الإعراب
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾.
﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا عن خبرها، والتقدير: فما كان جواب قومه إلا قولهم: أخرجوا آل لوط، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَخْرِجُوا﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿أُنَاسٌ﴾: خبره، وجملة ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾: صفة لـ ﴿أُنَاسٌ﴾ وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معللة للإخراج.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف؛ تقديره: فخرج لوط من قريتهم بأهله فأنجيناه. ﴿أنجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: معطوف على الهاء، أو مفعول معه، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿امْرَأَتَهُ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿امْرَأَتَهُ﴾؛ أي: حالة كونها مقدرًا كونها من الغابرين. ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَمْطَرْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَنْجَيْنَاهُ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿مَطَرًا﴾: مفعول به ﴿فَسَاءَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿سَاءَ﴾ فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَمْطَرْنَا﴾، أو مستأنفة مسوقة لإنشاء الذم.
стр. 9312
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.
﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة مسوقة لأمر رسوله ﷺ بحمده تعالى، وبالسلام على المصطفين الأخيار من خلقه، وكان هذا الحمد براعة استهلال؛ لما سيلقيه من البواهين والدلائل على الوحدانية والعلم والقدرة التي سيسرد ذكرها، وذلك بعد أن فرغ من قصص هذه السورة الخمس؛ ليكون نموذجًا يتأسى به كل كاتب وخطيب، ويحتذي به في كل علم مفاد. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ، ﴿لِلَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿وَسَلَامٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء. ﴿عَلَى عِبَادِهِ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿الْحَمْدُ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿عِبَادِهِ﴾، ﴿اصْطَفَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: اصطفاهم الله سبحانه. ﴿آللَّهُ﴾ الهمزة: للاستفهام، يُطلب بها وبـ ﴿أَمَّ﴾ تعيين أحد الشيئين، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿أَمْ﴾: عاطفة متصلة لتوفر شروطها، وهو تقدم همزة الاستفهام عليها، ودخولها على المفرد ﴿مَا﴾: اسم موصول معطوف على الجلالة. ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: أي أم الأصنام التي يشركونها به تعالى، وقيل: ﴿مَا﴾: مصدرية، والكلام حينئذٍ على حذفه مضاف من الأول؛ أي: توحيد الله خير أم شرككم. اهـ "سمين".
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
﴿أَمَّنْ﴾: ﴿أم﴾ منقطعة بمعنى همزة التقرير، أو التوبيخ، وبل الإضرابية لعدم شرط كونها متصلة، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره؛ أمن خلق السماوات والأرض خير أم ما يشركون، والجملة الاسمية في محل النصب
стр. 9313
معطوفة على جملة قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ على كونها مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿وَأَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر معطوف على ﴿خَلَقَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: حال من ﴿مَاءً﴾ أو متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ أيضًا، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾ على طريق الالتفات، كما سيأتي في مبحث البلاغة، ﴿بِهِ﴾ متعلقان به، ﴿حَدَائِقَ﴾: مفعول به، ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: صفة لـ ﴿حَدَائِقَ﴾، وسوَّغ إفراده كون المنعوت جمع كثرة لما لا يعقل.
﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَكُمْ﴾: خبرها، مقدم على اسمها، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تُنْبِتُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بحذف النون، ﴿شَجَرَهَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا، والتقدير: ما كان إنبات شجرها كائنًا لكم، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿حَدَائِقَ﴾، أو حال منها لتخصصها بالصفة ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿إلَهٌ﴾ مبتدأ، سوَّغ الابتداء بالنكرة تقدم الاستفهام عليه، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: هل إله آخر كائن مع الله سبحانه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وانتقال من تبيكتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوء حالهم، ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾: مبتدأ وخبر، وجملة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة معترضة بين المقولات.
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾: ﴿أم﴾: منقطعة، ﴿مَّنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: خير أما يشركون؟ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة صلة لـ ﴿مَّنْ﴾ الموصولة. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿جَعَلَ﴾
стр. 9314
الأول، ﴿خِلَالَهَا﴾ ظرف مكان في محل المفعول الثاني، ﴿أَنْهَارًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول، ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿رَوَاسِيَ﴾: مفعول أول له. ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول. ﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾: ظرف في محل المفعول الثاني. ﴿حَاجِزًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَل﴾. ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿أَإِلَهٌ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وانتقال. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة معترضة بين المقولات.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: منقطعة، بمعنى همزة الاستفهام وبل الإضرابية، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: خير، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. و ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، صلة الموصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يُجِيبُ﴾. ﴿دَعَاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْمُضْطَرَّ﴾، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والتقدير: أمن يجيب المضطر وقت دعوته إياه؟ ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يُجِيبُ﴾. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول أول. ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُجِيبُ﴾. ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام، ﴿إِلَهٌ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، منصوب بما بعده؛ أي تذكرًا قليلًا، أو لوقت محذوف، و ﴿مَا﴾: زائدة؛ زيدت لتأكيد القلة، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجمل في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾.
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
стр. 9315
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: منقطعة، ﴿مَن﴾: مبتدأ خبره محذوف؛ أي: أمن يهديكم خير أما يشركون؟ والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿يَهْدِيكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَهْدِيكُمْ﴾، ﴿وَالْبَحْرِ﴾: معطوف على ﴿الْبَرِّ﴾، ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على ﴿مَنْ﴾ الأول، ﴿يُرْسِلُ﴾: فعل وفاعل مستتر، صلة الموصول، ﴿الرِّيَاحَ﴾: مفعول به، ﴿بُشْرًا﴾: حال من ﴿الرِّيَاحَ﴾، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُرْسِلُ﴾. ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿إله﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة معترضة، ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تَعَالَى﴾، ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والعائد محذوف؛ والتقدير: تعالى الله سبحانه عن الأصنام التي يشركونها به.
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾: منقطعة، ﴿مَّنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: خير، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يَبْدَؤا﴾. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول معطوف على ﴿مَّنْ﴾ الأول، ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر ومفعول به صلة الموصول، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾، ﴿أَإِلَهٌ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿أَإِلَهٌ﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط،
стр. 9316
﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿صَادِقِينَ﴾: خبره، وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿الْغَيْبَ﴾: مفعول به، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: لكن الله يعلم ذلك، والجملة الاستدراكية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ويصج أن تكون ﴿مَنْ﴾: في محل نصب مفعولًا به، ﴿الْغَيْبَ﴾: بدل اشتمال منها، ﴿الله﴾: فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾. والمعنى: قل لا يعلم الأشياء التي تحدث في السماوات والأرض الغائبة عنا إلا الله تعالى. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿يَشْعُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا يَعْلَمُ﴾، ﴿أَيَّانَ﴾: اسم استفهام بمعنى متى، في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يُبْعَثُونَ﴾، وهي معلقة لـ ﴿يَشْعُرُونَ﴾ عن العمل فيما بعدها، ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.
﴿بَلِ﴾: حرف إضراب انتقالي، ﴿ادَّارَكَ﴾: فعل ماض بمعنى انعدم واضمحل، ﴿عِلْمُهُمْ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿ادَّارَكَ﴾، أو بـ ﴿عِلْمُهُمْ﴾، وادارك وإن كان ماضيا لفظا فهو مستقبل معنى؛ لأنه كان حتما، كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِي شَكٍّ﴾: خبر، ﴿مِنْهَا﴾: صفة لـ ﴿شَكٍّ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿بَلْ﴾:
стр. 9317
حرف إضراب انتقالي أيضًا، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿عَمُونَ﴾: خبر، والجملة مستأنفة، والأصل عميون، استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الميم بعد حذف كسرتها فالتقى ساكنان، فحذفت الياء فصار ﴿عَمُونَ﴾، كما سيأتي.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿أَإِذَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، تقديره: أنخرج من قبورنا إذا كنا ترابًا، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط متعلق بنخرج المحذوف، لا بمخرجون؛ لأن ما بعد الهمزة وإن واللام لا يعمل فيما قبلها، ﴿كُنَّا تُرَابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿وَآبَاؤُنَا﴾: معطوف على اسم ﴿كان﴾ لوجود الفصل بـ ﴿تُرَابًا﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، تقديره: أنخرج من قبورنا وقت كوننا ترابًا وأباؤنا؟، لا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَئِنَّا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿إنا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿مُخْرَجُونَ﴾: خبر إن، وهذه الجملة مع استفهامها مؤكدة للجملة التي قبلها، ﴿لَقد﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿وُعِدْنَا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿هَذَا﴾: مفعول ثان لـ ﴿وُعِدْنَا﴾، ﴿نَحْنُ﴾: تأكيد لضمير ﴿وُعِدْنَا﴾، ﴿وَآبَاؤُنَا﴾ معطوف عليه، وجاز العطف عليه بوجود الفصل بالضمير المنفصل والمفعول الثاني، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وُعِدْنَا﴾، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَسَاطِيرُ﴾: خبر المبتدأ، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة،
стр. 9318
﴿سِيرُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿فَانْظُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سِيرُوا﴾، ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها للزومه الصدارة، ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾، علق عنها باسم الاستفهام. ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَحْزَنْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قُلْ﴾، ﴿وَلَا تَكُنْ﴾: جازم وفعل ناقص مجزوم، معطوف على ﴿لَا تَخزَنْ﴾ واسمها ضمير يعود على محمد، ﴿فِي ضَيْقٍ﴾: خبرها، ﴿مِمَّا﴾ ﴿من﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، وجملة ﴿يَمْكُرُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، الجار والمجرور صفة لـ ﴿ضَيْقٍ﴾؛ أي: في ضيق كائن من مكرهم.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجله مستأنفة، ﴿مَتَى﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف خبر مقدم لـ ﴿هَذَا﴾ و ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿الْوَعْدُ﴾: بدل منه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿وَيَقُولُونَ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين فمتى هذا الوعد، والجملة الشرطية في محل النصب مقول ﴿وَيَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على النبي، والجملة مستأنفة، ﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، يرفع الاسم، وينصب الخبر، واسمها ضمير مستتر فيه، تقديره: هو، يعود على الشأن، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿يَكُونَ﴾: فعل ناقص منصوب بـ ﴿أن﴾، واسمها ضمير مستتر يعود على الشأن، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: خبر ﴿عَسَى﴾، ﴿رَدِفَ﴾: فعل ماض بمعنى قرب، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، ﴿بَعْضُ﴾:
стр. 9319
فاعل، ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾ صلته، والعائد محذوف. تقديره: بعض الذي تستعجلونه، وجملة ﴿رَدِفَ﴾ في محل النصب خبر ﴿يَكُونَ﴾، والتقدير: عسى أن يكون رديفًا قريبًا لكم بعض العذاب الذي تستعجلونه، وجملة ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: خبر ﴿عَسَى﴾، والتقدير: عسى هو - أي الشأن - كون العذاب الذي تستعجلونه رديفًا قريبًا لكم، وجملة ﴿عَسَى﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: خبره ومضاف إليه، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلٍ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ خبرها، وجملة الاستدراك في محل النصب حال من ﴿النَّاسِ﴾، والتقدير: وإن ربك لذو فضل على الناس حالة كون أكثرهم غير شاكرين له.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَيَعْلَمُ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، و ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يعلم﴾، وجملة ﴿يعلم﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى، ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما تكنه صدورهم. ﴿وَمَا﴾: معطوفة على ﴿مَا﴾ الأولى، وجملة ﴿يُعْلِنُونَ﴾ صلته، والعائد محذوف تقديره: وما يعلنونه، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿غَائِبَةٍ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء، بالنكرة تقدم النفي عليها، ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: صفة لـ ﴿غَائِبَةٍ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر واستثناء مفرغ، ﴿فِي كِتَابٍ﴾: خبر ﴿غَائِبَةٍ﴾، ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿كِتَابٍ﴾
стр. 9320
والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ أي: ينزهون أنفسهم، ويتباعدون عما نفعله، ويزعمون أنه من القاذورات.
﴿قَدَّرْنَاهَا﴾؛ أي: قضينا وحكمنا، ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: الباقين في العذاب، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هذا التأكيد يدل على شدة المطر، وأنه غير معهود.
﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حديقة؛ أي: بستان من أحدق بالشيء إذا أحاط به، ولما كان البستان محوَّطًا بالحيطان سمي حديقة، وإلا فلا يسمى بها، وفي "المصباح": والحديقة البستان يكون عليه حائط، فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها؛ أي: أحاط، ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع الحدائق، وفي "الصحاح": الحديقة كل بستان عليه حائط، ومن أقوالهم: ورد عليَّ كتابك فتنزهت في آنق رياضه وبهجة حدائقه، وقال في "المفردات": الحدائق جمع حديقة، وهي قطعة من الأرض ذات ماء سميت بها تشبيهًا بحدقة العين في الهيثة وحصول الماء فيها، وحدقوا به وأحدقوا أحاطوا به، تشبيهًا لإدارة الحدقة. انتهى.
﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ البهجة حسن اللون، وظهور السرور فيه؛ أي: صاحبة حسن ورونق يبتهج به النظار، وكل موضع ذي أشجار مثمرة محاط عليه فهو حديقة، وكل ما يسر منظره فهو بهجة، و ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ نعت لحدائق. وسوَّغ إفراده كون المنعوت جمع كثرة لما لا يعقل. قال بعضهم:
وَجَمْعُ كَثْرَةٍ لِمَا لاَ يَعْقِلُ ... الأَفْصَحُ الإِفْرَاد فِيْهِ يَا فُلُ
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: قوم عادتهم العدول والميل عن الحق الذي هو التوحيد، والعكوف على الباطل الذي هو الإشراك، أو يعدلون يجعلون له عديلًا، ويثبتون له نظيرًا. قال في "المفردات": قوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ يصح أن
стр. 9321
يكون من قولهم: عدل عن الحق إذا جار عدولًا انتهى، فهم جاروا وظلموا بوضع الكفر موضع الإيمان، والشرك محل التوحيد.
﴿قَرَارًا﴾ أي: مستقرًا؛ أي: دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها، يقال: قر في مكانه يقر قرارًا إذا ثبت ثبوتًا جامدًا، وأصله القر، وهو البرد، لأجل أن البرد يقتضي السكون، والحر يقتضي الحركة.
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ جمع خلل، وهي الفرجة بين الشيئين، نحو خلل الدار، وخلل السحاب ونحوهما، أوساطها.
﴿رَوَاسِيَ﴾ أي: جبالًا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة، يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، قال في "كشف الأسرار": الرواسي جمع الجمع، يقال: جبل راس وجبال راسية، ثم تُجمع الراسية على الرواسي.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾؛ أي: مانعًا معنويًا، وهو القدرة القاهرة، قال في "المفردات": الحجز المنع بين الشيئين بفاصل بينهما، وسمي الحجاز بذلك لكونه حاجزًا بين الشام والبادية، والحاجز هنا المانع الإلهي، إذ ليس هناك حاجزٌ حسي كما هو مشاهد.
﴿الْمُضْطَرَّ﴾ والمضطر هنا اسم مفعول من الاضطرار، وهو المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة. والاضطرار افتعال من الضرورة، أصله المضتر قلبت تاء الافتعال طاء لوقوعها إثر مطبق، وهو الضاد، والضرورة هي الحالة المحوجة إلى اللجاء، والمضطر الذي أحوجته شدة من الشدائد إلى اللجاء والضراعة إلى الله تعالى، كالمرض والفقر والدين والغرق والحبس والجور والظلم وغيرها من نوازل الدهر، فكشفها بالشفاء والإغناء والإنجاء والإطلاق والتخليص. ذكره في "الروح".
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ والسوء كل ما يسوء الإنسان؛ أي: يحزنه سواء كان في نفسه، أو في غيره، كولده أو صديقه أو أهله أو ماله. فذكره بعد الضر، من ذكر العام بعد الخاص. اهـ شيخنا.
стр. 9322
﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ من الخلافة، وهي الملك والتسلط، ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أصله تتذكرون؛ لأنه من باب تفعل الخماسي فأدغمت التاء في الذال، فالذال والتاء مفتوحتان، و ﴿مَا﴾ مزيدة لتقليل القليل، وهو كناية عن العدم بالكلية فالمراد نفي تذكرهم رأسًا. اهـ. شيخنا، وفي "الكرخي": والمعنى: نفي التذكر، والقلة تُستعمل في معنى النفي. اهـ، ﴿مَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: يوجده أول مرة، فالخلق بمعنى المخلوق.
﴿قُلْ هَاتُوا﴾ قال الحريري: تقول العرب للواحد المذكر: هات بكسر التاء، والجمع هاتوا، وللمؤنث هاتي، ولجماعة الإناث هاتين، وللاثنين من المذكر والمؤنث هاتيا دون هاتا، من غير أن يفرقوا في الأمر لهما، كما لم يفرقوا بينهما في ضمير المثنى، في مثل قولك غلامهما، وضربهما، ولا في علامة التثنية التي في قولك: الزيدان والهندان.
وكان الأصل في هات: آت المأخوذ من أتي؛ أي: أعطي، فقُلبت الهمزة هاء كما قُلبت في أرقت الماء، وفي إياك، فقيل: هرقت وهيَّاك. وفي "ملح العرب": أن رجلًا قال لأعرابي: هات. فقال: والله ما أهاتيك؛ أي: ما أعطيك.
﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ والبرهان أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا، ﴿الْغَيْبَ﴾ وهو كل ما غاب عن العباد، كالساعة وأمور الآخرة، ونحوها، ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: متى يحشرون من القبور، فـ ﴿أَيَّانَ﴾ مركبة من أي وآن. فأي للاستفهام، وآن بمعنى الزمان، كما مر في مبحث التفسير.
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ أصله تدارك فابدلت التاء دالًا، وأسكنت للإدغام، واجتُلبت همزة الوصل للابتداء، ومعناه تلاحق وتدارك. قال في "القاموس": جهلوا علمها ولا علم عندهم من أمرها. انتهى، والمراد التتابع في الاضمحلال والفناء، ﴿فِي شَكٍّ﴾؛ أي: في حيرة عظيمة.
﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾؛ أي: جاهلون بحيث لا يكادون يدركون دلائلها لاختلال بصائرهم بالكلية، جمع عم، وهو أعمى القلب، قال في "المفردات":
стр. 9323
العمى يقال: في افتقاد البصر، وافتقاد البصيرة، ويقال في الأول: أعمى، وفي الثاني: عميٌ وعمٍ، وعمى القلب أشد، ولا اعتبار لافتقاد البصر في جنب افتقاد البصيرة، إذ رُب أعمى في الظاهر بصير في الباطن، ورب بصير في الصورة أعمى في الحقيقة، كحال الكفار والمنافقين والغافلين، وعلاج هذا العمى إنما يكون بضده، وهو العلم الذي به يُدرك الآخرة وما تحويه من الأمور. اهـ "الروح"، وأصله عميون استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الميم بعد حذف حركتها.
﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ والأساطير الأحاديث التي ليس لها حقيقة ولا نظام، جمع إسطار وإسطير بالكسر، وأسطور بالضم، وبالهاء في الكل، جمع سطر.
﴿عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ من الإجرام، وأصل الجرم قطع الثمر عن الشجر، والجرامة رديء الثمر المجروم، واستعير لكل اكتساب مكروه، ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وفي "القاموس": ردفه - كسمع ونصر - تبعه، ولكنه ضمن هنا معنى دنا أو قرب. ولذلك عدي باللام، أو أن اللام زائدة كما مر.
﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: ما تخفيه، من أكن إذا أخفى، والإكنان جعل الشيء في الكن، وهو ما يحفظ فيه الشيء.
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾ في "السمين": في هذه التاء قولان:
أحدهما: أنها للمبالغة، كراوية وعلامة.
والثاني: أنها كالتاء الداخلة على المصادر، نحو العافية، والعاقبة، قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات. اهـ.
قولهْ ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ بثبوت النون هنا على الأصل. وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعًا، تسعة منها مبدوءة بالتاء، وثمانية بالياء، واثنان بالنون، وواحد بالهمزة. وهو قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ اهـ شيخنا. ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ أي: في حرج وضيق صدر.
стр. 9324
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾.
ومنها: براعة الاستهلال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإنه كان هذا الحمد براعة استهلال لما سيلقيه من البراهين والدلائل على الوحدانية، والعلم والقدرة التي سيذكرها.
ومنها: أسلوب التبكيت والتهكم في قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ بعد قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ فقد انتقل في نقل الأخبار من الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ والسر فيه تأكيد اختصاص فعل الإنبات بذاته تعالى، وللإيذان بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف، وما يبدو فيها من تزاويق الألوان، وتحاسين الصور ومتباين الطعوم، ومختلف الروائح المتفاوتة في طيب العرف والأريج. كل ذلك لا يقدر عليه إلا قادر خالق، وهو الله وحده، ولذلك رشح هذا الاختصاص بقوله بعد ذلك: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ وقد أدرك أبو نواس هذه الحقيقة، فقال:
تَأَمَّلْ فِيْ رِيَاضِ الأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيْكُ
عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ ... بِأنْظَارِ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيْكُ
عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكُ
ومنها: الزيادة في قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ لتأكيد القلة.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: أمام نزول المطر، فاستعار اليدين للأمام.
стр. 9325
ومنها: الطباق في قوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ استعار العمى للتعامي عن الحق وعدم التفكر والتدبر في آلاء الله سبحانه.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾.
ومنها: تكرير همزة الإنكار في قوله: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ للمبالغة في التعجب والإنكار.
ومنها: الوعيد والتهديد في قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ لأن أصل الإجرام قطع الثمر عن الشجر، فاستعير لكل اكتساب مكروه.
ومنها: التأكيد بـ ﴿إن﴾ و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ لأن معنى تكن تخفي.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 9326
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
المناسبة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر ما يتعلق بالنشأة الأولى، وأنه خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وما يتصل بالبعث والنشور، وأقام على ذلك الدليل يتلو الدليل بما لم يبق بعده مستزاد لمستزيد .. أردف ذلك الكلام على نبوة محمد ﷺ ، وأقام الأدلة على صحتها، وصدق دعواه فيما يدعى، وكان من أعظم ذلك القرآن الكريم، لا جرم بين الله تعالى إعجازه من وجوه:
١ - أن ما فيه من القصص موافق لما في التوارة والإنجيل، مع أنه ﷺ كان
стр. 9327
أميًا، ولم يخالط أحدًا من العلماء للاستفادة والتعلم، فلا يكون ذلك إذًا إلا من وحي إلهي من لدن حكيم خبير.
٢ - أن ما فيه من دلائل عقلية على التوحيد والبعث والنبوة والتشريع العادل المطابق لحاجة البشر في دنياهم وآخرتهم، لا يوجد له نظير في كتاب آخر، فلا بد أن يكون ذلك من عند الله تعالى.
٣ - أنه قد بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة، حتى لم يستطع أحد أن يتصدى لمعارضته، مع حرصهم عليها أشد الحرص، فدل ذلك على أنه خارج عن قوى البشر، وأنه من الملأ الأعلى، ومن لدن خالق القوى والقدر.
ثم ذكر بعد ذلك أنه جاء حكمًا على بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه، فأبان لهم الحق في هذا، كاختلافهم في أمر المسيح فمن قائل هو الله، ومن قائل هو ابن الله، ومن قائل إنه ثالث ثلاثة، وقوم يقولون: إنه كاذب في دعواه النبوة، كما نسبوا مريم إلى ما هي منزهة عنه، وقالوا: إن النبي المبشَّر به في التوراة هو يوشع ﵇، أو هو نبي آخر يأتي آخر الدهر، إلى نحو ذلك مما اختلفوا فيه، وأنه لا يحكم إلا بالعدل، فقوله الحق وقضائه الفصل.
ثم أمر رسول ﷺ أن يتوكل عليه، فإنه حافظه، وناصره. وأن يُعرض عن اْولئك الذين لا يستمعون لدعوته؛ لأنهم صم بكم لا يعقلون، والذكرى لا تنفع إلا من له قلب يعي، وآذان تسمع دعوة الداعي إلى الحق فتستجيب لها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر ما يدل على كمال علمه وقدرته، وأبان بعدئذٍ إمكان البعث والحشر والنشر، ثم فصل القول في إعجاز القرآن، ونبه بذلك إلى إثبات نبوة محمد ﷺ .. أردف ذلك بذكر مقدمات القيامة، وما يحدث من الأهوال حين قيامها، فذكر خروج دابة من الأرض تكلم الناس أنهم كانوا لا يؤمنون بآيات ربهم، وأنه حينئذ يُنفخ في الصور فيفزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى، وأن الجبال تجري وتمر مر السحاب.
стр. 9328
ثم بين أحوال المكلفين بعد ذلك، وجعلهم قسمين:
مطيعين: يعملون الصالحات، فيثابون عليها بما هو خير منها، ويأمنون الفزع والخوف ساعتئذٍ.
وعاصين: يكبون في النار على وجوههم ويقال لهم حينئذٍ: هذا جزاء ما كنتم تعملون.
قوله تعالى: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بيَّن أحوال المبدأ والمعاد، وفصَّل أحوال القيامة .. أمر رسوله أن يقول لهؤلاء المشركين هذه المقالة، تنبيهًا لهم إلى أنه قد تم أمر الدعوة بما لا مزيد عليه، ولم يبق له بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة الله تعالى، والاستغراق في مراقبته غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا، صلحوا أو فسدوا، إثارة لهممهم بالطف وجه إلى تدارك أحوالهم، وتحصيل ما ينفعهم، والتدبر فيما يقرع أسماعهم من باهر الآيات التي تكفي في إرشادهم، وتشفي عللهم وأمراضهم.
