وقال وهب بن منبه (١): لما ذكر الله سبحانه فضل محمد وأمته قال موسى: يا رب أرنيهم، فقال الله: إنك لن تصل إلى ذلك، ولكن إن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم.
وقال ابن عباس: قال الله تعالى: "يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء والأرحام؛ أي: أرحام الأمهات، لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك، قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم قبل أن تستغفروني، ومن جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر".
وعلى ما قاله وهب يكون المنادى هو أمة محمد ﷺ ، فيكون معنى الآية: وما كنتَ يا محمد بجانب الطور إذ كلَّمْنا موسى، فنادينا أمتك ﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك بالقرآن العظيم الناطق بما ذكر ﴿رَحْمَةً﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: لأجل رحمة كائنة منا لك، وللناس.
وقال الأخفش (٢): هو منصوب، يعني رحمة على المصدر؛ أي: رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك، وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك، وقال الزجاج: هو مفعول لأجله؛ أي: فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة.
وقرأ الجمهور: ﴿رَحْمَةً﴾ بالنصب، فقُدِّر: ولكن جعلناك رحمة، وقُدِّر أعلمناك ونبأناك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: بالرفع، وقُدِّر: ولكن هو رحمة، أو أنت رحمة، و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ وتخوِّف بأس الله وعذابه بالقرآن ﴿قَوْمًا﴾ هم أهل مكة (٣)، متعلقة بالفعل المعلل بالرحمة، وجملة ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾؛ أي: لم يأتهم نذير ينذرهم من بأس
стр. 9487
الله، لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمس مئة وخمسون سنة، أو بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى مختصة ببني إسرائيل، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ويتعظون بإنذارك.
وتغيير الترتيب الوقوعي بين قضاء الأمر، والثواء في أهل مدين، والنداء، للتنبيه على أن كلًّا من ذلك برهان مستقل، على أن حكايته ﵇ للقصة بطريق الوحي الإلهي، ولو ذكر أولًا نفي ثوائه ﷺ في أهل مدين، ثم نفي حضوره ﷺ عند قضاء الأمر، كما هو الموافق للترتيب الوقوعي، لربما توهم أن الكل دليل واحد كما في "الإرشاد".
ثم من التذكير تجديد العهد الأزلي، وذلك بكلمة الشهادة، وهي سبب النجاة في الدارين.
واعلم (١): أن الله سبحانه لما بيَّن قصة موسى ﵇ لرسوله ﷺ جمع بين هذه الأحوال الثلاثة العظيمة، التي اتفقت لموسى، فالمراد بقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ هو إنزال التوراة عليه حتى تكامل دينه، واستقر شرعه.
والمراد بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أول أمر موسى، والمراد بقوله: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ ليلة المناجاة، فهذه أعظم أحوال موسى، ولما بيَّنها لرسوله، ولم يكن في هذه الأحوال حاضرًا بيَّن الله سبحانه أنه بعثه، وعرَّفه هذه الأحوال الدالة على نبوته ﷺ ، ومعجزته، كأنه قال: في إخبارك عن هذه الأشياء، من غير حضور ولا مشاهدة دلالة ظاهرة على نبوتك.
وحاصل معنى الآية (٢): أي وما كنت بجانب جبل الطور ليلة المناجاة، وتكليم الله موسى حتى تُحدث أخبارها، وتفصِّل أحوالها، حديث الخبير العليم ببواطن أمورها وظواهرها, ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بتلك الأخبار، وبغيرها مما فيه صلاح البشر وسعادتهم، في معاشهم ومعادهم، لتنذر قومًا لم يأتهم قبلك
стр. 9488
نذير، وتحذرهم بأس الله، وشديد عقابه على إشراكهم به، وعبادتهم الأوثان والأنداد، لعلهم يرجعون عن غيِّهم، ويتذكرون عظيم خطئهم، وكبير جرمهم، فينيبوا إلى ربهم، ويقروا بوحدانيته، ويفردوه بالعبادة دون سواه من الآلهة.
٤٧ - ثم ذكر الحكمة في إرسال الرسول ﷺ ، إليهم وأن في ذاك قطعًا لمعذرتهم، حتى إذا جاءهم بأسنا لم يجدوا حجة، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: أهل مكة، والمصيبة العقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بما اقترفوا من الكفر والمعاصي، وأسند (١) التقديم إلى الأيدي, لأنها أقوى ما يُزاول به الأعمال، وأكثر ما يُستعان به في الأفعال.
﴿فَيَقُولُوا﴾ عند رؤية العذاب، عطف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، داخل في حيِّز ﴿لَوْلَا﴾ الامتناعية، على أن مدار امتناع ما يُجاب به هو امتناعه، لا امتناع المعطوف عليه، وإنما ذُكر في حيِّزها للإيذان بأنه السبب الملجىء لهم إلى قولهم، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف، تقديره: ولولا قولهم: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ عند إصابة المصيبة إياهم، بسبب ما قدمت أيديهم في الدنيا موجود لما أرسلناك إليهم، أو لعاجلناهم بالعقوبة بسبب كفرهم، وكلمة ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا﴾ هي التحضيضية، بمعنى هلا، ﴿رَسُولًا﴾، مؤيدًا من عندك بالآيات، ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الظاهرة على يده، وهو جواب ﴿لَوْلَا﴾ الثانية ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بها، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ الأولى محذوف ثقة بدلالة الحال عليه.
والمعنى (٢): لولا قولهم هذا عند إصابة عقوبة جناياتهم التي قدموها ما أرسلناك، لكن لما كان قولهم ذلك محققًا لا محيد عنه، أرسلناك قطعًا لمعاذيرهم بالكلية، وإلزامًا للحجة عليهم.
وعبارة النسفي هنا: ﴿لَوْلَا﴾ الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، والفاء الأولى للعطف، والثانية جواب لولا التحضيضية، لكونها في
стр. 9489
حكم الأمر، إذ الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد. والفاء تدخل في جواب الأمر، والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عُوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولًا، محتجين علينا بذلك، لما أرسلنا إليهم رسولًا، يعني أن إرسال الرسول إليهم إنما هو ليلزموا الحجة، ولا يُلزموها كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
فإن قلت: كيف (١) استقام هذا المعنى، وقد جُعلت العقوبة هي السبب في الإرسال، لا القول، لدخول لولا الامتناعية عليها دونه؟.
قلت: القول هو المقصود بأن يكون سببًا للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت سببًا للقول، وكان وجوده بوجودها جُعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فأُدخلت عليها لولا، وجيء بالقول معطوفًا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤَوَّل معناها إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلناك إليهم رسولًا.
وحاصل معنى الآية (٢): أي ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك إليهم حين يحل بهم بأسنا، ويأتيهم عذابنا على كفرهم بربهم، واجتراحهم للمعاصي قبل أن نرسلك إليهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن يحل بنا سخطك، وينزل بنا عذابك، فنتبع أدلتك وآي كتابك التي تُنزلها عليه، ونكون من المؤمنين بألوهيتك، المصدقين برسولك .. لعاجلناهم العقوبة على شركهم، لكنا بعثناك إليهم نذيرًا ببأسنا، كما هو سنتنا في أمثالهم، كما جاء في الآية الكريمة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
والخلاصة: أنا أزحنا العذر، وأكملنا البيان، فبعثناك أيها الرسول إليهم، وقد حكمنا بأنا لا نُعاقب عبدًا إلا بعد إكمال البيان، والحجة، وبعثة الرسل.
٤٨ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾؛ أي: أهل مكة، وكفار العرب ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: القرآن،
стр. 9490
لقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾؛ أي: بأمرنا ووحينا، كما في "كشف الأسرار".
وقال ابن عباس ﵄: فلما جاءهم محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة تعنتًا واقتراحًا، قال بعضهم: قاله قريش بتعليم اليهود ﴿لَوْلَا﴾؛ أي: هلا ﴿أُوتِيَ﴾ محمد ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من الكتاب جملة لا مفرقًا.
