يتوقعونه من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وأصل الوحي الإشارة السريعة، ويقع على كل تنبيه خفي، والإيحاء إعلام في خفاء، قال الإِمام الراغب: يقال: للكلمة الإلهية التي تُلْقى إلى أنبيائه وحي، وذلك:
١ - إما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل للنبي ﷺ في صورة معينة.
٢ - وإما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى ﵇ كلام الله تعالى.
٣ - وإما بإلقاء في الروع، كما ذكر ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي".
٤ - وإما بإلهام، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾.
٥ - وإما بتسخير نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.
٦ - وإما بالمنام كقوله ﷺ : "انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن" انتهى بإجمال، فالمراد هنا وحي الإلهام، كما ذكره الراغب، فجملة أقسام الوحي ستة. فافهم.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: في بحر النيل، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان بسبب توقع مكروه يحدث في المستقبل، والحزن - بفتحتين وبضم فسكون - كالرَّشَدِ والرُّشْدِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ، غم يلحق الإنسان بسبب مكروه قد حصل.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ والالتقاط إصابة الشيء وأخذه فجأة، من غير طلب له، ومنه اللقطة، وهو مال بلا حافظ، ثم يُعرف مالكه، واللقيط هو طفل لم يعرف نسبه، يطرح في الطريق أو غيره، خوفًا من الفقر أو الزنى، ويجب أخذه
стр. 9417
إن خيف هلاكه بأن وجده في الماء، أو بين يدي سبع، وتفصيله في كتب الفقه، وآل الرجل: خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة، أو الصحبة، أو الموافقة في الدين.
﴿خَاطِئِينَ﴾ والمراد من الخطأ هنا الخطأ في الرأي، وهو ضد الصواب والمراد به الشرك والعصيان لله، والخطأ مقصورًا العدول عن الجهة، والخاطىء من يأتي بالخطأ، وهو يعلم أنه خطأ، وهو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان. يقال: خطىء الرجل إذا ضل في دينه وفعله، والمخطىء من يأتي به، وهو لا يعلم؛ أي: يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه بخلاف ما يريد، يقال: أخطأ الرجل في كلامه وأمره إذا زل وهفا.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ يقال: قرَّت به العين إذا فرحت به وسرت، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ والفؤاد القلب، لكن يقال له فؤاد إذا اعتُبر فيه معنى التفؤد؛ أي: التحرق والتوقد، كما في "المفردات" و"القاموس"، كما مر في مبحث التفسير بأبسط مما هنا، ﴿فَارِغًا﴾؛ أي: خاليًا من العقل، لما دهمها من الخوف والحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد عدوه، نحو ما جاء في قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾؛ أي: خلاء لا عقول بها، والفراغ خلاف الشغل.
﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ يقال: بدا الشيء بُدُوًا وبَدْوًا ظهر ظهورًا بيِّنًا، وأبداه أظهره إظهارًا بينًا، والإبداء إظهار الشيء، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ والربط الشد وهو العقد القوي، والربط على القلب سنده، والمراد هنا تثبيته، ﴿قُصِّيهِ﴾؛ أي: اقتفى أثره، وتبعي خبره، أمر من قص أثره قصًا وقصصًا من باب شد.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؛ أي: أبصرته، ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؛ أي: عن بعد، يقال: جنبته وأجنبته ذهبت عن ناحيته وجنبه، ومنه الجنب لبعده عن الصلاة ومس المصحف ونحوهما، والجار الجنب؛ أي: البعيد، ويقال: الجار الجنب أيضًا للقريب اللاصق بك إلى جنبك.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ التحريم هنا بمعنى المنع, لأنه لا معنى للتحريم
стр. 9418
الشرعي على صبي غير مكلف، والمراضع جمع مرضع - بضم الميم وكسر الضاد - وهي المرأة التي ترضع؛ أي: من شأنها الإرضاع، وإن لم تكن تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فهي بدون التاء, لأنها من الصفات الثابتة، والمرضعة بالتاء هي التي في حالة إرضاع الولد بنفسها، ففي الحديث: "ليس للصبي خير من لبن أمه، أو ترضعه امرأة صالحة كريمة الأصل، فان لبن المرأة الحمقاء يسري وأثر حمقها يظهر يومًا". وفي الحديث أيضًا: "الرضاع يغيِّر الطباع"، قالوا: العادة جارية بأن من ارتضع امرأة، فالغالب عليه أخلاقها من خير وشر، كما في "المقاصد الحسنة" للإمام السخاوي.
﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾؛ أي: يضمنون رضاعه والقيام بشؤونه، والكفالة الضمان والعيالة، يقال: كفل به كفالة وهو كفيل إذا تقبل به، وضمنه وكفله فهو كافل إذا عاله، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، وفي "المفردات": النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه. انتهى، والمراد أنهم يفعلون ما ينفعه في غذائه وتربيته، ولا يقصرون في خدمته.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ واحدة الأشد شدة، كانعم ونعمة، وقيل: مفرد على وزن الجمع، كما مر، والشدة القوة والجلادة، وبلوغ الأشد استكمال القوة الجسمانية، وانتهاء النمو المعتد به، ﴿وَاسْتَوَى﴾ والاستواء اعتدال العقل وكماله، ويختلف ذلك باختلاف الأقاليم والأزمان والأحوال.
﴿حُكْمًا﴾ والحكم الحكمة، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾؛ أي: في وقت لا يتوقعون دخولها فيه ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي: ممن شايعه وتابعه في الدين، وهم بنو إسرائيل، ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ أي: من مخالفيه في الدين، وهم القبط، والعدو يُطلق على الواحد والجمع، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾؛ أي: طلب غوثه ونصره.
﴿فَوَكَزَهُ﴾؛ أي: فضربه بجمع يده؛ أي: بيده مجموعة الأصابع، والوكز - كالوعد -: الدفع والطعن والضرب بجمع الكف، وهو بالضم والكسر حين يقبضها، وقال أبو حيان: والوكز الضرب باليد مجموعة كعقد ثلاثة وسبعين. اهـ.
стр. 9419
وفي "المصباح": وكزه وكزًا - من باب وعد - إذا ضربه ودفعه، ويقال: ضربه بجمع كفه على ذقنه، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: فقتله وأنهى حياته، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: من تزيينه، ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر العداوة والإضلال، ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾؛ أي: فاستر ذنوبي، ﴿ظَهِيرًا﴾؛ أي: معينًا.
﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: ينتظر ما يناله من أذى، وفي "المفردات": ترقب احترز راقبًا؛ أي: حافظ، وذلك إما لمراعاة رقبة المحفوظ، وإما لرفعه رقبته، ﴿اسْتَنْصَرَهُ﴾؛ أي: طلب نصرته ومعونته، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾؛ أي: يطلب الاستغاثة برفع الصوت، ﴿لَغَوِيٌّ﴾؛ أي: ضال من غوى يغوي كرمى يرمي، وغواية كعداوة.
﴿يَبْطِشَ﴾؛ أي: يأخذ بصولة وسطوة، ﴿جَبَّارًا﴾ والجبار هو الذي يفعل ما يفعل من غير نظر في العواقب، وقيل: هو الذي يتعاظم ولا يتواضع لأمر الله تعالى، ﴿مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ أي: ممن يبغون الإصلاح بين الناس ويدفعون التخاصم بالحسن.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإشارة بالبعيد عن القريب في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ تنزيلًا لبعد مرتبته في الكمال منزلة بعده الحسي.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ لاستحضار تلك الصورة في الذهن.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ حيث شبه التسليط بالتمكين بجامع استحقاق التصرف في كل، فاستعار له اسمه، فاشتق من التمكين - بمعنى التسليط - نمكن، بمعنى نسلط على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
стр. 9420
ومنها: الإضافة للتغليب في قوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ لأن الجنود إنما كانت لفرعون.
ومنها: نوع عجيب من الإطناب في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ وهو من أجمل الإطناب، وهو أن يذكر الشيء فيؤتي فيه بمعان متداخلة، إلا أن كل معنى مختص بخصيصة ليست للآخر، فقد قلنا في باب اللغة: إن الخوف هو غم يصيب الإنسان لأمر يُتوقع نزوله في المستقبل، وأما الحزن فهو غم يصيبه لأمر وقع فعلًا ومضى، فنُهيت عنهما جميعًا.
ومنها: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية في قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يقل سنرده ونجعله رسولًا، وذلك للاعتناء بالبشارة, لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ فإن ذلك كناية عن فقدان العقل، وطيش اللب، والمعنى: أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طاش صوابها، وطار عقلها لما انتابها من فرط الجزع والدهش.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ شبه ما قذف الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع، واستعار لفظ الربط للصبر.
ومنها: الاستعارة أو المجاز المرسل في قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ لأن من حرم عليه شيء فقد منعه, لأن الصبي ليس من أهل التكليف.
ومنها: صيغة التعظيم في قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ تخاطب فرعون، ولم تقل: لا تقتله، تعظيمًا له، ليساعدها على ما تريده من ترك قتله.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾ لأنه كناية عن إرضاعه والقيام بتربيته.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومنها: الإشارة على الحكاية في قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ وإلا فهو والذي
стр. 9421
من عدوه ما كانا حاضرين حال الحكاية لرسول الله ﷺ ، ولكنهما لما كانا حاضرين يشار إليهما وقت وجدان موسى إياهما حكى حالهما وقتئذٍ، كما مر.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ لأنه كناية عن الموت، والقضاء في الأصل فصل الأمر.
ومنها: توسيط في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ لإبانة ما بينهما من المخالفة، من حيث أنه مناجاة ودعاء، بخلاف الأول كما مر.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾.
ومنها: الطباق المعنوي بين ﴿جَبَّارًا﴾ ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ لأن الجبار المفسد المخرب المكثر للقتل، ففيه طباق في المعنى.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وكان ابن عم موسى، وقيل: اسمه شمعون، وقيل: طالوت، وقيل: شمعان، ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: من آخر المدينة، أو من أبعدها، وفي سورة يس: قدم ﴿مِنْ أَقْصَى﴾ على ﴿رَجُلٌ﴾ لأنه لم يكن من أقصاها، إنما جاء منها، وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان، وقضيتان متباينتان. اهـ "سمين"، فما هنا في قضية موسى، وما هناك في قضية حوراي عيسى. اهـ، وسيأتي التعليل بغير ذلك عن "فتح الرحمن".
وجملة قوله: ﴿يَسْعَى﴾؛ أي: يُسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم، حتى وصل إلى موسى ﵇، صفة لرجل، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال؛ لأن لفظ رجل وإن كان نكرة فقد تخصص بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾. ويجوز أن يتعلق ﴿مِنْ أَقْصَى﴾ بـ ﴿جَاءَ﴾، أو صفة لرجل، أي: جاء إلى موسى مسرعًا فوصل إليه.
فـ ﴿قَالَ﴾ الرجل ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾؛ أي: إن أشراف قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ ويتشاورون ﴿بِكَ﴾؛ أي: بسببك، وإنما سمي (١) التشاور ائتمارًا لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾؛ أي: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، فاتفقوا على أن يحتالوا فيك ليهلكوك، ﴿فَاخْرُجْ﴾ من هذه المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في أمري إياك بالخروج، ومن المشفقين عليك، واللام في قوله: ﴿لَكَ﴾ للبيان، كأنه قيل: لك أقول هذه النصيحة، وليس صلة للناصحين, لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، وهو اللام في الناصح، وقيل: يجوز، لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها.
٢١ - ﴿فَخَرَجَ﴾ موسى ﵇ ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من المدينة حالة كونه ﴿خَائِفًا﴾ على نفسه من آل فرعون ﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: يتوقع لحوق الطالبين والتعرض له في الطريق، ويكثر الالتفات، وينظر هل يلحقه أحد يطلبه.
﴿قَالَ﴾ عند ذلك يا ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾؛ أي: خلصني ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وادفع
стр. 9424
عني شر الكافرين وحل بيني وبينهم، واحفظني من لحوقهم، يعني: قوم فرعون، وهذا يدل على أن قتله ﵇ لذلك القبطي لم يكن ذنبًا، فاستجاب الله دعاءه ونجاه كما سيأتي.
قال بعضهم: إن الله سبحانه إذا أراد بعبده أن يكون له فردًا أوقعه في واقعة شنيعة، ليفر من دون الله إلى الله، فلما ذر إليه خائفًا من الامتحان وجد جمال الرحمن، وعلم أن جميع ما جرى عليه واسطة الوصول إلى المراد، نسأل الله الوصول إليه وهو خير مسؤول، وقصد الذهاب إلى مدين, لأنها ليست تحت سلطنة فرعون، ولأنه وقع في نفسه أن بينه وبين أهل مدين قرابة, لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم ﵇، وهو من ذرية إبراهيم أيضًا.
٢٢ - ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾؛ أي: جعل وجهه نحو مدين، قاصدًا لها؛ أي: سلك في الطريق الذي تلقاء مدين، وينتهي إليها، و ﴿تِلْقَاءَ﴾ تفعال بمعنى حذاء ومقابل، وأصله من اللقاء كما سيأتي في مبحث اللغة إن شاء الله تعالى، ومدين قرية شعيب ﵇ على بحر القلزم، سميت باسم مدين بن إبراهيم ﵇ من امرأته قنطور، كان اتخذها لنفسه مسكنًا فنسبت إليه، ولم تكن في ملك فرعون، وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام، كما بين الكوفة والبصرة، وكان هناك ثلاث طرق فأخذ موسى أوسطها، وأخذ طالبوه في الآخرين، وقالوا: المريب لا يأخذ أعظم الطرق، ولا يسلك إلا بنياتها، فبقي في الطريق ثماني ليال وهو حافٍ، لا يطعم إلا ورق الشجر.
والمعنى: ولما جعل موسى وجهه نحو مدين، وصار متوجهًا إلى جانبها ﴿قَالَ﴾ موسى توكلًا على الله وحسن ظن به، وكان لا يعرف الطرق، ﴿عَسَى رَبِّي﴾؛ أي: أرجو ربي ﴿أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الطريق الوسط المستقيم الذي يرميني إلى مدين، وكان لمدين ثلاث طرق فأخذ موسى الطريق الوسطى، وجاء الطلاب عقيبه، فقالوا: إن الفار لا يأخذ الطريق الوسط خوفًا على نفسه، بل الطرفين فشرعوا في الآخرين فلم يجدوه.
стр. 9425
وقال ابن إسحاق: خرج موسى من مصر إلى مدين بغير زاد ولا مركوب، وبينهما مسيرة ثمانية أيام، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ونبات الأرض، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.
فائدة: قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ...﴾ الآية. قاله هنا بتقديم ﴿رَجُلٌ﴾ على ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وعكس في سورة يس حيث قال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ ...﴾ الآية، قيل موافقة هنا لقوله قبل فوجد فيها رجلين يقتتلان، واهتمامًا ثَمَّ بتقديم ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، لما روي أن الرجل حزقيل، وقيل: حبيب، كان يعبد الله في جبل فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلًا. اهـ من "فتح الرحمن".
وحاصل معنى الآيات: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾؛ أي: وجاء (١) رجل مؤمن من آل فرعون، يُخفي إيمانه عن فرعون وآله لأسباب، هو بها عليم، يُسرع للحاق بموسى، إشفاقًا وخوفًا عليه أن يصيبه مكروه من فرعون وآله، وقال: يا موسى إن الملك وبطانته وأشراف دولته يدبرون لك المكايد، وينصبون لك الحبائل، يريدون أن يقتلوك، فالبدار البدار، والهرب الهرب، قبل أن يقبضوا عليك، وينفذوا ما دبروه، ويقتلوك فأخرج من المدينة مسرعًا، وإني لك لناصح أمين.
فانتصح بنصحه، وتقبل قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾؛ أي: فخرج من مدينة فرعون خائفًا، يترقب لحوق الطالبين، ويلتفت يمينًا وشمالًا، وينظر أيتبعه أحد أم لا؟ ثم لجأ إلى الله تعالى، علمًا منه أن لا ملجأ إلا إليه.
﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: قال: رب نجني من هؤلاء الذين من دأبهم الظلم والعسف، ووضع الأمور في غير مواضعها، فيقتلون من لا يستحق القتل، ومن لا يُجرم إلى أحد، فاستجاب الله دعاءه، ووفقه إلى سلوك الطريق الأعظم نحو مدين.
стр. 9426
ولما اتجه نحو مدين ماضيًا إليها خارجًا عن مدينة فرعون قال: رب اهدني إلى سواء السبيل، وأرشدني إلى الطريق القويم، ونجني من هؤلاء الظلمة، وقد قال هذا توكلًا على الله، وثقة بحسن توفيقه، وقد كان لا يعرف الطريق، فعنَّ له ثلاث طرائق، فسار في الوسطى، وأخذ طالبوه في الآخرين، وقالوا: المريب لا يسلك أعظم الطرق، بل يأخذ بنياتها - أضيقها غير المشهور -، وقد روي: أنه بقي ثماني ليال وهو حاف لا يطعم إلا ورق الشجر، إذ ليس معه زاد، ولا دابة يركبها.
٢٣ - ثم ذكر سبحانه ما جرى له حين وصوله إلى مدين من الأحداث، فقال: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾؛ أي: ولما وصل موسى وجاء ﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وهو (١) بئر على طرف المدينة على ثلاثة أميال منها أو أقل كانوا يسقون منها، قال (٢) ابن عباس ﵄: ورد موسى ﵇ ماء مدين وإنه ليتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال، ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على جانب البئر وفوق شفيرها ﴿أُمَّةً﴾؛ أي: جماعة كثيرة ﴿مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: من أهل مدين ﴿يَسْقُونَ﴾ مواشيهم من مائها، قيل: كانوا أربعين رجلًا.
﴿وَوَجَدَ﴾ موسى ﴿مِنْ دُونِهِمُ﴾؛ أي: من دون الناس الذين يسقون، أي: في مكان أسفل منهم ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ صفورياء وليا، ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب. قاله السهيلي في "كتاب التعريف"، ﴿تَذُودَانِ﴾؛ أي (٣): تحبسان وتمنعان أغنامهما عن المتقدم إلى الماء حتى يفرغ الناس، وتخلو لهما البئر. وقيل: تكفان أغنامهما عن أن تختلط بأغنام الناس، وقيل تمنعان أغنامهما عن أن تَنِدَّ، وتذهب، والقول الأول أولى لما بعده، وقوله: ﴿قَالَ﴾ موسى للمرأتين ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؛ أي: ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس، والخطب (٤) الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب؛ أي: ما شأنكما فيما أنتما عليه من التأخر والذود، ولم لا تباشران
стр. 9427
السقي كدأب هؤلاء.
قال بعضهم: كيف استجاز موسى أن يكلم امرأتين أجنبيتين؟.
والجواب: كان آمنًا على نفسه معصومًا من الفتنة، فلأجل علمه بالعصمة كلمهما، كما يقال: كان للرسول ﷺ التزوج بامرأة من غير شهود, لأن الشهود لصيانة العقد عن التجاحد، وقد عُصم الرسول من أن يجحد نكاحًا، أو يُجحد نكاحه، دون غيره من أفراد أمته.
وقرأ شَبَمْرٌ (١): ﴿خِطبكما﴾ بكسر الخاء؛ أي: من زوجكما, ولم لا يسقي هو، وهذه القراءة نادرة، ﴿قَالَتَا﴾؛ أي: البنتان ﴿لَا نَسْقِي﴾، أي: لا نقدر أن نسقي أغنامنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾؛ أي: حتى يصرف الرعاء مواشيهم عن الماء.
والمعنى (٢): عادتنا أن لا نسقي مواشينا حتى يصرف الرعاء مواشيهم بعد ريها، ويرجعوا، عجزًا عن مساجلتهم وحذرًا من مخالطة الرجال، فإذا انصرفوا سقينا من فضل مواشيهم، وحذف مفعول السقي والذود والإصدار، لما أن الغرض هو بيان تلك الأفعال أنفسها، إذ هي التي دعت موسى إلى ما صنع في حقهما من المعروف، فإنه ﵇ إنما رحمهما لكونهما على الذياد والعجز والعفة، وكونهم على السقي غير مبالين بهما، وما رحمهما لكون مذودهما غنمًا ومستقيهم إبلًا مثلًا.
وقرأ ابن مصرف (٣): ﴿لَا نَسْقِي﴾ بضم النون، وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وقتادة وأبو عمر وابن عامر: ﴿يُصْدِرَ﴾ بفتح الياء وضم الدال؛ أي: يصدرون بأغنامهم، وقرأ باقي السبعة والأعرج وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق وعيسى: بضم الياء وكسر الدال؛ أي: يصدرون أغنامهم.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿الرِّعَاءُ﴾ بكسر الراء جمع تكسير، قال الزمخشري: وأما
стр. 9428
الرِعاء بالكسر فقياس، كصيام وقيام. انتهى، قلتُ وليس بقياس, لأنه جمع راع، وقياس فاعل الصفة للعاقل أن تُكسر على فُعلة، كقاض وقضاة، وما سوى جمعه هذا، فليس بقياس، وقرىء ﴿الرعاء﴾ بضم الراء، وهو اسم جمع كالرحال والثناء، قال أبو الفضل الرازي، وقرأ عياش عن أبي عمرو: ﴿الرعاء﴾ بفتح الراء وهو مصدر أقيم مقام الصفة، فاستوى لفظ الواحد والجماعة فيه، وقد يجوز أنه حذف منه المضاف.
وقولهما: ﴿وَأَبُونَا﴾ وهو شعيب ﵇ ﴿شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ السن, أو القدر والشرف، لا يستطيع أن يخرج، فيرسلنا للرعي والسقي اضطرارًا، اعتذار إلى موسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما, وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف لموسى في إعانتهما.
٢٤ - ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ ماشيتهما رحمة عليهما، وطلبًا لوجه الله تعالى، قيل: عمد موسى إلى بئر على رأسه صخرة، لا يرفعها إلا عشرة رجال، فنحاها بنفسه، واستقى الماء من ذلك البئر، روي (١) أن الرجال كانوا يضعون على رأس البئر حجرًا لا يرفعه إلا سبعة رجال، أو عشرة أو أربعون، فرفعه وحده، مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم، ولعله زاحمهم في السقي لهما فوضعوا الحجر على البئر لتعجيزه عن ذلك، وهو الذي يقتضيه سوق النظم الكريم.
﴿ثُمَّ﴾ بعد فراغه من السقي ﴿تَوَلَّى﴾؛ أي: أعرض وانصرف موسى ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾؛ أي: ظلُّ سَمْرةٍ هناك، فجلس فيه ليستريح من حر الشمس، وهو جائع لم يذق طعامًا سبعة أيام، والظل هو المكان الذي لم يقع عليه شعاع الشمس ﴿فَقَالَ﴾ يا ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾؛ أي: إلى ما تنزله إلى من خير، واللام بمعني إلى متعلق بـ ﴿فَقِيرٌ﴾؛ و ﴿أَنْزَلْتَ﴾ بمعنى المضارع, ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ ﴿ما﴾ ﴿فَقِيرٌ﴾ خبر ﴿إن﴾، والمعنى: يا إلهي إني محتاج فقير إلى ما تنزله إلى من خزائن جودك ورزقك أي رزق كان, ولو شق تمرة.
стр. 9429
وروي عن ابن عباس أنه قال: لقد قال موسى ذلك، وهو أكرم خلق الله عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولصق بطنه بظهره من شدة الجوع، وقال المفسرون: تعرض لما يطعمه لما ناله من الجوع، ولم يصرح بالسؤال، وحكى ابن جرير: أنه أسمع المرأتين هذا الكلام تعريضًا أن تطعماه.
ويحتمل أن يريد (١): رب إني بسبب ما أنزلت إلى من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين، صرت فقيرًا في الدنيا، وذلك لأن موسى كان عند فرعون في ثروة وملك، فقال ذلك رضًا بهذا البدل المديني، وفرحًا به، وشكرًا له.
ولما كان موسى ﵇ جائعًا سأل من الله ما يأكل، ولم يسأل من الناس ففطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، وأغنامهما قفلت، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا رحمنا فسقى لنا، ثم تولى إلى الظل فقال: رب إلخ، فقال أبوهما: هذا رجل جائع، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لنا.
٢٥ - ﴿فَجَاءَتْهُ﴾؛ أي: فجاءت موسى ﴿إِحْدَاهُمَا﴾؛ أي: إحدى البنتين، عقيب ما رجعتا إلى أبيهما، وهي الكبرى عند الأكثرين، واسمها صفورياء أو صفوراء، فإن قلت: كيف جاز لشعيب إرسال ابنته لطلب أجنبي؟ قلت: لأنه لم يكن له من الرجال من يقوم بأمره، ولأنه ثبت عنده صلاح موسى وعفته، بقرينة الحال، وبنور الوحي.
وقرأ ابن محيصن (٢): ﴿فجاءته احداهما﴾ بحذف همزة إحداهما تخفيفًا، على غير قياس، مثل ويل أمه، في ويل أمه، ويا بافلان، والقياس أن يُجعل بين وبين، ذكره أبو حيان.
حالة كونها ﴿تَمْشِي﴾ حال من فاعل جاءته ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؛ أي: على ما
стр. 9430
هو عادة الأبكار، مائلة عن الرجال، رافعة كمها على وجهها؛ أي: جاءته مستحية متحفزة، قد سترت وجهها بكم درعها، قال أبو بكر بن طاهر (١): لتمام إيمانها، وشرف عنصرها، وكريم نسبها، أتته على استحياء، وفي الحديث: "الحياء من الإيمان"؛ أي: شعبة منه، قال أعرابي: لا يزال الوجه كريمًا ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن رطبًا ما بقي لحاؤه.
والجمهور على أن الداعي أباهما، هو شعيب ﵇، وهما ابنتاه (٢)، وقال الحسن: هما ابنتا أخي شعيب، وهو مروان، وأن شعيبًا كان قد مات، وقال أبو عبيدة: هارون، وقيل: هو رجل صالح ليس من شعيب يُنسب، وقيل: كان عمهما صاحب الغنم، وهو المزوج، عبَّرت عنه بالأب، إذ كان بمثابته، والأول أرجح، وهو ظاهر النظم القرآني.
﴿قَالَتْ﴾ استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قالت له لما جاءته؟ ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾؛ أي: ليكافئك ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾؛ أي: جزاء سقيك لنا.
فإن قلت: إن موسى (٣) لم يسق لابنتي شعيب طلبًا للأجر، فكيف أجاب دعوة شعيب في قول ابنته له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾؟
قلت: يجوز أن يكون أجاب دعوته لوجه الله تعالى، على وجه البر والمعروف لا طلبًا للأجر، وإن سمي في الدعوة أجرًا. اهـ "فتح الرحمن"، ولأنه (٤) كان بين الجبال خائفًا مستوحشًا فأجابها.
فانطلقا وهي أمامه، فألزقت الريح ثوبها بجسدها، فوصفته أو كشفته عن ساقيها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي إليَّ الطريق، فتأخرت، وكانت تقول: عن يمينك وشمالك وقدامك، حتى أتيا دار شعيب، فبادرت المرأة إلى أبيها فأخبرته، فأذن له في الدخول، وشعيب يومئذٍ شيخ كبير، وقد كُفَّ بصره، فسلَّم موسى فرد ﵇ وعانقه، ثم أجلسه بين يديه، وقدَّم إليه طعامًا فامتنع منه،
стр. 9431
وقال: أخاف أن يكون هذا عوضًا لما سقيته، وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا، لأنه كان من بيت النبوة من أولاد يعقوب، فقال شعيب: لا والله يا شاب، ولكن هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، فتناول هذا، وإنَّ مَنْ فعل معروفًا فأُهدي إليه شيء لم يحرم أخذه، وفي "الكشاف": أنَّ طلب الأجرة لشدة الفاقة غير منكر، وهو جواب آخر، ويشهد لصحته ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ اهـ.
والمعنى (١): أي فجاءته إحدى المرأتين تمشي، وهي حيية، قد سترت وجهها بثوبها، قائلة: إن أبي يدعوك ليكافئك على ما صنعت من الإحسان, وأسديت إلينا من المعروف بسقي غنمنا، قال عمرو بن ميمون: ولم تكن سلفعًا من النساء - جريئة على الرجال - خرَّاجة ولَّاجة، وقد أسندت إلى أبيها وعللتها بالجزاء، حتى لا يتوهم من كلامها شيء من الريبة، كما أن في كلامها دلالة على كمال العقل، والحياء والعفة كما لا يخفى.
ولما قدمت هذه المرأة إلى موسى أجابها تبركًا بالشيخ وزيارة له، لا طمعًا في الأجر، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾؛ أي: فلما جاء موسى هذا الشيخ ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾؛ أي: وحدثه حديثه مع فرعون وآله، في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم للعباد، وتآمرهم على قتله، وهربه منهم بعد الذي علمه.
والقصص مصدر، سمي به المفعول كالعلل؛ أي: المقصوص، يعني: أخبره بجميع ما اتفق له، من عند قتله القبطي إلى عند وصوله إلى ماء مدين، ﴿قَالَ﴾ شعيب ﴿لَا تَخَفْ﴾ من حولهم وطولهم، إنك قد ﴿نَجَوْتَ مِنَ﴾ سطوة أولئك ﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: من فرعون وقومه، فإنه لا سلطان لهم بأرضنا، ولسنا في مملكتهم، أو المعنى: قَبِل الله دعاءك في قولك: ﴿نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وفيه (٢): إشارة إلى أن مَنْ وقع في الخوف يقال له: ﴿لَا تَخَفْ﴾ كما أن من وقع في الأمن يقال له: خف، وقال أويس القرني - رحمه الله تعالى -: كن في
стр. 9432
أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم، يعني: خائفًا مغمومًا. اهـ.
ثم إن موسى قد تربى عند فرعون بالنعمة الظاهرة، ولما هاجر إلى الله، وقاسى مشاق السفر والغربة عوَّضه الله عند شعيب النعمة الظاهرة والباطنة، وقد قيل:
سَافِرْ تَجِدْ عِوَضًا عَمَّن تُفَارِقُهُ ... وَانْصَبْ فَإِنَّ اكْتِسَابَ الْمَجْدِ فِيْ النَّصَبِ
فَالأُسْدُ لَوْلَا فِرَاقُ الْخِيْسِ مَا افْتَرَسَتْ ... وَالسَّهْمُ لَوْلَا فِرَاقُ الْقَوْسِ لَمْ يُصِبِ
وقيل أيضًا:
بِلَادُ اللهِ وَاسِعَةٌ فَضَاءً ... وَرِزْقُ اللهِ فِيْ الدُّنْيَا فَسِيْحُ
فَقُلْ لِلْقَاعِدِيْنَ عَلَى هَوَانٍ ... إِذَا ضَاقَتْ بِكُمْ أَرْضٌ فَسِيْحُوْا
ألا ترى أن موسى ﵇ وُلد بمصر، ولما ضاقت به هاجر إلى أرض مدين، فوجد السعة مطلقًا، فالكامل لا يكون زمانيًا ولا مكانيًا، بل يسيح إلى حيث أمر الله تعالى، من غير ليِّ العنق إلى ورائه، ولو كان وطنه، فإن الله تعالى إذا كان مع المرء فالغربة له وطن، والمضيق له وسيع.
٢٦ - ولما أمَّنه وطمأنه على نفسه دار الحديث، وكان ذا شجون و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾؛ أي: قالت واحدة من البنتين، وهي الكبرى التي استدعته إلى أبيها، وهي التي تزوجها موسى ﴿يَا أَبَتِ﴾؛ أي: يا أبي ويا والدي ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ لنا؛ أي: اتخذ موسى أجيرًا لرعي الغنم، والقيام بأمرها.
وفيه (١): دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة، وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإِسلام إلا الأصم، فإنه من سماع أدلتها أصم.
وجملة قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى؛ أي: إنه حقيق باستئجارك له، لكونه جامعًا
стр. 9433
بين خصلتي القوة والأمانة؛ أي: إن خير من استعملت على عملك من قوي على عملك وأدى الأمانة.
ورُوي: أن أباها قال لها: ما رأيت من قوته وأمانته، فأخبرته بالأمر الذي كان، قالت: أما قوته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا النفر، وأما أمانته، فإنه قال: امشي خلفي وأرشديني الطريق، لأني امرؤ من عنصر إبراهيم، لا يحل لي منك ما حرمه الله تعالى.
فخصَّت (١) هاتين الخصلتين بالذكر, لأنها كانت تحتاج إليهما في ذلك الوقت، أما القوة فلسقي الماء، وأما الأمانة فلحفظ البصر، وصيانة النفس عنها، كما قال يوسف ﵇: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ لأن الحفظ والعلم كان محتاجًا إليهما، أما الحفظ فلأجل ما في خزانة الملك، وأما العلم فلمعرفة ضبط الدخل والخرج، واللام في القوي الأمين للجنس، لا للعهد، فيكون موسى مندرجًا تحته، ولا يخفى أن مقالها من جوامع الكلم والحكمة البالغة, لأنه متى اجتمعت هاتان الصفتان: الأمانة والكفاية في القائم بأداء أمر من الأمور تكلل عمله بالظفر، وكفل له أسباب النُّجْح، وقيل القوي في دينه، الأمين في جوارحه.
وعن ابن مسعود ﵁: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وأبو بكر في عمر.
٢٧ - قال المفسرون: فرغب فيه شعيب فـ ﴿قَالَ﴾ له ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾؛ أي: أزوجك يا موسى ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾؛ أي: الحاضرتين أمامك، فانظر من يقع اختيارك عليها منهما، وفيه مشروعية عرض وليِّ المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإِسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان. والقصة معروفة.
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ نفسك أو على أن تكون أجيرًا لي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾؛ أي: ثماني سنوات ترعى لي فيها غنمي؛ أي: حال كونك مشروطًا عليك أن تكون لي
стр. 9434
أجيرًا في رعي غنمي ثماني سنوات، وقوله (١): ﴿هَاتَيْنِ﴾ يدل على أنه كان له غيرهما، وهذه مواعدة منه، ولم يكن ذلك عقد نكاح، إذ لو كان عقدًا لقال: قد أنكحتك.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ﴾ الثاني السنين التي شرطتها عليك، فجعلتها ﴿عَشْرًا فـ﴾ إحسان ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: فإتمامها من عندك تفضلًا، لا من عندي إلزامًا عليك، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾؛ أي: وما أحب أن أشاقك بمناقشة، أو مراعاة أوقات، ولا إتمام عشر، ولا غير ذلك.
ثم رغبه في قبول الإجارة فقال: وإنك ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في حسن الصحبة، والوفاء بالعهد ولين الجانب؛ أي: ممن تحسن صحبتهم، ويوفون بما تريد من خير لك ولنا، وقيل (٢): أراد بالصلاح على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولًا أوليًا.
ومراده بالاستثناء (٣): التبرك به، وتفويض الأمر إلى توفيقه، لا تعليق صلاحه بمشيئته تعالى، وقرأ ورش أحمد بن موسى عن أبي عمرو: ﴿أنكحك احْدَى﴾ بحذف الهمزة، ذكره أبو حيان.
واعلم: أن قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ شرط، وليس بصداق، لقوله: تأجرني نفسك، دون تأجرها نفسك. ويجوز أن يكون النكاح جائزًا في تلك الشريعة بشرط أن يكون منعقد العمل في المدة المعلومة لولي المرأة، كما. يجوز في شريعتنا، بشرط رعي غنمها في مدة معلومة.
واعلم: أن المهر لا بد وأن يكون مالًا متقومًا؛ أي: في شريعتنا لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وأن يكون مسلمًا إلى المرأة لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ فلو تزوجها على تعليم القرآن، أو خدمته لها سنة يصح النكاح، ولكن يصار إلى مهر المثل، لعدم تقويم التعليم والخدمة، هذا إن كان الزوج
стр. 9435
حرًا، وإن كان عبدًا فلها الخدمة، فإن خدمة العبد ابتغاء بالمال، لتضمنها تسليم رقبته، ولا كذلك الحر، فالآية سواء حُملت على الصداق، أو على الشرط، فناظرة إلى شريعة شعيب، فإن الصداق في شريعتنا للمرأة، لا للأب. والشرط وإن جاز عند الشافعي، لكنه لكونه جرًا لمنفعة المهر ممنوع عند الإِمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، وقال بعضهم: ما حُكي عنهما بيان لما عزما عليه، واتفقا على إيقاعه، من غير تعرض لبيان موجب العقدين في تلك الشريعة تفصيلًا.
واعلم: أن في فرار موسى من فرعون إلى شعيب إشارة إلى أنه ينبغي لطالب الحق أن يسافر من مقام النفس الأمارة إلى عالم القلب، ويفر من سوء قرين، كفرعون إلى خير قرين كشعيب، ويخدم المرشد بالصدق والثبات.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قاله هنا (١) بلفظ الصالحين، وفي الصافات بلفظ ﴿الصَّابِرِينَ﴾ حيث قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ لأن ما هنا من كلام شعيب، وهو المناسب للمعنى هنا، إذ المعنى ستجدني من الصالحين في حسن العشرة والوفاء بالعهد، وما هناك من كلام إسماعيل، وهو المناسب للمعنى، ثم إذ المعنى ستجدني من الصابرين على الذبح.
٢٨ - ثم ذكر جواب موسى بقوله: ﴿قَالَ﴾ موسى ﵇ لشعيب ﴿ذَلِكَ﴾ الذي قلته وعاهدتني فيه، وشارطتني عليه قائم وثابت ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ جميعًا، لا أنا أخرج عما شرطت عليَّ، ولا أنت تخرج عما شرطت على نفسك، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ الثمانية الأعوام والعشرة الأعوام، فأي شرطية (٢)، منصوبة بـ ﴿قَضَيْتُ﴾، وما زائدة مؤكدة لإبهام أي في شياعها، والأجل مدة الشيء.
والمعنى: أي الأجلين أكثرهما أو أقصرهما ﴿قَضَيْتُ﴾ وأتممت ووفيتك بأداء الخدمة فيه، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تعدي علي، ولا تجاوز بطلب الزيادة، فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة
стр. 9436
على الثمان، أو أيَّما الأجلين قضيت فلا إثم علي، يعني: كما لا إثم علي في قضاء الأكثر، كذلك لا إثم علي في قضاء الأقصر. والأول أظهر.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من الشروط الجارية بيننا ﴿وَكِيلٌ﴾؛ أي: شاهد وحفيظ، فلا سبيل لأحد منا إلى الخروج عنه أصلًا. فجمع شعيب المؤمنين من أهل مدين، وزوجه ابنته صفورياء، ودخل موسى البيت، وأقام يرعى غنم شعيب عشر سنين، كما في "فتح الرحمن".
وقرأ الحسن والعباس عن أبي عمرو (١): ﴿أيما﴾ بحذف الياء الثانية، كما قال الشاعر:
تَنَظَّرْتُ نَصْرًا وَالسِّمَاكَيْنِ أَيَمَا ... عَلَيَّ مِنَ الْغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُهْ
وقرأ عبد الله ﴿أي الأجلين ما قضيت﴾ بزيادة ما بين ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ و ﴿قَضَيْتُ﴾.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع المزيدة في القراءتين؟
قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام أي زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيدًا للقضاء، كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه، وجرَّدتُ عزيمتي له، وقرأ أبو حيوة وابن قطيب: ﴿فلا عدوان﴾ بكسر العين.
قال أبو حيان (٢): وظاهر قوله: ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ أن الإنكاح إلى الولي، لا حق للمرأة فيه، خلافًا لأبي حنيفة في بعض صوره، بأن تكون بالغة عالمة بمصالح نفسها، فإنها تعقد على نفسها بمحضر من الشهود.
وفيه دليل على عرض الولي وليته على الزوج، وقد فعل ذلك عمر، كما مر، ودليل على تزويج ابنته البكر من غير استئمار، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا بلغت البكر فلا تزوج إلا برضاها، قيل: وفيه دليل على قول من قال: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وبه قال ربيعة والشافعي
стр. 9437
وأبو ثور وأبو عبيد وداود، و ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ مبهم، وهذا عرض، لا عقد، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾، وحين العقد يعين من شاء منهما، وكذلك لم يحد أول أمد الأجارة، والظاهر جواز النكاح بالإجارة، وبه قال الشافعي وأصحابه، وابن حبيب، وقال الزمخشري لهاتين: فيه دليل على أنه كانت له غيرهما. انتهى كما مر، ولا دليل في ذلك لأنهما كانتا هما اللتين رآهما تذودان، وجاءته إحداهما فأشار إليهما، والإشارة إليهما لا تدل على أن له غيرهما.
رُوي (١): أنه لما أتم العقد قال شعيب لموسى: ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، وكانت عنده عصيُّ الأنبياء، فأخذ عصًا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب، فمسَّها وكان مكفوفًا، فلم يرضها له خوفًا من أن لا يكون أهلًا لها، وقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلِمَ أن لموسى شأنًا، وحين خرج للرعي قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ عن يمينك، فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا أن فيها تنينًا - التنين بوزن السكيت: الحية العظيمة، كما في "القاموس" - أخشى منه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين، ولم يقدر على كفها، ومشى على أثرها، فإذا عشب وريف لم يُرَ مثله فنام، فإذا بالتنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى دامية، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولًا .. سُرَّ، ولما رجع إلى شعيب أخبره بالشأن، ففرح شعيب، وعلم أن لموسى والعصا شأنًا، وقال: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع، ودرعاء - أبلق وبلقاء - والدرع البياض في صدور الشاء ونحورها، فأوحى الله سبحانه إليه في المنام: أن اضرب بعصاك الماء الذي هو في مستقى الأغنام، ففعل ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى وامرأته، فوفى له بالشرط، وسلَّم إليه الأغنام، قال أبو الليث: مثل هذا الشرط في شريعتنا غير واجب، إلا أن الوعد من الأنبياء واجب، فوفاه بوعده. انتهى.
стр. 9438
٢٩ - والفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فعقد شعيب العقدين، وباشر موسى ما التزمه، وأتم أبعد الأجلين، وهو عشر سنين، فلما قضى موسى وأتم الأجل المشروط بينهما، وفرغ منه استأذن موسى شعيبًا في زيارة أهله في مصر، فبكى شعيب وقال: يا موسى كيف تفارقني وقد ضعفت وكبرت الآن، فقال له موسى: قد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي في مملكة فرعون، فقام شعيب وبسط يديه، وقال: يا رب بحرمة إبراهيم الخليل وإسماعيل الصفي وإسحاق الذبيح ويعقوب الكظيم ويوسف الصديق رُدَّ عليَّ قوَّتي وبصري، فأمَّن موسى على دعائه، فردَّ الله عليه بصره وقوَّته، ثم أذن له في الذهاب، وأوصاه بابنته.
﴿وَسَارَ﴾ موسى وذهب بإذن شعيب نحو مصر، لصلة رحمه وزيارة أمه وأخيه وأخته، حالة كونه متلبسًا ﴿بِأَهْلِهِ﴾؛ أي: بزوجته صفورياء وولده منها - فإنها ولدت منه قبل السير - والخادم، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء، وكان في البرية والليلة مظلمة باردة، فضرب خيمته على الوادي، وأدخل أهله فيها، وأوى أغنامه حولهم، وقد كان ساقها معه، وكانت امرأته حاملًا، فأخذها الطلق فأراد أن يقدح، فلم يظهر له نار فاغتم لذلك، فحينئذٍ ﴿آنَسَ﴾ وأبصر ﴿مِنْ جَانِبِ﴾ جبل ﴿الطُّورِ نَارًا﴾؛ أي: من الجهة التي تلي جبل الطور على يسار الطريق نارًا مضيئة، قال بعضهم: أبصر نارًا دالة على الأنوار، لأنه رأى النور على هيئة النار، لكون مطلبه النار، والإنسان يميل إلى الأشياء المعهودة المأنوسة، ولا تخلو النار من الاستئناس خاصة في الشتاء، وكان شتاء، تجلِّى الحق بالنور في لباس النار على حسب إرادة موسى، وهذه سنته تعالى، ألا ترى إلى جبريل أنه عَلِمَ أن النبي ﵇ أحب دحية، فكان أكثر مجيئه إليه في صورة دحية.
فلما آنس نارًا ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ هاهنا، واثبتوا فيه، وانتظروني حتى أرجع إليكم فـ ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ وأبصرت ﴿نَارًا﴾ مضيئة من جانب الطور، فـ ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: من عند النار ﴿بِخَبَرٍ﴾ الطريق إلى مصر، وقد كان
стр. 9439
ضل الطريق وتحيَّر ﴿أَوْ﴾ آتيكم بـ ﴿جَذْوَةٍ﴾؛ أي: بعود غليظ متقد ﴿مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وتتسخنون بتلك النار؛ أي: لكي تتدفؤوا بها، والجذوة العود الغليظ، سواء كانت في رأسه نار أو لا, ولذلك وصفها بقوله من النار.
وقرأ حمزة (١): ﴿لأهله امكثوا﴾ في الوصل بضم الهاء، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿إني﴾ بفتح الياء، وقرأ الجمهور (٢): ﴿جذوة﴾ بكسر الجيم، وقرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعمش وطلحة وأبو حيوة: بضمها، وقرأ عاصم والسلمي وذر بن حبيش: بفتحها.
ومعنى الآية (٣): أي فلما وفي موسى الأجل الذي اتفق عليه مع حميه تحمَّل بأهله، وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، وسلك بهم الطريق في ليلة مطيرة وظلمة باردة، ونزل منزلًا، فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئًا، فعجب لذلك، وبينا هو كذلك رأى نارًا تضىء عن بُعد، فقال لأهله: انتظروا قليلًا إني أبصرت نارًا، لعلي آتيكم منها بخبر الطريق، وكانوا قد ضلوا عنه، أو آتيكم بقطعة من الحطب فيها نار، لتستدفئوا بها من البرد، وكان الوقت شتاء، فترك موسى أهله في المنزل الذي أنزلهم فيه، وذهب إلى النار التي أبصرها.
٣٠ - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾؛ أي: أتى النار التي أبصرها وجاءها ﴿نُودِيَ﴾ موسى ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾؛ أي: من طرف الوادي وجانبه، وقوله: ﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفة للشاطىء، وهو إما من اليُمْنِ بمعنى البركة، لكونه مباركًا فيه على موسى، أو من اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى؛ أي: من الطرف الذي يلي يمينه دون يساره؛ أي: أتاه النداء من الطرف الأيمن من الوادي.
وقوله: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ متعلق بنودي؛ أي: نودي موسى في البقعة المباركة على موسى، والبقعة قطعة من الأرض لا شجر فيها، كما سيأتي في مباحث اللغة، وُصفت بكونها مباركة, لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله
стр. 9440
إياه، أو متعلق بمحذوف حال من الشاطىء.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فِي الْبُقْعَةِ﴾ بضم الباء، وقرأ أبو سلمة والأشهب العقيلي ومسلمة: بفتحها، وهي لغة حكاها أبو زيد، قال: سمعت العرب تقول هذه بقعة طيِّبة بفتح الباء.
وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل اشتمال من شاطىء الواد, لأنها كانت ثابتة على الشاطىء، وبقيت إلى عهد هذه الأمة، كما في "كشف الأسرار"، وكانت (٢) عُنَّابًا أو سمرة أو سدرة أو زيتونًا أو عوسجًا، والعوسج إذا عظم يقال له الغرقد، بالغين المعجمة. وفي الحديث: "إنها شجرة اليهود ولا تنطق" يعني إذا نزل عيسى وقتل اليهود فلا يختفي منهم أحد تحت شجرة إلا نطقت، وقالت: يا مسلم هذا يهودي فاقتله إلا الغرقد، فإنه من شجرهم فلا ينطق، كما في "التعريف والأعلام" للإمام السهيلي.
﴿أَنْ﴾ مفسرة بمعنى أي، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أنا الله الذي ناديتك ودعوتك باسمك، وأنا رب الخلائق أجمعين، وهذا أول كلامه لموسى، وهو وإن خالف لفظًا لما في طه والنمل لكنه موافق له في المعنى المقصود، ويجوز (٣) أن تكون أن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له. والأول أولى.
وقرأ الجمهور بكسرة همزة ﴿إني﴾ على إضمار القول، أو على تضمين النداء، معناه: وقُرىء بالفتح فهي معمولة لفعل مضمر، تقديره: أي يا موسى اعلم أني أنا الله رب العالمين.
ومعنى الآية: أي فلما جاء إلى النار التي أبصرها من جانب الطور ناداه ربه من جانب الوادي الأيمن؛ أي: عن يمين موسى في البقعة المباركة من ناحية
стр. 9441
الشجرة: يا موسى إني أنا الله ربك ورب العالمين جميعًا، وقد خلق الله فيه علمًا يقينيًا بأن المتكلم هو الله تعالى، وأن ذلك الكلام كلامه، وقد جُعلت الشجرة مباركة, لأنه تعالى كلم موسى هناك، وبعثه نبيًا،
٣١ - ثم أمره الله سبحانه أن يُلقي عصاه لديه آية على نبوته، فقال: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ معطوف على ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾، وكلاهما مفسِّر لـ ﴿نُودِيَ﴾، أي: ونودي أن ألق واطرح من يدك عصاك، فألقاها فصارت حية فاهتزت.
﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾؛ أي: فلما رأى موسى عصاه حية ﴿تَهْتَزُّ﴾؛ أي: تتحرك تحركًا شديدًا حالة كونها ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حية صغيرة في سرعة الحركة، مع عظم جسمها، أو في الهيئة والجثة، فإنها إنما كانت ثعبانًا عند فرعون، والجان حية كحلاء العين لا تؤذي، كثيرة في الدور، ﴿وَلَّى﴾؛ أي: أعرض عنها حالة كونه ﴿مُدْبِرًا﴾؛ أي: منهزمًا وهاربًا من الخوف.
﴿وَ﴾ حالة كونه ﴿لَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولم يرجع إليها, ولم يلتفت، فنودي ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ﴾ إليها وارجع ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ منها ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ من شرها، فإني لا يخاف لدي المرسلون، فأخذها موسى فإذا هي عصا كما كانت.
فإن قلت (١): ما الفائدة في إلقائها؟
فلتُ: أن يألفها ولا يخافها عند فرعون إذا ناظره بقلب العصا وغيره من المعجزات، كما في "الأسئلة المقحمة"، وقيل: المعنى أقبل إليَّ يا موسى ولا تخف مما تهرب منه، فإنك آمن من أن ينالك سوء، إنما هي عصاك، أردنا أن نريك فيها آية كبرى، لتكون عونك لدى الطاغية الجبار فرعون ملك مصر.
وفيه (٢): إشارة إلى إلقاء كل متوكأ، غير الله، فمن اتكأ على الله أمن, ومن اتكأ على غيره وقع في الخوف، ريقال: شتَّان ما بين نبينا محمد ﷺ وبين موسى ﵇، موسى رجع من سماع الخطاب، وأتى بثعبان سلَّطه على عدوه، ونبينا ﵇ أُسري به إلى محل الدنو فأوحي إليه ما أوحي، ورجع وأتى
стр. 9442
لأمته بالصلاة التي هي المناجاة، فقيل له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
٣٢ - ثم أراه آية أخرى زيادة في طمأنينته، وأمره بقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾؛ أي (١): ادخل كفك اليمين ﴿فِي جَيْبِكَ﴾؛ أي: في طرق قميصك وأخرجها ﴿تَخْرُجْ﴾ تلك اليد إذا أخرجتها حالة كونها ﴿بَيْضَاءَ﴾ لها ضوء كضوء الشمس ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وعيب كالبرص، وقيل (٢): المعنى ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾؛ أي: أدخلها في مِدْرعتك، وهي ثوب من صوف يُلبس بدل القميص، ولا يكون له كم بل ينتهي كمه عند المرفقين، ثم أخرجها ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ أي: حال كونها مضيئة مشرقة لها شعاع كشعاع الشمس ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وعيب منفَّر كالبرص ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي: وأدخل الكف اليمين التي حصل فيها البياض في جيبك. ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي: لأجل إزالة الرهب والخوف والفزع الحاصل لك من بياضها فتعود إلى حالها، فيزول عنك الفزع الذي حصل لك منها، فعلى هذا المعنى فلا يكون تكرارًا مع ما قبله، فالإدخال الأول لطلب بياضها، والثاني لإزالة بياضها.
وقيل: معنى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾؛ أي: اضمم يديك المبسوطتين، تتقي بها الحية، كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى، وبالعكس، أو بإدخالهما في الجيب، فيكون تكريرًا لـ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ هو لغرض آخر، وهو أن يكون ذلك في وجه العدو إظهار جرأة، ومبدأ لظهور معجزة، ويجوز أن يكون المراد بالضم التجلد، والثبات عند انقلاب العصا حية، استعارة من حال الطائر، فإنه إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه، فعلى هذا يكون تتميمًا لمعنى ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، لا تكريرًا لـ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾؛ أي: من أجل الرهب؛ أي: إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلدًا، أو ضبطًا لنفسك.
وعبارة المراغي هنا (٣): ولما اعترى موسى الخوف من العصا تارة، ومن
стр. 9443
الدهشة بشعاع يده مرة أخرى أمره ربه أن يضع يده على صدره، ليزول ما به من الخوف، فقال: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾؛ أي: وضع يدك على صدرك يذهب ما بك من خوف، كما يشاهد من حال الطائر، إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه، وكان موسى يرتعد خوفًا، إما من آل فرعون، وإما من الثعبان، قال ابن عباس: كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه.
وعبارة أبي حيان: ومعنى قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب.
فإن قلت: قد جعل الجناح - وهو اليد في أحد الموضعين - مضمومًا، وفي الآخر مضمومًا إليه، وذلك قوله هنا: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وفي طه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ فما التوفيق بينهما؟.
قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحد من يمنى اليدين ويسراهما جناح.
وقرأ الحرميان نافع وابن كثير وأبو عمرو (١): ﴿من الرَهَب﴾ بفتح الراء والهاء، وحفص: بفتح الراء وسكون الهاء، وباقي السبعة: بضم الراء وإسكان الهاء، وقرأ قتادة والحسن وعيسى والجحدري بضمهما، وقال بعض أهل المعاني: الرَّهْبُ الكُمُّ، بلغة حمير وبني حنيفة، قال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، فسألته عن الرهب، فقال: الكم، فعلى هذا يكون معناه: أضمم إليك يدك، وأخرجها من الكم، ذكره الشوكاني.
والإشارة في قوله (٢): ﴿فَذَانِكَ﴾ إلى العصا واليد، وهما مؤنثان، ولكن ذكِّرا لتذكير الخبر، كما أنه قد يؤنث المذكر لتأنيث الخبر، كقراءة من قرأ ﴿ثم
стр. 9444
لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا﴾ بالياء في ﴿تكن﴾، ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ أي: حجتان نيِّرتان، ومعجزتان باهرتان، ودليلان واضحان كائنان ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ يا موسى واصلان ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ ومنهيان إليهم ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن فرعون وملئه ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؛ أي: خارجين عن حدود الله وطاعته أبلغ خروج، فكانوا أحقاء بأن نرسلك إليهم بهاتين المعجزتين الباهرتين، والجملة تعليل لما قبلها.
ومعنى ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ ...﴾ إلخ؛ أي: فما (١) تقدم من جعل العصا حية تسعى، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، بعد وضع اليد في الجيب، دليلان واضحان على قدرة ربك، وصحة نبوة من جريا على يده، أرسلناهما إلى فرعون وملئه.
ثم أظهر العلة له في إظهار الآيات لهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؛ أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه، مخالفين لأمره منكرين لكل دين جاء به الرسل، فكانوا جديرين بأن نرسلك إليهم بهاتين المعجزتين الباهرتين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢): ﴿فذانك﴾ بتشديد النون، وباقي السبعة: بتخفيفها، وقرأ ابن مسعود وعيسى وأبو نوفل وابن هرمز وشبل: ﴿فذانيك﴾ بياء بعد النون المكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل: بل لغة تميم، ورواها شبل عن ابن كثير، وعنه أيضًا: ﴿فذانيك﴾ على لغة من فتح نون التثنية، نحو قوله:
عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلَّا لَمْحَةٌ وَتَغِيْبُ
وقرأ ابن مسعود: بتشديد النون مكسورة بعدها ياء، قيل: وهي لغة هذيل، وقال المهدوي بل لغتهم تخفيفها.
ولما سمع موسى قول الله سبحانه ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ طلب منه سبحانه أن يقوي قلبه
٣٣ - فـ ﴿قال﴾؛ أي: موسى يا ﴿رَبِّ﴾؛ أي:
стр. 9445
يا مربي ويا مالك أمري ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من القوم، وهم القبط ﴿نَفْسًا﴾ وهو فاتون خباز فرعون، الذي وكزه موسى فقضى عليه ﴿فَأَخَافُ﴾ منهم ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ـي بمقابلتها،
٣٤ - ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ بن عمران ﴿هُوَ أَفْصَحُ﴾ وأبين ﴿مِنِّي لِسَانًا﴾؛ أي: كلامًا، وكان في لسان موسى عقدة من قبل الجمرة التي تناولها, وأدخلها فاه، تمنعه عن إعطاء البيان حقه، ولذلك قال فرعون ولا يكاد يبين ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾؛ أي: فأرسل أخي هارون إلى فرعون وقومه ﴿مَعِيَ﴾ حال كونه ﴿رِدْءًا﴾؛ أي: معينًا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بالرفع إما صفة لـ ﴿رِدْءًا﴾؛ أي (١): معينًا مصدقًا لي بتلخيص الحق، وتقرير الحجة وتوضيحها وتزييف الشبهة وإبطالها, لا بأن يقول له: صدقت، أو للقوم: صدِّقوه، يؤيد ذلك المعنى قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ لأن ذلك يقدر عليه الفصيح وغيره، كما في "فتح الرحمن"، أو حال من مفعول ﴿أرسله﴾، أو مستأنف، وبالجزم على جواب الأمر.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿رِدْءًا﴾ بالهمز، وأبو جعفر ونافع والمدنيَّان بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى الدال، والمشهور عن أبي جعفر بالنقل, ولا همز ولا تنوين، ووجهه: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وقرأ عاصم وحمزة: ﴿يصدقني﴾ بضم القال، فيحتمل الأوجه الثلاثة السابقة، وقرأ باقي السبعة: بالإسكان، وقرأ أُبيُّ وزيد بن علي: ﴿يصدقوني﴾ والضمير لفرعون وقومه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لمن جزم, لأنه لو كان رفعًا لقال: يصدقونني. انتهى، والمعنى في يصدقوني: أرجو تصديقهم إياي.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ـي إذا لم يكن معي هارون، لعدم انطلاق لساني بالمحاجة؛ أي: أخاف أن يردوا كلامي، ولا يقبلوا مني دعوتي، ولساني لا يطاوعني عند المحاجة.
ومعنى الآية: أي قال موسى: يا رب إني قتلت من قوم فرعون نفسًا،
стр. 9446
فأخاف إن أتيتهم ولم أُبن عن نفسي بحجة أن يقتلوني, لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام، وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا، وأحسن بيانًا، فأرسله معي عونًا، يُلخِّص بلسانه الفصيح وجوه "الدلائل" ويجيب عن الشبهات، ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين، وإني أخاف أن يكذبوني، ولساني لا يطاوعني حين المحاجة.
الإعراب
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فذهب القبطي الذي سمع ما قاله الإسرائيلي، وقد علم أن موسى هو قاتل القبطي الأول إلى فرعون، وأخبره بجلية الأمر، فغضب فرعون، فأمر بقتل موسى، وإلقاء القبض عليه، وجاء رجل إلى موسى بطريق أقرب من طريقهم. ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، أو صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، وجملة ﴿يَسْعَى﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو حال منه، إن قلنا إن الجار والمجرور فيما قبله صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، لتخصصه بالصفة حينئذٍ ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿رَجُلٌ﴾، والجملة معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿جَاءَ﴾، ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾، و ﴿بِكَ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾؛ أي: يتشاورون فيك، من الائتمار بمعنى التشاور، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يقتلوك﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لقتلهم إياك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾. ﴿فَاخْرُجْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان ما
стр. 9447
هو النصيحة لك فأقول لك: اخرج، ﴿اخرج﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿النَّاصِحِينَ﴾، ﴿مِنَ النَّاصِحِينَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَخَرَجَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فقبل موسى نصيحته فخرج، ﴿خرج﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿خرج﴾، ﴿خَائِفًا﴾: حال من فاعل ﴿خرج﴾، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ومفعول يترقب محذوف؛ أي: الشر، أو لحوقهم به، وقيل: يترقب غوث الله، والأول أنسب بالسياق، وجملة ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿خرج﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال ثالثة من فاعل ﴿خرج﴾، ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿نَجِّنِي﴾: فعل دعاء، ونون وقاية، ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿رَبِّ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ متعلق بـ ﴿نَجِّنِي﴾ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لمّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَوَجَّهَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة فعل شرط للما، لا محل لها من الإعراب، ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: ظرف مكان ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَوَجَّهَ﴾، و ﴿مَدْيَنَ﴾: ممنوع الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة، ﴿عَسَى﴾: فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، ﴿رَبِّي﴾: اسمها، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَهْدِيَنِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر ونون وقاية، ومفعول به، ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: منصوب بنزع الخافض، أو مفعول ثان على
стр. 9448
التوسع، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسَى﴾، ولكنه على تأويل اسم الفاعل؛ أي: عسى ربي هاديًا لي إلى سواء السبيل، وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿وَرَدَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، مجرور بالفتحة, لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والتأنيث المعنوي، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿وَجَدَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَجَدَ﴾؛ لأن وجد هنا بمعنى لقي، يتعدى لمفعول واحد، ﴿أُمَّةً﴾: مفعول به لـ ﴿وَجَدَ﴾، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: صفة لـ ﴿أُمَّةً﴾، وجملة ﴿يَسْقُونَ﴾ صفة ثانية لـ ﴿أُمَّةً﴾، وجملة ﴿وَجَدَ﴾ جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى. ﴿وَوَجَدَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على جملة ﴿وَجَدَ﴾ الأولى، ﴿مِنْ دُونِهِمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَجَدَ﴾؛ أي: في مكان أسفل منهم، ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ مفعول به، وجملة ﴿تَذُودَانِ﴾ صفة لـ ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف بعاطف مقدر على ﴿وَجَدَ﴾ الثاني؛ أي: فقال لهما، ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام الاستخباري، في محل الرفع مبتدأ، ﴿خَطْبُكُمَا﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿قَالَتَا﴾ ﴿قال﴾: فعل ماض، و ﴿التاء﴾ علامة تأنيث الفاعل، وحركت بالفتح لمناسبة ألف التثنية، والألف فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿نَسْقِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتَا﴾، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يُصْدِرَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى، ﴿الرِّعَاءُ﴾: فاعل مرفوع، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾
стр. 9449
بمعنى إلى، والتقدير: إلى إصدار الرعاء عن الماء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَسْقِي﴾، ﴿وَأَبُونَا﴾: مبتدأ، ﴿شَيْخٌ﴾: خبر، ﴿كَبِيرٌ﴾: صفة ﴿شَيْخٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿نَسْقِي﴾.
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾.
﴿فَسَقَى﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿سقى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَتَا﴾، ﴿لَهُمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سقى﴾، ومفعول السقي محذوف؛ أي: فسقى غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿تَوَلَّى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿سقى﴾، ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾: متعلق بـ ﴿تَوَلَّى﴾. ﴿فَقَالَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿قال﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، معطوف على ﴿تَوَلَّى﴾. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿لِمَا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: اسم موصول، أو موصوفة في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿فَقِيرٌ﴾، ﴿أَنْزَلْتَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: لما أنزلته، ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْتَ﴾، ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: حال من ﴿ما﴾، أو من العائد المحذوف، ﴿فَقِيرٌ﴾: خبر ﴿إن﴾، وعدي ﴿فَقِيرٌ﴾ باللام, لأنه ضمن معنى سائل، أو طالب، وإلا فهو يتعدى بإلى، و ﴿أَنْزَلْتَ﴾ بمعنى المضارع، والتقدير: يا رب إني فقير؛ أي: سائل وطالب لما تنزله إلى، حال كونه من خير ورزق.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾.
﴿فَجَاءَتْهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف يفهم من سياق الكلام، تقديره: فرجعتا إلى أبيهما، في زمن أقل مما يرجعان إليه في العادة، فسألهما عن سبب
стр. 9450
ذلك، فأخبرتاه بقصة من سقى لهما، فقال لإحداهما: ادعيه لي، فجاءته، ﴿جاءته إحداهما﴾: فعل وفاعل، ومفعول به وتاء تأنيث، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿تَمْشِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب حال من ﴿إِحْدَاهُمَا﴾، ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾: حال من فاعل ﴿تَمْشِي﴾؛ أي: حالة كونها مستحية خفرة، وقيل: واضعة كم درعها على وجهها حياء منه. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف بعاطف مقدر على ﴿جاءته﴾، ﴿إِنَّ أَبِي﴾: ناصب واسمه، ﴿يَدْعُوكَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿لِيَجْزِيَكَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل، ﴿يجزيك﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به أول، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿أَجْرَ﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُوكَ﴾، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿سَقَيْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿لَنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة ﴿أَجْرَ﴾ إليه؛ أي: ليجزيك جزاء سقيك إيانا. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فأجابها , لا ليأخذ الأجر، ولكن لأجل التبرك بأبيهما، لما سمع منهما أنه شيخ كبير، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿جَاءَهُ﴾: فعل ماض، وفاعل، ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿وَقَصَّ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿جاء﴾، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، ﴿الْقَصَصَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على ﴿جَاءَهُ﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَخَفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿نَجَوْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾: متعلق به، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة للقوم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة للنهي عن الخوف.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾.
стр. 9451
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿يَا أَبَتِ﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أبت﴾: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، المعوضة عنها تاء التأنيث، وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾، ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إِنَّ خَيْرَ﴾: ناصب واسمه، ﴿خَيْرَ﴾: مضاف، و ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، ﴿اسْتَأْجَرْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: استأجرته، ﴿الْقَوِيُّ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿الْأَمِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوِيُّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، مسوقة لتعليل الأمر بالاستئجار.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على شعيب، والجملة مستأنفة، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿أُنْكِحَكَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول أول، ﴿إِحْدَى﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: إني أريد إنكاحي إياك إحدى ابنتي، ﴿إِحْدَى﴾ مضاف، ﴿ابْنَتَيَّ﴾: مضاف إليه مجرور بالياء المدغمة في ياء المتكلم، لأنه من المثنى. ﴿ابْنَتَيَّ﴾ مضاف، وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، ﴿هَاتَيْنِ﴾: صفة لـ ﴿ابْنَتَيَّ﴾، والإشارة لتمييزهما من بين بقية أخواتهما، فقد كان له - كما يروى - سبع بنات، ﴿عَلَى﴾: حرف جر، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَأْجُرَنِي﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والنون للوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: نفسك، ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق
стр. 9452
بـ ﴿تَأْجُرَنِي﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بعلى، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، إما من الفاعل في ﴿أُنْكِحَكَ﴾، أو من المفعول؛ أي: مشروطًا عليَّ، أو عليك ذلك. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان حقيقة الأمر فأقول لك إن أتممت، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿أَتْمَمْتَ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿عَشْرًا﴾: مفعول به، ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة اسمية، ﴿من عندك﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف، لكونه خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: فالإتمام كائن من عندك، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لـ ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿أَنْ أَشُقَّ﴾: ناصب وفعل منصوب، وفاعل مستتر، في تأويل مصدر على المفعولية، والتقدير: وما أريد إدخال المشقة عليك، ﴿عَلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَشُقَّ﴾، ﴿سَتَجِدُنِي﴾ ﴿السين﴾: حرف استقبال لتأكيد الاستقبال، ﴿تجدني﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ونون وقاية، ومفعول به، معطوف على ما قبله، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، والجواب محذوف، تقديره: إن شاء الله تجدني صالحًا، والجملة معترضة جيء بها للتبرك، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: متعلق بـ ﴿تجدني﴾، أو حال من الياء في ﴿تجدني﴾، أو مفعول ثان لوجد. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة، ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف، خبر المبتدأ، تقديره:
стр. 9453
ذلك المشروط قائم وثابت بيننا لا نحيد عنه، كلانا فيه سواء، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ ﴿أي﴾: اسم شرط جازم يجزم فعلين، منصوب على المفعولية، مقدمًا على عامله وجوبًا. ﴿ما﴾: زائدة لتأكيد الإبهام المستفاد من ﴿أي﴾، ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾: مضاف إليه، ﴿قَضَيْتُ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿أي﴾ على كون فعل شرط لها، ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا, ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿عُدْوَانَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿عَلَيَّ﴾: خبرها، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿أي﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿أي﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾، وجملة ﴿نَقُولُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: على ما نقوله، ﴿وَكِيلٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فتم العقد على النكاح والإجارة، ومارس موسى العمل المشروط عليه في الأجل المضروب، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿وَسَارَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿قَضَى﴾، ﴿بِأَهْلِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سار﴾، أو حال من فاعل ﴿سار﴾؛ أي: متلبسًا بأهله، ﴿آنَسَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آنَسَ﴾، أو حال من ﴿نَارًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿نَارًا﴾: مفعول به. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف بعاطف مقدر على ﴿آنَسَ﴾، ﴿لِأَهْلِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قال﴾؛
стр. 9454
﴿امْكُثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة للأمر بالمكث، ﴿لَعَلِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿آتِيكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿مِنْهَا﴾: حال من ﴿خبر﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿بِخَبَرٍ﴾: متعلق ﴿آتِيكُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿آنَسْتُ﴾، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: معطوف على ﴿خبر﴾، ﴿مِنَ النَّارِ﴾: صفة لـ ﴿جَذْوَةٍ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجلمة ﴿تَصْطَلُونَ﴾ خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، على كونها معللة للإتيان.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف يقتضيه المقام، تقديره: فسار إليها، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أَتَاهَا﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿نُودِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مِنْ شَاطِئِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُودِيَ﴾، ﴿شَاطِئِ﴾: مضاف، ﴿الْوَادِ﴾: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وحُذفت في الخط تبعًا للفظ في الرسم العثماني، ﴿الْأَيْمَنِ﴾: صفة لـ ﴿شَاطِئِ﴾، ﴿فِي الْبُقْعَةِ﴾: حال من ﴿شَاطِئِ﴾، ﴿الْمُبَارَكَةِ﴾: صفة لـ ﴿الْبُقْعَةِ﴾، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: بدل من قوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾ بدل اشتمال, لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء؛ أي: أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى أي, لأن النداء قول، والتقدير: أي يا موسى، وأجاز أبو البقاء وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف يفسره جملة النداء؛ أي: نودي بأنه؛ أي: الشأن، ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى
стр. 9455
مفرد العلم، وجملة النداء مفسرة لجملة ﴿نُودِيَ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنَا﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر ﴿إن﴾، أو خبر ﴿أَنَا﴾، ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة للجلالة، أو بدل منه، أو خبر ثان لـ ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ جملة مفسرة للنداء لا محل لها من الإعراب.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾.
﴿وَأَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، و ﴿أن﴾: مفسرة معطوفة على ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾، ﴿أَلْقِ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿عَصَاكَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ على كونها مفسرة للنداء. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: فألقاها فصارت ثعبانًا، فلما رآها تهتز إلخ، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿رَآهَا﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾ ومفعول به, لأن رأى هنا بصرية، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿تَهْتَزُّ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على العصا، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿رَآهَا﴾، ﴿كَأَنَّهَا﴾: ناصب واسمه، ﴿جَانٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿كأن﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَهْتَزُّ﴾، ﴿وَلَّى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿مُدْبِرًا﴾: حال من فاعل ﴿وَلَّى﴾، وجملة ﴿وَلَّى﴾: جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يُعَقِّبْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَّى﴾، ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء معمول لمحذوف، تقديره: فنودي يا موسى، ﴿أَقْبِلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَخَفْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقْبِلْ﴾، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنَ الْآمِنِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾،