﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿يَا أَبَتِ﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أبت﴾: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، المعوضة عنها تاء التأنيث، وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾، ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إِنَّ خَيْرَ﴾: ناصب واسمه، ﴿خَيْرَ﴾: مضاف، و ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، ﴿اسْتَأْجَرْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: استأجرته، ﴿الْقَوِيُّ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿الْأَمِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوِيُّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، مسوقة لتعليل الأمر بالاستئجار.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على شعيب، والجملة مستأنفة، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿أُنْكِحَكَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول أول، ﴿إِحْدَى﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: إني أريد إنكاحي إياك إحدى ابنتي، ﴿إِحْدَى﴾ مضاف، ﴿ابْنَتَيَّ﴾: مضاف إليه مجرور بالياء المدغمة في ياء المتكلم، لأنه من المثنى. ﴿ابْنَتَيَّ﴾ مضاف، وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، ﴿هَاتَيْنِ﴾: صفة لـ ﴿ابْنَتَيَّ﴾، والإشارة لتمييزهما من بين بقية أخواتهما، فقد كان له - كما يروى - سبع بنات، ﴿عَلَى﴾: حرف جر، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَأْجُرَنِي﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والنون للوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: نفسك، ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق
стр. 9452
بـ ﴿تَأْجُرَنِي﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بعلى، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، إما من الفاعل في ﴿أُنْكِحَكَ﴾، أو من المفعول؛ أي: مشروطًا عليَّ، أو عليك ذلك. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان حقيقة الأمر فأقول لك إن أتممت، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿أَتْمَمْتَ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿عَشْرًا﴾: مفعول به، ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة اسمية، ﴿من عندك﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف، لكونه خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: فالإتمام كائن من عندك، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لـ ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿أَنْ أَشُقَّ﴾: ناصب وفعل منصوب، وفاعل مستتر، في تأويل مصدر على المفعولية، والتقدير: وما أريد إدخال المشقة عليك، ﴿عَلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَشُقَّ﴾، ﴿سَتَجِدُنِي﴾ ﴿السين﴾: حرف استقبال لتأكيد الاستقبال، ﴿تجدني﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ونون وقاية، ومفعول به، معطوف على ما قبله، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، والجواب محذوف، تقديره: إن شاء الله تجدني صالحًا، والجملة معترضة جيء بها للتبرك، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: متعلق بـ ﴿تجدني﴾، أو حال من الياء في ﴿تجدني﴾، أو مفعول ثان لوجد. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة، ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف، خبر المبتدأ، تقديره:
стр. 9453
ذلك المشروط قائم وثابت بيننا لا نحيد عنه، كلانا فيه سواء، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ ﴿أي﴾: اسم شرط جازم يجزم فعلين، منصوب على المفعولية، مقدمًا على عامله وجوبًا. ﴿ما﴾: زائدة لتأكيد الإبهام المستفاد من ﴿أي﴾، ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾: مضاف إليه، ﴿قَضَيْتُ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿أي﴾ على كون فعل شرط لها، ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا, ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿عُدْوَانَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿عَلَيَّ﴾: خبرها، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿أي﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿أي﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾، وجملة ﴿نَقُولُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: على ما نقوله، ﴿وَكِيلٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فتم العقد على النكاح والإجارة، ومارس موسى العمل المشروط عليه في الأجل المضروب، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿وَسَارَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿قَضَى﴾، ﴿بِأَهْلِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سار﴾، أو حال من فاعل ﴿سار﴾؛ أي: متلبسًا بأهله، ﴿آنَسَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آنَسَ﴾، أو حال من ﴿نَارًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿نَارًا﴾: مفعول به. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف بعاطف مقدر على ﴿آنَسَ﴾، ﴿لِأَهْلِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قال﴾؛
стр. 9454
﴿امْكُثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة للأمر بالمكث، ﴿لَعَلِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿آتِيكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿مِنْهَا﴾: حال من ﴿خبر﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿بِخَبَرٍ﴾: متعلق ﴿آتِيكُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿آنَسْتُ﴾، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: معطوف على ﴿خبر﴾، ﴿مِنَ النَّارِ﴾: صفة لـ ﴿جَذْوَةٍ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجلمة ﴿تَصْطَلُونَ﴾ خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، على كونها معللة للإتيان.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف يقتضيه المقام، تقديره: فسار إليها، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أَتَاهَا﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿نُودِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مِنْ شَاطِئِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُودِيَ﴾، ﴿شَاطِئِ﴾: مضاف، ﴿الْوَادِ﴾: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وحُذفت في الخط تبعًا للفظ في الرسم العثماني، ﴿الْأَيْمَنِ﴾: صفة لـ ﴿شَاطِئِ﴾، ﴿فِي الْبُقْعَةِ﴾: حال من ﴿شَاطِئِ﴾، ﴿الْمُبَارَكَةِ﴾: صفة لـ ﴿الْبُقْعَةِ﴾، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: بدل من قوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾ بدل اشتمال, لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء؛ أي: أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى أي, لأن النداء قول، والتقدير: أي يا موسى، وأجاز أبو البقاء وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف يفسره جملة النداء؛ أي: نودي بأنه؛ أي: الشأن، ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى
стр. 9455
مفرد العلم، وجملة النداء مفسرة لجملة ﴿نُودِيَ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنَا﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر ﴿إن﴾، أو خبر ﴿أَنَا﴾، ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة للجلالة، أو بدل منه، أو خبر ثان لـ ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ جملة مفسرة للنداء لا محل لها من الإعراب.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾.
﴿وَأَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، و ﴿أن﴾: مفسرة معطوفة على ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾، ﴿أَلْقِ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿عَصَاكَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ على كونها مفسرة للنداء. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: فألقاها فصارت ثعبانًا، فلما رآها تهتز إلخ، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿رَآهَا﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾ ومفعول به, لأن رأى هنا بصرية، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿تَهْتَزُّ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على العصا، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿رَآهَا﴾، ﴿كَأَنَّهَا﴾: ناصب واسمه، ﴿جَانٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿كأن﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَهْتَزُّ﴾، ﴿وَلَّى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿مُدْبِرًا﴾: حال من فاعل ﴿وَلَّى﴾، وجملة ﴿وَلَّى﴾: جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يُعَقِّبْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَّى﴾، ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء معمول لمحذوف، تقديره: فنودي يا موسى، ﴿أَقْبِلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَخَفْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقْبِلْ﴾، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنَ الْآمِنِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾،
стр. 9456
وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالإقبال، والنهي عن الخوف.
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.
﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على قوله: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ بعاطف مقدر؛ لأنه من جملة ما نودي به، ﴿فِي جَيْبِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْلُكْ﴾، ﴿تَخْرُجْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على اليد، مجزوم بالطلب السابق، ﴿بَيْضَاءَ﴾: حال من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بَيْضَاءَ﴾، أو صفة له. ﴿وَاضْمُمْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿اسْلُكْ﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿جَنَاحَكَ﴾: مفعول به، ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: متعلق بـ ﴿اضمم﴾ على سبيل التعليل له؛ أي: من أجل الرهب، وقيل: بـ ﴿وَلَّى﴾؛ أي: هرب من الفزع، وقيل: بـ ﴿مُدْبِرًا﴾، وقيل: بمحذوف؛ أي: يسكن من الرهب. ﴿فَذَانِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره إذا امتثلت ما أمرناك به، وأردت بيان حكمته فأقول لك ذانك إلخ. ﴿ذانك﴾: اسم إشارة، يشار به إلى المثنى المذكر القريب، في محل الرفع مبتدأ، مبني على الألف لكونه على صورة المثنى، أو مبني على الكسر، و ﴿الكاف﴾: حرف دال على الخطاب، ﴿بُرْهَانَانِ﴾: خبر مرفوع بالألف، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ أي: مرسلان من ربك، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: متعلق بمرسلان، ﴿وَمَلَئِهِ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانُوا قَوْمًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿فَاسِقِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل إرسال البرهانين.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة،
стр. 9457
﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿قَتَلْتُ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿نَفْسًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿نَفْسًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن وجلمة إن في محل النصب مقول قال على كونها جواب النداء. ﴿فَأَخَافُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية لكون ما قبلها علة لما بعدها، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَقْتُلُونِ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون, لأن أصله يقتلونني، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية، أو لرعاية الفاصلة في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَقْتُلُونِ﴾ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أخاف﴾؛ أي: فأخاف قتلهم إياي، وجملة ﴿أخاف﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿قَتَلْتُ﴾.
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾.