قال بعض العلماء (١): حجبوا بكفرهم عن رؤية كماليته ﷺ ، وإلا لقالوا: لولا أوتي موسى مثل ما أوتي محمد من الكمالات؛ أي: فلما جاء محمد ﷺ هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله بالكتاب الكريم، وهم أهل مكة، قالوا تمردًا وعنادًا وتماديًا في الغي والضلال: هلا أُعطي محمد مثل ما أعطي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة، ومن قلب العصا حية، ومن اليد البيضاء، وتظليل الغمام وغير ذلك.
ثم ذكر أن هذه شنشنة المعاندين في كل زمان لا يريدون بما يقولون إظهار الحق، بل يقصدون التمادي والإنكار، ألا ترى أن من أرسل إليهم موسى قالوا مثل هذه المقالة، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيقولون ذلك، أعني قولهم: لولا أوتي مثل ما أوتي موسى؛ أي: أيقول كفار مكة ذلك ولم يكفروا ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ وأُعطي من الكتاب.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا القول، كما كفروا بهذا القرآن، فإن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوَّات، فلما طلبوا من محمد ﷺ معجزات موسى ﵇ رد الله تعالى عليهم بذلك القول, لأنه لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت.
ثم بين سبحانه كيفية كفرهم فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال كفار مكة هما
стр. 9491
﴿سِحْرَانِ﴾؛ أي: ما أوتي محمد، وما أوتي موسى ﵉ سحران ﴿تَظَاهَرَا﴾؛ أي: تعاونا بتصديق كل منهما الآخر، وذلك أن قريشًا بعثوا رهطًا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم، فسألوهم عن شأنه ﷺ ، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود، قالوا: إن موسى ساحر كما أن محمدًا ساحر.
﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: كفار مكة ﴿إِنَّا بِكُلّ﴾؛ أي: بكل واحد من الكتابين ﴿كَافِرُونَ﴾؛ أي: منكرون، والمعنى: إنا بكل من السحرين، أو بكل من الساحرين كافرون، على اختلاف القراءة فيه.
وقرأ الجمهور وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿ساحران﴾ بصيغة اسم الفاعل، وفيمن عنوا به ثلاثة أقوال (١):
أحدها: موسى ومحمد، قاله: ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير، فعلى هذا هو من قول مشركي العرب.
والثاني: موسى وهارون، قاله مجاهد، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة.
والثالث: محمد وعيسى، قاله قتادة. قال ابن كثير: وهذا فيه بُعدٌ, لأن عيسى لم يجر له ذكرها هنا، وعلى هذا هو من قول اليهود، الذين لم يؤمنوا بنبينا.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وعبد الله وزيد بن علي ﴿سِحْرَانِ﴾ بكسر السين وسكون الحاء. وفيه ثلاثة أقوال أيضًا:
أحدها: التوراة والقرآن، قاله ابن عباس والسدي.
والثاني: الإنجيل والقرآن، قاله قتادة.
والثالث: التوراة والإنجيل، قاله أبو مجلز وإسماعيل بن أبي خالد، ومعنى
стр. 9492
الكلام: كل منهما سحر يقوي الآخر، فنسب التظاهر إلى السحرين. توسعًا في الكلام.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تَظَاهَرَا﴾ فعلًا ماضيًا على وزن تفاعل. وقرأ طلحة والأعمش: ﴿أظَّاهرا﴾ بهمزة الوصل، وشدِّ الظاء، وكذا هي في حرف عبد الله، وأصله تظاهرًا، فادغم التاء في الظاء فاجتلبت همزة الوصل، لأجل سكون التاء المدغمة، وقرأ محبوب عن الحسن ويحيى بن الحراث الذماري وأبو حيوة وأبو خلا عن اليزيدي: ﴿تظاهرًا﴾ بالتاء وتشديد الظاء، وقال ابن خالويه: وتشديده لحق؛ لأنه فعل ماض، وإنما يشدد في المضارع.
وقال بعضهم: المعنى (٢): أولم يكفر أبناء جنسهم في الرأي والمذهب وهم القبط، بما أوتي موسى من قبل القرآن، قالوا: إن موسى وهارون سحران؛ أي: ساحران تظاهرا، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، يقول الفقير: إنه وإن صح إسناد الكفر إلى أبناء الجنس، من حيث إن ملل الكفر واحدة في الحقيقة، فكُفْر ملة واحدة بشيء في حكم كفر الملل الأخرى به، كما أسند أفعال الآباء إلى الأبناء من حيث رضاهم بما فعلوا لكن يلزم على هذا أن يخص ما أوتي موسى بما عدا الكتاب من الخوارق، فإن إيتاء الكتاب إنما كان بعد إهلاك القبط.
فالمعنى الأول هو الذي يستدعيه جزالة النظم الكريم، ويدل عليه صريحًا قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...﴾ الآية.
٤٩ - ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يتحدى قومه، بأن يأتوا بكتاب أهدى للبشر، وأصلح لحالهم في المعاش والمعاد من التوراة والقرآن، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الكفار الذين يقولون هذا القول تعجيزًا لهم، وتوبيخًا ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ﴾ سبحانه ﴿هُوَ﴾؛ أي: ذلك الكتاب ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أكثر هداية للبشر وأصلح لهم ﴿مِنْهُمَا﴾؛ أي: مما أوتياه من التوراة والقرآن؛ أي: إذا لم تؤمنوا بهذين الكتابين، وقلتم فيهما ما قلتم فأتوا بكتاب من عند الله هو أوضح
стр. 9493
في هداية الخلق منهما.
﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جواب الأمر؛ أي: فإن أتيتم بذلك الأهدى، وجئتم به فإني لأتركهما وأتبع ما تجيئون به، ومثل هذا الشرط يقوله من وضحت حجته وسنحت محجته؛ لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بيِّن الاستحالة، فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإفحام والتعجيز المشوب بالتوبيخ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن التوراة والقرآن سحران مختلفان، وفي إيراد كلمة ﴿إِنْ﴾ مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم، وفيه أيضًا دليل على أن قراءة الكوفيين: ﴿سحران﴾ أقوى من قراءة الجمهور, لأنه رجع الكلام إلى الكتابين، لا إلى الرسولين، ومعنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: إن كنتم فيما وصفتم به الكتابين أو الرسولين صادقين جادين.
وقرأ زيد بن علي برفع (١): ﴿أتبعه﴾ على الاستئناف؛ أي: فأنا أتبعه، قال الفراء: إنه على هذه القراءة صفة للكتاب.
٥٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾؛ أي: فإن لم يستجب لك يا محمد هؤلاء الكفرة دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، ولن يستجيبوا، كقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فحذف المفعول به، وهو دعاؤك للعلم به، ولأن فعل الاستجابة يتعدى بنفسه إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي، فإذا عدي إليه حذف الدعاء غالبًا. كقوله:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيْبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِيْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيْبُ
أي: فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين، وجواب الشرِط قوله: ﴿فَاعْلَمْ﴾ يا محمد ﴿إنَّمَا يَتَّبِعُونَ﴾؛ أي: إنما يتبع هؤلاء الكفرة ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: آراءهم الزائغة واستحساناتهم الزائفة، واختراعاتهم الفاسدة، بلا حجة ولا برهان، إذ لو كان لهم ذلك لأتوا به.
стр. 9494
وقيل المعنى: فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به، والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ إنكاري، بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أضل ﴿مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ومشتهاه في الدين ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾ وبيان وحجة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ سبحانه، بل هو الفرد الكامل في الضلال، وتقييد اتباع الهوى بعدم الهدى من الله لزيادة التقرير، والإشباع في التشنيع والتضليل، وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة. وقال بعضهم: هوى النفس قد يوافق الحق، فلذا قيَّد الهوى به، فيكون في موضع الحال منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿لَا يَهْدِي﴾ ولا يرشد إلى دينه ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين.
وينبغي للعاقل أن يكون من أهل الهدى، لا من أهل الهوى، وإذا عرض له أمران فلم يدر أيهما أصوب فعليه بما يكرهه، لا بما يهواه، ففي حمل النفس على ما تكرهه مجاهدة، وأكثر الخير في الكراهية والعمل بما أشار إليه العقل السليم واللب الخالص.
والمعنى: أن الله سبحانه لا يوفِّق لإصابة الحق، واتباع سبيل الرشد من خالفوا أمره، وتركوا طاعته، وكذبوا رسله، وبدلوا عهده، واتبعوا هوى أنفسهم إيثارًا منهم لطاعة الشيطان على طاعة الرحمن.
٥١ - ولما أثبت نبوة محمد ﷺ بيَّن الحكمة في إنزال القرآن منجمًا, فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾، قرأ الجمهور ﴿وَصَّلْنَا﴾ مشدد الصاد، والحسن وأبو المتوكل وابن يعمر: بتخفيفها، والضمير في ﴿لَهُمُ﴾ لقريش، والتوصيل مبالغة في الوصل، وحقيقة الوصل رفع الحائل بين الشيئين؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أكثرنا لقريش القول موصولًا بعضه ببعض، بأن أنزلنا عليهم القرآن آية بعد آية، وسورة بعد سورة، حسبما تقتضيه الحكمة، ليتصل التذكير، ويكون أدعى لهم؛ أي: أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضًا، ويُخبر عن الأمم الخالية كيف عذبوا ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ويتعظون فيؤمنون.
стр. 9495
والمعنى: أي ولقد نزلنا عليهم القرآن متواصلًا بعضه إثر بعض على ما تقتضيه الحكمة البالغة، وترشد إليه المصلحة العامة، وهي أن يكون أقرب إلى التذكير والتنبيه، فهم في كل يوم يطلعون فيه على حكمة جديدة وفائدة زائدة، فيكون ذلك أدعى إلى إيمانهم ورسوخه في نفوسهم، وامتلاء قلوبهم نورًا به، أو تابعنا لهم المواعظ والزواجر، وبيَّنا لهم ما أهلكنا من القرون قرنًا بعد قرن، فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، وقوم هود بكذا، وقوم صالح بكذا، لعلهم يتعظون فيخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم.
٥٢ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ وأعطيناهم ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوارة والإنجيل. والمراد بالكتاب الجنس الصادق بالكتابين، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل إيتاء القرآن، أو من قبل محمد ﷺ . والموصول مبتدأ خبره جملة قوله: ﴿هُمْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون كونه من عند الله سبحانه؛ أي: الذين آمنوا بالتوراة والإنجيل من أهل الكتاب، ثم أدركوا محمدًا ﷺ ، كعبد الله بن سلام وأضرابه، هم يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم قد وجدوا في كتبهم البشرى به، وانطباق الأوصاف عليه. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
٥٣ - ثم بيَّن ما أوجب إيمانهم به بقوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ هذا القرآن ﴿عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صدَّقنا بأنه كلام الله سبحانه، وقالوا: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ الذي نزل ﴿مِنْ﴾ عند ﴿رَبِّنَا﴾ حقًا و ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل نزوله وقراءته علينا ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: مخلصين لله بالتوحيد، مؤمنين بمحمد ﷺ ، أنه نبي حق؛ أي: وإذا تُلي هذا القرآن عليهم قالوا: صدقنا بأنه نزل من عند ربنا حقًا، وقد كنا مصدقين به قبل نزوله, لأنا وجدنا في كتبنا نعت محمد، ونعت كتابه. وفي هذا إيماء إلى أن إيمانهم به أمر متقادم العهد، لما شاهدوا ذكره في الكتب المتقدمة، وأنهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن.
٥٤ - والإشارة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصوفين بتلك الصفات، أي: أولئك
стр. 9496
الموصوفون بما ذكر من النعوت ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يعطون ثوابهم في الآخرة ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن، أو بإيمانهم بنبينهم أولًا، وبإيمانهم بمحمد ﷺ ، أو بإيمانهم بمحمد قبل بعثته وبعد بعثته. والباء في قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ للسببية أي: بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمانين، والعمل بالشريعتين.
وفي "التأويلات النجمية" (١): على مخالفة هواهم، وموافقة أوامر الشرع ونواهيه، وفي الحديث: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل كانت له جارية، فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم تزوجها فله أجره مرتين، وعبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل آمن بالكتاب الأول، ثم آمن بالقرآن، فله أجره مرتين" متفق عليه.
﴿وَيَدْرَءُونَ﴾؛ أي: يدفعون ﴿بـ﴾ ـالخصلة ﴿الْحَسَنَةِ﴾ وبالطاعة الخصلة ﴿السَّيِّئَةَ﴾؛ أي: القبيحة والمعصية، أو بالقول الحسن القول القبيح، أو بالاحتمال والصفح ما يلاقونه من الأذى. وقيل بالتوبة والاستغفار الذنوبَ. وقيل: بشهادة أن لا إله إلا الله الشركَ.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: وينفقدن مما أعطاهم الله من فضله من المال الحلال النفقات الواجبة لأهلهم، وذوي قرباهم، ويؤدون الزكاة المفروضة عليهم، ويساعدون البائسين وذوي الخصاصة المعوزين.
٥٥ - ثم مدحهم سبحانه بإعراضهم عن اللغو فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾؛ أي: ما لا ينفع في دين ودنيا ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: عن اللغو ﴿وَقَالُوا﴾ لِلَّاغين ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾ من الحلم والصفح ونحوهما ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ من اللغو والسفاهة وغيرهما، فكل مطالب بعمله، فلا يلحقنا من ضرر كفركم شيء، ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء ﴿سَلَامٌ﴾ وأمنة منا، وبراءة من ضررنا عليكم، فلا نقابلكم بمثل ما فعلتم بنا, ولا نجازيكم عليه, لأن المراد بالسلام هنا سلام متاركة وإعراض عن
стр. 9497
سوءهم، لا سلام تحية وإكرام.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾؛ أي: لا نطلب صحبتهم، ولا نريد مخالطتهم ومخاطبتهم، والتخلق بأخلاقهم، ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم، فإن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون: تبًا لكم تركتم دينكم، فيُعرضون، ولا يردون عليهم، قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، وقال صاحب "الروح": وحكم الآية وإن كان منسوخًا بآية السيف إلا أنَّ فيها حثًا على مكارم الأخلاق.
وفي الحديث: "ثلاث من لم يكنَّ فيه فلا يعتد بعلمه، حلم يرد به جهل جاهل، وورع يحجز عن معاصي الله، وحسن خلق يعيش به في الناس". وما أحسن قول بعضهم:
إِذَا رَأَيْتَ أَثِيْمَا ... كُنْ سَاتِرًا وَحَلِيْمَا
يَا مَنْ يُقَبِّحُ لَغْوِيْ ... لِمْ لَا تَمُرُّ كَرِيْمَا
والمعنى (١): أي وإذا سمعوا ما لا ينفع في دين ولا دنيا من السب والشتائم، وتكذيب الرسول .. أعرضوا عن قائليه، ولم يخالطوهم، وإذا سفه عليهم سفيه، وكلمهم بما لا ينبغي رده من القول .. لم يقابلوه بمثله، إذ لا يصدر منهم إلا طيب الكلام، وقالوا: لنا أعمالنا، لا تثابون على شيء منها, ولا تعاقبون، ولكم أعمالكم لا نطالب بشيء منها، فنحن لا نشغل أنفسنا بالرد عليكم، سلام عليهم، سلام متاركة وتوديع، فإنا لا نريد طريق الجاهلين، ومثل الآية، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
روى محمد بن إسحاق أنه قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلًا أو يزيدون من نصارى الحبشة، حين بلغهم خبره، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه، وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلته عما أرادوا دعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت
стр. 9498
أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم، لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما رأينا ركبًا أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه.
واعلم: أن اللغو عند أهل المعرفة كل ما يشغلك عن العبادة وذكر الحق، وكل كلام بغير خطاب الحال والواقعة، وطلب ما سوى الله .
الإعراب
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة، ﴿سَنَشُدّ﴾ ﴿السين﴾: حرف استقبال لتأكيد معنى الفعل، ﴿نشد﴾: فعل وفاعل مستتر، ﴿عَضُدَكَ﴾: مفعول به، ﴿بِأَخِيكَ﴾ متعلق بـ ﴿نشد﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَنَجْعَلُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر معطوف على ﴿نشد﴾، ﴿لَكُمَا﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾، ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول أول له، ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَصِلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوت على ﴿نجعل﴾، ﴿إِلَيْكُمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَصِلُونَ﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: إما متعلق بـ ﴿نجعل﴾، أو بـ ﴿يَصِلُونَ﴾، أو بمحذوف، تقديره: اذهبا، أو بسلطاننا؛ أي: نسلطكما بآياتنا، أو بمحذوف حال، أو من لغو القسم، ولا أرى موجبًا لترجيح بعضهم على بعض. فاختر منها ما ترى ترجيحه. ﴿أَنْتُمَا﴾: مبتدأ، ﴿وَمَنِ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على ﴿أَنْتُمَا﴾، ﴿اتَّبَعَكُمَا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿الْغَالِبُونَ﴾: خبر ﴿أَنْتُمَا﴾ وما عطف عليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
стр. 9499
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فجاءهم موسى بآياتنا فلما جاءهم قال إلخ، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿جَاءَهُمْ مُوسَى﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاء﴾، أو بمحذوف حال من ﴿مُوسَى﴾، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: حال من ﴿آياتنا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿سِحْرٌ﴾: خبر المبتدأ، ﴿مُفْتَرًى﴾: صفة ﴿سِحْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿سَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهَذَا﴾ متعلق بـ ﴿سَمِعْنَا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية في قوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾، ﴿فِي آبَائِنَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿هَذَا﴾؛ أي: حال كونه كائنًا في آبائنا، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ صفة لـ ﴿آبَائِنَا﴾. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالُوا﴾، ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿بِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قَالَ)، ﴿جَاءَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿بِالْهُدَى﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الهدى﴾، ﴿وَمَنْ﴾ اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿من﴾ الأولى، ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم لـ ﴿تَكُونُ﴾، ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى
стр. 9500
الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: وجمع فرعون السحرة وقال، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على تلك الجملة المحذوفة، ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿الْمَلَأُ﴾: بدل من ﴿أي﴾، أو عطف بيان منه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿ما﴾: نافية، ﴿عَلِمْتُ﴾: فعل وفاعل، ﴿لَكُمْ﴾: حال من ﴿إِلَهٍ﴾، لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿إِلَهٍ﴾: مفعول به، ﴿غَيْرِي﴾: صفة لـ ﴿إِلَهٍ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: على كونها جواب النداء. ﴿فَأَوْقِدْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أوقد﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿هَامَانُ﴾. ﴿لِي﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ﴾، ﴿يَا هَامَانُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَاجْعَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿اجعل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿أوقد﴾، ﴿عَلَى الطِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْقِدْ﴾، ﴿لِي﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿اجعل﴾، ﴿صَرْحًا﴾: مفعول أول له. ﴿لَعَلِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَطَّلِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَطَّلِعُ﴾؛ ﴿وَإِنِّي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إني﴾ ناصب واسمه، ﴿لَأَظُنُّهُ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿أظنه﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر ومفعول أول، ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني، وجملة ﴿أظن﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لعل﴾.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿استكبر﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود
стр. 9501
على ﴿فرعون﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿وقال فرعون﴾، ﴿هو﴾: تأكيد لضمير الفاعل المستتر في ﴿اسستكبر﴾ يعطف عليه ما بعده، ﴿وَجُنُودَهُ﴾: معطوف على الفاعل المستتر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿استكبر﴾، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿استكبر﴾ وما عطف عليه؛ أي: متلبسين بغير الحق. ﴿وَظَنُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿استكبر﴾، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿إِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿يُرْجَعُونَ﴾، وجملة ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿ظن﴾، تقديره: وظنوا عدم رجوعهم إلينا. ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أخذناه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿استكبر﴾، ﴿وَجُنُودَهُ﴾: معطوف على مفعول ﴿أخذنا﴾، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به معطوف على ﴿أخذناه﴾، ﴿فِي الْيَمِّ﴾ متعلق بـ ﴿نبذناهم﴾، ﴿فَانْظُرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت التعجب من شأنهم فأقول لك انظر، ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام للتعجب في محل النصب خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: اسمها ومضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب ساد مسد مفعول ﴿انظر﴾؛ لأن الاستفهام علقه عن العمل فيما بعده.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جعلناهم أئمة﴾: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿نبذناهم﴾؛ ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَى النَّارِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿أَئِمَّةً﴾، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿يوم القيامة﴾: متعلق بـ ﴿يُنْصَرُونَ﴾، وجملة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَدْعُونَ﴾. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ ﴿فِي هَذِهِ﴾: جار ومجرور حال من
стр. 9502
ضمير المفعول، ﴿الدُّنْيَا﴾ بدل من اسم الإشارة، ﴿لَعْنَةً﴾: مفعول ثان، ﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ إن قلنا: إن أل فيه معرفة، أو بمحذوف دل عليه قوله: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ إن قلنا: إن أل فيه موصولة، تقديره: وقبحوا يوم القيامة، وإنما قدرنا محذوفًا لأن تعلقه بـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ - وهو الظاهر - يمنع منه وجود أن الموصولة فيه, لأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، على أنهم قد اتسعوا في الظروف والمجرورات ﴿هم﴾: مبتدأ، ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لقد﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان, لأن ﴿أتى﴾ هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آتَيْنَا﴾، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿الْأُولَى﴾: صفة لـ ﴿الْقُرُونَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد إهلاكنا القرون الأولى، ﴿بَصَائِرَ﴾: حال من ﴿الْكِتَابَ﴾، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: ذا بصائر، أو جعله نفس البصائر مبالغة، أو مفعول لأجله، ﴿لَلنَاسِ﴾: جار ومجرور نعت لـ ﴿بصائر﴾، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: معطوفان على ﴿بَصَائِرَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الإيتاء.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِجَانِبِ﴾: جار ومجرور خبر كان، ﴿الْغَرْبِيِّ﴾: مضاف إليه، وهو على حذف
стр. 9503
الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: بجانب الجبل الغربي، حيث ناجى موسى ربه، فتخبر الناس تلك القصة، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله، ﴿قَضَيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَى مُوسَى﴾ متعلق بـ ﴿قَضَيْنَا﴾، ﴿الْأَمْرَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿كان﴾ الأولى، والأمر المقضي هو الوحي الذي أوحي إليه.
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾.
﴿وَلَكِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكنا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنْشَأْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿قُرُونًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾، ﴿فَتَطَاوَلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿تطاول﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿تطاول﴾، ﴿الْعُمُرُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْشَأْنَا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنْتَ ثَاوِيًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ثَاوِيًا﴾، و ﴿مَدْيَنَ﴾ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، والجملة معطوفة على جملة ﴿كان﴾ الأولى، ﴿تَتْلُو﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَتْلُو﴾، ﴿آيَاتِنَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿ثَاوِيًا﴾، أو خبر ثان لـ ﴿كان﴾. ﴿وَلَكِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُرْسِلِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِجَانِبِ الطُّورِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر ﴿كان﴾، وجملة
стр. 9504
﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿كان﴾ الأولى، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله، ﴿نَادَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه, ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك مهمل؛ لأنها مخففة، ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول لأجله لفعل محذوف، تقديره: ولكن أرسلناك رحمة، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿لِتُنْذِرَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تنذر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿تنذر﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولكن أرسلناك لإنذارك قومًا، وإنما جر باللام لاختلاف الفاعل، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿أَتَاهُمْ﴾: فعل ومفعول به، ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿نَذِيرٍ﴾: فاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: صفة ﴿نَذِيرٍ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الإنذار.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿تُصِيبَهُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿مُصِيبَةٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبًا، تقديره: ولولا إصابة المصيبة إياهم موجود، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف أيضًا، تقديره: لما أرسلناك رسولًا، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ مع جوابها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو معطوفة على ما قبلها، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما قدمته أيديهم. ﴿فَيَقُولُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يقولوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾: منصوب بحذف النون، ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب
стр. 9505
مقول لـ ﴿يقولوا﴾، ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا، ﴿أَرْسَلْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق به، ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يقولوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿نتبع﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التحضيض، ﴿آيَاتِكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَنَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص، معطوف على ﴿نتبع﴾، واسمها ضمير مستتر يعود على المتكلمين، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿نكون﴾، وجملة ﴿نكون﴾ معطوف على جملة ﴿نتبع﴾، وجملة ﴿نتبع﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: هلا إرسالك إلينا رسولًا، فاتباعنا آياتك، فكوننا من المؤمنين.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فجاءهم الحق من عندنا فلما جاءهم الحق، ﴿لمّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاء﴾، أو حال من ﴿الْحَقُّ﴾، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا، ﴿أُوتِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود علي محمد، ﴿مِثْلَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُوتِيَ﴾، وهو مضاف، و ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿أُوتِيَ مُوسَى﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مثل ما أوتيه موسى. ﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيقول أهل مكة ذلك، ﴿لم﴾: حرف جزم ونفي، ﴿يَكْفُرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾،
стр. 9506
﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أُوتِيَ مُوسَى﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما أوتيه موسى، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُوتِيَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جملة مفسرة لكفرهم لا محل لها من الإعراب، ﴿سِحْرَانِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هما؛ أي: التوراة والقرآن، أو موسى ومحمد ﵉ سحران، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿تَظَاهَرَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿سِحْرَانِ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالُوا﴾ الأول، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿بِكُلٍّ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، و ﴿كَافِرُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿فَأْتُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلتم هذان سحران تظاهرا، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم ائتوا، ﴿أئتوا﴾: فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، ﴿بِكِتَابٍ﴾ متعلق به، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿كتاب﴾؛ أي: بكتاب كائن من عند الله تعالى، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿هُوَ أَهْدَى﴾: مبتدأ وخبر، ﴿مِنْهُمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَهْدَى﴾، والجملة الاسمية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿كتاب﴾، ﴿أَتَّبِعْهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، مجزوم بالطلب السابق، والجملة الفعلية جملة جوابية لا محل لها من الإعراب، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإن، الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿صَادِقِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجواب إن الشرطية معلوم مما قبلها،
стр. 9507
تقديره: إن كنتم صادقين فاتوا بكتاب من عند الله، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَإنِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فإن أجابوا لك إلى ما طلبته منهم، ولن يجيبوا فالأمر واضح، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف النون، ﴿لَكَ﴾: متعلق به، ﴿فَاعْلَمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، ﴿اعلم﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ولكنها كفت عن العمل فيما بعدها بـ ﴿ما﴾ الزائدة، ﴿ما﴾: كافة لكفِّها ما قبلها عن العمل فيما بعدها، أو يقال: أنما أداة حصر، ﴿يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية سادة مسد مفعولي ﴿اعلم﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَن﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَضَلُّ﴾: خبره، ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَضَلُّ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الشرطية، أو مستأنفة، ﴿اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة ﴿مِنَ﴾ الموصولة، ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿اتَّبَعَ﴾، أو من مفعوله، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿هُدًى﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ خبره، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿وَصَّلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿وَصَّلْنَا﴾، ﴿الْقَوْلَ﴾: مفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة،
стр. 9508
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول, ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: حال من ﴿الْكِتَابَ﴾، أو متعلق بـ ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ثان، ﴿بِهِ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة الثاني مع خبره: خبر للأول، وجملة الأولى مع خبره مستأنفة. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿يُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على القرآن، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُتْلَى﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ على كونها خبر المبتدأ، ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْحَقُّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل الإيمان به، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: حال من ﴿مُسْلِمِينَ﴾، ﴿مُسْلِمِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّا﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لبيان أن إيمانهم ليس بدعًا ولا مستحدثًا، وإنما هو أمر متقادم العهد. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿يُؤْتَوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿أَجْرَهُمْ﴾: مفعول ثان لأتى, لأنه بمعنى أعطى، ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: منصوب على المصدرية؛ أي: إيتاءين، أو على الظرفية؛ أي: في وقتين، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: بسبب صبرهم الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤْتَوْنَ﴾. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾: متعلق بـ ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾، ﴿السَّيِّئَةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿يُؤْتَوْنَ﴾، ﴿وَمِمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مما﴾: متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: مما
стр. 9509
رزقناهموه، ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَدْرَءُونَ﴾.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿أَعْرَضُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَعْرَضُوا﴾، ﴿لَنَا﴾: خبر مقدم، ﴿أَعْمَالُنَا﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، معطوف على ما قبله، ﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة كونه في الأصل دعاء، أو وصفه بمحذوف، تقديره: منا، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿نَبْتَغِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿الْجَاهِلِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المتكلمين في قوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾؛ أي: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، أو سلام منا عليكم، حالة كوننا لا نطلب صحبة الجاهلين ومعاشرتهم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ العضد ما بين المرفق والكتف، وفي "إعراب القرآن": العَضُد بفتح العين وضم الضاد، وبالضم وبالكسر: غليظ الذراع، وهو من المرفق إلى الكتف، جمعه أعضاد وأعضد، وهو قوام اليد، وبشدته تشتد اليد، والمراد بشد العضد التقوية والإعانة، ﴿سُلْطَانًا﴾ والسلطان: التسلط والغلبة، ﴿مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلق لم يفعل قبل هذا الوقت مثله، أو تعلمته ثم افتريته على الله، اهـ "أبو السعود".
﴿عَلَى الطِّينِ﴾ والطين هو التراب والماء المختلط؛ أي: أوقد لي على الطين
стр. 9510
بعد جعله لبنًا فتكون آجرًا، ﴿أَطَّلِعُ﴾؛ أي: أصعد وأرتقي، والطلوع والاطلاع الصعود، يقال: طلع الجبل واطلع بمعنى، وان نفسك لطلعة إلى هذا الأمر، وإنها لتطلع إليه؛ أي: تُنازع.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ والاستكبار إظهار الكبر باطلًا، بخلاف التكبر، فإنه أعم، والكبر ظن الإنسان أنه أكبر من غيره، ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: لا يُردون بالبعث للجزاء، من رُجع رجعًا، إذا رُد وصُرف، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ أي: فطرحناهم، قال الراغب: النبذ إلقاء الشيء وطرحه، لقلة الاعتداد به، ﴿أَئِمَّةً﴾؛ أي: قدوة يقتدي بهم أهل الضلال، فيكون عليهم وزرهم وزر من تبعهم، ﴿لَعْنَةً﴾؛ أي: طردًا من الرحمة.
﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ جمع مقبوح، والمقبوح المطرود؛ أي: من المخزيين، يقال: قبَّحه الله إذا طرده ونحاه من كل خير، وفي "المصباح": قبح الشيء قبحًا فهو قبيح، من باب قرب، وهو خلاف حسن، ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾؛ أي: من المبعدين عن الفوز، والتثقيل مبالغة، وقبَّح عليه فعله تقبيحًا، وقال أبو زيد: قبح الله فلانًا قُبْحًا وقُبوحًا: أبعده من كل خير، وقال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبَّحْتُ بالتشديد، ومثله قول الشاعر:
ألَا قَبَحَ الله الْبَرَاجِمَ كُلَّهَا ... وَقَبَحَ يَرْبُوْعًا وَقَبَحَ دَارِمَا
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال الراغب: الهلاك الموت، لم يذكره الله سبحانه حيث يُفقد الذمُّ إلا في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، والقرون جمع قرن، وهو القوم المقترنون في زمان واحد.
﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ والبصائر جمع بصيرة، وهي نور القلب الذي به يُستبصر، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر، والبصيرة العقل والفطنة والعبرة والشاهد والحجة، يقال: جوارحه بصيرة عليه؛ أي: شهود، وفراسة ذات بصيرة؛ أي: صادقة، والجمع بصائر، وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أنوارًا لقلوبهم تبصر بها
стр. 9511
الحقائق، وتميز بها بين الحق والباطل، بعد أن كانت عُميًا عن الفهم والإدراك بالكلية.
﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ والعُمْر والعُمُر بالفتح والضم وبضمتين: الحياة، قال الراغب: العمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة؛ أي: طال عليهم الحياة وتمادى الأمد، ﴿ثَاوِيًا﴾؛ أي: مقيمًا، يقال: ثوى يثوى - من باب ضرب - ثواءً وثويًا، فهو ثاو المكان وفيه وبه أقام، وثوى الرجل إذا مات. قال عُبيد بن الأبرص في مطلع معلَّقته:
آذَنَتْنَا بَبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثُّوَاءُ
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ والمصيبة العقوبة، قال الراغب: أصلها في الرمية ثم اختص بالمعاقبة، ﴿تَظَاهَرَا﴾؛ أي: تعاونا وتناصرا، والتظاهر التعاون.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ والتوصيل مبالغة في الوصل، وحقيقة الوصل رفع الحائل بين الشيئين، والتوصيل ضم قطع الحبل بعضها إلى بعض، قال شاعرهم:
فَقُلْ لِبَنِيْ مَرْوَانَ مَا بَالُ ذِمَّتِيْ ... بِحَبْلٍ ضَعِيْفٍ مَا يَزَالُ يُوَصَّلُ
والمراد به هنا إنزال القرآن منجمًا مفرقًا يتصل بعضه ببعض.
