكتوب ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، ومقدر عليكم من عنده تعالى، لا من عندنا. وقيل: طائركم؛ أي: شدتكم ورخاؤكم من عند الله تعالى، لا من عندنا. وقال ابن عباس: الشؤم: الشدة التي أتتكم من عند الله بكفركم. وقيل: طائركم؛ أي: عملكم عند الله سمي طائرًا؛ لسرعة صعوده إلى السماء. وقيل طائركم؛ أي: سببكم الذي جاء منه شركم عند الله؛ وهو قدره، سمي القدر طائرًا لسرعة نزوله، ولا شيء أسرع من قضاء محتوم. والمعنى: أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله تعالى بسبب كفركم، ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾؛ أي: تختبرون (١) بتعاقب السراء والضراء؛ أي: الخير والشر، والدولة والنكبة، والسفولة والصعوبة، أو تعذبون بذنوبكم. وقيل: يفتنكم غيركم. وقيل: يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة، أو بما لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه. واختبار الله تعالى (٢): إنما هو لإظهار الجودة والرداءة، ففي الأنبياء والأولياء والصلحاء تظهر الجودة، ألا ترى أن أيوب ﵇ امتحن فصبر، فظهر للخلق درجته وقربه من الله تعالى، وفي الكفار والمنافقين والفاسقين تظهر

стр. 9250

الرداءة. حكي أن امرأة مرضت مرضًا شديدًا طويلًا، فأطالت على الله تعالى في ذلك وكفرت، ولذا قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان. والابتلاء مطلقًا؛ أي: سواء كان في صورة المحبوب، أو في صورة المكروه رحمة من الله تعالى في الحقيقة؛ لأن مراده جذب عبده إليه، فإن لم ينجذب حكم عليه بالغضب في الدنيا والآخرة، كما ترى في الأمم السالفة، ومن يليهم في كل عصر إلى آخر الزمان. والمعنى: أي (١) بل أنتم قوم يختبركم ربكم حين أرسلني إليكم أتطيعونه فتعملوا بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصونه فتعملوا بخلافه فيحل بكم عقابه. ٤٨ - ثم ذكر أن قريته كانت كثيرة الفساد، فقال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَة﴾؛ أي: في مدية ثمود، وهي الحجر، وتقدم في سورة الحجر أن الحجر واد بين المدينة والشام، وهو ديار ثمود. ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾؛ أي: تسعة أشخاص، وبهذا الاعتبار وقع تمييزًا للتسعة، لا باعتبار لفظه، فإن مميز الثلاثة إلى العشرة مخفوض مجموع. قال (٢) ابن عباس ﵄: أسماؤهم: وهي، ورعيم، وهرمي، وهريم، ودابّ، وصواب، ورباب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة، وأسماؤهم عن وهب بن منبه قد نظمها بعضهم في بيتين، فقال: رَبَابٌ وَغَنْمٌ وَالْهَذِيْلُ وَمِسْطَعٌ ... عُمَيْرٌ بَسِيْطٌ عَاصِمٌ وَقِدَارُ وَسَمْعَانُ رَهْطٍ الْمَاكِرِيْنَ بِصَالِحٍ ... أَلَا إِنَّ عُدْوَانَ النُفُوْسِ جَوَارُ وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. ثم وصف التسعة بقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يعملون الفساد في أرض الحجر بالشرك، وسائر أنواع المعاصي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؛ أي: لا يفعلون

стр. 9251

شيئًا من الإصلاح، ففائدة العطف بيان أن إفسادهم لا يخالطه شيء ما من الإصلاح. ٤٩ - ﴿قَالُوا﴾ استئناف لبيان (١) بعض ما فعلوا من الفساد، أي: قال بعضهم لبعض في أثناء المشاورة في أمر صالح ﵇ بعد أن عقروا الناقة، وتوعدهم بقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ﴿تَقَاسَمُوا﴾؛ أي: تحالفوا، وهو أمر مقول لـ ﴿قَالُوا﴾، أو ماض وقع حالًا من ﴿الواو﴾ في ﴿قالوا﴾ بإضمار قد؛ أي: والحال أنهم تقاسموا بالله ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: احلفوا لنباغتنه وأهله بالهلاك ليلًا؛ أي: لنأتين صالحًا ليلًا بغتة، فلنقتلنه وأهله ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾؛ أي: لولي دم صالح وأهله إن سألنا عنه ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾؛ أي: ما حضرنا هلاكه وهلاكهم فضلًا عن أن نتولى إهلاكهم فيكون مصدرًا، أي: ما هلاكهم فيكون زمانًا، أو مكان هلاكهم فيكون اسم مكان. ولا ندري من قتله ولا قتل أهله ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾؛ أي: ونحلف إنا لصادقون فيما نقول، فهو من تمام القول، وإذا كانوا لم يشهدوا هلاكهم فهم لم يقتلوهم بالأولى، وأيضًا فهم إذا لم يقتلوا الأتباع فأحر بهم أن لا يقتلوا صالحًا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَقَاسَمُوا﴾ وابن أبي ليلى: ﴿تقسموا﴾ بغير ألف وتشديد السين، وكلاهما من القسم، والتقاسم والتقسيم كالتظاهر والتظهير، والظاهر أن قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ فعل أمر محكي بالقول، وهو قول الجمهور. وقرأ (٣) حمزة والكسائي: ﴿لتبيتنه﴾ بتاء فوقية بعد اللام، وبالرفع للجمع ﴿ثم لتقولن﴾ بتاء فوقية وبالرفع للجمع. وقرأ مجاهد وأبو رجاء وحميد بن قيس: ﴿ليبيتنه﴾ بياء وتاء مضمومتين. ﴿ثم ليقولن﴾ بياء مفتوحة وقاف مضمومة وواو ساكنة ولام مضمومة. وعبارة أبي حيان: وقرأ الجمهور (٤): ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بالنون فيهما، والحسن وحمزة والكسائي بتاء خطاب الجمع، ومجاهد وابن وثاب

