﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾: مستأنفة.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم يتفرقون يوم القيامة، وأردت بيان مأوى كل فريق، فأقول لك، ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾ واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُحْبَرُونَ﴾ من الفعل المغير، ونائبه: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره: خبر للأول، وجملة الأول، مع خبره جواب ﴿أما﴾، وجملة ﴿أما﴾ من فعل شرطها، وجوابها: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿كَفَرُوا﴾: صلته ﴿وَكَذَّبُوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿آيَاتِنَا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿فِي الْعَذَابِ﴾: متعلق بـ ﴿مُحْضَرُونَ﴾. ﴿مُحْضَرُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مع خبره: جواب ﴿أَمَّا﴾، وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَمَّا﴾ الأولى.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، من تفرق الناس يوم القيامة فرقتين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأردتم أن تكلونوا من أهل الجنة، فأقول لكم
стр. 9837
سبحوا الله سبحانًا، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوا الله سبحانًا، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿تُمْسُونَ﴾: مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾. ﴿وَلَهُ﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿الْحَمْدُ﴾، كما في "الشوكاني"، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة الاسمية: جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، ﴿وَعَشِيًّا﴾: ظرف معطوف على ﴿حِينَ﴾، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، والجملة مستأنفة، أو حال من الجلالة في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾، و ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: معطوف على جملة ﴿يُخْرِجُ﴾ الأول. ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿يُخْرِجُ﴾ أيضًا: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُحْيِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كَذَلِكَ﴾ هو: صفة لمصدر محذوف، ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والتقدير: وتخرجون من قبوركم إخراجًا مثل ذلك الإخراج، والجملة الفعلية: مستأنفة.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.
﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿أَنْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ المصدرية، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية، في تأويل مصدر مرفوع على الابتدائية، والتقدير: وخلقكم من تراب من آياته، والجملة مستأنفة، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿إِذَا﴾: فجائية ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ،
стр. 9838
﴿بَشَرٌ﴾: خبره، وجملة ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾: أو حال منه، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم والمصدر المؤول من ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، ﴿أَنْ خَلَقَ﴾ معطوفة على ما سبق ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور حال من أزواجًا؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول ﴿خَلَقَ﴾، ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تَسْكُنُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، ﴿إِلَيْهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾؛ أي: لسكونكم إليها، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿وَجَعَلَ﴾ معطوف على ﴿خَلَقَ﴾ ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿مَوَدَّةً﴾: هو المفعول الأول، ﴿وَرَحْمَةً﴾ معطوف على ﴿مَوَدَّةً﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾: مقدم على اسمها، ﴿لَآيَاتٍ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿آيَاتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة: معطوفة على سابقتها أيضًا، ﴿وَاخْتِلَافُ﴾: معطوف على ﴿خَلْقُ﴾، ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾ مضاف إليه، ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾ اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ صفة ﴿لآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿مَنَامُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على سابقتها، ﴿بِاللَّيْلِ﴾: متعلق بـ ﴿مَنَامُكُمْ﴾ لأنه مصدر ميمي لـ ﴿نَامُ﴾، ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾، ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ﴾: معطوف على ﴿مَنَامُكُمْ﴾. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ﴾، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم،
стр. 9839
﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ الغلبة: القهر، كما في "المفردات"، والاستعلاء على القرن بما يبطل مقاومته في الحرب، كما في "كشف الأسرار"، والروم: تارة يطلق على الصنف المعروف، وتارة تطلق على جمع رومي، كفارسي وفرس، وهم بنو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ والروم الأول: منهم بنو روم بن يونان بن يافث بن نوح ﵇، والفرس: بنو فارس بن سام بن نوح ﵇ كما مر.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ وأدنى: ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا يدنو، وهو يتصرف على وجوه: فتارةً يعبر عن الأقل والأصغر، فيقابل بالأكثر والأكبر، وتارةً عن الأحقر والأذل، فيقابل بالأعلى والأفضل، وتارةً عن الأول، فيقابل بالآخر، وتارةً عن الأقرب، فيقابل بالأبعد، وهو المراد في هذا المقام؛ أي: أقرب أرض العرب من الروم، إذ هي الأرض المعهودة عندهم، وهي أطراف الشام، أو في أقرب أرض الروم من العرب، على أن اللام عوض عن المضاف إليه، وهي أرض جزيرة ما بين دجلة والفرات، انتهى من "الروح".
وليس المراد بها جزيرة العرب، وروى عن الأصمعي: أن حد جزيرة العرب، من أقصى عدن إلى ريف العراق، طولًا، ومن جدة وما والاها، إلى أطراف الشام عرضًا، وسبب تسميتها جزيرةً إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها، كبحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة، والفرات اهـ. "زاده"، وقال ابن جزي في "تفسيره": الجزيرة هنا: بين الشام والعراق، وهي أول الروم إلى فارس، وفي "الخازن" في أدنى الأرض، يعني: أقرب أرض الشام إلى فارس، وقيل: هي أذرعات، وقيل: الأردن، وقيل: الجزيرة اهـ.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وفي "القاموس" البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وفي
стр. 9840
"كشف الأسرار" البضع اسم للثلاث والخمس والسبع والتسع، وفي "تفسير المناسبات": وذلك من أدنى العدد، لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد.
وقال المبرد: البضع ما بين العقدين في جمع الأعداد، وعبر بالبضع، وأبهم ولم يعين، وإن كان معلومًا له ﷺ إبقاءً للعباد في ربقة الجهل، تعجيزًا لهم أو لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت، كما يؤخذ ذلك من "الرازي".
والبضع بالفتح: قطع اللحم، وبالكسر: العدد المنقطع عن العشرة، ويقال: ذلك لما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: بل: هو فوق الخمس دون العشر اهـ. "روح".
قال الراغب: الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية، ولم يرخص في الفرح إلا في قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وفي "كشف الأسرار": اليوم ترح، وغدًا فرح، اليوم عبرة، وغدًا خبرة، اليوم أسف، وغدا لطف، اليوم بكاء، وغدًا لقاء اهـ.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والتفكر: تصرف القلب في معاني الأشياء، لدرك المطلوب، وهو، قبل أن يتصفى اللب، والتذكر بعده، ولذا لم يذكر في كتاب الله تعالى مع اللب إلا: التذكر، قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب الفرك، ولكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها، طلبًا للوصول إلى حقيقتها.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والسير: المضي في الأرض.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ والعاقبة: إذا أطلقت تستعمل في الثواب، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة، كما في هذه الآية، وهي آخر الأمر.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ يقال: ثار الغبار والسحاب، انتشر ساطعًا، وقد أثرته، فالإثارة: تحريك الشيء حتى يرتفع غباره، والثور: اسم البقر الذي يثار به
стр. 9841
الأرض، فكأنه في الأصل: مصدر جعل في موضع الفاعل، والبقر: من بقر: إذا شق؛ لأنها تشق بالأرض بالحراثة، ومنه قيل لمحمد بن الحسين بن علي: الباقر، لأنه شق العلم ودخل فيه مدخلًا بليغًا، والمعنى: وقلبوا الأرض للزراعة والحراثة واستنباط المياه، واستخراج المعادن، كما سبق اهـ. من "الروح".
﴿وَعَمَرُوهَا﴾ والعمارة: ضد الخراب؛ أي: عمروا الأرض، بفنون العمارات من الزراعة، والغرس، والبناء وغيرها.
﴿السُّوأَى﴾: تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن، أو مصدر كالبشرى، وصف به العقوبة مبالغةً، كأنها نفس السوأى، وقيل: السوأى، أي: اسم لجهنم، كما أن الحسثى اسم للجنة، وإنما سميت سوأى؛ لأنها تسوء صاحبها، كما سبق.
قال الراغب: السوء: كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، ومن الأحوال النفسية والبدنية والخارجية من ذوات مال، وفقد حميم، وعبر بـ ﴿السوأى﴾ عن كل ما يقبح، ولذلك قوبل بالحسنى، قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ انتهى.
﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال الراغب: الإبلاس: الحزن المعترض من شدة اليأس .. ومنه اشتق إبليس، ولما كان المبلس كثيرًا ما يلزم السكوت، وينسى ما يعينه، قيل: أبلس فلان، إذا سكت وانقطعت حجته اهـ.
ويقال: أبلس فلان، فهو مبلس: إذا سكت عن يأس، ويقال: أبلس الرجل: انقطعت حجته فسكت، فهو لازم، لا يتعدى.
وفي "الكشاف": الإبلاس: أن يبقى ساكنًا يائسًا متحيرًا، يقال: ناظرته فأبلس: إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج، ومنه الناقة المبلاس: التي لا ترغو.
وفي "القاموس": وأبلس: يئس وتحير، ومنه إبليس، أو هو أعجمي، فقول صاحب، المنجد: إنه يقال: أبلسه غلط فظيع، وقد علل علماء التصريف قراءة ﴿يُبْلِسُ﴾ بالبناء للمفعول، بأن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل، ثم حذف
стр. 9842
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، إذ الأصل يبلس إبلاس المجرمين.
﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ والروضة: كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة، والمراد بها الجنة، وفي أمثالهم: أحسن من بيضة في روضة، يريدون بيضة النعامة.
وفي "الأساس" و"اللسان": بأرضه روضة وروضات ورياض، وروض الغيث الأرض، وأراض المكان واستراض؛ أي: كثرت رياضه. اهـ.
قال الراغب: الروض: مستنقع الماء والخضرة، وقوله: ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ عبارة عن رياض الجنة، وهي: محاسنها وملاذها انتهى.
﴿يُحْبَرُونَ﴾؛ أي: يسرون سرورًا، تهللت له وجوههم، وفي "المفردات": يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم؛ أي: أثره، يقال: حبره: إذا سره سرورًا تهلل له وجهه، ويقال: حبر فلان، إذا بقي بجلده أثر من فرح، والحبر: العالم، لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس، ومن آثار أفعاله الحسنة المقتدى بها، وإلى هذا المعنى، أشار أمير المؤمنين علي ﵁ بقوله: والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة، ويقال: التحبير: التحسين الذي يسر به، يقال لعالم: حبر؛ لأنه يتخلق بالأخلاق الحسنة، وللمداد: حبر؛ لأنه يحسن به الأوراق، فيكون الحبرة كل نعمة حسنة اهـ. من "الروح".
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ والسبح: هو المر السريع في الماء أو الهواء، والتسبيح: تنزيه الله، وأصله: المر السريع في عبادة الله، جعل عامًا في العبادات، قولًا كان أو فعلًا أو نيةً، والسبوح والقدوس: من أسماء الله تعالى، وليس في كلامهم فعول سواهما، وسبحان هنا: مصدر كغفران، موضوع موضع الأمر، مثل ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. والتسبيح: محمول على حقيقته، وظاهره الذي هو تنزيه الله تعالى عن السوء، والثناء عليه بالخير، والحين: بالكسر وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان، طال أو قصر، يتخصص بالمضاف إليه، كما في هذا المقام.
стр. 9843
والإمساء: الدخول في المساء، كما أن الإصباح: الدخول في الصباح، والمساء والصباح: ضدان، قال بعضهم: أول اليوم: الفجر، ثم الصباح، ثم الغداة، ثم البكرة، ثم الضحى، ثم الضحوة، ثم الهجير، ثم الظهر، ثم الرواح، ثم المساء، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم العشاء الأولى، ثم العشاء الأخيرة عند مغيب الشفق.
﴿وَعَشِيًّا﴾: من عشى العين: إذا نقص نورها، ومنه الأعشى.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ والخلق: عبارة عن تركيب الأجزاء، وتسوية الأجسام.
﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ والتراب: جماد لا حس فيه، ولا حركة.
﴿بَشَرٌ﴾ قال في "المفردات": البشرة ظاهر الجلد، وعبر عن الإنسان بالبشر، اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف، أو الشعر، أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وخص في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته، وظاهره بلفظ البشر.
﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ قال الراغب: انتشار الناس تصرفهم في الحاجات اهـ.
﴿أَزْوَاجًا﴾ والأزواج: جمع زوج وهو: الفرد المزاوج لصاحبه، وكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى، وزوجةً لغةً رديئةً، وجمعها زوجات، كما في "المفردات".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿غُلِبَتِ﴾، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ للتفخيم، ولإدخال الرعب في
стр. 9844
قلوب المشركين في كل وقت، وللتعجيز لهم بإبقائهم في ربقة الجهل.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
ومنها: تنكير ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ﴾ للتحقير والتخسيس؛ أي: يعلمون ظاهرًا حقيرًا خسيسًا من الدنيا، وفائدته: تقليل معلومهم، وتقليله يقربه من النفي، حتى يطابق المبدل منه، وهو وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهذا ما يرجح البدلية.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المبالغ في العزة والمبالغ في الرحمة.
ومنها: التعطف في قوله: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ والتعطف: إعادة اللفظة بعينها في الجملة من الكلام، أو البيت من الشعر، فقد وردهم للمبالغة في تأكيد غفلتهم عن الآخرة، حتى كأنهم معدن للغفلة، وفيه إفادة الحصر بتكرير الضمير، وفيه الإيتان بالجملة الاسمية، للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ الآية.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾.
ومنها: إيراد الاستهزاء في قوله: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ بصيغة المضارع، للدلالة على استمراره وتجدده.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وفي قوله: ﴿تُمْسُونَ﴾ و ﴿تُصْبِحُونَ﴾.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للمبالغة في الترهيب.
ومنها: الإتيان بلفظ ماضي المعنى في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ وماضي اللفظ والمعنى في قوله: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ إشارةً إلى تحققه في علم الله تعالى.
стр. 9845
ومنها: الإتيان بصيغة الجمع في قوله: ﴿شُفَعَاءُ﴾ لوقوعها في مقابلة الجمع، مع أن المعنى لم يكن لكل واحد منهم شفيع أصلًا.
ومنها: إعادة قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ إفادةً لتهويله، وتفظيع ما يقع فيه، وفي قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تهويل له إثر تهويل.
ومنها: المقابلة بين حال السعداء والأشقياء في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
ومنها: التنوين للتعظيم في قوله: ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾؛ أي: في روضة عظيمة.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ استعار الحي للمؤمن والميت للكافر، وهي استعارة في غاية الحسن والإبداع والجمال.
ومنها: اللف والنشر في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأولين، بالقرينين الأخيرين؛ لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه، كشيءٍ واحدٍ، مع إعانة اللف على الاتحاد، ويجوز أن يراد: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم فيهما، والظاهر: هو الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن، يسمعونه بالآذان الواعية.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ للدلالة على عظم شأنها؛ أي: لآياتٍ عظيمةً باهرةً.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه (١) سبحانه لما ذكر ما يعرض للأنفس من الأوصاف .. ذكر ما يعرض للأكوان والآفاق، ونشاهده رأى العين، الفينة بعد الفينة، مما فيه العبرة لمن ادكر، ونظر في العوالم نظرة متأمل معتبر، في بدائع الأكوان، ليتوصل إلى معرفة مدبرها وخالقها، الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أقام الأدلة على الوحدانية، وهي الأصل الأول، وعلى القدرة على الحشر، وهي الأصل الثاني .. أعقب ذلك بهاتين الآيتين، وجعلهما كالنتيجة لما سلف.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لم قبلها: أن الله سبحانه لما بين قدرته على الإعادة، بإقامة الأدلة عليها، ثم ضرب لذلك مثلًا .. أعقب ذلك بذكر المثل على الوحدانية، بعد إقامة الدليل عليها.
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما عدد البينات والأدلة على وحدانيته، وأثبت الحشر، وضرب لذلك المثل، وسلى رسوله، ووطن عزيمته على اليأس من إيمانهم؛ لأن الله تعالى قد ختم على قلوبهم، فلا مخلص لهم مما هم فيه، ولا ينقذهم من ذلك، لا هو ولا غيره ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ .. أعقب ذلك بأمره بالاهتمام بنفسه، وعدم المبالاة بامرهم، وإقامة وجهه لهذا الدين غير ملتفت عنه يمنةً ولا يسرةً، فهو فطره الله التي خلق العقول معترفةً بها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...﴾ الآيات (٢)، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أرشد إلى التوحيد، وأقام الأدلة عليه، وضرب المثل .. أعقبه بذكر حال للشركين يعرفون بها، وسيما لا ينكرونها،
стр. 9848
وهي أنهم حين الشدة يتضرعون إلى ربهم، وينيبون إليه، فإذا خلصوا منها .. رجعوا إلى شنثنتهم الأولى، وأشركوا به الأوثان، والأصنام، فليضلوا ما شاؤوا، فإن لهم يومًا يرجعون فيه إلى ربهم، فيحاسبهم على ما اجترحوا من السيئات، وليتهم اتبعوا ذلك عن دليل، حتى يكون لهم شبه العذر فيما يفعلون، بل هو الهوى المطاع، والرأي المتبع، ثم ذكر حال طائفة من المشركين دون سابقيهم، وهم من تكون عبادتهم لله رهن إصابتهم من الدنيا، فإن آتاهم ربهم منها .. رضوا، وإذا منعوا منها سخطوا وقنطوا، وقد كان عليهم أن يعلموا أن بسط النعمة وإقتارها بيده وحده، وقد جعل لذلك أسبابًا، متى سلكها فاعلها .. وصل إلى ما يريد، وليس علينا إلا أن تطمئن نفوسنا إلى ما يكون، فكله بقدر الله وقضائه، وعلينا أن نستسلم له، ونعمل ما طلب إلينا عمله، من الأخذ في العمل جهد الطاقة.
وقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. أردف ذلك ببيان أنه يحب الإحسان على ذوي القربى وذوي الحاجات من المساكين وأبناء السبيل، فإنه إذا بسط الرزق .. لم ينقصه الإنفاف، وإذا قدر .. لم يزده الإمساك.
إِذَا جَادَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ فَجُدْ بِهَا ... عَلَى النَّاسِ طُرًّا إِنَّها تَتَقَلَّبُ
فَلاَ الْجُوْدُ يُفْنِيْهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ ... وَلاَ الْبُخْل يُبْقِيْهَا إِذَا هِيَ تَذْهَبُ
قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين عبدوا مع الله سواه، وأشركوا به غيره، والشرك سبب الفساد، كما يرشد إلى ذلك قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ .. أعقب ذلك ببيان أن الناس قد انتهكوا حرمات الله، واجترحوا المعاصي، وفثما بينهم الظلم والطمع، وأكل القوي مال الضعيف، فصب عليهم ربهم سوط عذابه، فكثرت الحروب، وافتن الناس في أدوات التدمير والإهلاك، فمن غائصات البحار تهلك السفن الماخرة فيها، إلى طائرات قاذفات للحمم والمواد المحرقة إلى مدافع تحصد الناس حصدًا إلى دبابات سميكة الدروع تهد
стр. 9849
المدن هدًا، وما الحرب القائمة الآن إلا مثال الوحشية الإنسانية، والمجازر البشرية التي سلط الله فيها العالم بعضه على بعض، فارتكب المظالم، واجترح المآثم، والإنسان في كل عمر هو الإنسان، وكما أهلك الله الكافرين قبلهم بكفرهم وظلمهم، يهلك الناس بشؤم معاصيهم وفسادهم، فليجعلوا من سبقهم مثلًا لهم، ليتذكروا عقاب الله، وشديد عذابه للمكذبين.
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ ... الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (١) نهى الكافر عن بقائه على الحالة التي هو عليها، خيفة أن يحل به سوء العذاب .. أردف ذلك أمر رسوله، ومن تبعه بالثبات على ما هم عليه، بعبادتهم الواحد الأحد، قبل أن يأتي يوم الحساب، الذي يتفرق فيه العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كفر .. فعليه وبال كفره، ومن عمل صالحًا .. فقد أعد لنفسه مهادًا يستريح عليه، بما قدم من صالح العمل، وسينال من فضل ربه وثوابه ورضاه عنه، ما لا يخطر له ببال، ولا يدور له في حسبان، والكافر سيلقى في هذا اليوم العذاب والنكال؛ لأن ربه يبغضه ويمقته، جزاء ما دسى به نفسه من سيء العمل.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت هذه الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الطبراني، عن ابن عباس، قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما
стр. 9850
ملك، فأنزل الله هذه الآية. ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ الآية.
وأخرج جويبر مثله عن داود بن أبي هند، عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه.
التفسير وأوجه القراءة
٢٤ - ﴿وَمِنْ آيَاتِه﴾ أي: ومن دلائل قدرته ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾؛ أي: أن يريكم البرق؛ أي: إراءَته إياكم البرق، أصله: أن يريكم، فلما حذف (أن) لدلالة الكلام عليه سكن الياء، كما في "برهان القرآن" كما في قول طرفة:
ألا أيهذا اللائمي أحضرَ الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
والتقدير: أن أحضر، فلما حذف الحرف في الآية والبيت بطل عمله، ومنه المثل المشهور: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وليس هذا من المواضع التي يحذف منها (أن) قياسًا، أو على إنزال الفعل منزلة المصدر من غير ما يسبكه له، فيكون التقدير في هذين الوجهين: ومن آياته إراءته إياكم البرق، فـ ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: مقدم على أنه خبر المبتدأ، وقيل: غير ذلك. والبرق: لمعان السحاب كما سيأتي.
وقوله: ﴿خَوْفًا﴾: مفعول لأجله، بمعنى الإخافة، كقوله: فعلته رغمًا للشيطان؛ أي: إرغامًا له.
والمعنى (١): يريكم ضوء السحاب، إخافة من الصاعقة، خصوصًا لمن كان في البرية من أبناء السبيل.
﴿وَطَمَعًا﴾ أي: إطماعًا في الغيث، لا سيما لمن كان مقيمًا. قاله الضحاك.
стр. 9851
فإن قلت: المقيم يطمع لضرورة سقي الزروع والكروم والبساتين ونحوها، وأما المسافر فلا؟.
قلت: يطمع المسافر أيضًا في الأرض القفر، لضرورة شربه، وشرب دوابه، وطهارته، وقال يحيى بن سلام: خوفًا من البرد أن يهلك الزرع، وطمعًا في المطر أن يحيي الزرع، وقال ابن بحر: خوفًا أن يكون البرق برقًا خليًا، لا يمطر، وطمعًا أن يكون ممطرًا، وأنشد:
لَا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خَلْيًا ... إِنَّ خَيْرَ الْبَرْقِ مَا الْغَيْثُ مَعَهْ
ويحتمل انتصاب ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ على أنهما مصدران في موضع الحال من ضمير المخاطبين؛ أي: حالة كونكم خائفين وطامعين.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: ومن آياته ودلائل قدرته: أن ينزل من السماء والسحاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (١): بسكون النون.
﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا ﴿فَيُحْيِي بِهِ﴾؛ أي: بسبب ذلك الماء ﴿الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: يبسها.
فإن قلت (٢): ما حد المطر؟
قلت: المطر: هو الأجزاء المائية إذا التأم بعضها مع بعض وبردت وثقلت رجعت نحو الأرض.
فإن قلت: ما حد الأرض؟
قلت: الأرض: جسم غليظ، أغلظ ما يكون من الأجسام، واقف في مركز العالم، مبين لكيفية الجهات الست، فالمشرق: حيث تطلع الشمس، والمغرب حيث تغيب، والشمال: حيث مدار الجدي، والجنوب: حيث مدار السهيل،
стр. 9852
والفوق: ما يلي المحيط، والأسفل: ما يلي مركز الأرض.
فإن قلت: ما النبات؟
قلت: النبات ما الغالب عليه المائية.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من إراءة البرق، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به بعد موتها، ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات على قدرة الفاعل المختار، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يفهمون عن الله سبحانه حججه وأدلته، فكما أنه تعالى قادر على أن يحيى الأرض بعد موتها، كذلك قادر على أن يحيي الموتى، ويبعث من في القبور.
قال في "برهان القرآن": ختم الآية بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ لأن العقل ملاك الأمر في هذه الأبواب، وهو المؤدي إلى العلم. انتهى.
قال بعض العلماء: العاقل: من يرى بأول رأيه آخر الأمور، ويهتك عن مهماتها ظلم الستور، ويستنبط دقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب.
قال حكيم: العقل والتجربة في التعاون، بمنزلة الماء والأرض، لا يطيق أحدهما بدون الآخر إنباتًا.
ومعنى الآية (١): أي ومن آياته الدالة على عظيم قدرته: أنه يريكم البرق فتخافون مما فيه من الصواعق، وتطمعون فيما يجلبه من المطر، الذي ينزل من السماء، فيحيي الأرض الميتة التي لا زرع فيها ولا شجر، إن في ذلك المذكور لبرهانًا قاطعًا، ودليلًا ساطعًا على البعث والنشور، وقيام الساعة، فإن أرضًا هامدةً، لا نبات فيها، ولا شجر، يجيئها الماء فتهتز وتريو وتنبت من كل زوج بهيج، لهي المثال الواضح، والدليل اللائح، على قدرة من أحياها، على إحياء العالم بعد موته، حين يقوم الناس لرب العالمين.
٢٥ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ وحججه الدالة على قدرته على ما يشاء ﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ
стр. 9853
وَالْأَرْضُ﴾ أي: قيامهما واستمرارهما على ما هما عليه من الهيئات، إلى الأجل المقدر لقيامهما، وهو يوم القيامة ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: بإرادته وقدرته سبحانه، بلا عمد يعمدهما، ولا مستقرٍ يستقران عليه، والتعبير (١) عن الإرادة بالأمر، للدلالة على كمال القدرة، والغنى عن المبادىء والأسباب، والأمر: لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، كما في "المفردات".
﴿ثُمَّ﴾ بعد موتكم ومصيركم في القبور ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وناداكم أيها العباد، ﴿دَعْوَةً﴾ واحدةً بالنفخة الأخيرة ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق بدعاكم؛ أي: دعاكم من الأرض التي أنتم فيها، كما يقال: دعوته من أسفل الوادي، فطلع إلى، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ لأن ما بعد إذا، لا يعمل فيما قبلها.
والمعنى: ثم إذا دعاكم بعد انقضاء الأجل، وأنتم في قبوركم دعوةً واحدةً، بأن قال: أيها الموتى أخرجوا، والداعي في الحقيقة هو إسرافيل ﵇ فإنه كما قيل: يدعو الخلق على صخرة بيت المقدس، حين ينفخ النفخة الأخيرة من النفختين.
﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ من الأرض. إذا للمفاجأة، ولذلك ناب مناب الفاء في الجواب، فإنهما يشتركان في إفادة التعقيب، أي: فاجأتم الخروج منها بلا توقف ولا إباء، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾.
وقال الزمخشري (٢): قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ بمنزلة قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض، ثم خروج الموتى من البور إذا دعاهم دعوةً واحدةً، يا أهل القبور اخرجوا، وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض بـ ﴿ثُمَّ﴾ بيانًا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، انتهى.
стр. 9854
وقرأ حمزة والكسائي (١): ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بفتح التاء وضم الراء، وباقي السبعة بضمها وفتح الراء. وقال الشوكاني: وقد أجمع القراء على فتح التاء في ﴿تَخْرُجُونَ﴾ هنا، وغلط من قال: إنه قرىء هنا بضمها على البناء للمفعول وإنما قرىء بضمها في الأعراف. انتهى.
والمعنى (٢): أن إمساك هذه العوالم وإقامتها، وتدبيرها وإحكامها، من الآيات التي ترشد إلى إله مدبر لها، ولا يزال الأمر هكذا حتى ينتهي أجل الدنيا، ويختل نظام العالم، فتبدل الأرض غير الأرض، وتدك الجبال دكًا، وحينئذٍ تخرجون من قبوركم سراعًا، حينما يدعوكم الداعي، ونحو الآية قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾. وقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾.
٢٦ - ﴿وَلَهُ﴾ سبحانه خاصةً، لا لغيره ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة ﴿وَ﴾ من في ﴿الْأَرْضِ﴾ من الإنس والجن خلقًا وملكًا وتصرفًا، ليس لغيره شركة في ذلك بوجه من الوجوه ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل من فيهما وفي غيرهما ﴿لَهُ﴾ وهو متعلق بقوله: ﴿قَانِتُونَ﴾ من القنوت، وهو الطاعة، والمراد: طاعة الإرادة، لا طاعة العبادة؛ أي: منقادون لما يريده بهم من حياة وموت وبعث وصحة وسقم وعز وذل وغنى وفقر وغيرها، لا يمتنعون عليه تعالى في شأن من شؤونه، فهم مسخرون تحت حكمه على كل حال، وقال الحسن (٣): ﴿قَانِتُونَ﴾؛ أي: قائمون بالشهادة على وحدانيته، كما قال الشاعر:
وَفِيْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وقيل: قائمون يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
٢٧ - ﴿وَهُوَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْق﴾ بمعنى المخلوق؛ أي: ينشئهم
стр. 9855
في الدنيا ابتداءً، فإنه أنشأ آدم وحواء، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، ثم يميتهم عند إنتهاء آجالهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: يعيد الخلق بعد موتهم بالبعث من القبور، فيحييهم الحياة الدائمة، وإفراد الضمير باعتبار لفظ الخلق؛ أي: ثم يعيدهم في ألآخرة بنفخ صور إسرافيل، فيكونون أحياءً كما كانوا.
﴿وَهُوَ﴾؛ أي: الإعادة، وذكر الضمير نظرًا للخبر أو لأن التاء فيه تاء المصدر، أو نظرا للمعنى؛ لأنه بمعنى العود، كما في قوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: مكانًا ميتًا. ﴿أَهْوَنُ﴾؛ أي: أسهل وأيسر ﴿عَلَيْهِ﴾ من البدء (١) بالنسبة إلى قدرتكم أيها الآدميون، وبالقياس على قوانينكم، وإلا فهما عليه تعالى سواء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ سواء هناك مادة أم لا، يعني: إن ابتداء الشيء، أشد عند الخلق من إعادته، وإعادته أهون من ابتدائه، فتكون الآية واردةً على ما يزعمون فيما بينهم، ويعتقدون عندهم، وإلا فما شق على الله ابتداء الخلق، فيكون إعادتهم أهون عليه.
وقال بعضهم: أفعل هنا ليس للتفضيل، بل هو بمعنى فعيل، فيكون أهون بمعنى هين، مثل الله أكبر بمعنى كبير، قال الفرزدق:
إِنَّ الَّذِيْ سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَاِئِمُهُ أَعَزَّ وَأَطْوَلُ
أي: عزيزة طويلة، وقيل: الضمير في عليه للخلق، وهو؛ أي: العود أهون؛ أي: أيسر أو أسرع عليهم؛ أي: على الخلق؛ لأنه يصاح بهم صيحة واحدة، فيقومون دفعةً، ويقال لهم: كونوا فيكونون، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفةً، ثم علقةً ثم مضغةَ إلى النشأة، وقرأ (٢) عبد الله بن مسعود: ﴿وهو عليه هين﴾.
وقال الزمخشري: فإن قلت (٣): لم أخر الصلة في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ
стр. 9856
عَلَيْهِ﴾ وقدمت في قوله: ﴿هُوَ عَلَىّ هيَنٌ﴾؟
قلت: هنالك قصد الاختصاص، وهو تجبره، فقيل: و ﴿هُوَ عَلَىّ هَيّنٌ﴾، وإن كان مستصعبًا عندك أن يولد بين هرم وعاجز، وأما هنا: فلا معنى للاختصاص، كيف والأمر مبني على ما يعقلون، من أن الإعادة أسهل من الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. انتهى.
﴿وَلَه﴾ ، لا لغيره ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي (١): الوصف الأعلى، العجيب الشأن، من القدرة العامة، والحكمة التامة، وسائر صفات الكمال، التي ليست لغيره تعالى ما يدانيها، فضلًا عما يساويها، فالمثل بمعنى الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي﴾ وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾؛ أي: صفتها وصفتم، قاله الخليل، وقال مجاهد: المثل الأعلى: قول لا إله إلا الله، وبه قال قتادة، أراد به الوصف بالوحدانية، يعني له الصفة العليا، وهي: أنه لا إله إلا هو، ولا رب سواه: وقيل: المثل الأعلى: هو أنه ليس كمثله شيء، وقيل: هو أنه ما أراده كان بقول: كن.
وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ متعلق (٢) بمضمون الجملة المتقدمة، على معنى أنه تعالى قد وصف بالمثل الأعلى، وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق؛ أي: نطقًا، وألسنة الدلائل؛ أي: دلالةً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ﴿الْأَعْلَى﴾، أو من ﴿الْمَثَلُ﴾، أو من الضمير في ﴿الْأَعْلَى﴾.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه القادر الذي لا يغالب، أو القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن ما، وإعادته ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة.
قال بعضهم (٣): دلت الآية على أن السماوات والأرض مشحونة بشواهد وحدته، ودلائل قدرته تعالى، والعجب منك، أنك إذا دخلت بيت غني .. فتراه
стр. 9857
مزينًا بأنواع الزين، فلا ينقطع تعجبك عنه، ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول عمرك، وأنت تنظر أبدًا إلى الآفاق والأنفس، وهي بيوت الله المزينة بأسمائه وصفاته، وآثاره المتجلية بقدرته، وعجيب آياته، ثم أنت فيما شاهدته أعمى عن حقيقته لعمى باطنك، وعدم دخولك في بيت القلب، الذي بالتفكر المودع فيه يستخرج الحقائق، وبالتذكر الموضوع فيه يرجع الإنسان إلى ما هو بالرجوع لائق، وبالشهود الذي فيه يرى الآيات، ويدرك البينات، ولولا هداية الملك المتعالي .. لبقي الخلق في ظلمات الضلال، فعليك بتوحيد الله تعالى في الليل والنهار، فإنه خير أوراد وأذكار، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وذكر الله سبب الحضور، وموصل إلى مشاهدة المذكور، ولكن الكل بعناية الله الملك الغفور. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
يَا ذَا الَّذِيْ أَنِسَ الْفُؤادُ بِذِكْرِهِ ... أَنْتَ الَّذِيْ مَا إِنْ سِوَاكَ أُرِيْدُ
تَفْنَى اللَّيَالِيْ وَالزَّمَانُ بِأَسْرِهِ ... وَهَوَاكَ غَضٌّ فِيْ الْفُؤادِ جَدِيْدُ
وحاصل معنى الآية (١): أي وهو الذي يبدأ الخلق من غير أصل له، فينشئه بعد أن لم يكن شيئًا، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده كما بدأ، وذلك أسهل عليه على حسب ما يدور في عقول المخاطبين، من أن من فعل شيئًا مرةً كانت الإعادة أسهل عليه.
والخلاصة: أن الإعادة أسهل على الله من البدء، بالنظر لما يفعله البشر، مما يقدرون عليه، فإن إعادة شيء من مادته الأولى، أهو عليهم من إيجاده ابتداءً، والمراد بذلك: التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث، وإلا فكل الممكنات بالنظر إلى قدرته سواء، وقصارى ذلك: أنه أهون عليه بالإضافة إلى أعمالكم، وبالقياس إلى أقداركم.
روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما
стр. 9858
تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولو يولد، ولم يكن له كفوًا أحد".
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: وله الوصف البديع في السماوات والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو، ليس كمثله شيء، تعالى عن الشبيه والنظير، وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يغلب، الحكيم في تدبير خلقه، وتصريف شؤونه، فيما أراد على وفق الحكمة والسداد.
٢٨ - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ أي: بين الله لكم أيها المشركون، شبهًا لما تشركون به، مأخوذًا ذلك المثل ﴿مِنْ﴾ أحوال ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ التي هي أقرب الأمور إليكم، وأعرفها عندكم، بين به بطلان شرككم، فمن ابتدائية، والمثل تشبيه شيء خفي بشيء جلي، قال أبو الليث: نزلت في كفار قريش، كانوا يعبدون الآلهة، ويقولون في إحرامهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. ثم صور المثل، فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ والاستفهام فيه للإنكار، و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأيديكم من العبيد والإماء: تبعيضية، وفي قوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ زائدة، لتأكيد النفي المستفاد من الاستفهام.
﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال والأسباب؛ أي: هل ترضون لأنفسكم شركةً في ذلك، والمعنى: هل لكم شركاء فيما رزقناكم من الأموال، كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم، وهم العبيد والإماء، وجملة قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ﴾؛ أي: فيما رزقناكم ﴿سَوَاءٌ﴾؛ أي: مستوون يتصرفون فيه كتصرفكم، من غير فرق بينكم وبينهم، جواب للاستفهام الإنكاري الذي بمعنى النفي، ومحققة لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم، وجملة قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ خبر آخر لـ ﴿أنتم﴾ داخل تحت الاستفهام الإنكاري، كما في "الإرشاد"؛ أي: تخافون مماليككم أن يستقلوا وينفردوا بالتصرف فيه، و"الكاف" في قوله: ﴿كَخِيفَتِكُمْ﴾ نعت لمصدر محذوف، ومعنى قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ هاهنا أمثالكم من الأحرار، كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بعضكم بعضًا.
стр. 9859
والمعنى: خيفةً كائنةً مثل خيفتكم من أمثالكم من الأحرار المشاركين لكم فيما ذكر من الحرية، وملك الأموال وجواز التصرف، والمقصود: نفي الأشياء الثلاثة: الشركة بينهم وبين المملوكين، والاستواء معهم وخوفهم، وليس المراد ثبوت الشركة، ونفي الاستواء والخوف، كما قيل في قولهم: ما تأتينا فتحدثنا. والمراد: نفي مضمون ما فصل من الجملة الاستفهامية.
والمعنى (١): أي لا ترضون بأن يشارككم فيما بأيديكم من الأموال المستعارة مماليككم، وهم عندكم أمثالكم في البشرية، غير مخلوقين لكم، بل الله تعالى، فكيف تشركون به سبحانه في المعبودية - التي هي من خصائصه الذاتية - مخلوقه، بل مصنوع مخلوقه، حيث تصنعونه بأيديكم، ثم تعبدونه.
والمراد: إقامة الحجة على المشركين، فإنهم لا بد أن يقولوا: لا نرضى بذلك، فيقال لهم: فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم، وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة .. بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، ولم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أنفسكم﴾ بالنصب، على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي عبلة، وابن أبي عبيدة: بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله، وهما وجهان حسنان، ولا قبح في إضافة المصدر إلى المفعول، مع وجود الفاعل، وفي الآية دليل على أن العبد لا ملك له؛ لأنه أخبر: أن لا مشاركة للعبيد فيما رزقنا الله سبحانه من الأموال.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك التفصيل الواضح المذكور في هذا المثل ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نبين ونوضح دلائل الوحدة، تفصيلًا واضحًا، وبيانًا جليًا، لا تفصيلًا أدنى منه، فإن التمثيل: تصوير للمعاني المعقولة بصورة المحسوس، فيكون في غاية البيان والإيضاح.
стр. 9860
وقرأ الجمهور: ﴿نُفَصِّلُ﴾ بالنون، حملًا على رزقناكم. وقرأ عباس عن ابن عمر: بياء الغيبة، مراعيًا لضرب إذ هو مسند للغائب ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يستعملون عقولهم في تدبر الأمور والأمثال؛ لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية؛ باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها.
وحاصل معنى الآية (١): أي بين الله تعالى إثبات وحدانيته، بما يكشفها من ذلك المثل المنتزع من أحوال أنفسكم وأطوارها، التي هي أقرب الأمور إليكم، وبه يستبين مقدار ما أنتم فيه من الضلال بعبادة الأوثان والأصنام، فتسرعون إلى الإقلاع عن عبادة من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا.
وهذا مثل ضربه الله للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم معترفون بأن شركاءه من الأصنام والأوثان عبيده وملكه، إذ كانوا يفولون في التلبية والدعاء حين أداء مناسك الحج: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
وخلاصة المثل: أن أحدكم يأنف أن يساويه عبيده في التصرف في أمواله، فيكف تجعلون لله الأنداد من خلقه.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: مثل هذا التفصيل البديع، بضرب الأمثال الكاشفة للمعاني، المقربة لها إلى العقول، إذ تنقل المعقول إلى المحسوس، التي هي به ألصق، ولإدراكه أقرب، نفصل حججنا وآياتنا لقوم يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال، واستخراج مغازيها ومراميها للوصول إلى الأغراض، التي لأجلها ضربت، ولمثلها استعملت، فيستبين الرشد من الغي، والحق من الباطل، ولأمرٍ ما كثرت الأمثال في جلاء الحقائق، وإيضاح ما أشكل منها على الناظرين.
٢٩ - ثم بين أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهًا من أنفسهم، وجهلًا، لا ببرهان قد لاح لهم؛ أي: أعرض عن مخاطبتهم، وبين استحالة تبعيتهم للحق، فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك، وكفروا بالله؛ أي (٢): لم يعقلوا شيئًا
стр. 9861
من الآيات، بل اتبعوا ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ وشهواتهم للتسجيل عليهم، ففي الكلام إضراب مع الالتفات، ووضع الظاهر، أعني: الموصول موضع المضمر، للتسجيل عليهم، بأنهم في ذلك الاتباع ظالمون؛ لأن مقتضى: السياق أن يقال: بل اتبعتم أهواءكم بغير علم، وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من الموصول؛ أي: بل أَتبع الذين ظلموا أهواءهم الزائغة، وآراءهم الفاسدة، حال كونهم جاهلين، ما أتوا به من الضلالة، لا يكفهم عنه شيء، فإن العالم إذا أَتبع هواه .. ربما ردعه علمه.
والاستفهام في قوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؛ أي: خلق فيه الضلالة بصرف اختياره إلى كسبها: إنكاري؛ أي: لا أحد يقدر على هدايته؛ لأن الرشاد والهداية، بتقدير الله تعالى وإرادته ﴿وَمَا لَهُمْ﴾؛ أي: لمن أضله الله تعالى، والجمع باعتبار المعنى، والمراد بهم المشركون ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يخلصونهم من الضلال، ويحفظونهم من آفاته؛ أي: ليس لأحدٍ منهم ناصر واحد على ما هو قاعدة مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: ما لهؤلاء الذين أضلهم الله من ناصرين ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه؛ أي: هؤلاء ممن أضلهم الله فلا هادي لهم.
ومعنى الآية (١): أي ولكن الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بالله، اتبعوا أهواءهم جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر .. لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا إلى سبيل الرشد، ولكن أنى لهم ذلك.
فمن يهدي من خلق الله فيه الضلال، وجعله كاسبًا له باختياره، لسوء استعداده، وميله بالفطرة إليه، وعلم الله فيه ذلك، وليس لهم ناصر ينقذهم من بأس الله، وشديد إنتقامه إذا حل بهم؛ لأنه ما شاء .. كان، وما لم يشأ لم يكن.
وفي الآية إشارة إلى (٢) أن العمل بمقتضى العقل السليم هدى، والميل إلى
стр. 9862
التقليد للجهلة هوى، فكما أن أهل الهدى منصورون أبدًا، فكذا أهل الهوى، مخذولون سرمدًا وإلى أن الخذلان واتباع الهوى من عقوبات الله المعنوية في الدنيا، فلا بد من قرع باب العفو بالتوبة، والسلوك إلى طريق التحقيق، والإعراض عن الهوى والبدعة، فإنهما شر رفيق.
٣٠ - ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بتوحيده وعبادته فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: قوم ذاتك وعدلها واصرفها ﴿لِلدِّينِ﴾ الحنيفي، وأقبل بكليتك عليه، غير ملتفت عنه يمينًا وشمالًا، أو أخلص عملك لله تعالى، وهذا تمثيل (١) لإقباله على الدين، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بالشيء .. عقد عليه طرفه، وسدد إليه نظره، وقوم له وجهه.
و ﴿الفاء﴾ فيه: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان (٢) حال المشركين اتباع الهوى، والإعراض عن الهدى .. فقوم وجهك يا محمد للدين الحق، الذي هو دين الإِسلام، وعدله غير ملتفت يمينًا وشمالًا، أو سدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك إليه ربك لطاعته، وهو الدين القيم دين الفطرة.
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ حال من فاعل ﴿أَقِمْ﴾؛ أي: حال كونك مائلًا إليه عن سائر الأديان، مستقيمًا عليه لا ترجع عنه إلى غيره، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الدِّينِ﴾؛ أي: حال كون ذلك الدين قويمًا لا اعوجاج فيه، وقال بعضهم: في الآية الوجه، ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه مما يتوجه الإنسان إليه، لتسديده وإقامته، والمعنى عليه: أخلص دينك، وسدد عملك مائلًا إليه عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
والخطاب عام للنبي ﷺ ولجميع الأمة، والإفراد في ﴿أَقِمْ﴾ لما أن الرسول إمام الأمة، فأمره مستتبع لأمرهم، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا أيها الناس فطرت الله سبحانه؛ أي: دينه وتوحيده، وترسم
стр. 9863
﴿التاء﴾ فيه مجرورةً وليس في القرآن غيرها. اهـ. "الفتوحات".
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: خلق جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم عليها في بطون أمهاتهم، وحيث أخذهم الله من ظهر آدم، وسألهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فقالوا: ﴿بَلَى﴾ والموصول صفة لـ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ مؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر، فإن خلق الله الناس على فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق، وتمكنم من إدراكه، أو عن ملة الإِسلام، من موجبات لزومها، والتمسك بها قطعًا.
المعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإِسلام، غير نائين عنه ولا منكرين له، لكونه مجاوبًا للعقل، مساوقًا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا وما خلقوا عليه ما اختاروا عليه دينًا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن.
ومنه قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: "كل عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم - استخفتهم وأضلتهم - الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري".
ومنه قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه، الذي رواه عنه أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" يعني تكونون أنتم تجدعونها؛ أي: تقطعون أنفها أو أذنها، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ ...﴾ الآية.
ومعناه: كل مولود إنما يولد في مبدأ الخلقة، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة، والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها .. استمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه العقل السليم، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد، فمن سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره.
وحكي عن عبد الله بن المبارك (١): أنه قال في معنى الحديث: "إن كل مولود يولد على فطرته"؛ أي: خلقته التي خلقه الله عليها في علمه، من السعادة
стр. 9864
والشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل: أن يولد بين يهوديين، أو نصرانيين، فيحملانه على اعتقاد دينهما.
فإن قلت: الحديث الذي ورد عنه ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا" يعارضه حديث أبي هريرة: "كل مولود يولد على الفطرة" فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: يجمع بينهما بأن المراد بالفطرة: استعداده لقبول الإسلام، كما مر، وذلك لا ينافي كونه شقيًا في جبلته، أو يراد بالفطرة قولهم: ﴿بَلَى﴾ حين قال الله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. قال النووي: لما كان أبواه مؤمنين .. كان هو مؤمنًا أيضًا، فيجب تأويله بأن معناه - والله أعلم -: إن ذلك الغلام لو بلغ لكان كافرًا. انتهى.
ثم لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي، المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه" فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه، محكوم له بحكم أبويه الكافرين، كما في "كشف الأسرار".
والمعنى: أي الزموا خلقة الله، التي خلق الناس عليها، فقد جعلهم بفطرتهم جانحين للتوحيد، وموقنين به، لكونه موافقًا لما يهدي إليه العقل، ويرشد إليه صحيح النظر، كما ورد في الحديث المتفق عليه، لأبي هريرة الذي سبق آنفًا، وقوله ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؛ أي: لدينه وتوحيده تعليل للأمر بلزوم فطرته تعالى لوجوب الامتثال به؛ أي: لا صحة ولا استقامة لتبديله بالإخلال بموجبه، وعدم مقتضاه عليه بقبول الهوى، واتباع وسوسة الشيطان، أو هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها تبديل لها من جهة الخالق سبحانه.
وقال ابن عباس: لا تبديل لقضاء الله بسعادتهم وشقاوتهم.
وفي "التأويلات النجمية": لا تحويل لما له خلقهم، فطر الناس كلهم على التوحيد، فأقام قلب من خلقه للتوحيد والسعادة، وأزاغ قلب من خلقه للإلحاد
стр. 9865
والشقاوة. انتهى.
وقيل: هو نفي معناه النهي؛ أي: لا تبدلوا خلق الله ودينه بالشرك، بيان (١) هذا: أن العقل الإنساني كصحيفة بيضاء، قابلة لنقش ما يراد أن يكتب فيها، كالأرض تقبل كل ما يغرس فيها، فهي تنبت حنظلًا وفاكهةً ودواءً وسمًا، والنفس ترد عليها الديانات والمعارف فتقبلها، والخير أغلب عليها من الشر، كما أن أغلب نبات الأرض يصلح للرعي، والقليل منه سم لا ينتفع به، ولا تغير بالآراء الفاسدة، إلا بمعلم يعلمها ذلك، كالأبوين اليهوديين أو النصرانيين، ولو ترك الطفل وشأنه .. لعرف أن الإله واحد، ولم يسقه عقله إلى غير ذلك، فإن البهيمة لا تجدع إلا بمن يجدعها من الخارج، هكذا صحيفة العقل، لا تغير إلا بمؤثر خارجي يضلها بعد علم.
﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرتكم به من التوحيد، أو ذلك الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو لزوم فطرة الله المستفاد من الإغراء، أو الفطرة إن فسرت بالمملة، والتذكير بتاويل المذكور، أو باعتبار الخير ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو وصف بمعنى المستقيم المستوي.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾؛ أي: كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ استقامته حتى يفعلوه، ويعملوا به، فينحرفون عنه انحرافًا، وذلك لعدم تدبرهم وتفكرهم في البراهين الواضحة الدالة عليه، ولو علموا ذلك حق العلم .. لاتبعوه، وما صدوا الناس عن الاقتباس من نوره، وما سدلوا الحجب التي تحجب عنهم ضياءه.
٣١ - وقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ تعالى؛ أي: راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في أوامره ونواهيه: حال من الضمير في الناصب المقدر لـ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أو في ﴿أَقِمْ﴾ لعمومه للأمة، وما بينهما اعتراض، وقيل: منصوب على أنه خبر لكان المحذوفة؛ أي: وكونوا منيبين إليه، لدلالة: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ
стр. 9866
الْمُشْركِينَ﴾ على ذلك، وهو من أناب إذا رجع مرةً بعد أخرى.
والمعنى: الزموا فطرة الله، أو فأقيموا وجوهكم للدين، حال كونكم راجعين إليه مالى كل ما أمر به، مقبلين عليه بالطاعة. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ باجتناب معاصيه، وهو معطوف على الزموا المقدر الناصب لـ ﴿مُنِيبِينَ﴾.
والمعنى: أي فأقم وجهك أيها الرسول، أنت ومن اتبعك حنفاء لله منيبين إليه، وخافوه وراقبوا أن تفرطوا في طاعته، وترتكبوا معصيته ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الخمس؛ أي: أدوها في أوقاتها على شرائطها وحقوقها.
قال الراغب: إقامة الشيء: توفية حقه، ولم يأمر الله بالصلاة حيث أمر، ولا مدح بها حيثما مدح، إلا بلفظ الإقامة، تنبيهًا على أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئاتها.
والمعنى: أي وداموا على إقامتها، فهي عمود الدين، وهي التي تذكر المؤمن ربه، وتجعله يناجيه في اليوم خمس مرات، وتحول بينه وبين الفحشاء والمنكر؛ لأنها تعوِّد النفس الخضوع والإخبات له، ومراقبته في السر والعلن، كما جاء في الحديث: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ به غيره المبدلين لفطرة الله تبديلًا، بل أخلصوا له العبادة، ولا تريدوا بها سواه، وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٣٢ - وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بدل من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعادة الجار، وتفريقهم لدينهم: اختلافهم فيما يعبدون على اختلاف أهوائهم، وفائدة (١) الإبدال: التحذير عن الانتماء إلى ضرب من أضراب المشركين ببيان أن الكل على الضلال المبين. وكانوا شيعًا؛ أي: فرقًا مختلفة يشايع كل منها - أي يتابع - إمامها الذي هو أصل دينها.
وقرأ حمزة والكسائي (٢): ﴿فارقوا دينهم﴾ ورويت هذه القراءة عن علي بن
стр. 9867
أبي طالب؛ أي: فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد؛ أي: ولا تكونوا من المشركين، الذين بدلوا دين الفطرة وغيروه، وكانوا في ذلك فرقًا مختلفة، كلها جاذبت الحق، وركنت إلى الباطل، كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر الأديان الباطلة.
والخلاصة: أن أهل الأديان قبلنا، اختلفوا فيما بينهم على مذاهب ونحلٍ باطلة، كل منها تزعم أنها على شيء.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ وطائفة وجماعة من هؤلا الذين فارقوا دينهم الحق وأحدثوا من البدع ما أحدثوا، ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: بما عندهم من الدين المعوج، المؤسس على الزيغ والزعم الباطيل ﴿فَرِحُونَ﴾؛ أي: مسرورون راضون، ظنًا منهم أنه الحق والصواب لا يعدوهم إلى غيرهم من النحل، والمذاهب الأخرى.
٣٣ - ﴿وَإِذَا مَسَّ﴾ وأصاب ﴿النَّاسَ﴾؛ أي: أهل مكة ﴿ضُرٌّ﴾؛ أي: ضرر وشدة وسوء حال، كجوع ووباء وقحط وفقر وغير ذلك من أنواع البلاء ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أن يرفع ذلك عنهم، واستغاثوا به حال كونهم ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي: راجعين إليه من دعاء غيره، ملتجئين به، لا يعولون على غيره، لسلمهم أنه لا فرج عند الأصنام، ولا يقدر على كشف ذلك عنم غير الله، وقيل: مقبلين إليه بكل قلوبهم.
والمعنى (١): أي وإذا مس هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر ضر، فأصابهم جدب وقحط مثلًا .. أخلصوا لربهم التوحيد، وأفردوه بالتضرع إليه، واستغاثوا به منيبين إليه، تائبين من شركهم وكفرهم.
﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ﴾ ومنحهم ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من عنده سبحانه ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: خلاصًا وعافيةً من الضر النازل بهم بإجابة دعائهم، وذلك بالخصب والغنى والعافية مثلًا ﴿إِذَا﴾: فجائية، وقعت في جواب الشرط؛ لأنها كالفاء في إفادة
стр. 9868
التعقيب. ﴿فَرِيقٌ﴾ وجماعة ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أولئك المشركين ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ الذي كشف عنهم الضر ﴿يُشْرِكُونَ﴾ غيره؛ أي: فاجأ فريق منهم بالعود إلى الإشراك بربهم، الذي عافاهم وخلصهم من ذلك الضر. وتخصيص (١) هذا الفعل ببعضهم؛ لما أن بعضهم ليسوا كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾؛ أي: مقيم على الطريق القصد، أو متوسط في الكفر، لانزجاره في الجملة.
وهذا كلام مسوق للتعجيب من أحوالهم، وما صاروا عليه من الاعتراف بوحدانية الله تعالى عند نزول الشدايد، والرجوع إلى الشرك عند رفع ذلك عنهم؛ أي: ثم إذا كشف ربهم عنهم ذلك الضر، وفرجه عنهم، وأصابهم برخاء وخصب وسعةٍ .. إذا جماعة منهم يشركون به، فيعبدون معه الآلهة والأوثان.
والخلاصة: أنهم حين الضرر يدعون الله وحده لا شريك له، وإذا أسبغ عليهم نعمه .. إذا فريق منهم يشركون به سواه، ويعبدون معه غيره.
٣٤ - و ﴿اللام﴾: في قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: أعطيناهم من نعمة الخلاص والعافية: هي لام كي، وقيل: لام الأمر، أمرهم أمر تهديد، كما يقول السيد لعبده متوعدًا، إذا راه قد خالف أمره، اعصني ما شئت، وقيل: هي لام العاقبة؛ أي: ليكون عاقبة أمرهم كفران ما آتيناهم بنسبته إلى الأصنام، أو إلى النجم الفلاني، والمعنى على الأمر؛ أي: فليجحدوا (٢) نعمي عليهم، وإحساني إليهم كيف شاؤوا، فإن لهم يومًا نحاسبهم فيه، يوم يؤخذون بالنواصي، ويجرون بالسلاسل والأغلال، ويقال لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون.
ثم خاطب سبحانه هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع، فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بكفركم قليلًا إلى وقت آجالكم، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والأمر فيه: للتهديد أيضًا؛ أي: فتمتعوا بما آتيناكم من الرخاء، وسعة النعمة في الدنيا فما هي إلا أوقات قصيرة تمضي كلمح البصر، ثم هددهم أشد التهديد بقوله:
стр. 9869
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة إذا وردتم علي عاقبة تمتعكم، وما يصيبكم من شديد عذابي، وعظيم عقابي على كفركم بي في الدنيا.
روي عن بعض السلف أنه قال: والله لو توعدني حارس درب .. لخفت فيه، فكيف والمتوعد هو الله، الذي يقول للشيء: كن فيكون.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بالتاء فيهما، وقرأ أبو العالية: ﴿فيمتعوا﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، وهو معطوف على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ ﴿فسوف يعلمون﴾ بالياء على التهديد لهم، وعن أبي العالية: بياء قبل التاء عطف أيضًا على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ أي: لتطول أعمارهم على الكفر، وعنه عن عبد الله: ﴿فليتمتعوا﴾ باللام. وقال هارون: وفي مصحف عبد الله: ﴿يُمتعوا﴾.
٣٥ - ثم أنكر على المشركين ما اختلقوه من عبادة غيره تعالى بلا دليل، فقال: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ و ﴿أَمْ﴾: منقطعة تقدر ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري المضمن لتوبيخ؛ أي: بل: أأنزلنا على هؤلاء المشركين حجة واضحة كالكتاب ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: ذلك السلطان ﴿يَتَكَلَّمُ﴾ تكلم دلالة ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ﴾ تعالى ﴿يُشْرِكُونَ﴾؛ أي (٢): بإشراكهم به تعالى، وصحته على أن ﴿ما﴾ مصدرية، أو بالأصنام التي يشركون به تعالى في ألوهيته على أنها موصولة، وهي أولى من جعلها مصدرية، لوجود العائد، والمراد بالاستفهام، النفي والإنكار، أي: لم ننزل عليهم ذلك، ويجوز أن تكون الباء سببية؛ أي: بالأمر الذي بسببه يشركون.
والمعنى (٣): أي أأنزلنا على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الآلهة والأصنام، كتابًا فيه تصديق لما يقولون، وإرشاد إلى حقيقة ما يدعون، وإجمال القصد: أنه لم ينزل بما يقولون كتابًا، ولا أرسل به رسولًا، وإنما هو شيء افتعلوه اتباعًا لأهوائهم.
стр. 9870
٣٦ - ثم ذكر طبيعة الإنسان وجبلته، إلا من عصمه الله فقال: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾؛ أي: إذا منحنا ورزقنا جنس الإنسان ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: خصبًا ونعمةً وعافيةً ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾؛ أي: بتلك الرحمة فرح بطر وأشر لا فرح شكر بها وحمد عليها، وابتهاج بوصولها إليهم، وغرتهم الحياة الدنيا، وأعرضوا عن عبودية المولى.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: شدة من بلاءً وضيق مثلًا. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾؛ أي: بسبب شؤم ما قدمته واقترفته ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي والذنوب، ﴿هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ وييئسون من رحمة الله تعالى؛ أي: فاجأهم القنوط واليأس من رحمة الله تعالى، والقنوط: اليأس من رحمة الله، كذا قال الجمهور، وقال الحسن: القنوط: ترك فرائض الله سبحانه، وقرأ الجمهور (١): ﴿يقنطون﴾ بضم النون. وقرأ أبو عمرو، والكسائي ويعقوب: بكسرها.
أي: إن الإنسان قد ركب في طبيعته الفرح والبطر حين تصيبه النعمة، كما حكى الله سبحانه عنه ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ وإذا أصابته شدة بجهله بسنن الحياة، وعصيانه أوامر الدين .. قنط من رحمة الله، وآيس منها، فهو كما قيل:
كَحِمَارِ السُّوْءِ إِنْ أعْلَفْتَهُ ... رَمَحَ النَّاسَ وَإِنْ جَاعَ نَهَقْ
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم راضون بما قسمه لهم من خير أو شر، علمًا منهم أن الله حكيم لا يفعل إلا ما فيه خير للعبد، وفي الحديث الصحيح: "عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء .. شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء .. صبر فكان خيرًا له".
٣٧ - ثم أنكر عليهم ما يلحقهم من اليأس والقنوط لدى الضراء فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير: ألم يشاهد الناس؛ أي: أهل مكة، ولم يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ الرزاق ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يوسع عليه من
стр. 9871
عباده ويمتحنه بالشكر؛ أي: يوسع لمن يرى صلاحه في ذلك ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: ويضيق الرزق على من يرى نظام حاله في ذلك، ويمتحنه بالصبر ليستخرج منهم بذلك معلومه من الشكر والكفران والصبر والجزع، فما لهم لا يشكرون في السراء، ولا يتوقعون الثواب بالصبر في الضراء كالمؤمنين.
والمعنى: ألم يشاهدوا ويعلموا أن الأمرين من الله، فما بالهم لم يشكروا في السراء، ويحتسبوا في الضراء، كما يفعل المؤمنون، فإن من فطر هذا العالم لا ينزل الشدة بعباده إلا لما لم فيها الخير، كالتأديب والتذكير والامتحان، فهو كما يربي عباده بالرحمة، يريبهم بالتعذيب، فلو أنهم شكروه حين السراء، وتضرعوا إليه في الضراء .. لكان خيرًا لهم.
والخلاصة: أنه يجب عليهم أن ينيبوا إليه في الرخاء والشدة، ولا يعوقهم عن الإنابة إليه نعمة تبطرهم، ولا شدة تحدث في قلوبهم اليأس، بل يكونون في السراء والضراء منيبين إليه، قال شقيق رحمه الله تعالى: كما لا تستطيع أن تزيد في خلقك ولا في حياتك، كذلك لا تستطيع أن تزيد في رزقك، فلا تتعب نفسك في طلب الرزق.
فإن قلت: قال هنا (١): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بلفظ الرؤية، وفي الزمر ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ بلفظ العلم، فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: الفرق بينهما: أن بسط الرزق مما يرى، فناسبه ذكر الرؤية، وما في الزمر تقدمة ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فناسبه ذكر العلم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من القبض والبسط ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات على قدرته التامة، وحكمته البالغة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بها فيستدلون بها على وجود الصانع الحكيم، قال أبو بكر محمد بن سابق:
فَكَمْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ فِي تَقَلُّبِهِ ... مُهَذِّبِ الَّرأْيِ عَنْهُ الرِّزْقُ يَنْحَرِفُ
стр. 9872
وَكَمْ ضَعِيْفٍ ضَعِيفٍ فِيْ تَقَلُّبِهِ ... كَأَنَّهُ مِنْ خَلِيْجِ الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ
هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الإِلهَ لَهُ ... فِيْ الْخَلْقِ سِرٌّ خَفِيٌّ لَيْسَ يَنْكَشِفُ
وحكي (١): أن بعض العلماء سئل فقيل له: ما الدليل على أن للعالم صانعًا واحدًا؟
قال: ثلاثة أشياء: ذل اللبيب، وفقر الأديب، وسقم الطبيب.
قال في "التأويلات النجمية": الإشارة فيه إلى أن لا يعلق العباد قلوبهم إلا بالله سبحانه؛ لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي يسرهم ويؤنسهم منه وجوده، والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله، فالواجب لزوم بابه سبحانه بالإسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. انتهى.
إذ لا يفيد للعاجز طلب مراده من عاجز مثله، فلا بد من الطلب من القادر المطلق، الذي هو الحق سبحانه، نسأل الله سبحانه أن يوقظنا من سنة الغفلة، ولا يجعلنا من المعذبين بعذاب الجهالة، إنه الجواد الكريم، البر الرؤوف الرحيم.
٣٨ - و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَآتِ﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أيها المكلف: أن البسط والقبض كليهما بيد الله سبحانه، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك آت؛ أي: أعط يا من بسط الله عليه الرزق ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾؛ أي: صاحب القرابة لك ﴿حَقَّهُ﴾؛ أي: ما يستحقه عليك، إما على سبيل الوجوب، أو الندب من الصلة والصدقة وسائر المبرات.
والخطاب فيه (٢) للنبي ﷺ وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال واسع، وقدم الإحسان إلى القرابة؛ لأن خير الصدقة ما كان على قريب، فهو صدقة مضاعفة، وصلة رحم مرغب فيها.
стр. 9873
وبهذه الآية يحتج أبو حنيفة على وجوب النفقة لذوي الأرحام المحارم عند الاحتياج، ويقيسهم الشافعي على ابن العم، فلا يوجب النفقة إلا على الولد والوالدين، لوجود الولادة.
﴿وَ﴾ آت ﴿الْمِسْكِينَ﴾ سواء كان ذا قرابة أم لا ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: المسافر ما يستحقانه من الصدقة والإعانة والضيافة، فإن ابن السبيل هو الضيف، كما في "كشف الأسرار"، والمراد بحقه: الصدقة المندوبة، ولا يصح حملها على الواجبة، وهي الزكاة؛ لأن السورة مكية، والزكاة ما فرضت إلا في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة. اهـ. "شيخنا".
ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر (١): أنهم أولى من سائر الأصناف بالإحسان، ولكون ذلك واجبًا لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول.
وقد اختلف في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: هي منسوخة بآية الميراث، وقيل: محكمة، وللقريب في مال قريبه الغني حق واجب، وبه قال مجاهد وقتادة، قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاج، وقال الحسن: إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب، وقيل: المراد بالقربى: قرابة النبي ﷺ ، قال القرطبي: والأول: أصح؛ لأن حقهم مبين في كتاب الله سبحانه في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾.
والمعنى: أي (٢) أعط أيها الرسول أنت ومن تبعك من المؤمنين الأقارب الفقراء، جزءًا من مالك، صلةً للرحم، وبرًا بهم؛ لأنهم أحق الناس بالشفقة، وكذا المسكين الذي لا مال له، إذا وقع في ورطة الحاجة .. فيجب على من عنده مقدرة دفع حاجته، وسد عوزه.
ومثله: المسافر البعيد عن ماله الذي لا يستطيع إحضار شيء منه، لانقطاع السبل به، فيجب مساعدته بما يدفع خصاصته، حتى يصل إلى مأمنه، وسرعة
стр. 9874
طرق المواصلات الآن تدفع هذه الضرورة.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: إيتاء الحق وإخراجه من المال ﴿خَيْرٌ﴾ من الإمساك ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: يقصدون بمعروفهم إياه تعالى، خالصًا، فيكون الوجه (١) بمعنى الذات، أو جهة التقرب إليه، لا جهة أخرى من الأغراض والأعواض فيكون بمعنى الجهة ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المعطون حقوق من ذكر، لمن ذكر، لوجه الله تعالى، وطلب رضاه سبحانه ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الفائزون بالمطلوب في الآخرة، حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم.
والمعنى: لهم في الدنيا خير، وهو البركة في أموالهم؛ لأن إخراج الزكاة يزيد في المال، وفي الآخرة خير، وهو الجزاء الجميل، والثواب الجزيل على إخراجهم المال لطاعة الله تعالى.
ومعنى الآية (٢): أي ذلك الإعطاء لمن تقدم ذكرهم من فعل الخير الذي يتقبله الله تعالى، ويرضى عن فاعليه، ويعطيهم جزيل الثواب، وأولئك قد ربحوا في صفقتهم، فأعطوا ما يغني، وحصلوا على ما يبقى من النعيم المقيم، والخير العميم، وإنما كان هذا العمل خيرًا لما فيه من تكافل الأسرة الخاصة، وتعاونها في السراء والضراء، وتعاون الأسرة العامة، وهي الأمة الإِسلامية جمعاء، كما جاء في الحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا"، ولا يخفى ما لذلك من أثرِ في تولد المحبة والمودة، وفي التكاتف لدفع عوادي الأيام، ومحن الزمان.
٣٩ - ثم ذكر من يتصرف في ماله على غير الجهة المرضية فقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ أي: وما أعطيتم من عطية خالية من العوض، أو ما (٣) أعطيتم من زيادةٍ محرمة في المعاملة، أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة ﴿لِيَرْبُوَ﴾؛ أي: ليزيد لكم ذلك المعطى، ويتسبب لكم ﴿فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾؛ أي: في أخذكم
стр. 9875
من أموال الناس؛ أي: ليحصل لكم شيئًا أكثر منه، بأن تعطوا شيئًا وتطلبوا ما هو أفضل منه ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ ذلك المعطى ولا يزيد لكم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه فائدةً، ولا يبارك الله لكم فيه، فليس لكم فيه أجر، وليس عليكم فيه إثم إن كانت في غير المعاملة؛ أي: وما أعطيتم من عطية بلا مقابل ليربح لكم في أموال الناس، بتحصيل مكافأةٍ زائدةٍ عليه .. فلا يربح لكم عند الله سبحانه، فليس لكم عليه أجر.
وقيل: الآية في الرجل، يعطي صديقه أو قريبه، ليكثر ماله لا يريد به وجه الله، وقيل: هو الرجل يلتزق بالرجل، فيخدمه ويسافر معه، فيجعل له ربح ماله، لالتماس عونه، لا لوجه الله تعالى، فلا يربو عند الله تعالى؛ لأنه لم يرد بعمله وجه الله تعالى.
قرأ الجمهور (١): ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد، بمعنى أعطيتم، وقرأ مجاهد، وحميد، وابن كثير: ﴿أتيتم﴾ بالقصر، بمعنى: ما فعلتم على وجه الإعطاء، فهي راجعة إلى قراءة المد، وأجمعوا على القراءة بالمد في قوله الآتي: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾. ﴿من ربوا﴾ كتب (٢) بالواو للتفخيم على لغة من يفخم في أمثاله من الصلاة والزكاة، أو للتنبيه على أصله؛ لأنه من ربا يربو: إذا زاد، وزيدت الألف تشبيهًا بواو الجمع، وقرأ الجمهور: ﴿ليربو﴾ بالياء وإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبو رجاء، والشعبي، ونافع، وأبو حيوة: بالتاء مضمومةً ﴿لتربوا﴾ وإسناد الفعل إليهم؛ أي: لتأخذوا الربا من أموال الناس، أو لتكونوا ذوي زيادات، وقرأ أبو مالك: ﴿ليربوها﴾ بضمير المؤنث.
والربا لغةً: مطلق الزيادة، وشرعًا: عقد مخصوص، مشتمل على الزيادة في المقدار، بأن يباع أحد مطعوم بمطعوم، أو نقدٍ بنقد بأكثر منه من جنسه، ويقال له: ربا الفضل، أو في الأجل بأن يباع أحدهما إلى أجل، ويقال له: ربا النساء، وكلاهما محرم، والمعنى عليه: وما أعطيتم من زيادة خالية من العوض عند