ثم جملة محذوفة؛ أي ووضعت موسى أمه في زمن الذبح، وخافت عليه، وأوحينا إليها أن أرضعيه، و ﴿أَنْ﴾ في ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ مفسرة؛ لأن في الوحي معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بأن أرضعيه، وقرأ عمرو بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز ﴿أن أرضعيه﴾ بكسر نون ﴿أن﴾ ووصل همزة ﴿أَرْضِعِيهِ﴾، فالكسر لالتقاء الساكنين، وحُذفت همزة الوصل على غير القياس؛ لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة، وهي الفتحة إلى النون، كقراءة ورش.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على موسى من جواسيس فرعون ونقبائه، الذين يقتلون أولاد بني إسرائيل اتباعًا لأمره، أو من الجيران أن ينمُّوا عليه إذا سمعوا صوته ﴿فَأَلْقِيهِ﴾؛ أي: فألقي موسى ﴿فِي الْيَمِّ﴾ أي: في بحر النيل؛ أي: فاطرحيه في التابوت، والتابوت في البحر، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾؛ أي: من غرقه وضياعه، ومن التقاطه فيُقتل ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لفراقه إياك.
رُوي: أن دارها كانت على الشاطىء، فاتخذت تابوتًا مطليًا بالقار، ومهَّدت فيه مهدًا، وألقته في النيل، وليس هناك من دليل على الزمن الذي قضته بين الولادة والإلقاء في اليم.
ثم وعدها سبحانه بما يسلِّيها، ويطمئن قلبها، ويملؤه غبطة وسرورًا، وهو رده إليها، وجعله رسولًا نبيًا، فقال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾؛ أي: رادو ولدك ﴿إِلَيْكِ﴾ عن قريب، لتكوني أنت المرضعة له، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى فرعون وقومه؛ أي: وباعثوه رسولًا إلى هذا الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه.
وهذه الآية هي من معجزات الإيجاز، لأنها اشتملت على أمرين: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿أَلْقِيهِ﴾، ونهيين ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ وخبرين، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ﴿وَجَاعِلُوهُ﴾ وبشارتين في ضمن الخبرين، وهما الرد والجعل من المرسلين، حُكي عن الأصمعي قال: سمعت أعرابية تُنشد:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ ... قَبَّلْتُ إِنْسَانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
стр. 9382
مِثْلُ الْغَزَالِ نَاعِمًا فِيْ دَلِّهِ ... فَانْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصلِّهِ
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك، قالت: أو يُعدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ...﴾ الآية. فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، في أسهل نظم وأوجز عبارة.
فإن قلت: ما فائدة وحي الله تعالى إلى أم موسى بإرضاعه مع أنها ترضعه طبعًا وإن لم تؤمر بذلك؟
قلت: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به ربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت المقصود.
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ هو معطوف على جواب الشرط، فيلزم عليه التناقض بين إثبات الخوف في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ وبين نفيه في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ لأن التركيب يكون حينئذٍ هكذا: فإذا خفت عليه فلا تخافي، وذلك تناقض؟
قلت: لا يلزم التناقض؛ لأن معناه إذا خفت عليه القتل فألقيه في اليم، ولا تخافي عليه الغرق.
فإن قلت: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية؟
قلت: الخوف كم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأمر وقع ومضى.
فصل في ذكرِ القصة في ذلك
٨ - قال ابن عباس (١) ﵄: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها بأن أحست بالطلق أرسلت إلى قابلة، وكانت مصافية لأم موسى، وقالت لها:
стр. 9383
لينفعني اليوم حبك إياي، فجلست القابلة تعالجها، فلما نزل موسى إلى الأرض هالها نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها فقالت: يا هذه ما جئتك إلا لقتل مولودك، ولكني وجدت لابنك هذا حبًا شديدًا، فاحفظي ابنك، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحارس بالباب، فلفته بخرقة ووضعته في تنور مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع فدخل، فإذا التنور مسجور، ورأى أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقال: لِمَ دخلَتْ القابلة عليك؟ قالت: إنها حبيبة لي، دخلت للزيارة، فخرج من عندها فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: أين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاءً في التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، فأخذته، ثم إن أم موسى ﵇ لما رأت جد فرعون في طلب الولد خافت على ابنها فقذف الله في قلبها أن تتخذ له تابوتًا، ثم تقذف التابوت في النيل، فذهبت إلى نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتًا صغيرًا طوله خمسة أشبار وعرضه كذلك، فقال لها: ما تصنعين به؛ فقالت: لي ابن أخبؤه فيه، فلما انصرفت ذهب النجار إلى الذباحين ليخبرهم بذلك، فلما جاءهم أمسك الله لسانه، وجعل يشير بيده فضربوه، وطردوه، فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه، فذهب مرة أخرى ليخبرهم، فأخذ الله لسانه وبصره، فجعل لله تعالى إنه إن رد عليه بصره ولسانه لا يدلهم عليه، فعلم الله تعالى منه الصدق، فرد الله عليه ذلك، وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها، فقالوا: أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر، يوجد منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا، في شهر كذا، حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل، ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها، حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، وتعلق بشجرة، فقال: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب، فلم
стр. 9384
يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية، فرأت نورًا في جوف التابوت لم يره غيرها، فعالجته ففتحته، فإذا هي بصبيٍّ صغير، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب آسية وفرعون، فأخرجوه من التابوت، وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطَّخت به برصها، فبرئت في الحال، فقبلته وضمَّته إلى صدرها، فقالت الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمي في البحر خوفًا منك، فهم فرعون بقتله، فاستوهبته آسية من فرعون، فوهبه لها، فترك قتله وتبنته، فقيل لآسية: سمِّيه، فقالت: سمَّيته موشى - بالشين المعجمة - لأنا وجدناه في الماء والشجر، فإن معنى مو: ماء، ومعنى شا: شجر، فأصل موسى - بالمهملة - موشى بالمعجمة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب. والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر. والفاء عاطفة على محذوف، تقديره: فألقته أم موسى في اليم بعدما جعلته في التابوت، فالتقطه من وجده من آل فرعون.
قال الزجاج (١): كان فرعون من أهل فارس من اصطخر اهـ؛ أي: فأخذ موسى أهل فرعون - يعني جواريه - من بين الماء والشجر يوم الاثنين صبيحة الليل الذي ألقي فيه التابوت، أخذ اللقطة التي يُعنى بها، وتصان عن الضياع.
روي أن الموج أقبل به يرفعه مرة، ويخفضه أخرى، حتى أدخله بين الأشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري امرأته إلى الشط فوجدن التابوت فأدخلنه إليها، وظنن أن فيه مالًا، فلما فتحنه وجدن فيه غلامًا، فوقعت عليها رحمته فأحبته حبًا شديدًا، ولما أخبرت فرعون به أراد أن يذبحه، إذ قال: إني أخات أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هلاكنا على يديه، فلم تزل تكلمه حتى تركه لها.
ثم ذكر سبحانه أن العاقبة كانت ضد ما قصدت، فقال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾
стр. 9385
موسى في عاقبة أمره ﴿عَدُوًّا﴾ في (١) دينهم ﴿وَحَزَنًا﴾ لما يصنعه بهم، وقيل: عدوًا لرجالهم، وحزنًا على نسائهم، فقتل الرجال بالغرق، واستذل النساء؛ أي: التقطوه ليصير بهم الأمر إلى ذلك، إذ أراد الله ذلك، لا أنهم أخذوه له، وجعل موسى نفس الحزن إيذانًا لقوة سببيته لحزنهم، واللام هنا (٢) لام العاقبة والصيرورة، لا لام العلة والإرادة؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لم عدوًا وحزنًا، بل إنما أخذوه ليكون لهم ولدًا وقرة عين، ولكن لما صار عاقبة أمرهم إلى ذلك أبرز مدخولهم في معرض العلة لالتقاطهم، تشبيهًا له في الترتيب عليه بالغوض الحامل عليه، وهو المحبة والتبني.
وهذا (٣): مثل ما تقول لآخر تؤنبه على فعل كان قد فعله، وهو يظن نفسه محسنًا فيه، وأدى الأمر إلى مساءة وضر قد لحقه: فعلت هذا لضر نفسك، وهو قد كان حين الفعل راجيًا نفعه، غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو، وكقولهم: اشترى فلان بضاعة كذا ليخسر، مع أن الحامل له على الشراء الاسترباح، وهذا جار على سنن العرب في كلامهم، فيذكرون الحال بالمآل، قال شاعرهم:
وَللْمَنَايَا تُرَبِّيْ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ... وَدُوْرُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيْهَا
وقال آخر:
فَلِلْمَوْتِ تَغْذُوْ الْوَالِدَاتُ سِخَالَهَا ... كَمَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ تُبْنَى المَسَاكنُ
وقال آخر:
لِدُوْا لِلْمَوْتِ وَابْنُوْا لِلْخَرَابِ ... فَكُلُّكُمُ يَصِيْرُ إِلَى التُّرَابِ
فعاقبة البناء الخراب، وإن كان في الحال مفروحًا به، وعاقبة تغذية السخال الذبح، وإن كانت الآن تُغذَّى لتسمن.
стр. 9386
والخلاصة (١): أن الله قيَّضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًا وحزنًا، ويستبين بطلان حذرهم منه، وهذا الذي ذكرنا باختصار ما عليه جمهرة المفسرين والبيانيين، ولا تغتر بقول من شذَّ بإنكار وقوع المجاز في القرآن، مع كونه نزل بلسان عربي مبين، والكلام العربي يجري على طريقتين: إما على الحقيقة، وإما على المجاز، والقرآن إنما نزل على قانون لغتهم لكون من أُنزل عليه عربيًا فصيحًا.
قلت: ويحتمل كون الكلام هنا على حذف، بدليل ما سيأتي، فتكون اللام على معناها الأصلي، أعني لام كي، فلا مجاز، والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ولدًا وقرة عين، فصار لهم عدوًا وحزنًا، ومعنى عداوته إياهم: مخالفته لهم في دينهم، وحملهم على الحق، وحزنهم بزوال ملكهم على يديه، بالغرق بعد أن يظهر فيهم الآيات، ولم يستجيبوا لدعوته، فحلت بهم القوارع، كما هي سنة الله تعالى في خلقه المكذبين للرسل.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَحَزَنًا﴾ بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وابن سعدان: بضم الحاء وإسكان الزاي، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، وهما لغتان، كالعدم والعُدْم، والرشد والرُشْدِ، والسَّقَم والسُّقْم.
ثم بيَّن أن القتل الذي يفعله فرعون وهامان وجنودهما لبني إسرائيل حمق وطيش، فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ تعليل لما قبله، أو اعتراض لقصد التأكيد لاعتراضه بين المعطوف الذي هو: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ وبين المعطوف عليه الذي هو: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾؛ أي: كانوا (٣) خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن رُبّي عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على يديه، أو كانوا خاطئين في كل ما يأتون، وما يذرون، فليس ببدع
стр. 9387
منهم أن قتلوا ألوفًا لأجله، ثم أخذوه يربونه ليكبر، ويفعل بهم ما كانوا يحذرون.
وأُضيف الجند هنا وفيما قبل إلى فرعون وهامان (١)، وإن كان هامان لا جنود له؛ لأن أمر الجنود لا يستقيم إلا بالملك والوزير، إذ بالوزير تحصل الأموال، وبالملك وقهره يتوصل إلى تحصيلها، ولا يكون قوام الجند إلا بالأموال.
وقرىء ﴿خاطيين﴾ بغير همز، فاحتمل أن يكون أصله الهمز وحذفت، وهو الظاهر، وقيل: من خطأ يخطو؛ أي: خاطين الصواب.
٩ - ولما التقطوه همُّوا بقتله، وخافوا أن يكون المولود الذي يحذرون زوال ملكهم على يديه، فألقى الله محبته في قلب آسية امرأة فرعون ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ حين رآه فرعون وهم بقتله، وهي آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق ﵇، وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط يوسف ﵇.
أي: قالت لفرعون حين أخرجته من التابوت، وهمَّ فرعون بقتله لقول الكهنة، كما سيأتي: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾؛ أي: لذة عين، ومسرة قلب؛ أي: هذا الغلام قرة عين ﴿لِي وَلَكَ﴾ يا فرعون ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾؛ أي: لا تقتلوا يا فرعون هذا الغلام، خاطبته بلفظ الجمع تعظيمًا له، ليساعدها فيما تريده.
قال ابن عباس: لما قالت آسية ذلك، قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه، وروي أنه لو قال: لي، كما هو لك لهداه الله كما هداها.
قال ابن إسحاق: إن الله تعالى ألقى محبته ﵇ في قلبها، لأنه كان في وجهه ملاحة، فكل من رآه أحبه، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور، ولأنها لما فتحته رأته يمتص أصبعه، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال.
стр. 9388
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ هذا الغلام؛ أي: أترجى نفعه لنا لو كان له أبوان معروفان، ﴿أَوْ﴾ عسى أن ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ونتبناه إذا لم يُعرف له أبوان، لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلًا لتبني الملوك، وكانت آسية لا تلد، ولم يكن لفرعون ولد ذكر، وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حال (١) من آل فرعون، والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وقالت امرأة فرعون: كذا وكذا، والحال أنهم لا يشعرون؛ أي: لا يعلمون بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا من الالتقاط، ورجاء النفع منه، والتبني له.
وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ ...﴾ الآية، اعتراض وقع بين المعطوفين لتأكيد خطاهم، كما مر آنفًا، وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان، وقيل (٢): هذا ابتداء كلام من الله تعالى؛ أي: وهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه وبسببه، وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل، وقال ابن عباس: أي: وهم لا يشعرون إلى ماذا يصير أمر موسى ﵇. وقال آخرون: هذا من تمام كلام امرأة فرعون، أي: بنو إسرائيل وأهل مصر لا يشعرون أنا التقطناه، وأنه ليس منا، وهذا بعيد، كما قاله الشوكاني.
قال ابن عباس ﵄: لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: عسى أن ينفعنا لنفعه الله، ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه، روي أنه قالت الغواة من قوم فرعون: إن نظن إلا أنَّ هذا هو الذي يحذر منه، رُمي في البحر خوفًا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله، فقالت آسية: إنه ليس من أولاد بني إسرائيل، فقيل لها: وما يدريك؟ فقالت: إن نساء بني إسرائيل يشفقن على أولادهن، ويكتمنهم مخافة أن تقتلهم، فكيف يُظنُّ بالوالدة أنها تُلقي الولد بيدها في البحر؛ أو قالت: إن هذا كبير، ومولود قبل هذه المدة التي أُخبرت لك، فاستوهبته لما رأت عليه من دلائل النجاة، فتركه، وسمَّته آسية موسى؛ لأن تابوته وُجد بين الماء والشجر، والماء في لغتهم: مو، والشجر: شا.
стр. 9389
١٠ - وبعد أن أخبر الله سبحانه عن حال من لقيه موسى ﵇ خبَّر عن حال من فأرقه بقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾؛ أي: صار قلب أم موسى ﴿فَارِغًا﴾؛ أي: خاليًا عن كل شيء إلا من ذكر موسى وهمَّه، و ﴿أَصْبَحَ﴾ هنا بمعنى صار (١)، والفؤاد القلب، لكن يقال له: فؤاد إذا اعتُبر فيه معنى التفؤد؛ أي: التحرق والتوقد، كما في "المفردات"، و"القاموس"، فالفؤاد من القلب، كالقلب من الصدر، يعني الفؤاد وسط القلب وباطنه الذي يحترق بسبب المحبة ونحوها، وقال بعضهم: الصدر معدن نور الإِسلام، والقلب معدن نور الإيقان، والفؤاد معدن نور البرهان، والنفس معدن القهر والامتحان، والروح معدن الكشف والعيان، والسر معدن لطائف البيان اهـ.
أي: صار فؤاد أم موسى صفرًا من العقل، وخاليًا من اللهم لما غشيها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوع موسى في يد فرعون، دل عليه الربط الآتي، فإنه تعالى قال في وقعة بدر: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ إشارة إلى نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه لم تكن أفئدتهم هواء؛ أي: خالية فارغة عن العقل والفهم لفرط الحيرة.
وقيل معناه (٢): ناسيًا للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تُلقيه في اليم، ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهد إليها أن يرده إليها، ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان، وقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه، وتولَّيتَ أنت قتله، وألقيته في البحر وأغرقته، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت: إنه قد وقع في يد عدوه الذي فررت منه، فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها، والمعنى الأول أولى، وقال أبو عبيدة: فارغًا من الحزن إذ لم يُغرق، وهذا فيه بُعدٌ، وتُبْعِدُهُ القراءات الشواذُّ التي في اللفظة.
стр. 9390
وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري (١)، والحسمن، ويزيد بن قطيب، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، ومحمد بن السميقع، وأبو العالية، وابن محيصن: ﴿فزعًا﴾ بالفاء والزاي والعين المهملة من الفزع؛ أي: خائفًا وجلًا.
وقرأ ابن عباس: ﴿قرعًا﴾ بالقاف المفتوحة والراء المهملة المكسورة والعين المهملة، من قرع رأسه إذا انحسر شعره، كأنه خلا من كلا شيء إلا من ذكر موسى، وقيل: ﴿قرعًا﴾ من القارعة، وهي الهم العظيم، وقرأ بعض الصحابة ﴿فزغًا﴾ بالفاء المكسورة والزاي الساكنة والغين المنقوطة، ومعناه ذاهبًا هدرًا تالفًا من الهم والحزن، وقرأ الخليل بن أحمد ﴿فُرُغًا﴾ بضم الفاء والراء.
﴿إِنْ﴾؛ أي: إنها، فإن شأنية ﴿كَادَتْ﴾؛ أي: قاربت (٢) من ضعف البشرية وفرط الاضطراب ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾؛ أي: لتظهر بموسى، وأنه ابنُها، وتُفشي سرها، وأنها ألقته في النيل، قال في "كشف الأسرار": الباء زائدة؛ أي: تُبديه، أو المفعول مقدر؛ أي: تُبدي القول به؛ أي: بسبب موسى.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددنا عليه بالصبر والثبات بتذكير ما سبق من الوعد، وهو رده إليها، وجعله من المرسلين، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين بما وعدها الله بقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ولم يقل من المؤمنات تغليبًا للذكور، وفيه إشارة إلى أن الإيمان من مواهب الحق، إذ المبني على الموهبة وهو الوحي أولًا، ثم الربط بالتذكير ثانيًا موهبة، وجواب لولا محذوف، تقديره: لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت به، واللام في قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بربطنا، وهذا شبيه بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾.
