وجوده، بما ذكره في خلق الإنسان .. أعقبه بذكر الدلائل في الأكوان المشاهدة، والعوالم المختلفة، وفي اختلاف ألوان البشر ولغاتهم، التي لا حصر لها، مع كونهم من أبٍ واحد، وأصل واحد، وفيما يشاهد من سباتهم العميق ليلًا، وحركتهم نهارًا في السعي على الأرزاق، والجد والكد فيها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات، إلى قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ على ما ذكره المفسرون (١): أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم؛ لأن فارسًا كانوا مجوسًا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشًا إلى الروم، واستعمل عليهم رجلًا يقال له: شهرمان، وبعث قيصر رجابًا وجيشًا، وأمّر عليهم رجلًا يدعى بخين، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فإنكم إن قاتلتمونا .. لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا، فوالله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحيّ، فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلًا أناحبك عليه، والمناحبة بالحاء المهملة: القمار والمراهنة؛ أي: أراهنك على عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإذا ظهرت فارس على الروم .. غَرمتَ، وإذا ظهرت الروم على فارس .. غَرمتُ، ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي ﷺ : "ما هكذا
стр. 9802
ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل" فخرج أبو بكر، فلقي أبيًا، فقال: لعلك ندمت، فقال: فتعال أزايدك في الخطر، وأماددك في الأجل، فاجعلها مئة قلوص، ومئة قلوص إلى تسع سنين، فقال: قد فعلت، فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة .. أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي ضامنًا كفيلًا، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أحد. أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، وقال: والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلًا، فأعطاه كفيلًا ثم خرج إلى أحد، قال: ثم حين رجع أبي بن خلف إلى مكة، ومات بها من جراحته التي جرحه النبي ﷺ حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن، وبنوا بالعراق مدينةً، وسموها روميةً، فقمر أبو بكر، وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به للنبي ﷺ ، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال النبي ﷺ : "تصدق به".
وكان سبب غلبة الروم فارسًا، على ما قاله عكرمة وغيره: أن شهرمان لما غلب الروم .. لم يزل يطؤهم، ويخرب مدائنهم، حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرحان جالس ذات يوم يشرب، قال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهرمان: إذا أتاك كتابي .. فأبعث إليّ برأس أخيك فرحان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لا تجد مثل فرحان، إن له نكاية وصولة في العدو فلا تفعل، فكتب إليه إن في رجال فارس خلفًا عنه، فعجل إليّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدًا إلى أهل فارس: أني قد عزلت عنكم شهرمان، واستعملت عليكم فرحان، ثم بعث مع البريد صحيفةً صغيرةً، وأمره فيها بقتل شهرمان، وقال: إذا ولي فرحان الملك، وانقاد له أخوه .. فأعطه الصحيفة، فلما وصل البريد إلى شهرمان .. عرض عليه كتاب كسرى، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعةً، ونزل عن سرير الملك، وأجلس عليه أخاه فرحان، فدفع البريد الصحيفة إلى فرحان، فلما قرأها .. استدعى بأخيه شهرمان، وقدمه ليضرب عنقه، فقال له: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا
стр. 9803
بسفطٍ ففتحه، وأعطاه ثلاث صحائف منه، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد قتلي بكتابٍ واحدٍ، فرد فرحان الملك إلى أخيه شهرمان، فكتب إلى قيصر ملك الروم: أما بعد، إن لي إليك حاجةً لا تحملها البريد، ولا تبلغها الصحف، فألقني في خمسين روميًا، حتى ألقاك في خمسين فارسيًا، فأقبل قيصر في خمس مئة ألف رميٍّ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، مخافة أن يريد أن يمكر به، حتى أتاه عيونه فأخبروا: أنه ليس معه إلا خمسون فارسيًا، فلما التقيا .. ضربت لهما قبة فيها ديباج، قد خلاها، ومع كل واحد سكين، ودعيا بترجمان يترجم بينهما، فقال شهرمان: إن الذي خرب بلادك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، وأراد أن يقتل أخي فأبيت عليه، ثم أمر أخي بقتلي فأبى عليه، وقد خلعناه جميعًا، ونحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما، وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإن جاوزهما .. فشا، فقتلا الترجمان معًا بسكينهما، فأديلت الروم على فارس عند ذلك، وغلبوهم وقتلوهم، ومات كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح هو ومن كان معه من المسلمين بذلك، فذلك قوله : ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. وهذه آية بينة على صحة نبوته ﷺ وأن القرآن من عند الله؛ لأنها أنباء عن علم الغيب.
وعن قتادة: وكان ذلك قبل تحريم القمار، ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد، أن العقود الفاسدة، كعقد الربا وغيره: جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ...﴾ الآية.
стр. 9804
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الم (١)﴾؛ أي: هذه سورة ألم، قال بعضهم: الحروف المقطعات مبادي السور، ومفاتيح كنوز العبر، والإشارة هنا بهذه الحروف الثلاثة إلى قوله: أنا الله، ولي جميع صفات الكمال، ومني الغفران والإحسان، إلى غير ذلك.
٢ - ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ وقهرت، وهم أهل الكتاب على دين عيسى ﵇ غلبتهم فارس، وهم المجوس عبدة النيران، والغلبة: القهر والاستعلاء على القرن، بما يبطل مقاومته في الحرب، والروم: اسم قبيلة سميت باسم جدّها (١) روم بن يونان بن يافث بن نوح ﵇. وقيل: هم بنو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ سمي عيص؛ لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيص ليعقوب: إن لم أخرج قبلك .. خرجت من جنب أمي، فتأخر يعقوب شفقة لها، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيص أبا الجبارين، والفُرْس بسكون الراء: قوم معروفون، نسبوا إلى فارس بن سام بن نوح ﵇؛ أي: غلبتها فارس.
٣ - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾؛ أي (٢): في أقرب أرض الشام إلى أرض العرب وفارس، وهي أذرعات وكشكر، أو غلبت الروم في أدنى أرضهم، وأقربها إلى عدوهم. ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾؛ أي: من بعد مغلوبيتهم على يد فارس، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول، والفاعل: متروك، والأصل: من بعد غلبة فارس إياهم، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس (٣)، ولا وقف عليه،
٤ - لتعلق ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ به، وهو ما بين الثلاث إلى العشرة؛ أي: فالروم سيغلبون فارس، فيما بين الثلاث والتسع سنوات من الحرب الأولى، فوقع الغلب للروم على رأس سبع سنين من الحرب الأولى، وعبر بالبضع (٤)، ولم يعين إبقاءً للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزًا لهم.
стр. 9805
والمعنى: أي (١) غلبت فارس الروم في أقرب أرض الروم بالنسبة إلى أرض العرب، إذ الوقعة كانت بين الأردن وفلسطين، والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون فارس في بضع سنين، وقد تحقق ذلك فغلبوهم بعد سبع من الواقعة الأولى، ولا شك أن وقوعه على نحو ما قال الكتاب الكريم، يعد من أكبر الدلائل على إعجازه، وأنه كلام الله، العلم بكل شيء لا كلام البشر، وهذا المعنى على القراءة المشهورة، وقرأ علي (٢)، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، والحسن: ﴿غلبت﴾ مبنيًا للفاعل ﴿سيغلبون﴾ مبنيًا للمفعول، ويجوز على هذه القراءة، أن يكون ﴿غلبت﴾ مبنيًا للفاعل على أن الضمير فيه لفارس، والروم بالنصب مفعوله؛ أي: غلبت فارس الروم. ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: فارس ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ للروم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للمفعول؛ أي: يكونون مغلوبين في أيدي الروم، ويجوز أن يكون ﴿الرُّومُ﴾ فاعل ﴿غُلِبَتِ﴾ على البناء للفاعل؛ أي: غلبت الروم أهل فارس، وهم؛ أي: الروم بعد غلبهم لفارس ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للمجهول؛ أي: يكونون مغلوبين في أيدي المسلمين، فكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب ﵁.
وقرأ الجمهور: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للفاعل، وهي القراءة المشهورة التي جرينا عليها في تفسيرنا، وقرأ الجمهور: ﴿غَلَبِهِمْ﴾ بفتح الغين واللام، وقرأ علي، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، وأبو حيوة الشامي، وابن السميفع: بإسكان اللام.
﴿لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿الْأَمْرُ﴾ والقضاء والتصرف ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل غلبة الروم على فارس، وهو وقت كونهم مغلوبين ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: ومن بعد غلبة الروم على فارس، وهو وقت كونهم غالبين. والمعنى (٣): أن كلا من كونهم مغلوبين أولًا، وغالبين آخرًا، ليس إلا بأمر الله وقضائه، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فمن غلب .. فهو بأمر الله وقضائه
стр. 9806
وقدره، فهو يقضي في خلقه بما يشاء، ويحكم بما يريد، ويظهر من شاء منهم على من أحب إظهاره عليه.
وقرأ الجمهور ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ بضمهما (١)؛ أي: من قبل غلبة الروم، ومن بعدها، ولما كانا مضافين إلى معرفة، وحذفت .. بنيا على الضم، والكلام على ذلك، مذكور في علم النحو، وقرأ أبو السماك، والجحدري، وعون العقيلي: ﴿من قبلٍ ومن بعدٍ﴾ بالكسر والتنوين فيهما، قال الزمخشري: على الجر من غير تقدير مضاف إليه واقتطاعه، كانه قيل: قبلًا وبعدًا، بمعنى أولًا وآخرًا. انتهى.
وقال ابن عطية: ومن العرب من يقول: من قبلٍ ومن بعدٍ، بالخفض والتنوين، وحكى الكسائي عن بعض بني أسد ﴿لله الأمر من قبلٍ ومن بعدُ﴾ الأول مخفوض منون، والثاني مضموم بلا تنوين.
﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: ويوم إذٍ يغلب الروم على فارس، ويحل ما وعده الله تعالى من غلبتهم في بضع سنين ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ للروم، لكونهم أهل كتاب، كما أن المسلمين أهل كتاب، وفيه فأل حسن، لغلبة المؤمنين على الكافرين، بخلاف فارس فإنه لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم أولًا، وقد فرح المؤمنون بذلك، وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر، بنزول جبريل بذلك فيه، مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه، قد اجتمعت لهم فرحتان: فرحة بنصر الروم على فارس، وفرحة بنصرهم على المشركين، وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين، من غلبة الروم على فارس، والأول أولى.
وقال بعضهم: يفرح المؤمنون بقتل الكفار بعضهم بعضًا، لما فيه من كسر شوكتهم، وتقليل عددهم، لا بظهور الكفار، كما يفرح بقتل الظالمين بعضهم بعضًا.
стр. 9807
٥ - ثم أكد قوله: لله الأمر بقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أن ينصره من ضعيف وقوي من عباده، وهذا كلام مستأنف، مقرر لمضمون قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: المبالغ في العزة والغلبة، فلا يعجزه من يشاء أن ينصر عليه، كائنًا من كان. ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المبالغ في الرحمة، فينصر من يشاء أن ينصره أي فريق كان، أو لا يعز من عادى، ولا يذل من والى، وتقديم وصف العزة لتقدمه في الاعتبار.
والمعنى: أي (١) ينصر من يشاء أن ينصره على عدوه، ويغلبه عليه على مقتضى المن التي وضعها في الخليقة، وهو المنتقم ممن يستحقون الانتقام بالنصر عليهم، الرحيم بعباده فلا يعاجلهم بالانتقام على ذنوبهم، كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
٦ - وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: مصدر (٢) مؤكد لنفسه؛ أي: وعدهم الله سبحانه بالنصر وبالفرح وعدًا؛ لأن ما قبله، وهو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إلخ: في معنى الوعد، إذ الوعد هو: الإخبار بإيقاع شيء نافع قبل وقوعه، وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ إلخ من هذا القبيل، ومثل هذا المصدر، يجب حذف عامله كما قدرنا، يعني انظروا وعد الله، ثم استأنف تقرير معنى المصدر، فقال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا هذا الذي في أمر الروم، ولا غيره مما يتعلق بالدنيا والآخرة، لاستحالة الكذب عليه سبحانه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ وهم المشركون، وأهل الاضطراب ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صحة وعده لجهلهم، وعدم تفكرهم في شؤون الله تعالى، نفى عنهم العلم النافع للآخرة، وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا فيما سيأتي، والضمير في ﴿يَعْلَمُونَ﴾: راجع للأكثر.
والمعنى: أي وعد الله وعدًا بظهور الروم على فارس، والله لا يخلف ما وعد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، لجهلم بشؤونه تعالى، وعدم تفكرهم
стр. 9808
في النواميس والسنن، التي وضعها في الكون، فإنه قد جعل من تلك السنن: أن وعده لا يخلف، إذ هو مبني على مقدمات ووسائل هو يعلمها، وقد رتب عليها تلك العدة التي وعدها، وجعل قانون الغلب في الأمم والأفراد، مبنيًا على الاستعداد النفسي، والاستعداد الحربي، فلا تغلب أمة أخرى إلا بما أعدت لها من وسائل الظفر بها، وما كان لها من صفات تكفل لها هذا الظفر، من أناةٍ وصبرٍ وتضحيةٍ بما تملك من عزيز لديها من مال ونفس.
وهكذا حكم الفرد، فهو لا ينجح في الحياة إلا إذا كان معه أسلحة يغالب بها عوامل الأيام، حتى يغلبها بجده وكده، فهذه الأمور وأمثالها، تحتاج إلى دقة نظر، لا يدركها إلا ذوو البصائر.
٧ - ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعلم أكثرهم ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: ما أدته إليه حواسهم من زخارفها وملاذها، وسائر أحوالها الموافقة لشهواتهم، الملائمة لأهوائهم المستدعية لانهماكهم فيها، وعكوفهم عليها، فكأن علومهم هي علوم البهائم، ولا يعلمون باطنها، وهي مضارها ومتاعبها وفناؤها، وتنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ للتحقير والتخسيس؛ أي: يعلمون ظاهرًا حقيرًا خسيسًا من الدنيا، يعني: أمر معاشهم، كيف يكسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يشققون أنهارها، ويبنون قصورها، وقال الحسن: إن أحدهم يأخذ بيده درهمًا. ويقول: وزنه كذا، ولا يخطىء، وكذا يعرف رداءته وجودته، وهو لا يحسن يصلي.
وقيل: يعلمون وجودها الظاهر، ولا يعلمون فناءها، وقوله: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها: أنها مجاز للآخرة تتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة، ذكر أبو حيان.
ولا فرق (١) بين عدم العلم، وبين العلم المقصور على الدنيا، وفي
стр. 9809
"التيسير": قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ نفي للعلم بأمور الدين، وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾: إثبات للعلم بأمور الدنيا فلا تناقض؛ لأن الأول: نفي الانتفاع بالعلم بما ينبغي، والثاني: صرف العلم إلى ما لا ينبغي، ومن العلم القاصر: أن يهيىء الإنسان أمور شتائه في صيفه، وأمور صيفه في شتائه، وهو لا يتيقن بوصوله إلى ذلك الوقت، ويقصر في الدنيا في إصلاح أمور معاده، ولا بد له منها.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ التي هي الغاية القصوى، والمطلب الأسنى، والنعمة الدائمة، واللذة الخالصة، ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾؛ أي: ساهون، لا يلتفتون إليها، ولا يعدون لها ما يحتاج إليه فيها بل لا يخطرونها بالبال ولا يدركون من الدنيا ما يؤدي إلى معرفتها من أحوالها، ولا يتفكرون فيها، أو غافلون عن الإيمان بها، والتصديق بمجيئها.
و ﴿وَهُمْ﴾ لثانية: تكرير للأولى للتأكيد، يفيد أنهم معدن الغفلة عن الآخرة، أو مبتدأ و ﴿غَافِلُونَ﴾ خبر، والجملة: خبر للأولى، وفي الآية تشبيه لأهل الغفلة بالبهائم، المقصور إدراكاتها من الدنيا على الظواهر الحسية، دون أحوالها التي هي من مبادي العلم بأمور الآخرة، وغفلة المؤمنين: بترك الاستعداد لها، وغفلة الكافرين بالجحود بها، وقال بعضهم: من كان عن الآخرة غافلًا .. كان عن الله أغفل، ومن كان عن الله غافلًا .. فقد سقط عن درجات المتعبدين. انتهى.
والمعنى (١): أي وهم غافلون عن أن النفوس لها بقاء بعد الموت، وأنها ستلبس ثوبًا آخر في حياة أخرى، وستنال إذ ذاك جزاء ما قدمت من خير أو شر، ولو لم تكن النفوس تتوقع هذه الحياة .. لكانت آلام الدنيا ومتاعبها لا تطاق، ولا تجد النفوس لاحتمالها سبيلًا، وهي ما قبلت تلك الآلام واحتملتها، إلا لأنها توقن بسعادة أخرى، وراء ما تقاسي من المتاعب في هذه الحياة، ولله در القائل:
وَمِنَ الْبَلِيةِ أَنْ تَرَى لَكَ صَاحِبًا ... فِيْ صُوْرَةِ الرَّجُلِ السَّمِيْع الْمُبْصِرِ
стр. 9810
فَطِنٌ بِكُلِّ مُصِيْبَةٍ فِي مَالِهِ ... وَإِذَا يُصَابُ بِدِيْنِهِ لَمْ يَشْعُرِ
٨ - و ﴿الهمزة﴾: في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: ظرف للتفكر، وذكره مع ظهور استحالة كونه في غيرها لتصوير حال المتفكر، فهو من بسط القرآن نحو: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
والتقدير (١): أقصر كفار مكة نظرهم على ظاهر الحياة الدنيا، ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: لم يخلق السماوات والأجرام العلوية ﴿وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: الأجرام السفلية ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: وما بين السماوات والأرض من المخلوقات، ملتبسة بشيء من الأشياء ﴿إِلَّا﴾ حالة كونها ملتبسةً ﴿بِالْحَقِّ﴾ والحكمة والمصلحة، ليعتبروا بها، ويستدلوا بها على وجود الصانع ووحدته وقدرته، وإنما جعل متعلق الفكر والعلم هو الخلق دون الخالق؛ لأن الله تعالى منزه عن أن يوصف بصورة في القلب، ولهذا روي: "تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تتفكروا في ذات الله".
﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معطوف على الحق؛ أي: وإلا بأجل معين، قدره الله تعالى لبقائها، لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو وقت قيام الساعة، وقوله (٢): ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية، وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إشارة إلى معاد الإنسان، فإن مجازاته بما عمل من الإساءة والإحسان هو المقصود بالذات.
وقيل: إن قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: مفعول للتفكر، والمعنى عليه؛ أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث من قومك في خلق الله لهم ولم يكونوا شيئًا، ثم تصريفهم أحوالًا وتارات، حتى صاروا كاملي الخلق، كاملي العقل، فيعلموا أن الذي فعل ذلك قادر على أن يعيدهم بعد فنائهم خلقًا جديدًا، ثم يجازي المحسن منهم بإحسانه، والمسيء منهم بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم فيعاقبه بدون جرم
стр. 9811
صدر منه، ولا يحرم أحدًا منهم جزاء عمله؛ لأنه العدل الذي لا يجور، فهو ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالعدل، وإقامة الحق إلى أجل مؤقت مسمى، فإذا حل الأجل .. أفنى ذلك كله، وبدل الأرض غير الأرض، وبرزوا للحساب جميعًا.
ثم ذكر أن كثيرًا من الناس غفلوا عن الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ مع غفلتهم عن الآخرة، وإعراضهم عن التفكر فيما يرشدهم إلى معرفتها ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بلقاء حسابه وجزائه بالبعث، و ﴿الباء﴾: متعلقة بقوله: ﴿لَكَافِرُونَ﴾ و ﴿اللام﴾: هي المؤكدة، فلا تمنع تعلق ما قبلها بما بعدها، والمراد بهؤلاء الكفار: مطلق الكفار، أو كفار مكة؛ أي: منكرون جاحدون، يحسبون أن الدنيا أبدية، وأن الآخرة لا تكون بحلول الأجل المسمى؛ لأنهم لم يتفكروا في أنفسهم، ولو تفكروا فيها، ودرسوا عجائبها .. لأيقنوا بلقاء ربهم، وأن معادهم إليه بعد فنائهم.
٩ - ثم نبههم إلى صدق رسله فيما جاؤوا به عنه، بما أيدهم من المعجزات والدلائل الواضحة، من إهلاك من جحد نبوتهم، ونجاة من صدقهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام التوبيخي، المضمن للتقرير، داخلة على محذوف معلوم من السياق. و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقعد هؤلاء المكذبون من كفار مكة في أماكنهم، ولم يسيروا ويمشوا في أقطار الأرض ونواحيها ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ ويشاهدوا ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كيف كان جزاء الأمم الذين كانوا من قبلهم؛ أي: من قبل أهل مكة، وكيف كان مآلهم حين كذبوا رسلهم، فأهلكوا، كعاد، وثمود، وقوم لوط، وقد ساروا وقت التجارات في أقطار الأرض، وشاهدوا آثارهم، فكيف لا يتعظون.
ثم بين سبحانَهُ مبدأ أحوال تلك الأمم ومآلها، فقال: ﴿كَانُوا﴾؛ أي: كان الذين من قبلهم ﴿أَشَدَّ﴾ وأقوى ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل مكة ﴿قُوَّةً﴾ في الجسم، وأقدر منهم على التمتع بالحياة الدنيا ﴿وَأَثَارُوا﴾؛ أي: أثار الذين من قبلهم ﴿الْأَرْضَ﴾؛ أي: حرثوها وقلبوها للزراعة والغرس، وزاولوا أسباب ذلك، ولم
стр. 9812
يكن أهل مكة أهل حرث وزرع ﴿وَعَمَرُوهَا﴾؛ أي: عمر أولئك الأمم الأرض بفنون العمارات، من الزراعة، والغرس، والبناء، وغيرها مما يعد عمارة ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾؛ أي: عمارة أكثر كمًا وكيفًا وزمانًا من عمارة أهل مكة إياها؛ لأن أولئك كانوا أطول منهم أعمارًا، وأقوى أجسامًا، وأكثر تحصيلًا لأسباب المعاش، فعمروا الأرض بالأبنية، والزراعة، والغراس، كيف لا، وأهل مكة أهل وادٍ غير ذي زرع، ما لهم إثارة الأرض أصلًا، ولا عمارة لهم رأسًا، فما هو إلا تهكم بهم، وتضعيف حالهم في دنياهم.
وقرأ أبو جعفر (١): ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ بمدة بعد الهمزة. وقال مجاهد: ليس بشيء، وخرجه أبو الفتح على الإشباع. وقرأ أبو حيوه: ﴿وآثروا الأرض﴾ بحذف ألف بين المثلثة والراء، من الأثرة، وهو الاستبداد بالشيء، وقرىء: ﴿وأثروا الأرض﴾؛ أي: أبقوا عنها آثارًا. ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الباهرات، والآيات الواضحات، والحجج القاطعات، فكذبوهم، فأهلكهم الله تعالى، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه بما فعل بهم من العذاب والإهلاك ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ من غير جرم يستدعيه من جانبهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر والتكذيب.
والمعنى (٢): أي أولم يسر هؤلاء المكذبون بالله، الغافلون عن الآخرة في البلاد التي يسلكونها تجرًا، فينظروا إلى آثار الله فيما كان قبلهم من الأمم المكذبة، كيف كان عاقبة أمرهم في تكذيبهم رسلم، وقد كانوا أشد منهم قوةً، وحرثوا الأرض وعمروها أكثر مما عمر هؤلاء، ثم أهلكهم الله تعالى بكفرهم وتكذيبهم رسله، وما كان الله بظالم لهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، وجحودهم آياته، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، بمعصيتهم ربَّهم.
والخلاصة (٣): أنه قد كان لكم فيمن قبلكم من الأمم معتبر ومزدجر، فقد
стр. 9813
كانوا أكثر منكم أموالًا وأولادًا، ومكنوا في الدنيا تمكينًا، لم تبلغوا معشاره، وعمروا فيها أعمارًا طوالًا، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ولما جاءتهم الرسل بالبينات .. كذبوهم، وفرحوا بما أوتوا، فأخذوا بذنوبهم، ولم تغن عنهم أموالهم شيئًا، ولم تحل بينهم وبين بأس الله تعالى.
١٠ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالرفع، على أنها اسم ﴿كَانَ﴾، وتذكير الفعل حينئذٍ لكون تانيثها مجازيًا، و ﴿السُّوأَى﴾ خبرها، والمعنى؛ أي: ثم بعد إهلاكهم في الدنيا، كان عاقبة الذين عملوا السيئات في الآخرة الدار السيئة، التي هي نار جهنم، والعقوبة التي هي أسوأ العقوبات وأفظعها، وهي العقوبة بالنار.
وفيه وضع الظاهر، وهو ﴿الَّذِينَ﴾ مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: ثم كان عاقبتهم، وقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول لأجله، علة لما أشير إليه من تعذيبهم الدنيوي والأخروي؛ أي: أهلكهم الله سبحانه في الدنيا، ثم كان عاقبتهم في الآخرة الدار السيئة، لأجل أن كذبوا بآيات الله، المنزلة على رسله، ومعجزاته الظاهرة على أيديهم.
﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾ داخل معه في حكم العلة؛ أي: لأجل تكذيبهم بايات الله تعالى، واستهزائهم بها، وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده.
وقرأ الكوفيون وابن عامر (١): ﴿عاقبة﴾ بالنصب، على أنه خير ﴿كَانَ﴾ مقدم، و ﴿السُّوأَى﴾: مصدر أساؤوا، كالرجعى، أو صفة لمصدر محذوف، و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾: اسمها المؤخر، والتقدير: ثم كان التكذيب والاستهزاء عاقبة الذين عملوا السوأى، أو عملوا الأعمال السينة، و ﴿السُّوأَى﴾: تأنيث الأسوأ، كالحسنى، تأنيث الأحسن، أو مصدر كالبشرى والرجعى، وصف به العقوبة مبالغةً، كأنها نفس السوأى، وقيل: السوأى: اسم لجهنم، كما أن الحسنى اسم
стр. 9814
للجنة، وإنما سميت سوأى؛ لأنها تسوء صاحبها، وقرأ الأعمش، والحسن: ﴿السوى﴾ بإبدال الهمزة واوًا وإدغام الواو فيها، كقراءة من قرأ ﴿بالسو﴾ بالإدغام في يوسف، وقرأ ابن مسعود: ﴿السوء﴾ بالتذكير.
وحاصل معنى الآيات (١): أن الأمم السالفة المكذبة، عذبوا في الدنيا والآخرة، بسبب تكذيبهم واستهزائهم، وسائر معاصيهم، فلم تنفعهم قوتهم، ولم تمنعهم أموالهم من العذاب والهلاك، فما الظن بأهل مكة، وهم دونهم في العدد وقوة الجسد.
فائدة: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قاله (٢) هنا وفي فاطر وفي أول المؤمن بالواو، وفي آخر سورة المؤمن قاله بالفاء، حيث قال: ﴿أَفلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لأن ما هنا موافق لما قبله، وهو: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ولما بعده، وهو ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ وما في فاطر موافق أيضًا لما قبله، وهو ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ولما بعده وهو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ وما في أول المؤمن موافق لما قبله، وهو ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ وما في آخرها موافق لما قبله، وهو ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ وما بعده، وهو: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ فناسب فيه الفاء، وفي الثلاثة قبله الواو.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٣) قاله هنا بحذف ﴿كَانُوا﴾ قبل قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وحذف الواو بعده، وقاله في فاطر بحذف ﴿كَانُوا﴾ أيضًا، وبذكر الواو، حيث قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وفي أوائل غافر بذكر ﴿كَانُوا﴾ دون الواو وزيادة ﴿هُمُ﴾ حيث قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
стр. 9815
وفي آخرها بحذف الجميع، لأن ما في أوائلها وقع فيه قصة نوح، وهي مبسوطة فيه، فناسب فيه البسط، وحذف الجميع في أواخرها، اختصارًا لدلالة ذلك عليه، وذكر هنا وفي فاطر موافقة لذكرها قبل وبعد.
١١ - ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: ينشئهم ويخلقهم أولًا في الدنيا، وهو الإنسان المخلوق من النطفة ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا؛ أي: يحييهم في الآخرة، ويبعثهم بعد الموت، وتذكير الضمير وإفراده، باعتبار لفظ الخلق، ﴿ثُمَّ﴾ بعد بعثكم وإعادتكم ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى موقف حسابه تعالى وجزائه ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تردون، لا إلى غيره، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في الترهيب، والإتيان بضمير الجمع باعتبار معنى الخلق.
وقرأ عبد الله وطلحة (١): ﴿يبدىء﴾ بضم الياء وكسر الدال، والجمهور: بفتحها، وقرأ أبو بكر، وأبو عمرو، وروح: ﴿يرجعون﴾ بالتحتية على الأصل، والجمهور: بالفوقية على الخطاب.
١٢ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: القيامة التي هي وقت إعادة الخلق، ورجعهم إليه للجزاء، والساعة (٢): جزء من أجزاء الزمان، عبر بها عن القيامة تشبيهًا لها بذلك، لسرعة حسابها، كما قال: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ أو لما نبه عليه قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: يسكت المشركون سكوت من انقطعت عن الحجة، متحيرين آيسين من الاهتداء إلى الحجة، أو من كل خير حين عاينوا العذاب، وقرأ (٣) الجمهور: ﴿يبلس﴾ بكسر اللام على البناء للفاعل، وقرأ علي، والسلمي: بفتحها على البناء للمفعول، من أبلسه: إذا أسكته.
ومعنى الآيتين: أي (٤) الله سبحانه ينشىء جميع الخلق بقدرته، وهو منفرد
стр. 9816
بإنشائه من غير شريك ولا ظهير، ثم لعيده خلقًا جديدًا بعد إفنائه وإعدامه، كما بدأه خلقًا سويًا ولم يك شيئًا، ثم إليه يردون فيحشرون لفصل القضاء بينهم، فيجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ثم بين ما سيحدث في ذلك اليوم من الأهوال للأشقياء، والنعيم والحبور للسعداء، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ .. إلخ؛ أي: ويوم تجيء الساعة التي فيها يفصل الله بين خلقه بعد نشرهم من قبورهم، وحشرهم إلى موقف الحساب، يسكت الذين أشركوا بالله، واجترحوا في الدنيا مساوي الأعمال، إذ لا يجدون حجة يدفعون بها عن أنفسهم ما يحل بهم من النكال والوبال.
١٣ - ولما كان الساكت قد يغنيه غيره عن الكلام .. نفى ذلك بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ أي: ولا يكون لهؤلاء المشركين ﴿مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾؛ أي: من أوثانهم التي عبدوها رجاء الشفاعة، أو رؤسائهم الذين كانوا يتبعونهم على ما دعوهم إليه من الضلالة ﴿شُفَعَاءُ﴾ يستنقذونهم، ويجيرونهم من عذاب الله، وإذ ذاك يستبين لهم جهلهم وخطؤهم، إذ قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وعبر (١) بالمضارع المنفي بـ ﴿لَمْ﴾ الذي كان ماضي المعنى، لتحققه في علم الله، وكذا يقال فيما بعده، وصيغة الجمع في قوله: ﴿شُفَعَاءُ﴾ لوقوعها في مقابلة الجمع؛ أي: لم يكن لكل واحد منهم شفيع أصلًا، وأضاف الشركاء إليهم في قوله: ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ لأنهم أشركوهم في أموالهم، وقيل: لأنهم اتخذوها بزعمهم شركاء لله.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ بالياء التحتية، وقرأ خارجة، والأريس كلاهما عن نافع، وابن سنان عن أبي جعفر، والأنطاكي عن شيبة، بتاء التأنيث.
وكتب في المصحف (٣): ﴿شفعواء﴾ بواو قبل الألف كما كتب: ﴿علمواء﴾ بني إسرائيل في الشعراء، و ﴿السوأى﴾ بالألف قبل الياء إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
стр. 9817
ولما ذكر سبحانه حال الشفعاء معهم .. ذكر حالهم مع الشفعاء بقوله: ﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: وكان عبدة الأصنام يومئذٍ ﴿بِشُرَكَائِهِمْ﴾؛ أي: بآلهتهم ﴿كَافِرِينَ﴾؛ أي: جاحدين متبرئين منهم، يقولون: والله ربنا ما كنا مشركين؛ أي: ويكونون يكفرون بآلهتهم حيث يئسوا منهم، وعبر بالماضي أيضًا، إشارةً إلى تحققه في علم الله تعالى، كما سبق.
١٤ - ثم بين سبحانه أن الله يميز الخبيثين من الطيبين، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: ويوم تجيء الساعة التي يحشر فيها الخلق إلى الله، أعيد لتهويله، وتفظيع ما يقع فيه، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ توكيد لفظي لما قبله؛ أي: يوم إذ تقوم الساعة ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾؛ أي: يتفرق أهل الإيمان بالله وأهل الكفر به، فأما أهل الإيمان به .. فيؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وأما أهل الكفر فيؤخذ بهم ذات
الشمال إلى النار، والمراد: تفرق جميع الخلق المدلول عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ لا تفرق المجرمين خاصة، والمراد بالتفرق: أن كل طائفة تنفرد، وليس المراد: تفرق كل فرد منهم عن الآخر، ومثل الآية قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ وذلك بعد تمام الحساب، فلا يجتمعون أبدًا، قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها، وقال الحسن: لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا .. ليتفرقن يوم القيامة، هؤلاء في أعلى عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين.
١٥ - ثم بين سبحانه كيفية تفرقهم، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ عظيمة؛ أي: في رياض الجنة، وهي محاسنها وملاذها، وخص الروضة بالذكر، لأنه لم يكن عند العرب شيء أحسن منظرًا، ولا أطيب نشرًا من الرياض، ففيه تقريب المقصود من أفهامهم ﴿يُحْبَرُونَ﴾؛ أي: يسرون سرورًا تهللت له وجوههم، وبألوان الزهر والسندس الأخضر يتمتعون، ويتلذذون بالسماع والعيش الطيب الهنيء، وقيل: ينعمون، وقيل: يكرمون، والأولى أولى.
١٦ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرآنية التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي: البعث بعد الموت،
стр. 9818
والنشور للدار الآخرة، صرح بذلك مع اندراجه في تكذيب الآيات، للاعتناء بأمره ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالكفر والتكذيب ﴿فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: مدخلون في العذاب على الدوام، لا يغيبون عنه أبدًا، قال بعضهم: الإحضار: إنما يكون على إكراه، فيجاء به على كراهة؛ أي: يحضرون العذاب في الوقت الذي يحبر فيه المؤمنون في روضات الجنان، فيكون على عذاب وويل وثبور، كما يكون المؤمنون على ثواب وسماع وحبور، أما من يؤمن ويعمل السيئات .. فليس دائم الحضور في العذاب، وليس من المحبورين غاية الحبور في رياض الجنة، فعلى العاقل أن يجتنب عن القيل والقال، ويكسب الوجد والحال، من طريق صالحات الأعمال، فإن لكل عمل صالح أثرًا، ولكل ورع وتقوى ثمرة، فمن حبس نفسه في زاوية العبادة والطاعة، وتخلى في خلوة الذكر والفكر .. تفرج في رياض الجنان بما قاسى الأعضاء والجنان، ومن أغلق باب سمعه عن سماع الملاهي، وصبر عنه .. فتح له باب سماع في الجنة، وإلا فقد حرم من أمثل اللذات، كما أن من شرب الخمر في الدنيا .. لم يشربها في الآخرة.
وأشار بالإحضار: إلى أن جهنم سجن الله تعالى، فكما أن المجرم في الدنيا يساق إلى السجن، وهو كاره له، فكذا المجرم في العقبى يساق ويجر إلى النار بالسلاسل والأغلال، فيذوق وبال كفره وتكذيبه، وحضوره محاضر أهل الهوى من أهل الملاهي، وربما يحضر في العذاب من ليس بمكذب، إلحاقًا له في بعض الأوصاف، وإن كان غير مخلد فيه، وربما تؤدي الجراءة على المعاصي، والإصرار عليها إلى الكفر والعياذ بالله تعالى.
١٧ - و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، والتسبيح محمول على حقيقته وظاهره الذي هو تنزيه الله تعالى عن السوء، والثناء عليه بالخير.
والمعنى: إذا علمتم أيها العقلاء المميزون، أن الثواب والنعيم للمؤمنين العاملين، والعذاب والجحيم للكافرين المكذبين، فسبحوا الله؛ أي: نزهوه عن كل ما لا يليق بشأنه تعالى، وقولوا: سبحان الله ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وتدخلون في
стр. 9819
المساء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وتدخلون في الصباح، والإمساء: الدخول في المساء، كما أن الإصباح: الدخول في الصباح، كما سيأتي في مبحث اللغة.
والمعنى: وسبحوه تعالى وقت دخولكم في المساء، وساعة دخولكم في الصباح،
١٨ - وجملة قوله: ﴿وَلَهُ﴾ ﴿الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا لغيره، يحمده خاصةً أهل السماوات والأرض، ويثنون عليه (١)، معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح، كما في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾.
وفيه لطيفة: وهو أن الله تعالى، لا أمر العباد بالتسبيح .. كأنه بين لهم أن تسبيحم الله سبحانه لنفعهم، لا لنفع يعود على الله تعالى، فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه، لأجل نعمة هدايتهم إلى التوفيق اهـ. "رازي".
والمعنى: احمدوه على نعمهِ العظام في الأوقات كلها، فإن الإخبار بثبوت الحمد له تعالى، ووجوبه على أهل التمييز، من خلق السماوات والأرض في معنى الأمر على أبلغ وجه، وتقديم التسبيح على التحميد؛ لأن التخلية بالمعجمة، مقدمة على التحلية بالمهملة، كشرب المسهل مقدم على شرب المصلح، وكالأساس مقدم على الحيطان، وما يبنى عليها من النقوش، والجار والمجرور في قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بنفس الحمد.
وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ أي: آخر النهار، معطوف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾؛ أي: وسبحوه وقت العشي، وتقديمه على قوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾؛ أي: تدخلون في الظهيرة التي هي وصط النار، لمراعاة الفواصل، وتغيير الأسلوب؛ لأنه لا يجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي، كالمساء والصباح والظهيرة.
وإنما خص (٢) بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح، لكونه محتاجًا إلى تحصيل مأكول ومشروب
стр. 9820
وملبوس ومركوب، كما أن العبد ينزه الله في أول النهار وآخره ووسطه، فإن الله يطهره في أولهِ، وهو دنياه، وفي آخره وهو عقباه، وفي وسطه وهو حالة كونه في قبره، وتخصيص (١) التسبيح والتحميد بتلك الأوقات، للدلالة على أن ما يحدث فيها من آيات قدرته، وأنواع رحمته، ونعمته، شواهد ناطقة بتنزهه تعالى، واستحقاقه الحمد موجبة لتسبيحه، وتحميده حتمًا.
وعبارة "المراغي" هنا: وتخصيص (٢) هذه الأوقات من بين سائرها، لما فيها من التبدل الظاهر في أجزاء الزمن، والانتقال من حال إلى أخرى على صورة واضحة، كالانتقال من الضياء إلى الظلام في المساء، ومن الظلام إلى النور في الصباح، ومن ضياءٍ تامٍ وقت الظهيرة، إلى اضمحلالٍ لذلك الضياء وقت العشي. وهكذا.
وعن ابن عباس ﵄: أن الآية جامعة للصلوات الخمس ومواقيتها: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء، و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، و ﴿تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر. فالمعنى عليه: فصلوا لله في هذه الأوقات، الصلاة المشتملة على التسبيح والتحميد، وسائر الأذكار.
والأولى أن يفسر التسبيح بالتنزيه (٣)؛ أي: نزهوا الله سبحانه في هذه الأوقات عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال؛ لأنه يتضمن الصلاة؛ لأنَّ التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم، ويتناول التنزيه باللسان، وهو الذكر الحسن، ويتناول التنزيه بالأركان، وهو العمل الصالح، والثاني ثمرة الأول، والثالث ثمرة الثاني، فالإنسان إذا اعتقد شيئًا .. ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال .. ظهر صدقه في مقاله من أحواله وأفعاله، فاللسان: ترجمان الجنان، والأركان: ترجمان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، فهي مشتملة على الذكر باللسان، والتصديق بالجنان، فهو نوع من أنواع التنزيه،
стр. 9821
والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع، فيجب حمله على كل ما هو تنزيه، الذي من جملته الصلاة اهـ. "رازي".
وقدم (١) الإمساء على الإصباح، كما قدم في قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ والظلمات على النور، وقابل بالعشي الإمساء، وبالإظهار الإصباح، لأن كلا منهما يعقب بما يقابله، فالعشي يعقبه الإمساء، والإصباح يعقبه الإظهار، ولما لم يتصرف من العشي فعل لا يقال أعشى، كما يقال: أمسى وأصبح وأظهر .. جاء التركيب ﴿وَعَشِيًّا﴾.
وقرأ عكرمة: ﴿حينا تمسون وحينا تصبحون﴾ بتنوين ﴿حين﴾، والجملة: صفة حذف منها الرابط، تقديره تمسون فيه، وتصبحون فيه.
فصل في ذكر نبذة من الأحاديث الواردة في فضل التسبيح
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: سبحان الله وبحمده، في كل يوم مئة مرة .. حطت خطاياه، وان كانت مثل زبد البحر".
وعنه عن النبي ﷺ قال: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مئة مرة .. لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه". أخرجهما الترمذي، وقال فيهما: حسن صحيح.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان" حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وعن جويرية ﵂ بنت الحارث زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ خرج ذات غداة من عندها، وهي في مسجدها، فرجع بعد ما تعالى النهار فقال: "ما زلت في مجلسك هذا منذ خرجت بعد" قالت: نعم، فقال: "لقد قلتُ بعدَك أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرات، لو وزنت بكلماتك لوزنتهن: سبحان الله وبحمده
стр. 9822
عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" أخرجه مسلم.
وعن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "أيعجز أحدكم أن يكتسب كل يوم ألف حسنة؟ " فسأله سائل من جلسائه، قال: كيف يكتسب ألف حسنة؛ قال: "يسبح الله مئة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، ويحط عنه ألف خطيئة". أخرجه مسلم، وفي رواية غير مسلم: "يحط عنه أربعين ألفًا".
وأخرج أبو داود، والطبراني، وابن السني، وابن مردويه: عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يصبح ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدرك ما فاته في ليلته، ومن قال حين يمسي: أدرك ما فاته في يومه"، وإسناده ضعيف.
وعن النبي ﷺ (١): "من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى .. فليقل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآية".
١٩ - ولما ذكر الإبداء والإعادة .. ناسبه ذكر إخراج الحي من الميت وعكسه، حيث قال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة، وأيضًا المؤمن من الكافر، والمصلح من المفسد، والعالم من الجاهل، وأيضًا القلب الحي بنور الله من النفس الميتة عن صفاتها وأخلاقها الذميمة، إظهارًا للطفه ورحمته. ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ كالنطفة والبيضة من الحيوان، أيضًا الكافر والمفسد، والجاهل من المؤمن والمصلح والعالم، وأيضًا القلب الميت عن الأخلاق الحيوانية الشهوانية، من النفس الحية بالأخلاق الحميدة الروحانية.
قيل: ووجه (٢) تعلق هذه الآية بالتي قبلها: أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت وهو النوم، إلى شبه الوجود وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة إلى النوم، فإحياء الميت عنده تعالى، كتنبيه النائم، وإماتة الحي، كتنويم المنتبه.
стр. 9823
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ بالمطر والنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: بعد قحلها ويبسها، وهو شبيه بإخراج الحي من الميت ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الإخراج ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم أحياءً إلى موقف الحساب، فإنه أيضًا يعقب الحياة الموت.
خلاصته: أن الإبداء والإعادة في قدرته سواء، قال مقاتل: يرسل الله يوم القيامة ماء الحياة من السماء السابعة، من البحر المسجور، بين النفختين، فينشر عظام الموتى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ فكما ينبت النبات من الأرض بالمطر، فكذا ينبت الناس من القبور بمطر البحر المسجور كالمني، ويحيون به.
والمعنى: أي وكما سهل حركة النائم الساكن بالانتباه، وإنماء الأرض بإنباتها بعد موتها، يسهل عليه إحياء الميت وإخراجه من قبره لفصل القضاء.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تخرجون﴾ بالتاء المضمومة مبنيًا للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش: بفتح تاء الخطاب وضم الراء، مبنيًا للفاعل، فأسند الخروج إليهم كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾.
٢٠ - ثم ذكر سبحانه آياته من بدء خلق الإنسان آيةً آيةً إلى حين بعثه من القبر، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن آياته ، وعلاماته الدالة على بعثكم ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ يا بني آدم في ضمن خلق آدم؛ لأنه خلقه منطويًا على خلق ذرياته انطواءً إجماليًا، أو بوساطة خلق غذائكم ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ لم يشم رائحة الحياة قط، ولا مناسبة بينه ولا بين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم، وإنما خلق الله (٢) الإنسان من التراب، ليكون متواضعًا ذلولًا حمولًا مثله، والأرض وحقائقها دائمة في الطمأنينة والإحسان بالوجود، ولذلك لا تزال ساكنةً وساكتةً، لفوزها بوجود مطلوبها، فكانت أعلى مرتبةً، وتحققت في مرتبة العلو في عين السفل، وقامت بالرضي.
стр. 9824
﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ﴾ يا بني آدم ﴿بَشَرٌ﴾؛ أي: آدميون من لحم ودم، عقلاء ناطقون ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ في الأرض، وتتصرفون فيما هو قوام معايشكم، و ﴿إِذَا﴾ فجائية، والانتشار: التصرف في الحاجات.
والمعنى: أي (١) ثم فاجأتم بعد ذلك وقت كونكم بشرًا تنتشرون في الأرض، وتتفرقون فيها لطلب معايشكم، فدل بدء خلقكم على إعادتكم، و ﴿إِذَا﴾ الفجائية (٢) وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ﴿ثُمَّ﴾ بالنظر إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان، كما حكاه الله سبحانه في مواضع، من كونه نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا مكسوًا لحمًا، فاجأ البشرية والانتشار.
وهذا مجمل (٣) ما فصل في قوله تعالى في أوائل سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾؛ أي: إن كنتم في شك ن البعث بعد الموت .. فانظروا إلى ابتداء خلقكم، وقد خلقناكم بالأطوار، لتظهر لكم قدرتنا على البعث، فتؤمنوا به، وأنشد بعضهم:
خُلِقْتُ مِنَ التُّرَابِ فَصِرْتُ شَخْصًا ... بَصِيْرًا بِالسّؤالِ وَبالْجَوَابِ
وَعُدْت إِلَى التُرَابِ فَصِرْتُ فِيْهِ ... كَأَنِّيْ مَا بَرِحْتُ مِنَ التُّرَابِ
٢١ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ، الدالة على البعث والجزاء ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾؛ أي: لأجلكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: من جنسكم في البشرية والإنسانية، لا من جنس آخر.
وقيل: المراد: حواء، فإنه خلقها من ضلع آدم، فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم، متضمن لخلقهن من أنفسكم ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: إناثًا، والمعنى
стр. 9825
الأول هو الأوفق بقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ وتميلوا ﴿إِلَيْهَا﴾؛ أي: إلى تلك الأزواج، وتألفوا بها، فإن المجانسة من دواعي التضام، والتعارف التآنس، كما أن المخالفة من أسباب التفرق والتنافر، فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر، ولا يميل قلبه إليه، وهذه الحكمة في بعث الرسل من جنس بني آدم.
وقد ذهب بعض العلماء من الفقهاء وغيرهم، إلى جواز المناكحة والعلوق بين الجن والإنس، فقد جعل الله سبحانه أزواجًا من غير الجنس.
والجواب: إن ذلك من النوادر، فلا يعتبر، وليس السكون إلى الجنية كالسكون إلى الإنسية، وإن كانت متمثلة في صورة الإنس.
﴿وَجَعَلَ﴾ سبحانه ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وبين أزواجكم من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة، أو رابطة قرابة ورحم ﴿مَوَدَّةً﴾؛ أي: محبة ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: شفقة؛ أي: تواددًا وتراحمًا، بسبب عصمة النكاح، يعطف به بعضكم على بعض، من غير أن يكون بينكم قبل ذلك معرفة، فضلًا عن مودةٍ ورحمةٍ، وقال (١) مجاهد والحسن، وعكرمة: المودة (٢) النكاح، والرحمة الولد، كنى بذلك عنهما، وقيل: مودةً للشابة، ورحمةً للعجوز، وقيل: مودة للكبير، ورحمةً للصغير، قاله ابن عباس، وقيل: هما اشتباك الرحم، وقيل: المودة من الرحمن، والبغض من الشيطان.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما ذكر من خلقهم من تراب، وخلق أزواجهم من أنفسهم، وإلقاء المودة والرحمة بينهم ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمةً، ودلائل باهرة على عظمة الله سبحانه، وقدرته على البعث والنشور، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويتأملون في صنع الله وفعله، فيعلمون ما في ذلك من الحكم والمصالح؛ لأنهم الذين يقتدرون على الاستدلال، لكون التفكر مادةً له يتحصل عنه، وأما الغافلون عن التفكر فما هم إلا كالأنعام.
قال في "برهان القرآن": ختم الآية بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المذكورة، من التوانس والتجانس بين الأشياء، كالزوجين،
стр. 9826
وقال في "روح البيان": لعل الوجه في الختم به: أن إدراك ما ذكر، ليس مما يختص بخواص أهل التفكر، وهم العلماء، بل يدركه من له أدنى شيء من التفكر، والتفكر دون التذكر، ولذا لم يذكر التذكر في القرآن، إلا مع أولي الألباب. انتهى.
وحاصل معنى الآيتين (١): أي ومن حججه الدالة على أنه القادر على ما يشاء، من إنشاء وإفناء وإيجاد وإعدام، أن خلقكم من تراب بتغذيتكم، إما بلحوم الحيوان وألبانها وأسمانها، وإما من النبات، والحيوان غذاؤه النبات، والنبات من التراب، فإن النواة لا تصير شجرة إلا بالتراب الذي ينضم إليه أجزاء مائية، تجعلها صالحة للتغذية، ثم بعد إخراجكم منه إذا أنتم بشر تنتشرون في الأرض، تتصرفون فيها في أغراضكم المختلفة، وأسفاركم البعيدة، تكدحون وتجدون لتحصيل أرزاقكم من فيض ربكم، وواسع نعمه عليكم.
ومن آياته الدالة على البعث والإعادة: أن خلق لكم أزواجًا من جنسكم، لتأنسوا بها، وجعل بينكم المودة، والرحمة، لتدوم الحياة المنزلية على أتمّ نظام، إن فيما ذكر من خلقكم من تراب، وخلق أزواجكم من أنفسكم، وإبقاء المودة والرحمة، لعبرةً لمن تأمل في تضاعيف تلك الأفعال المبنية على الحكم والمصالح، فهي لم تخلق عبثًا، بل خلقت لأغراضٍ شتى، تحتاج إلى الفكر، حتى يصل إلى معرفتها ذوو الذهن والعقل الراجح.
٢٢ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ودلائل وجوده وبراهين قدرته على البعث والنشور ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على عظمهما وكثافتهما، وكثرة أجزائهما بلا مادة، فهو أظهر قدرة على إعادة ما كان حيًا قبل ذلك؛ أي: خلقه السماوات المزدانة بالكواكب، والنجوم الثوابت، والسيارة المرتفعة السموات الواسعة الأرجاء وخلق الأرض ذات الجبال والوديان، والبحار والقفار، والحيوان والأشجار، فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة، التي هي أجرام السماوات والأرض، وجعلها باقيةً مادامت هذه
стр. 9827
الدار، وخلق فيها من عجائب الصنع، وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم، وينشركم من قبوركم.
﴿وَ﴾ من آياته وقدرته ﴿اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ ولغاتكم اختلافًا لا حد له، من عربية، وفارسية، وفرنسية، وانجليزية، وهندية، وصينية، وتركية، ورومية، وأورمية، إلى نحو ذلك، مما لا يعلم حصره إلا خالق اللغات، فمن اطلع على لغات رأى من اختلاف تراكيبها أو قوانينها مع اتحاد المدلول، عجائب وغرائب في المفردات والمركبات.
وعن وهب (١): إن الألسنة اثنان وسبعون لسانًا، منها في ولد حامٍ سبعة عشر، وفي ولد سامٍ تسعة عشر، وفي ولد يافثٍ ستة وثلاثون.
وهذا من قديم الزمان، وأما الآن فقد صارت تعد بالمئات، وقيل: المراد باللغات الأصوات والنغم، قال الراغب: اختلاف الألسنة، إشارة إلى اختلاف اللغات، واختلاف النغمات، فإن لكل لسان نغمةً يميزها السمع، كما أن له صورة مخصوصةً يميزها البصر، انتهى. فلا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية من كل وجهٍ، متفقين في همسٍ واحدٍ، ولا جهارةٍ واحدةٍ، ولا رخاوةٍ ولا فصاحةٍ، ولا لكنةٍ، ولا نظمٍ، ولا أسلوبٍ، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، قاله الزمخشري.
﴿وَ﴾ من آياته اختلاف ﴿أَلْوَانِكُمْ﴾ وأشكالكم من البياض والسواد والحمرة، والصفرة والزرقة والخضرة والأدمة مع كونكم أولاد رجل واحد وأم واحدة، ويجمعكم نوع واحد، وهو الإنسانية، وفصل واحد، وهو الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم، لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد، ولولا ذلك الاختلاف.، لوقع الالتباس، وتعطلت مصالح كثيرة من المعاملات وغيرها، وفي هذا من بديع القدرة، وعجيب الحكمة، ما لا يعاقله إلا العالمون، ولا يفهمه إلا المتفكرون.
стр. 9828
فاختلاف الألسنة والأشكال، يحصل به التمييز بين الأشخاص الأصوات والألوان، وهذا مما لا غنى عنه في منازع الحياة، ومختلف أغراضها، فكثيرًا ما نميز الأشخاص بالأصوات، وبذا نعرف الصديق من العدو، فنتخذ ما يلزم من العدة لكل منهما، كما نميزها بلغاتها، فنعرف من أي الأجناس هي.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما ذكر من خلق السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة، ودلائل واضحة، كثيرة عددها ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بكسر اللام؛ أي: لأولي العلم، الذين يفكرون فيما خلق الله تعالى، الذين هم من جنس هذا العالم، من غير فرق بين بر وفاجر، فيعلمون أنه لم يخلق الخلق عبثًا، بل خلقه لحكمة بالغة، فيها عبرة لمن تذكر، وخص (١) العلماء؛ لأنهم أهل النظر والاستدلال، دون الجهال المشغولين بحطام الدنيا وزخارفها، فلما كان الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره إنما يمكن بالعلم ختم الآية بالعالمين، ففيه إشارة إلى كمال وضوح الآيات، وعدم خفائها على أحد من الخلق، من ملك وإنس وجن وغيرهم، وقال في "فتح الرحمن" (٢): ختم الآية به، لأن الكل يظلهم السماء، ويقلهم الأرض، وكل منهم متميز بلطيفة يمتاز بها عن غيره، وهذا يشترك فيه جميع العالمين.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿للعالمين﴾ بفتح اللام؛ لأنها في نفسها آية منصوبة للعالم، وقرأ حفص، وحماد بن شعيب عن أبي بكر، وعلقمة عن عاصم، ويونس عن أبي عمرو بكسر اللام، إذ المنتفع بها، إنما هم أهل العلم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
٢٣ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ سبحانه؛ أي: ومن أعلام قدرته تعالى، على مجازاة العباد في الآخرة ﴿مَنَامُكُمْ﴾ مفعل من النوم؛ أي (٤): نومكم الذي هو راحة لأبدانكم، وقطع لأشغالكم، ليدوم لكم به البقاء إلى آجالكم ﴿بِاللَّيْلِ﴾ كما هو المعتاد،
стр. 9829
﴿وَالنَّهَارِ﴾ أيضًا على حسب الحاجة ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ﴾؛ أي: وطلبكم معاشكم فيهما، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: من رزقه، فإن كلًّا من المنام، وطلب القوت، يقع في الليل والنهار، وإن كان الأغلب وقوع المنام في الليل، والطلب في النهار.
والمعنى عليه: ومن آياته العظيمة: أنكم تنامون في الليل، وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة، كوقت القيلولة، وخصوصًا من كان مشتغلًا في حوائجه في الليل، وابتغاؤكم من فضله فيهما؛ لأن بعض الناس قد يبتغي الفعل في الليل، كالمسافرين والحراس في الليل وغيرهم، وهذا المعنى هو المناسب للنظم القرآني هاهنا، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أي ومن أياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله في النهار، وهذا المعنى هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى.
قال الزمخشري: والظاهر هو الأول، لتكرره في القرآن، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن. انتهى.
وجعلهما (١) من جملة الأدلة على البعث، أن النوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات، والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت.
وقدم (٢) الليل على النهار؛ لأن الليل لخدمة المولى، والنهار لخدمة الخلق، ومعارج الأنبياء ﵈ كانت بالليل، ولذا قال الإِمام النيسابوري: الليل أفضل من النهار، وقال بعضهم: الليل محل السكون، وهو الأصل، والنهار محل الحركة، وهو الفرع، وقال بعض الكبار: لم يقل تعالى: وبالنهار، ليتحقق لنا أن يريد أننا في منام في حال يقظتنا المعتادة؛ أي: أنتم في منام ما دمتم في هذه الدار، يقظةً ومنامًا بالنسبة لما أمامكم، فهذا سبب عدم ذكر الباء في قوله: ﴿وَالنَّهَارِ﴾، والاكتفاء بباء الليل. انتهى.
يعني لو قيل: وبالنهار .. كان لا يتعين فيه ذلك، لجواز أن يكون الجار والمجرور معمولًا لمحذوف معطوف على المبتدأ، تقديره: ويقظتكم بالنهار، ثم
стр. 9830
حذف لدلالة معمولة، أو مقابله عليه، كقوله:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا
أي: وسقيتها ماء باردًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور، من إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد النوم، الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء، مع المفارقة في التحصيل ﴿لَآيَاتٍ﴾ عديدةً على القدرة والحكم، لا سيما البعث ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ الآيات والمواعظ، سماع متفكر متدبر، فيستدلون بذلك على البعث؛ أي: شأنهم أن يسمعوا الكلام من الناصحين، سماع من انتبه من نومه، فجسمه مستريح نشيط، وقلبه فارغ عن مكدرٍ للنصح، مانع عن قبوله، وفيه إشارة إلى أن من لم يتأمل في هذه الآيات .. فهو نائم، لا مستيقظ، فهو غير مستأهل لأن يسمع.
قال في "برهان القرآن": ختم الآية بقوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ لأن من سمع أن النوم من صنع الله الحكيم، لا يقدر أحد على اجتلابه إذا امتنع، ولا على دفعه إذا ورد .. تيقن أن له صانعًا مدبرًا.
قال الخطيب: معنى يسمعون هنا: يستجيبون لما يدعوهم إليه الكتاب.
واعلم (١): أن النوم فضل من الله سبحانه للعباد، ولكن للعباد أن لا يناموا إلا عند الضرورة، وبقدر دفع الفتور المانع من العبادة، ومن آداب النوم: أن ينام على الوضوء، وإذا استطاع الإنسان أن يكون على الطهارة أبدًا فليفعل؛ لأن الموت على الوضوء شهادة، ويستحب أن يضطجع على يمينه، مستقبلًا للقبلة عند أول اضطجاعه، فإن بدا له أن ينقلب إلى جانبه الآخر .. فعل، ويقول حين يضطجع: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العلم، وكان ﵇ يقول: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك
стр. 9831
أرفعه، إن أمسكت نفسي .. فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها". ويقول عندما يقوم من نومه: "الحمد لله الذي أحيانًا بعدما أماتنا، ورد إلينا أرواحنا، وإليه البعث والنشور".
الإعراب
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾.
﴿الم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الم، إن قلنا: إنه علم للسورة، والجملة مستأنفة، وتقدم البسط في إعرابها مرارًا، فراجعه، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق ﴿غُلِبَتِ﴾. ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿هم﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾، و ﴿غَلَبِهِمْ﴾: مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: من بعد مغلوبيتهم، وجملة ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة الفعلية، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الْأَمْرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة، كأنه جواب لسؤال مقدر، وهو أي فائدة في ذكر قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ لأن قوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ لا يكون إلا بعد الغلبة؟ فأجيب بأن فائدته إظهار تمام القدرة، وبيان أن ذلك بأمر الله تعالى وحده. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: دار ومجروبى حال من الضمير المستكن في متعلق الخبر، ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾ معطوف على ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. وهما ظرفان، بنيا على الضم، لقطعهما عن الإضافة لفظًا، لا معنًى، ثم جرًا بمن، وبقيا على ضمهما؛ أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة.
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ
стр. 9832
غَافِلُونَ (٧)﴾.
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾ أيضًا. ﴿يَنْصُرُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة: مستأنفة. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: من يشاء نصره. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول، ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: مصدر نائب مناب فعله، منصوب بفعله المحذوف، تقديره: وعدهم الله النصر وعدًا، والجملة المحذوفة: مستأنفة مسوقة لتأكيد مضمون الجملة التي قبلها، وهي قوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾، و ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُخْلِفُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿وَعْدَهُ﴾: مفعول به، والجملة: إما مفسرة مقررة لمعنى المصدر، فلا محل لها من الإعراب، أو حال من المصدر؛ أي: حالة كونه غير مختلف، كما في "الكرخي"، ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، أو استئنافية، ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لَكِنَّ﴾ في محل النصب حال من ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، والرابط محذوف، تقديره: حالة كون أكثر الناس لا يعلمونه، أو مستأنفة. ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة، ﴿مِنَ الْحَيَاةِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿ظَاهِرًا﴾، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿عَنِ الْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿غَافِلُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ تأكيد لـ ﴿هُمْ﴾ الأول، ﴿غَافِلُونَ﴾: خبر لـ ﴿هُمْ﴾ الأول، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقصر كفار مكة نظرهم على ظاهر الحياة الدنيا، ولم يتفكروا في أنفسهم، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لَمْ
стр. 9833
يتفكروا﴾: جازم وفعل وفاعل مجزون بـ ﴿لَمْ﴾ والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة: مستأنفة، لا تعلق لها بما قبلها، أو معلقة للتفكر، فتكون في محل نصب بإسقاط الخافض، كما في "الجمل". ﴿وَمَا﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، أو حال من الجلالة، ﴿وَأَجَلٍ﴾: معطوف على ﴿الحق﴾، ﴿مُسَمًّى﴾ صفة لـ ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿كَثِيرًا﴾ اسمها، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، و ﴿اللام﴾: لا تمنع ذلك؛ لأنها وقعت في غير موضعها، وهو خبر ﴿إن﴾. ﴿لَكَافِرُونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿كَافِرُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف دل عليه السياق، ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقعد هؤلاء المشركون من أهل مكة في أماكنهم، ولم يسيروا في الأرض، والجملة المحذوفة: مستأنفة، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يَسِيرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوفة على ﴿يَسِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾: مقدم عليها للزومه الصدارة. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾: اسمها ومضاف إليه، وجملة: ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول ﴿ينْظُرُوا﴾ معلق عنها باسم الاستفهام، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿كَانُوا أَشَدَّ﴾:
стр. 9834
فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدَّ﴾، ﴿قُوَّةً﴾: تمييز محول عن المبتدأ، الذي كان اسم ﴿كَان﴾: منصوب باسم التفضيل، وجملة ﴿كَانَ﴾: جملة تفسيرية لما قبلها، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿كَانُوا﴾، ﴿وَعَمَرُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿كَانُوا﴾، ﴿أَكْثَرَ﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: عمارة أكثر، ﴿مِمَّا﴾ ﴿مِنْ﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿عَمَرُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿من﴾، والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أَكْثَرَ﴾ والتقدير: عمارة أكثر من عمارتهم. ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل معطوف على ﴿كَانُوا﴾. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿وَجَاءَتْهُمْ﴾. ﴿فَمَا كَانَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فكذبوهم فأهلكهم الله، والجملة المحذوفة: معطوفة على ﴿جاءتهم﴾، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿اللَّهُ﴾ اسمها، ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود، ﴿يَظْلِمَهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور: متعلق بمحذوف خبر ﴿كَانَ﴾ على مذهب البصريين، والتقدير: فما كان الله مريدًا لظلمهم، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدراك، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾ وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، والتقدير: ولكن كانوا ظالمين أنفسهم، والجملة الاستدراكية في محل النصب حال من مفعول ﴿يَظْلِمَهُمْ﴾.
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿عَاقِبَةَ الَّذِينَ﴾: خبرها مقدم ومضاف إليه، ﴿أَسَاءُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿السُّوأَى﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا، أي: ثم كانت ﴿السُّوأَى﴾؛ أي: جهنم، عاقبةً الذين
стр. 9835
أساؤوا، وجملة ﴿كَانَ﴾: معطوفة على الجملة المحذوفة، والتقدير: فأهلكهم الله في الدنيا، ثم كانت ﴿السُّوأَى﴾ عاقبتهم في الآخرة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: ثم كانت السوأى: عاقبتهم، لتكذيبهم بآيات الله تعالى، ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهَا﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانُوا﴾: معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾؛ أي: لتكذيبم بآيات الله، واستهزائهم بها، وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب، قد تركتها خوفًا من الإطالة.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ معطوفة على ﴿يَبْدَؤُأ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق، بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُعِيدُهُ﴾ على كونها خبر المبتدأ، ولكنها خبر سببي، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، والظرف: متعلق بـ ﴿يُبْلِسُ﴾، وجملة ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم لها، ﴿مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ حال من ﴿شُفَعَاءُ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿شُفَعَاءُ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر، وجملة ﴿يَكُنْ﴾: معطوفة على جملة ﴿يُبْلِسُ﴾، ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِشُرَكَائِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرِينَ﴾، ﴿كَافِرِينَ﴾: خبر ﴿كَان﴾، وجملة ﴿كَان﴾: معطوفة على جملة ﴿يُبْلِسُ﴾ أيضًا؛ لأنه في تأويل: ويكونون كافرين بشركائهم، كما سبق في مبحث التفسير، ﴿وَيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾، وجملة ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: مضاف إليه للظرف، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، تأكيد لفظي للظرف قبله، وجملة
стр. 9836
﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾: مستأنفة.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم يتفرقون يوم القيامة، وأردت بيان مأوى كل فريق، فأقول لك، ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾ واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُحْبَرُونَ﴾ من الفعل المغير، ونائبه: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره: خبر للأول، وجملة الأول، مع خبره جواب ﴿أما﴾، وجملة ﴿أما﴾ من فعل شرطها، وجوابها: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿كَفَرُوا﴾: صلته ﴿وَكَذَّبُوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿آيَاتِنَا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿فِي الْعَذَابِ﴾: متعلق بـ ﴿مُحْضَرُونَ﴾. ﴿مُحْضَرُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مع خبره: جواب ﴿أَمَّا﴾، وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَمَّا﴾ الأولى.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، من تفرق الناس يوم القيامة فرقتين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأردتم أن تكلونوا من أهل الجنة، فأقول لكم
стр. 9837
سبحوا الله سبحانًا، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوا الله سبحانًا، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿تُمْسُونَ﴾: مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾. ﴿وَلَهُ﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿الْحَمْدُ﴾، كما في "الشوكاني"، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الاسمية: جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، ﴿وَعَشِيًّا﴾: ظرف معطوف على ﴿حِينَ﴾، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، والجملة مستأنفة، أو حال من الجلالة في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾، و ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: معطوف على جملة ﴿يُخْرِجُ﴾ الأول. ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿يُخْرِجُ﴾ أيضًا: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُحْيِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كَذَلِكَ﴾ هو: صفة لمصدر محذوف، ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والتقدير: وتخرجون من قبوركم إخراجًا مثل ذلك الإخراج، والجملة الفعلية: مستأنفة.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.
﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿أَنْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ المصدرية، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية، في تأويل مصدر مرفوع على الابتدائية، والتقدير: وخلقكم من تراب من آياته، والجملة مستأنفة، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿إِذَا﴾: فجائية ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ،
стр. 9838
﴿بَشَرٌ﴾: خبره، وجملة ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾: أو حال منه، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم والمصدر المؤول من ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، ﴿أَنْ خَلَقَ﴾ معطوفة على ما سبق ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور حال من أزواجًا؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول ﴿خَلَقَ﴾، ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تَسْكُنُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، ﴿إِلَيْهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾؛ أي: لسكونكم إليها، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿وَجَعَلَ﴾ معطوف على ﴿خَلَقَ﴾ ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿مَوَدَّةً﴾: هو المفعول الأول، ﴿وَرَحْمَةً﴾ معطوف على ﴿مَوَدَّةً﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾: مقدم على اسمها، ﴿لَآيَاتٍ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿آيَاتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة: معطوفة على سابقتها أيضًا، ﴿وَاخْتِلَافُ﴾: معطوف على ﴿خَلْقُ﴾، ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾ مضاف إليه، ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾ اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ صفة ﴿لآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿مَنَامُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على سابقتها، ﴿بِاللَّيْلِ﴾: متعلق بـ ﴿مَنَامُكُمْ﴾ لأنه مصدر ميمي لـ ﴿نَامُ﴾، ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾، ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ﴾: معطوف على ﴿مَنَامُكُمْ﴾. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ﴾، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم،
стр. 9839
﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ الغلبة: القهر، كما في "المفردات"، والاستعلاء على القرن بما يبطل مقاومته في الحرب، كما في "كشف الأسرار"، والروم: تارة يطلق على الصنف المعروف، وتارة تطلق على جمع رومي، كفارسي وفرس، وهم بنو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ والروم الأول: منهم بنو روم بن يونان بن يافث بن نوح ﵇، والفرس: بنو فارس بن سام بن نوح ﵇ كما مر.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ وأدنى: ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا يدنو، وهو يتصرف على وجوه: فتارةً يعبر عن الأقل والأصغر، فيقابل بالأكثر والأكبر، وتارةً عن الأحقر والأذل، فيقابل بالأعلى والأفضل، وتارةً عن الأول، فيقابل بالآخر، وتارةً عن الأقرب، فيقابل بالأبعد، وهو المراد في هذا المقام؛ أي: أقرب أرض العرب من الروم، إذ هي الأرض المعهودة عندهم، وهي أطراف الشام، أو في أقرب أرض الروم من العرب، على أن اللام عوض عن المضاف إليه، وهي أرض جزيرة ما بين دجلة والفرات، انتهى من "الروح".
وليس المراد بها جزيرة العرب، وروى عن الأصمعي: أن حد جزيرة العرب، من أقصى عدن إلى ريف العراق، طولًا، ومن جدة وما والاها، إلى أطراف الشام عرضًا، وسبب تسميتها جزيرةً إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها، كبحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة، والفرات اهـ. "زاده"، وقال ابن جزي في "تفسيره": الجزيرة هنا: بين الشام والعراق، وهي أول الروم إلى فارس، وفي "الخازن" في أدنى الأرض، يعني: أقرب أرض الشام إلى فارس، وقيل: هي أذرعات، وقيل: الأردن، وقيل: الجزيرة اهـ.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وفي "القاموس" البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وفي
стр. 9840
"كشف الأسرار" البضع اسم للثلاث والخمس والسبع والتسع، وفي "تفسير المناسبات": وذلك من أدنى العدد، لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد.
وقال المبرد: البضع ما بين العقدين في جمع الأعداد، وعبر بالبضع، وأبهم ولم يعين، وإن كان معلومًا له ﷺ إبقاءً للعباد في ربقة الجهل، تعجيزًا لهم أو لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت، كما يؤخذ ذلك من "الرازي".
والبضع بالفتح: قطع اللحم، وبالكسر: العدد المنقطع عن العشرة، ويقال: ذلك لما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: بل: هو فوق الخمس دون العشر اهـ. "روح".
قال الراغب: الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية، ولم يرخص في الفرح إلا في قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وفي "كشف الأسرار": اليوم ترح، وغدًا فرح، اليوم عبرة، وغدًا خبرة، اليوم أسف، وغدا لطف، اليوم بكاء، وغدًا لقاء اهـ.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والتفكر: تصرف القلب في معاني الأشياء، لدرك المطلوب، وهو، قبل أن يتصفى اللب، والتذكر بعده، ولذا لم يذكر في كتاب الله تعالى مع اللب إلا: التذكر، قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب الفرك، ولكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها، طلبًا للوصول إلى حقيقتها.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والسير: المضي في الأرض.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ والعاقبة: إذا أطلقت تستعمل في الثواب، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة، كما في هذه الآية، وهي آخر الأمر.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ يقال: ثار الغبار والسحاب، انتشر ساطعًا، وقد أثرته، فالإثارة: تحريك الشيء حتى يرتفع غباره، والثور: اسم البقر الذي يثار به