﴿وَأَخِي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أخي﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿هَارُونُ﴾: بدل عنه، أو عطف بيان له، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿أَفْصَحُ﴾: خبر له، ﴿مِنِّي﴾: متعلق بـ ﴿أَفْصَحُ﴾، ﴿لِسَانًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للمبتدأ الأول. وجملة الأول معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿أرسله﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، ﴿مَعِيَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أرسله﴾، والجملة الفعلية معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، ﴿رِدْءًا﴾: حال من مفعول ﴿أرسله﴾؛ أي: حالة كونه عونًا لي على تبليغ الرسالة، ﴿يُصَدِّقُنِي﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم على قراءة الرفع، أو مجزوم بالطلب السابق على قراءة الجزم، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿أخي﴾، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب
стр. 9458
صفة لـ ﴿رِدْءًا﴾، أو حال من مفعول ﴿أرسله﴾، أو مستأنفة على قراءة الرفع، ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل طلب الإرسال، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يُكَذِّبُونِ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون، لأن أصله أن يكذبونني، حذفت النون الأولى للناصب، والثانية للوقاية، و ﴿الواو﴾: فاعل، والياء المحذوفة للفاصلة مفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: إني أخاف تكذيبهم إياي في الرسالة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ اسمه حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: سمعان، وهو الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...﴾ إلخ. ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: أبعدها مكانًا، يقال: قصوت عنه وأقصيت: أبعدت، والقصي البعيد، ﴿يَسْعَى﴾؛ أي: يسرع في مشيه.
﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ الملأ أشرات الدولة ووجوهها، ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾؛ أي: يتشاورون من الائتمار، وهو التشاور، يقال: الرجلان يتآمران ويأتمران بمعنى واحد, لأن كل واحد فيهما يأمر صاحبه بشيء، أو يشير عليه بأمر. وقيل: معناه يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، ولعل هذا أوضح. وقد أورد صاحب "التاج" المعنيين، قال: "ائتمروا وتآمروا: تشاوروا، وائتمروا بفلان هموا به، وأمر بعضهم بعضًا بقتله، وقال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا إذا أمر بعضهم بعضًا، كما قال: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ " وقال النمر بن تولب:
أرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوْا شِيْمَةً ... وَفِيْ كُلِّ حَادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ
﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: يلتفت يمنة ويسرة، ﴿تَوَجَّهَ﴾ إلى الشيء إذا صرت وجهه إليه، ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾؛ أي: جهتها، والتلقاء تفعال من لقيت، وهو مصدر اتسع فيه فاستُعمل ظرفًا، يقال: جلس تلقاءه؛ أي: حذاءه ومقابلته ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛
стр. 9459
أي: مستقيمه، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك، ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾؛ أي: وصل والورود إتيان الماء، وضده الصدور، وهو الرجوع عنه، وفي "المفردات": الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره، ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: جماعة كثيرة منهم.
﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾ والمراد بماء مدين البئر التي كانوا يستقون منها، ومدين بلدة على بحر القلزم، محاذية لتبوك، فيها البئر التي استقى منها موسى ﵇، ﴿تَذُودَانِ﴾؛ أي: تطردان أغنامهما عن الماء خوفًا من السقاة الأقوياء، ومنه قول الشاعر:
لَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُوْ تَمِيْمٍ ... فَمَا تَدْرِيْ بِأَيِّ عَصَا تَذُوْدُ
﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؛ أي: ما شأنكما, ولم لا تردان مع هؤلاء، قال الزمخشري: وحقيقته ما مخطوبكما؛ أي: ما مطلوبكما من الذياد، فسُمِّي المخطوب خطبًا، كما سُمي المشؤون شأنًا في قولك: ما شأنك، يقال: شأنت شأنه؛ أي: قصدت قصده، وفي "القاموس": وشرحه الخطب - مصدر - والشأن، يقال: ما خطبك؛ أي: ما شأنك، وما الذي حملك عليه، والخطب الأمر صغر أو عظم، وغلب استعماله للأمر العظيم المكروه، ولهذه المادة معان كثيرة يرجع إليها في المعاجم المطولة.
﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ الصدر عن الشيء الرجوع عنه، يقال في فعله: صدر من باب ضرب ونصر ودخل، والصدر بفتحتين اسم مصدر منه، ويتعدى بنفسه، فيقال صدره غيره؛ أي: رجَّعه وردَّه، ويُستعمل رباعيًا، فيقال: أصدره غيره. اهـ. من "القاموس" و"المختار".
والرعاء جمع راع على غير قياس؛ لأن فاعلًا - الوصف المعتل اللام، كقاض - قياسه فُعَلَةٌ، كقضاة ورُماة، خلافًا للزمخشري في قوله: إنه جمع راع على فعال قياس، كصيام وقيام، قال ابن مالك:
فِيْ نحْوِ رَامٍ ذُوْ اطِّرَادِ فُعَلَهُ
стр. 9460
أما جمع فعال فيطرد في ستة أنواع نوردها فيما يلي:
١ - اسم أو صفة ليست عينهما ياء، على وزن فعل أو فعلة، فالاسم ككعب وكعاب، وثوب وثياب، ونار ونيار، وقصعة وقصاع، وجنة وجنان، والصفة كصعب وصعبة وصعاب، وضخم وضخمة وضخام، وندر مجيئه من معتل العين كضيعة وضياع، وضيف وضياف.
٢ - اسم صحيح اللام غير مضاعف، على وزن فعل أو فعلة، كجمل وجمال، وجبل وجبال، ورقبة ورقاب، وثمرة وثمار.
٣ - اسم على وزن فعل كذئب وذئاب، وظل وظلال، وبئر وبئار.
٤ - اسم على وزن فعل ليست عينه واوًا، ولا لامه ياءً، كرمح ورماح، ودهن ودهان، وأما الدِّهان في قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ فسيأتي أنه اسم مفرد، ومعناه الجلد الأحمر.
٥ - صفة صحيحة اللام على وزن فعل أو فعيلة، ككريم وكريمة وكرام، ومريض ومريضة ومراض، وطويل وطويلة وطوال.
٦ - صفة على وزن فعلان، أو فعل أو فعلانة أو فُعلانة، كعطشان وعطشى وعطاش، وريان وريا ورواء، وندمان وندمى وندام، وخمصان وخمصانة وخماص.
وما جُمع على فعال من غير ما ذكر فهو على غير القياس، وذلك كراع وراعية ورعاء، وقائم وقائمة وقيام، وصائم وصائمة وصيام، وأعجف وعجفاء وعجاف، وخير وخيار، وجيد وجياد، وجواد وجياد، وأبطح وبطاح، وقلوص وقلاص، وأنثى وإناث، ونطفة ونطاف، وفصيل وفصال، وسبع وسباع، وضبع وضباع، ونُفَسَا ونفَاس، وعُشراء وعشار، هذا ولا ندري كيف ندَّ هذا عن الزمخشري، فقال في كشافه: وأما الرعاء بالكسر فقياس كصيام وقيام.
والرَّعْي - بالفتح - في الأصل: حفظ الحيوان, إما بغذائه الحافظ لحياته، أو بذبِّ العدو عنه، والرِعْيُ - بالكسر -: ما يرعاه، والمرعى: موضع الشرعي،
стр. 9461
ويُسمى كل سائس لنفسه أو لغيره راعيًا، وفي الحديث: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته"، وقيل: الرعاء هم الذين يرعون المواشي، والرعاة هم الذين يرعون الناس، وهم الولاة.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ والخير يكون بمعنى الطعام، كما في الآية، ويمعنى المال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وبمعنى القوة، كما في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، وبمعنى العبادة، كما في قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾، ﴿ثُمَّ تَوَلَّى﴾؛ أي: جعل ظهره يلي ما كان يليه وجهه.
﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ الاستحياء والحياء: الحشمة، والانقباض، والانزواء، قال في "المصباح": يقال: استحيت بياء واحدة وبياءين، ويتعدى بنفسه وبالحرف فيقال: استحييته واستحيت منه.
﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ القصص بفتحتين مصدر بمعنى المقصوص، وقد سُمِّي به فيما بعْدُ المقصوص، يقال: قصَّ عليه الخبر حدَّثه به، ومصدره قصص بفتحتين، أما القصص بكسر القاف فهو جمع قصة، ﴿حِجَجٍ﴾ جمع حجة بكسر الحاء، وهي السنة.
﴿أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾؛ أي: أن أُدخل عليك مشقة، واشتقاق المشقة من الشق، فإن ما يصعب عليك يشق اعتقادك في إطاقته، ويوزع رأيك في مزاولته.
