على يثرب. ومدينة السلام بغداد، والمدائن مدينة قرب بغداد كان فيها إيوان كسرى، وسميت بالجمع؛ لكبرها، والنسبة إليها مدائني.
﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرهط: قوم الرجل وقبيلته، وعدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة، وليس فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، وجمعه أرهط وأرهاط. وجمع الجمع أراهط وأراهيط، وإذا أضيف إلى الرهط عدد كان المراد به الشخص والنفس، نحو عشرون رهطًا؛ أي: شخصًا. ويقال: نحن ذوو رهط؛ أي: مجتمعون. وفي "المصباح": الرهط: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة. وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، والفرق بينه وبين النفر أن الرهط من الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة، ليس فيهم امرأة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ والبيات: مباغتة العدو ومفاجاته بالإيقاع به ليلًا. ﴿لِوَلِيِّهِ﴾؛ أي لمن له حق القصاص من ذوي قرابته إذا قتل. ﴿مَهْلِكَ﴾ بضم الميم وفتح اللام؛ أي: إهلاكهم مصدر ميمي من أهلك الرباعي، وبفتح الميم واللام؛ أي: هلاكهم مصدر ميمي من هلك الثلاثي، وبفتح الميم وكسر اللام؛ أي: وقت هلاكه أو مكانه، فهو للظرف؛ لأنه من باب ضرب.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾: صرف الغير عما يقصده بحيلة. وقيل: المكر: التدبير الخفي لعمل الشر، ومكرهم: هو ما أخفوه من تدبير القتل بصالح ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون على سبيل الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة، كما في الكشاف وشروحه اهـ "شهاب"؛ أي: تشبيهًا له بالمكر من حيث كونه إضرارًا في خفية؛ لأن المكر قصد الإضرار على طريق الغدر والحيلة اهـ "زاده". ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ التدمير: استئصال الشيء بالهلاك.
﴿خَاوِيَةً﴾؛ أي: خالية عن السكان، من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة متهدمة، من خوى النجم إذا سقط. اهـ "بيضاوي". وخوى بالمعنَيَيْن من باب رمى.
стр. 9277
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ والفاحشة: كل ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. والمراد بها هنا اللواطة، والإتيان في الأدبار. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ من بصر القلب؛ وهو العلم، أو من بصر العين؛ وهو النظر. ﴿شَهْوَةً﴾ وأصل الشهوة: نزوع النفس إلى ما تريده.
البلاغة
وقد تضمت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ حيث عبرت عن الماضي بالمضارع.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن هذه الجملة سيقت لتأكيد ما قبلها.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾؛ لأنه معطوف على محذوف تقديره: فأعدت الهدية مع رسول بكتاب فأرسلته، فلما جاء سليمان الخ.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فإن ارتداد الطرف كناية عن الإسراع. والطرف: هو تحريك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفًا بإرسال الطرف وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: كأنه عرشي في الشكل والوصف.
ومنها: التجنيس، وهو تالف الكلمتين في تأليف حروفهما في قوله:
стр. 9278
﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾
ومنها: الطباق بين ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ و ﴿الْحَسَنَةِ﴾ في قوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾.
ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ ﴿طَائِرُكُمْ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿يُفْسِدُونَ﴾ و ﴿يُصْلِحُونَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿طَائِرُكُمْ﴾؛ لأنه مستعار لما كان سببًا للخير والشر من قدر الله تعالى وقسمته، أو من عمل العبد، كما في "الروح".
ومنها: التمام كما سماه قدامة في نقد الشعر، أو التميم كما سماه الحاتمي في قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وهو أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت منه نقص معناه في ذاته، أو في صفاته، ولفظه تام؛ لأن قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مفهومه أن شأنهم الإفساد البحت، ولكن قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا يدفع أن يندر منهم، أو من أحدهم بعض الصلاح فتمم الكلام بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دفعًا لتلك الندرة أن تقع، أو أن يخالج بعض الأذهان شك في أنها ستقع، وبذلك قطع كل رجاء في إصلاح أمرهم، وحسن حالهم. اهـ من الدرويش.
ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ المشاكلة معناها: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته؛ لأن الله تعالى تقدس أن يستعمل في حقه المكر، إلا أنه استعمل هنا مشاكلة، وهو كثير في القرآن، أما مكرهم: فهو ما بيتوه لصالح، وما انتووه من إهلاكه وأهله خفية. وأما مكر الله تعالى بهم: فهو إهلاكهم من حيث لا يشعرون.
وفيه أيضًا الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة، فقد شبه الاهلاك بالمكر في كونه إضرارًا في الخفاء؛ أي: من حيث لا يشعرون.
стр. 9279
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الحادي والعشرون»
стр. 9282
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 9283
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢١]
стр. 9284
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 9285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الأحد الماجد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة توصلنا إلى رضاه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله سبحانه عليه، وعلى آله وصحبه الذين رقوا في ذرى المجد بتقاه، وسلَّم عليهم وعلى كل عاضّ بسنته وهداه، ما تعاقب الجديدان وتصارع الحق والبطلان.
أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء التاسع عشر من القرآن الكريم بعون الله سبحانه وتيسيره .. تفرغت وتصديت بقدر مكانتي لتفسير الجزء العشرين منه إن شاء الله ، مع ما بي من العوائق والمعائق، مستمطرًا من سحائب كرمه وجوده، ومستمدًا من وابل فيضه وإمداده، فقلت: وبالله التوفيق:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)
стр. 9286
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما قص (١) على رسوله ﷺ قصص أولئك الأنبياء السالفين، وذكر أخبارهم الدالة على كمال قدرته، وعظيم شأنه، وعلى ما خصهم به من المعجزات الباهرة الناطقة بجلال أقدارهم، وصدق أخبارهم، وفيها بيان صحة الإِسلام والتوحيد، وبطلان الشرك والكفر، وأن من اقتدى بهم فقد اهتدى، ومن أعرض عنهم فقد تردى في مهاوي الردى، ثم شرح صدره ﷺ بما في تضاعيف تلك القصص من العلوم الإلهية، والمعارف الربانية الفائضة من عالم القدس، مقررًا بذلك قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ .. أردف هذا بأمره ﷺ بأن يحمده تعالى على تلك النعم، ويسلم على الأنبياء كافة عرفانًا لفضلهم، وأداء لحق تقدمهم واجتهادهم في الدين، وتبليغ رسالات ربهم على أكمل الوجوه وأمثل السبل، ثم ذكر الأدلة على تفرده بالخلق والتقدير، ووجوب عبادته وحده، وأنه لا ينبغي عبادة شيء سواه من الأصنام والأوثان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ ...﴾ الآية، مناسبة
стр. 9287
هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أثبت تفرده بالألوهية، لاختصاصه بالقدرة التامة والرحمة العامة .. أعقب هذا بذكر لوازمها، وهو اختصاصه بعلم الغيب تكميلًا لما قبله وتمهيدًا لما بعده من أمر البعث.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر فيما سلف جهلهم بالآخرة وعماهم عنها .. أردف بيان ذلك وإيضاحه بأنهم ينكرون الإخراج من القبور بعد أن صاروا ترابًا، وأنهم قالوا: تلك مقالة سمعناها من قبل، وما هي إلا أسطورة من أساطير الأولين وخرافاتهم.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يرشدهم إلى صدق هذا، بالسير في الأرض حتى يروا عاقبة المجرمين بسبب تكذيبهم للرسل فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله واليوم الآخر.