والمعنى: أي أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها شُعاعًا لما دهمها من الجزع والحزن، وتوقع الهلاك الذي لا مندوحة منه جريًا على عادته مع أنداده ولداته، ولولا أن عصمناها، وثبتنا قلبها لأعلنت أمرها، وأظهرت أنه
стр. 9391
ابنها، وقالت من شدة الوجد: (وا ولداه)، وقد فعلنا ذلك لتكون من المصدقين بوعدنا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
١١ - ثم أخبر عن فعلها في تعرف خبره، بعد أن أخبر عن كتمها إياه بقوله: ﴿وَقَالَتْ﴾ أم موسى ﴿لِأُخْتِهِ﴾؛ أي: لأخت موسى ﵇ الشقيقة؛ أي: وقالت لابنتها، وكانت كبيرة تعي ما يُقال لها، ولم يقُل لبنتها للتصريح بمدار المحبة، وهو الأخوة، إذ به يحصل امتثال الأمر، واسم أخته مريم بنت عمران، وافق اسم مريم أم عيسى، واسم زوجها غالب بن يوشا.
وقال الضحاك: اسمها كلثمة، وقال السهيلي: اسمها كلثوم، وهي شقيقته وأمهما يوحانذ، وأبوهما عمران، وهو غير عمران أبي مريم أم عيسى؛ لأن بين عمرانين ألف سنة وثمان مئة سنة اهـ. شيخنا.
قال بعضهم: والأصح أن اسمها كلثوم، لا مريم، لما روى الزبير بن بكار: أن رسول الله ﷺ دخل على خديجة ﵂، وهي مريضة، فقال لها: "يا خديجة، أشعرت أن زوجتي معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثوم أخت موسى، وهي التي علَّمت ابن عمها قارون الكيمياء، وآسية امرأة فرعون" فقالت: آلله أخبرك بهذا يا رسول الله؟ فقال: "نعم"، فقالت: بالرفاء والبنين، وأطعم رسول الله ﷺ خديجة من عنب الجنة، وقولها: بالرفاء والبنين أعرست؛ أي: اتخذت العروس حال كونك متلبسًا بالالتئام والاتفاق؛ أي: بالملاءمة والموافقة بينكما، وهو دعاء يدعى به في الجاهلية لمن تزوج، ولعل هذا قبل ورود النهي عن ذلك، كذا في إنسان العيون.
وفيه أن (١) هؤلاء النسوة حماهن الله تعالى عن أن يطأهن أحد، فقد ذُكر أن آسية لما ذُكرت لفرعون أحب أن يتزوجها، فتزوجها على كره منها ومن أبيها، مع بذله لها الأموال الكثيرة، فلما زُفَّت له وهمَّ بها أخذه الله تعالى عنها، وكان ذلك حاله معها، وكان قد رضي عنها بالنظر إليها، وأما مريم، فقيل: إنها تزوجت
стр. 9392
بابن عمها يوسف النجار، ولم يقربها، وإنما تزوجها لمرافقتها إلى مصر، لما أرادت الذهاب إلى مصر بولدها عيسى ﵇ وأقاموا بها اثنتي عشرة سنة، ثم عادت مريم وولدها إلى الشام، ونزلا الناصرة، واْخت موسى لم يُذكر أنها تزوجت. انتهى.
﴿قُصِّيهِ﴾؛ أي: اتَّبعي أثر موسى وتتبعي خبره، وفتشي نبأه، وانظري أين وقع حتى تعرفي خبره. وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فاتَّبعته أخته، فبصرت به؛ أي: أبصرته.
﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بُعد، ولا توهم أنها تراه ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن آل فرعون ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون أنها تقصه، وتتعرف حاله، أو أنها أخته.
والمعنى: أي قالت أم موسى لأخته مريم: تتبعي أثره، وتسمعي خبره، وانظري أين وقع، وإلى من صار، فتتبعته فأبصرته من مكان بعيد اختفاء من الناس، والحال أنهم لا يشعرون أنها تقصه، وتتعرف حاله، وأنها أخته، وتطلبه وتبصره.
وقرأ الجمهور (١): ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ بضمتين، وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي: ﴿جنب﴾ بفتح وسكون، وعن قتادة بفتحهما أيضًا، وعن الحسن بضم الجيم وإسكان النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب، والجُنُب والجانب والجنابة والجناد بمعنى واحد، وقال قتادة: معنى عن جنب أنها تنظر إليه كأنها لا تريده، وقرأ الجمهور: ﴿فَبَصُرَتْ﴾ بفتح الباء وضم الصاد، وقرأ قتادة: ﴿فبصَرت﴾ بفتح الصاد، وعيسى: بكسرها.
١٢ - ثم شرع سبحانه يذكر أسباب رده إليها فقال: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ التحريم هنا بمعنى المنع، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ لأنه لا معنى للتحريم على صبي غير مكلف؛ أي (٢): منعنا موسى أن يرضع من
стр. 9393
المرضعات، ويشرب لبن غير أمه، بأن أحدثنا فيه كراهة ثدي النساء والنفار عنها، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل تقصي أخته أثره، أو من قبل أن نرده على أمه، كما قال في "الجلالين"، أو من قبل مجيء أمه كما قاله أبو الليث، أو في القضاء السابق؛ لأنا أجرينا القضاء بأن نرده إلى أمه كما في "كشف الأسرار".
أي (١): منعنا موسى أن يرتضع من المرضعات التي أحضرها فرعون من قبل مجيء أمه، قال الضحاك: كانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها، وروي (٢) أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديًا وهو يصيح، فقالوا لأخت موسى بعد نظرها له، وقربها منه: هل عندك مرضعة تدلينا عليها، لعله يقبل ثديها.
﴿فَقَالَتْ﴾؛ أي: أخت موسى لآل فرعون، عند عدم قبوله ثدي أحد من المرضعات ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي: يربونه ﴿لَكُمْ﴾ ويضمنون رضاعه، ويقومون بجميع مصالحه ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن أهل ذلك البيت ﴿لَهُ﴾ أي: لهذا الغلام ﴿نَاصِحُونَ﴾؛ أي: حافظون يبذلون النصح في أمره، ولا يقصرون في إرضاعه وتربيته.
قال السدي: لما قالت مريم ذلك أخذوها، وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله، فقالت: ما أعرفه، روي أنهم قالوا لها: من يكفل؟ قالت: أمي، قالوا: ألأمك لبن؟ قالت: نعم لبن هارون، وكان هارون وُلد في سنة لا يقتل فيها صبي، فقالوا صدقت.
روي (٣): أن هامان لما سمعها قال: إنها لتعرفه وأهله، خذوها حتى تخبر من له؟ فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، تعني أرجعت الضمير إلى الملك، لا إلى موسى، تخلصًا من يده، فقال هامان: دعوها لقد صدقت، فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله، فأتت بأمه، وموسى على يد فرعون يبكي،
стр. 9394
وهو يعلله، أو في يد آسية فدفعه إليها، فلما وجد ريحها استأنس بها، والتقم ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأت جنباه ريًا، فقال فرعون: من أنت منه، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها، فقالوا: أقيمي عندنا، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي، إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي به، وأظهرت عدم الرغبة فيه نفيًا للتهمة، فرضوا بذلك، فرجعت به إلى بيتها، فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر، فأبدلها الله بعد خوفها أمنًا، وهي موفورة العز والجاه، والرزق الواسع.
١٣ - وقد جاء في الأثر: "مثل الذي يعمل الخير ويحتسب كمثل أم ترضع ولدها وتأخذ أجرها"، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾؛ أي: فرددنا موسى، وصرفناه ﴿إِلَى أُمِّهِ﴾ ووالدته ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ وتطيب نفسها بوصول ولدها إليها، وتربيتها له في بيتها، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على موسى بفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أن جميع ما وعده من رده إليها، وجعله من المرسلين ﴿حَقٌّ﴾ ثابت لا خلف فيه بمشاهدة بعضه، وقياس بعضه عليه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر آل فرعون ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بذلك، بل كانوا في غفلة عن القدر وسر القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون أن المقصود الأصلي من رده إليها علمها بأن وعد الله حق، لا خُلف فيه بمشاهدة بعضه، وقياس بعضه عليه، فهذا هو الغرض المديني، وما سواه من قرة العين، وذهاب الحزن تبع، فمكث موسى عند أمه إلى أن فطمته، وأمر فرعون بإجراء أجرتها لكل يوم دينار، فأتت به فرعون، واستمر عنده، يأكل من مأكوله، ويشرب من مائه، ويلبس من ملبوسه إلى أن كمل.
١٤ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ موسى ﴿أَشُدَّهُ﴾؛ أي: كمال قوته الجسمانية، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وهو (١) مفرد على بناء الجمع، كما سبق في سورة
стр. 9395
يوسف ﴿وَاسْتَوَى﴾؛ أي: انتهى شبابه، وتكامل عقله، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين، وقال في يوسف: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فقط؛ لأنه أوحي إليه في صباه حين كان في البئر، وموسى ﵇ أوحي إليه بعد أربعين سنة، كما قال سبحانه: ﴿آتَيْنَاهُ﴾؛ أي: أعطينا موسى ﴿حُكْمًا﴾؛ أي: نبوة (١) ﴿وَعِلْمًا﴾؛ أي: فقهًا في الدين، أو علمًا بمصالح الدارين، أو علم الحكماء والعلماء، أو سمتهم قبل استنبائه، فلا يقول قولًا، ولا يفعل فعلًا يُستجهل فيه، وهو أوفق لنظم القصة، لأنه تعالى استنبأه بعد الهجرة والمراجعة اهـ. "أبو السعود".
والمراد بالهجرة خروجه إلى مدين، وبالمراجعة رجوعه منها اهـ "شهاب"، وكان عمره عند رجوعه من مدين أربعين سنة؛ لأنه أقام في مصر ثلاثين سنة ثم ذهب إلى مدين، وأقام فيها عشر سنين، ووقعة قتل القبطي كانت قبل ذهابه إلى مدين فهو السبب فيه.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما جزينا موسى وأمه ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم؛ أي: وكما جزينا موسى على طاعته إيانا، وصبره على أمرنا بالحكم والعلم، وجزينا أمه على استسلامها أمرنا، حين ألقت ولدها في البحر تصديقًا لوعدنا؛ أي: كما جزيناها برد ولدها إليها، وجعله من المرسلين، نجزي كل من أحسن من عبادنا، وأطاع أمرنا، وانتهى عما نهيناه عنه، على إحسانه أيًا كان، والمراد العموم، وفي الآية تنبيه على أنهما كانا محسنين في عملهما، متَّقين في عنفوان عمرهما، فمن أدخل نفسه في زمرة أهل الإحسان جازاه الله بأحسن الجزاء.
حكي (٢): أن امرأة كانت تتعشى، فسألها سائل، فقامت ووضعت في فمه لقمة، ثم وضعت ولدها في موضع، فاختلسه الذئب، فقالت: يا رب ولدي، فأخذ آخذ عنق الذئب، واستخرج الولد من فيه بغير أذًى، وقال لها: هذه اللقمة بتلك اللقمة التي وضعتها في فم السائل.
١٥ - وبعد أن أخبر بتهيئته للنبوة، ذكر ما كان السبب في هجرته إلى مدين،
стр. 9396
وتوالي الأحداث الجسام عليه، فقال: ﴿وَدَخَلَ﴾ موسى ﵇ ﴿الْمَدِينَةَ﴾؛ أي: مديثة منف، وهي مدينة فرعون موسى، التي كان ينزلها، وفيها كانت الأنهار تجري تحت سويره، وكانت في غربي النيل، على مسافة اثني عشر ميلًا من مدينة فسطاط مصر، المعروفة يومئذ بمصر القديمة، ومنف بفتح الميم وسكون النون، وقيل: بضم الميم وسكون النون، يمنع من الصرف للعلمية والعجمة، أو التأنيث، أصلها مآفة، ومعناها (١) بلغة القبط ثلاثون؛ لأنها أول مدينة عُمِّرت بأرض مصر بعد الطوفان، نزلهار بن حام بن نوح في ثلاثين رجلًا، فسُمِّيت مآفت، ثم عُرِّبت فصارت منف، وكانت دار الملك بمصر في قديم الزمان.
قيل: إن موسى ﵇ لما بلغ أشده، وآتاه العلم في دينه ودين آبائه علم أن فرعون وقومه على الباطل، فتكلم بالحق، وعاب دينهم، واشتهر ذلك منه، حتى آل الأمر إلى أن خافوه وخافهم، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به، ويسمعون منه، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفًا فدخلها يومًا ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ أي: حال كونه مستخفيًا، في وقت غفلة كائنة من أهل المدينة؛ أي: وقت غفلتهم من دخوله؛ أي: دخلها في وقت لا يُعتاد دخولها.
قال ابن عباس ﵄: دخلها في الظهيرة عند المقيل، وقد خلت الطرق؛ أي: دخلها وقت كونهم قائلين غافلين، مشغولين بنوم القيلولة، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا﴾؛ أي: في المدينة بعد دخولها ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ ويتضاربان، ويلازمان مقدمات القتل من الضرب والقتل.
﴿هَذَا﴾ أي: أحدهما ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي: من شايعه وتابعه في دينه، وهم بنو إسرائيل، قيل: هو السامري ﴿وَهَذَا﴾ أي: الآخر ﴿مِنْ عَدُوِّه﴾؛ أي: من المعادين له على دينه، وهم قوم فرعون.
﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾؛ أي: طلب من موسى أن ينصره ويعينه ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛
стр. 9397
أي: من شيعة موسى ﴿عَلَى﴾ خصمه ﴿الَّذِي﴾ كان ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: من عدو موسى، فأغاثه؛ لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل، فالقبطي الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه، واسمه فليثون، أو فأثون، والإشارة في هذا على الحكاية، وإلا فهو والذي من عدوه ما كانا حاضرين حال الحكاية لرسول الله ﷺ ، ولكنهما لما كانا حاضرين يشار إليهما وقت وجدان موسى إياهما حكى حالهما وقتئذٍ، أو لحكاية الحال عبر عن غائب ماض باسم الإشارة الذي هو موضوع للحاضر، وقال المبرِّد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، قال جرير:
هَذَا ابْنُ عَمِّي فِيْ دِمَشْقَ خَلِيْفَةٌ ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمُ إِلَيَّ قَطِيْنَا
ذكره أبو حيان اهـ.
وقرأ أبو طالب القارىء (١): ﴿على حين﴾ بنصب نون حين، ووجهه أنه أجرى المصدر مجرى الفعل، كأنه قال: على حين غفل أهلها، فبناه كما بناه حين أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض كقوله:
عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ الْمَشِيْبَ عَلَى الصِّبَا
وهذا توجيه فيه شذوذ
وقرأ ثعيم بن ميسرة ﴿يقتلان﴾ بإدغام التاء في التاء، ونقل فتحها إلى القاف، وقرأ الجمهور: ﴿فاستغاثه﴾؛ أي: طلب غوثه، ونصره على القبطي، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون بدل الثاء؛ أي: طلب الإعانة على القبطي، قال أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة: والاختيار قراءة ابن مقسم؛ لأن الإعانة أولى في هذا الباب، وقال ابن عطية: ذكرها الأخفش، وهي تصحيف لا قراءة. انتهى.
وليست تصحيفًا فقد نقلها ابن خالويه عن سيبويه، وابن جبارة عن ابن
стр. 9398
مقسم والزعفراني، وروي أنه لما اشتد التناكر بينهما قال القبطي لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك - يعني الحطب - فاشتد غضب موسى وكان قد أوتي قوة فوكزه فمات، كما قال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي (١): ضربه موسى بجمع كفه، وقيل: الوكز الضرب في الصدر، وقيل: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: قتله موسى، وفرغ من أمره، فندم موسى عليه، ولم يكن قصده القتل بل دفعه، ودفنه في الرمل، وكل شيء فرغت منه وأتممته فقد قضيت عليه.
وقرأ عبد الله (٢): ﴿فلكزه﴾ باللام بدل الواو، وعنه ﴿فنكزه﴾ بالنون، والظاهر أن فاعل ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ضمير عائد على موسى، وقيل: يعود على الله؛ أي: فقضى الله عليه بالموت، ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من وكزه؛ أي: فقضى الوكز عليه، وكان موسى لم يتعمد قتله بل قصد دفعه، فندم على قتله.
﴿قَالَ هَذَا﴾ القتل ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وإنما أضاف العمل إلى الشيطان، لأنه كان بإغوائه ووسوسته، وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل؛ لأنه لم يكن حنيئذٍ مأمورًا بقتل الكفار، أو لأنه كان مأمونًا عندهم فلم يكن له اغتيالهم، ولا يقدح ذلك في عصمته، لكونه خطأ، وإنما عده من عمل الشيطان، وسماه ظلمًا، واستغفر منه جريًا على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم، ولو كان من محقرات الصغائر، أو كان هذا قَبْلَ النبوة.
وقيل (٣): إن هذا إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، والمعنى إن عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد بيان كونه مخالفًا لأمر الله تعالى، مستحقًا للقتل، وقيل: هذا إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جُنْدِ الشيطان وحزبه، ثم وصف الشيطان بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿عَدُوٌّ﴾ لابن آدم ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن طريق الحق والاعتدال ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر العداوة والإضلال.
стр. 9399
١٦ - ثم ﴿قَالَ﴾ موسى مناجيًا مع الله سبحانه، وتوسيط (١) ﴿قَالَ﴾ بين كلاميه لإبانة ما بينهما من المخالفة، من حيث إنه مناجاة ودعاء بخلاف الأول، يا ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتل نفس لم أؤمر بقتلها، يعني القبطي، وقيل (٢): هو على سبيل الاتضاع لله تعالى، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي، واستر علي، ولا تؤاخذني بما فعلت، قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر اهـ.
ثم لم يزل موسى ﵇ يعدد ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غُفر له، حتى إنه يوم القيامة يقول عند طلب الناس الشفاعة منه: إني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح، وإنما عده ذنبًا وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ مع كون المقتول كافرًا من اْجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر بالقتل.
ثم ذكر أنه أجاب دعاءه وغفر له، فقال: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ربه؛ أي: فعفا عن ذنبه، ولم يعاقبه عليه. ثم ذكر ما هو كالعلة لما قبله. فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْغَفُورُ﴾ (٣) بإزالة الزلل ﴿الرَّحِيمُ﴾ بإزالة الخجل؛ أي: إنه تعالى هو الستار لذنوب من أناب إليه، المتفضل عليه بالعفو عنها، الرحيم له بأن لا يعاقبه بعد أن أخلص توبته، ورجع عن حوبته.
وفي "الشوكاني": ووجه استغفاره (٤): أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وقيل: إنه طلب المغفرة من تركه للأولى، كما هو سنة المرسلين، أو أراد: إني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر؛ لأن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، والمعنى (٥) عليه: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتل القبطي من غير أمر، فإن فرعون إذا عرف ذلك قتلني به، ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي: فاستره علي، ولا توصل خبره إلى فرعون،
стр. 9400
﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾؛ أي: فستره عن الوصول إلى فرعون ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾؛ أي: المبالغ في ستر ذنوب عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المبالغ في رحمتهم بستر ذنوبهم وهذا خلاف الظاهر، فإن موسى ﵇ ما زال نادمًا على ذلك خائفًا من العقوبة بسببه، كم ذُكر اشتكاؤه من ذلك في حديث الشفاعة الصحيح.
وقيل: إن هذا كان قبل النبوة، وقيل: كان ذلك قبل بلوغه سن التكليف، وإنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء، ولا شك أنهم معصومون من الكبائر، والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة؛ لأن الوكزة في الغالب لا تقتل.
وفي "فتح الرحمن" (١): إن قلت: كيف جعل موسى قتله القبطي الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلمًا لنفسه، واستغفر منه؟
قلت: أما جعله ذلك من عمل الشيطان، فلكونه كان الأولى له تأخير قتله إلى زمن آخر، فلما عجله ترك الأولى المندوب إليه، فجعله من عمل الشيطان، ولم يكن قصد موسى قتل القبطي، إنما كان يريد دفع أذاه عن الإسرائيلي بدليل أنه لم يضربه بشيء يقتل، وإنما ضربه بجمع يده، بلكمة كانت هي القاضية، فلذلك ندم على فعله، واستغفر ربه؛ لأن في قتل القبطي فتنة، والشيطان تفرحه الفتنة، فلذلك نسبه إلى الشيطان.
وأما تسميته ظلمًا فمن حيث إنه حرم نفسه الثواب بترك المندوب، أو من حيث أنه قال ذلك على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن ثمة ذنب، وأما استغفاره من ذلك فمعناه اغفر لي ترك ذلك المندوب انتهى.
١٧ - ثم ذكر أنه شكر ربه على هذه النعمة التي أنعم بها عليه، فقال: ﴿قَالَ﴾ موسى يا ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ إما قسم محذوف الجواب، و ﴿ما﴾ إما مصدرية أو موصولة؛ أي: أقسم عليك بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ بعد
стр. 9401
هذا أبدًا ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: معينًا لهم، يقال: ظاهرته؛ أي: قويت ظهوه بكوني معه؛ أي (١): أقسم يا رب بنعامك علي بالقوة والمعرفة، فلن أكون معينًا لأحد من المشركين، بل أكون معاونًا للمسلمين؛ أي: إني وان أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، ونصرة المؤمن واجبة في جميع الشرائع. قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله ﴿فلا تجعلني ظهيرًا للمجرمين﴾.
وإما استعطاف؛ أي: بحق إحسانك علي اعصمني، فلن أكون معينًا لمن تؤدي معاونته إلى الجرم. والجرم فعل يوجب قطيعة فاعله، وأصله القطع، قال ابن عطاء: العارف بنعم الله من لا يوافق من خالف ولي نعمته، والعارف بالمنعم من لا يخالفه في حال من الأحوال انتهى.
وأراد (٢) بمظاهرة المجرمين، إما صحبة فرعون، وانتظامه في جماعته، وتكثير سواده، حيث كان يركب بمركبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، واما مظاهرة من أدَّت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى قتل الذي لم يحل له قتله، وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أُومر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمنًا، ونصرة المؤمن واجبة في جميع الشرائع. وقيل في بعض الروايات: إن ذلك الإسرائيلي كان كافرًا، وإنما قيل له إنه من شيعته؛ لأنه كان إسرائيليًا، ولم يرد الموافقة في الدين فعلى هذا ندم؛ لأنه أعان كافرًا على كافر، فقال: لا أكون بعد هذا ظهيرًا للكافرين، وقيل ليس هذا خبرًا بل هو دعاء؛ أي: فلا تجعلني يا رب ظهيرًا للمجرمين، كما تدل عليه قراءة عبد الله، وقال النحاس: إن جعله من باب الخبر أَوْفَى، وأشبه بنسق الكلام اهـ.
ثم إن (٣) هذا الدعاء، وهو قوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ إلخ حسن إذا وقع
стр. 9402
بين الناس اختلاف وفرقة في دين أو ملك أو غيرهما، وإنما قال موسى هذا عند اقتتال الرجلين، ودعا به ابن عمر ﵄ عند قتال علي ومعاوية، كذا في "كشف الأسرار".
١٨ - ﴿فَأَصْبَحَ﴾ موسى؛ أي: دخل في الصباح، فأصبح إما تامة؛ أي: دخل في الصباح حالة كونه ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ التي قتل فيها القبطي، وفي هذا إشارة إلى أن دخول المدينة والقتل كانا بين العشاءين، حين اشتغل الناس بأنفسهم، كما ذهب إليه البعض، حال كونه ﴿خَائِفًا﴾ على نفسه من آل فرعون أن يقتلوه بسبب القبطي ﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: يتوقع المكروه، وينتظر متى يؤخذ به. وهو الاستفادة منه، والترقب: انتظار المكروه، أو ينتظر الأخبار، وما يقال فيه، وقال ابن عطاء (١): خائفًا على نفسه، يترقب نصرة ربه، وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله، بخلاف ما يقوله بعض الناس: إنه لا يسوغ الخوف من دون الله تعالى.
وإما ناقصة، والمعنى عليه؛ أي: فصار موسى ﵇ في تلك المدينة التي قتل فيها القبطي خائفًا من جنايته التي جناها، بقتله النفس التي قتلها، وصار يتجسس الأخبار، وشأن عما يتحدث به الناس من أمره وأمر القبطي، وما هم بالغوه به، وداخلته الهواجس خيفة أن يقتلوه به ﴿فَإِذَا﴾ للمفاجأة؛ أي: فإذا الإسرائيلي ﴿الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾؛ إي: طلب من موسى النصرة قبل هذا اليوم على دفع القبطي المقتول ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾؛ أي: يستغيثه من بعد؛ أي: يستغيث موسى بعالي الصوت من بعيد من الصراخ، وهو الصوت أو شديده كما في "القاموس".
والمعنى: إن الإسرائيلي الذي خلَّصه موسى بالأمس يستغيث به الآن ثانيًا من قبطي آخر، فـ ﴿قَالَ لَهُ﴾ أي: لذلك الإسرائيلي المستغيث ثانيًا على قبطي آخر؛ أي: قال له ﴿مُوسَى إِنَّكَ﴾ أيها المستغيث ﴿لَغَوِيٌّ﴾؛ أي: لذو غواية وضلال، وهو فعيل بمعنى المناوي، ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بيِّن الغواية والضلالة لا شك
стр. 9403
فيه؛ لأنك تسببت لقتل رجل في الأمس، وتُقاتل اليوم رجلًا آخر، يعني: إني وقعت في الأمس فيما وقعت فيه بسببك، فالآن تريد أن توقعني في ورطة أخرى،
١٩ - ثم دنا منهما ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ﴾ موسى ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ ويأخذ ﴿بـ﴾ الشدة والعنف القبطي ﴿الَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾؛ أي: عدو لموسى والإسرائيلي، إذ لم يكن على دينهما، ولأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل على الإطلاق، وقرأ الجمهور ﴿يَبْطِشَ﴾ بكسر الطاء، والحسن وأبو جعفر بضمها.
﴿قَالَ﴾ ذلك الإسرائيلي ظانًا أن موسى يريد أن يبطش به بناء على أنه خاطبه بقوله: إنك لغوي مبين، ورأى غضبه عليه، فلما سمع القبطي ذلك .. أفشاه، ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، حتى أفشى عليه الإسرائيلي، هكذا قال جمهور المفسرين.
أو قال له القبطي منكرًا: أتريد أن تفعل معي كما فعلت بالأمس، وتقتلني كما قتلت من قتلت، وكان قد عرف ذلك من حديث المصريين عنه. أو من هذا الإسرائيلي وهذا هو الظاهر.
﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ يعني القبطي المقتول. ﴿إِنْ تُرِيدُ﴾؛ أي: ما تريد يا موسى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾؛ أي: قاهرًا عاليًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر، تضرب وتقتل دون أن تنظر في العواقب، والجبار هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل، ولا ينظر في العواقب، ﴿وَمَا تُرِيدُ﴾ يا موسى ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ في الأرض ﴿مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بين الناس بالقول والفعل، فتدفع التخاصم بالحسن، أو من المتورعين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولما قال هذا انتشر الحديث، وارتقى إلى فرعون وملئه، وظهر أن القتل الواقع في الأمس صدر من موسى، حيث لم يطلع على ذلك إلا ذلك الإسرائيلي، فهموا بقتل موسى، فخرج مؤمن من آل فرعون وهو ابن عم موسى ليخبر موسى. كما قال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ...﴾ الآية.
стр. 9404
الإعراب
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾.
﴿طسم (١)﴾ إن قلنا إنه علم للسورة فهو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه السورة طسم؛ أي: مسماة بهذا اللفظ، أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: طسم هذا محله، أو مفعول لفعل محذوف أو لاسم فعل محذوف، فهو مثل أسماء التراجم، وإن قلنا فيه: الله أعلم بمراده به، فلا يحكم عليه بالإعراب، ولا بالبناء؛ لأن الإعراب والبناء فرعان عن إدراك المعنى، وعلى إعرابه، فالجملة مستأنفة. ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ خبر ومضاف إليه، ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿نَتْلُو﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾ مُوسَى: جار ومجرور ومضاف إليه، ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾: معطوف على موسى، وهما ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة، الجار والمجرور صفة لمفعول محذوف، تقديره: نتلو عليك شيئًا كائنًا من نبأ موسى وفرعون، ويجوز أن تكون من زائدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى وفرعون والأول أولى؛ لأنه لا ضرورة إلى زيادتها، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان آيات الكتاب المبين، ﴿بِالْحَقِّ﴾: إما حال من فاعل ﴿نَتْلُو﴾؛ أي: نتلو عليك حال كوننا متلبسين بالحق والصدق، أو من مفعوله؛ أي: حال كونه؛ أي: الخير متلبسًا بالحق اهـ. شيخنا ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَتْلُو﴾، فهو بمثابة التعليل؛ أي: لأجل قوم، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَا﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾. وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان نبأ فرعون، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان في محل الرفع معطوف على جملة ﴿عَلَا﴾. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على فرعون، ﴿طَائِفَةً﴾: مفعول
стр. 9405
به، ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿طَائِفَةً﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿جَعَلَ﴾، أو صفة لـ ﴿شِيَعًا﴾، ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب بدل اشتمال من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾؛ لأن الاستضعاف مشتمل على الذبح والاستحياء، ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿يُذَبِّحُ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واصمها ضمير ممستتر، ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾
﴿وَنُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجله الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، على كونها مسوقة لبيان نبأ موسى وفرعون، أو في على النصب حال من ﴿طَائِفَةً﴾ لتخصصه بالصفة؛ أي: يستضعف طائفة منهم حالة كوننا نريد المن عليهم. ﴿أن﴾: حرف نصب، ﴿نَمُنَّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، منصوب بـ ﴿أن﴾، ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿نَمُنَّ﴾، وجملة ﴿نَمُنَّ﴾ مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿نُرِيدُ﴾؛ أي: ونريد المن على الذين استضعفوا في الأرض، ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾: فعل ونائب فاعل صلة الموصول، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعولان معطوف على ﴿نَمُنَّ﴾ على كونها منصوبًا بأن المصدرية، ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿نَمُنَّ﴾ أيضًا، ﴿وَنُمَكِّنَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿نَمُنَّ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به أيضًا، أو حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾. ﴿وَنُرِيَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿نَمُنَّ﴾ أيضًا، وهو من رأى البصرية تعدى بالهمزة إلى مفعولين،
стр. 9406
﴿فِرْعَوْنَ﴾: مفعول أول، ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ معطوفان عليه، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَنُرِيَ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿نُرِيَ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَحْذَرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، أو صفة للموصوفة، إن قلنا إنها موصوفة، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كانوا يحذرونه.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ على كونها مسوقة لبيان نبأ موسى وفرعون، ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأوحينا ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أن مفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه، ﴿أَرْضِعِيهِ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة مفسرة لـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾ لا محل لها من الإعراب، ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾: مصدرية، وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة، تقديره: وأوحينا إلى أم موسى بإرضاعك إياه، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿خِفْتِ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ وجوبًا، ﴿ألقيه﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، ﴿فِي الْيَمِّ﴾: متعلق بـ ﴿أَلْقِيهِ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ على كونها مفسرة لـ ﴿أوحينا﴾، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾: جازم وفعل مجزوم وفاعل معطوف على ﴿أَلْقِيهِ﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾: معطوف على [أَلْقِيهِ] أيضًا، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿رَادُّوهُ﴾: خبره مرفوع بالواو، ﴿إِلَيْكِ﴾: متعلق بـ ﴿رَادُّوهُ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل النهي المذكور قبله، ﴿وَجَاعِلُوهُ﴾: معطوف على ﴿رَادُّوهُ﴾، وهو اسم فاعل أضيف إلى مفعوله الأول، ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في محل نصب مفعوله الثاني.
стр. 9407
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾
﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فأرضعته وألقته، فالتقطه آل فرعون، ﴿الْتَقَطَهُ﴾: فعل ومفعول، ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ويجوز أن تكون الفاء فصيحة، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾: اللام، حرف جر وتعليل، أو لام العاقبة، ﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد اللام، واسمها ضمير يعود على موسي، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿عَدُوًّا﴾؛ أو حال منه، ﴿عَدُوًّا﴾: خبر ﴿يَكُونَ﴾، ﴿وَحَزَنًا﴾: معطوف عليه، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لكونه عدوًا لهم وحزنًا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿الْتَقَطَ﴾. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: ناصب واسمه، ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾: معطوفان على فرعون، ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾. وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المعطوف عليه، وهو ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ﴾، والمعطوف وهو ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، معطوف على ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو قرة عين، ﴿لِي﴾: صفة لـ ﴿قُرَّتُ﴾، ﴿وَلَكَ﴾: معطوف على ﴿لِي﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَقْتُلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بلا الناهية، والجملة في محل النصب مقول ﴿وَقَالَتِ﴾، ﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء تعمل عمل كان، واسمها ضمير يعود على موسى، ﴿أَنْ يَنْفَعَنَا﴾: ناصب وفعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسَى﴾، ولكنه على تأويل اسم فاعل، أو على تقدير مضاف، والتقدير عسى هذا الغلام نافعًا لنا، أو ذا نفع لنا، وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ومفعولان، معطوف على ﴿يَنْفَعَنَا﴾، ﴿وَهُمْ﴾
стр. 9408
﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، وهي من كلام الله تعالى، ويبعد أن يكون من كلام آسية.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَأَصْبَحَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿أَصْبَحَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ اسمها ومضاف إليه، ﴿فَارِغًا﴾: خبرها، والجملة مستأنفة، ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، ﴿كَادَتْ﴾: فعل ناقص من أفعال المقاربة، واسمها ضمير يعود على ﴿أُمِّ مُوسَى﴾، ﴿لَتُبْدِي﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿تُبْدِي﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ﴿أُمِّ مُوسَى﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُبْدِي﴾؛ أي: لتبدي القول به، أو ﴿الباء﴾ زائدة؛ أي: لتبديه، وجملة ﴿تبدي﴾ في محل النصب خبر ﴿كاد﴾ وجملة ﴿كاد﴾ في حل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة مستأنفة. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب وصدر، ﴿رَبَطْنَا﴾: فعل ماض وفاعل في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿عَلَى قَلْبِهَا﴾: متعلق بـ ﴿رَبَطْنَا﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبًا، تقديره: لولا ربطنا على قلبها موجود، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف، تقديره: لأبدت به، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ مستأنفة. ﴿لِتَكُونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تكون﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، واسمها ضمير يعود على أم موسى، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿تَكُونَ﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لكونها من المؤمنين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَبَطْنَا﴾.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾.
стр. 9409
﴿وَقَالَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على أم موسى، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَصْبَحَ﴾، ﴿لِأُخْتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَتْ﴾، ﴿قُصِّيهِ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾، ﴿فَبَصُرَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فذهبت ترتاده وتقص آثاره فبصرت به، ﴿بصرت﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على أخت موسى، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿بصرت﴾ أي: بصرت به حالة كونها مستخفية كائنة عن جنب وبُعد، أو حال من ضمير ﴿بِهِ﴾؛ أي: بعيدًا، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿بَصُرَتْ﴾، والرابط مقدر، والتقدير: فبصرت به وهم لا يشعرون بها. ﴿وَحَرَّمْنَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿حرمنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿حرمنا﴾، ﴿الْمَرَاضِعَ﴾: مفعول به، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حرمنا﴾؛ أي: من قبل رده إلى أمه، أو حال من ضمير ﴿عَلَيْهِ﴾، ﴿فَقَالَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على أخت موسى، والجملة معطوفة على جملة ﴿بصرت﴾، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفام الاستخباري، ﴿أَدُلُّكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَدُلُّكُمْ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾، ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿أَهْلِ بَيْتٍ﴾، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿لَهُ﴾: متعلق بما بعده، ﴿نَاصِحُونَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾.
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿رَدَدْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على محذوف، تقديره: فأذنوا لها في إرضاعه فرددناه، ﴿إِلَى أُمِّهِ﴾: جار
стр. 9410
ومجرور متعلق بـ ﴿رددنا﴾، ﴿كَيْ﴾: حرف نصب، ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: فعل وفاعل منصوب بكي، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة، تقديره: فرددناه إلى أمه لقرة عينها، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَحْزَنَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على أم موسى، معطوف على ﴿تَقَرَّ﴾. ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تَعْلَمَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على أم موسى، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: ولعلمها ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور المقدر في قوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾، ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تَعْلَمَ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبرها، ومفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾: محذوف، تقديره: كون وعد الله حقًا، وجملة ﴿لكن﴾: في محل النصب حال من اسم ﴿أَن﴾ ولكن على تقدير الرابط؛ أي: ولتعلم أن وعد الله حق والحال أن أكثرهم لا يعلمون كون وعد الله حقًا.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ ﴿وَاسْتَوَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿بَلَغَ﴾، ﴿آتَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿حُكْمًا﴾ مفعول ثان، ﴿وَعِلْمًا﴾: معطوف على ﴿حُكْمًا﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿وَكَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف، ﴿نَجْزِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مفعول به، والتقدير: ونجزي المحسنين جميعًا جزاء مثل
стр. 9411
جزائنا لموسى وأمه، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَمَّا﴾. ﴿وَدَخَلَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: وغاب عن فرعون مدة طويلة ثم رجع ودخل المدينة، ﴿دَخَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، ﴿الْمَدِينَةَ﴾: مفعول به على السعة، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿الْمَدِينَةَ﴾ أو من فاعل ﴿دَخَلَ﴾؛ أي: مختلسًا، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿غَفْلَةٍ﴾، ﴿فَوَجَدَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿وَجَدَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، معطوف على ﴿دَخَلَ﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿وَجَدَ﴾، ﴿رَجُلَيْنِ﴾: مفعول به لـ ﴿وَجَدَ﴾؛ لأنه من وجدان الضالة، فيتعدى لمفعول واحد، وجملة ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾: صفة لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾، وقيل في محل النصب حال من ﴿رَجُلَيْنِ﴾، لأن سيبويه جوز مجيء الحال من النكرة من غير شرط، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿اسْتَغَاثَهُ الَّذِي﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَجَدَ﴾، ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، ﴿عَلَى الَّذِي﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَغَاثَهُ﴾، ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾: صلة الموصول، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾: فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿اسْتَغَاثَه﴾، ﴿فَقَضَى﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على موسى، أو على الوكز المفهوم من وكزه، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿فَقَضَى﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة مستأنفة، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَدُوٌّ﴾: خبره، ﴿مُضِلٌّ﴾: صفة لـ ﴿عَدُوٌّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿مُضِلٌّ﴾، أو صفة ثانية لـ ﴿عَدُوٌّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة مستأنفة،
стр. 9412
﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَاغْفِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿اغْفِر﴾ فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿لِي﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾، ﴿فَغَفَرَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿غفر﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾، ﴿لَهُ﴾: متعلق بغفر، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْغَفُورُ﴾: خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة مستأنفة، ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بِمَآ﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وقسم، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿أَنْعَمْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بباء القسم، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بإنعامك علي بالمغفرة، وجواب القسم محذوف، تقديره: لأتوبن، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿عَلَيَّ﴾ متعلقان به ﴿فَلَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على الجواب المحذوف، ﴿لَنْ أَكُونَ﴾: ناصب وفعل ناقص، واسمه مستتر فيه يعود على موسى، ﴿ظَهِيرًا﴾: خبره، ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿ظَهِيرًا﴾، وجملة ﴿أَكُونَ﴾: معطوفة على جواب القسم المحذوف.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾.
﴿فَأَصْبَحَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أصبح﴾: فعل ماض تام بمعنى دخل في الصباح، وفاعله ضمير يعود على موسى، ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: متعلق بـ ﴿أصبح﴾، أو حال من الفاعل، ﴿خَائِفًا﴾: حال من فاعل أصبح، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة الفعلية حال ثانية، أو ثالثة، أو حال من
стр. 9413
الضمير في ﴿خَائِفًا﴾ فتكون حالًا متداخلة، ومفعول ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ محذوف، تقديره: يترقب المكروه، ويجوز أن يكون ﴿أصبح﴾ ناقصًا واسمها مستتر فيها، ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ حال ﴿خَائِفًا﴾ خبرها، وجملة ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ حال ثانية. أو خبر ثان لها، ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ حرف فجأة، ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، ﴿اسْتَنْصَرَهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِالْأَمْسِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ومتعلق ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ محذوف, تقديره: على قبطي آخر، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أصبح﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُ﴾: متعلق به، ﴿مُوسَى﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَغَوِيٌّ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿غوي﴾: خبره، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿غوي﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أن﴾: زائدة لاطراد زيادتها بعد ﴿لما﴾ كما هنا. وقيل لو مسبوقة بقسم كقوله:
فَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ... لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ
وإنما زاد ﴿أن﴾ بعد ﴿لما﴾ للإشعار بأن موسى لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنده إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك الإبطاء بزيادة ﴿أَن﴾، وقد تقدم في سورة يوسف ما يماثل هذا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾. ﴿أَرَادَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾: ناصب وفعل مضارع منصوب، وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: فلما أن أراد بطشه، ﴿بِالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْطِشَ﴾، ﴿هُوَ عَدُوٌّ﴾: مبتدأ وخبر صلة الموصول، ﴿لَهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، أو صفة له، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر
стр. 9414
يعود على الإسرائيلي المستغيث، والجملة الفعلية جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَتُرِيدُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿تريد﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر وجوبًا يعود على موسى، ﴿أَنْ تَقْتُلَنِي﴾: ناصب وفعل مضارع منصوب، وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعول به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أتريد قتلك إياي، وجملة ﴿أَتُرِيدُ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِالْأَمْسِ﴾ متعلق بـ ﴿قَتَلْتَ﴾، والجملة الفعلية مع ﴿ما﴾: المصدرية في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: أن تقتلني قتلًا كائنًا كقتلك نفسًا بالأمس. ﴿إن﴾: نافية، ﴿تُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَن﴾: حرف نصب، ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أن﴾، واسمها ضمير يعود على موسى، ﴿جَبَّارًا﴾ خبرها ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة ﴿جَبَّارًا﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾: في تأويل مصدر منصوب علي المفعولية لـ ﴿تُرِيدُ﴾، والتقدير: إن تريد يا موسى إلا كونك جبارًا في الأرض. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب، ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على موسى، ﴿مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾: خبر ﴿تَكُونَ﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: وما تريد كونك من المصلحين. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾؛ أي: ننزل عليك، والتلاوة: الإتيان بالثاني بعد الأول في القراءة؛ أي: نقرأ قراءة متتابعة بواسطة جبريل، يعني يقرأ عليك جبريل بأمرنا،
стр. 9415
﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾ والنبأ الخبر العجيب العظيم الشأن.
﴿عَلَا﴾؛ أي: تجبر واستكبر، ﴿شِيَعًا﴾؛ أي: فرقًا يستخدم كل صنف في عمل من بناء وحفر وحرث، إلى نحو ذلك من الأعمال الشاقة، وهو جمع شيعة بالكسر، وهو مَنْ يتقوَّى بهم الإنسان، وينتشرون عنه, لأن الشياع الانتشار والتقوية، يقال: شاع الحديث؛ أي: كثر وقوي. وشاع القوم انتشروا وكثروا.
وفي "القاموس": و"التاج": وغيرهما من كتب اللغة: شيعة الرجل أتباعه وأنصاره، والجمع شيع وأشياع، والشيعة الفرقة، وتقع على الواحد والاثنين، والجمع مذكرًا ومؤنثًا، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليًا وأهل بيته، حتى صار لهم اسمًا خاصًا، والواحد شيعي. وقال الزمخشري: ﴿شِيَعًا﴾ فرقًا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه. قال في "كشف الأسرار": كان القبط إحدى الشيع، وهم شيعة الكرامة.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ والاستضعاف جعلهم ضعفاء مقهورين، والطائفة هنا هم بنو إسرائيل، ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وأصل الذبح شق حلق الحيوان، والتشديد هنا للتكثير، والمعنى: يقتل بعضهم إثر بعض، حتى قتل تسعين ألفًا من أبناء بني إسرائيل صغارًا.
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ والاستحياء الاستبقاء؛ أي: يتركهن أحياء للخدمة لقول بعض الكهنة له: إن مولودًا يُولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملكك، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ جمع إمام، وهو من يقتدى به في الدين، أو في الدنيا، ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يقال: مكَّن له إذا جعل له مكانًا موطَّأ ممهدًا يجلس عليه، والمراد هنا نسلطهم على أرض مصر والشام، يتصرفون فيهما كيف يشاؤون. اهـ "أبو السعود".
﴿وَهَامَانَ﴾ وزير فرعون المذكور هنا، وهامان عدو اليهود، وزير إحشو يروش الفارسي، ذُكر في سفر استير من كتب العهد القديم، ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ والحذر الاحتراز عن مخيف كما في "المفردات"؛ أي: ما كانوا
стр. 9416
يتوقعونه من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وأصل الوحي الإشارة السريعة، ويقع على كل تنبيه خفي، والإيحاء إعلام في خفاء، قال الإِمام الراغب: يقال: للكلمة الإلهية التي تُلْقى إلى أنبيائه وحي، وذلك:
١ - إما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل للنبي ﷺ في صورة معينة.
٢ - وإما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى ﵇ كلام الله تعالى.
٣ - وإما بإلقاء في الروع، كما ذكر ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي".
٤ - وإما بإلهام، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾.
٥ - وإما بتسخير نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.
٦ - وإما بالمنام كقوله ﷺ : "انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن" انتهى بإجمال، فالمراد هنا وحي الإلهام، كما ذكره الراغب، فجملة أقسام الوحي ستة. فافهم.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: في بحر النيل، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان بسبب توقع مكروه يحدث في المستقبل، والحزن - بفتحتين وبضم فسكون - كالرَّشَدِ والرُّشْدِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ، غم يلحق الإنسان بسبب مكروه قد حصل.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ والالتقاط إصابة الشيء وأخذه فجأة، من غير طلب له، ومنه اللقطة، وهو مال بلا حافظ، ثم يُعرف مالكه، واللقيط هو طفل لم يعرف نسبه، يطرح في الطريق أو غيره، خوفًا من الفقر أو الزنى، ويجب أخذه
стр. 9417
إن خيف هلاكه بأن وجده في الماء، أو بين يدي سبع، وتفصيله في كتب الفقه، وآل الرجل: خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة، أو الصحبة، أو الموافقة في الدين.
﴿خَاطِئِينَ﴾ والمراد من الخطأ هنا الخطأ في الرأي، وهو ضد الصواب والمراد به الشرك والعصيان لله، والخطأ مقصورًا العدول عن الجهة، والخاطىء من يأتي بالخطأ، وهو يعلم أنه خطأ، وهو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان. يقال: خطىء الرجل إذا ضل في دينه وفعله، والمخطىء من يأتي به، وهو لا يعلم؛ أي: يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه بخلاف ما يريد، يقال: أخطأ الرجل في كلامه وأمره إذا زل وهفا.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ يقال: قرَّت به العين إذا فرحت به وسرت، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ والفؤاد القلب، لكن يقال له فؤاد إذا اعتُبر فيه معنى التفؤد؛ أي: التحرق والتوقد، كما في "المفردات" و"القاموس"، كما مر في مبحث التفسير بأبسط مما هنا، ﴿فَارِغًا﴾؛ أي: خاليًا من العقل، لما دهمها من الخوف والحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد عدوه، نحو ما جاء في قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾؛ أي: خلاء لا عقول بها، والفراغ خلاف الشغل.
﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ يقال: بدا الشيء بُدُوًا وبَدْوًا ظهر ظهورًا بيِّنًا، وأبداه أظهره إظهارًا بينًا، والإبداء إظهار الشيء، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ والربط الشد وهو العقد القوي، والربط على القلب سنده، والمراد هنا تثبيته، ﴿قُصِّيهِ﴾؛ أي: اقتفى أثره، وتبعي خبره، أمر من قص أثره قصًا وقصصًا من باب شد.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؛ أي: أبصرته، ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؛ أي: عن بعد، يقال: جنبته وأجنبته ذهبت عن ناحيته وجنبه، ومنه الجنب لبعده عن الصلاة ومس المصحف ونحوهما، والجار الجنب؛ أي: البعيد، ويقال: الجار الجنب أيضًا للقريب اللاصق بك إلى جنبك.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ التحريم هنا بمعنى المنع, لأنه لا معنى للتحريم
стр. 9418
الشرعي على صبي غير مكلف، والمراضع جمع مرضع - بضم الميم وكسر الضاد - وهي المرأة التي ترضع؛ أي: من شأنها الإرضاع، وإن لم تكن تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فهي بدون التاء, لأنها من الصفات الثابتة، والمرضعة بالتاء هي التي في حالة إرضاع الولد بنفسها، ففي الحديث: "ليس للصبي خير من لبن أمه، أو ترضعه امرأة صالحة كريمة الأصل، فان لبن المرأة الحمقاء يسري وأثر حمقها يظهر يومًا". وفي الحديث أيضًا: "الرضاع يغيِّر الطباع"، قالوا: العادة جارية بأن من ارتضع امرأة، فالغالب عليه أخلاقها من خير وشر، كما في "المقاصد الحسنة" للإمام السخاوي.
﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾؛ أي: يضمنون رضاعه والقيام بشؤونه، والكفالة الضمان والعيالة، يقال: كفل به كفالة وهو كفيل إذا تقبل به، وضمنه وكفله فهو كافل إذا عاله، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، وفي "المفردات": النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه. انتهى، والمراد أنهم يفعلون ما ينفعه في غذائه وتربيته، ولا يقصرون في خدمته.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ واحدة الأشد شدة، كانعم ونعمة، وقيل: مفرد على وزن الجمع، كما مر، والشدة القوة والجلادة، وبلوغ الأشد استكمال القوة الجسمانية، وانتهاء النمو المعتد به، ﴿وَاسْتَوَى﴾ والاستواء اعتدال العقل وكماله، ويختلف ذلك باختلاف الأقاليم والأزمان والأحوال.
﴿حُكْمًا﴾ والحكم الحكمة، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾؛ أي: في وقت لا يتوقعون دخولها فيه ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي: ممن شايعه وتابعه في الدين، وهم بنو إسرائيل، ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ أي: من مخالفيه في الدين، وهم القبط، والعدو يُطلق على الواحد والجمع، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾؛ أي: طلب غوثه ونصره.
﴿فَوَكَزَهُ﴾؛ أي: فضربه بجمع يده؛ أي: بيده مجموعة الأصابع، والوكز - كالوعد -: الدفع والطعن والضرب بجمع الكف، وهو بالضم والكسر حين يقبضها، وقال أبو حيان: والوكز الضرب باليد مجموعة كعقد ثلاثة وسبعين. اهـ.
стр. 9419
وفي "المصباح": وكزه وكزًا - من باب وعد - إذا ضربه ودفعه، ويقال: ضربه بجمع كفه على ذقنه، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: فقتله وأنهى حياته، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: من تزيينه، ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر العداوة والإضلال، ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾؛ أي: فاستر ذنوبي، ﴿ظَهِيرًا﴾؛ أي: معينًا.
﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: ينتظر ما يناله من أذى، وفي "المفردات": ترقب احترز راقبًا؛ أي: حافظ، وذلك إما لمراعاة رقبة المحفوظ، وإما لرفعه رقبته، ﴿اسْتَنْصَرَهُ﴾؛ أي: طلب نصرته ومعونته، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾؛ أي: يطلب الاستغاثة برفع الصوت، ﴿لَغَوِيٌّ﴾؛ أي: ضال من غوى يغوي كرمى يرمي، وغواية كعداوة.
﴿يَبْطِشَ﴾؛ أي: يأخذ بصولة وسطوة، ﴿جَبَّارًا﴾ والجبار هو الذي يفعل ما يفعل من غير نظر في العواقب، وقيل: هو الذي يتعاظم ولا يتواضع لأمر الله تعالى، ﴿مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ أي: ممن يبغون الإصلاح بين الناس ويدفعون التخاصم بالحسن.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإشارة بالبعيد عن القريب في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ تنزيلًا لبعد مرتبته في الكمال منزلة بعده الحسي.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ لاستحضار تلك الصورة في الذهن.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ حيث شبه التسليط بالتمكين بجامع استحقاق التصرف في كل، فاستعار له اسمه، فاشتق من التمكين - بمعنى التسليط - نمكن، بمعنى نسلط على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
стр. 9420
ومنها: الإضافة للتغليب في قوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ لأن الجنود إنما كانت لفرعون.
ومنها: نوع عجيب من الإطناب في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ وهو من أجمل الإطناب، وهو أن يذكر الشيء فيؤتي فيه بمعان متداخلة، إلا أن كل معنى مختص بخصيصة ليست للآخر، فقد قلنا في باب اللغة: إن الخوف هو غم يصيب الإنسان لأمر يُتوقع نزوله في المستقبل، وأما الحزن فهو غم يصيبه لأمر وقع فعلًا ومضى، فنُهيت عنهما جميعًا.
ومنها: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية في قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يقل سنرده ونجعله رسولًا، وذلك للاعتناء بالبشارة, لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ فإن ذلك كناية عن فقدان العقل، وطيش اللب، والمعنى: أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طاش صوابها، وطار عقلها لما انتابها من فرط الجزع والدهش.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ شبه ما قذف الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع، واستعار لفظ الربط للصبر.
ومنها: الاستعارة أو المجاز المرسل في قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ لأن من حرم عليه شيء فقد منعه, لأن الصبي ليس من أهل التكليف.
ومنها: صيغة التعظيم في قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ تخاطب فرعون، ولم تقل: لا تقتله، تعظيمًا له، ليساعدها على ما تريده من ترك قتله.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾ لأنه كناية عن إرضاعه والقيام بتربيته.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومنها: الإشارة على الحكاية في قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ وإلا فهو والذي