﴿الْأَجَلَيْنِ﴾؛ أي: الأطول أو الأقرب، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ والطور اسم جبل مخصوص، والنار يقال: للَّهب الذي يبدو للحاسة، وللحرارة المجردة، ولنار جهنم، ﴿امْكُثُوا﴾ المكث ثبات مع انتظار؛ أي: قفوا مكانكم واثبتوا فيه، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ والجذوة عود غليظ، مهواء كانت في رأسه نار أو لا، وفي "المفردات": الجذوة التي يبقى من الحطب بعد الالتهاب.
﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ والشاطىء الجانب، وهو شفير الوادي، وكذلك الشط والسيف والساحل، كلها بمعنى واحد. والوادي في الأصل الموضع الذي
стр. 9462
يسيل فيه الماء، ومنه سمي المفرج بين الجبلين واديًا.
﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ والبقعة قطعة من الأرض لا شجر فيها، وُصفت بكونها مباركة, لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله إياه.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ الجانُّ الحية الصغيرة التي توجد في كثير من الدور ولا تؤذي، ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ من سلك الشيء إذا أنفذه فيه، وفي "المصباح": السلك بالفتح والسلوك كل منهما مصدر لسلك الشيء في الشيء، إذا أنفذه فيه، فإنه من بابي قعد ونصر. اهـ. ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ والجيب الفتحة في القميص ونحوه من حيث يخرج الرأس.
﴿جَنَاحَكَ﴾ جناح الإنسان عضده، ويقال: اليد كلها جناح، ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ الرهب مخافة مع تحزن واضطراب؛ أي: من أجل الرهب، ﴿بُرْهَانَانِ﴾ تثنية برهان، والبرهان فعلان، من قولهم: أبره الرجل إذا جاء بالبرهان، أو من قولهم: بره الرجل إذا ابيض، ويقال: برهاء وبرهة للمرأة البيضاء، ونظيره تسمية الحجة سلطانًا من السليط، وهو الزيت لإنارتها، وقيل: هو فعلال، لقولهم: برهن.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ سُمِّيت الحجة برهانًا؟
قلت: لبياضها وإنارتها، من قولهم للمرأة البيضاء: برهرهة، بتكرير العين واللام معًا، وهذا تعليل لطيف لا يُحسِّن استنباطه غير هذا الإِمام، ومعنى ذلك أن النون في البرهان زائدة، يقولون: أَبْرَهَ الرجل إذا جاء بالبرهان، وفي معاجم اللغة: وأبره أتى بالبرهان، أو بالعجائب، وغلب الناس، وهذا هو قول الزمخشري، والمحققين، وزعم صاحب "القاموس" في أحد قوليه أن النون أصلية، قال: وبرهن عليه أقام البرهان، والبرهان بالضم الحجة فتدبر.
﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ من الفصاحة، والفصاحة لغة الخلوص، يقال: فصح اللبن، وأفصح، فهو فصيح؛ أي: خلص من الرغوة، ومنه فصح الرجل جادت لغته، وأفصح تكلم بالعربية، وقيل: الفصيح الذي ينطق، والأعجم الذي
стр. 9463
لا ينطق، وأما في اصطلاح أهل البيان: فالفصاحة خلوص الكلمة عن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس، وفصاحة الكلام خلوصه من ضعف التأليف والتعقيد.
﴿رِدْءًا﴾ والردء المعين من أردأته على عدوه إذا أعنته، يقال: فلان ردء فلان إذا كان ينصره ويشد ظهره، ومنه قول الشاعر:
ألم تر أن أصرم كان ردئي ... وخير الناس في قل ومال
وفي "الفتوحات": والردء العون، وهو فعل بمعنى مفعول، كالدفء بمعنى المدفوء به، وردأته على عدوه أعنته عليه، وردأت الحائط دعمته بخشبة لئلا يسقط. وقال النحاس: يقال: ردأته وأردأته.
فائدة: قال بعضهم في قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ مقام الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين، الذي يقدر صاحبه على أن يُخبر عن الحق وأسراره بعبارة لا تكون ثقيلة في موازين العلم، وهذا حال نبينا ﷺ حيث قال: "أنا أفصح العرب، وبُعثت بجوامع الكلم" اهـ "الروح".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنوعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد بإن واللام في قوله إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك مطابقة لمقتضى الحال.
ومنها: إضافة الصفة إلى الموصوف في قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: السبيل الوسط.
ومنها: تنكير أمة في قوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ للدلالة على الكثرة.
ومنها: كثرة الإيجاز في هذه الآيات، أعني قوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ
стр. 9464
يَسْقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ فقد حذف المفعول به في أربعة أماكن، أحدها مفعول ﴿يَسْقُونَ﴾؛ أي: مواشيهم، والثاني مفعول ﴿تَذُودَان﴾؛ أي: مواشيهما، والثالث ﴿لَا نَسْقِي﴾؛ أي: مواشينا، والرابع ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾؛ أي: مواشيهما، وعلة الحذف أن الغرض هو أن يُعلم أنه كان من الناس سقي، ومن البنتين ذود، وأنهما قالتا: لا نسقي؛ أي: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى سقي، فأما كون المسقي غنمًا أو إبلًا أو غير ذلك، فذلك أمر خارج عن نطاق الغرض.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فقد أرادتا أن تقولا له: إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان، لا نقدر على مزاحمة الرجال، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ طاعن في السن, فقد أضعفه الكبر وأعياه، فلا مندوحة لنا عن ترك السقيا، وإرجائها إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء، وبذلك طابق جوابهما سؤاله, لأنه سألهما عن علة الذود، فقالتا ما قالتاه.
ومنها: الاستعطاف والترحم في قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير﴾ وفيه أيضًا التعبير بالماضي عن المضارع في قوله: ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ﴾؛ أي: إلى ما تنزله إلي.
ومنها: الإشارة في قوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ فقد أشار بلمح خاطف يشبه لمح الطرف، وبلغة هي لغة النظر إلى وصف جمالها الرائع الفتان باستحياء, لأن الخفر من صفات الحسان، ولأن التهادي في المشي من أبرز سماتهن.
قال الأعشى:
كَأنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتهَا ... مَرُّ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾.
ومنها: الإتيان بالكلام الجامع المانع الحكيم في قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك، وهما الكفاية والأمانة فقد فرغ بالك، وتم أمرك، وسهل
стр. 9465
مرادك، ولأنه ذهب مذهب المثل المضروب ليذهب في مر العصور، وقادمات الدهور، وفيه التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص، وأبقى للتحشم والتصوُّن، وخصوصًا بعد أن فهمت غرض أبيها، وهو تزويجها منه.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حذف وجه الشبه فأصبح مجملًا.
ومنها: الطباق بين ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ و ﴿يُكَذِّبُونِ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ كنى عن اليد بالجناح، لأنها للإنسان كالجناح للطائر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما قال لموسى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ علم (١) أنه سيذهب بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، وحينئذٍ طلب منه أن يؤتيه ما يقوي به قلبه، ويزيل خوفه من فرعون, لأنه إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه، وهربًا من سطوته، فيُرسل معه أخاه هارون وزيرًا .. فأجابه إلى ما طلب، وأرسله هو وهارون إلى فرعون وملئه، ومعهما المعجزات الباهرة، والأدلة الساطعة فلما عاينوا ذلك، وأيقنوا صدقه لجؤوا إلى العناد والمكابرة، فقالوا: ما هذا إلا سحر مفتعل، وما رأينا أحدًا من آبائنا على هذا الدين، فقال لهم موسى: ربي أعلم بالمهتدي منا ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم، ويجعل النصر والتأييد للصالحين من عباده.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه (٢) لما رغب موسى فرعون وقومه في التوحيد، والنظر في الكون تارة، ورهَّبهم من عذاب الله، وشديد نكاله تارة أخرى .. أجابه فرعون بتلك المقالة التي تدل على الجهل المطبق، ونقصان العقل، وأنه بلغ غاية لا حد لها في الإنكار، وأنه لا مطمع في إيمانه لعتوه وطغيانه، واستكباره في الأرض، حتى قال ما قال. ومن ثم كانت عاقبته في الدنيا الهلاك بالغرق هو وجنوده، واللعن من الله والناس، وفي الآخرة الطرد من رحمة الله، ثم أخبر سبحانه أنه آتى موسى التوراة وجعلها نورًا للناس يهتدون بها، وتكون لهم تذكرة من عقاب الله وشديد عذابه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بيَّن فيما سلف أنه أرسل موسى، بعد أن أهلك القرون الأولى، ودرست الشرائع، واحتيج إلى نبي يُرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم، في معاشهم ومعادهم .. أردف ذلك ببيان الحاجة
стр. 9468
إلى إرسال رسوله محمد ﷺ ، لمثل تلك الدواعي التي دعت إلى إرسال موسى ﵇ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولأن رحمته اقتضت أن لا يعذب أحدًا إلا إذا أرسل رسولًا، ويتضمن ذلك كون القرآن وحيًّا من عند الله سبحانه, لأن ما فُصل فيه من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها، وقد انتفى كلاهما، فتبين أنه بوحي من علام الغيوب.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بين فيما سلف أنه إنما أرسل رسوله قطعًا لمعذرتهم، حتى لا يقولوا حين نزول بأسنا بهم: هلا أرسلت إلينا رسولًا فنتبعه .. أردفه ببيان أنه حين مجيء الرسول، وإنزال القرآن عليه جحدوا به، وكذبوا رسالته، ولم يعتدوا بكتابه، وطلبوا مجيء معجزات كمعجزات موسى، من مجيء التوراة جملة، وقلب العصا، وإخراج اليد بيضاء من غير سوء، وقد كفر المعاندون من قبلهم بما جاء به موسى من المعجزات، وقالوا: ما هي إلا سحر مفترى، وما في إلا أساطير الأولين، وإن موسى ومحمد ساحران، تعاونا على الخداع والتضليل، وإنا لكافرون بكل منهما.
ثم أمر رسوله أن يقول لهم: إن إستطعتم أن تأتوا بكتاب خير من كتابيهما، موصل إلى الحق، هاد إلى سبيل الرشد فافعلوا، فإن لم تستطيعوا ذلك فأنتم متبعون للهوى، سالكون سبيل الضلال، ولا أضل من يسلك هذه السبيل، ثم ذكر أنه ما أنزل الكتاب منجمًا على هذا النهج إلا ليكون فيه عبرة وذكرى لهم، بين آن وآخر، لعلهم يرتدعون عن غيِّهم، ويثوبون إلى رشدهم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما أثبت أن القرآن وحي من عند الله، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. أكد هذا بأن أثبت أن أهل الكتاب آمنوا به حين رأوا الأدلة تتظاهر على صدقه، وموافقته لما في كتبهم من وصف، فأجدر بمن لا كتاب لهم من قبله أن يؤمنوا به.
стр. 9469
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن جرير والطبراني عن رفاعة القرظي قال: نزلت ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في عشرة أنفار أنا أحدهم. وأخرج ابن جرير عن علي بن رفاعة قال: خرج عشرة رهط عن أهل الكتاب، منهم رفاعة - يعني أباه - إلى النبي ﷺ فآمنوا، فأوذوا فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية، وأخرج عن قتادة قال: كنا نحدث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب، كانوا على الحق حتى بعث الله سبحانه محمدًا فآمنوا، منهم عثمان، وعبد الله بن سلام.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ ...﴾ الآية، قال (٢) سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ، فلما قدموا عليه قرأ عليهم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ حتى ختمها، فجعلوا يبكون، وأسلموا.
وأخرج (٣) الطبراني في "الأوسط" بسند فيه من لا يُعرف عن ابن عباس: أن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي ﷺ ، فشهدوا معه أحدًا، فكانت فيهم جراحات، ولم يقتل منهم أحد، فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة، قالوا: يا رسول الله إنا أهل ميسرة، فأذن لنا نجيء بأموالنا، نواسي بها المسلمين، فأنزل الله فيهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ...﴾ الآيات. فلما نزلت قالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما نزلت ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ فخرج مؤمنوا أهل الكتاب على أصحاب النبي ﷺ فقالوا: لنا أجران،
стр. 9470
ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ...﴾ الآية. فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب.
التفسير وأوجه القراءة
٣٥ - فأجاب الله سبحانه موسى إلى ما طلب من إرسال هارون معه، حيث ﴿قَالَ﴾ سبحانه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾؛ أي: سنقوي ظهرك ﴿بِأَخِيكَ﴾ هارون، ونعينك به على أمرك، فشد العضد كناية عن التقوية، والعضد (١) ما بين المرفق والكتف، وهي قوام اليد، وبشدتها تشتد؛ أي: سنقويك به, لأن الإنسان يقوى بأخيه، كقوة اليد بعضدها، وكان هارون يومئذٍ بمصر، ويقال في دعاء الخير: شد الله عضدك، وفي الشر: فت الله في عضدك.
وقرأ الجمهور ﴿عَضُدَكَ﴾ بفتح العين وضم الضاد، وقرأ زيد (٢) بن علي والحسن: ﴿عُضُدك﴾ بضمتين، وعن الحسن: بضم العين وإسكان الضاد، وعن بعضهم: بفتح العين وكسر الضاد، وقرأ عيسى بن عمر: بفتحهما، ويقال: فيه عضد بفتح العين وسكون الضاد، ولا أعلم أحدًا قرأ به.
﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾؛ أي: حجة وبرهانًا، أو تسلطًا على فرعون وقومه، وغلبة عليهم؛ أي (٣): نجعل لكما غلبة بالحجة في الحال، وغلبة في المملكة في ثاني الحال، ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾؛ أي: فلا يصل فرعون وقومه ﴿إِلَيْكُمَا﴾ بالقتل والأذى، ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة.
﴿بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بسبب آياتنا التي تظهر على أيدكما، فالآية التي هي قلب العصا حية، تمنع من وصول ضرر فرعون وقومه إلى موسى وهارون ﵉, لأنهم إذا علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها إليهم أهلكتهم .. زجرهم ذلك عن الإقدام عليهما بسوء، فصارت مانعة من وصولهم
стр. 9471
إليهما بالقتل وغيره. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ إما متعلق بـ ﴿لَا يَصِلُونَ﴾.
والمعنى عليه: أي سنقويك ونعينك بأخيك، ونجعل لكما تسلطًا عظيمًا، وغلبة على عدوكما، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلب، بسبب كون آياتنا معكما، وهي العصا واليد، أو بـ ﴿الْغَالِبُونَ﴾ من قوله ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي أنتما ومن تبعكما الغالبون لفرعون وقومه، بسبب آياتنا وحججنا وسلطاننا الذي نجعله لكما، وفي هذا دليل على أن فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به, لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين أنفسهم في سبيل الله سبحانه.
وقال أبو السعود: في سورة طه جمعهما في صيغة أمر الحاضر، مع أن هارون لم يكن حاضرًا مجلس المناجاة، بل كان في ذلك الوقت بمصر للتغليب، فغلَّب الحاضر على غيره، وتقدم هناك أن الله في ذلك الوقت أرسل جبريل بالرسالة لهارون، وهو بمصر. اهـ.
وقال أبو حيان (١): قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ﴾، أو بـ ﴿يصلون﴾، أو بـ ﴿الغالبون﴾، وإن كان موصولًا، على مذهب من يجوز عنده أن يتقدم الظرف والجار والمجرور على صلة أل؛ لأنهم يتوسعون فيهما أو بفعل محذوف؛ أي: اذهبا بآياتنا كما عُلِّق في تسع آيات بـ ﴿اذهب﴾، أو تمتنعان منهم بآياتنا، وهذه أعاريب منقولة انتهى.
وقال الأخفش وابن جرير: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا.
٣٦ - ثم أبان ما صدر من فرعون عقب مجيء موسى إليه فقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: فلما جاء فرعون وقومه ﴿مُوسَى﴾ ﵇ حال كونه متلبسًا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ومعجزاتنا، حالة كونها ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على صحة رسالته منه تعالى، والمراد (٢) بالآيات المعجزات حاضرة كانت كالعصا واليد، أو
стр. 9472
مترقبة كغيرها من الآيات التسع، فإن زمان المجيء وقت ممتد يسع الجميع، فلهذا جمع الآيات مع أن الظاهرة منها ثنتان فقط، العصا واليد، وقيل: جمعها، لأن العصا في نفسها آيات عديدة، باعتبار أحوالها.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال فرعون وقومه: ﴿مَا هَذَا﴾؛ أي: ما هذا الذي جئت به يا موسى ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾؛ أي: سحر مختلق مكذوب، اختلقته من قبل نفسك، لم يُفعل قبل هذا مثله، وذلك لأن النفس خُلقت من أسفل عالم الملكوت متنكسة، والقلب خلق من وسط عالم الملكوت، متوجهًا إلى الله سبحانه، فما كذب الفؤاد ما رأى، وما صدقت النفس ما رأت، فيرى القلب إذا كان سليمًا من الأمراض والعلل الحق حقًا، والباطل باطلًا، والنفس ترى الحق باطلًا والباطل حقًا، ولهذا كان من دعائه ﷺ : "اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه". وكان ﷺ مقصوده في ذلك سلامة القلب من الأمراض والعلل، وهلاك النفس، وقمع هواها، وكسر سلطانها، كذا في "التأويلات النجمية".
﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ السحر الذي جئت به، أو بهذا الذي جئت به من دعوى النبوة والرسالة ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: واقعًا في أيامهم وكائنًا، أو المعنى: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي تدعونا إليه من التوحيد، والذي تدَّعيه من الرسالة عن الله تعالى واقعًا ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ وقد كذبوا، فإنهم سمعوا ذلك على أيام يوسف ﵇.
٣٧ - ﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى﴾ ﵇، قرىء بالواو وبدونها، على كونها واقعة في جواب سؤال مقدر ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ يريد نفسه، فيعلم أني محق، وأنتم مبطلون، وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم بما يريده، قبل أن يوضح لهم الحجة. والله أعلم.
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾؛ أي: عاقبة دار الدنيا، وهي الجنة, لأنها خلقت ممرًا إلى الآخرة ومزرعة لها، والمقصود منها بالذات هو الثواب، وأما العقاب فمن نتائج أعمال العصاة وسيآتهم، فالعاقبة المطلقة الأصلية للدنيا هي
стр. 9473
العاقبة المحمودة دون المذمومة، ولا اعتداد بعاقبة السوء، ويكون العقاب إنما قصد بالتبعية.
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشأن والحال ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ ولا يظفر ﴿الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بإهلاكها في الكفر والتكذيب؛ أي: لا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من محذور، ومن المحذور العذاب الدنيوي، ففيه إشارة إلى نجاة المؤمن وهلاك الكافر، وإلى أن الواجب على كل نفس السعي في نجاتها, ولو هلك غيرها لا يضرها.
وقرأ الجمهور: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ بالواو، وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن: ﴿قال موسى﴾ بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة، ومناسبة (١) قراءة الجمهور: أنه لما جاءهم بالبينات قالوا: كيت وكيت، وقال موسى: كيت وكيت، فيتميز الناظر فصل ما بين القولين، وفساد أحدهما، إذ قد تقابلا، فيعلم يقينًا أن قول موسى هو الحق والهدى، ومناسبة قراءة ابن كثير (٢): أنه إذا كانت الجملة الثانية كالمتصلة بالأولى، لكونها جوابًا لسؤال اقتضته الأولى، تنزل الأولى منزلة السؤال، فتفصل الثانية عنها، كما يفصل الجواب عن السؤال. اهـ. "زاده"، كأنه قيل هنا: ماذا قال موسى في جوابهم: فقال: قال موسى ربي أعلم .. إلخ.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف والمفضل (٣): ﴿ومن يكون له عاقبة الدار﴾ بالتحتية، على أن اسم يكون عاقبة الدار، والتذكير لوقوع الفصل، ولأنه تأنيث مجازي. وقرأ الباقون: ﴿تكون﴾ بالفوقية، وهي أوضح من القراءة الأولى.
وعبارة النسفي هنا: أي ربي أعلم منكم بحال من أَهّله الله سبحانه للفلاح الأعظم، حيث جعله نبيًا وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى، ولو كان كما تزعمون ساحرًا مفتريًا لما أَهَّلَهُ لذلك, لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا
стр. 9474
ينبىء الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون. انتهت.
وفي هذا الأسلوب من أدب الخطاب في الحجاج والمناظرة ما لا يخفى (١)، فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال، كما لم ينسبه إلى نفسه بل ردده بينهما، وهو يعلم أنه لأيهما، وعلى هذا النحو جاء الخطاب من النبي ﷺ للمشركين بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
ثم علل هذا بأن سنة الله قد جرت بأن المخذول هو الكاذب، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: إنه لا ينجح الكافرون، ولا يدركون طلبتهم، وفي هذا إيماء إلى أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة، بل يحصلون على ضد ذلك، ولله در القائل من بحر الطويل:
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيْرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِيْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِيْنَ خَرَابُ
فائدة: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الآية. قاله (٢) هنا بزيادة الباء في قوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾ وفي قوله في آخر السورة: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بدون زيادة الباء، تقوية للعامل هنا بحسب الظاهر، لضعفه عن العمل، لكونه اسم تفضيل، وحذفه هناك اكتفاء بدلالة الأول عليه.
٣٨ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والأشراف؛ أي: يا أيها القوم ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ﴾ في أي زمن ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾؛ أي: إلهًا غيري، كما يدَّعي موسى، والأمر محتمل أن يكون، وسأحقق ذلك لكم، وهذا الكلام ظاهره الإنصاف، ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقول لهم بعد ذلك في شأن الإله، وتسليمهم إياه اعتمادًا على ما رأوا من عظيم نصفته في القول؛ أي: ليس لكم إله غيري في الأرض.
стр. 9475
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلمتان قالهما فرعون، قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ كان بينهما أربعون سنة، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى".
وخلاصة مقاله (١): لا علم لي برب غيري فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به، من أن لكم وله ربًا غيري، ومعبودًا سواي، ونحو الآية قوله: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.
قال الرازي: ليس مراده من ادعاء الألوهية أنه خالق السموات والأرض، والبحار والجبال، وخالق الناس، فإن العلم بامتناع ذلك واضح لكل ذي عقل، بل مراده بذلك وجوب عبادته فهو ينفي وجود الإله، ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا مليكهم، وينقادوا لأمره. اهـ بتصرف.
ثم خاطب وزيره هامان، آمرًا له على سبيل التهكم أمام موسى، ليشكك قومه في صدق مقالته، فقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ وهو التراب والماء المختلط؛ أي: أوقد النار على الطين بعد اتخاذه لبنًا، حتى يصير آجرًا، ولم يقل فرعون: اطبخ لي الآجر, لأنه أول من عمل الآجر، ولذلك أمره باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة.
﴿فَاجْعَلْ لِي﴾ من ذلك الطين الذي توقد عليه حتى يصير آجرًا ﴿صَرْحًا﴾؛ أي: قصرًا عاليًا مشرفًا كالمنارة ﴿لَعَلِّي﴾ أصعد إليه و ﴿أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ وانظر إليه واقفًا عليه؛ أي: فاصنع لي آجرًا، واجعل لي منه قصرًا شامخًا، وبناء عاليًا، أصعد وأرتقي إلى إله موسى، الذي يعبده في السماء، ويدَّعي أنه يؤيده وينصره، وهو الذي أرسله إلينا. وبمعنى الآية قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي
стр. 9476
صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)﴾.
وإنما (١) حذف هنا ﴿أَتَاهُمْ كَبُرَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ وذكره في غافر, لأن ما هنا تقدَّمه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ من غير ذكر أرض، ولا غيرها، فناسبه الحذف، وما هناك تقدمه ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ فناسبه مقابلته بالسماء في قوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾.
ثم زاد قومه شكًا في صدقه بقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾؛ أي: أظن موسى ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في ادعائه أن له إلهًا غيري، وأنه رسوله. قاله تلبيسًا وتمويهًا على قومه، لا تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: وإني لأظنه كاذبًا فيما يدعي من أن له معبودًا في السماء، ينصره ويؤيده، وأنه هو الذي أرسله.
قال في "الأسئلة المقحمة": ولا يُظن بأن فرعون كان شاكًا في عدم استحقاقه لدعوى الإلهية في نفسه، إذ كان يعلم حال نفسه من كونها أهل الحاجات ومحل الآفات، ولكن كان معاندًا في دعواه، مجاحدًا من غير اعتقاد له في نفسه بالإلهية.
وإنما قال هنا (٢): ﴿لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وقال في غافر: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ موافقة للفاصلة هنا، وعلى الأصل بلا معارض ثَمَّ.
واعلم (٣): أن فرعون أوهم قومه أن إله موسى يمكن الوصول إليه والقدرة عليه، وهو عالم متيقن أن ذلك لا يمكن له، وقومه لغباوتهم وجهلهم، وإفراط عمايتهم يمكن ذلك عندهم، ونفس إقليم مصر يقضي لأهله تصديقهم بالمستحيلات، وتأثرهم بالموهمات والخيالات، ولا يُشك أنه كان من قوم فرعون من يعتقد أنه مبطل في دعواه، ولكن يوافقه مخافة سطوه، واعتدائه، كما
стр. 9477
رأيناه يعرض لكثير من العقلاء، إذا حدَّث رئيس بحضرته بحديث مستحيل يوافقه على ذلك الحديث.
ولا يدل الأمر ببناء الصرح على أنه بني، وقد اختُلف في ذلك، فقيل: بناه، وذُكر من وصفه بما الله أعلم به، وقيل: لم يبن. قال أهل السير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال والفعلة، حتى اجتمع عنده خمسون ألف بنَّاء، سوى الأتباع والأجراء، وطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب وضرب المسامير، وأمر بالبناء، فبثوه ورفعوه وشيدوه، حتى ارتفع ارتفاعًا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، واشتد ذلك على موسى وهارون, لأن بني إسرائيل كانوا معذبين في بنائه، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، وأمر بنشَّابة فرمى بها نحو السماء فرُدَّت إليه، وهي ملطخة دمًا، فقال قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يقصده راكبًا على البراذين، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحيه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منه على عسكره، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل فيه شيئًا إلا هلك إلا من آمن بموسى.
قال أبو الليث: كان بلاط القصر خبث القوارير، وكان الرجل لا يستطيع القيام عليه من طوله، مخافة أن ينسفه الريح، وكان طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع.
كلمة غريبة: وكتب بهلول على حائط من حيطان قصر عظيم بناه الخليفة هارون الرشيد: يا هارون رفعت الطين ووضعت الدين، رفعت الجص ووضعت النص، إن كان من مالك فقد أسرفت، إن الله لا يحب المسرفين، وإن كان من مال غيرك فقد ظلمت، إن الله لا يحب الظالمين.
٣٩ - ثم ذكر سبحانه ما هو السبب في العناد والجحود، فقال: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ﴾؛ أي: فرعون ﴿وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: جموعه القبط؛ أي: تعظموا عن الإيمان, ولم ينقادوا للحق ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر وما يليها، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: حالة كونهم متلبسين بغير الحق؛ أي: بالباطل والكفر، أو استكبروا بغير
стр. 9478
استحقاق للتكبر، فالاستكبار (١) بالحق لله ، وهو المتكبر على الحقيقة؛ أي: المستحق للكبرياء، كما حكى النبي ﷺ عن ربه "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار"، وكل مستكبر سواه تعالى فاستكباره بغير الحق، والاستكبار التعظيم بغير استحقاق، بل بالعدوان، لأنه لم يكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات.
﴿وَظَنُّوا﴾؛ أي: وظن فرعون وجنوده ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: لا يردون بالبعث للجزاء.
وقرأ حمزة والكسائي ونافع وعلي وخلف ويعقوب (٢): ﴿لا يرجعون﴾ مبنيًا للفاعل، والجمهور: مبنيًا للمفعول، والمعنى؛ أي: ورأى هو وجنوده كل من سواهم في أرض مصر حقيرًا، عتوًا منهم على ربهم، وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يُبعثون، ولا يُثابون، ولا يعاقبون. ومن ثم ركبوا أهواءهم، ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد، وأنه مجازيهم على خبيث أعمالهم وسيء أقوالهم.
٤٠ - ثم أخبر بما نالهم من عقاب الدنيا بعد أن توعدهم بعقاب الآخرة، فقال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾؛ أي: أخذنا فرعون وجموعه عقيب ما بلغوا من الكفر والعتو أقصى الغايات.
ونظيره (٣): قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: فجمعنا فرعون وجنوده من القبط، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ أي: فطرحناهم، وألقيناهم ﴿فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: في بحر القلزم، وقيل: هو بحر سمي إسافًا من وراء مصر، حكاه ابن عساكر؛ أي: عاقبناهم بالإغراق فيه، وفيه تعظيم شأن الآخذ، وتحقير شأن المأخوذين، حيث إنهم مع كثرتهم، كحصيات تؤخذ بالكف، وتُطرح في البحر.
стр. 9479
﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد بعين قلبك ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: كيف كان آخر أمر المشركين، حتى صاروا إلى الهلاك، وبيِّنه لقومك، ليعتبروا به، فإنك منصور عليهم.
وفي هذا (١): ما لا يخفى من الدلالة على عظم شأن الخالق وكبريائه وسلطانه، وشديد احتقاره لفرعون وقومه، واستقلاله لهم، وإن كانوا عددًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا، فما مثلهم إلا مثل حصيات صغار قذفها الرامي من يده في البحر.
ثم أمر رسوله ﷺ وقومه بالنظر والاعتبار، والتأمل في العواقب، ليعلموا أن هذه سنة الله في كل مكذب برسله، حيث قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فانظر أيها المعتبر بالآيات كيف كان أمر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، وكفروا بربهم، وردوا على رسوله نصيحته، ألم نهلكهم، ونورث ديارهم وأموالهم أولياءنا، ونخوِّلهم ما كان لهم من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، بعد أن كانوا مستضعفين، تُقتَّل أبناؤهم، وتُستحيا نساؤهم، وإنا بك وبمن آمن بك فاعلون، فمخوِّلوك واياهم ديار من كذبك وردَّ عليك ما أتيتهم به من الحق وأموالهم، بعد أن تستأصلوهم قتلًا بالسيف، سنة الله سبحانه في الذين خلوا من قبله.
٤١ - ثم ذكر ما يوجب سوء عاقبتهم وعذابهم في النار، فقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: صيَّرنا فرعون وقومه في عهدهم ﴿أَئِمَّةً﴾؛ أي (٢): رؤساء، وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير أيمة بإبدال الهمزة الثانية ياء، ﴿يَدْعُونَ﴾ الناس ﴿إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: إلى ما يؤدي إليها من الكفر والمعاصي؛ أي: جعلناهم قدوة يقتدي بهم أهل الضلال والفساد، فيكون عليهم وزرهم، ووزر من تبعهم، فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه يدعون أتباعهم إلى النار؛ لأنهم اقتدوا بهم، وسلكوا طريقتهم تقليدًا لهم.
стр. 9480
والمعنى (١): أي وجعلنا فرعون وقومه أئمة يقتدي بهم أهل العتو والكفر بالله تعالى، فهم يحثون على فعل الشرور والمعاصي، وتدسية النفوس بالفسوق والآثام، التي تلقي بفاعلها في النار، وما كفاهم أن كانوا ضالين كافرين بالله ورسوله، بل دأبوا على إضلال سواهم، وتحسين العصيان لهم، وبذا قد ارتكبوا جريمتين، فباؤوا بجزائين، جزاء الضلال، وجزاء الإضلال، وقد جاء في الحديث: "من سن سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
ثم ذكر أنه لا نصير لهم، ولا شفيع في ذلك اليوم، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه؛ أي: ويوم القيامة لا يجدون نصيرًا، يدفع عنهم عذاب الله سبحانه إذا حاق بهم، وقد كانوا في الدنيا يتناصرون، فكان لهم مطمع في النصرة يومئذٍ بحسب ما يعرفون.
٤٢ - ثم ذكر ما هو كالفذلكة لما تقدم، وبيَّن سوء حالهم في الدارين فقال: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾؛ أي: ألحقناهم ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ وألزمناهم ﴿لَعْنَةً﴾؛ أي: طردًا وإبعادًا من الرحمة، أو لعنًا من اللاعنين، لا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون، خلفًا عن سلف، أو أمرنا العباد بلعنهم، فكل من ذكرهم لعنهم، والأول أولى، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾؛ أي: من المطرودين المبعدين. وقيل: من المهلكين الممقوتين، وقال ابن عباس (٢): من المشوَّهين بسواد الوجوه، وزرقة العيون.
و ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ على أن اللام معرفة لا موصولة، يقال: قبح الله فلانًا قبحًا وقبوحًا؛ أي: أبعد من كل خير، فهو مقبوح، كما في "القاموس" وغيره. وعليه بني الراغب، حيث قال في "المفردات": ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾؛ أي: من الموسومين بحالة منكرة، كسواد الوجوه وزرقة العين، وسحبهم بالأغلال
стр. 9481
والسلاسل وغيرها. انتهى باختصار، قال في "الوسيط": فيكون بمعنى المُقَبَّحِين. انتهى.
والمعنى (١): أي وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيًا وغضبًا منا عليهم، ومن ثم قضينا عليهم بالهلاك والبوار، وسوء الأحدوثة، ونحن متبعوهم لعنة أخرى يوم القيامة، فمخزوهم الخزي الدائم، ومهينوهم الهوان اللازم، الذي لا فكاك عنه.
ودلت الآية (٢) على أن الاستكبار من قبائحهم المؤدية إلى هذه القباحة والطرد، قال ﵊ حكاية عن ربه سبحانه: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار" وصف الحق سبحانه نفسه بالرداء والإزار، دون القميص والسراويل، لكونهما غير مخيطين، فبَعُدا عن التركيب الذي هو من أوصاف الجسمانيات.
واعلم: أن الكبر يتولد من الإعجاب، والإعجاب من الجهل بحقيقة المحاسن، والجهل رأس الانسلاخ من الإنسانية، ومن الكبر الامتناع من قبول الحق، ولذا عظَّم الله أمره، فقال: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وأقبح كبر بين الناس ما كان معه بخل، ولذلك قال ﵇: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل والكبر" ومن تكبر لرياسة نالها دل على دناءة عنصره، ومن تفكر في تركيب ذاته، فعرف مبدأه ومنتهاه وأوسطه عرف نقصه، ورفض كبره، ومن كان تكبره لغنية، فليعلم أن ذلك ظل زائل، وعارية مستردة.
٤٣ - ثم بيَّن سبحانه الحاجة التي دعت إلى إرسال موسى، ليكون كالتوطئة لبيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على رسوله ﷺ فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أعطينا موسى الكتاب، وأنزلنا عليه التوراة،
стр. 9482
وفصَّلنا فيها الأحكام التي فيها سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا﴾ في الدنيا بالعذاب ﴿الْقُرُونَ الْأُولَى﴾؛ أي: الأمم التي من قبل موسى وقومه، كقوم نوح وهود وصالح (١)، ودُرست معالم الشرائع وطُمست آثارها، واختلَّت نُظُم العالم، وفشا بينهم الشر والفساد، ورُفع الخير فاحتاج الناس إلى تشريع جديد، يُصلح ما فسد من عقائدهم وأفعالهم، بتقرير أصول في ذلك التشريع تبقى على وجه الدهور، وترتيب فروع تتبدل بتبدل العصور، واختلاف أحوال الناس حالة كون ذلك الكتاب، ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أنوارًا لقلوب بني إسرائيل، تبصر بها الحقائق وأصول الدين، وتميز بها بين الحق والباطل، حيث كانت عمياء عن الفهم والإدراك بالكلية، ﴿و﴾ حالة كونه ﴿هُدًى﴾ للناس؛ أي: هاديًا لهم إلى الشرائع والأحكام، التي هي سبيل الله سبحانه.
قال في "إنسان العيون" (٢): التوراة أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع، بخلاف ما قبلها من الكتب، فإنها لم تشتمل على ذلك، وإنما كانت مشتملة على الإيمان بالله وحده، وتوحيده، ومن ثمة قيل لها: صحف، وإطلاق الكتب عليها مجاز.
﴿وَ﴾ حالة كونه ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: ذا رحمة لهم، حيث ينال من عمل به رحمة الله تعالى وجنته، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لكي يتذكروا، ويتعظوا بما فيه فيؤمنوا به، ويشكروه عليه، ولا يكفروه، ويجيبوا داعيه إلى ما فيه خير لهم.
قال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ : "ما أهلك الله قومًا ولا قرنًا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء، ولا من الأرض منذ أنزل التوراة على موسى، غير القرية التي مُسخت قردة، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ ".
стр. 9483
٤٤ - ولما قص الله من أنباء موسى وغرائب ما جرى له من الحمل به في وقت ذبح الأبناء (١)، ورميه في البحر في تابوت، ورده إلى أمه، وتبني فرعون له، وإيتائه الحكم والعلم، وقتله القبطي، وخروجه من منشئه فارًا، وتصاهره مع شعيب، ورعيه لغنمه السنين الطويلة، وعوده إلى مصر، وإضلاله الطريق ومناجاة الله له، وإظهار تينك المعجزتين العظيمتين على يديه، وهما العصا واليد، وأمره بالذهاب إلى فرعون ومحاورته معه، وتكذيب فرعون، وإهلاكه وإهلاك قومه، والامتنان على موسى بإيتائه التوراة، وأوحى تعالى بجميع ذلك إلى محمد رسوله ﷺ .
ذكره بإنعامه عليه بذلك، وبما خصه من الغيوب التي كان لا يعلمها لا هو ولا قومه، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد حاضرًا مع موسى ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ من موسى ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ وأوحينا ﴿إِلَى مُوسَى﴾ في حال رجوعه من مدين إلى مصر ﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه؛ أي: ما كنت حاضرًا معه إذ ناديناه، وألزمناه بالذهاب إلى فرعون وقومه ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: من الحاضرين قصته مع شعيب، فتُخبره للناس على الوجه الذي أتيناك به في هذه الأساليب المعجزة.
وخلاصة ذلك (٢): إن إخبارك بالغيوب الماضية، التي لم تشهدها، وقد قصصتها كأنك سامع راء لها، وأنت أمي لا تقرأ ولا تكتب، وقد نشأت بين قوم أميين لا يعرفون شيئًا من ذلك، لهو من أعظم البراهين على نبوتك، وإن إخبارك بذلك إنما هو بوحي من الله سبحانه كما قال: ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
فإن قلت (٣): إن هذا الآية يُغني أولها، أعني قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ عن آخرها، أعني قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وأي فائدة في ذكر آخرها؟
стр. 9484
قلتُ: لا يُغني أولها عن آخرها، إذ معنى أولها وما كنت يا محمد حاضرًا إذ أوصلنا إلى موسى الوحي في الجانب الغربي من جبل الطور، ومعنى آخرها وما كنت من الشاهدين؛ أي: من الحاضرين قصته مع شعيب ﵈، فاختلفت القصتان فلا إيراد على الآية.
وقوله: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ إما على (١) حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه؛ أي: وما كنت بجانب الجبل الغربي، أو بجانب المكان الغربي الذي وقع فيه مناجاة موسى مع ربه، أو من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع؛ أي: بالجانب الغربي، وعلى كلا التقديرين فجبل الطور غربي من موسى ﵇.
٤٥ - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾؛ أي: أوجدنا وخلقنا ﴿قُرُونًا﴾، كثيرة، وأممًا عديدة، بين زمانك يا محمد، وبين زمان موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على أولئك القرون ﴿الْعُمُرُ﴾ والأمد والحياة والأجل، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم قرنًا بعد قرن؛ أي (٢): طالت أعمارهم، وامتدت مهلتهم، وتمادت حياتهم، وفترت النبوة، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فتغيرت الشرائع والأحكام، وعميت عليهم الأنباء، وكادت الأخبار تخفى، لا سيما على آخرهم، فاقتضى الحال التشريع الجديد، فأرسلناك مجددًا لتلك الأخبار، مبينًا ما وقع فيه التحريف، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى، كأنه قال: وما كنت شاهدًا لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، ليكون إخبارك عن قصته معجزة لك، وبرهانًا على صدقك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب الذي هو الوحي، اختصارًا.
وعبارة أبي حيان: فإن قلت: كيف يتصل قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ بهذا الكلام، ومن أي جهة يكون استدراكًا؟
قلت: اتصاله به وكونه استدراكًا من حيث إن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونًا كثيرة فتطاول على آخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم
стр. 9485
العمر؛ أي: أمد القطاع الوحي، واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك، وكسبناك العلم بقصص الأنبياء، وقصة موسى.
وقد استُدل بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى عهودًا في محمد ﷺ ، وفي الإيمان به، فلما طال عليهم العمر، ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود، وتركوا الوفاء بها، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿ثَاوِيًا﴾؛ أي: مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾؛ أي: مع موسى وشعيب والمؤمنين به، نفي لاحتمال كون معرفته للقصة بالسماع ممن شاهدها؛ أي: وما كنت مقيمًا بين أهل مدين، كما أقام موسى فيهم، حالة كونك ﴿تَتْلُو﴾ وتقرأ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أهل مدين ﴿آيَاتِنَا﴾ الناطقة بالقصة بطريق التعلم منهم، فتقرأ على أهل مكة خبرهم، وتقص عليهم من جهة نفسك، وإنما أتتك بطريق الوحي الإلهي، فإخبارك لأهل مكة إنما هو عن وحي، لا عن مشاهدة للمخبر عنه، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك (١)، وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها, لتتلوها على أهل مكة، فتكون آية على صدقك، ولولا ذلك لما علمتها أنت، ولم تخبرهم بها. قال الزجاج: المعنى: إنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تُليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك.
٤٦ - ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الطُّور﴾؛ أي: بجانب الجبل المسمى بالطور ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾؛ أي: وقت ندائنا موسى ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، واستنبائنا إياه، وإرسالنا له إلى فرعون وقومه، والمراد (٢) جانب الطور الأيمن، كما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ ولم يذكره هنا احترازًا عن إيهام الذم، فإنه ﷺ لم يزل بالجانب الأيمن من الأزل إلى الأبد، ففيه إكرام له، وحسن عبارة معه.
وقيل معناه: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى ليلة المناجاة والتكليم، لما أتى الميقات مع السبعين، لأخذ التوراة، إذ قلنا له: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾.
стр. 9486
وقال وهب بن منبه (١): لما ذكر الله سبحانه فضل محمد وأمته قال موسى: يا رب أرنيهم، فقال الله: إنك لن تصل إلى ذلك، ولكن إن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم.
وقال ابن عباس: قال الله تعالى: "يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء والأرحام؛ أي: أرحام الأمهات، لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك، قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم قبل أن تستغفروني، ومن جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر".
وعلى ما قاله وهب يكون المنادى هو أمة محمد ﷺ ، فيكون معنى الآية: وما كنتَ يا محمد بجانب الطور إذ كلَّمْنا موسى، فنادينا أمتك ﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك بالقرآن العظيم الناطق بما ذكر ﴿رَحْمَةً﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: لأجل رحمة كائنة منا لك، وللناس.
وقال الأخفش (٢): هو منصوب، يعني رحمة على المصدر؛ أي: رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك، وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك، وقال الزجاج: هو مفعول لأجله؛ أي: فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة.
وقرأ الجمهور: ﴿رَحْمَةً﴾ بالنصب، فقُدِّر: ولكن جعلناك رحمة، وقُدِّر أعلمناك ونبأناك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: بالرفع، وقُدِّر: ولكن هو رحمة، أو أنت رحمة، و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ وتخوِّف بأس الله وعذابه بالقرآن ﴿قَوْمًا﴾ هم أهل مكة (٣)، متعلقة بالفعل المعلل بالرحمة، وجملة ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾؛ أي: لم يأتهم نذير ينذرهم من بأس
стр. 9487
الله، لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمس مئة وخمسون سنة، أو بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى مختصة ببني إسرائيل، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ويتعظون بإنذارك.
وتغيير الترتيب الوقوعي بين قضاء الأمر، والثواء في أهل مدين، والنداء، للتنبيه على أن كلًّا من ذلك برهان مستقل، على أن حكايته ﵇ للقصة بطريق الوحي الإلهي، ولو ذكر أولًا نفي ثوائه ﷺ في أهل مدين، ثم نفي حضوره ﷺ عند قضاء الأمر، كما هو الموافق للترتيب الوقوعي، لربما توهم أن الكل دليل واحد كما في "الإرشاد".
ثم من التذكير تجديد العهد الأزلي، وذلك بكلمة الشهادة، وهي سبب النجاة في الدارين.
واعلم (١): أن الله سبحانه لما بيَّن قصة موسى ﵇ لرسوله ﷺ جمع بين هذه الأحوال الثلاثة العظيمة، التي اتفقت لموسى، فالمراد بقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ هو إنزال التوراة عليه حتى تكامل دينه، واستقر شرعه.
والمراد بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أول أمر موسى، والمراد بقوله: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ ليلة المناجاة، فهذه أعظم أحوال موسى، ولما بيَّنها لرسوله، ولم يكن في هذه الأحوال حاضرًا بيَّن الله سبحانه أنه بعثه، وعرَّفه هذه الأحوال الدالة على نبوته ﷺ ، ومعجزته، كأنه قال: في إخبارك عن هذه الأشياء، من غير حضور ولا مشاهدة دلالة ظاهرة على نبوتك.
وحاصل معنى الآية (٢): أي وما كنت بجانب جبل الطور ليلة المناجاة، وتكليم الله موسى حتى تُحدث أخبارها، وتفصِّل أحوالها، حديث الخبير العليم ببواطن أمورها وظواهرها, ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بتلك الأخبار، وبغيرها مما فيه صلاح البشر وسعادتهم، في معاشهم ومعادهم، لتنذر قومًا لم يأتهم قبلك
стр. 9488
نذير، وتحذرهم بأس الله، وشديد عقابه على إشراكهم به، وعبادتهم الأوثان والأنداد، لعلهم يرجعون عن غيِّهم، ويتذكرون عظيم خطئهم، وكبير جرمهم، فينيبوا إلى ربهم، ويقروا بوحدانيته، ويفردوه بالعبادة دون سواه من الآلهة.
٤٧ - ثم ذكر الحكمة في إرسال الرسول ﷺ ، إليهم وأن في ذاك قطعًا لمعذرتهم، حتى إذا جاءهم بأسنا لم يجدوا حجة، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: أهل مكة، والمصيبة العقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بما اقترفوا من الكفر والمعاصي، وأسند (١) التقديم إلى الأيدي, لأنها أقوى ما يُزاول به الأعمال، وأكثر ما يُستعان به في الأفعال.
﴿فَيَقُولُوا﴾ عند رؤية العذاب، عطف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، داخل في حيِّز ﴿لَوْلَا﴾ الامتناعية، على أن مدار امتناع ما يُجاب به هو امتناعه، لا امتناع المعطوف عليه، وإنما ذُكر في حيِّزها للإيذان بأنه السبب الملجىء لهم إلى قولهم، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف، تقديره: ولولا قولهم: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ عند إصابة المصيبة إياهم، بسبب ما قدمت أيديهم في الدنيا موجود لما أرسلناك إليهم، أو لعاجلناهم بالعقوبة بسبب كفرهم، وكلمة ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا﴾ هي التحضيضية، بمعنى هلا، ﴿رَسُولًا﴾، مؤيدًا من عندك بالآيات، ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الظاهرة على يده، وهو جواب ﴿لَوْلَا﴾ الثانية ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بها، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ الأولى محذوف ثقة بدلالة الحال عليه.
والمعنى (٢): لولا قولهم هذا عند إصابة عقوبة جناياتهم التي قدموها ما أرسلناك، لكن لما كان قولهم ذلك محققًا لا محيد عنه، أرسلناك قطعًا لمعاذيرهم بالكلية، وإلزامًا للحجة عليهم.
وعبارة النسفي هنا: ﴿لَوْلَا﴾ الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، والفاء الأولى للعطف، والثانية جواب لولا التحضيضية، لكونها في
стр. 9489
حكم الأمر، إذ الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد. والفاء تدخل في جواب الأمر، والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عُوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولًا، محتجين علينا بذلك، لما أرسلنا إليهم رسولًا، يعني أن إرسال الرسول إليهم إنما هو ليلزموا الحجة، ولا يُلزموها كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
فإن قلت: كيف (١) استقام هذا المعنى، وقد جُعلت العقوبة هي السبب في الإرسال، لا القول، لدخول لولا الامتناعية عليها دونه؟.
قلت: القول هو المقصود بأن يكون سببًا للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت سببًا للقول، وكان وجوده بوجودها جُعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فأُدخلت عليها لولا، وجيء بالقول معطوفًا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤَوَّل معناها إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلناك إليهم رسولًا.
وحاصل معنى الآية (٢): أي ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك إليهم حين يحل بهم بأسنا، ويأتيهم عذابنا على كفرهم بربهم، واجتراحهم للمعاصي قبل أن نرسلك إليهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن يحل بنا سخطك، وينزل بنا عذابك، فنتبع أدلتك وآي كتابك التي تُنزلها عليه، ونكون من المؤمنين بألوهيتك، المصدقين برسولك .. لعاجلناهم العقوبة على شركهم، لكنا بعثناك إليهم نذيرًا ببأسنا، كما هو سنتنا في أمثالهم، كما جاء في الآية الكريمة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
والخلاصة: أنا أزحنا العذر، وأكملنا البيان، فبعثناك أيها الرسول إليهم، وقد حكمنا بأنا لا نُعاقب عبدًا إلا بعد إكمال البيان، والحجة، وبعثة الرسل.
٤٨ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾؛ أي: أهل مكة، وكفار العرب ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: القرآن،
стр. 9490
لقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾؛ أي: بأمرنا ووحينا، كما في "كشف الأسرار".
وقال ابن عباس ﵄: فلما جاءهم محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة تعنتًا واقتراحًا، قال بعضهم: قاله قريش بتعليم اليهود ﴿لَوْلَا﴾؛ أي: هلا ﴿أُوتِيَ﴾ محمد ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من الكتاب جملة لا مفرقًا.
قال بعض العلماء (١): حجبوا بكفرهم عن رؤية كماليته ﷺ ، وإلا لقالوا: لولا أوتي موسى مثل ما أوتي محمد من الكمالات؛ أي: فلما جاء محمد ﷺ هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله بالكتاب الكريم، وهم أهل مكة، قالوا تمردًا وعنادًا وتماديًا في الغي والضلال: هلا أُعطي محمد مثل ما أعطي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة، ومن قلب العصا حية، ومن اليد البيضاء، وتظليل الغمام وغير ذلك.
ثم ذكر أن هذه شنشنة المعاندين في كل زمان لا يريدون بما يقولون إظهار الحق، بل يقصدون التمادي والإنكار، ألا ترى أن من أرسل إليهم موسى قالوا مثل هذه المقالة، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيقولون ذلك، أعني قولهم: لولا أوتي مثل ما أوتي موسى؛ أي: أيقول كفار مكة ذلك ولم يكفروا ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ وأُعطي من الكتاب.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا القول، كما كفروا بهذا القرآن، فإن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوَّات، فلما طلبوا من محمد ﷺ معجزات موسى ﵇ رد الله تعالى عليهم بذلك القول, لأنه لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت.
ثم بين سبحانه كيفية كفرهم فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة هما