ثم صبر سبحانه رسوله على ما يناله من أذى المشركين، ووعده بالنصر عليهم، ثم ذكر أنهم مكذبون بالساعة وغيرها من العذاب والجزاء الموعود، وأنهم يسألون عن ذلك سخرية واستهزاء، وأجابهم بأن العذاب سينزل بهم قريبًا، ثم ذكر فضله على عباده بأنه لا يعجل لهم العذاب مع استحقاقهم له، إذ هم لا يشكرونه على ذلك، ثم بين أنه تعالى عليم بالسر والنجوى، وأنه مطلع على ما تكنه القلوب، وأنه ما من شيء مهما خفي فالله عليم به، وهو مثبت عنده في كتاب مبين.
التفسير وأوجه القراءة
٥٦ - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾؛ أي: قوم لوط، وقرأ الجمهور (١) بنصب ﴿جَوَابَ﴾ على أنه خبر ﴿كَانَ﴾، واسمها: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا قولهم؛ أي: إلا قول بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾؛ أي: أخرجوا لوطًا وابنتيه زعورا
стр. 9288
ورويثا وزوجته المؤمنة ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ سذوم.
وقرأ الحسن وابن إسحاق برفع ﴿جوابُ﴾ على أنه اسم ﴿كَانَ﴾ وخبرها ما بعده؛ أي: فلم يكن جواب قومه إلا قولهم، والأول أولى. ثم عللوا ما أمروا به بعضهم بعضًا من الإخراج بقولهم: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن آل لوط ﴿أُنَاسٌ﴾ جمع إنس، والناس مخفف منه، ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ أي: يتنزهون عن أدبار الرجال، وعن جميع أفعالنا أو عن الأقذار، ويعدون أفعالنا قذرًا.
وعن ابن عباس ﵄: قالوا ذلك استهزاء منهم بهم. وهذا الجواب (١) هو الذي صدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات المواعظ بالأمر والنهي، لا أنه لم يصدر منهم كلام آخر غيره.
٥٧ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي لوطًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي: بنتيه زعورا ورويثا وامرأته المؤمنة بأن أمرناهم بالخروج من القرية، ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الكافرة المسماة بواهلة، لم ننجها بل ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ وقضينا كونها ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب، فلذا لم تخرج من القرية مع لوط، أو خرجت ومُسِخت حجرًا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿قَدَّرْنَا﴾ بتشديد الدال، وقرأ أبو بكر بتخفيفها، ومعنى القراءتين واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى.
٥٨ - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ بعد قلب قريتهم، وجعل عاليها سافلها، أو على شذاذهم، ومن كان منهم في الأسفار، ﴿مَطَرًا﴾ غير معهود، وهو حجارة السجيل، والتأكيد بالمصدر يدل على شدة المطر، وأنه غير معهود، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: بئس وقح مطر من أُنذر بعذاب الله فلم يخف منه، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: مطرهم هذا.
وحاصل معنى الآيات (٣): أي فلم يكن جوابهم للوط - إذ نهاهم عما أمره
стр. 9289
الله سبحانه بنهيهم عنه من إتيان الذكور - إلا قول بعضهم لبعض: أخرجوا لوطًا وأهله من قريتنا، وقد عدوا سكناه بينهم منة ومكرمة عليه، إذ قالوا: من قريتكم، ثم عللوا هذا الإخراج بقولهم استهزاء بهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: إنهم يتحرجون من فعل ما تفعلون، ومن إقراركم على ما تفعلون من صنيعكم، فأخرجوهم من بين أظهركم، فإنهم لا يصلحون لجواركم في بلدكم.
ولما وصلوا إلى هذا الحد من قبح الأفعال والأقوال دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: فأهلكناهم وأنجينا لوطًا وأهله، إلا امرأته جعلناها بتقديرنا وحكمتنا من الباقين في العذاب، لأنها كانت على طريقتهم راضية بقبيح أفعالهم، وكانت ترشد قومها إلى ضيفان لوط ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله ﵇ لا كرامة لها.
ثم بين ما أهلكوا به، فقال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ ...﴾ إلخ؛ أي: وأمطرنا عليهم مطرًا غير ما عُهد من نوعه، فقد كان حجارة من سجيل، فبئس ذلك المطر مطر الذين أنذرهم الله سبحانه عقابًا لهم على معصيتهم إياه، وخوَّفهم بأسه بإرسال الرسول إليهم.
٥٩ - ﴿قُلِ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ سبحانه على جميع نعمه التي من جملتها إهلاك أعداء الأنبياء والمرسلين وأتباعهم الصديقين، فإنهم لما كانوا إخوانه ﵇ كانت النعمة عليهم نعمة عليه، ﴿وَسَلَامٌ﴾؛ أي: وسلامة ونجاة ﴿عَلَى عِبَادِهِ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لعباده ﴿اصْطَفَى﴾؛ أي: الذين اصطفاهم الله تعالى، وجعلهم صفوة خليقته في الأزل، وهداهم واجتباهم للنبوة والرسالة والولاية في الأبد، فهم الأنبياء والمرسلون وخواصهم المقربون الذين سلموا من الآفات، ونجوا من العقوبات مطلقًا.
وقرأ أبو السماك: ﴿قل الحمد لله﴾ وكذا ﴿قل الحمد لله سيريكم﴾ بفتح اللام، ذكره أبو حيان.
стр. 9290
وفيه (١): رمز إلى هلاك أعدائه ﷺ ، ولو بعد حين، وإشعار له ولأصحابه بحصول السلامة والنجاة من أيديهم، وهكذا عادة الله تعالى مع الورثة الكمل وأعدائهم في كل زمان، هذا هو اللائح للبال في هذا المقال، وهو المناسب لسوابق الآيات العظام.
والحاصل (٢): أن الله سبحانه أمر رسوله أن يحمده شكرًا له على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأن يسلم على عباده الذين اصطفاهم لرسالته، وهم أنبياؤه الكرام ورسله الأخيار.
ومن تلك النعم النجاة والنصر والتأييد لأوليائه، وحلول الخزي والنكال باعدائه، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
وفي هذا تعليم حسن وأدب جميل، وبعث على التيمُّن بالذِكْرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قَبول ما يلقى إلى السامعين والإصغاء إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع، ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرًا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله، وصلوا على رسوله ﷺ أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون، فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن.
ثم شرع يوبخ المشركين، ويتهكم بهم، وينبههم إلى ضلالهم وجهلهم، إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الواحد القهار، فقال: ﴿آللَّهُ﴾ (٣) بالمد بمقدار الألفين، أصله (أألله) على أن الهمزة الأولى استفهام، والثانية وصل، فمدوا الأولى تخفيفًا، والمعنى: آللهُ الذي ذُكرت شؤونه العظيمة ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أنفع لعابديه ﴿أَمَّا﴾؛ أي: أم الذي، فأم متصلة وما موصولة، ﴿يُشْرِكُونَ﴾ به من الأصنام؛ أي: أم الأصنام أنفع لعابديها، يعني: الله خير.
стр. 9291
وكان ﵇ إذا قرأ هذه الآية قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم"، فإن قيل لفظ (١) الخير يُستعمل في شيئين فيهما خير، ولأحدهما مزية، ولا خير في الأصنام أصلًا! قلنا: المراد به إلزام المشركين، والتشديد عليهم والتهكم بهم، أو هو على زعم أن في الأصنام خيرًا، ثم هذا الاستفهام والاستفهامات الآتية بعد تقرير وتوبيخ، لا استرشاد.
وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن وقتادة ويعقوب ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بالياء التحتية على الغيبة؛ أي: آلله الذي ذُكرت أفعاله وصفاته الدالة على عظيم قدرته خير أمَّا يشركون به تعالى من الأصنام، وقرأ الباقون: بالتاء الفوقية على الخطاب؛ أي: آلله خير أم آلهة تشركونها بالله تعالى يا أهل مكة، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
وفي ذلك (٢) ما لا يخفى من تسفيه آرائهم، وتقبيح معتقداتهم وإلزامهم الحجة، إذ من البيّن أنه ليس فيما أشركوه به سبحانه شائبة خير حتى يوازن بينها وبين ما هو محض الخير، فهو من وادي ما حكاه سيبويه، تقول العرب: "السعادة أحب إليك أم الشقاء"، وكما قال حسان يهجو أبا سفيان بن حرب، ويمدح النبي ﷺ :
أتَهْجُوْهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
٦٠ - ثم انتقل من التوبيخ تعريضًا إلى التبكيت تصريحًا فقال: ﴿أَمَّا﴾ هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة، ﴿مَّنْ﴾ موصولة مبتدأ خبره محذوف، وكذا في نظائره الآتية، والمعنى: بل أمن ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أصول الكائنات المحسوسة ومبادي النفع خير أم ما يشركون؛ يعني: أن الخالق للأجرام العلوية والسفلية خير لعابديه أو للمعبودية، كما هو الظاهر.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ وفي الأربعة بعدها بشد الميم، وهي ميم
стр. 9292
﴿أَمَّ﴾ أدغمت في ميم ﴿مَّنْ﴾، وقرأ الأعمش بتخفيفها جعلها همزة الاستفهام أدخلت على ﴿مَّنْ﴾، و ﴿مَّنْ﴾ في القراءتين مبتدأ، خبره محذوف، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ معطوف على صلة ﴿مَّنْ﴾ الموصولة؛ أي: ومن أنزل لأجل منفعتكم ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحابـ ﴿ماء﴾ أي نوعًا منه هو المطر.
ثم (١) عدل على الغيبة إلى التكلم لتأكيد الاختصاص بذاته فقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ بِهِ؛ أي: بسبب ذلك الماء ﴿حَدَائِقَ﴾؛ أي: بساتين محدقة ومحاطة بالحوائط، من الإحداق وهو الإحاطة، قال الفراء: الحديقة البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة، وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل، وقوله: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ صفة لحدائق، ولم يقل (٢): ذوات بهجة على الجمع؛ لأن المعنى جماعة حدائق؛ أي: صاحبة حسن ورونق يبتهج ويسر به النظار، والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من رآه.
وقرأ الجمهور: ﴿ذَاتَ﴾ بالإفراد، ﴿بَهْجَةٍ﴾ بسكون الهاء، وجمع التكسير يجري في الوصف مجرى الواحدة، كقوله: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ وهو على معنى جماعة، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ذوات﴾ بالجمع، ﴿بهجة﴾ بتحريك الهاء بالفتح، ذكره أبو حيان.
﴿مَا كَانَ لَكُمْ﴾؛ أي: ما صح وما أمكن لكم ﴿أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾؛ أي: شجر الحدائق فضلًا عن ثمرها؛ أي: ما كان لكم مقدرة على أن تنبتوا شجر البساتين فضلًا عن ثمرها، وسائر صفاتها البديعة، ومعنى (٣) هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا؛ أي: ما كان للبشر ولا يتهيأُ لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدرتهم، لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود.
والمعنى (٤): أي أعبادة ما تعبدون أيها المشركون من أوثانكم التي لا تضر ولا تنفع خير أم عبادة من خلق السموات على ارتفاعها وصفائها، وجعل فيها
стр. 9293
كواكب نيرة، ونجومًا زاهرة، وأفلاكًا دائرة، وخلق الأرض، وجعل فيها جبالًا وأنهارًا وسهولًا وأوعارًا، وفيا في وقفارًا، وزروعًا وأشجارًا، وحيوانات مختلفة الأصناف والأشكال والألوان، وأنزل لكم من السماء مطرًا جعله رزقًا للعباد، فأنبت به بساتين مونقة تسر الناظرين، ولولاه ما نبت الشجر ولا ظهر الثمر، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
ثم زاد في التوبيخ فنفى الألوهية عما يشركون بعد تبكيتهم على نفي الخيرية عنها، فقال: ﴿إِلَهٌ﴾؛ أي: هل إله آخر ومعبود سواه كائن ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ الذي تقدم ذكر بعض أفعاله، التي لا يكاد يقدر عليها غيره، حتى يقرَّ به، ويُجعل شريكًا له في العبادة. وقرىء؛ ﴿أإلهًا﴾ بالنصب على تقدير أتدعون إلهًا، أو أتشركون، وقرىء (١): ﴿أإله﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين، وترك الإدخال فيهما في مواضعه الخمسة، فالقراءات أربعة كلها سبعية.
والمعنى: أي أإله غيره يقرون به، ويجعلونه شريكًا له في العبادة، مع تفرده جل شأنه بالخلق والتكوين، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾.
ثم انتقل من تبكيتهم إلى بيان سوء حالهم، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ بالله غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل.
أي: بل (٢) هؤلاء المشركون قوم دأبهم العدول عن طريق الحق، والانحراف عن جادة الاستقامة في جميع شؤونهم، ومن ثم يفعلون ما يفعلون من العدول عن الحق الواضح، وهو التوحيد، ويعكفون على الضلال المبين، وهو الإشراك، وفي معنى الآية قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقوله ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا
стр. 9294
لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾؛ أي: فهم جاروا وظلموا بوضع الكفر موضع الإيمان، والشرك محل التوحيد، وهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوء حالهم، وحكاية لغيرهم
٦١ - ثم أضرب وانتقل إلى التبكيت بوجه آخر أدخل في الإلزام فقال: ﴿أَمّ﴾ منقطعة ﴿مَّن﴾ موصولة ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ صلتها؛ أي: بل (١) أمن جعل الأرض مستقرًا لمن فيها، يستقر عليها الإنسان والدواب، بإظهار بعضها من الماء بالارتفاع، وتسويتها حسبما يدور عليه منافعهم، خير من الذين يشركون من الأصنام، وذكر بعض الآيات بلفظ الماضي لأن بعض أفعاله تقدم وحصل مفروغًا منه، وبعضها يفعلها حالًا بعد حال.
﴿وجَعَلَ﴾ معطوف على الصلة، ﴿خِلَالَهَا﴾ مفعول ثان لجعل - جمع خلل - وهي الفرجة بين الشيئين، ﴿أَنْهَارًا﴾ مفعول أول له، قدم الثاني عليه لكونه ظرفًا، وعلى هذا المفاعيل للفعلين الآتيين؛ أي: وجعل أنهارًا جارية ينتفعون بها في خلال الأرض وأوساطها، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت تمنعها أن تميل بأهلها وتضطرب، ويتكون فيها المعادن، وينبع في حضيضها الينابيع، ويتعلق بها من المصالح ما لا يخفى، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: العذب والمالح، أو خليجي فارس والروم ﴿حَاجِزًا﴾؛ أي: برزخًا مانعًا من الممازجة والمخالطة؛ أي: جعل بين البحرين العذب والمالح حاجزًا من قدرته، فلا يختلط أحدهما بالآخر، فلا هذا يغيِّر ذاك، ولا ذاك يدخل في هذا، وقد مر بيانه في سورة الفرقان.
ولما كانت كل (٢) هذه المذكورات نعمة عظيمة مستقلة تكرر العامل فيها في قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ فكانت من عطف الجمل المستقل كل واحدة منها بالامتنان ولم يشرك في عامل واحد فيكون من عطف المفردات.