التفسير وأوجه القراءة
٧٦ - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ المنزل عليك يا محمد ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اليهود والنصارى، ويبيِّن لهم، ﴿أَكْثَرَ﴾ الأمر ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ﴾ لجهالتهم ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ مثل اختلافهم في شأن المسيح، فمن قائل هو الله، ومن قائل هو ابن الله، ومن قائل إنه ثالث ثلاثة، وقوم يقولون: إنه كاذب في دعواه النبوة، كما نسبوا مريم إلى ما هي بريئة منه، وكاختلافهم في أمر عزير فمن قائل إنه ابن الله، ومن قائل إنه نبي، ومن قائل إنه رجل صالح، وكاختلافهم في المعاد الجسماني والروحاني، وصفات الجنة والنار، وتناكرهم في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضًا، فلو أنصفوا وأخذوا بالقرآن، وأسلموا لسلموا من هذا الاختلاف، ووجدوا ما يرفع تفرقهم.
стр. 9329
فإن قلت (١): إن قوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يناقض قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فكيف الجمع بينهما؟
قلت: إنه يبين الكل لكن أكثره بالتصريح والتنصيص، وأقله بالرمز والإشارة، كما في "الكرخي".
والمعنى: أي إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك أيها الرسول يقص على بني إسرائيل الحق في كثير مما اختلفوا فيه، وكان عليهم لو أنصفوا أن يتبعوه لكنهم لم يفعلوا، وكابروا مع وضوح الحق وظهور دليله، كما تفعلون أنتم أيها المشركون.
٧٧ - ثم وصف القرآن بقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن هذا القرآن ﴿لَهُدًى﴾ للمؤمنين؛ أي: لهاد لهم إلى سبيل الرشاد، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين آمنوا به وصدقوه، وعملوا بما فيه مطلقًا، سواء كانوا من بني إسرائيل، أو من غيرهم، وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون به.
٧٨ - وبعد أن ذكر فضله وشرفه أتبعه بدليل عدله، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: يحكم بين المختلفين من بني إسرائيل يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ أي: بعدله؛ أي: بحكمه العادل الحق الذي لا جور فيه، فينتقم من المبطل منهم، ويجازي المحسن بما يستحق من الجزاء، وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيُظهر ما حرَّفوه.
وقرأ الجمهور: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بضم الحاء وسكون الكاف، وقرأ (٢) أبو المتوكل وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري: ﴿بحكمه﴾ بكسر الحاء وفتح الكاف، جمع حكمة. وفي "فتح الرحمن": تجوَّز بحكمه عما يحكم به، وهو العدل، وإلا فالقضاء والحكم واحد. اهـ.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب القادر، الذي لا يرد حكمه
стр. 9330
وقضاؤه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال العباد وأقوالهم، فقضاؤه موافق لواسع علمه.
ولما كان (١) القضاء يقتضي تنفيذ ما يقضي به، والعلم بما يحكم به .. جاءت هاتان الصفتان عقبه، وهو العزة؛ أي: الغلبة والقدرة، والعلم،
٧٩ - وبعد أن أثبت لنفسه العلم والحكمة والجبروت والقدرة، أمر رسوله ﷺ أن يتوكل عليه وحده، فقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: فإذا كان الله موصوفًا بهذه الشؤون الجليلة فتوكل على الله؛ أي: فوِّض جميع أمورك إلى الله سبحانه، وثق به فيها، ولا تبال بمعاداتهم، فإنه كافيك كل ما أهمك، وناصرك على أعدائك حتى يبلغ الكتاب أجله.
والتوكل (٢) التبتل إلى الله، وتفويض الأمر إليه، والإعراض عن التشبث بما سواه، وأيضًا هو سكون القلب إلى الله، وطمأنينة الجوارح عند ظهور الهائل، ثم علل التوكل أولًا بقوله: ﴿إِنَّكَ﴾ أنت يا محمد ﴿عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾؛ أي: على الدين الحق، الظاهر الواضح الذي لا خفاء في حقيقته، وهو دين الإِسلام، وإن خالفك فيه من خالفك ممن كتب عليه الشقاء، وصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصره.
٨٠ - ثم علله ثانيًا بقطع طمعه في إيمان قومه، وأنه لا أمل في استجابتهم لدعوته، فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؛ أي (٣): لا تقدر على إسماع الحق لموتى القلوب، وهم الكفار؛ أي: لا تقدر أن تُفهم الحق من طبع الله سبحانه على قلوبهم، فأماتها، فإن كونهم كالموتى موجب لقطع الطمع في مشايعتهم، ومعاضدتهم رأسًا. وتخصيص الاعتماد به تعالى، وهو المعني بالتوكل عليه؛ لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع صار ذلك سببًا قويًا في عدم الاعتداد بهم.
وإطلاق الإسماع على المعقول لبيان عدم سماعهم لشيء من المسموعات،
стр. 9331
وإنما شُبِّهوا بالموتى لعدم انتفاعهم بما يُتلى عليهم من الآيات، والمراد الذين طُبع على قلوبهم، فلا يخرج ما فيها من الكفر، ولا يدخل ما لم يكن فيها من الإيمان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾؛ أي: ولا تقدر أن تُسمع الصم الدعوة إلى أمر من الأمور، جمع أصم، والصمم فقدان حاسة السمع، وبه شُبه من لا يصغي إلى الحق، ولا يقبله، كما شبه هنا؛ أي: ولا تقدر أن تسمع الحق من أصمهم الله عن سماعه، وشبههم بالصم البكم ليبين أنه لا أمل في استجابتهم للدعوة؛ لأن الأصم الأبكم لا يسمع الداعي بحال.
وفي "التأويلات النجمية": ولا تُسمع الصم الذين أصمهم الله بحب الشهوات، فإن حبك الشيء يُعمي ويصم؛ أي: يعمي عن طريق الرشد، ويصم عن استماع الحق.
ثم ذكر جملة لتكميل التشبيه وتأكيده، فقال: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: لا تسمع الصم إذا أعرضوا عن الحق إعراضًا تامًا، وانصرفوا حال كونهم مدبرين؛ أي: معرضين عن الحق، تاركين ذلك وراء ظهورهم فتقييد (١) النفي بإذا لتكميل التشبيه، وتأكيد النفي، فإن إسماعهم في هذه الحالة أبعد؛ أي: إن الأصم لا يسمع الدعاء مع كون الداعي بمقابلة صماخه قريبًا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدًا منه، معرضًا عنه، موليًا مدبرًا.
وظاهر نفي سماع الموتى العموم (٢)، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح: إنه ﷺ خاطب القتلى في قليب - بئر - بدر، فقيل له: يا رسول الله إنما تكلم أجسادًا لا أرواح لها؛ فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده ما أنتم باسمع لما أقول منهم" أخرجه مسلم، وكما ثبت أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه.
стр. 9332
وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق (١): ﴿لا يسمع﴾ بالتحتية المفتوحة وبفتح الميم، ﴿الصم﴾ بضم الميم، فاعله، وقرأ الباقون: ﴿تُسمع﴾ بضم الفوقية وكسر الميم، ﴿الصم﴾ بفتح الميم من أسمع الرباعي.
قال قتادة الأصم إذا ولى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يُدعى إليه من الإيمان.
وقصارى ما سلف: أنه تعالى أمر نبيَّه ﷺ بالتوكل عليه، والإعراض عما سواه؛ لأنه على الحق المبين، ومن سواه على الباطل، ولأنه تعالى مؤيده وناصره، ولأنه لا مطمع في مشايعة المشركين، ومعاضدتهم؛ لأنهم كالموتى، وكالصم البكم، فلا أمل في استجابتم للدعوة، ولا في قبولهم للحق.
٨١ - ثم أكد ما سلف وقطع أطماعه في إيمانهم على أتم وجه، فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾؛ أي: بمرشد العميان وصارفهم، ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ وغوايتهم إلى الحق هداية موصلة إلى المطلوب، فإن الاهتداء لا يحصل إلا بالبصر، و ﴿عَنْ﴾ متعلقة بالهداية (٢)، باعتبار تضمنها لمعنى الصرف، والعُميُ جمع أعمى، والعمى فقدان البصر، فشُبِّه من افتقد البصيرة بمن فَقَدَ البصر في عدم الهداية.
قال في "المفردات": لم يعد تعالى افتقاد البصر في جانب افتقاد البصيرة عمى، حيث قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشادًا يوصله إلى المطلوب منه، وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ بإضافة هادي إلى العمي، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة: ﴿بهاد﴾ منونًا ﴿العميَ﴾ بالنصب، وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وابن يعمر وحمزة: ﴿تهدي﴾ مضارع هدى ﴿العميَ﴾ بالنصب، وقرأ ابن
стр. 9333
مسعود: ﴿وما أن تهتدي﴾ بزيادة ﴿أن﴾ بعد ﴿ما﴾، وتهتدي، وتهتدي مضارع اهتدى، ﴿العمي﴾ بالرفع، والمعنى: ليس في وسعك إدخال الهدى في قلب من عمي عن الحق، ولم ينظر إليه بعين قلبه؛ أي: أنت أيها الرسول لا تستطيع أن تصرف العمي عن ضلالتهم، وتهديهم إلى الطريق السوي. والمراد: إنك لا تهدي من أعماهم الله عن الهدى والرشاد، فجعل على أبصارهم غشاوة تمنعهم عن النظر فيما جئت به نظرًا يوصلهم إلى معرفة الحق، وسلوك سبيله.
ثم زاد ذلك توكيدًا فقال: ﴿إِن تسُمِعُ﴾؛ أي: ما تُسمع دعوتك سماعًا نافعًا للسامع، ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ التنزيلية، ويصدق بها، وهي القرآن، لا من يكفر بها؛ أي: لا تُسمع إلا من سبق في علمنا إيمانه بآياتنا وتصديقه بكتابنا، ولما كان طريق الهداية هو إسماع الآيات التنزيلية قال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾، دون إن تهدي، مع قرب ذكر الهداية، وجملة قوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تعليل لإيمانهم بها، كأنه قيل يؤمنون بآياتنا لكونهم منقادين للحق، مخلصين في إيمانهم.
والمعنى (١): أي إنما يستجيب لك من هو نافذ البصيرة، خاضع لربه متبتل إليه، مجيب لدعوة رسله.
والخلاصة: أنك لا تقدر أن تُفهم الحق وتسمعه إلا من يصدقون بآياتنا وحججنا، فإنهم هم الذين يسمعون منك ما تقول، ويتدبرونه، ويعملون به، إذ هم ينقادون للحق في كل حين.
واعلم (٢): أن الأصل هو العناية الأزلية، وما سبق في علم الله سبحانه من السعادة الأبدية، فالسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله ، وإنما الأعمال بالخواتيم، اللهم اجعلنا بجزيل فضلك ووسيع كرمك من السعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء.
٨٢ - ثم هدد العباد بذكر طرق من أشراط الساعة وأهوالها، فقال: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وإذا وجب وثبت، وحل على الناس أجل ما قلنا في القرآن،
стр. 9334
ووعدناهم فيه، والمراد بالقول (١): ما نطق به القرآن من مجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كان يستعجل بها المشركون، والمراد بالوقوع: الدنوُّ والاقتراب، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.
والمعنى: إذا دنا واقترب قيام الساعة التي ذكرناها وبئناها في القرآن، قيل: اقترابها بموت العلماء، وذهاب العلم، وقيل: برفع القرآن، وقيل: إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر.
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ﴾؛ أي: للناس ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من جبل الصفا بمكة وهي فصيل ناقة صالح ﵇، فإنه لما عُقرت أمه هرب، فانفتح له حجر فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه الحجر، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله تعالى في آخر الزمان.
وعن علي ﵁ أنها تخرج في ثلاثة أيام، والناس ينظرون إليها، فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها، وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام، وفي الحديث: "إن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم ﵇، لا يُدركها طالب، ولا يفوتها هارب"، وقيل: اسم الدابة الجسَّاسة لتجسُّسها الأخبار للدجال؛ لأن الدجال كان موثقًا في دير في جزيرة بحر الشام، وكانت الجسَّاسة في تلك الجزيرة، كما في حديث المشارق في الباب الثامن.
وروى (٢) البغوي بإسناده عن الثعلبي عن حذيفة بن اليمان ﵁، ذكر رسول الله ﷺ الدابة، قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟ قال: "من أعظم المساجد حرمة على الله، فبينما عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون .. إذ تضطرب الأرض، وينشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا أول ما يخرج منها رأسها، ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها الطالب، ولن يفوتها هارب، تسِمُ الناس مؤمنًا وكافرًا، فأما المؤمن: فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن. وأما الكافر: فتنكت بين عينيه نكتة
стр. 9335
سوداء، وتكتب بين عينيه كافر".
وروي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه، وعن ابن عمر، قال: تخرج الدابة ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "بئس الشعب شعب أجياد"، مرتين أو ثلاثًا، قيل: ولم ذاك يا رسول الله؛ قال: "تخرج منه الدابة، تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين".
وروي عن ابن الزبير، أنه وصف الدابة، فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا.
وعن عبد الله بن عمرو: تخرج الدابة من شعب أجياد، فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض، وروي عن علي، قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية، وقال وهب: وجهها وجه رجل، وسائر خلقها كخلق الطير، فتُخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون.
قال القرطبي (١): قد رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة، فليعتمد عليه.
واختلف في أي موضع تخرج؟ فقال عبد الله بن عمر: تخرج من الصفا، وروي عن قتادة: أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنُّور نوح ﵇، وقيل: من أرض الطائف، قال أبو قبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله، وقال: من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته.
وما جاء (٢) في وصف الدابة، والمبالغة في طولها وعرضها وزمانها
стр. 9336
ومكانها مما لا يُركن إليه، فإن أمور الغيب لا يجب التصديق بها إلا إذا ثبتت بالدليل القاطع عن الرسول المعصوم ﷺ .
وجملة قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ صفة للدابة؛ أي: تكلم تلك الدابة الناس المعاصرين لخروجها، وتخبرهم ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ العصريين والمكلفين الموجودين الآن ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بآيات ربنا، ودلائل قدرته التي منها خروجي الدال على قرب الساعة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدقون بها؛ أي: تكلم تلك الدابة من وُجد وقت خروجها على العموم الكفرة وغيرهم باللسان العربي الفصيح، أو تُكلِّم العرب بالعربي، والعجم بالعجمي، وتُخبرهم بأن الناس كانوا لا يؤمنون بآيات الله الناطقة بمجيء الساعة، وقربها كخروجي.
وقال الشوكاني: والمراد بالناس في الآية: هم الناس على العموم فيدخل في ذلك كل مكلف، وقيل: المراد بهم الكفار خاصة، وقيل: كفار مكة. والأول أولى. اهـ.
قال أبو حيان: والظاهر (١) أن قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بالتشديد، وهي قراءة الجمهور من الكلام، ويؤيده قراءة أبي ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾، وفي بعض القراءات ﴿تحدثهم﴾ وهي قراءة يحيى بن سلام، وقرأ عبد الله وأبو عمران الجوني ﴿تكلمهم بأن الناس﴾ قال السدي: تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوى الإِسلام، وقيل: تخاطبهم فتقول للمؤمن هذا مؤمن، وللكافر هذا كافر، وقيل: معنى تكلمهم تجرحهم من الكلم والتشديد للتكثير، ويؤيده قراءة ابن عباس ومجاهد وابن جُبير وأبي زرعة والجحدري وأبي حيوة وابن أبي عبلة: ﴿تكلمهم﴾ بفتح التاء وسكون الكاف مخفف اللام، وقراءة من قرأ ﴿تجرحهم﴾ مكان تكلمهم، وسأل أبو الحوراء ابن عباس تُكلِّم أو تَكْلِم؟ فقال: كل ذلك تفعل، تُكلِّم المؤمن وتَكْلِمُ الكافر. انتهى، وروي أنها تسم الكافر في جبهته وتربده، وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه.
стр. 9337
وقرأ الكوفيون حمزة والكسائي وعاصم وزيد بن علي ﴿أن الناس﴾ بفتح الهمزة على تقدير تكلمهم بأن الناس، وقرأ ابن مسعود ﴿بأن﴾ وتقدم، وقرأ باقي السبعة بكسر الهمزة، فاحتمل الكسر أن يكون من كلام الله، وهو الظاهر لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ فتكون الجملة مستأنفة، واحتمل أن يكون من كلام الدابة، وروي هذا عن ابن عباس، وكُسرت إن على هذا القول، إما على إضمار القول؛ أي: تكلمهم وتقول لهم: إن الناس، أو على إجراء تكلمهم مجرى تقول لهم، ويكون قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ على حذف مضاف؛ أي: بآياتنا ربنا، كما مر في حلنا، أو لاختصاصها بالله، كما يقول بعض خواص الملك خيلنا وبلادنا، وعلى قراءة الفتح فالتقدير بأن، كقراءة عبد الله، كما مر، والظاهر أنه متعلق بتكلمهم؛ أي: تخاطبهم بهذا الكلام، ويجوز أن تكون الباء المنطوق بها، أو المقدرة سببية؛ أي: تخاطبهم، أو تجرحهم بسبب انتفاء إيقانهم بآياتنا. انتهى.
٨٣ - ثم بيَّن سبحانه حال المكذبين حين مجيء الساعة بعد بيان بعض مباديها وأشراطها فقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ والمراد (١) بهذا الحشر هو الحشر الخاص بهم للعذاب بعد الحشر العام لكل الخلق؛ أي: واذكر يا محمد قصة يوم يُجمع من كل أمة من الأمم جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ﴾ عند ذلك الحشر ﴿يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُرد أولهم على آخرهم، أو يُدفعون والفوج الجماعة من الناس، وقوله: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ بيان للفوج؛ أي: فوجًا مكذبين بآياتنا؛ لأن كل أمة، وكل عمر لم يخل من كفرة بالله من لدن تفريق بني آدم؛ لأن كل أمة منقسمة إلى مصدِّق ومكذب.
والمراد بالفوج هنا (٢): رؤساء الأمم المتبوعون في الكفر والتكذيب، فهم يحبسون حتى يلتحق بهم أسافلهم التابعون، كما قال ابن عباس ﵄: أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وهكذا
стр. 9338
يُحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار، وفي الحديث: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار"، ومعنى يوزعون: يُحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقع التوبيخ والمناقشة، وهو عبارة عن كثرة عددهم، وتباعد أطرافهم، كما سبق في هذه السورة في قصة سليمان ﵇، والمراد بالآيات بالنسبة إلى هذه الأمة الآيات القرآنية.
والمعنى: واذكر يا محمد لقومك - تحذيرًا لهم وترهيبًا - هول يوم جمعنا على وجه الإكراه من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة، مكذبين بكتابنا فهم يوقف أولهم حتى يجتمعوا ويتلاحقوا في موقف الحساب والمناقشة.
٨٤ - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ إلى موقف السؤال والجواب والمناقشة والحساب. ﴿قَالَ﴾ الله سبحانه موبخًا لهم على التكذيب، والالتفات فيه لتربية المهابة كما سيأتي في مبحث البلاغة، ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ الناطقة بلقاء يومكم هذا التي أنزلتُها على رسلي، وأمرتُهم ببلاغها إليكم.
﴿وَ﴾ الحال أنكم ﴿لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: لم تعرفوا ببطلانها فتُعرضوا عنها، والواو للحال، ونصب ﴿عِلْمًا﴾ على التمييز، كما سيأتي؛ أي: أكذبتم بها بادي الرأي، جاهلين لها غير ناظرين فيها نظرًا يؤدي إلى العلم بكنهها، ولا مستدلين على صحتها وبطلانها، تمردًا وعنادًا وجراءة على الله وعلى رسله.
وفي هذا (١): مزيد توبيخ وتقريع لهم؛ لأن من كذب بشيء ولم يحط به علمًا فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل، وعدم الإنصاف، وسوء اللهم، وقصور الإدراك، ومن هذا القبيل من تصدَّى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها، ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها، وتعقل معانيها، كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر علمًا، وعلم أصول الفقه، فإنه يُتوسل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها
стр. 9339
التفصيلية، مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسُنة رسوله، فإنه قد نادى على نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل، طاعن في العلوم الشرعية، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على ما لا يعرفه ولا يعلم به، ولا يحيط بكنهه، حتى يصير عبرة لغيره، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعاف العقول، وركاك الأديان، ورعاع المتلبسين بالعلم زورًا وكذبًا.
﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المنقطعة، وقرأ أبو حيوة ﴿أماذا﴾ بتخفيف الميم، أدخل همزة الاستفهام على اسم الاستفهام على سبيل التوكيد والمعنى: بل أي شيء كنتم تعملون حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها، والتفكر من معانيها، وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم. يعني (١): لم يكن لهم عمل غير الجهل والتكذيب، والكفر والمعاصي، كأنهم لم يُخلقوا إلا لها، مع أنهم ما خُلقوا إلا للعلم والتصديق والإيمان والطاعة، يخاطبون بذلك تبكيتًا، فلا يقدرون أن يقولوا: فعلنا غير ذلك.
٨٥ - ثم يكبون في النار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: حل بهم العذاب الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم الذي هو التكذيب بآيات الله ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ باعتذار لشغلهم بالعذاب، أو لختم أفواههم.
والمعنى (٢): أي وحل بأولئك المكذبين بآيات الله السخط والغضب والعذاب بسبب تكذيبهم بها، فهم لا ينطقون بحجة، ولا معذرة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حل بهم من العذاب الأليم.
ونحو الآية قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾
٨٦ - وبعد أن خوَّفهم من أهوال يوم القيامة ذكر الدليل على التوحيد والحشر والنبوة، فقال:
стр. 9340
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ (١) من رؤية القلب، وهو العلم، لا من رؤية البصر؛ لأن نفس الليل والنهار وإن كانا من المبصرات لكن جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات، والاستفهام فيه للتوبيخ المضمن للإنكار؛ أي: ألم يعلم هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: ليستريحوا فيه بالنوم والقرار، ففيه حذف مظلمًا يدل عليه قوله: ﴿وَ﴾ جعلنا ﴿النَّهَارَ مُبْصِرًا﴾؛ أي: مضيئًا ليتحركوا فيه، وينتشروا لطلب معاشهم، ففيه حذف ليتحركوا دل عليه قوله: ﴿لِيَسْكُنُوا﴾ ففي الكلام احتباك كما سيأتي في مبحث البلاغة؛ أي: ألم يتفكر أهل مكة، ولم يعلموا أنا جعلنا الليل مظلمًا ليستريحوا فيه بالقرار والنوم، والنهار مضيئًا لينتشروا فيه ويطلبوا معايشهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في جعل الليل والنهار، كما ذكر ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات ظاهوة على التوحيد والبعث والنبوة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون بها، فيعتبرون. خصوا بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها دون الكافرين.
وحاصل معنى الآية (٢): أي ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار، ومخالفتنا بينهما بجعل ذاك سكنًا لم يسكنون فيه، ويهدؤون راحة لأبدانهم من تعب التصرف، والتقلب نهارًا، وجعل هذا مضيئًا يبصرون في الأشياء، ويعاينونها، فيتقلبون فيه لمعايشهم، فيتفكرون في ذلك، ويتدبرون، ويعلمون أن مصرِّف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يُعجزه شيء، ولا يتعذر عليه إماتة الأحياء، وإحياء الأموات بعد الممات.
وفي ذلك أيضًا دليل على النبوة؛ لأنه كما يُقلِّب الليل والنار لمنافع المكلفين، ففي بعثة الأنبياء منافع عظيمة للناس في دنياهم ودينهم. فما المانع إذًا من بعثهم إليهم، بل الحاجة إلى ذلك أمس.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: إن فيما ذُكر لدلالة على قدرته على
стр. 9341
البعث بعد الموت، وعلى توحيده لمن آمن به، وصدَّق برسله، فإن من تأمل في تعاقبهما واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم تحار في فهمها العقول، ولا يحيط بعلمها إلا الله، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل الحالكة المشابهة للموت بضياء النهار المضاهي للحياة، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة، قضى بأن الساعة آتية لا ويب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وجزم بأن الله جعل هذا دليلًا على تحققه، وأن الآيات الناطقة به حق، وأنها من عند الله .
قال حكيم: الدهر مقسوم بين حياة ووفاة، فالحياة اليقظة، والوفاة النوم، وقد أفلح من أدخل في حياته من وفاته. اهـ، فعلى العاقل أن يجدَّ في طريق الوصول، ليكون من أهل الوصال والحصول، ويتخلَّص من العذاب مطلقًا، فإن غاية العمر الموت، ونهاية الموت الحشر، ونتيجة الحشر إما السوق إلى الجنة، وإما السوق إلى النار، والمسوق إلى النار إما مؤمن عاص فعذابه التأديب والتطهير، وإما كافر مكذب فعذابه عذاب القطعية والتحقير.
والمؤمنون يتفاوتون في الدنيا في عقوباتهم على مقادير جرائمهم، فمنهم من يعذب ويُطلق، ومنهم من يعذب ويُحبس مدة على قدر ذنبه، ومنهم من يُحَدَّ، والحدود مختلفة، فمنهم من يقتل، وليس بعجب أن لا يسوى بين أهل النار إلا من لا خير فيه، وهم الكفار الذين ليسوا بموضع الرحمة؛ لأن الله تعالى رحمهم في الدنيا برسال الرسل وإنزال الكتب، فاختاروا الغضب بسلوك طريق التكذيب والعناد، فهم على السوية في عذاب الفرقة، إذ ليس لهم وصلة أصلًا، لا في الدنيا، ولا في العقبى؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، نسأل الله تعالى أن يفتح عيون بصائرنا عن سنات الغفلات، ويجعلنا من المتبعين لدينه في جميع الحالات، إنه قاضي الحاجات، ومانح المرادات، آمين آمين، يا مجيب الدعوات.
٨٧ - وبعد أن ذكر الحشر الخاص، وأقام الدليل عليه، ذكر الحشر العام فقال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ هو معطوف على ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ منصوب بناصبه المتقدم
стр. 9342
تقديره، والنفخ (١): إدخال الريح في الشيء، كما سيأتي في مبحث اللغة، والصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ للموت والحشر، فكأن أصحاب الجيوش من ذلك أخذوا البوقات لحشر الجند، وفي الحديث: "لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخصٌ بصره إلى العرش متى يؤمر" قال أبو هريرة - راوي الحديث ﵁: قلت: يا رسول الله ما الصور؟ قال: "القرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم، والذي نفسي بيده إنَّ أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض" فيؤمر بالنفخ فيه، فينفخ نفخة لا يبقى عندها في الحياة أحد إلا من شاء الله تعالى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وإلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ثم يؤمر بأخرى، فينفخ فيه نفخة لا يبقى معها ميت إلا بعث وقام، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ الآية، ومعنى النفخ في القرن أن الأرواح تُجمع في القرن، ثم ينفخ فيه فتذهب إلى الأجساد فتحيا بها الأجساد، والمراد بالنفخ هاهنا هي النفخة الثانية.
أي: واذكر يا محمد لقومك أهوال يوم يُنفخ في الصور نفخة ثانية ينفخها إسرافيل لرد الأرواح إلى أجسادها، وهو يوم القيامة ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فيفزع منها، ويخاف جميع من في السموات والأرض لشدة ما سمعوا، والتعبير بالماضي في الفزع للدلالة على تحقق وقوعه؛ لأن المستقبل من فعل الله تعالى متيفن الوقوع كتيقن الماضي من غيره؛ لأن إحياءه تعالى حق.
والمراد بالفزع هاهنا ما يعتري الكل - مؤمنًا وكافرًا - من الرعب والتهيُّب الضروريَّين الجبليَّين عند البعث والنشور، بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، وقيل: المراد بالفزع هنا الإسراع والإجابة إلى النداء، من قولهم: فزعتُ إليك في كذا، أسرعتُ إلى إجابتك، والأول أولى بمعنى الآية.
والنفخات في الصور ثلاث (٢): الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق،
стр. 9343
والثالثة نفخة البعث، وقيل: إنها نفختان، وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق، أو إلى نفخة البعث، واختار هذا القول القشيري والقرطبي وغيرهما.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ سبحانه أن لا يفزع عند تلك النفخة بأن يثبت قلبه، وهم الأنبياء والمرسلون، والشهداء والصالحون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والملائكة الأربعة، وحملة العرش، والخزنة، والحور ونحوهم.
والمعنى (١): أي واذكر أيها الرسول لهم هول يوم النفخ في الصور، إذ يفزع من في السموات ومن في الأرض، لما يعتريهم من الرعب حين البعث والنشور، بمشاهدة الأهوال الخارقة للعادة في الأنفس والآفاق، إلا من ثبَّت الله قلبه.
﴿وَكُلٌّ﴾؛ أي: جميع الخلائق ﴿أَتَوْهُ﴾ وحضروه ﴿دَاخِرِينَ﴾؛ أي: ذليلين صاغرين؛ أي: وكل هؤلاء الفزعين المبعوثين حين النفخة يحضرون الموقف بين يدي رب العزة للسؤال والجواب، والمناقشة والحساب أذلاء صاغرين، لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾.
وقرأ الجمهور (٢) ﴿أَتَوْهُ﴾ بضم التاء على صيغة اسم الفاعل مضافًا إلى الضمير الراجع إلى الله تعالى، وقرأ عبد الله وحمزة وحفص عن عاصم والأعمش ويحيى بن وثاب: ﴿أتوه﴾ فعلًا ماضيًا، وفي القراءتين رُوعي معنى كل من الجمع، وقرأ قتادة: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ فعلًا ماضيًا مسندًا لضمير كل على لفظها، وجمع داخرين على معناها، وقرأ الجمهور: ﴿دَاخِرِينَ﴾ بالألف بعد الدال، وقرأ الحسن والأعمش: ﴿دَخِرِينَ﴾ بغير ألف.
٨٨ - وقوله: ﴿وَتَرَى الجبَالَ﴾ معطوف على ﴿يُنْفَخُ﴾، داخل معه في حكم التذكير،
стр. 9344
والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يصلح للرؤية، و ﴿ترى﴾ هنا بصرية لا علمية؛ أي: واذكر يا محمد لقومك هول يوم ترى وتبصر الجبال حال كونك ﴿تَحْسَبُهَا﴾ وتظنها ﴿جَامِدَةً﴾ ثابتة في أماكنها، وقرأ أهل الكوفة: ﴿تَحْسَبُهَا﴾ بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها، ﴿وَهِيَ﴾ أي: والحال أن تلك الجبال ﴿تَمُرُّ﴾ وتمضي ﴿مَرَّ السَّحَابِ﴾ والغيم؛ أي: تراها رأي العين ساكنة، والحال أنها تمر وتمشي مثل مرور السحاب التي تسيِّرها الرياح سيرًا سريعًا، حتى تقع على الأرض فتسوَّى بها، وذلك لأن كل شيء عظيم، وكل جمع كثير يقصر عنه البصر، ولا يحيط به لكثرته وعظمته، فهو في حسبان الناظر واقف، وهو يسير.
وهذا أيضًا (١): مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، فإن الله تعالى يبدل الأرض غير الأرض، ويغئر هيئتها، ويسير الجبال عن مقارِّها على ما ذُكر من الهيئة الهائلة، ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكَّت وتصدعت عند النفخة الأولى فتسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ فإن صيغة الماضي في المعطوف الذي هو ﴿حشرناهم﴾ مع كون المعطوف عليه مستقبلًا وهو ﴿نُسَيِّرُ﴾ للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك، ثم علل إمكان ذلك وسرعة حصوله بقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: ذلك الصنع العظيم صنع الله الذي أحكم كل شيء، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، وانتصاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ على المصدرية عند الخليل وسيبويه وغيرهما بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: صنع الله الذي أتقن كل شيء؛ أي: أحسن خلق كل شيء، وأتى به على وجه الحكمة، ذلك النفخ في الصور، وما تفرَّع منه من الأمور الهائلة صنعًا، أي: صنع ذلك النفخ وما تفرع عليه صنعًا، وفعله فعلًا بديعًا، وهو مصدر مؤكد لمضمون ما قبله؛ أي: فإن نفخ الصور المؤدي إلى الفزع العام، وحضور الكل الموقف، وما فعل بالجبال إنما هو من صنع الله لا يحتمل غيره.
стр. 9345
والصنع (١): إجادة الفعل، فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، أي: صنع الله ذلك صنعًا، وفعله فعلًا متقنًا محكمًا، قال في "الإرشاد": قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل، وتهويل أمرها، والإيذان بأنها ليست بطريق إخلال نظام العالم، وافساد أحوال الكائنات بالكلية من غير أن تدعو إليها داعية، ويكون لها عاقبة، بل هي من قبيل بدائع صنع الله المبنية على أساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة، التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادىء الإبداع، على الوجه المتين والمنهج الرصين.
ثم علل ما تقدم من النفخ في الصور والقيام للحساب، ومجازاة العباد على أعمالهم بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أي: عالم بظواهر أفعالكم وبواطنها أيها المكلفون، ولذلك فعل ما فعل من النفخ، والبعث ليجازيكم على أعمالكم، وهو الخبير المطلع على الظواهر والضمائر.
وقرأ الجمهور (٢): بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الغيبة، والمعنى: أي إنه تعالى ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشر، وطاعة ومعصية، وهو مجازيهم على ذلك أتمَّ الجزاء.
٨٩ - ثم بيَّن حال السعداء والأشقياء يومئذٍ، فقال ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بكلمة الشهادة (٣) والإخلاص فإنها الحبسنة المطلقة، وأحسن الحسنات، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ﴾؛ أي: نفع وثواب حاصل ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من جهتها، ولأجلها، وهو الجنة، قاسم التفضيل لا يدل على المفاضلة إذ لا يوجد شيء خير من (إلا إله إلا الله)، ويجوز أن يكون اسم التفضيل على بابه إذا أريد بالحسنة غير الكلمة المشرفة من الطاعات، أيَّ طاعة كانت، والمعنى: من جاء يوم القيامة بالحسنة أيًا كانت .. فله من الجزاء والثواب ما هو خير وأفضل وأكثر منها، إذ ثبت له الشريف بالخسيس، والباقي بالفاني، وعشرة بل سبع مئة بواحدة، وقيل: المراد بالحسنة
стр. 9346
أداء الفرائض، وقيل: هي الإخلا ص في العبادة، والتعميم أولى (١)، ولا وجه للتخصيص، وإن قال به بعض السلف.
قيل: وهذه الجملة بيان لقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، وقيل: بيان لقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الذين جاؤوا بالحسنات ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾؛ أي: عظيم هائل لا يقادر قدره، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة، وظهور الحسنات والسيئات، وهو الذي في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾، وعن الحسن: هو الفزع حين يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جريح: الفزع حين يذبح الموت، وينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت. وقرأ عاصم والكسائي وحمزة (٢): ﴿من فزعٍ﴾ بالتنوين.
و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ ينفخ في الصور، منصوب على الظرفية، معمول لقوله: ﴿آمِنُونَ﴾ أو لـ ﴿فَزَعٍ﴾، ويدل على أنه معمول له قراءة من أضافه إليه، أو في موضع الصفة لـ ﴿فَزَعٍ﴾؛ أي: كائنٍ في ذلك الوقت، والمعنى عليه؛ أي: والذين جاؤوا بالحسنات آمنون من فزع كائن يوم إذ وقعت هذه الأهوال العظيمة اهـ "مراح".
وقرأ باقي السبعة بإضافة ﴿فَزَعٍ﴾ إلى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فكسرَ الميمَ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وفتحها بناء لإضافته إلى غير متمكن نافع في غير رواية إسماعيل، والتنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تنوين عوض عن الجملة المحذوفة، ويكون التقدير يوم إذ جاء بالحسنة، أو يوم إذ ترى الجبال، أو يوم إذ يُنفخ في الصور.
﴿آمِنُونَ﴾ لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل، ولا يلحقهم ضرره أصلًا، وأما الفزع الذي يعتري كل من في السموات ومن في الأرض غير من استثناه الله تعالى فانما هو التهيُّبُ والرعبُ الحاصل في ابتداء النفخة، منن معاينة فنون الدواهي
стр. 9347
والأهوال، ولا يكاد يخلو مثله أحد بحكم الجبلة، وإن كان آمنًا من لحوق الضرر.
وعبارة "الخازن" هنا: فإن قلت (١): كيف نفى الفزع هنا، وقد قال قبله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؟
قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع، وهول يفجأ من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، فأما الفزع الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه، وأما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك عنه أحد، اهـ.
٩٠ - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَة﴾؛ أي: بالشرك الذي هو أسوأ المساوىء ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: ألقوا وطرحوا فيها على وجوههم منكوسين، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم، كما أريدت بالأيدي في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فإن الوجه والرأس والرقبة واليد يعبر بها عن جميع البدن، وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف أعضاء الإنسان، لاجتماع الحواس فيها، وقال جماعة (٢) من الصحابة ومن بعدهم: حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل أن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص قوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ فهذا الجزاء لا يكون إلا بمثل سيئة الشرك.
وجملة قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مقول لقول محذوف، والقاثل خزنة جهنم، والاستفهام فيه للإنكار، فهو بمعنى النفي؛ أي: حالة كونهم مقولًا لهم ما تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك؛ أي: تقول لهم خزنة جهنم ما تجزون الآن إلا جزاء أعمالكم من الشرك والمعاصي في الدنيا.
وفي الحديث (٣): "إذا كان يوم القيامة جاء الإيمان والشرك يجثوان بين
стр. 9348
يدي الرب تعالى، فيقول الله تعالى للإيمان: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار"، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ إلى قوله: ﴿في النار﴾.
ويقال: لا إله إلا الله مفتاح الجنة، ولا بد للمفتاح من أسنان حتى يفتح الباب، ومن أسنانه لسان ذاكر طاهر من الكذب والغيبة، وقلب خاشع طاهر من الحسد والخيانة، وبطن طاهر من الحرام والشبهة، وجوارح مشغولة بالخدمة طاهرة من المعاصي.
٩١ - ولما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد أمر رسوله ﷺ أن يقول لهم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أمرت أن أخص الله سبحانه بالعبادة وحده لا شريك له، تنبيهًا لهم إلى أنه قد تم أمر الدعوة بما لا مزيد عليه، ولم يبق له بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة الله، والاستغراق في مراقبته، غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا، وأشار إليها إشارة تعظيم لأنها موطن نبيِّه ومهبط وحيه.
والمراد بالبلدة مكة المشرفة، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون بيت الله الحرام فيها، ولكونها أحب البلاد إلى رسوله ﷺ قال في "التكملة": خص البلدة بالذكر، وهي مكة، وإن كان رب البلاد كلها ليعرف المشركون نعمته عليهم، وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه، هو الذي حرَّم بلدتهم. انتهى.
وعبارة "الخازن": وإنما ذكر أنه هو الذي حرمها؛ لأن العرب كانوا معترفين بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله، لا من الأصنام. انتهى.
والموصول في قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: حرم هذه البلدة وشرفها وعظمها بتحريمه على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا، ويظلموا فيها أحدًا، صفة للرب، هكذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود التي حرمها على أن الموصول صفة للبلدة، والتعرض لتحريمه تعالى إياها إجلال لها بعد إجلال، ومعنى تحريمها جعلها حرمًا آمنًا لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلى خلاها.
стр. 9349
وفي الحديث "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"؛ أي: كان تحريمها من الله سبحانه بأمر سماوي، لا من الشام باجتهاد شرعي، وأما قوله ﷺ : "إن إبراهيم حرم مكة" فمعناه: أظهر الحرمة الثابتة، أو دعا فحرمها الله تعالى حرمة دائمة.
ومعنى الآية (١): قل لقومك يا محمد: أمرت من قبل الله أن أخصه وحده بالعبادة، ولا أتخذ له شريكًا، فاعبدوه أنتم، ففيه عزكم وشرفكم، ولا تتخذوا له شريكًا، وقد ثبتت عليكم نعمتة بتحريم بلدتكم، قال بعضهم: العبادة لباس الأنبياء والأولياء.
ولما أخبر أنه مالك هذه البلدة. أخبر أنه يملك كل شيء فقال: ﴿وَلَهُ﴾؛ أي: ولرب هذه البلدة خاصة ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ خلقًا وملكًا وتصرفًا، دون أن يشركه في ذلك أحد؛ أي: جميع الأشياء داخلة في ربوبيته، فشرفت البلدة بذكر اندراجها تحت ربوبيته على جهة الخصوص، وعلى جهة العموم، وفيه تنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة للتفخيم مع عموم الربوبية لجميع الموجودات.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي (٢): وأمرني ربي أن أسلم وجهي له، فأكون من الموحدين المخلصين له، المنقادين لأمره، المستسلمين بطاعته بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والمراد بقوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ أن أثبُتَ على ما أنا عليه.
٩٢ - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: وأمرت أن أداوم على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وأواظب على ذلك، لتنكشف لي أسراره المخزونة في تضاعيفه، واسطلع أدلة الكون المتفرقة في آيه، فأعرف حقائق الحياة، وسر الوجود، ويفاض عليَّ من فيوضاته الإلهية، وأسراره القدسية، ما شاء الله أن يُفيض.
وقد روي أنه ﷺ قام ليلة يصلي فقرأ قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ فما زال يكررها، ويظهر له من أسرارها ما يظهر، ويتجلى له من مقاصدها ما
стр. 9350
تسمو به نفسه إلى الملأ الأعلى حتى طلع الفجر. ونحو الآية: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾.
قال أبو حيان (١): قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ إما من التلاوة؛ أي: وأن أتلو عليكم القرآن، وهذا هو الظاهر، إذ بعده التقسيم المناسب للتلاوة، وإما من التلو، وهو الاتباع؛ أي: وأن أتبع القرآن، كقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ﴾ بإثبات الواو بعد اللام، على أنه من التلاوة وهي القراءة، أو من التلو، وهو الاتباع، وقرأ عبد الله: ﴿وأن أتل﴾ بغير واو، أمرًا له ﷺ من تلا، فجاز أن تكون ﴿أن﴾ مصدرية وُصلت بالأمر، وجاز أن تكون مفسرة على إضمار وأمرت أن أتل؛ أي: تل، كذا وجهه الفراء، وقال النحاس: ولا نعرف أحدًا قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف، وقرأ أبي: ﴿وأتل هذا القرآن﴾ جعله أمرًا دون ﴿أن﴾.
فعليك (٢): أيها المؤمن بتلاوة القرآن كل يوم، ولا تهجره كما يفعل ذلك طلبة العلم، وبعض المشيخة، زاعمين بأنهم قد اشتغلوا بما هو أهم من ذلك، وهو كذب، فإن القرآن مادة كل علم في الدنيا والدين، ويُستحب لقارىء القرآن في المصحف أن يجهر بقراءته، ويضع يده على الآية يتبعها، فيأخذ اللسان حظه من الرفع، ويأخذ البصر حظه من النظر، واليد حظها من المس.
واعلم: أن خُلَقَ النبي ﷺ كان القرآن، فانظر في تلاوتك إلى كل صفة مدح الله بها عباده، فافعلها أو اعزم على فعلها، وكل صفة ذم الله بها عباده على فعلها فاتركها، أو اعزم على تركها، فإن الله تعالى ما ذكر لك ذلك، وأنزله في كتابه إلا لتعمل به، فإذا حفظت القرآن عن تضييع العمل به، كما حفظته تلاوة فأنت الرجل الكامل.
وقيل لهم يا محمد أيضًا: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتباعه إياي في العبادة والإِسلام وتلاوة القرآن ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فإنما منافع اهتدائه عائدة إليه لا إلى