﴿اللَّغْوَ﴾ اللغو الساقط من الكلام، وكل ما حقه أن يُلغى ويُترك من العبث وسخف القول، ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ الابتغاء الطلب، والجهل معرفة الشىء على خلاف ما هو عليه؛ أي: لا نطلب صحبتهم ولا مخالطتهم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ على طريق إطلاق السبب وإرادة المسبب، بمرتبتين تتبع إحداهما ثانيتهما، فإن شدة العضد سبب مستلزم لشدة اليد، وشدة اليد مستلزمة لقوة الشخص في المرتبة الثانية،
стр. 9512
واختار الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" أن يكون كناية تلويحية، قال: الشد التقوية، فهو إما كناية تلويحية عن تقويته, لأن اليد تشد بشد العضد، والجملة تشد بشد اليد، أو استعارة تمثيلية شبه حال موسى في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بالعضد.
ومنها: الإطناب البديع في قوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ ولم يقل اطبخ لي الآجر, لأنه تركيبه مع سهولة لفظه ليس بفصيح، وذلك أمر يقرره الذوق وحده، فعبر عن الآجر بالوقود على الطين، فإن هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن وعلو طبقته.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس، حُذف أداة الشبه ووجه الشبه، فأصبح بليغًا. قال في "حاشية البيضاوي": أي: مشبهًا بأنوار القلوب، من حيث إن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء، لا تستبصر، ولا تعرف حقًا من باطل.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾؛ أي: أهل قرون, لأن المراد به الأمم, لأنهم يُخلقون في تلك الأزمنة، فنُسبوا إلى القرون بطريق المجاز العقلي.
ومنها: جناس التحريف في قوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ وهو ما يفوق فيه بين الكلمتين، أو بعضهما بضبط الشكل، مثاله في الشعر قول أبي العلاء المعري:
وَالْحُسْنُ يَظْهَرُ فِيْ شَيْئَيْنِ رَوْنَقُهُ ... بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ أوْ بَيْتِ مِنَ الشَّعْرِ
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن المراد بما كسبوا، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، قال الزمخشري: ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جُعل كل عمل معبرًا عنه باجتراح الأيدي.
стр. 9513
ومنها: حذف الجواب لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ حُذف منه الجواب، تقديره: ما أرسلناك يا محمد رسولًا إليهم , وهو من باب الإيجاز بالحذف.
ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؛ أي: هلا أوتي، فهي للتحضيض، وليست حرف امتناع لوجود.
ومنها: تكرار حرف الاستدراك بقوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، وبقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا﴾، وبقوله: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
ومنها: تكرار لولا بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وبقوله: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ وبقوله: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ﴾، ولكن الأولى حرف امتناع لوجود، والأخيرتان حرفا تحضيض.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾.
ومنها: تكرار ﴿أُوتِيَ﴾ ثلاث مرات.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
ومنها: التعجيز في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ فالأمر خرج فيه عن حقيقته إلى معنى التعجيز.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (١) فيما سلف أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا به، وجاؤوا إليه زرافات ووحدانًا من كل فج عميق، وجابوا الفيافي، وقطعوا البحار للإيمان به، بعد أن سمعوا أخباره، وترامت لهم فضائله وشمائله، وقد كان في هذا مقنع لقومه أن يؤمنوا به، وأن تُحدِّثه نفسه الشريفة بالطمع في إيمانهم، ودخول الهدى في قلوبهم، والانتفاع بما آتاه الله من العرفان، فتكون لهم به السعادة في الدنيا والآخرة .. أردف ذلك الآية الأولى تسلية له ﷺ ، إذ لم ينجع في قومه الذين يُحبهم ويحرص عليهم أشد الحرص إنذاره وإبلاغه، فيقبلوا ما جاء به، بل أصروا على ما هم عليه، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فكانوا على عكس قوم هم أجانب عنه آمنوا بما جاء به، وقالوا: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) أن التمتع بزينة الدنيا وزخرفها دون طاعة الله وعظيم شكره على نعمه يكون وبالًا على الكافر يوم القيامة حين يحضر للعذاب .. أردف ذلك بيان ما يحصل في هذا اليوم من الإهانة والتقريع للمشركين، حين يسألهم سؤالات يحارون في الجواب عنها، ويشتد عليهم الخطب حين لا يجدون مخلصًا، ومعذرة تُبرِّر لهم ما كانوا يقترفون، فيسألهم أولًا عن الآلهة التي كانوا يعبدونها في الدنيا، من أصنام وأوثان، هل ينصرونهم أو ينتصرون، ثم يأمرهم بدعوتهم فلا يجدون منهم ردًا، ثم يسألهم عما أجابوا به الرسل حين دعوهم إلى الإيمان بربهم، فتخفى عليهم الحجج التي تُنجيهم من العذاب الذي لا مفر لهم منه، ولا يستطيع بعضهم أن يسأل بعضًا عما يلقنه من حجة لهول الموقف، واشتداد الخطب، ثم ذكر بعدئذٍ حال المؤمنين بربهم الذين عملوا صالح الأعمال، وبيَّن أنهم يلقون الفوز والظفر بالمراد فضلًا من ربهم ورحمة.
стр. 9516
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما وبخهم (١) فيما سلف على اتخاذهم الشركاء، وذكر أنه يسألهم عنهم يوم القيامة تهكمًا بهم، وتقريعًا لهم .. أردف ذلك بتجهيلهم على اختيار ما أشركوه، واصطفائهم إياه للعبادة، وأبان لهم أن تمييز بعض المخلوقات عن بعض واصطفاءه على غيره من حق الله، لا من حقكم أنتم، والله لم يصطف شركاءكم الذين اصطفيتموهم للعبادة والشفاعة، فما أنتم إلا جهال ضلال.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنه المستحق للحمد على ما أولاه من النعم، وتفضل به من المنن .. أردف هذا تفصيل ما يجب أن يُحمد عليه منها, ولا يقدر عليه سواه.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٢) وبَّخ المشركين أولًا على فساد رأيهم في اتخاذ الشركاء لله، ثم ذكر التوحيد ودلائله .. عاد إلى تقريعهم وتبكيتهم ثانيًا، ببيان أن إشراكهم لم يكن عن دليل صحيح، بل كان عن محض الهوى، كما يُرشد إلى ذلك قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
أسباب النزول
قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٣) مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي ﷺ ، وقال: "يا عماه قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله يوم القيامة"، فقال: لولا أن تعيِّرني قريش، يقولون: ما حمله على ذلك إلا
стр. 9517
جزعه من الموت لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
قوله: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس: أن أناسًا من قريش قالوا للنبي ﷺ : إن نتبعك يخطفنا الناس، فنزلت هذه الآية. وأخرج النسائي عن ابن عباس أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي ﷺ فقال: نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب، ونحن أكلة رأس - يريد أنا قليلو العدد - أن يتخطفونا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى ...﴾ الآية.
قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ ، وفي أبي جهل بن هشام. وأخرج عنه من وجه آخر أنها نزلت في حمزة وأبي جهل.
التفسير وأوجه القراءة
٥٦ - ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تَهْدِي﴾ هداية موصلة إلى المقصود لا محالة، ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته (١)، وقيل: أحببته لقرابته؛ أي: إنك يا محمد لا تستطيع هداية من أحببت من قومك، أو من غيرهم هداية موصلة إلى البغية، ولا تقدر أن تدخله في الإِسلام، وإن بذلت فيه غاية الطاقة، وسعيت كل السعي، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته فيدخله في الإِسلام؛ أي: إن الله سبحانه يقذف في قلب من يشاء نور الهداية فينشرح صدره للإسلام، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة في ذلك، وإنما عليك البلاغ.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: بالمستعدين للهداية من غيرهم، فلا يهدي إلا المستعد لها، فيُمْنَحونها، ومنهم الذين ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب، دون من هم من أهل الغواية، كقومك وعشيرتك. وفي "الخازن": ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: بمن قدر له في الأزل أن يهتدي. اهـ.
стр. 9518
قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فيدخل في ذلك أبو طالب دخولًا أوليًا، وذلك أن النبي ﷺ قال لأبي طالب عند الموت: "يا عم قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة" قال: لولا أن تعيرني قريش - يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع - لأقررت بها عينك، ثم أنشد مخاطبًا لرسول الله ﷺ :
وَدَعَوْتَنِيْ وَعَلِمْتُ أنَّكَ صَادِقٌ ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ أَمِيْنَا
وَلَقْدَ عَلِمْتُ بِأن دِيْنَ مُحمدٍ ... مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِيْنَا
لَوْلَا الْمَلاَمَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيْنَا
ولكن أنا على ملة الأشياخ، عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، ثم مات فأتى علي ابنه للنبي ﷺ ، وقال له: عمك الضال قد مات، فقال له: "اذهب فواره"، وما تقدم من أنه لم يؤمن حتى مات هو الصحيح.
وبمعنى الآية قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.
فإن قلت (١): إن بين هذه الآية وآية ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تناقضًا فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: يُجمع بينهما بأن المنفي هنا خلق الهداية التي هي عبارة عن تقليب القلب من الباطل - وهو ما سوى الله - إلى الحق، وهو الله سبحانه، فليس هذا من شأن غير الله سبحانه، والمثبت هناك الدلالة على الدين القويم، وهذا هو الذي كان من شأن النبي ﷺ وغيره من كل مرشد.
٥٧ - ثم أخبر سبحانه عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباعهم للهدى، فقال: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال مشركو مكة ومن تابعهم ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ وندخل في
стр. 9519
دينك يا محمد ﴿نُتَخَطَّفْ﴾؛ أي: نؤخذ ونُخرج ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾ مكة. ومعنى اتباع الهدى معه الاقتداء به ﷺ في الدين والسلوك إلى طريق الرشاد، والتخطف هو الانتزاع والاختلاس بسرعة.
وقرأ الجمهور: ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ بالجزم جوابا للشرط. وقرأ المنقري: بالرفع على الاستئناف، مثل قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ برفع الكاف؛ أي: فهو يدرككم الموت، والمعنى؛ أي: وقال كفار مكة: لقد نعلم يا محمد أنك على الحق، وأنك ما كذبت كذبة قط فنتهمك اليوم، ولكنا نخاف ونخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا العرب أن يتخطفونا؛ أي: أن يأخذونا ويسلبونا ويقتلونا، ويخرجونا من مكة والحرم لإجماعهم على خلافنا، وهم كثيرون، ونحن أكلة رأس؛ أي: قليلون، لا نستطيع مقاومتهم.
ثم رد الله ذلك عليهم ردًا مصدرًا باستفهام تقرير مضمن للتوبيخ، فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ والهمزة فيه للاستفهام التقريري داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم نعصمهم ونجعل مكانهم حرمًا ذا أمن, لحرمة البيت الذي فيه، وذلك (١) أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم، ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب، والحمام من الحدأة.
ثم وصف هذا الحرم بقوله: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾؛ أي: يُجلب إلى ذلك الحرم، ويُجمع إليه، ويُحمل من الشام ومصر والعراق ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكيا وغيرها برًا وبحرًا وجوًا ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أنواع الثمار والفواكه والحبوب؛ أي: يُحمل ويُجلب إليه أنواع الثمرات والفاكهات والخضروات والأبازير والبضاعات، من مشارق الأرض ومغاربها، برًا وبحرًا وجوًا، فلا ترى شرقي الفواكه ولا غربيَّها مجمعة إلا في مكة، لدعاء إبراهيم ﵇ حيث
стр. 9520
قال: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ومعنى (١) الكلية الكثرة، والجملة صفة أخرى لحرمًا، دافعة لما عسى يُتوهم أو تضررهم بانقطاع الميرة، وهو الطعام المجلوب أو بلد إلى بلد.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُجْبَى﴾ بالتحتية اعتبارًا بتذكير كل شيء، ووجود الفاصل بين الفعل وثمرات، وأيضًا ليس تأنيث ثمرات بحقيقي، واختار قراءة الجمهور أبي عبيد لما ذكرنا، وقرأ نافع وجماعة عز يعقوب وأبو حاتم عز عاصم: ﴿تُجبى﴾ بالتاء الفوقية اعتبارًا بثمرات، وقرأ (٣) الجمهور أيضًا: ﴿ثَمَرات﴾ بفتحتين، وقرأ أبان بن تغلب: بضمتين، جمع ثُمُر بضمتين، وقرأ بعضهم: ﴿ثمرات﴾ بفتح الثاء لاسكان الميم، وانتصاب ﴿رِزْقًا﴾ على أنه مصدر مؤكد لمعنى يُجبى؛ لأن فيه معنى يرزق؛ أي: يرزقون رزقًا.
﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من عندنا، لا أو عند المخلوقات، فإذا كان حالهم هذا، وهم عبدة الأصنام، فكيف يخافون التخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بأن ذلك الرزق هو أو عندنا، أي: أكثر أهل مكة جهلة، لا يتفطنون له ولا يتفكرون، ليعلموا ذلك لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم، وعدًا تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم، لكونهم ممن طبع الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وحاصل المعنى: أي إن ما اعتذرتم به لا يصلح أو يكون عذرًا؛ لأنا جعلناكم في بلد أمين، وحرم معظَّم منذ وجد، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا لكم حال كفركم وشرككم، ولا يكون أمنًا لكم وقد أسلمتم، واتبعتم الحق.
قال يحيى بن سلام: يقبل سبحانه: كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذ عبدتموني، وآمنتم بي، وقد تفضل عليكم ربكم،
стр. 9521
وأطعمكم من كل الثمرات، التي تُجلب أو أرجاء الأرض ونواحيها، من كل بلد رزقًا منه لكم، ولكن أكثر أهل مكة جهلة، لا يفطنون إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، ومن ثم قالوا ما قالوا، وقد كان من حقهم أن يعلموا أن تلك الأرزاق إنما وصلت إليهم أو ربهم، فهو الذي يُخشى ويُتقى، لا سواه من المخلوقين.
٥٨ - وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أي: وأهلكنا كثيرًا من أهل قرية بطرت وطغت، وكفرت في معشيتا، وأساءت في حقوق نعم الله عليها من الشكر، تخويف (١) لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم يشكروا النعمة، وقابلوها بالبطر فأُهلكوا، ورد لقولهم (٢): ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ ...﴾ إلخ، فقد اعتقدوا أنهم ما داموا على دينهم فإنهم في أمن، وإن اتبعوا الرسول نزل بهم البلاء، فبيَّن الله لهم أو الأمر بالعكس، وهو إن تركوا دينهم وأسلموا أمنهم الله من عذاب الدنيا والآخرة، وإن داموا على دينهم، يؤمنهم الله أو عذاب الدارين، بدليل أنه أهلك كثيرًا أو القرى بأنواع العذاب لكفرهم.
وهذا هو الرد الثاني على شبهتهم، فإنه بعد أن بين ما خص به أهل مكة من النعم، أتبعه بما أنزله على الأمم الماضية، الذين كانوا في رغد أو العيش، فكذبوا الرسل، فازال عنهم تلك النعم، وأحل بهم النقم.
وفي أبي السعود: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ...﴾ إلخ، بيَّن الله (٣) بهذا أو الأمر بالعكس، وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله، ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم؛ أي: وكثيرًا من أهل القرى كان حالهم كحال هؤلاء في الأمن والمخصب، فبطروا وطغوا فدمرهم الله، وخرَّب ديارهم. اهـ.
قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. اهـ وإجمال
стр. 9522
هذا: إن قولكم لا نؤمن خوفًا من زوال النعم ليس بحق، بل الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم.
﴿فَتِلْكَ﴾ القرى التي تمرون عليها في أسفاركم إلى الشام، كديار ثمود وقوم شعيب، ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾؛ أي: مساكن الذين ظلموا - ومنازلهم قد خربت - باقية الآثار، تشاهدونها في ذهابكم وإيابكم، حالة كونها ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هلاكهم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من الزمن للمارة، فإنهم يلبثون فيها يومًا أو بعض يوم للاستراحة والعبرة، ويحتمل (١) أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فلم يبق أو يسكنها أو أعقابهم إلا قليلًا، إذ لا بركة في سُكنى الأرض الشؤم، وقال بعضهم: سكنها الهام والبوم، ولذا كان أو تسبيحها سبحان الحي الذي لا يموت، وقيل: لم يُعمر منها إلا أقلها، وأكثرها خراب.
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ منهم لتلك المساكن؛ لأنهم، يتركوا وارثًا يرث منازلهم وأموالهم، ولم يخلفوا أحدًا يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم، وصار أمرها إلى الله تعالى؛ لأنه الباقي بعد فناء الخلق، والشيء إذا لم يبق له مالك معين قيل أنه ميراث الله؛ لأنه هو الباقي بعد خلقه. ونحو الآية قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٣)﴾.
٥٩ - ثم أخبر سبحانه عن عدله، وأنه لا يُهلك أحدًا إلا بعد الإنذار، وقيام الحجة بإرسال الرسل، فقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾؛ أي: وما كانت عادة ربك يا محمد وسنته في كل زمان أن يُهلك أهل القرى قبل الإنذار ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾؛ أي: في أصلها وكُبْراها التي تلك القرى سوادها وأتباعها، وخص الأصل والكبرى لكون أهلها أفطن وأشرف، والرسل إنما تبعث غالبًا إلى الأشراف، وهم غالبًا يسكنون المدن والقصبات - جمع قصبة - وهي العاصمة.
﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ الناطقة بالحق، ويدعوهم إليه بالترغيب حينًا
стр. 9523
والترهيب حينًا آخر، وذلك لإلزام الحجة وقطع المعذرة.
والمعنى (١): أي وما صح ولا استقام أو يكون الله سبحانه مهلك القرى الكافرة حتى يبعث في أمها رسولًا، يُنذرهم ويتلو عليهم آيات الله، الناطقة بما أوجبه الله عليهم، وما أعده من الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومعنى أمها أكبرها وأعظمها، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها؛ لأن فيها أشراف القيم، وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك والأكابر، فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى، وقال الحسن: أم القرى أولها.
وفي "التكملة": الأم هي مكة، والرسول محمد ﷺ ، وذلك لأن الأرض دُحيت أو تحتها، فيكون المعنى: وما كان ربك يا محمد مهلك البلدان التي هي حوالي مكة في عصرك وزمانك حتى يبعث في أمها؛ في: في أم القرى التي هي مكة رسولًا، هو أنت.
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى﴾ بالعقوبة بعد بعثنا في منها رسولًا يدعوهم إلى الحق، ويرشدهم إليه في حال أو الأحوال ﴿إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾؛ أي: إلا حال كون أهلها ظالمين بتكذيب رسولنا، والكفر بآياتنا، فالبعث غاية لعدم صحة الإهلاك بموجب السنة الإلهية، لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث، وهذه الجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ والاستثناء فيها مفرَّغ من أعم الإرواء، كما قدَّرنا.
ودلت الآية (٢): على أو الظلم سبب الهلاك، ولذا قيل: الظلم قاطع الحياة ومانع النبات، وكذا الكفران، يقال: النعم محتاجة إلى الأكفاء، كما تحتاج إليها الكرائم من النساء، وأهل البطر ليسوا من أكفاء النعم، كما أن الأراذل ليسوا أكفاء عقائل الحُرُم - جمع عقيلة - وعقيلة كل شيء أكرمه، وحرم الرجل أهله، فكما أن الكريمة أو النساء ليست بكفءٍ للرذيل من الرجال، فيفرَّق بينهما للحوق العار، فكذا النعمة تُسْلب من أهل البطر والكبر والغرور والكفران، وأما أهل
стр. 9524
الشكر فلا يضيع سعيهم بل يزداد حسن حالهم، ولله تعالى رزق واسع في البلاد، ولا فرق فيه بين الشاكر والكفور من العباد.
فعلى (١) العاقل أن يعرف الله تعالى، ويعرف قدر النعمة، فيقيِّدها بالشكر، ولا يضع الكفر موضع الشكر، فإنه ظلم صريح يحصل منه الهلاك مطلقًا، إما للقلب بالإعراض عن الله تعالى ونسيان أن العطاء منه، وإما للقالب بالبطش الشديد، وكم رأينا في الدهر من أمثاله من خرب قلبه، ثم خرب داره، ووجد آخر الأمر بواوه، ولكن الإنسان من النسيان، لا يتذكر ولا يعتبر، بل يمضي على حاله من لغفلة، أيقظنا الله وإياكم من نوم الغفلة في كل لحظة، وشرفنا في جميع الساعات باليقظة الكاملة المحضة.
٦٠ - ﴿وَمَا﴾ مبتدأ متضمنة لمعنى الشرط لدخول الفاء في خبرها، بخلاف الثانية، ﴿أُوتِيتُمْ﴾ أي: أُعطيتم، والخطاب لكفار مكة كما في "الوسيط"، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من أسباب الدنيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾، أي: فهو شيء شأنه أن يُتمتع ويُتزين به أيامًا قلائل، ثم أنتم وهو إلى فناء وزوال، سمي منافع الدنيا متاعًا؛ لأنها تفنى ولا تبقى كمتاع البيت.
أي (٢): وما أُعطيتم يا معشر قريش من أسباب الدنيا كالمال والخدم فهو شيء عادته أن يُنتفع به، ويُتزين به أيام حياتكم، وقُرىء: ﴿فمتاعًا الحياة الدنيا﴾ بنصب الكلمتين، الأولى على المصدرية، والثانية على الظرفية؛ أي: يتمتعون متاعًا في الحياة الدنيا.
﴿وَمَا﴾ موصولة؛ أي: والجزاء الذي ادُّخِر ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، وهو الثواب ﴿خَيْرٌ﴾ لكم في نفسه من ذلك؛ لأنه لذة خالصة من شوائب الألم، وبهجة كاملة عارية من مسة الهمم ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنه أبدي، وهذا ينقضي بسرعة؛ أي: فمنافع الآخرة لمن آمن بالله وبرسوله أعظم وأدوم مما لكم في الدنيا، فتصيب كل أحد في الآخرة بالقياس إلى منافع الدنيا كلها، كالذرة بالقياس إلى البحر، فكيف
стр. 9525
قلتم: تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا؟!.
وقيل: ﴿مَا﴾ شرطية ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيان لها، وقوله: ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة جوابها، أي: فهو متاع الحياة الدنيا. والمهزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تتفكرون فلا تعقلون أن الدنيا فانية، والآخرة باقية؛ أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون هذا الأمر الواضح، فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتؤثرون الشقاوة الحاصلة من الكفر والمعاصي على السعادة المتولدة من الإيمان والطاعات.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء الفوقانية على خطابهم وتوبيخهم، في كونهم أهملوا العقل في العاقبة، ونسب هذه القراءة أبو علي في "الحجة" إلى أبي عمرو وحده، وفي "التحرير والتحبير" بين الياء والتاء عن أبي عمرو، وقرأ أبو عمرو: ﴿يعقلون﴾ بالياء إعراض عن خطابهم، وخطاب لغيرهم، كأنه قال انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم، وقراءة الجمهور أرجح لقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾.
ومعنى الآية (٢): أي وما أُعطيتم أيها الناس من شيء من الأموال والأولاد فإنما هو متاع، تتمتعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون به فيها، وهو لا يُغني عنكم شيئًا عند ربكم، ولا يُجديكم شروى نقير لديه، وما عنده خير لأهل طاعته وولايته، لدوامه وبقائه، بخلاف ما عندكم، فإنه ينفد وينقطع بعد أمد قصير، ونحو الآية قوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾. وفي الحديث: "والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه".
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا عقول لكم أيها القوم، تتدبرون بها فتعوفوا الخير من الشر، وتختاروا لأنفسكم خير المنزلتين على شرهما، وتؤثروا الدائم الذي لا