стр. 9295
والمعنى (١): أي أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم - مع أنه لا يضر ولا ينفع - خير أم عبادة الذي جعل الأرض مستقرًا للإنسان والدواب، وجعل في أوساطها أنهارًا تنتفعون بها في شربكم وسقي أنعامكم ومزارعكم، وجعل فيها ثوابت الجبال حتى لا تميد بكم، وحتى تنتفعوا بما فيها من المعادن المختلفة، وقد أنزل الماء على شواهقها، وجعل بين المياه العذبة والملحة حاجزًا يمنعهما من الاختلاط، حتى لا يفسد هذا بذاك، والحكمة تقضي ببقاء كل منهما على حاله، فالعذبة لسقي الناس. والحيوان والنبات والثمار، والملحة تكون مصادر للأمطار التي تجري منها، وكذلك هي وسيلة لإصلاح الهواء.
﴿أَإِلَهٌ﴾ أي: هل معبود آخر كائن ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ سبحانه في الوجود، أو في إبداع هذه الكائنات، وإيجاد هذه الموجودات، يعني ليس معه غيره، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون شيئًا من الأشياء، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره، أو لا يعلمون قدر عظمة الله تعالى، وما عليهم من ضر في إشراكهم غيره به، وما لهم من نفع في إفرادهم إياه بالألوهية، وإخلاصهم العبادة له، وبراءتهم من كل معبود سواه.
٦٢ - ثم زادهم توبيخًا من وجه ثالث فقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾؛ أي: بل أمن (٢) يجيب دعوة المضطر المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة، وقيل: المضرور بالحاجة المحوجة من مرض أو نازلة من نوازل الدهر، يعني: إذا نزلت بأحد نازلة بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله تعالى، وقيل: هو المذنب إذا استغفر، واللام (٣) في المضطر للجنس لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين لمانع يمنع من ذلك، بسبب يحدثه العبد يحول بينه وبين إجابة دعائه، وإلا فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطر
стр. 9296
إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه.
والحكمة في إجابة دعاء المضطر: أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الإخلاص، وقطع النظر عما سوى الله تعالى، فقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين، وإن كانوا كافرين، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم.
والمضطر من الاضطرار إفتعال من الضرورة، وهي الحالة المحوجة إلى اللجاء، والمضطر الذي أحوجه شدة ما به إلى اللجاء إلى الله والتضرع إليه تعالى؛ أي: بل أمن يجيب دعاء المضطر المكروب ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾ ذلك المضطر إلى كشف ما به من الضرر، والضمير المنصوب راجع إلى ﴿مَنْ﴾ الموصولة التي أريد بها الله سبحانه، والمستتر الفاعل يعود على المضطر.
وقوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ معطوف على الصلة عطف تفسير، و ﴿إِذَا﴾ مجردة عن معنى الشرط؛ أي: أمن يجيب الملجأ إلى ضيق من الأمر ﴿وَيَكْشِفُ﴾؛ أي: يزيل عنه ﴿السُّوءَ﴾ والضر الذي نزل به خير أم الذي يشركون به من الأصنام؟ وقال (١) بعضهم: فصل بين الإجابة وكشف السوء، فالإجابة بالقول والكشف بالطول، والإجابة بالكلام، والكشف بالإنعام، ودعاء المضطر لا حجاب له، ودعاء المظلوم لا مرد له، ولكل أجل كتاب اهـ.
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: سكانها؛ أي: يجعلكم خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن كان قبلكم من الأمم، يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله، ومعنى هذا: أي يجعلكم متوارثين سكناها ممن قبلكم بعد انقراضهم، فتعمرون الدنيا وتزينونها بأنواع الصنائع والحرف، بمعنى: يهلك قرنًا
стр. 9297
وينشىء آخرين، وقيل: يجعلى أولادكم خلفاء عنكم، وقيل: يجعل المسلمين خلفًا عن الكفار ينزلون أرضهم وديارهم.
وحاصل المعنى (١): أي أمن تشركون بالله خير أم من يجيب المكروب الذي يحوجه المرض أو الفقر أو النازلة من نوازل الدهر إلى اللجاء، والتضرع إليه إذا دعاه وقت اضطراره، ويرفع عن الإنسان ما يسوءُه من فقر أو مرض، ويجعلكم خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض، فيورثكم إياها بالسكنى والتصرف فيها.
وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أسألك بالله أن تدعو لي، فأنا مضطر، قال: إذًا فاسأله، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. وقال الشاعر:
وإنَّيْ لأدْعُوْ اللهَ وَالأَمْرُ ضيِّقٌ ... عَلَيَّ فَمَا يَنْفَكُّ أنْ يَتَفَرَّجَا
وَرُبَّ أَخٍ سُدَّتْ عَلَيْهِ وُجُوْهُهُ ... أَصَابَ لَهَا لَمَّا دَعَا اللهَ مَخْرَجَا
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ في دعاء المضطر: "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت"، وجاء في الخبر: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده".
وفي "صحيح مسلم": أن النبي ﷺ قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن: "واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب" وقرأ الحسن في رواية: ﴿ونجعلكم﴾ بنون المتكلم المعظم، كانه استئناف إخبار ووعد.
﴿أَإِلَهٌ﴾ أي: هل معبود آخر كائن ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ الذي يفيض على كافة الأنام هذه النعم الجسام. ثم بيَّن أن من طبيعة الإنسان أن لا يتذكر نعم الله عليه إلا قليلًا حيث قال: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتذكرون آلاء الله ونعمه تذكرًا قليلًا، وزمانًا قليلًا، ومن ثم أشركتم به غيره في العبادة، و ﴿مَا﴾ مزيدة (٢) لتأكيد معنى
стр. 9298
القلة التي أريد بها العدم، أو ما يجري مجراه في الحقارة وقلة الجدوى، وفيه إشارة إلى أن مضمون الكلام مركوز في ذهن كل ذكي وغبي، وإنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بالفوقية على الخطاب، والحسن والأعمش وأبو عمرو وهشام ويعقوب: بالتحتية على الخبر ردًا على قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، واختار هذه القراءة أبو حاتم، والذال في القراءتين مشددة لإدغام التاء فيها، وقرأ أبو حيوة شاذًا: ﴿تتذكرون﴾ بتاءين.
٦٣ - ثم زادهم تأنيبًا وتهكمًا من ناحية أخرى فقال: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾؛ أي: بل أمن يهديكم ويرشدكم إلى مقاصدكم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ أي: في ظلمات الليالي فيهما بالنجوم وعلامات الأرض، على أن الإضافة للملابسة، أو في مشتبهات الطرق، يقال: طريقة ظلماء أو عمياء للتي لا منار بها، وشبهها بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها؛ أي: أهو خير أم الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، و ﴿مَنْ﴾ موصولة كما سبق؛ أي؛ وأمن ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ حال كونها ﴿بُشْرًا﴾؛ أي: مبشرة بالمطر ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: قدام المطر - وقيل: نزوله - خير أم الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
والمعنى (٢): أي أمن تشركون بالله خير أم من يرشدكم في ظلمات البر والبحر إذا أظلمت عليكم السبل، فضللتم الطريق، بما خلق من الدلائل السماوية، كما قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، ومن يرسل الرياح أمام الغيث الذي يحيي موات الأرض.
ولما اتضحت الأدلة، ولم يبق لأحد في ذلك عذر ولا علة قال: ﴿أَإِلَهٌ﴾ أي: هل معبود آخر كائن ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ سبحانه يقدر على مثل ذلك ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾ سبحانه وترفع ﴿يُشْرِكُونَ﴾ به؛ أي: تعالى الخالق القادر عن مشاركة العاجز
стр. 9299
المخلوق، وقرىء: ﴿عما تشركون﴾ تاء الخطاب.
أي: تنزه ربنا المنفرد بالألوهية، ومن له صفات الكمال والجلال، ومن تخضع له جميع المخلوقات، وتذل لقهره وجبروته عن شرككم الذي تشركونه به، وعبادتكم معه ما تعبدون.
٦٤ - ثم أضاف إلى ذلك برهانًا آخر لعلهم يرتدعون عن غيهم فقال: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: بل أمن يوجد الخلق وينشىء أول مرة ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يعيد الخلق بعد الموت بالبعث؛ أي: يوجده بعد إماتته، خير أم الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، كانوا يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق، فألزمهم الإعادة؛ أي: إذا قدر على الابتداء فهو أقدر على الإعادة.
وفي "الكواشي": وسألوا عن بدء خلقهم وإعادتهم، مع إنكارهم البعث، لتقدم البراهين الدالة على ذلك من إنزال الماء وإنبات النبات وجفافه ثم عوده مرة ثانية، والعقل يحكم بإمكان الإعادة بعد الإبلاء، وهم يعلمون أنهم وُجدوا بعد أن لم يكونوا، فإيجادهم بعد أن كانوا أيسر.
و ﴿أَمّ﴾ في الجُمل الخمس للانتقال من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجه آخر (١)، أدخل في الإلزام بجهة من الجهات، ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بأسباب سماوية وأرضية، كالمطر والحر والبرد والنبات والمعادن والحيوان؛ أي: أهو خير أم ما تجعلونه شريكًا له مما لا يقدر على شيء من ذلك.
والمعنى: أمن تشركون به خير أم الذي ينشىء الخلق بادىء بدء، ويبتدعه من غير أصل سلف، ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنيه، والذي يرزقكم من السماء والأرض، فينزل من الأولى غيثًا، وينبت من الثانية نباتًا لأقواتكم وأقوات أنعامكم.
وهم وإن كانوا ينكرون الإعادة والبعث لم يُلتفت إلى ذلك الإنكار، لظهور
стр. 9300
أدلته، فلم يبق لهم عذر فيه، وبعد أن وضح الدليل على نفي الشريك بكَّتهم وقال: ﴿أَإِلَهٌ﴾؛ أي: هل إله آخر كائن ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ يفعل هذا حتى يُجعل شريكًا له.
وبعد (١) أن ذكر البرهان تلو البرهان، وأوضح الحق حتى صار كفلق الصبح .. زاد في التهكم بهم، والإنكار عليهم، والتسفيه لعقولهم، فأمر رسوله أن يطلب منهم البرهان على صدق ما يدَّعون، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ وحجتكم عقليًا أو نقليًا بما يدل على أن معه تعالى إلهًا آخر، والبرهان أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: في تلك الدعوى.
فائدة (٢): قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ذُكر هنا في خمسة مواضع متوالية، وختم الأول بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، والثانية بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، والثالثة بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، والرابعة بقوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ والخامسة بقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ومعناه: أي عدلوا، وأول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا، ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال، فأشركوا من غير حجة وبرهان، قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
٦٥ - ثم بيَّن تعالى تفرده بعلم الغيب تكميلًا لما قبله من اختصاصه بالقدرة التامة، وتمهيدًا لما بعده من أمر البعث، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لكافة الناس تعليما لهم ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾؛ أي: لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن الغيب الذي استأثر الله بعلمه، كوقت قيام الساعة، ونزول المطر، وبأي أرض تموت النفس، وماذا تكسب غدًا، فـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، و ﴿الْغَيْبَ﴾ مفعوله، ولفظ الجلالة في قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، والاستثناء
стр. 9301
منقطع؛ أي: لكن الله سبحانه يعلمه؛ لأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض. ورفع (١) بعد إلا مع كون الاستثناء منقطعًا، هو على اللغة التميمية، كما في قولهم: إلا اليعافير وإلا العيس، وقيل إن فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ ما بعد ﴿إِلَّا﴾، وهو لفظ الجلالة، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مفعوله مقدم على الفاعل، و ﴿الْغَيْبَ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾؛ أي: لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا الله؛ أي: لا يعلم الأشياء التي تحدث في السماوات والأرض الغائبة عنا إلا الله تعالى.
والحاصل (٢): أن الله سبحانه يقول آمرًا رسوله ﷺ : أن يُعلم جميع خلقه أنه لا يعلم الغيب أحد من أهل السماوات والأرض، بل الله وحده هو الذي يعلم ذلك، كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية.
والمراد بالغيب: الشؤون التي تتعلق بأمور الآخرة وأحوالها، وشؤون الدنيا التي لا تقع تحت حسِّنا، وليست في مقدورنا، وعن مسروق عن عائشة ﵂، أنها قالت: مَن زعم أن النبي ﷺ يعلم ما يكون في غد فقد أعظم الفرية على الله؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ثم ذكر بعض ذلك فقال: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يشعر من في السماوات من الملائكة، ولا من في الأرض من الإنس والجن، ولا يعلمون ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: متى ينشرون من قبورهم لقيام الساعة، والله سبحانه تفرد بعلم ذلك؛ أي: وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة، كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾؛ أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض فلا يشعرون بها، بل تأتيهم بغتة، فـ ﴿أَيَّانَ﴾ (٣) مركبة من أي واَن، فأي للاستفهام، وآن بمعنى الزمان، فلما ركبا
стр. 9302
وجُعلا اسمًا واحدًا بنت على الفتح كبعلبك.
وقرأ السلمي (١): ﴿إيان﴾ بكسر الهمزة، وهي لغة قبيلته بني سليم، وهي منصوبة بـ ﴿يبعثون﴾، ومعلقة ليشعرون، فتكون وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض؛ أي: وما يشعرون بوقت بعثهم، ومعنى أيان معنى متى.
٦٦ - ثم أكد (٢) جهلهم بهذا اليوم بقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾؛ أي: بل انتهى وانقطع وانعدم ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: علمهم بالآخرة، فـ ﴿فِي﴾ بمعنى الباء، والضمير للكفرة؛ أي: انعدم علمهم بالآخرة، وتبين عجزهم عن معرفة وقتها، فلم يكن لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعًا، مع توافر أسباب العلم من الأدلة العقلية والنقلية، وليس المراد أنه كان لهم علم بوقتها على الحقيقة، فانتفى شيئًا فشيئًا، بل المراد أن أسباب العلم ومبادئه من الدلائل العقلية والنقلية ضعفت في اعتبارهم وفكرهم شيئًا فشيئًا كلما تأملوا فيها، حتى لم يعد لها قيمة وكأن لم تكن.
ثم انتقل من وصفهم بالجهل بميقاتها إلى الحيرة في الآخرة نفسها، أتكون أولًا تكون، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾؛ أي: بل هم اليوم في الدنيا في حيرة عظيمة من تحققها ووجودها، أكائنة هي أم غير كائنة، كمن يحار في الأمر لا يجد عليه دليلًا، فضلًا عن تصديق ما سيحدث فيها من شؤون أخبرت عنها الكتب السماواية، كالثواب والعقاب والنعيم والعذاب والأهوال التي لا يُدرك كنهها العقل.
ثم ارتقى من وصفهم بالشك في أمرها إلى وصفهم بالعمى واختلال البصيرة، بحيث لا يدركون الدلائل التي تدل على أنها كائنة لا محالة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾؛ أي: بل هم في عماية وجهل عظيم من أمرها، وعن كل ما يوصلهم إلى الحق في شأنها، والنظر في دلائلها، فلا يُدركون شيئًا من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك.
стр. 9303
وقيل: معنى ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (١) اجتمع علمهم واتفق على أن الآخرة لا تكون ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: الكفرة ﴿فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾؛ أي: من قيام الساعة ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: من قيام الساعة ﴿عَمُونَ﴾ عمي لا يبصرون.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ أصله تدارك فادغمت التاء في الدال فسكنت، فاجتلبت همزة الوصل ليمكن الابتداء بالساكن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وحُميد وأهل مكة: ﴿بل أدارك﴾ على وزن أفعل، بمعنى تفاعل، ورُويت هذه القراءة عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ أبي: ﴿أم تدارك﴾ على الأصل، وجعل ﴿أم﴾ بدل ﴿بل﴾ وقرأ سليمان بن يسار وأخوه عطاء بن يسار والأعمش: ﴿بل ادارك﴾ بنقل الهمزة إلى اللام وشد الدال، بناء على أن وزنه افتعل، فأُدغم الدال، وهي فاء الكلمة في التاء بعد قلبها دالًا فصار قلب الثاني للأول، لقولهم: اتَّرَدَ، وأصله اشتَرَدَ من الشَّرْد، والهمزة المحذوفة المنقول حركتها إلى اللام هي همزة الاستفهام، أُدخلت على ألف الوصل، فانحذفت ألف الوصل، ثم انحذفت هي، وألقيت حركتها على لام بل.
وقرأ أبو رجاء والأعرج وشيبة وطلحة وتوبة العنبري وابن عباس والأعمش وعاصم: ﴿بل إدارك﴾ بكسر لام بل وإثبات الياء بعدها وبهمزة قطع.
وقرأ عبد الله في رواية وابن عباس في رواية، وابن أبي جمرة وغيره عنه والحسن وقتادة وابن محيصن: ﴿بل آدرك﴾ بمدة بعد همزة الاستفهام، أصله أأدرك، فقلبت الثانية ألفا تخفيفًا كراهة الجمع بين همزتين، وأنكر أبو عمرو ابن العلاء هذه القراءة، ووجهها، وقال أبو حاتم: لا يجوز الاستفهام بعد بل؛ لأن بل إيجاب والاستفهام في هذا الموضع إنكار، بمعنى لم يكن، فلا يصح وقوعهما معًا للتنافي الذي بين الإيجاب والإنكار انتهى.
وقرأ مجاهد: ﴿أم أدرك﴾ جعل ﴿أم﴾ بدل ﴿بل﴾ وأدرك على وزن أفعل، وقرأ ابن عباس أيضًا: ﴿بل ادارك﴾ بهمزة داخلة على أدَّارك، فيسقط
стр. 9304
همزة الوصل المجتلبة لأجل الإدغام والنطق بالساكن، وقرأ ابن مسعود أيضًا: ﴿بل أأدرك﴾ بهمزتين، همزة الاستفهام وهمزة أفعل، وقرأ الحسن أيضًا والأعرج: ﴿بل ادّرك﴾ بهمزة وإدغام فاء الكلمة، وهي الدال في تاء افتعل بعد صيرورة التاء دالًا، وقرأ ورش في رواية: ﴿بل ادرك﴾ بحذف همزة ادرك، ونقل حركتها إلى اللام، وقرأ ابن عباس أيضًا: ﴿بلى ادرك﴾ بحرف الإيجاب الذي يوجب به المستفهم المنفي، وقرىء: ﴿بل أأدرك﴾ بألف بين الهمزتين.
فأما قراءة من قرأ بالاستفهام فقال ابن عباس: هو للتقريع بمعنى لم يُدرك علمهم على الإنكار عليهم، وقال الزمخشري: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك قراءة من قرأ ﴿أم أدرك﴾ و ﴿أم تدارك﴾؛ لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة، وأما قراءة من قرأ على الخبر فقال ابن عباس: المعنى بل تدارك علمهم ماجهلوه في الدنيا؛ أي: علموه في الآخرة، بمعنى: تكمل علمهم في الآخرة، بأن كل ما وُعدوا به حق، وهذا حقيقة إثبات العلم لهم، لمشاهدتهم عيانًا في الآخرة ما وُعدوا به في الدنيا غيبًا، وكونه بمعنى المضي، ومعناه الاستقبال؛ لأن الإخبار به صدق، فكأنه قد وقع.
قال الزمخشري (١): فإن قلت: هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟
قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولًا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يتحنبطون في شك ومرية، فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة، وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه فلذلك عدَّاه بمن دون عن؛ لأن العاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يبصرون، انتهى.
فائدة: قال سهل بن عبد الله التستري ﵀ (٢): ما عصى الله أحد بمعصية أشد من الجهل، قيل: يا أبا محمد هل تعرفُ شيئًا أشد من الجهل؟ قال: نعم الجهل بالجهل، فالجهل جهلان: جهل بسيط، هو سلب العلم، وجهل
стр. 9305
مركب هو خلافه، والأول ضعيف، والثاني قوي لا يزول إلا أن يتداركه الله تعالى. قيل:
سَقَامُ الْحِرْصِ لَيْسَ لَهُ شِفَاءٌ ... وَدَاءُ الْجَهْل لَيْسَ لَهُ طَبِيْبُ
وقيل أيضًا:
وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لأهْلِهِ ... وَأجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُوْرِ قُبُوْرُ
وإنَّ أمْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حِيْنَ النُّشُوْرِ نُشُوْرُ
٦٧ - ولما ذكر الله سبحانه أن المشركين في شك من البعث، وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبههم، وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم ترابًا، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مشركو مكة ﴿أ﴾ نخرج من قبورنا ﴿إِذَا كُنَّا﴾ وصرنا ﴿تُرَابًا﴾ وعظامًا رميمًا ﴿وَآبَاؤُنَا﴾ معطوف على ضمير ﴿كُنَّا﴾ بلا تأكيد لفصل ترابًا بينهما، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، هو العامل في إذا كما قدرنا، وكذا في قوله: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والضمير في ﴿أَئِنَّا﴾ شامل لهم ولآبائهم لأن كونهم ترابًا يتناولهم وآباءهم، والعامل في إذا ما دل عليه ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ وهو نخرَج، كما قدرنا آنفًا، لا مخرجون؛ لأن كلًّا من الهمزة وإنا واللام مانع من عمله فيما قبلها، وتكرير الهمزة للمبالغة في الإنكار، وتقييد الإنكار بوقت كونهم ترابًا لتقويته بتوجيهه إلى الإخراج في حالة منافية له، وإلا فهم منكرون للإحياء بعد الموت مطلقًا؛ أي: سواء كانوا ترابًا أو لا.
والعني: أنخرج نحن وآباؤنا من القبور إذا صرنا ترابًا وعظامًا رفاتًا، لا والله
٦٨ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾ الإخراج من القبور كما كنا أول مرة ﴿نَحْنُ﴾ وتقديم الموعود على نحن؛ لأنه المقصود بالذكر، وحيث أخر - كما في سورة المؤمنون - قصد به المبعوث، ﴿وَآبَاؤُنَا﴾ معطوف على ضمير ﴿وُعِدْنَا﴾، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل وعد محمد إياه، يعني إن آباءنا وُعدوا به في الأزمنة المتقدمة ثم لم يبعثوا، ولن يبعثوا.
стр. 9306
﴿إِنْ هَذَا﴾: ما هذا الوعد ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أحاديثهم العاطلة، وأكاذيبهم الباطلة التي سطروها وكتبوها كذابًا، مثل أحاديث رستم وإسفنديار، والأساطير الأحاديث التي ليس لها حقيقة ولا نظام، والمعنى، أي: ما هذا الذي تعدنا يا محمد إلا أحاديث الأولين التي لا حقيقة لها.
وعبارة الخطيب هنا (١): والله لقد وُعدنا هذا؛ أي: الإخراج من القبور كما كنا أول مرة نحن وآباؤنا من قبل؛ أي: من قبل محمد، فقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له، فكأنه قيل: فما الفائدة المرادة به، فقالوا: إن هذا إلا أساطير الأولين؛ أي: أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها ولا حقيقة لها.
فإن قيل: لِمَ قدم في هذه الآية ﴿هَذَا﴾ على ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾، وفي سورة المؤمنون قدم ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ على ﴿هَذَا﴾؟
أجيب: بأن التقديم دليل على أن المقدم في كل موضع هو المعني بالذكر، وأن الكلام إنما سيق لأجله، ففي هذه الآية دليل على أن إيعاد البعث والإخراج هو الذي قُصد بالكلام، وفي آية المؤمنون دليل على أن إيعاد المبعوث بذلك الصدد، انتهت.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢): ﴿أئذا﴾ ﴿أئنا﴾ بالجمع بين الاستفهامين، وقلب الثانية ياء، وفصل أبو عمرو بينهما بألف، وقرأ عاصم وحمزة بهمزتين، وقرأ نافع ﴿إذا﴾ بهمزة مكسورة، و ﴿أينا﴾ بهمزة الاستفهام، وقلب الثانية ياء وبينهما مدة، وقرأ الباقون: ﴿أئذا﴾ باستفهام ممدودًا، ﴿إننا﴾ بنونين من غير استفهام، ورجَّح أبو عبيد قراءة نافع، وردَّ على من جمع بين استفهامين.
٦٩ - ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يُرشدهم إلى وجه الصواب، مع التهديد والوعيد، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الأنباء من عند ربك ﴿سِيرُوا﴾ وامشوا أيها المكذبون المنكرون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض
стр. 9307
من كان قبلكم من المكذبين وديارهم، مثل الحجر والأحقاف والمؤتفكات ونحوها، ﴿فَانْظُرُوا﴾ بأبصاركم، وفكروا بقلوبكم ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: آخر أمر المكذبين لرسلهم بسبب التكذيب، حيث أهلكوا بأنواع العذاب؛ أي: فانظروا كيف كانت هي، ألم يخربها الله تعالى، ويهلك أهلها بتكذيبهم رسلهم، وردهم عليهم نصائحهم، فخلت منهم الديار، وعفت عنهم الرسوم والآثار، وكان ذلك عاقبة إجرامهم، وتلك سنة الله في كل من سلك سبيلهم في تكذيب رسله، وفيه تهديد لهم على التكذيب، وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم، إن داموا على التكذيب، ولم يبادروا إلى الإنابة من كفرهم وتكذيبهم رسوله.
والمعنى (١): فانظروا كيف كان آخر أمر المنكرين للبعث، المكذبين للرسل فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وهو هلاكهم بالعذاب الدنيوي؛ لأن في مشاهدة ذلك ما فيه كفاية لمن اعتبر.
٧٠ - ثم سلى رسوله ﷺ على ما وقع منهم من الإصرار على الكفر فقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على ما وقع لهم فيما مضى من تكذيبهم لك، وإصرارهم على كفرهم؛ لأنهم خُلقوا لهذا، وليس النهي عن تحصيل الحزن؛ لأن الحزن ليس يدخل تحت اختيار الإنسان، فالنهي في الحقيقة إنما هو عن تعاطي ما يورث الحزن واكتسابه.
﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ وحرج وغم ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ في المستقبل؛ أي: من مكرهم وكيدهم، وتدبيرهم الحيل في إهلاكك، ومنع الناس عن دينك، فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، والله يعصمك من الناس، ويُظهر دينك على من خالفك في المشارق والمغارب.
وقرأ ابن كثير: ﴿ضَيْقٍ﴾ بكسر الضاد، وغيره بفتحها، يقال: ضاق الشيء ضَيقًا بالفتح، وضيقًا بالكسر، قرىء بهما، وهما لغتان، قال ابن السكيت: يقال:
стр. 9308
في صدر فلان ضيق وضيق، وهو ما تضيق عنه الصدور.
٧١ - ثم أشار إلى أنهم لم يقصروا إنكارهم على الساعة، بل كان إنكارهم لغيرها من عذاب الله أشد بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول مشركو قريش المكذبون بما أتيتهم به من عند ربك ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: متى يكون هذا العذاب الذي تعدنا به ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إخباركم بإتيانه، والجمع باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك.
٧٢ - ثم أمر رسول الله ﷺ أن يجيبهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المستعجهلين حلول العذاب ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: أترجى أن يكون الشأن ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾؛ أي: تبعكم ولحقكم، وقرب منكم قرب الرديف من مردفه، واللام زائدة ﴿بَعْضُ﴾ العذاب ﴿الَّذِي﴾ حلوله بكم، فحل بهم عذاب يوم بدر، وسائر العذاب لهم مدخر ليوم البعث.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم، فتكون اللام زائدة للتأكيد، أو بمعنى اقترب لكم ودنا منكم، فتكون غير زائدة، والمراد به ما حل بهم يوم بدر من النكال والوبال، وقيل هو عذاب القبر؛ أي: عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ذلك.
قال صاحب "الكشاف": عسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم تدل على صدق الأمر وجده، وما لا مجال للشك بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإذلالهم بقهرهم وغلبتهم، وتوقعهم أن عدوهم لا يفوتهم، وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، وهي كالتصريح من غيرهم، وعلى ذلك جرى وعد الله سبحانه ووعيده اهـ.
وقرأ الجمهور (١): ﴿ردِف﴾ بكسر الدال، وقرأ الأعرج: ﴿ردَف لكم﴾ بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر، وقرأ ابن عباس: ﴿أزف لكم﴾
стр. 9309
٧٣ - ثم بين سبحانه السبب في ترك تعجيل العذاب، فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾؛ أي: إفضال وإنعام ﴿عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: على كافة الناس، ومن جملة إنعاماته تأخير عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي التي من جملتها استعجال العذاب، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يعرفون حق النعمة، فلا يشكرون فضله وإنعامه عليهم.
والمعنى: أي وإن ربك لهو المنعم المتفضل على الناس جميعًا، بتركه المعاجلة بالعقوبة على المعصية والكفر، ولكن أكثرهم لا يعرفون حق فضله عليهم، فلا يشكره إلا القليل منهم، وفيه (١) إشارة إلى أن استعجال منكري البعث في طلب العذاب الموعود لهم من غاية جهلهم بحقائق الأمور، وإلا فقد ردفهم أنموذج من العذاب الأكبر، وهو العذاب الأدنى من البليات والمحن.
٧٤ - ثم بيَّن أنه مطلع على ما في صدورهم، فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ وتُخفي وتستر ﴿صُدُورُهُمْ﴾ وقلوبهم من الخواطر ﴿و﴾ يعلم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: ما يظهرون لغيرهم من الأقوال والأفعال، التي من جملتها ما حُكي عنهم من إستعجال العذاب، وفيه إيذان بأن لهم قبائح غير ما يظهرونه، وأنه تعالى يجازيهم.
والمعنى: أي وإن ربك يعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر، كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
وقصارى ذلك: أنه يعلم ما يخفون من عداوة الرسول ومكايدهم له، وما يعلنون، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم بذلك.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَا تُكِنُّ﴾ بضم التاء من أكن الشيء إذا أخفاه، وقرأ ابن محيصن وحميد وابن السميقع: - بفتح التاء وضم الكاف - من كنَّ الشيء من باب نصر، يقال: كننته بمعنى سترته وأخفيت أثره.
стр. 9310
٧٥ - ثم ذكر أن كل ما يحصل في الوجود فهو محفوظ في اللوح المحفوظ، فقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾؛ أي: وما من شيء غائب، وأمر يغيب عن الخلق، فالتاء فيه للمبالغة كتاء علَّامة، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا﴾ وهو مكتوب محفوظ ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: مظهر حافظ للكائنات، وهو اللوح المحفوظ، أو كتاب ظاهر واضح لمن ينظر إليه من الملائكة.