стр. 9252

وطلحة والأعمش بياء الغيبة، والفعلان مسندان للجمع، وحميد بن قيس بياء الغيبة في الأول مسندًا للجمع؛ أي: ﴿ليبيتنه﴾ أي: قوم منا، وبالنون في الثاني؛ أي: جميعنا يقول: لوليه، والبيات: مباغتة العدو. وقرأ الجمهور: ﴿مَهْلِكَ﴾ - بضم الميم وفتح اللام - من أهلك الرباعي. وقرأ حفص والمفضل: ﴿مَهْلِكَ﴾ بفتح الميم وكسر اللام، وأبو بكر وأبان عن عاصم بفتهما، فأما القراءة الأولى فتحتمل المصدر والزمان والمكان؛ أي: ما شهدنا إهلاك أهله، أو زمان إهلاكهم، أو مكان إهلاكهم. ويلزم من هذين أنهم إذا لم يشهدوا الزمان، ولا المكان أن لا يشهدوا الإهلاك. وأما القراءة الثانية فالقياس يقتضي أن يكون للزمان والمكان؛ أي: ما شهدنا زمان هلاكهم ولا مكانه. والثالثة يقتضي القياس أن يكون مصدرًا؛ أي: ما شهدنا هلاكه. والمعنى: أنهم توافقوا (١) وحلفوا بالله لندخلن على صالح ومن آمن به، وهم أربعة آلاف ليلًا بغتة، ونقتلهم جميعًا، ثم لنقولن لولي دم صالح: ما حضرنا قتلهم أو وقته أو مكانه، فلا ندري من قتلهم وإنا لصادقون في إنكارنا لقتلهم؛ أي: لو اتهمنا قوم صالح حلفنا لهم أنا لم نحضر. قال الزجاج: كان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحًا وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك ولا رأوه، وكان هذا مكرًا منهم، ٥٠ - ومن ثم قال سبحانه محذرًا لهم ولأمثالهم: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾؛ أي (٢): غدروا غدرًا بهذه المحالفة حين قصدوا تبييت صالح وأهله ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾؛ أي: جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب لهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا؛ أي: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح؛ إذ ساروا إليه ليلًا ليقتلوه وأهله وهو لا يشعر بذلك فأخذناهم بعقوبتنا، وعجلنا لهم العذاب من حيث لا يشعرون بمكر الله بهم، والمكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. ٥١ - ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: فكر يا محمد في أنه ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾؛

стр. 9253

أي: على أيّ حال وقع وحدث عاقبة مكرهم، وهي ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾؛ أي: استأصلناهم بالهلاك؛ أي: أهلكنا هؤلاء التسعة الماكرين بصالح ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ الذين لم يكونوا معهم في مباشرة التبييت ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بحيث لم يشذ منهم شاذ. أي: ففكر (١) يا محمد كيف آل أمرهم، وكيف كانت عاقبة مكرهم؟ فقد أهلكناهم وقومهم الذين لم يؤمنوا على وجه يقتضي النظر، ويسترعي الاعتبار، ويكون عظة لمن غدر كغدرهم في جميع الأزمان. روي أنه كان لصالح في الحجر مسجد في شعب يصلي فيه، ولما قال لهم بعد عقرهم الناقة: إنكم تهلكون إلى ثلاثة أيام .. قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فذهبوا إلى الشعب ليقتلوه، فوقعت عليهم صخرة من جبالهم طبقت عليهم الشعب، فهلكوا وهلك الباقون في أماكنهم بالصيحة، ونجى لله صالحًا ومن آمن معه. ومعنى الآية (٢): أن الله دمر التسعة الرهط المذكورين، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك. ومعنى التأكيد بـ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أنه لم يشذ منهم أحد، ولا سلم من العقوبة فرد من أفرادهم، فهو تأكيد لكل من المعطوف والمعطوف عليه. وقال ابن الجوزي في صفة إهلاكهم أربعة أقوال (٣): أحدهما: أنهم أتوا دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة فقتلتهم، قاله ابن عباس. والثاني: رماهم الله تعالى بصخرة فأهلكتهم، قاله قتادة. والثالث: أنهم دخلوا غارًا ينتظرون مجيء صالح، فبعث الله صخرة سدت باب الغار، قاله ابن زيد.

стр. 9254

والرابع: أنهم نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضًا؛ ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم، قاله مقاتل. اهـ. وقرأ الجمهور (١): ﴿إنا دمرناهم﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وحمزة والكسائي بفتحها على أن جملة ﴿أنام﴾ بدل من ﴿عاقبة مكرهم﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي؛ أي: العاقبة تدميرهم، أو يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: لأنا دمرناهم، وقرأ أبيّ: ﴿أن دمرناهم﴾ وهي أن التي شأنها أن تنصب المضارع، ويجوز فيها الأوجه الجائزة في أنا بفتح الهمزة. ٥٢ - ثم أكد ما تقدم، وقرره بقوله: ﴿فَتِلْكَ﴾ الآثار الموجودة في ديار ثمود ﴿بُيُوتُهُمْ﴾؛ أي: بيوت الذين كذبوا صالحًا حالة كونها ﴿خَاوِيَةً﴾؛ أي: خالية عن الأهل والسكان، من خوى البطن إذا خلا، أو حالة كونها ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط، وقال ابن عباس: أي: ساقط أعلاها على أسفلها. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم المذكور وغيره كالشرك؛ أي: فتلك مساكنهم أصبحت خالية منهم؛ قد أهلكهم الله سبحانه بظلمهم أنفسهم بشركهم به وتكذيبهم برسوله. والمعنى: فانظر إلى بيوتهم خاوية. وقرأ الجمهور (٢): ﴿خَاوِيَةً﴾ بالنصب على الحال. قال الزمخشري: عمل فيها ما دل عليه ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. وقرأ عيسى بن عمر وعاصمَ بن عمرَ ونصر بن عاصم والجحدري برفع ﴿خَاوِيَةً﴾ على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي خاوية، أو على الخبر عن ﴿تلك﴾ و ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ بدل من ﴿تلك﴾، أو عطف بيان له، أو على أنه خبر كان لـ ﴿تلك﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في فعلنا بثمود ما قصصناه عليك، وهو استئصالنا إياهم بالتدمير، وخلاء مساكنهم منهم، وبيوتهم هي بوادي القرى بين المدينة والشام. ﴿لَآيَةً﴾ عظيمة وعبرة بليغة وعظة زاجرة. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛

стр. 9255

أي: يتصفون بالعلم فيتعظون بها؛ أي: لمن كان من أولي العلم والمعرفة، فيعلم ارتباط الأسباب بمسبباتها، والنتائج بمقدماتها، بحسب السنن التي وضعت في الكون. يعني (١): اعلم يا محمد أني فاعل ذلك العذاب بكفار قومك في الوقت المؤقت لهم، فليسوا خيرًا منهم، كما في "كشف الأسرار". ٥٣ - وبعد أن ذكر من هلكوا .. أردفهم بمن أنجاهم، فقال: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صالحًا ومن معه من المؤمنين من نقمتنا وعذابنا الذي أحللناه بثمود. وقوله ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: الكفر والمعاصي اتقاء مستمرا، معطوف على الصلة، فلذلك خصوا بالنجاة؛ أي: وإنما نجوا (٢)؛ لأنهم كانوا يتقون سخط الله، ويخافون شديد عذابه، وأليم عقابه بتصديقهم رسوله الذي أرسله إليهم، وكانوا أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، وهي مدينة من مدن اليمن، وسميت حضرموت؛ لأن صالحًا لما دخلها مات، ثم بنوا مدينة يقال لها: حاضوراء. وفي هذا إيماء (٣) إلى أن الله ينجي محمدًا وأتباعه عند حلول العذاب بمشركي قريش، حين يخرج من بين ظهرانيهم، كما أحل بقوم صالح ما أحل حين خرج هو والمؤمنون به إلى أطراف الشام، ونزل رملة وفلسطين. وفيه أيضًا إشارة (٤) إلى أن الهجرة من أرض الظلم إلى أرض العدل لازمة خصوصًا من أرض الظالمين المؤاخذين بأنواع العقوبات؛ إذ مكان الظلم ظلمة فلا نور للعبادة فيه، وإن الإنسان إذا ظلم في أرض ثم تاب، فالأفضل له أن يهاجر منها إلى مكان لم يعص الله تعالى فيه. فإن قلت (٥): لم قال الله سبحانه هنا: ﴿أنجينا﴾ صيغة أفعل، وقال: في حم السجدة ﴿ونجينا﴾ بصيغة فعل المضعف، فما الفرق بين الموضعين؟.

стр. 9256

قلت: قال هنا: ﴿أنجينا﴾ بصيغة أفعل موافقة لما بعده، حيث قال هنا فيما بعد: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ وَأَمْطَرْنَا﴾ وقال هناك: ﴿نجَّينا﴾ بصيغة فعل المضعف موافقة لما قبله حيث قال قبله: ﴿وَزَينَا﴾ وموافقة لما بعده أيضًا، حيث قال بعده: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ والله أعلم بأسرار كتابه. قصة لوط ﵇ ٥٤ - وقوله: ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بفعل مضمر معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾ في صدر قصة صالح. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ ظرف للإرسال المحذوف، على أن المراد به أمر ممتد وقع فيه الإرسال، وما جرى بينه وبين قومه من الأفعال والأقوال. والمعنى: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا لوطًا بن هاران وقت قوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ الساكنين معه في قرية سدوم على وجه الإنكار عليهم والتوبيخ لهم ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ أي: هل تفعلون الفعلة ﴿الْفَاحِشَةَ﴾؛ أي: المتناهية في القبح. والمراد بها هنا اللواطة، والإتيان في الأدبار. وقال بعضهم: انتصاب ﴿لُوطًا﴾ بإضمار أذكر و ﴿إِذْ﴾ بدل منه؛ أي: واذكر لوطًا إذ قال لقومه على وجه الإنكار عليهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؛ إما من بصر القلب وهو العلم. والمعنى (١): أي: تأتونها، والحال أنكم تعلمون فحشا علمًا يقينيًا، وتعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح من غيره، ولذا قيل: فساد كبير جاهل متنسك وعالم متهتك، أو من نظر العين؛ أي: وأنتم تبصرونها بعضكم من بعض؛ لما أنهم كانوا يعلنون بها، ولا يستترون حال فعل الفاحشة عتوًا وتمردًا، فيكون أفحش. وجملة قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في محل النصب على الحال متضمنة لتأكيد الإنكار. والمعنى (٢): واذكر يا محمد لقومك قصة لوط إذ قال لقومه منذرًا ومحذِّرًا لهم: إنكم لتفعلون فاحشة لم يسبقكم بها أحد من بني آدم مع علمكم بقبحها لدى العقول والشرائع، واقتراف القبائح ممن يعلم قبحها أشنع.

стр. 9257

٥٥ - ثم بين ما يأتون من الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام؛ ليكون أوقع في النفس، فقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾؛ أي: لتطؤون أدبار الرجال ﴿شَهْوَةً﴾؛ أي: لأجل الشهوة والتلذذ فقط، كالبهائم ليس فيها قصد إعفاف، ولا قصد ولد. ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾؛ أي: حال كونكم متجاوزين النساء اللاتي هن محالُّ الشهوة. وفي قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ ...﴾ إلخ تكرير للتوبيخ مع التصريح بأن تلك الفاحشة هي اللواطة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التحريم، أو العقوبة على هذه المعصية؛ أي: بل أنتم قوم سفهاء ماجنون متجاهلون، حيث لا تعملون بموجب علمكم، فإن من لا يجري على مقتضى بصارته وعلمه، ويفعل فعل الجاهل هو والجاهل سواء، ﴿تَجْهَلُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾، والتاء فيه؛ لكون الموصوف في معنى المخاطب. فإن قلت (١): إذا فسرنا ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بالعلم، وقد قال بعده ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فيكون العلم جهلًا فبينهما مناقضة؟ تلت: معناه تفعلون فعل الجاهلين، وتعلمون أنه فاحشة، وقيل: تجهلون العاقبة، وقيل: أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها. وقرىء (٢): ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وبتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين أو تركه، فالقراءات أربع. واختار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من ﴿أَئِنَّكُمْ﴾، فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلها؛ لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. ذكره "القرطبي". ومعنى الآية: أي (٣) أينبغي أن تاتوا الرجال، وتقودكم الشهوة إلى ذلك، وتذروا النساء اللاتي فيهن محاسن الجمال وفيهن مباهج الرجال، إنكم لقوم جاهلون سفهاء حمقى ماجنون. وقد أشار سبحانه إلى قبيح فعلهم، وعظيم شناعته من وجوه:

стр. 9258

١ - قوله: ﴿الرِّجَالَ﴾ فيه الإشارة إلى أن الحيوان الأعجم لا يرضى بمثل هذا. ٢ - قوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وفي ذلك إيماء إلى أن تركهن، واستبدال الرجال بهن خطأ شنيع، وفعل قبيح. ٣ - قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وفي هذا إيماء إلى أنهم يفعلون فعل الجهلاء الذين لا عقول لهم، ولا يدرون عظيم قبح ما يفعلون. ونحو الآية قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. الإعراب ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على بلقيس، والجملة مستأنفة. ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ...﴾، إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿أَيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿هَا﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الْمَلَأُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿أَفْتُونِي﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فِي أَمْرِي﴾ متعلق بـ ﴿أَفْتُونِي﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كُنْتُ قَاطِعَةً﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به. لـ ﴿قَاطِعَةً﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَشْهَدُونِ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، وعلامة نصبه حذف النون، والنون الموجودة نون الوقاية، والواو فاعل، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره إلى شهودكم إياي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كان﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة

стр. 9259

مستأنفة. ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ. ﴿أُولُو﴾ خبر مرفوع بالواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿قُوَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَأُولُو بَأْسٍ﴾: معطوف عليه. ﴿شَدِيدٍ﴾: صفة ﴿بَأْسٍ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَالْأَمْرُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَيْكِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ؛ أي: والأمر موكول إليك، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿فَانْظُرِي﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قلنا لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فنقول لك. ﴿انْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾: ﴿انْظُرِي﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تَأْمُرِينَ﴾. مقدم عليه وجوبًا للزومه الصدارة، وهو معلق للنظر عن العمل في لفظ ما بعده. ﴿تَأْمُرِينَ﴾: فعل مضارع وفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والمفعول الأول محذوف تقديره: تأمريننا. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على بلقيس، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿دَخَلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿قَرْيَةً﴾: مفعول به على التوسع، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿أَفْسَدُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿وَجَعَلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَفْسَدُوهَا﴾. ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾: مفعول ﴿جَعَلُوا﴾ الأول ومضاف إليه. ﴿أَذِلَّةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿وَجَعَلُوا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿يَفْعَلُونَ﴾: فعل وقاعل، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَتْ﴾، والتقدير: ويفعلون فعلًا كائنًا كذلك المذكور

стр. 9260

من جعل الأعزة أذلة. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾. ﴿وَإِنِّي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنِّي﴾ نا صب واسمه. ﴿مُرْسِلَةٌ﴾: خبره، ومفعوله محذوف تقديره: رسلًا، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنّ﴾ في قوله: ﴿الْمُلُوكَ﴾. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿مُرْسِلَةٌ﴾. ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾: متعلق به أيضًا. ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾: معطوف على ﴿مُرْسِلَةٌ﴾. ﴿بِمَ﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿م﴾: اسم استفهام في محل الجر بالباء مبني بسكون على الألف المحذوف، فرقًا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَرْجِعُ﴾، ولا يجوز تعلقه بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله. ﴿يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مفعول ﴿نَاظِرَةٌ﴾ معلق عنه باسم الاستفهام ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فأعدت الهدية فأرسلتها مع رسول إلى سليمان. ﴿لَمَّا﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان. ﴿جَاءَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على الرسول. ﴿سُلَيْمَانَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ في محل جر بالإضافة. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانَ﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي. ﴿تُمِدُّونَنِ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة مفعول به. ﴿بِمَالٍ﴾ معلق به؛ أي: تعاونونني بالمال، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية معللة؛ لما تقدم من إنكاره عليهم وتوبيخه إياهم. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿آتَانِيَ﴾: فعل ماض ونون وقاية ومفعول به مقدم. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل مؤخر، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقدمره: ما آتانيه الله. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على

стр. 9261

كونها معللة للإنكار. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿آتَاكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مما آتاكموه، وهو العائد على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب للإضراب الانتقالي؛ لبيان السبب الذي حداهم إلى إمداده بالمال. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بما بعده، وجملة ﴿تَفْرَحُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾. ﴿ارْجِعْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود إلى رسول بلقيس. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نأتينهم﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على سليمان ومن معه تقديره: نحن، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، و ﴿الميم﴾: علامة الجمع المذكور ﴿جُنُودٍ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية للجنس. ﴿قِبَلَ﴾: في محل النصب اسمها مبني على الفتح. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿قِبَلَ﴾ لتضمنه معنى المصدر؛ لأن حقيقته المقابلة والمقاومة، يقال: مالي به قبل؛ أي: طاقة، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿جُنُودٍ﴾. ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نُخْرِجَنَّهُمْ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة القسم الأول. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿نخرج﴾، والضمير يعود إلى سبأ؛ أي: بلادهم. ﴿أَذِلَّةً﴾: حال من ضمير المفعول. ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هم صاغرون﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال ثانية من الهاء في ﴿لنخرجنهم﴾ ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ

стр. 9262

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على سليمان، والجملة مستأنفة. ﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿أَيّ﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه ﴿الْمَلَأُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَيُّكُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿يَأْتِينِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿أي﴾ ونون وقاية ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿بِعَرْشِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَأْتِينِي﴾ ﴿قَبْلَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَأْتِينِي﴾ ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَأْتُونِي﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، علامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، و ﴿النون﴾: للوقاية، و ﴿الياء﴾: مفعول به. ﴿مُسْلِمِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتُونِي﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه. والتقدير: قبل إتيانهم إياي منقادين خاضعين. ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: صفة لـ ﴿عِفْرِيتٌ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿آتِيكَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿عِفْرِيتٌ﴾ ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿آتِيكَ﴾، وكذا الظرف في قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ﴾: متعلق به. ﴿أن﴾: حرف مصدر. ﴿تَقُومَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على سُليمانُ. ﴿مِنْ مَقَامِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُومَ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه. تقديره قبل قيامك من مقامك. ﴿وَإِنِّي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بما بعده. ﴿لَقَوِيٌّ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿قَوِيٌّ﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿أَمِينٌ﴾: خبر ثان لها؛ أي: قوي على حمله أمين على ما فيه، لا أختلس منه شيئًا، ولا أعبث به، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ

стр. 9263

مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. ﴿قَالَ الَّذِي﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿عِلْمٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: صفة لـ ﴿عِلْمٌ﴾، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، وجملة ﴿آتِيكَ بِهِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَبْلَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿آتِيكَ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر ونصب. ﴿يَرْتَدَّ﴾: منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿طَرْفُكَ﴾: فاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: قبل ارتداد طرفك إليك. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف. تقديره: ودعا آصف بالعلم الذي عنده، فغار العرش في مكانه بمأرب، ثم نبع بمجلس سليمان، فلما رآه. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية. ﴿رَآهُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾ ومفعول به. ﴿مُسْتَقِرًّا﴾: حال من ضمير المفعول، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿ما﴾ في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُسْتَقِرًّا﴾؛ أي: ساكنًا عنده. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يبلو﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبِّي﴾، و ﴿النون﴾: للوقاية، و ﴿الياء﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لبلائه إياي، الجار والمجرور متعلق بمحذوف معلوم من السياق تقديره: تفضل عليّ بإحضار هذا العرش في قدر طرفة عين لبلائه إياي، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَأَشْكُرُ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الذي يطلب به تعيين أحد الشيئين. ﴿أَشْكُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، وجملة ﴿أَأَشْكُرُ﴾ في محل النصب بدل من الياء في ﴿يبلوني﴾، فهي بمثابة المفعول به. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف متصلة، وجملة ﴿أَكْفُرُ﴾ معطوفة على جملة

стр. 9264

﴿أَشْكُرُ﴾ ﴿مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿شَكَرَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب جوازًا. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿يَشْكُرُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَشْكُرُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم جواب ﴿مَن﴾ الشرطية، وإنما جزمت المحل مع كونه مضارعًا؛ ليشاكل الجواب الشرط، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب. ﴿أَكْفُرُ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا، ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿رَبِّي﴾: اسمها. ﴿غَنِيٌّ﴾: خبر أول لها. ﴿كَرِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم جواب ﴿مَن﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿نَكِّرُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهَا﴾: متعلق به. ﴿عَرْشَهَا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿نَنْظُرْ﴾: فدل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على ﴿سليمان﴾ ومن معه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وقرىء بالرفع على الاستئناف. ﴿أَتَهْتَدِي﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الذي يطلب به تعيين أحد الشيئين. ﴿تَهْتَدِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على بلقيس، والجملة في محل النصب مفعول ﴿نَنْظُرْ﴾ علق عنها بالاستفهام. ﴿أَمْ﴾:

стр. 9265

حرف عطف معادلة للهمزة. ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على بلقيس. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تَكُونُ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تَهْتَدِي﴾، وجملة ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فجاءت بلقيس. ﴿لَمَّا﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية. ﴿جَاءَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على بلقيس، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصغة. ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قِيلَ﴾ جواب ﴿لَمَّا﴾ وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، وإن شئت قلت: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الاستخباري. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿كذا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَرْشُكِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، والأصل اتصال هاء التنبيه باسم الإشارة، فكان مقتضاه أن يقال: أكهذا عرشك. وهذا الفصل جائز إذا كان حرف الجر كافًا، فلو قلت: أبهذا أمرت، أو لهذا فعلت .. لم يجز فيه ذلك الفصل، فلا يجوز أن يقال: أها بذا أمرت، أها لذا فعلت؛ لعدم السماع. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على بلقيس، والجملة مستأنفة. ﴿كَأَنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: في محل الرفع خبره، وجملة ﴿كأن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَأُوِتينَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فلما سمعوا قولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قالوا: أصابت في الجواب. ﴿وَأُوتِينَا﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل. ﴿الْعِلْمَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُوتِينَا﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾: متعلق بـ ﴿أُوتِينَا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على تلك المحذوفة على كونها مقول ﴿قالوا﴾ المقدر. ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره معطوف على ﴿أوتينا﴾. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾. ﴿وَصَدَّهَا﴾: فعل ومفعول. ﴿مَا﴾: موصولة في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُوتِينَا﴾؛ لأنها من جملة كلام سليمان. ﴿كَانَتْ﴾: فعل ناقص، واسمها ضمير يعود على بلقيس، وجملة ﴿تَعْبُدُ﴾ في محل النصب خبر

стр. 9266

﴿كَان﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَعْبُدُ﴾، وجملة ﴿كَان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿إِنَّهَا﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَتْ﴾: فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على بلقيس. ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾: خبر ﴿كان﴾. ﴿كَافِرِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَهَا﴾: متعلق به. ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾ والجملة مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلِي﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿الصَّرْحَ﴾: مفعول به على التوسع، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فدخلته. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في نصب على الظرفية الزمانية. ﴿رَأَتْهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به؛ لأن رأى بصرية، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿حَسِبَتْهُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على بلقيس ومفعول أول. ﴿لُجَّةً﴾: مفعول ثان لحسب، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿وَكَشَفَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على بلقيس معطوف على ﴿حَسِبَتْهُ﴾. ﴿عَنْ سَاقَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿كَشَفَتْ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿سُلَيْمَانُ﴾، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿مُمَرَّدٌ﴾: صفة أولى لـ ﴿صَرْحٌ﴾. ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾: صفة ثانية لـ ﴿صَرْحٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على بلقيس، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَأَسْلَمْتُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ظَلَمْتُ﴾. ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ أي: حالة كوني مصاحبة

стр. 9267

لسليمان. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَسْلَمْتُ﴾. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: صفة للجلالة. ﴿الْعَالَمِينَ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئثافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿أَخَاهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿صَالِحًا﴾: بدل من ﴿أَخَاهُمْ﴾، أو عطف بيان له، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان قصة صالح ﴿أَنِ﴾: مصدرية. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية مبني على حذف النون، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بالباء المقدرة؛ أي: بعبادة الله، والجار المقدر متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ويصح كونها مفسرة؛ لأن الإرسال يتمضن معنى القول. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: فجائية حرف لا محل لها من الإعراب. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فَرِيقَانِ﴾: خبر، وجملة ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ صفة لـ ﴿فَرِيقَانِ﴾ على المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾؛ لأن كل فريق يضم جماعة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ...﴾ الخ؛ لأنها في معنى: ولقد أرسلنا صالحًا إلى ثمود، ففاجأ الإرسال افتراقهم واختصامهم. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿صَالِحًا﴾، والجملة مستأنفة. ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِمَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، حذفت ألفها لدخول الجار عليه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في

стр. 9268

محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: متعلق بـ ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿السَّيِّئَةِ﴾، والمراد بـ ﴿السيئة﴾ العذاب، وبـ ﴿الْحَسَنَةِ﴾ الرحمة. ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى: هلا. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لما قبلها. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿اطَّيَّرْنَا﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اطَّيَّرْنَا﴾. ﴿وَبِمَنْ﴾: معطوف على ﴿بِكَ﴾. ﴿مَعَكَ﴾: منصوب على الظرفية الاعتبارية متعلق بمحذوف صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿صَالِحً﴾. ﴿طَائِرُكُم﴾؛ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب أضرب بها عن بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. قَؤم: خبره، وجملة ﴿تُفْتَنُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَكَانَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿تِسْعَةُ﴾ اسمها مؤخر. ﴿رَهْطٍ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿يُفْسِدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿تِسْعَةُ﴾، وجملة ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: معطوفة على جملة ﴿يُفْسِدُونَ﴾. ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿تَقَاسَمُوا﴾: فعل أمر وفاعل بمعنى: احلفوا، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ويجوز أن يكون فعلًا ماضيًا، وحينئذ يجوز أن يكون مفسرًا لـ ﴿قَالُوا﴾، كأنه قيل: ما قالوا، فقيل تقاسموا، ويجوز أن يكون مع فاعله جملة في محل نصب على الحال؛ أي:

стр. 9269

قالوا متقاسمين بإضمار قد ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿تَقَاسَمُوا﴾. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿نبيتن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير مستتر تقديره: نحن، و ﴿الهاء﴾: مفعول به. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: معطوف على ﴿الهاء﴾، أو مفعول معه، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نَقُولَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن. ﴿لِوَلِيِّهِ﴾: متعلق به، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم الأول. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿شَهِدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مَهْلِكَ﴾: مفعول به. ﴿أَهْلِهِ﴾ مضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿لَنَقُولَنَّ﴾. ﴿وَإِنَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو حالية. ﴿إنا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَصَادِقُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿صَادِقُونَ﴾: خبر ﴿إِنَّا﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جمل ﴿لَنَقُولَنَّ﴾، أو في محل النصب على الحال من فاعل ﴿لَنَقُولَنَّ﴾. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ ﴿وَمَكَرُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿مَكْرًا﴾: مفعول مطلق، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَكَرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَمَكَرُوا﴾. ﴿مَكْرًا﴾: مفعول مطلق أيضًا. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجمل ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿مَكَرْنَا﴾ المحذوف؛ أي: ومكرناهم وهم لا يشعرون مكرنا بهم، أو حال من فاعل ﴿وَمَكَرُوا﴾. ﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿انْظُر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها للزومه الصدارة. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾: اسمها ومضاف إليه، وجمل ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول

стр. 9270

﴿انْظُر﴾؛ لأن الاستفهام علقه عن العمل في لفظه، أو في محل النصب بنزع الخافض. ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾: معطوف على ضمير المفعول. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لكل من المعطوف والمعطوف عليه، وجملة ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّا﴾ وجملة ﴿إن﴾ بالكسر مستأنفة، وبالفتح بدل من ﴿العاقبة﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، كما أشرنا إليه في مبحث التفسير. ﴿فَتِلْكَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿بُيُوتُهُمْ﴾: خبر. ﴿خَاوِيَةً﴾ حال من ﴿بُيُوتُهُمْ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ مقررة لها. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء؛ أي: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿خَاوِيَةً﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَآيَةً﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿آيَةً﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيَةً﴾. وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَأَنْجَيْنَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أَنْجَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْجَيْنَا﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾. ﴿وَلُوطًا﴾: مفعول به لفعل محذوف تقديره: ولقد أرسلنا لوطًا، والجملة المحذوفة إما مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ: أرسلنا المقدر، أو بـ: اذكر المحذوف. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿لوط﴾، وجملة ﴿قَالَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لِقَوْمِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿أَتَأْتُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي.

стр. 9271

﴿تَأْتُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿الْفَاحِشَةَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تُبْصِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تأتون﴾. ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفام الإنكاري التوبيخي. ﴿إنكم﴾: ناصب واسمه. ﴿لَتَأْتُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿تاتون﴾: فعل وفاعل. ﴿الرِّجَالَ﴾: مفعول به. ﴿شَهْوَةً﴾: مفعول لأجله، أو حال من الفاعل، أو من المفعول. و ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ حال من الفاعل؛ أي: متجاوزين النساء إلى الرجال، وجملة ﴿تَأْتُونَ﴾ في محل الرفع خبر إن، وجمل إن في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف اضراب. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿قَوْمٌ﴾: خبر، وجملة ﴿تَجْهَلُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. التصريف ومفردات اللفة ﴿أَفْتُونِي﴾ أي: أشيروا إلى بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث. والفتوى: الجواب في الحادئة، اشتقت على طريق الاستعارة من الفتي في السن. والمراد بالفتوى هنا: الإشارة إليها بما عندهم، وكما ذكرنا فيما حدث لها من الرأي والتدبير. والفتوى في العرف: هو الجواب في الحوادث المشكلة. قال بعضهم: الفتوى من الفتى؛ وهو الشاب القوي، وسميت الفتوى؛ لأن المفتي؛ أي. المجيب الحاكم بما هو صواب يقوي السائل في جواب الحادثة، كما مر. ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: باتة فيه منفذته. ﴿تَشْهَدُونِ﴾؛ أي: تحضروني. ﴿أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ﴾: اسم جمع بمعنى أصحاب، والواحد: ذو بمعنى صاحب، وقيل: جمع ذو على غير لفظه، وهو من ملحقات جمع المذكر السالم في إعرابه، والمؤنث أولات، وواحدتها: ذات، تقول: جاء أولو العلم وأولات الفضل، والمراد بالقوة: القوة الجسمية وكثرة الآلات، والمراد بالبأس: النجدة والثبات في الحرب. ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾: جمع عزيز بمعنى القاهر الغالب، والشريف العظيم، مأخوذ من العزة؛ وهي حالة مانعة للإنسان من أن يغلب. ﴿أَذِلَّةً﴾: جمع ذليل؛ أي:

стр. 9272

بالقتل والأسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة والإذلال. ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾: وهي اسم للشيء المهدي بملاطفة ورفق. قال في "المفردات": الهدية مختصة باللطف الذي يهدي بعضنا إلى بعض. اهـ. هذا، والهدية اسم الشيء المهدي، كما أن العطية اسم للشيء المعطى، فتضاف إلى المهدي والمهدى إليه. تقول: هذه هدية فلان تريد هي التي أهداها، أو أُهديَت إليه، والمضاف إليه في قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ هو المهدي إليه؛ أي: بما يُهدى إليكم، وأما نحن فلسنا كذلك. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ والهدية: مصدر بمعنى الإهداء مضاف لفاعله؛ أي: تفرحون بما تهدونه افتخارًا على أمثالكم، أو لمفعوله؛ أي: تفرحون بما يهدى إليكم حبًا في كثرة أموالكم، فإن الهدايا مم يورث المودة ويذهب الشحناء، وفي الحديث: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا" ولقد أحسن من قال شعرًا: هَدَايَا النَّاسِ بَعْضُهُمُ لِبَعْضٍ ... تُوَلِّدُ في قُلُوْبِهِمُ الْوِصَالاَ وَتَزْرَعُ في الضَّمِيْرِ هَوًى وَوِدًّا ... وَتُكْسِبُهُمْ إِذَا حَضَرُوْا جَمَالاَ كما مرَّ. ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ سمي المال مالًا؛ لكونه مائلًا أبدًا ونائلًا، ولذلك يسمى عرضًا، وعلى هذا دل من قال: "المال قحبة: يكون يومًا في بيت عطار، ويوماَ يكون في بيت بيطار، كما في "المفردات" يقال: أمده بالمال إذا ساعده به وزاده منه. ﴿بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة لهم بمقاومتها، ولا قدرة لهم على مقابلتها. قال في "المختار": رآه قبلًا - بفتحين - وقبلا - بضمتين - وقبلًا - بكسر بعده فتح -؛ أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قبل فلان حق؛ أي: عنده. وما لي به قبل؛ أي: طاقة. انتهى. والذي يفهم من "المفردات": أنه في الأصل بمعنى عند، ثم يستعار للقوة والقدرة على المقابلة؛ أي: المجازاة، فيقال: لا قبل لي بكذا؛ أي: لا يمكنني أن أقابله، ولا قبل لهم

стр. 9273

بها؛ أي: لا طاقة لهم على دفاعها. ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يقال: صغر صغرًا بالكسر في ضد الكبر، وصغارًا بالفتح في الذلة، والصاغر الراضي بالمنزلة الدنيئة، وكل من هذه الذلة والصغار مبني على الإنكار والإصرار، كما أن كلًّا من العز والشرف مبني على التصديق والإقرار. ﴿عِفْرِيتٌ﴾ العفريت من البشر الخبيث الماكر الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين والجن المارد، وجمعه: عفاريت، ومؤنثه: عفريته، والعفرية: مثله. ﴿مِنْ مَقَامِكَ﴾؛ أي: مجلسك الذي تجلس فيه للحكم. ﴿لَقَوِيٌّ﴾؛ أي: قادر على حمله لا أعجز عنه. ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: على ما فيه من اللآلىء والجواهر وغيرها. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾: يحتمل أنه مضارع أصله: أأتي بهمزتين، فوزنه أفعل، فالهمزة الأولى زائدة للمضارعة، والثانية أصلية فاء الكلمة، ويحتمل أنه اسم فاعل فوزنه فاعل، فالهمزة الأولى أصلية فاء الكلمة، والألف بعدها زائدة كالتي في ضارب وقائم اهـ. شيخنا. ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قال أبو السعود: الطرف: تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء، وارتداده انضمامها، ولكونه أمرًا طبيعيا غير منوط بالقصد آثر الارتداد على الرد. اهـ شيخنا. وفي "القاموس": إن الطرف كما يطلق على نظر العين يطلق على العين نفسها. اهـ. ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ وفي "المفردات": يقال: بلى الثوب بلى خلق، وبلوته اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾؛ أي: غيروا هيئته وشبهله بحيث لا يعرف بسهولة. قال الراغب: التنكير: جعل الشيء بحيث لا يعرف ضد التعريف، ومنه نقل إلى مصطلح أهل العربية. اهـ. "شهاب". ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ قال في "الكشاف": الصرح القصر، وكل بناء عال سمي

стр. 9274

بذلك اعتبارًا بكونه صرحًا من الثوب؛ أي: خالصًا. فإن الصرح بالتحريك الخالص من كل شيء، وقيل: صحن الدار، وأصله من التصريح، وهو الكشف، وكذب صُراح؛ أي: ظاهر مكشوف، ولؤم صُراح، ولبن صُريح؛ أي: ذهبت رغوته وخلص، وكأس صراح لم تمزج، وصرحت الخمرة: ذهب عنها الزبد، ولقيته مصارحة؛ أي: مجاهرة، وصَرَح النهار ذهب سحابه وأضاءت شمسه. ﴿لُجَّةً﴾ واللجة: الماء الكثير. وفي "المفردات": لجة: البحر تردد أمواجه. وفي "كشف الأسرار": اللجة: الضحضاح من الماء، وهو الماء اليسير، أو إلى الكعبين وأنصاف السوق، أو ما لا غرق فيه، كما في "القاموس". والمعنى: ظننت أنه ماء كثير بين يدي سرير سليمان. ﴿عَنْ سَاقَيْهَا﴾ تثنية ساق؛ وهي ما بين الكعبين، كعب الركبة وكعب القدم؛ أي: تشمرت لئلا تبتل أذيالها. ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾؛ أي: ذو سطح أملس، ومنه الأمرد؛ لملاسة وجه؛ أي: نعومته لعدم وجود الشعر به. وفي "القاموس": التمريد في البناء التمليس والتسوية، وبناء ممرد مطول، والمارد: المرتفع العالي، وشجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق. ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾؛ أي: مصنوع من الزجاج الصافي، وليس بماء. جمع قارورة، وفي "المصباح": القارورة: إناء من زجاج، والجمع القوارير، والقارورة أيضًا وعاء الرطب والتمر؛ وهي القوصرة. وتطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد أو المني يقر في رحمها، كما يقر الشيء من الإناء، أو تشبيهًا بآنية الزجاج لضعفها. قال الأزهري: والعرب تكني عن المرآة بالقارورة والقوسرة. وفي "القاموس": والقارورة: حدقة العين، وما قر فيه الشراب، أو نحوه، أو يخص بالزجاج. و ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾؛ أي: من زجاج في بياض الفضة وصفاء الزجاج. ﴿فَرِيقَانِ﴾ أي: طائفتان؛ طائفة مؤمنة، وأخرى كافرة. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: يجادل بعضهم بعضًا ويحاجه، من الاختصام، وأصله: أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم؛ أي: بجانبه. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ العقوبة التي تسوء صاحبها. ﴿قَبْلَ﴾

стр. 9275

الْحَسَنَةِ﴾ التوبة. ﴿لَوْلَا﴾ للتحضيض، بمعنى: هلَّا، وهي كلمة تفيد الحث على حصول ما بعدها. ﴿اطَّيَّرْنَا﴾؛ أي: تطايرنا، وتشاءمنا بك وبمن معك في دينك، حيث تتابعت علينا الشدائد، وأصل اطيرنا: تطيرنا أدغمت التاء في الطاء، فتعذر الابتداء بالساكن، واجتلبت همزة الوصل، فصار اطيرنا. وأصل ذلك أنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين، فمروا بطائر يزجرونه، فإن مر سانحًا تيمنوا، وإن مر بارحًا تشاءموا، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطير استعير لما كان سببًا لهما من قدر الله سبحانه وقسمته، أو عمل العبد. وفي "القاموس": البارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، وبرح الظبي بروحًا: ولّاك مماسره ومر، وسنح سنوحًا ضد برح، ومن لي بالسانح بعد البارح؛ أي: المبارك بعد المشؤوم. انتهى. قال في "كشف الأسرار": هذا كان اعتقاد العرب في بعض الوحوش والطيور أنها إذا صاحت في جانب دون جانب دل على حدوث آفات وبلايا. ونهى رسول الله ﷺ . وقال: "أقروا الطير على مكناتها"؛ لأنها أوهام لا حقيقة معها. والمكنات بيض الضبة، واحدتها: مكنة. قال ابن الملك: كان أهل الجاهلية إذا قصد واحد إلى حاجة، وأتى من جانبه الأيسر طير وغيره يتشاءم به فيرجع، هذا هو الطيرة. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: هي البلد. من أخذها من مدن بالمكان يمدن إذا أقام فيه، فهي فعيلة، والجمع: مدائن بالهمز والميم أصلية والياء زائدة، ومن أخذها من وإن يدين فالميم زائدة والياء أصلية، وهي مفعولة، ويقال: دنت الرجل: ملكته. ودنت له: خضعت له وأطعت، ويقال: للأمة مدينة؛ لأنها مملوكة. وفي معاجم اللغة: مدن بالمكان يمدن - من باب نصر - مدونًا إذا أقام، وهو فعل ممات. ومدن المدينة آتاها، ومدن المدائن - بالتشديد - بناها ومصرّها، وتمدّن: تخلق باخلاق أهل المدن، وانتقل من الهمجية إلى حالة الإنس والظرف، وتجمع المدينة على مدن بسكون الدال، ومدن بضمها، ومدائن. والمدينة: علم أطلق

стр. 9276

على يثرب. ومدينة السلام بغداد، والمدائن مدينة قرب بغداد كان فيها إيوان كسرى، وسميت بالجمع؛ لكبرها، والنسبة إليها مدائني. ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة، وليس فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، وجمعه أرهط وأرهاط. وجمع الجمع أراهط وأراهيط، وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس، نحو عشرون رهطًا؛ أي: شخصًا. ويقال: نحن ذوو رهط؛ أي: مجتمعون. وفي "المصباح": الرهط: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة. وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، والفرق بينه وبين النفر أن الرهط من الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة، ليس فيهم امرأة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ والبيات: مباغتة العدو ومفاجاته بالإيقاع به ليلًا. ﴿لِوَلِيِّهِ﴾؛ أي لمن له حق القصاص من ذوي قرابته إذا قتل. ﴿مَهْلِكَ﴾ بضم الميم وفتح اللام؛ أي: إهلاكهم مصدر ميمي من أهلك الرباعي، وبفتح الميم واللام؛ أي: هلاكهم مصدر ميمي من هلك الثلاثي، وبفتح الميم وكسر اللام؛ أي: وقت هلاكه أو مكانه، فهو للظرف؛ لأنه من باب ضرب. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾: صرف الغير عما يقصده بحيلة. وقيل: المكر: التدبير الخفي لعمل الشر، ومكرهم: هو ما أخفوه من تدبير القتل بصالح ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون على سبيل الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة، كما في الكشاف وشروحه اهـ "شهاب"؛ أي: تشبيهًا له بالمكر من حيث كونه إضرارًا في خفية؛ لأن المكر قصد الإضرار على طريق الغدر والحيلة اهـ "زاده". ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ التدمير: استئصال الشيء بالهلاك. ﴿خَاوِيَةً﴾؛ أي: خالية عن السكان، من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة متهدمة، من خوى النجم إذا سقط. اهـ "بيضاوي". وخوى بالمعنَيَيْن من باب رمى.

стр. 9277

﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ والفاحشة: كل ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. والمراد بها هنا اللواطة، والإتيان في الأدبار. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ من بصر القلب؛ وهو العلم، أو من بصر العين؛ وهو النظر. ﴿شَهْوَةً﴾ وأصل الشهوة: نزوع النفس إلى ما تريده. البلاغة وقد تضمت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ حيث عبرت عن الماضي بالمضارع. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن هذه الجملة سيقت لتأكيد ما قبلها. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾؛ لأنه معطوف على محذوف تقديره: فأعدت الهدية مع رسول بكتاب فأرسلته، فلما جاء سليمان الخ. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فإن ارتداد الطرف كناية عن الإسراع. والطرف: هو تحريك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفًا بإرسال الطرف وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: كأنه عرشي في الشكل والوصف. ومنها: التجنيس، وهو تالف الكلمتين في تأليف حروفهما في قوله:

стр. 9278

﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ومنها: الطباق بين ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ و ﴿الْحَسَنَةِ﴾ في قوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ ﴿طَائِرُكُمْ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿يُفْسِدُونَ﴾ و ﴿يُصْلِحُونَ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿طَائِرُكُمْ﴾؛ لأنه مستعار لما كان سببًا للخير والشر من قدر الله تعالى وقسمته، أو من عمل العبد، كما في "الروح". ومنها: التمام كما سماه قدامة في نقد الشعر، أو التميم كما سماه الحاتمي في قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وهو أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت منه نقص معناه في ذاته، أو في صفاته، ولفظه تام؛ لأن قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مفهومه أن شأنهم الإفساد البحت، ولكن قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا يدفع أن يندر منهم، أو من أحدهم بعض الصلاح فتمم الكلام بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دفعًا لتلك الندرة أن تقع، أو أن يخالج بعض الأذهان شك في أنها ستقع، وبذلك قطع كل رجاء في إصلاح أمرهم، وحسن حالهم. اهـ من الدرويش. ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ المشاكلة معناها: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته؛ لأن الله تعالى تقدس أن يستعمل في حقه المكر، إلا أنه استعمل هنا مشاكلة، وهو كثير في القرآن، أما مكرهم: فهو ما بيتوه لصالح، وما انتووه من إهلاكه وأهله خفية. وأما مكر الله تعالى بهم: فهو إهلاكهم من حيث لا يشعرون. وفيه أيضًا الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة، فقد شبه الاهلاك بالمكر في كونه إضرارًا في الخفاء؛ أي: من حيث لا يشعرون.

стр. 9279

ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم * * *

стр. 9280

شعر وَقُلْ بِذُلٍّ رَبِّ لاَ تَقْطَعَنِّي ... عَنْكَ بِقَاطِعٍ وَلاَ تَحْرِمَنِّيْ مِنْ سِرِّكَ الأْبهَى الْمُزِيْلِ لِلْعَمَى ... وَاخْتُمْ بِخَيْرٍ يَا رَحِيْمَ الرُّحَمَا من كلام زين العابدين أَلاَ يَا أَيُّهَا الْمَأْمُوْلُ فِيْ كُلِّ حَاجَةٍ ... إِلَيْكَ شَكَوْتُ الضُّرَّ فَارْحَمْ شِكَايَتِيْ أَلاَ يَا رَجَائِيْ أَنْتَ كَاشِفُ كُرْبَتِيْ ... فَهَبْ لِيْ ذُنُوْبِي كُلَّهَا وَاقْضِ حَاجَتِيْ فَزَادِيْ قَلِيْلٌ مَا أرَاهُ مُبَلِّغِي ... عَلَى الزَّادِ أبْكِيْ أَمْ لِبُعْدِ مَسَافَتِيْ أَتَيْتُ بِأَعْمَالٍ قِبَاحٍ رَدِيْئَةِ ... وَمَا فِيْ الْوَرَى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايَتِيْ
следующие страницы →