أداء الفرائض، وقيل: هي الإخلا ص في العبادة، والتعميم أولى (١)، ولا وجه للتخصيص، وإن قال به بعض السلف.
قيل: وهذه الجملة بيان لقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، وقيل: بيان لقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الذين جاؤوا بالحسنات ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾؛ أي: عظيم هائل لا يقادر قدره، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة، وظهور الحسنات والسيئات، وهو الذي في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾، وعن الحسن: هو الفزع حين يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جريح: الفزع حين يذبح الموت، وينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت. وقرأ عاصم والكسائي وحمزة (٢): ﴿من فزعٍ﴾ بالتنوين.
و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ ينفخ في الصور، منصوب على الظرفية، معمول لقوله: ﴿آمِنُونَ﴾ أو لـ ﴿فَزَعٍ﴾، ويدل على أنه معمول له قراءة من أضافه إليه، أو في موضع الصفة لـ ﴿فَزَعٍ﴾؛ أي: كائنٍ في ذلك الوقت، والمعنى عليه؛ أي: والذين جاؤوا بالحسنات آمنون من فزع كائن يوم إذ وقعت هذه الأهوال العظيمة اهـ "مراح".
وقرأ باقي السبعة بإضافة ﴿فَزَعٍ﴾ إلى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فكسرَ الميمَ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وفتحها بناء لإضافته إلى غير متمكن نافع في غير رواية إسماعيل، والتنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تنوين عوض عن الجملة المحذوفة، ويكون التقدير يوم إذ جاء بالحسنة، أو يوم إذ ترى الجبال، أو يوم إذ يُنفخ في الصور.
﴿آمِنُونَ﴾ لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل، ولا يلحقهم ضرره أصلًا، وأما الفزع الذي يعتري كل من في السموات ومن في الأرض غير من استثناه الله تعالى فانما هو التهيُّبُ والرعبُ الحاصل في ابتداء النفخة، منن معاينة فنون الدواهي
стр. 9347
والأهوال، ولا يكاد يخلو مثله أحد بحكم الجبلة، وإن كان آمنًا من لحوق الضرر.
وعبارة "الخازن" هنا: فإن قلت (١): كيف نفى الفزع هنا، وقد قال قبله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؟
قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع، وهول يفجأ من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، فأما الفزع الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه، وأما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك عنه أحد، اهـ.
٩٠ - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَة﴾؛ أي: بالشرك الذي هو أسوأ المساوىء ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: ألقوا وطرحوا فيها على وجوههم منكوسين، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم، كما أريدت بالأيدي في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فإن الوجه والرأس والرقبة واليد يعبر بها عن جميع البدن، وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف أعضاء الإنسان، لاجتماع الحواس فيها، وقال جماعة (٢) من الصحابة ومن بعدهم: حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل أن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص قوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ فهذا الجزاء لا يكون إلا بمثل سيئة الشرك.
وجملة قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مقول لقول محذوف، والقاثل خزنة جهنم، والاستفهام فيه للإنكار، فهو بمعنى النفي؛ أي: حالة كونهم مقولًا لهم ما تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك؛ أي: تقول لهم خزنة جهنم ما تجزون الآن إلا جزاء أعمالكم من الشرك والمعاصي في الدنيا.
وفي الحديث (٣): "إذا كان يوم القيامة جاء الإيمان والشرك يجثوان بين
стр. 9348
يدي الرب تعالى، فيقول الله تعالى للإيمان: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار"، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ إلى قوله: ﴿في النار﴾.
ويقال: لا إله إلا الله مفتاح الجنة، ولا بد للمفتاح من أسنان حتى يفتح الباب، ومن أسنانه لسان ذاكر طاهر من الكذب والغيبة، وقلب خاشع طاهر من الحسد والخيانة، وبطن طاهر من الحرام والشبهة، وجوارح مشغولة بالخدمة طاهرة من المعاصي.
٩١ - ولما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد أمر رسوله ﷺ أن يقول لهم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أمرت أن أخص الله سبحانه بالعبادة وحده لا شريك له، تنبيهًا لهم إلى أنه قد تم أمر الدعوة بما لا مزيد عليه، ولم يبق له بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة الله، والاستغراق في مراقبته، غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا، وأشار إليها إشارة تعظيم لأنها موطن نبيِّه ومهبط وحيه.
والمراد بالبلدة مكة المشرفة، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون بيت الله الحرام فيها، ولكونها أحب البلاد إلى رسوله ﷺ قال في "التكملة": خص البلدة بالذكر، وهي مكة، وإن كان رب البلاد كلها ليعرف المشركون نعمته عليهم، وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه، هو الذي حرَّم بلدتهم. انتهى.
وعبارة "الخازن": وإنما ذكر أنه هو الذي حرمها؛ لأن العرب كانوا معترفين بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله، لا من الأصنام. انتهى.
والموصول في قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: حرم هذه البلدة وشرفها وعظمها بتحريمه على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا، ويظلموا فيها أحدًا، صفة للرب، هكذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود التي حرمها على أن الموصول صفة للبلدة، والتعرض لتحريمه تعالى إياها إجلال لها بعد إجلال، ومعنى تحريمها جعلها حرمًا آمنًا لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلى خلاها.
стр. 9349
وفي الحديث "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"؛ أي: كان تحريمها من الله سبحانه بأمر سماوي، لا من الشام باجتهاد شرعي، وأما قوله ﷺ : "إن إبراهيم حرم مكة" فمعناه: أظهر الحرمة الثابتة، أو دعا فحرمها الله تعالى حرمة دائمة.
ومعنى الآية (١): قل لقومك يا محمد: أمرت من قبل الله أن أخصه وحده بالعبادة، ولا أتخذ له شريكًا، فاعبدوه أنتم، ففيه عزكم وشرفكم، ولا تتخذوا له شريكًا، وقد ثبتت عليكم نعمتة بتحريم بلدتكم، قال بعضهم: العبادة لباس الأنبياء والأولياء.
ولما أخبر أنه مالك هذه البلدة. أخبر أنه يملك كل شيء فقال: ﴿وَلَهُ﴾؛ أي: ولرب هذه البلدة خاصة ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ خلقًا وملكًا وتصرفًا، دون أن يشركه في ذلك أحد؛ أي: جميع الأشياء داخلة في ربوبيته، فشرفت البلدة بذكر اندراجها تحت ربوبيته على جهة الخصوص، وعلى جهة العموم، وفيه تنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة للتفخيم مع عموم الربوبية لجميع الموجودات.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي (٢): وأمرني ربي أن أسلم وجهي له، فأكون من الموحدين المخلصين له، المنقادين لأمره، المستسلمين بطاعته بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والمراد بقوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ أن أثبُتَ على ما أنا عليه.
٩٢ - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: وأمرت أن أداوم على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وأواظب على ذلك، لتنكشف لي أسراره المخزونة في تضاعيفه، واسطلع أدلة الكون المتفرقة في آيه، فأعرف حقائق الحياة، وسر الوجود، ويفاض عليَّ من فيوضاته الإلهية، وأسراره القدسية، ما شاء الله أن يُفيض.
وقد روي أنه ﷺ قام ليلة يصلي فقرأ قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ فما زال يكررها، ويظهر له من أسرارها ما يظهر، ويتجلى له من مقاصدها ما
стр. 9350
تسمو به نفسه إلى الملأ الأعلى حتى طلع الفجر. ونحو الآية: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾.
قال أبو حيان (١): قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ إما من التلاوة؛ أي: وأن أتلو عليكم القرآن، وهذا هو الظاهر، إذ بعده التقسيم المناسب للتلاوة، وإما من التلو، وهو الاتباع؛ أي: وأن أتبع القرآن، كقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ﴾ بإثبات الواو بعد اللام، على أنه من التلاوة وهي القراءة، أو من التلو، وهو الاتباع، وقرأ عبد الله: ﴿وأن أتل﴾ بغير واو، أمرًا له ﷺ من تلا، فجاز أن تكون ﴿أن﴾ مصدرية وُصلت بالأمر، وجاز أن تكون مفسرة على إضمار وأمرت أن أتل؛ أي: تل، كذا وجهه الفراء، وقال النحاس: ولا نعرف أحدًا قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف، وقرأ أبي: ﴿وأتل هذا القرآن﴾ جعله أمرًا دون ﴿أن﴾.
فعليك (٢): أيها المؤمن بتلاوة القرآن كل يوم، ولا تهجره كما يفعل ذلك طلبة العلم، وبعض المشيخة، زاعمين بأنهم قد اشتغلوا بما هو أهم من ذلك، وهو كذب، فإن القرآن مادة كل علم في الدنيا والدين، ويُستحب لقارىء القرآن في المصحف أن يجهر بقراءته، ويضع يده على الآية يتبعها، فيأخذ اللسان حظه من الرفع، ويأخذ البصر حظه من النظر، واليد حظها من المس.
واعلم: أن خُلَقَ النبي ﷺ كان القرآن، فانظر في تلاوتك إلى كل صفة مدح الله بها عباده، فافعلها أو اعزم على فعلها، وكل صفة ذم الله بها عباده على فعلها فاتركها، أو اعزم على تركها، فإن الله تعالى ما ذكر لك ذلك، وأنزله في كتابه إلا لتعمل به، فإذا حفظت القرآن عن تضييع العمل به، كما حفظته تلاوة فأنت الرجل الكامل.
وقيل لهم يا محمد أيضًا: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتباعه إياي في العبادة والإِسلام وتلاوة القرآن ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فإنما منافع اهتدائه عائدة إليه لا إلى
стр. 9351
غيره، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بمخالفتي فيما ذكر؛ أي: ضل بالكفر، وأعرض عن الهداية ﴿فَقُلْ﴾ في حقه: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: من المخوِّفين من عذاب الله تعالى، فقد بلغت، وأنذرت، وخرجت من عهدة الإنذار والتخويف من عذاب الله وسخطه، فليس عليَّ من وباله شيء، وإنما هو عليه فقط، وقيل (١): الجواب محذوف؛ أي: فوبال ضلاله عليه، وأقيم ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ مقامه لكونه كالعلة له، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
٩٣ - ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ما أعطاني من نعمة العلم والنبوة، وعلى ما وفقني من القيام بأداء الرسالة، وقيل لهم يا محمد أيضًا: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ الله سبحانه أيها المشركون عند الموت، أو يوم القيامة ﴿آيَاتِهِ﴾؛ أي: دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم، وفي غيركم، وهو من جملة ما أمر به النبي ﷺ أن يقوله، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾؛ أي: فتعرفون أنها آياته ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار؛ لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان، وذلك عند حضور الموت. أو المعنى (٢): ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ الله تعالى في الدنيا ﴿آيَاتِهِ﴾ الباهرة كخروج الدابة، وسائر أشراط الساعة ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾؛ أي: فتعرفون أنها آيات الله تعالى حين لا تنفعكم المعرفة، وقيل (٣): هو في يوم بدر، وهي ما أراهم من القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقيل آياته في السموات والأرض وفي أنفسكم.
ثم ختم السورة بقول ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿بِغَافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عما تعمل أنت من الحسنات، وما تعملون أنتم أيها الكفرة من السيئات، فيجازي كلًّا منكم بعمله، وقُرىء: ﴿عما يعملون﴾ بالياء؛ أي: وما ربك بغافل عن أعمالهم، فسيعذبهم، فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى
стр. 9352
عن أعمالهم المسببة للعذاب، وهذا (١) من كلامه تعالى غير داخل تحت الكلام الذي أُمر النبي ﷺ أن يقوله، وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿عما يعملون﴾ بياء الغيبة التفاتًا من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة، وقرأ نافع وابن عامر، وحفص عن عاصم: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بتاء الخطاب، لقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾، ولما قسمهم أولًا إلى مهتد وضال أخبر تعالى أنه محيط بأعمالهم غير غافل عنها.
وعبارة البروسوي هنا قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ كلام (٣) مسوق من جهته تعالى، مقرِّر لما قبله من الوعد والوعيد، كما ينبىء عنه إضافة الرب إلى ضمير النبي ﵇، وتخصيص الخطاب أولًا به وتعميه ثانيًا للكفرة تغليبًا؛ أي: وما ربك يا محمد بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون أنتم أيها الكفرة من السيئات، فيجازي كلًّا منكم بعمله، وكيف يغفل عن أعمالكم، وقد خلقكم وما تعملون، كما خلق الشجرة وخلق فيها ثمرتها، فلا يخفى عليه حال أهل السعادة والشقاوة، وإنما يُمهل لحكمة لا لغفلة، وإنما الغفلة لمن لا ينتبه لهذا فيعصي الله بالشرك وسيئات الأعمال، وأعظم الأمراض القلبية نسيان الله سبحانه، ولا ريب أن علاج أمر إنما هو بضده، وهو ذكر الله تعالى، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المجدِّين في الدين إلى أن يأتينا اليقين.
عبارة المراغي هنا: ثم أمره سبحانه بترغيب قومه وترهيبهم، فقال (٤): ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه﴾؛ أي: وقيل الحمد لله على ما أفاض على من نعمائه، التي من أجلِّها نعمة النبوة، المستتبعة لضروب من النعم الدينية والدنيوية، ووفقني لتحمل أعبائها، وتبليغ أحكامها بالآيات البينة والبراهين الساطعة، ووفقني لاتباع الحق الذي أنتم عنه عمون.
﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾؛ أي: سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه فتعرفون
стр. 9353
بها حقيقة نصحي، وسيتبيَّن لكم صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد حين لا تُجدي المعرفة، ولا تُفيد التبصرة شيئًا، ونحو الآية قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
ثم ذيَّل هذا بتقرير ما قبله من الوعد والوعيد بقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وما ربك بغافل عما يعمله هؤلاء المشركون، ولكنه مؤخِّر عذابهم إلى أجل هم بالغوه، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فلا يحزنك تكذيبهم، فإني لهم بالمرصاد، وأيقن باني ناصرك وخاذل عدوك، ومذيقهم الذل والهوان.
روي: أن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغْفَلًا شيئًا لأغفل ما تُعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وكان الإِمام أحمد كثيرًا ما ينشد هذين البيتين:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلُ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا تُخْفِيْهِ عَنْهُ يَغِيْثُ
الإعراب
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾.
﴿إِنَّ هَذَا﴾: ناصب واسمه، ﴿الْقُرْآنَ﴾: بدل من اسم الإشارة، ﴿يَقُصُّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْقُرْآنَ﴾، ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَقُصُّ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿أَكْثَرَ﴾: مفعول به لـ ﴿يَقُصُّ﴾، ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾، وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿وَإِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَهُدًى﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿هُدًى﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: معطوف على ﴿هدى﴾، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور، تنازع فيه هدى ورحمة على كونه صفة لهما، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَقْضِي﴾: فعل
стр. 9354
مضارع وفاعل مستتر يعود على الرب، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾، ﴿بِحُكْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾ أيضًا، وجملة ﴿يَقْضِي﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى بعاطف مقدر، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول، ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَقْضِي﴾.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾.
﴿فَتَوَكَّلْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن الله هو العزيز العلم، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك توكل على الله، ﴿توكل﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى الْحَقِّ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة للحق، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، مسوقة لتعليل الأمر بالتوكل. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُسْمِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿الْمَوْتَى﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿إن﴾ الأولى، على كونها تعليلًا ثانيًا للأمر بالتوكل، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُسْمِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿تُسْمِعُ﴾ الأول، ﴿الصُّمَّ﴾: مفعول به أول، ﴿الدُّعَاءَ﴾: مفعول ثان، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط، ﴿وَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، ﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال من الفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿تُسْمِعُ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا
стр. 9355
يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾: حجازية، ﴿أَنْتَ﴾ في محل الرفع اسم ﴿ما﴾، ﴿بِهَادِي﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿هَادِي الْعُمْيِ﴾: خبر ﴿ما﴾ الحجازية منصوب محلًا مجرور لفظًا، ﴿الْعُمْيِ﴾: مضاف إليه، ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿هادي﴾، عداه بـ ﴿عن﴾ لتضمنه معنى تصرفهم، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ﴿إن﴾ نافية، ﴿تُسْمِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور مضاف إليه متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿هُمْ مُسْلِمُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة الصلة، عطف اسمية على فعلية. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَقَعَ﴾، ﴿أَخْرَجْنَا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة مسوقة لبيان بعض أشراط الساعة، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿دَابَّةً﴾: مفعول ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على الدابة، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿دَابَّةً﴾، ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾، وجملة ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانُ﴾، وجملة ﴿كَانُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ بفتح الهمزة في تأويل مصدر مجرور بالباء المقدرة؛ أي؛ تخبرهم بعدم إيقان الناس بآيات ربنا، وأما بكسر الهمزة فمقول لقول محذوف، تقديره: تكلمهم وتقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق
стр. 9356
بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة يوم نحشر، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿نَحْشُرُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَحْشُرُ﴾، ﴿فَوْجًا﴾: مفعول به لـ ﴿نَحْشُرُ﴾، ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فَوْجًا﴾، وجملة ﴿يُكَذِّبُ﴾ صلة ﴿من﴾ الموصوله، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾:عاطفة، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُوزَعُونَ﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿نَحْشُرُ﴾، عطف اسمية على الفعلية.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، ﴿جَاءُوا﴾: فعل وفاعل، ومتعلق ﴿جَاءُوا﴾: محذوف، تقديره: حتى إذا جاءوا إلى موضع الحساب، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾، والجار والمجرور أعني ﴿حَتَّى﴾ متعلق بـ ﴿يُوزَعُونَ﴾، أو بـ ﴿نَحْشُرُ﴾، والتقدير: فهم يوزعون إلى قوله سبحانه وقت مجيئهم موضع الحساب: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي التقريعي، ﴿كَذَّبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآيَاتِي﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿لَمْ تُحِيطُوا﴾: جازم وفعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تُحِيطُوا﴾، ﴿عِلْمًا﴾ تمييز محول عن الفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مؤكدة للإنكار والتوبيخ، ﴿أَمَّاذَا﴾ ﴿أم﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر المبتدأ، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبر
стр. 9357
﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ذا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: كنتم تعملونه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ماذا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب فعول مقدم لـ ﴿تعملون﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَوَقَعَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَقَعَ﴾، ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿وَقَعَ﴾ أيضًا، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَقَع﴾.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التقريري، أو الإنكاري، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يَرَوْا﴾: فعل مضارع وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والرؤية هنا قلبية، لا بصرية كما مر، والجملة الفعلية مستأنفة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، إن كان جعل بمعنى خلقنا، أو مفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: مظلمًا، إن كان بمعنى صيَّرنا، وجملة ﴿جَعَلْنَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّا﴾ قال، وجملة ﴿أَنَّا﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿يَرَوْا﴾؛ أي: ألم يروا جعلنا الليل مظلمًا، ﴿لِيَسْكُنُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يَسْكُنُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْكُنُوا﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لسكونهم فيه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾، ﴿وَالنَّهَارَ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾، ﴿مُبْصِرًا﴾: حال، أو مفعول ثان، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿لَآيَاتٍ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿آيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة
стр. 9358
لآيات، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿يَوْمَ﴾: منصوب باذكر محذوفًا، تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة يوم ينفخ في الصور، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾، ﴿يُنْفَخُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور نائب فاعل لـ ﴿يُنْفَخُ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿وَيَوْمَ﴾، ﴿فَفَزِعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿فَزِعَ﴾: فعل ماض بمعنى يفزع، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة ينفخ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: إلا من شاء الله عدم فزعه، ﴿وَكُلٌّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة قصد العموم، أو نية المضاف إليه؛ أي: وكلهم، ﴿أَتَوْهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿دَاخِرِينَ﴾: حال من فاعل ﴿أَتَوْهُ﴾، وجملة ﴿أَتَوْهُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿فَزِعَ﴾، ﴿وَتَرَى﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، ورأى هنا بصرية، ﴿الْجِبَالَ﴾: مفعول به، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يُنْفَخُ﴾، ﴿تَحْسَبُهَا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول، ﴿جَامِدَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿تَحْسَبُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَرَى﴾، ﴿وَهِيَ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَمُرُّ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، ﴿مَرَّ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿جَامِدَةً﴾، ﴿السَّحَابِ﴾ مضاف إليه ﴿صُنْعَ
стр. 9359
اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: صنع الله ذلك صنعًا، والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها، ﴿الَّذِي﴾: في محل الجر صفة للجلالة، ﴿أَتْقَنَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَفْعَلُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره تفعلونه.
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿جَاءَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾: على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، ﴿فَلَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾: الشرطية، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿خَيْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾: الشرطية مستأنفة، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾: متعلق بـ ﴿آمِنُونَ﴾، ﴿آمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، ﴿يوم﴾: مضاف، ﴿إذٍ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿فَزَعٍ﴾، تقديره: من فزع كائن في ذلك اليوم، وقرىء بإضافة ﴿فَزَعٍ﴾ إلى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَن﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿جَاءَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، ﴿فَكُبَّتْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب داخلة على قد محذوفة؛ أي: قد كبت، ليصح اقتران الجواب بها، ﴿كُبَّتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، في
стр. 9360
محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جوابًا لها، ﴿وُجُوهُهُمْ﴾: نائب فاعل، ومضاف إليه، ﴿فِي النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿كبت﴾، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري، ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. وجملة ﴿تُجْزَوْنَ﴾ في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من ﴿وُجُوهُهُمْ﴾، تقديره: فكبت وجوههم في النار حالة كونهم مقولا لهم هل تجزون إلا ما كنتم تعملون.
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أُمِرْتُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: قل لهم: إنما أمرت، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿أَعْبُدَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿رَبَّ﴾: مفعول به، ﴿هَذِهِ﴾: مضاف إليه، ﴿الْبَلْدَةِ﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إنما أمرت بعبادة رب هذه البلدة، ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿رَبَّ﴾، ﴿حَرَّمَهَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَلَهُ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿له﴾: خبر مقدم، ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿حَرَّمَهَا﴾، ﴿وَأُمِرْتُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أُمِرْتُ﴾ الأولى، ﴿أَنْ﴾ حرف مصدر، ﴿أَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أن﴾ واسمها ضمير يعود على النبي ﵇، ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: خبر ﴿أَكُونَ﴾، وجملة ﴿أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأمرت بكوني من المسلمين.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
стр. 9361
﴿وَأَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من أن أكون، تقديره: وأمرت بكوني من المسلمين وبتلاوتي القرآن، ﴿فَمَنِ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما أمرت به، وأردتم بيان عاقبة من اهتدى ومن ضل منا ومنكم فأقول لكم، ﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ ﴿مَنِ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿اهْتَدَى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾، ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب جوازًا، لشبه الجواب بالجملة الاسمية بدخول ﴿إن﴾ المكفوفة عليها، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، أو ﴿إن﴾: حرف نصب مكفوف، و ﴿ما﴾: كافة، ﴿يَهْتَدِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿لِنَفْسِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة من الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر إما جملة الشرط، أو الجواب، ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَقُلْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب وجوبًا، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط محذوف، تقديره: فقل له، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: خبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿وَقُلِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿قُلِ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾. ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ السين: حرف استقبال، جيء بها لتأكيد مضمون الكلام، ﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعولان؛ لأنه من أرى البصرية، تعدت إلى مفعولين بالهمزة، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ ﴿الفاء﴾:
стр. 9362
عاطفة، ﴿تَعْرِفُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿سَيُرِيكُمْ﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: حجازية، ﴿رَبُّكَ﴾: اسمها، ﴿بِغَافِلٍ﴾ خبرها. و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى، مقررة لما قبلها، ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿غافل﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: عما تعملونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ والصم جمع الأصم، كالغُرِّ جمع الأغرّ، والصمم فُقدان حاسة السمع، كما مر، وشُبِّه به مَنْ لا يُصْغي إلى الحق ولا يقبله كما شُبّه هاهنا، والدعاء: الدعوة إلى أمر من الأمور.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ يقال: ولَّى عن الشيء إذا أعرض عنه، وترك قربه، ويقال: أدبر إذا أعرض، وولى دبره، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ والعمي جمع الأعمى، والعمى: افتقاد حاسة البصر، فشبه سبحانه من افتقد البصيرة بمن افتقد البصر، في عدم الاهتداء إلى المقصود، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله سبحانه عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان اهـ. "سمين".
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وقع حدث وحصل، والمراد من القول ما دل من الآيات على مجيء الساعة، ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ أي: تنبئهم وتخبرهم، ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ والحشر: الجمع، والمراد به هنا هو الحشر للعذاب، بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق، والأمة: جماعة أرسل إليهم رسول كما في "القاموس"، والفوج: الجماعة من الناس كالزمرة كما في "الوسيط"، والجماعة المارة المسرعة كما في "المفردات"، وكان هذا هو الأصل، ثم أطلق وإن لم يكن مرور ولا إسراع، والجمع أفواج وفؤوج، وجمع الجمع أفاوج وأفايج وأفاويج، والفائجة الجماعة، ومتَّسع ما بين كل مرتفعين من رمل.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف التوبيخ والمناقشة، ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: ولم تدركوا حقيقة
стр. 9363
كنهها، ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ والصور هو: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ للموت والحشر.
﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ والفزع: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخوف، ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه، والمراد بالفزع هنا ما يعتري الكل مؤمنًا وكافرًا عند البعث والنشور، بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، من الرعب والتهيب الضروريِّين الجِبْليِّين، ﴿دَاخِرِينَ﴾؛ أي: أذلاء صاغرين، وفي "القاموس": دخر الشخص كمنع وفرح دخرًا ودخورًا صغر وذل، وأدخرته بالألف للتعدية، ويقال: أدخرته فدخر؛ أي: أذللته فذل.
﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾؛ أي: ثابتة في أماكنها، من جمد الماء وكل سائل قام وثبت ضد ذاب. ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ والصنع: إجادة الفعل فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، ولا يُنسب إلى الحيوانات كما يُنسب إليها الفعل كما في "المفردات"، والإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو مأخوذ من قولهم: تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة، والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضًا ما رُمي به في الغدير من ذلك أو الأرض، ويقال: أتقن الشيء إذا أحكمه، يقال: رجل تقن، بكسر التاء وسكون القاف؛ أي: حاذق بالأشياء.
﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: ألقيت منكوسة، والكب إسقاط الشيء على وجهه، ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والعبادة هي غاية التذلل والخضوع، والبلد: المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه، وإقامتهم فيه، ولاعتبار الأثر قيل: بلدة؛ أي: أثر.
﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: جعلها حرامًا؛ أي: ممنوعًا منه، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ والتلاوة قراءة القرآن متتابعة كالدراسة والأوراد الموظفة، والقراءة أعم، يقال: تلاه تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما.
стр. 9364
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ حيث أسند القص إلى القرآن؛ لأن القص لا يوصف به إلا الناطق المميز، ولكن القرآن لما تضمن نبأ الأولين كان كالشخص الذي يقص على الناس الأخبار.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ حيث أطلق الحكم على المحكوم به على سبيل التجوز.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ لأن فعيلًا من صيغ المبالغة.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلخ. حيث مثل أحوال الكفار في عدم انتفاعهم بما يتلى عليهم من الآيات بالموتى، وفي عدم إصغائهم إلى الحق وقبولهم له بالصم الذين لا يسمعون النداء، وفي عدم اهتدائم إلى الحق والصواب بالعمي الذين لا يهتدون إلى المقصود.
ومنها: تقييد نفي عدم الاسماع بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا﴾ لتكميل التشبيه وتأكيد النفي، فإن إسماعهم في هذه الحالة أبعد؛ أي: إن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخه قريبًا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدًا منه.
ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ﴾ لتربية المهابة، وكان مقتضى السياق أن يقال: قلنا؛ لأن قبله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ بالتكلم.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للتأنيب.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ فقد أسند الإبصار إلى الزمان، وهو لا يعقل؛ لأن المعنى: ليبصروا بما فيه من الإضاءة طرق التقلب في
стр. 9365
أمور المعاش، فبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالًا له، ووصفًا من أوصافه التي جعل عليها بحيث لا ينفك عنها.
ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ والاحتباك عند البديعيين هو: الحذف من أحد المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر؛ لأن أصل التركيب: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ليتحركوا فيه، فحذف مظلمًا لدلالة مبصرًا عليه، وحذف ليتحركوا فيه لدلالة ليسكنوا عليه.
ومنها: الإخبار بالماضي عن المستقبل في قوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وكان السياق يقتضي بأن يأتي بالمستقبل أيضًا، ولكنه عدل إلى الماضي للإشعار بتحقق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعًا به.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ففيه طباق عجيب بين الجمود والحركة السريعة، حيث جعل ما يبدو لعين الناظر من الأجرام العظام كالجبل في جموده ورسوخه، ولكنه سريع يمر مرورًا حثيثًا كما يمر السحاب.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: تمر عمر السحاب في السرعة، حذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح تشبيهًا بليغًا مثل: محمد قمر.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ وفي قوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾.
ومنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه في قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ لأن الإضافة تكون لتشريف المضاف إليه، كما أنها تكون لتشريف المضاف في نحو ناقة الله، وبيت الله، وروح الله.
ومنها: الاحتراس في قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ ففيه احتراس بديع، فقد
стр. 9366
أضاف سبحانه اسمه إلى مكة تشريفًا لها، وذكرًا لتحريمها، ولما أضاف اسمه إلى البلدة المخصوصة بهذا التشريف أتبع ذلك إضافة كل شيء سواها إلى ملكه، قطعًا لتوهم اختصاص ملكه بالبلدة المشار إليها، وتنبيهًا على أن الإضافة الأولى إنما قصد بها التشريف لا لأنها ملك الله تعالى خاصة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 9367
جملة ما حوته هذه السورة من حكم وأحكام وقصص
اشتملت هذه السورة على الأمور التالية:
١ - وصف القرآن الكريم بأنه هدى ورحمة للمؤمنين.
٢ - قصص موسى ﵇.
٣ - قصص سليمان ﵇.
٤ - قصص ثمود، وقصص قوم لوط.
٥ - النعي على المشركين في عبادة الأصنام والأوثان، وإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى.
٦ - إنكار المشركين للبعث والنشور، وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
٧ - علم الله بما في الصدور.
٨ - حكم القرآن على ما اختلف فيه بنو إسرائيل.
٩ - قطع الأطماع في إيمان المشركين، وتشبيههم بالعُمْيِ الصُّمِّ.
١٠ - أشراط الساعة كخروج الدابة من الأرض، وحشر فوج من كل أمة وتسيير الجبال.
١١ - الجزاء على العمل خيرًا كان أو شرًا.
١٢ - أمر الرسول ﷺ أن يقول للمشركين: إنه إنما أمر بعبادة رب مكة، لا بعبادة الأصنام والأوثان.
١٣ - أمره بحمد الله والثناء عليه، وطلبه تلاوة القرآن.
стр. 9368
١٤ - أنه سبحانه سيُري المشركين آياته فيعرفونها حق المعرفة، حين لا يفيدهم ذلك شيئًا. وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين (١).
والله أعلم
* * *
стр. 9369
سورة القصص
سورة القصص (١) نزلت بعد النمل، وهي مكية كلها على ما روى الحسن وعطاء وطاوس وعكرمة، وقال مقاتل: مكية إلا من قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ (٥٢) إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٥٥) فمدنية، وإلا آية ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٨٥) فإنها نزلت بالجحفة، أثناء الهجرة إلى المدنية، فليست مكية ولا مدنية.
وهي ثمان وثمانون آية (٢)، وألف وأربع مئة وإحدى وأربعون كلمة. وخمسة آلاف وثمان مئة حرف.
التسمية: سميت سورة القصص؛ لأن الله تعالى ذكر فيها قصة موسى ﵇ مفصلة موضحة، من حين ولادته إلى حين رسالته، ولاشتمالها على الحكاية والأخبار العجيبة، والقصص مصدر بمعنى الإخبار، وتسمى أيضًا سورة موسى، واعلم أن أسماء السور توقيفية، وكذا ترتيبها وترتيب الآيات، فلا بد فيها من ملاحظة المناسبة.
المناسبة: ووجه مناسبة هذه السورة لما قبلها أمور (٣):
١ - أنه سبحانه بسط في هذه السورة ما أوجز في السورتين قبلها من قصص موسى ﵇، وفصَّل هنا ما أجمله هناك، فشرح تربية فرعون لموسى، وذبح أبناء بني إسرائيل، الذي أوجب إلقاء موسى حين ولادته في اليم، خوفًا عليه من الذبح، ثم ذكر قتله القبطي، ثم فراره إلى مدين، وما وقع له مع شعيب من زواجه ببنته، ثم مناجاته لربه.
стр. 9370
٢ - أنه أجمل في السورة السالفة توبيخ المشركين بالسؤال عن يوم القيامة، وبسطه هنا أتم البسط.
٣ - أنه فصل هناك أحوال بعض المهلكين من قوم صالح، وقوم لوط، وأجمله هنا في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ...﴾ الآيات.
٤ - بسط هناك حال من جاء بالحسنة، وحال من جاء بالسيئة، وأوجز ذلك هنا، وهكذا من المناسبات التي تظهر بالتأمل حين قراءة السورتين.
وقال أبو حيان (١): مناسبة أول هذه السورة لآخر السورة التي قبلها: أن الله سبحانه أمر نبيه ﷺ بحمده، ثم قال: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وكان مما فُسِّر به آياته تعالى معجزات الرسول، وأنه أضافها تعالى إليه، إذ كان هو المخبر بها على قدمه فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ إذ كان الكتاب هو أعظم المعجزات، وأكبر الآيات البينات اهـ.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله (٢) محمد بن حزم الأندلسي: سورة القصص كلها محكم إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ...﴾ الآية (٥٥) نسخت بآية السيف اهـ.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) ما أفاض به على موسى من نعمه في الصغر من إنجائه من الهلاك بعد وضعه في التابوت وإلقائه في النيل، وإنجائه من الذبح الذي عم بني إسرائيل .. أردفه بذكر ما أنعم به عليه في كبره من إيتائه العلم والحكمة، ثم إرساله رسولًا ونبيًا إلى بني إسرائيل والمصريين، ثم ذكر ما حصل منه من قتل المصري الذي اختصم مع اليهودي بوكزه بجُمْع يده، وكان ذلك سببًا في موته، ثم طلبه المغفرة من ربه على ما فعل، ثم تصميمه وعزمه أن لا يناصر غويًا مجرمًا، ثم أعقب ذلك بذكر خصام آخر بين ذلك اليهودي وقبطي آخر، وقد هم موسى اغاثته أيضًا فقال له المصري: أتريد الإصلاح في الأرض، أم تريد أن تكون من الجبارين المفسدين.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿طسم (١)﴾ يشير (٢) إلى القسم بطاء طَوله تعالى، وطاء طهارة قلب حبيبه ﷺ عن محبة غيره، وطاء طهارة أسرار موحديه عن شهود سواه، وبسين سرِّه مع محبيه، وبميم مننه على كافة مخلوقاته بالقيام بكفاياتهم على قدر حاجاتهم، كذا في "التأويلات النجمية"، وقد تقدم (٣) قولنا: إن أحق الآراء وأجدرها بالقبول في معنى هذه الحروف المقطعة أنها حروف يُراد بها التنبيه كما يراد مثل ذلك من معنى "يا" في النداء، و"ألا" في الاستفتاح، ونحوهما، ويُنطق بها بأسمائها هكذا (طا، سين، ميم) وعن ابن عباس ﵄: ﴿طسم (١)﴾ طاء طَوله وقدرته، وسين سنائه ورفعته، وميم ملكه.
٢ - ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذه السورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾؛ أي: آيات مخصوصة من القرآن الظاهر إعجازه، فاسم الإشارة إلى آيات هذه السورة، فالإشارة لمحقق
стр. 9373
حاضر في علم الله تعالى، والظاهر أن الكتاب هو القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ؛ أي (١): إن آيات هذه السورة آيات الكتاب الذي بيَّن بفصاحته أنه من كلام الله، وبين صدق نبوة محمد ص، وبين خبر الأولين والآخرين، وبين الحلال والحرام، والوعد والوعيد، والإخلاص والتوحيد، وبين كيفية التخلص من شبهات أهل الضلال.
والخلاصة (٢): أي هذه آيات الكتاب الكريم الذي أنزلته إليك أيها الرسول واضحًا جليًا، كاشفًا لأمور الدين وأخبار الأولين، لم تتقوَّله، ولم تتخرَّصه، كما زعم المشركون المنكرون له ولرسالة مَنْ أوحي إليه.
٣ - ثم ذكر ها هو الدليل على أنه وحي يوحى، وليس هو من وضع البشر فقال: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾؛ أي: نقرأ عليك يا محمد بواسطة جبريل ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾؛ أي: بعض خبر موسى وفرعون، حال كون ذلك الخبر متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصدق الذي لا كذب فيه، فهو حال من النبأ أو حالة كوننا متلبسين بالحق، فهو حال من فاعل ﴿نَتْلُو﴾، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لأجل قوم يصدقون بك وبالقرآن، وتخصيصهم بذلك مع عموم الدعوة والبيان للكل؛ لأنهم المنتفعون به.
والمعنى (٣): أي نتلو عليك بعض أخبار موسى ومحاجته لفرعون وغلبته إياه بالحجة، وأخبار فرعون وجبروته وطغيانه، وكيف قابل الحق بالباطل، ولم تُجْدِ معه البراهين الساطعة والمعجزات الواضحة، فأخذناه أخذ عزيز مقتدر، فكانت عاقبته الدمار والوبال، وأُغرق هوهومن معه من جنده أجمعين، نتلوها عليك تلاوة على وجه الحق، كأنك شاهد حوادثها، مبصر وقائعها، تصف ما ترى وتُبصر عيانًا لقوم يصدقون بك وبكتابك، لتطمئن به قلوبهم، وتثلج به صدورهم، ويعلموا أنه الحق من ربهم، وأن سنته فيمن خالفك وعاداك من المشركين هي
стр. 9374
سنته فيمن عادى موسى، ومن آمن معه من بني إسرائيل، وأن النصر دائمًا للمتقين، ويخزى الله المكذبين، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
وإنما جعل التلاوة للمؤمنين فقط، وهو يُتلى على الناس أجمعين لبيان أنه لا يعتبر بها إلا من كان له قلب واع، وأُذن سامعة تذكَّر وتتعظ بآياته، أما من أعرض عنه وأبى واستكبر، وقال: إن هذا إلا سحر يؤثر .. فلا تفيده الآيات والنذر، ولا يلقي له بالًا، ولا يعي ما فيه من حكمة، ولا ما يسوقه من عبرة، فهو على نحو ماحكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾.
٤ - ثم فصل هذا المجمل، ووضحه بقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فهو (١) استئناف بياني لذلك النبأ كأن سائلًا قال: وكيف نبأهما؟ فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وتصديره بحرف التأكيد للاعتناء بتحقيق مضمون ما بعده؛ أي: إن فرعون اللعين تجبَّر وطغى في أرض مصر، وقهر أهل مملكته، وجاوز الغاية في الظلم والعدوان، وساس البلاد سياسة غاشمة.
ومما مكن له في ذلك ما بيَّنه الله سبحانه بقوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ فرعون ﴿أَهْلَهَا﴾؛ أي: أهل أرض مصر؛ أي: أهل مملكته ﴿شِيَعًا﴾؛ أي: فرقًا يشيعونه ويتبعونه ويطيعونه في كل ما يريد من الشر والفساد، أو جعلهم أصنافًا في استخدامه، يستعمل كل صنف في عمل من بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الاْعمال الشاقة، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية.
والمعنى (٢): أي وفرَّقهم فرقًا مختلفة، وأحزابًا متعددة، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء كيلا يتفقوا على أمر، ولا يُجمعوا على رأي، ويشتغل بعضهم بالكيد لبعض، وبذا يلين له قيادهم، ولا يصعب عليه خضوعهم واستسلامهم، وتلك هي سياسة الدول الكبرى في العصر الحاضر بل وفي الصغرى، كما تفعله الحُبُوشُ بين شعوب الأرمية الإِسلامية استئمارًا لم يُسمع قط في العالم قديمًا
стр. 9375
وحديثًا، وذلك هو دستورها في حكمها لمستأمراتها، وقد نقش حكامها في صدورهم ذلك الدستور الذي ساروا عليه: فَرِّقْ تَسُدْ، وطالما أجدى عليهم في سياسة تلك البلاد التي يعمها الجهل، ويطغى على أهلها حب الظهور، ويرضون بالنفاية والقشور، رحماك اللهم رحماك! بسطت لعبادك سنتك في الأكوان، وأبنت لهم طبيعة الإنسان، وأنه محب للظلم والعدوان:
وَالظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوْسِ فَإنْ تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لاَ يَظْلِمُ
وجملة قوله (١): ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ حال من فاعل جعل؛ أي: جعلهم شيعًا حال كونه مستضعفًا طائفة منهم، أو مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقًا وأصنافًا، كانه قيل: كيف جعلهم شيعًا؟ فال: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل مصر، وتلك الطائفة بنو إسرائيل ومعنى الاستضعاف إنهم عجزوا وضعفوا عن دفع ما ابتلوا به عن أنفسهم.
قال ابن عباس (٢): إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا المعاصي، ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم الله على يد نبيه موسى ﵇؛ أي: يجعل جماعة منهم أذلاء مقهورين يسومهم الخسف، ويعاملهم بالعسف.
ثم فسر هذا الاستضعاف بقوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ كثيرًا صغارًا، وأصل الذبح شق حلق الحيوان، والتشديد للتكثير؛ أي: يقتل أبناء تلك الطائفة كثيرًا، بعضهم إثر بعض، حتى قتل تسعين ألفًا من أبناء بني إسرائيل صغارًا، وقرأ الجمهور ﴿يذبِّح﴾ مضعفًا، وأبو حيوة وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال.
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾؛ أي: يترك بناتهم أحياء لأجل الاستخدام، وذلك لأن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى ﵇ بشروا بمجيء موسى ﵇، وفرعون كان قد سمع ذلك، فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل عند الولادة، وهذا
стр. 9376
الوجه أولى بالقبول مما سيأتي، وقيل: إن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل.
وجملة قوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١) بدل من جملة ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، ويجوز أن تكون مستأنفة للبيان، أو حالًا، والمعنى (٢): أي يذبح أبناءهم حين الولادة، وقد وكَّل بذلك عيونًا تتجسس، فكلما ولدت امرأة من بني إسرائيل ذكرًا ذبحوه، ويستبقي إناثهم؛ لأنه يتوجس خيفة من الذكران الذي يتمرسون الصناعات، وبأيديهم زمام المال، فإذا طال بهم الأمد استولوا على المرافق العامة، وغلبوا المصريين عليها، والغلب الاقتصادي في بلد ما أشد وقعًا وأعظم أثرًا في أهلها من الغلب الاستئماري، ومن ثم لم يشأ أن يقتل النساء.
وروى السدي (٣): أن فرعون رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتعلت على بيوت مصر فأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فسأل علماء قومه فأخبره الكهنة أنه سيخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يديه، فأخذ يفعل ما قص علينا الكتاب الكريم.
قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون! فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقًا عنده فما ينفع القتل؟ وإن كان كاذبًا فلا فائدة فيه اهـ.
ولا يعنينا من أمر هذه الرواية شيء، فسواء صحت أو لم تصح، فإن السر المعقول ما قصصناه عليك أولًا.
ثم علل اجتراحه لتلك الجرائم وإزهاقه للأرواح البريئة بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: إن فرعون (٤) كان من الراسخين في التجبر والإفساد بقتل خلق كثير من المعصومين، ومن ثم سوَّلت له نفسه الخبيثة أن يفعل ما فعل من تلك الفظائع، وقتل سلائل الأنبياء بلا جريمة ارتكبوها، ولا ذنب جنوه. وقد كانت هناك وسائل عديدة ليصل بها إلى اتقاء شرور اليهود بحسب ما يزعم، وكان
стр. 9377
له فيها غنية من سفك الدماء، ولكن قساة القلوب، غلاظ الأكباد تتوق نفوسهم إلى الولوع في الدم، ويجعلونه الترياق الشافي لحزازات نفوسهم، وسخائم أفئدتهم.
٥ - ثم ذكر سبحانه ما أكرم به هذه الأمة المستضعفة، وما أتاح لها من السلطان المديني والدنيوي فتأسست لهم دولة عظيمة في بلاد الشام وصاروا يتصرفون في أرض مصر كما شاؤوا فقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: وأردنا أن نتفضل بإحساننا برسال موسى ﵇ على من استضعفهم فرعون، وأذلهم، وهم بنو إسرائيل، وننجيهم من باسه، ونريهم في أنفسهم وفي أعدائهم فوق ما يحبون، وأكثر مما يؤملون بخلاصهم من فرعون، وإغراقه.
وقوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ معطوف على جملة قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ وإن كانت الجملة المعطوف عليها اسمية؛ لأن بينهما تناسبًا من حيث إنَّ كل واحدة منهما وقع بيانًا وتفسيرًا لنبأ موسى وفرعون، ويجوز أن تكون حالًا من فاعل يستضعف، بتقدير مبتدأ؛ أي: ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، والأول أولى، والتعبير (١) في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، واستحضار صورتها.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة في الخير، ودعاة إليه، وولاة على الناس، وملوكًا فيهم، بعد أن كانوا أتباعًا مسخرين لآخرين، وفي "كشف الإسرار": أي أنبياء، وكان بين موسى وعيسى ﵉ ألف نبي من بني إسرائيل.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ لملك فرعون ومساكن القبط، وأملاكهم، فيكون ملك فرعون فيهم، ويسكنون في مساكنه، ومساكن قومه، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم، وأخر الوراثة عن الإمامة مع تقدمها عليها زمانًا، لانحطاط رتبتها عنها.
٦ - ونمكن لهم في الأرض؛ أي: ونسلطهم على أرض مصر والشام، يتصرفون فيهما كيف ما شاؤوا، بتأييدهم بكليم الله، ثم بالأنبياء من بعده، وأصل (٢)
стр. 9378
التمكين أن تجعل لشيء مكانًا يتمكن فيه، ثم استُعير للتسليط، كما سيأتي في مبحث البلاغة؛ أي: نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها، مسلطين على ذلك يتصرفون به كيف شاؤوا. وقرأ الجمهور (١): ﴿نُمَكِّنَ﴾ بدون لام عطفًا على نمن، وقرأ الأعمش ﴿ولنمكن﴾ بلام كي؛ أي: وأردنا ذلك لنمكن أو ولنمكن فعلنا ذلك.
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ رؤية بصرية، وقرأ الجمهور (٢): ﴿ونُري﴾ بالنون المضمومة وكسر الراء مضارع أرى الرباعي، وبنصب ما بعده على أن الفاعل هو الله سبحانه، وقرأ عبد الله وحمزة والكسائي والأعمش وخلف: ﴿ويرى﴾ بفتح الياء والراء مضارع رأى الثلاثي، والفاعل فرعون، وما بعده، والقراءة الأولى ألصق بالسياق؛ لأن قبلها نريد، ونجعل ونمكن بالنون، وأجاز الفراء: ﴿ويري﴾ فرعون بضم الياء التحتية وكسر الراء؛ أي: ويُري الله فرعون.
﴿وَهَامَانَ﴾ وزير فرعون وأحد رجاله، وذُكر لنباهته في قومه، ومحله من الكفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ أي: عساكرهما، وإضافة الجنود إليهما إما للتغليب، أو أنه كان لهامان جنود مخصوصة به، وإن كان وزيرًا، أو لأن جند السلطان جند لوزيره اهـ "شهاب".
﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أولئك المستضعفين ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾؛ أي: ما كان فرعون وهامان وجنودهما يخافونه من المستضعفين، ويجتهدون في دفعه، من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل، والموصول هو المفعول الثاني على القراءة الأولى، والمفعول الأول على القراءة الثانية، والمعنى: أن الله يريهم، أو يرونهم الذي كانوا يحذرون منه ويجتهدون في دفعه، من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين.
والخلاصة (٣): أي ونري أولئك الأقوياء والأعداء الألداء على أيدي بني
стр. 9379
إسرائيل من المذلة والهوان، وما كانوا يتوقعونه من زوال الملك والسلطان على يد مولود منهم، ولكن لا يُنْجي حذر من قدر، فنفذ حكم الله الذي جرى به القلم من القدم على يد هذا الغلام، الذي احترز من وجوده، وقتل بسببه ألوفًا من الولدان، وكان منشؤه ومرباه على فراشه، وفي داره، وغذاؤه من طعامه، وكان يُدَلِّلُهُ ويتبنَّاهُ، وحتفه وهلاكه وهلاك جنوده على يديه، ليعلم أن رب السموات والأرض هو الغالب على أمره الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وخلاصة ما سلف:
١ - أن فرعون علا في الأرض.
٢ - استضعف حزبًا من أحزاب مصر.
٣ - قتل الأبناء.
٤ - استحيا النساء.
٥ - أنه كان من المفسدين.
وقد قابل سبحانه هذه الخمسة بخمسة سثلها تكرمة لبني إسرائيل:
١ - أنه مَنَّ عليهم بإنقاذهم من بطش فرعون وجبروته.
٢ - أنه جعلهم أئمة مقدَّمين في الدارين.
٣ - أنه ورَّثهم أرض الشام.
٤ - أنه مكَّن لهم في أرض الشام ومصر.
٥ - أنه أرى فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون، من ذهاب ملكهم على أيديهم.
هذان عظمة وضعف يعقب أحدهما الآخر، كما يعقب الليل النهار، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ انظر
стр. 9380
إلى الدولتين الفارسية والرومية، وما كان لهما من مجد بازخ، وملك واسع كيف دالت دولتهما، وذهب ريحهما بظلم أهلهما، وتقسم ملكهما، ثم قامت بعدهما الدولة العربية، وعاشت ما شاء الله أن تعيش، ثم قام بعدها بنو عثمان، وملكوا أكثر مما كان بيد الأمة العربية ثم هرمت دولتهم، وشاخت، واستولت عليها ممالك أوروبا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾.
٧ - ولما ذكر الله سبحانه أنه سين على بني إسرائيل الذين استُضعفوا في الأرض .. أردف ذلك تفصيل بعض نعمه عليهم فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ أي: ألهمنا أم موسى - يوحانذ بنت لاوي بن يعقوب - وفي "القرطبي": قال الثعلبي: كان اسم أم موسى لوخا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب اهـ.
وقذفنا في قلبها ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾؛ أي: أرضعيه ما أمكتك إخفاؤه عن عدوه وعدوك، وذلك أن أم موسى حبلت بموسى، فلم يظهر بها أثر الحبل من نشوء البطن، وتغير اللون، وظهور اللبن، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، حتى ولدت موسى ليلة لا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطَّلع عليها أحد من القوابل الموكَّلة من جهة فرعون بحبالى بني إسرائيل، ولا من غيرهن إلا أخته مريم، فأوحى إليها أن أرضعيه، قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة أشهر، وقيل ثلاثة، وكانت ترضعه وهو لا يبكي ولا يتحرك في حجرها.
وليس الوحي الذي أوحى الله إليها هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، بل إيحاء الله تعالى إليها إلهام، وقذف في القلب، قاله ابن عباس وقتادة، أو منام قاله قوم، أو إرسال ملك قاله قطرب وقوم، وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وأجمعوا على أنها لم تكن نبية، فإن كان الوحي بإرسال ملك كما هو الظاهر، فهو كإرساله للأقرع والأبرص والأعمى، كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما.
وقد سلَّمت على عمران بن حصين الملائكة، كما في الحديث الثابت في الصحيح، فلم يكن بذلك نبيًا، والظاهر أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة، فيكون
стр. 9381
ثم جملة محذوفة؛ أي ووضعت موسى أمه في زمن الذبح، وخافت عليه، وأوحينا إليها أن أرضعيه، و ﴿أَنْ﴾ في ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ مفسرة؛ لأن في الوحي معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بأن أرضعيه، وقرأ عمرو بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز ﴿أن أرضعيه﴾ بكسر نون ﴿أن﴾ ووصل همزة ﴿أَرْضِعِيهِ﴾، فالكسر لالتقاء الساكنين، وحُذفت همزة الوصل على غير القياس؛ لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة، وهي الفتحة إلى النون، كقراءة ورش.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على موسى من جواسيس فرعون ونقبائه، الذين يقتلون أولاد بني إسرائيل اتباعًا لأمره، أو من الجيران أن ينمُّوا عليه إذا سمعوا صوته ﴿فَأَلْقِيهِ﴾؛ أي: فألقي موسى ﴿فِي الْيَمِّ﴾ أي: في بحر النيل؛ أي: فاطرحيه في التابوت، والتابوت في البحر، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾؛ أي: من غرقه وضياعه، ومن التقاطه فيُقتل ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لفراقه إياك.
رُوي: أن دارها كانت على الشاطىء، فاتخذت تابوتًا مطليًا بالقار، ومهَّدت فيه مهدًا، وألقته في النيل، وليس هناك من دليل على الزمن الذي قضته بين الولادة والإلقاء في اليم.
ثم وعدها سبحانه بما يسلِّيها، ويطمئن قلبها، ويملؤه غبطة وسرورًا، وهو رده إليها، وجعله رسولًا نبيًا، فقال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾؛ أي: رادو ولدك ﴿إِلَيْكِ﴾ عن قريب، لتكوني أنت المرضعة له، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى فرعون وقومه؛ أي: وباعثوه رسولًا إلى هذا الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه.
وهذه الآية هي من معجزات الإيجاز، لأنها اشتملت على أمرين: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿أَلْقِيهِ﴾، ونهيين ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ وخبرين، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ﴿وَجَاعِلُوهُ﴾ وبشارتين في ضمن الخبرين، وهما الرد والجعل من المرسلين، حُكي عن الأصمعي قال: سمعت أعرابية تُنشد:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ ... قَبَّلْتُ إِنْسَانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
стр. 9382
مِثْلُ الْغَزَالِ نَاعِمًا فِيْ دَلِّهِ ... فَانْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصلِّهِ
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك، قالت: أو يُعدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ...﴾ الآية. فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، في أسهل نظم وأوجز عبارة.
فإن قلت: ما فائدة وحي الله تعالى إلى أم موسى بإرضاعه مع أنها ترضعه طبعًا وإن لم تؤمر بذلك؟
قلت: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به ربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت المقصود.
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ هو معطوف على جواب الشرط، فيلزم عليه التناقض بين إثبات الخوف في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ وبين نفيه في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ لأن التركيب يكون حينئذٍ هكذا: فإذا خفت عليه فلا تخافي، وذلك تناقض؟
قلت: لا يلزم التناقض؛ لأن معناه إذا خفت عليه القتل فألقيه في اليم، ولا تخافي عليه الغرق.
فإن قلت: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية؟
قلت: الخوف كم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأمر وقع ومضى.
فصل في ذكرِ القصة في ذلك
٨ - قال ابن عباس (١) ﵄: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها بأن أحست بالطلق أرسلت إلى قابلة، وكانت مصافية لأم موسى، وقالت لها:
стр. 9383
لينفعني اليوم حبك إياي، فجلست القابلة تعالجها، فلما نزل موسى إلى الأرض هالها نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها فقالت: يا هذه ما جئتك إلا لقتل مولودك، ولكني وجدت لابنك هذا حبًا شديدًا، فاحفظي ابنك، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحارس بالباب، فلفته بخرقة ووضعته في تنور مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع فدخل، فإذا التنور مسجور، ورأى أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقال: لِمَ دخلَتْ القابلة عليك؟ قالت: إنها حبيبة لي، دخلت للزيارة، فخرج من عندها فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: أين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاءً في التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، فأخذته، ثم إن أم موسى ﵇ لما رأت جد فرعون في طلب الولد خافت على ابنها فقذف الله في قلبها أن تتخذ له تابوتًا، ثم تقذف التابوت في النيل، فذهبت إلى نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتًا صغيرًا طوله خمسة أشبار وعرضه كذلك، فقال لها: ما تصنعين به؛ فقالت: لي ابن أخبؤه فيه، فلما انصرفت ذهب النجار إلى الذباحين ليخبرهم بذلك، فلما جاءهم أمسك الله لسانه، وجعل يشير بيده فضربوه، وطردوه، فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه، فذهب مرة أخرى ليخبرهم، فأخذ الله لسانه وبصره، فجعل لله تعالى إنه إن رد عليه بصره ولسانه لا يدلهم عليه، فعلم الله تعالى منه الصدق، فرد الله عليه ذلك، وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها، فقالوا: أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر، يوجد منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا، في شهر كذا، حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل، ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها، حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، وتعلق بشجرة، فقال: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب، فلم
стр. 9384
يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية، فرأت نورًا في جوف التابوت لم يره غيرها، فعالجته ففتحته، فإذا هي بصبيٍّ صغير، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب آسية وفرعون، فأخرجوه من التابوت، وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطَّخت به برصها، فبرئت في الحال، فقبلته وضمَّته إلى صدرها، فقالت الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمي في البحر خوفًا منك، فهم فرعون بقتله، فاستوهبته آسية من فرعون، فوهبه لها، فترك قتله وتبنته، فقيل لآسية: سمِّيه، فقالت: سمَّيته موشى - بالشين المعجمة - لأنا وجدناه في الماء والشجر، فإن معنى مو: ماء، ومعنى شا: شجر، فأصل موسى - بالمهملة - موشى بالمعجمة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب. والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر. والفاء عاطفة على محذوف، تقديره: فألقته أم موسى في اليم بعدما جعلته في التابوت، فالتقطه من وجده من آل فرعون.
قال الزجاج (١): كان فرعون من أهل فارس من اصطخر اهـ؛ أي: فأخذ موسى أهل فرعون - يعني جواريه - من بين الماء والشجر يوم الاثنين صبيحة الليل الذي ألقي فيه التابوت، أخذ اللقطة التي يُعنى بها، وتصان عن الضياع.
روي أن الموج أقبل به يرفعه مرة، ويخفضه أخرى، حتى أدخله بين الأشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري امرأته إلى الشط فوجدن التابوت فأدخلنه إليها، وظنن أن فيه مالًا، فلما فتحنه وجدن فيه غلامًا، فوقعت عليها رحمته فأحبته حبًا شديدًا، ولما أخبرت فرعون به أراد أن يذبحه، إذ قال: إني أخات أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هلاكنا على يديه، فلم تزل تكلمه حتى تركه لها.
ثم ذكر سبحانه أن العاقبة كانت ضد ما قصدت، فقال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾
стр. 9385
موسى في عاقبة أمره ﴿عَدُوًّا﴾ في (١) دينهم ﴿وَحَزَنًا﴾ لما يصنعه بهم، وقيل: عدوًا لرجالهم، وحزنًا على نسائهم، فقتل الرجال بالغرق، واستذل النساء؛ أي: التقطوه ليصير بهم الأمر إلى ذلك، إذ أراد الله ذلك، لا أنهم أخذوه له، وجعل موسى نفس الحزن إيذانًا لقوة سببيته لحزنهم، واللام هنا (٢) لام العاقبة والصيرورة، لا لام العلة والإرادة؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لم عدوًا وحزنًا، بل إنما أخذوه ليكون لهم ولدًا وقرة عين، ولكن لما صار عاقبة أمرهم إلى ذلك أبرز مدخولهم في معرض العلة لالتقاطهم، تشبيهًا له في الترتيب عليه بالغوض الحامل عليه، وهو المحبة والتبني.
وهذا (٣): مثل ما تقول لآخر تؤنبه على فعل كان قد فعله، وهو يظن نفسه محسنًا فيه، وأدى الأمر إلى مساءة وضر قد لحقه: فعلت هذا لضر نفسك، وهو قد كان حين الفعل راجيًا نفعه، غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو، وكقولهم: اشترى فلان بضاعة كذا ليخسر، مع أن الحامل له على الشراء الاسترباح، وهذا جار على سنن العرب في كلامهم، فيذكرون الحال بالمآل، قال شاعرهم:
وَللْمَنَايَا تُرَبِّيْ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ... وَدُوْرُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيْهَا
وقال آخر:
فَلِلْمَوْتِ تَغْذُوْ الْوَالِدَاتُ سِخَالَهَا ... كَمَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ تُبْنَى المَسَاكنُ
وقال آخر:
لِدُوْا لِلْمَوْتِ وَابْنُوْا لِلْخَرَابِ ... فَكُلُّكُمُ يَصِيْرُ إِلَى التُّرَابِ
فعاقبة البناء الخراب، وإن كان في الحال مفروحًا به، وعاقبة تغذية السخال الذبح، وإن كانت الآن تُغذَّى لتسمن.