والمعنى: أي وما من أمر مكتوم، وسر خفي يغيب عن الناظرين في السماء، أو في الأرض إلا وهو مثبت في أم الكتاب، الذي أثبت ربنا فيه كل ما هو كائن من ابتداء الخلق إلى يوم القيامة، وهو بيِّن لمن نظر إليه، وقرأ ما فيه مما أثبته ربنا جلت قدرته، ونحو الآية قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.
وقال الزمخشري (١): سميِّ الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة، وخافية، فكانت التاء فيهما بمنزلتها في العاقبة والعافية، ونظيرهما النطيحة والذبيحة، والرمية في أنها أسماء غير صفات، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة، كالراوية والداعية، كما في قولهم: ويل للشاعر من راوية السوء، كأنه قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى وأحاط به، وأثبته في اللوح المبين الظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة انتهى.
والخلاصة: أي وما من خافية فيهما إلا في لوح محفوظ ظاهر لمن يطالعه من الملائكة، ومن جملة ذلك ما يستعجلونه من العذاب، فإنه مؤقت بوقت، ومؤجل بأجل، علمه عند الله سبحانه، فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له.
ثم إنه ينبغي للمؤمن أن يكون سليم الصدر، ولا يجعل في نفسه حقدًا وحسدًا وعداوة لأحد، والنصيحة في هذا للعقلاء أن لا يصيخوا إلى الواشي والنمام، والغيَّاب والعياب، فإن عرض المؤمن كدمه، ولا ينبغي إساءة الظن في حق المؤمن بأدنى سبب. وقد ورد: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها".
стр. 9311
الإعراب
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾.
﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا عن خبرها، والتقدير: فما كان جواب قومه إلا قولهم: أخرجوا آل لوط، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَخْرِجُوا﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿أُنَاسٌ﴾: خبره، وجملة ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾: صفة لـ ﴿أُنَاسٌ﴾ وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معللة للإخراج.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف؛ تقديره: فخرج لوط من قريتهم بأهله فأنجيناه. ﴿أنجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: معطوف على الهاء، أو مفعول معه، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿امْرَأَتَهُ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿امْرَأَتَهُ﴾؛ أي: حالة كونها مقدرًا كونها من الغابرين. ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَمْطَرْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَنْجَيْنَاهُ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿مَطَرًا﴾: مفعول به ﴿فَسَاءَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿سَاءَ﴾ فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَمْطَرْنَا﴾، أو مستأنفة مسوقة لإنشاء الذم.
стр. 9312
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.
﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة مسوقة لأمر رسوله ﷺ بحمده تعالى، وبالسلام على المصطفين الأخيار من خلقه، وكان هذا الحمد براعة استهلال؛ لما سيلقيه من البواهين والدلائل على الوحدانية والعلم والقدرة التي سيسرد ذكرها، وذلك بعد أن فرغ من قصص هذه السورة الخمس؛ ليكون نموذجًا يتأسى به كل كاتب وخطيب، ويحتذي به في كل علم مفاد. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ، ﴿لِلَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿وَسَلَامٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء. ﴿عَلَى عِبَادِهِ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿الْحَمْدُ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿عِبَادِهِ﴾، ﴿اصْطَفَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: اصطفاهم الله سبحانه. ﴿آللَّهُ﴾ الهمزة: للاستفهام، يُطلب بها وبـ ﴿أَمَّ﴾ تعيين أحد الشيئين، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿أَمْ﴾: عاطفة متصلة لتوفر شروطها، وهو تقدم همزة الاستفهام عليها، ودخولها على المفرد ﴿مَا﴾: اسم موصول معطوف على الجلالة. ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: أي أم الأصنام التي يشركونها به تعالى، وقيل: ﴿مَا﴾: مصدرية، والكلام حينئذٍ على حذفه مضاف من الأول؛ أي: توحيد الله خير أم شرككم. اهـ "سمين".
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
﴿أَمَّنْ﴾: ﴿أم﴾ منقطعة بمعنى همزة التقرير، أو التوبيخ، وبل الإضرابية لعدم شرط كونها متصلة، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره؛ أمن خلق السماوات والأرض خير أم ما يشركون، والجملة الاسمية في محل النصب
стр. 9313
معطوفة على جملة قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ على كونها مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿وَأَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر معطوف على ﴿خَلَقَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: حال من ﴿مَاءً﴾ أو متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ أيضًا، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾ على طريق الالتفات، كما سيأتي في مبحث البلاغة، ﴿بِهِ﴾ متعلقان به، ﴿حَدَائِقَ﴾: مفعول به، ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: صفة لـ ﴿حَدَائِقَ﴾، وسوَّغ إفراده كون المنعوت جمع كثرة لما لا يعقل.
﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَكُمْ﴾: خبرها، مقدم على اسمها، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تُنْبِتُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بحذف النون، ﴿شَجَرَهَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا، والتقدير: ما كان إنبات شجرها كائنًا لكم، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿حَدَائِقَ﴾، أو حال منها لتخصصها بالصفة ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿إلَهٌ﴾ مبتدأ، سوَّغ الابتداء بالنكرة تقدم الاستفهام عليه، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: هل إله آخر كائن مع الله سبحانه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وانتقال من تبيكتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوء حالهم، ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾: مبتدأ وخبر، وجملة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة معترضة بين المقولات.
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾: ﴿أم﴾: منقطعة، ﴿مَّنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: خير أما يشركون؟ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة صلة لـ ﴿مَّنْ﴾ الموصولة. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿جَعَلَ﴾
стр. 9314
الأول، ﴿خِلَالَهَا﴾ ظرف مكان في محل المفعول الثاني، ﴿أَنْهَارًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول، ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿رَوَاسِيَ﴾: مفعول أول له. ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول. ﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾: ظرف في محل المفعول الثاني. ﴿حَاجِزًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَل﴾. ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿أَإِلَهٌ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وانتقال. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة معترضة بين المقولات.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: منقطعة، بمعنى همزة الاستفهام وبل الإضرابية، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: خير، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. و ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، صلة الموصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يُجِيبُ﴾. ﴿دَعَاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْمُضْطَرَّ﴾، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والتقدير: أمن يجيب المضطر وقت دعوته إياه؟ ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يُجِيبُ﴾. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول أول. ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُجِيبُ﴾. ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام، ﴿إِلَهٌ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، منصوب بما بعده؛ أي تذكرًا قليلًا، أو لوقت محذوف، و ﴿مَا﴾: زائدة؛ زيدت لتأكيد القلة، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجمل في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾.
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
стр. 9315
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: منقطعة، ﴿مَن﴾: مبتدأ خبره محذوف؛ أي: أمن يهديكم خير أما يشركون؟ والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿يَهْدِيكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَهْدِيكُمْ﴾، ﴿وَالْبَحْرِ﴾: معطوف على ﴿الْبَرِّ﴾، ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على ﴿مَنْ﴾ الأول، ﴿يُرْسِلُ﴾: فعل وفاعل مستتر، صلة الموصول، ﴿الرِّيَاحَ﴾: مفعول به، ﴿بُشْرًا﴾: حال من ﴿الرِّيَاحَ﴾، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُرْسِلُ﴾. ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿إله﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة معترضة، ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تَعَالَى﴾، ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والعائد محذوف؛ والتقدير: تعالى الله سبحانه عن الأصنام التي يشركونها به.
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: منقطعة، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: خير، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يَبْدَؤا﴾. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول معطوف على ﴿مَّنْ﴾ الأول، ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر ومفعول به صلة الموصول، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾، ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿أَإِلَهٌ﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط،