← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

عباده ويمتحنه بالشكر؛ أي: يوسع لمن يرى صلاحه في ذلك ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: ويضيق الرزق على من يرى نظام حاله في ذلك، ويمتحنه بالصبر ليستخرج منهم بذلك معلومه من الشكر والكفران والصبر والجزع، فما لهم لا يشكرون في السراء، ولا يتوقعون الثواب بالصبر في الضراء كالمؤمنين. والمعنى: ألم يشاهدوا ويعلموا أن الأمرين من الله، فما بالهم لم يشكروا في السراء، ويحتسبوا في الضراء، كما يفعل المؤمنون، فإن من فطر هذا العالم لا ينزل الشدة بعباده إلا لما لم فيها الخير، كالتأديب والتذكير والامتحان، فهو كما يربي عباده بالرحمة، يريبهم بالتعذيب، فلو أنهم شكروه حين السراء، وتضرعوا إليه في الضراء .. لكان خيرًا لهم. والخلاصة: أنه يجب عليهم أن ينيبوا إليه في الرخاء والشدة، ولا يعوقهم عن الإنابة إليه نعمة تبطرهم، ولا شدة تحدث في قلوبهم اليأس، بل يكونون في السراء والضراء منيبين إليه، قال شقيق رحمه الله تعالى: كما لا تستطيع أن تزيد في خلقك ولا في حياتك، كذلك لا تستطيع أن تزيد في رزقك، فلا تتعب نفسك في طلب الرزق. فإن قلت: قال هنا (١): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بلفظ الرؤية، وفي الزمر ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ بلفظ العلم، فما الفرق بين الموضعين؟ قلت: الفرق بينهما: أن بسط الرزق مما يرى، فناسبه ذكر الرؤية، وما في الزمر تقدمة ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فناسبه ذكر العلم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من القبض والبسط ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات على قدرته التامة، وحكمته البالغة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بها فيستدلون بها على وجود الصانع الحكيم، قال أبو بكر محمد بن سابق: فَكَمْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ فِي تَقَلُّبِهِ ... مُهَذِّبِ الَّرأْيِ عَنْهُ الرِّزْقُ يَنْحَرِفُ

стр. 9872

وَكَمْ ضَعِيْفٍ ضَعِيفٍ فِيْ تَقَلُّبِهِ ... كَأَنَّهُ مِنْ خَلِيْجِ الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الإِلهَ لَهُ ... فِيْ الْخَلْقِ سِرٌّ خَفِيٌّ لَيْسَ يَنْكَشِفُ وحكي (١): أن بعض العلماء سئل فقيل له: ما الدليل على أن للعالم صانعًا واحدًا؟ قال: ثلاثة أشياء: ذل اللبيب، وفقر الأديب، وسقم الطبيب. قال في "التأويلات النجمية": الإشارة فيه إلى أن لا يعلق العباد قلوبهم إلا بالله سبحانه؛ لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي يسرهم ويؤنسهم منه وجوده، والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله، فالواجب لزوم بابه سبحانه بالإسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. انتهى. إذ لا يفيد للعاجز طلب مراده من عاجز مثله، فلا بد من الطلب من القادر المطلق، الذي هو الحق سبحانه، نسأل الله سبحانه أن يوقظنا من سنة الغفلة، ولا يجعلنا من المعذبين بعذاب الجهالة، إنه الجواد الكريم، البر الرؤوف الرحيم. ٣٨ - و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَآتِ﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أيها المكلف: أن البسط والقبض كليهما بيد الله سبحانه، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك آت؛ أي: أعط يا من بسط الله عليه الرزق ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾؛ أي: صاحب القرابة لك ﴿حَقَّهُ﴾؛ أي: ما يستحقه عليك، إما على سبيل الوجوب، أو الندب من الصلة والصدقة وسائر المبرات. والخطاب فيه (٢) للنبي ﷺ وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال واسع، وقدم الإحسان إلى القرابة؛ لأن خير الصدقة ما كان على قريب، فهو صدقة مضاعفة، وصلة رحم مرغب فيها.

стр. 9873

وبهذه الآية يحتج أبو حنيفة على وجوب النفقة لذوي الأرحام المحارم عند الاحتياج، ويقيسهم الشافعي على ابن العم، فلا يوجب النفقة إلا على الولد والوالدين، لوجود الولادة. ﴿وَ﴾ آت ﴿الْمِسْكِينَ﴾ سواء كان ذا قرابة أم لا ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: المسافر ما يستحقانه من الصدقة والإعانة والضيافة، فإن ابن السبيل هو الضيف، كما في "كشف الأسرار"، والمراد بحقه: الصدقة المندوبة، ولا يصح حملها على الواجبة، وهي الزكاة؛ لأن السورة مكية، والزكاة ما فرضت إلا في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة. اهـ. "شيخنا". ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر (١): أنهم أولى من سائر الأصناف بالإحسان، ولكون ذلك واجبًا لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول. وقد اختلف في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: هي منسوخة بآية الميراث، وقيل: محكمة، وللقريب في مال قريبه الغني حق واجب، وبه قال مجاهد وقتادة، قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاج، وقال الحسن: إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب، وقيل: المراد بالقربى: قرابة النبي ﷺ ، قال القرطبي: والأول: أصح؛ لأن حقهم مبين في كتاب الله سبحانه في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. والمعنى: أي (٢) أعط أيها الرسول أنت ومن تبعك من المؤمنين الأقارب الفقراء، جزءًا من مالك، صلةً للرحم، وبرًا بهم؛ لأنهم أحق الناس بالشفقة، وكذا المسكين الذي لا مال له، إذا وقع في ورطة الحاجة .. فيجب على من عنده مقدرة دفع حاجته، وسد عوزه. ومثله: المسافر البعيد عن ماله الذي لا يستطيع إحضار شيء منه، لانقطاع السبل به، فيجب مساعدته بما يدفع خصاصته، حتى يصل إلى مأمنه، وسرعة

стр. 9874

طرق المواصلات الآن تدفع هذه الضرورة. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: إيتاء الحق وإخراجه من المال ﴿خَيْرٌ﴾ من الإمساك ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: يقصدون بمعروفهم إياه تعالى، خالصًا، فيكون الوجه (١) بمعنى الذات، أو جهة التقرب إليه، لا جهة أخرى من الأغراض والأعواض فيكون بمعنى الجهة ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المعطون حقوق من ذكر، لمن ذكر، لوجه الله تعالى، وطلب رضاه سبحانه ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الفائزون بالمطلوب في الآخرة، حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم. والمعنى: لهم في الدنيا خير، وهو البركة في أموالهم؛ لأن إخراج الزكاة يزيد في المال، وفي الآخرة خير، وهو الجزاء الجميل، والثواب الجزيل على إخراجهم المال لطاعة الله تعالى. ومعنى الآية (٢): أي ذلك الإعطاء لمن تقدم ذكرهم من فعل الخير الذي يتقبله الله تعالى، ويرضى عن فاعليه، ويعطيهم جزيل الثواب، وأولئك قد ربحوا في صفقتهم، فأعطوا ما يغني، وحصلوا على ما يبقى من النعيم المقيم، والخير العميم، وإنما كان هذا العمل خيرًا لما فيه من تكافل الأسرة الخاصة، وتعاونها في السراء والضراء، وتعاون الأسرة العامة، وهي الأمة الإِسلامية جمعاء، كما جاء في الحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا"، ولا يخفى ما لذلك من أثرِ في تولد المحبة والمودة، وفي التكاتف لدفع عوادي الأيام، ومحن الزمان. ٣٩ - ثم ذكر من يتصرف في ماله على غير الجهة المرضية فقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ أي: وما أعطيتم من عطية خالية من العوض، أو ما (٣) أعطيتم من زيادةٍ محرمة في المعاملة، أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة ﴿لِيَرْبُوَ﴾؛ أي: ليزيد لكم ذلك المعطى، ويتسبب لكم ﴿فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾؛ أي: في أخذكم

стр. 9875

من أموال الناس؛ أي: ليحصل لكم شيئًا أكثر منه، بأن تعطوا شيئًا وتطلبوا ما هو أفضل منه ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ ذلك المعطى ولا يزيد لكم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه فائدةً، ولا يبارك الله لكم فيه، فليس لكم فيه أجر، وليس عليكم فيه إثم إن كانت في غير المعاملة؛ أي: وما أعطيتم من عطية بلا مقابل ليربح لكم في أموال الناس، بتحصيل مكافأةٍ زائدةٍ عليه .. فلا يربح لكم عند الله سبحانه، فليس لكم عليه أجر. وقيل: الآية في الرجل، يعطي صديقه أو قريبه، ليكثر ماله لا يريد به وجه الله، وقيل: هو الرجل يلتزق بالرجل، فيخدمه ويسافر معه، فيجعل له ربح ماله، لالتماس عونه، لا لوجه الله تعالى، فلا يربو عند الله تعالى؛ لأنه لم يرد بعمله وجه الله تعالى. قرأ الجمهور (١): ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد، بمعنى أعطيتم، وقرأ مجاهد، وحميد، وابن كثير: ﴿أتيتم﴾ بالقصر، بمعنى: ما فعلتم على وجه الإعطاء، فهي راجعة إلى قراءة المد، وأجمعوا على القراءة بالمد في قوله الآتي: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾. ﴿من ربوا﴾ كتب (٢) بالواو للتفخيم على لغة من يفخم في أمثاله من الصلاة والزكاة، أو للتنبيه على أصله؛ لأنه من ربا يربو: إذا زاد، وزيدت الألف تشبيهًا بواو الجمع، وقرأ الجمهور: ﴿ليربو﴾ بالياء وإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبو رجاء، والشعبي، ونافع، وأبو حيوة: بالتاء مضمومةً ﴿لتربوا﴾ وإسناد الفعل إليهم؛ أي: لتأخذوا الربا من أموال الناس، أو لتكونوا ذوي زيادات، وقرأ أبو مالك: ﴿ليربوها﴾ بضمير المؤنث. والربا لغةً: مطلق الزيادة، وشرعًا: عقد مخصوص، مشتمل على الزيادة في المقدار، بأن يباع أحد مطعوم بمطعوم، أو نقدٍ بنقد بأكثر منه من جنسه، ويقال له: ربا الفضل، أو في الأجل بأن يباع أحدهما إلى أجل، ويقال له: ربا النساء، وكلاهما محرم، والمعنى عليه: وما أعطيتم من زيادة خالية من العوض عند

стр. 9876

المعاملة، ليربو ويزيد في أموال الناس، فلا يربو عند الله؛ أي: لا يزيد عنده، ولا يبارك لكم فيه، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾. وقال بعضهم: المراد بالربا في الآية: هو أن يعطي الرجل العطية، أو أن يهدي الهدية ويثاب ما هو أفضل منها، فهذا ربًا حلال جائز، ولكن لا يثاب في القيامة؛ لأنه لم يرد به وجه الله تعالى. والمعنى على هذا القول: أي ومن أهدى هديةً يريد أن ترد بأكثر منها .. فلا ثواب له عند الله تعالى، وقد حرم الله ذلك على رسوله ﷺ على الخصوص، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾؛ أي: ولا تعط العطاء تريد أكثر منه. روي عن ابن عباس أنه قال: الربا ربوان .. ربًا لا يصح، وهو ربا بالبيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وإضعافا، ثم تلا هذه الآية. وقال عكرمة: الربا ربوان: ربًا حلال، وربًا حرام، فأما الربا الحلال: فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه، وعن الضحاك في هذه الآية: هو الربا الحلال الذي يهدي ليثاب ما هو أفضل منه، لا له ولا عليه، ليس له أجر، وليس عليه فيه إثم. ومعنى الآية: أنه لا يزكو عند الله، ولا يثاب عليه؛ لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه خالصًا له. واختلف (١) العلماء فيمن وهب هبة يطلب عوضها، وقال: إنما أردت العوض، فإن كان مثله ممن يطلب العوض من الوهوب له. فله ذلك عند مالك، وذلك كهبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الشخص لمن فوقه، ولأميره، وقال أبو حنيفة: لا يكون له عوض إذا لم يشترط، وهذان القولان جاريان للشافعي.

стр. 9877

قال صاحب "روح البيان": تشير الآية على القول الأول، إلى أنه لو قال المعطي للآخذ: أنا لا أعطي هذا المال إياك على أنه ربا، وجعله في حل .. لا يكون حلالًا، ولا يخرج عن كونه ربًا؛ لأن ما كان حرامًا بتحريم الله تعالى، لا يكون حلالًا بتحليل غيره، وإلى أن المعطي ولآخذ سواء في الوعيد، إلا إذا كانت الضرورة قويةً في جانب الآخر، فلم يجد بدًا من الأخذ بطريق الربا، بأن لا يقرضه أحد بغير معاوضةٍ. ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ وأعطيتم ﴿مِنْ زَكَاةٍ﴾؛ أي: من صدقة تطوع إلى المساكين، سميت (١) زكاة لأنها تزكو وتنمو حالة كونكم ﴿تُرِيدُونَ﴾ بها ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ سبحانه، وتقصدون ثوابه ورضاه، لا ثواب غيره من المكافأة، ولا رضاه بأن يكون رياءً وسمعةً ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المعطون على الصفة المذكورة ﴿هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾؛ أي: الذين أضعفت صدقاتهم في الآخرة بكثرة الثواب من عشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وبحفظ أموالهم في الدنيا، وبالبركة لها، و ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ بكسر العين على قراءة الجمهور: جمع مضعف، والمضعف: ذو الإضعاف في الأجر، كالمقوي لذي القوة، والموسر لذي اليسار، وقرأ أبيّ: ﴿المضعفون﴾ بفتح العين اسم مفعول، وفي عدوله عن الخطاب إلى الإخبار إيماء إلى أنه لم يخص به المخاطبون، بل هو عام في جميع المكلفين إلى قيام الساعة. واعلم: أن المال عارية مستردة في يد الإنسان، ولا أحد أجهل ممن لا ينقذ نفسه من العذاب الدائم بما لا يبقى في يده، وقد تكفل الله سبحانه بإعواض المنفق. ٤٠ - ولما بين أنه لا زيادة، إلا فيما يزيده، ولا خير إلا فيما يختاره .. أكد ذلك بقوله: ﴿اللَّهُ﴾ الذي لا تصح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره هو ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأوجدكم من العدم، ولم تكونوا شيئًا؛ أي: خلقكم في بطون أمهاتكم أطوارًا، ثم أخرجكم وفيكم الروح ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ما به قوام شؤونكم في هذه

стр. 9878

الحياة، وأطعمكم ما عشتم ودمتم في الدنيا، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدنيا وقت انقضاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يوم القيامة بالنفخة الأخيرة، ليجازيكم بما عملتم في الدنيا من الخير والشر، فهو سبحانه المختص بهذه الأشياء. ثم وبخ هؤلاء المشركين، الذين يعبدون الآلهة والأصنام، التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تحمى ولا تميت بقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ التي زعمتم أنها شركاء لله، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة، ويجعلون لهم نصيبًا من أموالهم. ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي (١): لا يفعل أحد قط شيئًا من تلك الأفعال، والاستفهام فيه: للإنكار بمعنى النفي، و ﴿مِنْ﴾ الأولى والثانية، تفيدان شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم المنفي، وكل منها مستعملة للتأكيد، لتعجيز الشركاء، والتقدير: من الذي يفعل شيئًا من ذلكم من شركائكم؟ ومعلوم أنهم يقولون: ليس فيهم من يفعل شيئًا من ذلك، فتقوم عليهم الحجة. والمعنى: أي هل من آلهتكم وأوثانكم الذين جعلتموهم شركاء لي في العبادة من يخلق أو يرزق أو ينشر الميت يوم القيامة؟ وإجمال المعنى: أن شركاءكم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يعبدون من دون الله تعالى. ثم برأ سبحانه نفسه من هذه الفرية التي افتروها فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تنزه الله، أو نزهوه تنزيهًا بليغًا ﴿وَتَعَالَى﴾ تعاليًا كبيرًا ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عن إشراك المشركين؛ أي: تنزه عن الشريك، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يشركون﴾ بياء الغيبة، والأعمش، وابن وثاب: بتاء الخطاب.

стр. 9879

قيل (١): الشرك على أقسام: أعظمها اعتقاد شريك لله في الذات، ويليه أعتقاد شريك لله في الفعل، كقول من يقول: العباد خالقون أفعالهم الاختيارية، ويليه الشرك في العبادة، وهو الرياء، وهذا هو المراد بحديث: "من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري .. تركته وشركَه" بفتح الكاف؛ أي: مع شريكه، والضمير في "تركته" لمن، يعني أن المرائي في طاعته آثم، لا ثواب له فيها. قال الشيخ أبو حامد ﵀: إذا كان مع الرياء قصد الثواب راجحًا .. فالذي نظنه - والعلم عند الله - أن لا يحبط أصل الثواب، ولكن ينقص منه، فيكون الحديث محمولًا على ما إذا تساوى القصدان، أو يكون قصد الرياء أرجح. قال الكلاباذي ﵀: العمل إذا صح في أوله. لم يضره فساد بعد، ولا يحبطه شيء دون الشرك؛ لأن الرياء: هو ما يفعل العبد من أوله ليرائي به الناس، ويكون ذلك قصده ومراده عند أهل السنة والجماعة، لقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ ولو كان الأمر على ما زعم المعتزلة: من إحباط الطاعات بالمعاصي .. لم يجز اختلاطها واجتماعها، كذا في "شرح المشارق" لابن الملك. قال في "الأشباه": لو افتتح الصلاة خالصًا لله تعالى، ثم دخل في قلبه الرياء، فهو على ما افتتح، والرياء: أن يكون الشخص بحيث لو خلا عن الناس لا يصلي، وإذا كان معهم يصلي، فأما لو صلى مع الناس يحسنها، ولو صلى وحده .. لا يحسن، فله ثواب أصل الصلاة دون الإحسان، ولا يدخل الرياء في الصوم. انتهى. فعلى العاقل أن يجتهد في طريق المراقبة والمشاهدة، حتى يلاحظ الله تعالى في كل فعل باشره من مأموراته، ولا يلاحظ غيره من مخلوقاته، حتى إن الراعي إذا صلى عند الأغنام، لا يلتفت إليها، إذ وجودها وعدمها سواء، فالرياء

стр. 9880

لها هواء، والله تعالى خلق العبد، وخلق القدرة على الحركة، ورزقه القيام بأمره، فما معنى الشركة، نسأل الله الخلاص من الأغيار، وإخراج الملاحظات والأفكار من القلب الذي خلق للتوجه إليه، والحضور لديه. ٤١ - ﴿ظَهَرَ﴾؛ أي: كثر وشاع ﴿الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ﴾ (١) كالجدب، وقلة النبات والربح في التجارات، والريع في الزراعات، والدر والنسل في الحيوانات، ومحق البركات من كل شيء، ووقوع الموتان بضم الميم كبطلان، الموت الشائع في الماشية، وظهور الوباء والطاعون في الناس، وكثرة الحرق - بفتحتين - اسم من الإحراق، وغلبة الأعداء، ووجود الفتن والحرب، ونحو ذلك من المضار. ﴿وَ﴾ في ﴿الْبَحْرِ﴾ كالغرق بفتحتين - اسم من الإغراق - وعمي دواب البحر، بانقطاع المطر، فإن المطر لها كالكحل للإنسان، وإخفاق الغواصين؛ أي: خيبتهم من اللؤلؤ، فإنه يتكون من مطر نيسان، فإذا انقطع .. لم ينعقد. والظاهر من الآية (٢): ظهور ما يصح إطلاق إسم الفساد عليه، سواء كان راجعًا إلى أفعال بني آدم من معاصيهم، واقترافهم السيئات، وتقاطعم وتظالمهم وتقاتلهم، أو راجعًا إلى ما هو من جهة الله سبحانه، بسبب ذنوبهم، كالقحط وكثرة الخوف، والبر والبحر: هما المعروفان المشهوران، وقيل: البر: الفيافي، والبحر: القرى التي على ماء، قاله عكرمة، والعرب تسمي الأمصار: البحار، قال مجاهد: البر: ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر: ما كان على شط نهر، والأول أولى. والباء في قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ للسببية، و ﴿ما﴾ إما موصولة أو مصدرية؛ أي: بسبب شؤم المعاصي، التي كسبها الناس في البر والبحر، بمزاولة الأيدي غالبًا، أو بسبب كسبهم، ففيه إشارة إلى أن الكسب من العبد، والتقدير والخلق من الله تعالى، فالطاعة كالشمس المنيرة، تنتشر أنوارها في الآفاق، فكذا الطاعة، تسري بركاتها إلى الأقطار، فهي من تأثيرات لطفه تعالى، والمعصية

стр. 9881

كالليلة المظلمة، فكما أن الليلة تحيط ظلمتها بالجوانب، فكذا المعصية تتفرق شآمتها إلى الأقارب والأجانب، فهي من تأثيرات قهره تعالى. قيل (١): أول فساد ظهر في البر قتل قابيل أخاه هابيل، وفي البحر أخذ الجلندي الملك كل سفينة غصبًا، وفي المثل: أظلم من ابن الجلندي، بزيادة ابن كما في "إنسان العيون"، وكان من أجداد الحجاج، بينه وبينه سبعون جدًّا، وكانت الأرض خضرةً معجبة بنضارتها، يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرةً، وكان ماء البحر عذبًا، وكان لا تقصد الأسود البقر، فلما وقع القتل المذكور .. تغير ما على الأرض، وشاكت الأشجار؛ أي: صارت ذات شوك، وصار ماء البحر ملحًا مرًا جدًا، وقصد بعض الحيوان بعضًا، وتعلقت شوكة بنبي، فلعنها، فقالت: لا تلعني فإني ظهرت من شؤم ذنوب الآدميين. و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ للعلة، والذوق: وجود الطعم بالفم، وكثر استعماله في العذاب، يعني: أفسد أسباب دنياهم بسوء صنيعهم، ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا، واقترفوا من الذنوب، والإعراض عن الحق، ويعذبهم بالبأساء والضراء والمصائب، وإنما (٢) قال: ﴿بَعْضَ﴾ لأن تمام الجزاء في الآخرة، ويجوز أن تكون اللام للعاقبة؛ أي: كان عاقبة ظهور الشرور منهم ذلك، نعوذ بالله من سوء العاقبة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا عليه من الشرك والمعاصي والغفلات، وتتبع الشهوات، وتضييع الأوقات إلى التوحيد والطاعة، وطلب الحق والجهد في عبوديته، وتعظيم الشرع والتأسف على ما فات. ففيه تنبيه على أن الله تعالى إنما يقضي بالجدوبة، ونقص الثمرات والنبات، لطفًا من جنابه في رجوع الخلق عن المعصية. وقرأ الجمهور: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ بالياء، وقرأ السلمي، والأعرج، وأبو حيوة، وسلام، وسهل، وروح، وابن حسان، وقنبل من طريق مجاهد، وابن الصباح،

стр. 9882

وأبو الفضل الواسطي عنه، ومحبوب عن أبي عمرو: ﴿لنذيقهم﴾ بالنون، ذكره أبو حيان. ومعنى الآية (١): أي ظهر الفساد في العالم، بالحروب والغارات والجيوش والطائرات والسفن الحربية والغواصات، بما كسبت أيدي الناس، من الظلم وكثرة المطامع وانتهاك الحرمات، وعدم مراقبة الخلاق، وطرح الأديان وراء ظهورهم، ونسيان يوم الحساب، وأطلقت النفوس من عقالها، وعاثت في الأرض فسادًا إذ لا رقيب من وازع نفسي، ولا حسيب من دين يدفع عاديتها، ويمنع أذاها، فأذاقهم الله جزاء بعض ما عملوا من المعاصي والآثام، لعلهم يرجعون عن غيهم، ويثوبون. إلى رشدهم، ويتذكرون أن هناك يومًا يحاسب الناس فيه على أعمالهم، إنْ خيرًا .. فخير، وإن شرًا .. فشر، فيخيم العدل على المجتمع البشري، ويشفق القوي على الضعيف، ويكون الناس سواسية في المرافق العامة وحاجَّ المجتمع بقدر الطاقة البشرية. واعلم: أن الله تعالى (٢) غيَّر بشؤم المعصية أشياء كثيرة، غير صورة إبليس واسمه، وكان اسمه الحارث وعزازيل فسماه: إبليس، وغير لون حام بن نوح، بسبب أنه نظر إلى سوأة أبيه فضحك، وكان أبوه نوح نائمًا، فأخبر بذلك فدعا عليه، فسوده الله تعالى فتولد منه الهند والحبشة، وغير الصورة على قوم موسى فصيرهم دمًا، وعلى قوم عيسى فصيرهم خنازير، وغير ماء القبط ومالهم فصيرهما دمًا وحجرًا، وغير العلم على أمية بن أبي الصلت، وكان من بلغاء العرب - حيث كان نائمًا فأتاه طائر، وأدخل منقاره في فيه، فلما استيقظ نسي جميع علومه، وغير اللسان على رجل بسبب العقوق، حيث نادته والدته، فلم يجب فصار أخرس، وغير الإيمان على برصيصا، بسبب شرب الخمر والزنا بعدما عبد الله تعالى مئتين وعشرين سنة إلى غير ذلك.

стр. 9883

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة (١): أن ظهور الفاحشة في قوم وإعلانها سبب لفشو الطاعون والأوجاع، ونقص الميزان، والمكيال سبب القحط وشدة المؤونة وجور السلطان، ومنع الزكاة سبب لانقطاع المطر، ولولا البهائم .. لم يمطروا، ونقض عهد الله وعد رسوله سبب لتسلط العدو، وأخذ الأموال من أيدي الناس، وعدم حكم الأئمة بكتاب الله سبب لوقوع السيف والقتال بين الناس، وأكل الربا سبب للزلزلة والخسف، فضرر البعض يسري إلى الجميع، ولذا يقال: من أذنب ذنبًا فجميع الخلق من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر خصماؤه يوم القيامة، فلا بد من الرجوع إلى اله تعالى بالتوبة والطاعة والإصلاح، فإن فيه الفوز والفلاح. ٤٢ - وبعد أن بين (٢): أن ظهور الفساد كان نتيجة أفعالهم، أرشدهم إلى أن من كان قبلهم، وكانت أفعالهم كافعالهم، أصابهم بعذاب من عنده، وصاروا مثلًا لمن بعدهم، وعبرةً لمن خلفهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأهل مكة: ﴿سِيرُوا﴾ أيها المشركون وسافروا ﴿فِي﴾ نواحي ﴿الْأَرْضِ﴾ وأرجائها؛ أي: في أرض الأمم المكذبة المهلكة ﴿فَانْظُرُوا﴾ بأعينكم ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: كيف صار آخر آمر الذين كذبوا رسلهم من قبلهم، حين أهلكوا فكانوا كأمس الدابر، فإن منازلهم كانت خاويةً، وأراضيهم مقفرةً، موحشةً، كعاد وثمود وقوم لوط من طوائف الكفار. والنظر على وجهين (٣): يقال: نظر إليه، إذا نظر بعينه، ونظر فيه: إذا تفكر بقلبه، وهاهنا قال: فانظروا، ولم يقل: إليه أو فيه، ليدل على مشاهدة الآثار ومطالعة الأحوال. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: كان أكثر الذين من قبل ﴿مُشْرِكِينَ﴾ فأهلكوا بشركهم، وهو استئناف للدلالة على أن ما أصابهم لفشو الشرك فيما بينهم، أو كان الشرك

стр. 9884

في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم فإذا أصابهم العذاب بسبب شركهم ومعاصيهم .. فليحذر من كان على صفتهم من مشركي قريش وغيرهم، أن يصيبهم العذاب إن أصروا على ذلك. والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين من قومك: سيروا في البلاد، فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم، وكذبوا رسله، كيف أهلكناهم بعذاب منا، وجعلناهم عبرةً لمن بعدهم. ثم بين سبب ما حاق بهم من العذاب، فقال: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ فما حل بهم من العذاب، كان جزاء وفاقًا لكفرهم بآيات ربهم، وتكذيبهم رسله. ٤٣ - ولما بين (١) الله تعالى أن المعاصي والشرك سبب لسخط الله سبحانه .. أمر رسوله بأن يستقيم على الدين القويم، تثبيتًا للمؤمنين على ما هم عليه، إلا أنه خاطب به سيدهم تعظيمًا له، ولكونه واسطةً بين الله وبين الأمة، فقال: ﴿فَأَقِمْ﴾ يا محمد واصرف وحول ﴿وَجْهَكَ﴾؛ أي: ذاتك قلبًا وقالبًا ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾؛ أي: إلى الدين البليغ الاستقامة، الذي ليس فيه عوج أصلًا، وهو دين الإِسلام، والخطاب هنا: للنبي ﷺ ولكن المراد أمته، والفاء فيه: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه قد ظهر الفساد في الأرض بسبب ما كسبت أيدي الناس، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: فأقم أنت وأمتك وجوهكم للدين القيم، واثبتوا عليه. وقيل المعنى: أوضح الحق وبالغ في الإعذار ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾؛ أي: لذلك اليوم، وهو مصدر بمعنى الرد ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إما (٢) متعلق بيأتي؛ أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد؛ أي: لا يقدر أحد على رده ودفعه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ ولا ينفع نفسًا إيمانها حينئذٍ، أو متعلق بمرد؛ لأنه مصدر؛ أي: لا يرده الله تعالى بعد أن يجيء به، لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، وقد وعد ولا خلف في وعده ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ

стр. 9885

جاء ذلك اليوم ﴿يُصَدَّعُونَ﴾؛ أي: يتفرقون بعد محاسبة الله تعالى أهل الموقف، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ٤٤ - كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ بالله ورسوله في الدنيا ﴿فَعَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿كُفْرُهُ﴾؛ أي: وبال كفره وجزاؤه، وهو النار المؤبدة، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾؛ أي: وحد الله سبحانه، وعمل بالطاعة الخالصة بعد التوحيد ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ﴾ وحدها ﴿يَمْهَدُونَ﴾؛ أي: يسوون منزلًا في الجنة، ويفرشون ويهيئون له، وأصل (١) المهد: إصلاح المضجع للصبي، ثم استعير لغيره، كما في "كشف الأسرار" ومن التمهيد: تمهيد المضاجع في القبور، فإنه بالعمل الصالح يصلح منزل القبر ومأوى الجنة، وتقديم الظرف في الموضعين: للدلالة على الاختصاص. ٤٥ - ثم بين العلة في تفرقهم، فقال: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ الله سبحانه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا به وبرسوله في الدنيا، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال المأمورات، وهي ما أريد به وجه الله تعالى ورضاه الجزاء الجميل، والأجر الجزيل ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وكرمه وإحسانه لا وجوبًا عليه، وهو متعلق بـ ﴿يجزي﴾، وهو متعلق بيصدعون؛ أي: يتفرقون بتفريق الله تعالى فريقين، ليجزي كلًّا منهما بحسب أعمالهم، فيجازي المؤمنين بالحسنى من فضله، فيكافىء الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف إلى ما شاء الله من المنح والعطايا. وقال ابن عطية: ومقابله محذوف لدلالة ما بعده عليه، تقديره: ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله، والكافرين بعدله. وحيث كان جزاء المؤمنين هو المقصود بالذات، أبرز ذلك في معرض الغاية، وعبر عنه بالفضل، لما أن الإثابة عند أهل السنة بطريق التفضل، لا بطريق الوجوب، كما عند المعتزلة. وأشار إلى جزاء الفريق الآخر بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ به وبرسوله؛ أي: إنه يبغضهم ولا يرضى أعمالهم، وذلك يستدعي

стр. 9886

عقابهم، ولا يخفى ما في ذلك من تهديد ووعيد. وروي أن الله سبحانه، أوحى إلى موسى ﵇: "ما خلقت النار بخلًا منى، ولكن أكره أن أجمع أعدائي وأوليائي في دار واحدة". نسأل الله أن ينزلنا دار أوليائه، ونستعيذ به أن يدخلنا دار أعدائه، مع أحبابنا وأحبائنا، وجميع المسلمين. آمين. الإعراب ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾. ﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿يُرِيكُمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم. ﴿الْبَرْقَ﴾: مفعول ثان؛ لأن الرؤية هنا بصرية تعدت بالهمزة إلى مفعولين، والجملة الفعلية، مع أن المصدرية المحذوفة - لأن أصله أن يريكم -: في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأً مؤخرًا، تقديره: وإراءته إياكم البرق من آياته تعالى، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: منصوبان على أنهما مفعولان لأجله، وقد اعترض على هذا الإعراب، بأن من حق المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا كذلك؟ والجواب عن هذا الاعتراض بأن يقال: بأنه على حذف مضاف؛ أي: يريكم إراءة خوف صاراءة طمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصب انتصابه، ويجوز أن يكونا حالين من كاف يريكم؛ أي: خائفين وطامعين. ﴿وَيُنَزِّلُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يُنَزِّلُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾. ﴿مَاءً﴾: مفعول به، والجملة: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُرِيكُمُ﴾. ﴿فَيُحْيِي﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿يُحْيِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿يُنَزِّلُ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلقان بـ ﴿يُحْيِي﴾ ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من الأرض. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار

стр. 9887

ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، واللام: حرف ابتداء، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿أَن﴾: حرف مصدر، ﴿تَقُومَ السَّمَاءُ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن المصدرية، ﴿وَالْأَرْضُ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءُ﴾. والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأً مؤخرًا، والتقدير: وقيام السماء والأرض بأمره كائن من آياته، والجملة الاسمية: معطوفة على الجمل التي قبلها، ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَقُومَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿دَعَاكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿دَعْوَةً﴾: مفعول مطلق، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿دَعَاكُمْ﴾. والجملة الفعلية: في محل الخفض بـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿إِذَا﴾: فجائية قائمة مقام الفاء في ربط الجواب بالشرط، حرف لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَخْرُجُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: جواب إذا لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إِذَا﴾: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ على كونها مبتدأً مؤخرًا، والتقدير: وقيام السماء والأرض بأمره، ثم خروجكم من الأرض وقت دعوته إياكم كائن من آياته. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾. ﴿وَلَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على الجمل التي قبلها، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء به العموم، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿قَانِتُونَ﴾. ﴿قَانِتُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 9888

وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: معطوفة على الجمل التي قبلها، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿يبدؤُا﴾. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَهْوَنُ﴾، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من الإعادة المفهومة من ﴿يُعِيدُ﴾؛ أي: حالة كون الإعادة أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما نعرفه. ﴿وَلَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿المَثَلُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْأَعْلَى﴾: صفة لـ ﴿الْمَثَلُ﴾ الجملة: معطوفة على ما قبلها، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: حال من ﴿الْمَثَلُ﴾، أو من ﴿الْأَعْلَى﴾، أو من الضمير فيه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: معطوفة على ما قبلها، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان. ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾. ﴿ضَرَبَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿ضَرَبَ﴾، ﴿مَثَلًا﴾: مفعول أول له، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: صفة لـ ﴿مَثَلًا﴾، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري، ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ مَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: مما ملكته أيمانكم، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿شُرَكَاءَ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿فِي مَا﴾ متعلق بشركاء، ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: فيما رزقناكموه، والجملة الاسمية: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، مبينة لضرب المثل. ﴿فَأَنْتُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة واقعة في جواب الاستفهام، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿سَوَاءٌ﴾. ﴿سَوَاءٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة الاستفهامية، وجملة ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: في

стр. 9889

محل الرفع خبر ثان لـ ﴿أَنْتُمْ﴾، أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿سَوَاءٌ﴾؛ أي: فأنتم متساوون فيه حالة كون بعضكم خائفًا من بعض مشاركته له في المال، ﴿كَخِيفَتِكُمْ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: خيفةً مثل خيفتكم، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، و ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعوله. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿نُفَصِّلُ﴾، وجملة: ﴿يَعْقِلُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، والتقدير: نفصل الآيات لقوم يعقلون، تفصيلًا مثل ذلك التفصيل المذكور هنا. ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾. ﴿بَلِ﴾: حرف إضراب وابتداء، ﴿اتَّبَعَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾: صلة الموصول. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: مفعول ﴿اتَّبَعَ﴾، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال من الموصول، ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿اتَّبَعَ﴾، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾، ﴿أَضَلَّ اللَّهُ﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: من أضله الله. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾: زائدة. ويجوز أن تجعل ﴿ما﴾: حجازية عند من يجيز تقديم خبرها على اسمها، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة قبلها. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾. ﴿فَأَقِمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان حال المشركين اتباع الهوى، والإعراض عن الهدى، وأردت

стр. 9890

بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: أقم وجهك للدين القيم، ﴿أَقِمْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد وأمته أسوة له. ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول به، ﴿لِلدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿أَقِمْ﴾، ﴿حَنِيفًا﴾: حال من فاعل ﴿أَقِمْ﴾، أو من مفعوله، أو من الدين، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: منصوب على الإغراء بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: الزموا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾. والجملة المحذوفة: مقول لجواب إذا المقدرة ﴿الَّتِي﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، ﴿فَطَرَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿فَطَرَ﴾، والجملة: صلة الموصول، ﴿لَا﴾ نافية للجنس ﴿تَبْدِيلَ﴾: اسمها ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: خبرها وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿الْقَيِّمُ﴾: صفة لـ ﴿الدِّينُ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَلَكِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاستدراكية: في محل النصب حال من ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، ولكنها على تقدير رابط بينها وبين صاحب الحال؛ أي: والحال أن أكثر الناس لا يعلمون كونه دينًا قيمًا، ﴿مُنِيبِينَ﴾: حال من فاعل الزموا المضمر، وهو أحسن من جعله حالًا من فاعل ﴿أَقِمْ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُنِيبِينَ﴾، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على الزموا المضمر، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿وَاتَّقُوهُ﴾، ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُونُوا﴾ فعل مضارع ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لَا﴾: الناهية، ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور بدل من قوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعادة الجار، ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره معطوف على جملة الصلة، ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: مبتدأ

стр. 9891

ومضاف إليه، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرِحُونَ﴾، ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿فَرِحُونَ﴾: خبر للمبتدأ، والجملة: مستأنفة مقررة لما قبلها. ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف: متعلق بالجواب الآتي، ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، ﴿مُنِيبِينَ﴾: حال من فاعل ﴿دَعَوْا﴾، ﴿إليه﴾: متعلق بـ ﴿مُنِيبِينَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَذَاقَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول، ﴿مِنْهُ﴾: حال من ﴿رَحْمَةً﴾، ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَذَاقَهُمْ﴾، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها، ﴿إذَا﴾: فجائية رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ ﴿فَرِيقٌ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿فَرِيقٌ﴾، ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُشْرِكُونَ﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: جواب ﴿إِذَا﴾ وجملة ﴿إذَا﴾: معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾ الأولى. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾. ﴿لِيَكْفُرُوا﴾: ﴿اللام﴾: لام كي، أو لام العاقبة، وقيل: هي لام الأمر، والمراد بالأمر، التهديد والوعيد، ﴿يَكْفُرُوا﴾: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد اللام: و ﴿الواو﴾: فاعله، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾: تقديره: لكفرهم بما آتيناهم. والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني: محذوف، تقديره: بما آتيناهموه، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿تَمَتَّعُوا﴾: فعل أمر، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على ﴿يَكْفُرُوا﴾، ولكن فيه التفات عن

стр. 9892

الغيبة إلى الخطاب للمبالغة، فكأنه قال: ليكفروا بما آتيناهم فيتمتعوا به، ﴿فَسَوْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿سوف﴾: حرف استقبال، ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَمَتَّعُوا﴾. ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، و ﴿همزة﴾: الاستفهام الإنكاري، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾، وفيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة، للإيذان بالإعراض عنهم، وبعدهم عن ساحة الخطاب. اهـ. "شيخنا". كما سيأتي في مبحث البلاغة، ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول به، ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَتَكَلَّمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنَا﴾، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَكَلَّمُ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُشْرِكُونَ﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: خبر ﴿كَانُ﴾، وجملة ﴿كَان﴾: صلة الموصول. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿أَذَقْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿النَّاسَ﴾: مفعول أول، ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول ثان، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿فَرِحُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهَا﴾: متعلق به، والجملة: جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾: معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾ الأولى، وما بينهما اعتراض. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تُصِبْهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾: الشرطية. ﴿سَيِّئَةٌ﴾: فاعل، ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الجر بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُصِبْهُمْ﴾. ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما قدمته أيديهم، ﴿إِذَا﴾: فجائية رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقْنَطُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل الجزم على كونها جواب

стр. 9893

﴿إِن﴾: الشرطية، وجملة ﴿إن﴾: الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾ الشرطية. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف معلوم من السياق، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: ألم يشاهد هؤلاء المشركون، ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: خبره، ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ معطوف على ﴿يَبْسُطُ﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿يَرَوْا﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾. وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: صفة قوم. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾. ﴿فَآتِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره، إذا عرفت أن القبض والبسط كليهما بيد الله سبحانه، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك أيها المكلف: آت. ﴿آت﴾: فعل أمر وفاعل مستتر مبني على حذف حرف العلة، ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾: مفعول به أول، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿حَقَّهُ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾: معطوف على ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ وجملة: ﴿يُرِيدُونَ﴾: صلة الموصول. ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول، ﴿هُمُ﴾: مبتدأ ثان، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني: خبر للأول، وجملة الأول: مقول لجواب إذا.

стр. 9894

﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾. ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا، ﴿آتَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿ما﴾: الشرطية على كونها فعل شرط لها، والمفعول الثاني لـ ﴿آتِ﴾ محذوف، تقديره: وما آتيتموه ﴿مِنْ رِبًا﴾: حال من الضمير المحذوف، ﴿لِيَرْبُوَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يربو﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، ﴿يربو﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾ أو على ﴿رِبًا﴾. ﴿فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿يربو﴾. والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾: تقديره لربائه في أموال الناس، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿آتَيْتُمْ﴾، ﴿فَلَا يَرْبُو﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب بالشرط وجوبًا لاقترانه بـ ﴿لا﴾ النافية. ﴿يربوا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿ما﴾: الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿ما﴾: الشرطية في محل النصب معطوف على جملة قوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾: على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة، أو مستأنفة. ﴿مَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: الشرطية، ﴿آتَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿ما﴾: الشرطية. ﴿مِنْ زَكَاةٍ﴾: حال من الضمير المحذوف، ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: في محل النصب حال من فاعل ﴿آتَيْتُمْ﴾. ﴿فَاُؤلئكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة للجواب ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾: خبره. والجملة الاسمية: في محل الجزم على كونها جوابًا لـ ﴿ما﴾: الشرطية، وجملة ﴿ما﴾: الشرطية: معطوفة على جملة ﴿ما﴾ الأولى. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبر. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: صلة الموصول، والجملة الاسمية، متسأنفة، ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾: معطوف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾:

стр. 9895

معطوف على ﴿رَزَقَكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: معطوف على ﴿يُمِيتُكُمْ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري. ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، و ﴿مَنْ﴾: للتبعيض. ﴿مِن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿يَفْعَلُ﴾: صلة الموصول، ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾: حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه كان في الأصل صفة له، ﴿مِن﴾: زأئدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به لـ ﴿يَفْعَلُ﴾. ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا؛ أي: سبحوه سبحانًا، أو أسبحه سبحانًا، والجملة: مستأنفة، ﴿وَتَعَالَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على جملة ﴿سُبْحَانَهُ﴾. ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تَعَالَى﴾. و ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: صلة لها؛ أي: عن إشراكم، أو عن الشريك الذي يشركونه به. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة لتقرير ما عم في مختلف الأنحاء من البر والبحر، من مفسدة وظلم ولهو ولعب وسائر ما يطلق عليه الفساد الذي هو ضد الصلاح، ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: متعلق بـ ﴿ظَهَرَ﴾ أو حال من الفساد، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿ظَهَرَ﴾ أيضًا، ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة، ﴿كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾: فعل وفاعل. والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾: المصدرية؛ أي: بسبب كسبهم، أو صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: بسبب الذي كسبوه. ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل متعلقة بمحذوف، تقديره: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وعاقبهم ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾. وقيل: ﴿اللام﴾: لام العاقبة والصيرورة؛ لأن ذلك هو ماَلهم وعاقبتهم، وأجاز أبو البقاء تعلق ﴿اللام﴾ بـ ﴿ظَهَرَ﴾. ﴿يُذِيقَهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد ﴿اللام﴾، ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر محرور بـ ﴿اللام﴾ تقديره: لإذاقته إياهم بعض الدين عملوا؛ أي: جزاءه في الدنيا، ﴿عَمِلُوا﴾: فعل وفاعل

стр. 9896

صلة الموصول. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة، ﴿سِيرُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَانْظُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. انظروا: فعل وفاعل معطوف على ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾: معلق عنها باسم الاستفهام، ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان أن ما أصابهم كان لفشو الشرك في أكثرهم والفساد والمعاصي في أقلهم. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾. ﴿فَأَقِمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه قد ظهر الفساد في الأرض، بسبب ما كسبت أيدي الناس، وأردت بيان ما هو اللازم لك ولأمتك .. فأقول لك: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الخ، ﴿أَقِمْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول به، ﴿لِلدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿أَقِمْ﴾. ﴿القيم﴾: صفة ﴿لِلدِّينِ﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿أَقِمْ﴾، أو من ﴿الدين﴾. ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والجملة: في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من

стр. 9897

قبل إتيان يوم لا مرد له من الله، ﴿لَا﴾: نافية للجنس، ﴿مَرَدَّ﴾: اسمها. ﴿لَهُ﴾: خبرها، والجملة: في محل الرفع صفة لـ ﴿يَوْمٌ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: إما متعلق بـ ﴿يَأْتِيَ﴾ أو بمحذوف أو بمحذوف دل عليه المصدر؛ أي: لا يرده من الله أحد، ولا يجوز تعلقه بـ ﴿مَرَدَّ﴾ لأنه حينئذٍ يكون شبيهًا بالمضاف فيعرب بالفتحة الظاهرة، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله متعلق بـ ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾. ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿مَنْ كَفَرَ﴾: ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾: على كونه فعل شرط لها، ﴿فَعَلَيْهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾: الشرطية وجوبًا، ﴿عَلَيْهِ﴾: خبر مقدم، ﴿كُفْرُهُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل الجزم جواب ﴿مَنْ﴾: الشرطية، وجملة ﴿مَن﴾: الشرطية، وجملة مفسرة لقوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: فلا محل لها من الإعراب، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، أو فعل الشرط خبره. ﴿عَمِلَ صَالِحًا﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾: الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب جوازًا. مشاكلة للجواب الماضي ﴿لأنفسهم﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾. ﴿يَمْهَدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الأولى. ﴿لِيَجْزِيَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يَجْزِيَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، أو بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ذلك كائن لجزائه الذين آمنوا الخ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: معطوف عليه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يجزي﴾. ﴿إنَّه﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل جملة محذوفة معلومة من السياق، تقديره: ويعاقب الكافرين بعدله؛ لأنه لا يحب الكافرين.

стр. 9898

التصريف ومفردات اللغة ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ البرق: لمعان السحاب. وفي "إخوان الصفا": البرق: نار وهواء. ﴿خَوْفًا﴾؛ أي: إخافةً من الصاعقة، خصوصًا لمن كان في البرية، كقولهم: فعلته رغمًا للشيطان؛ أي: إرغامًا له. ﴿وَطَمَعًا﴾؛ أي: إطماعًا في الغيث، لا سيما لمن كان مقيمًا. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: مطرًا، قال في "إخوان الصفا": المطر: هو الأجزاء المائية، إذا التام بعضها مع بعض وبردت وثقلت رجعت إلى الأرض. ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ﴾: والأرض: جسم غليظ أغلظ ما يكون من الأجسام، واقف في مركز العالم مبين لكيفية الجهات الست كما مر. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: من القنوت، وهو الطاعة، والمراد: طاعة الإرادة، لا طاعة العبادة؛ أي: منقادون لما يريده بهم من حياة وموت وبعث وصحة وسقم وعز وذل، لا يمتنعون عليه تعالى في شأن من شؤونه. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أسهل وأيسر بالنظر إلى ما نعرفه، قال في "القاموس": هان هونًا، بالضم، وهوانًا ومهانةً: ذل، وهونًا: سهل، فهو هين، بالتشديد والتخفيف وأهون. اهـ. ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: الوصف الأعلى: العجيب الشأن من القدرة العامة، والحكمة التامة، وسائر صفات الكمال التي ليس لغيره ما يدانيها، فضلًا عما يساويها. ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾: يقال: ضرب الدرهم اعتبارًا بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتبارًا بتأثير السكة فيه، وضرب المثل: هو من ضرب الدرهم، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره، والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولًا في شيء آخر، بينهما مشابهة، لتبيين أحدهما بالآخر وتصويره. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ وأقم من أقام العود وقومه، إذا عدله، والمراد:

стр. 9899

الإقبال على دين الإِسلام والثبات عليه، والوجه في الأصل: الجارحة المخصوصة، سميت وجهًا لأن بها تحصل المواجهة، وقد يعبر به عن الذات، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ وهذا المعنى هو المراد هنا، والدين: في الأصل الطاعة والجزاء، واستعير هنا للشريعة، والفرق بينه وبين الملة اعتباري، فإن الشريعة من حيث إنها يطاع لها وينقاد: دين، ومن حيث إنها تملى وتكتب: ملة، والإملاء: كالإملال، هو حكاية القول لمن يكتبه. ﴿حَنِيفًا﴾: وفي "المفردات" الحنف: ميل عن الضلال إلى الاستقامة، وتحنف فلان: تحرى طريق الاستقامة، وسمت العرب كل من اختتن أو حج: حنيفًا، تنبيهًا على أنه على دين إبراهيم ﵇. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ والفطرة: الخلقة وزنًا ومعنًى، وقولهم: صدقة الفطرة؛ أي: صدقة إنسانٍ مفطورٍ؛ أي: مخلوق فيؤول إلى قولهم: زكاة الرأس، والمراد بالفطرة هاهنا: هي الحالة التي خلق الله الناس عليها، من القابلية للتوحيد ودين الإِسلام، والتهيؤ لإدراكه عن غير إباء عنه وإنكار له. قال الراغب: فطرة الله ما فطر؛ أي: أبدع وركز في الناس من قوتهم على معرفة الإيمان. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: هو فطرته المذكورة أولًا. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: هو من أناب الرباعي إذا رجع مرةً بعد أخرى، ويقال: ناب نوبةً ونوبًا: إذا رجع مرة بعد أخرى؛ أي: راجعين إليه بالتوبة وإخلاص العمل. ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾؛ أي: فرقًا تشايع كل فرقة إمامها الذي مهد لها دينها. وقرره ووضع أصوله. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: الحزب: الجماعة من الناس، والسلاح، وجند الرجل، وأصحابه الذين على رأيه، والنصيب والقسم من القرآن أو غيره، والجمع أحزاب، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا.

стр. 9900

﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ قال في "المفردات": المس: يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى. ﴿سُلْطَانًا﴾: والسلطان: الحجة، تقول: له سلطان مبين؛ أي: حجة واضحة، وعبارة "القاموس": والسلطان: الحجة وقدرة الملك. اهـ. والسلطان: يذكر؛ لأنه بمعنى الدليل، ويؤنث؛ لأنه بمعنى الحجة. وقيل: هو جمع سليط للدهن، كرغيف ورغفان. ﴿يَقْنَطُونَ﴾؛ أي: ييئسون من الرحمة، وفي "المصباح": هو بفتح النون وكسرها سبعيتان، وبابه ضرب وتعب. وفي "القاموس": قنط كنصر وضرب وحسب وكرم قنوطًا، وكفرح قنطًا وقناطةً، كمنع وحسب، وهاتان على الجمع بين اللغتين، يئس فهو قنط كفرح، وقنطه تقنيطًا آيسة، والقنط: المنع، وزبيب الصبي. انتهى. ﴿حَقَّهُ﴾: هو صلة الرحم والبر به. ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾: هو المعدم الذي لا مال له. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: هو المسافر، احتاج إلى مال وعز عليه إحضاره من بلده، ووسائل المواصلات الحديثة الآن تدفع مثل هذه الحاجة. ﴿رِبًا﴾؛ أي: زيادة، والمراد بها هنا: الهدية التي يتوقع بها مزيد مكافأة. ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: فلا يبارك فيه. ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾؛ أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب، جمع مضعف، وهو اسم فاعل من أضعف، إذا صار ذا ضعف بكسر فسكون، كأن يضاعف له ثواب ما أعطاه، كأقوى وأيسر، إذا صار ذات قوةٍ ويسار فهو لصيرورة الفاعل، ذا أصلهُ. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ في "القاموس": فسد كنصر وكرم فسادًا: ضد صلح، فهو فاسد، والفساد أخذ المال ظلمًا، والجدب والمفسدة: ضد المصلحة. اهـ.

стр. 9901

﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: أصله يتصدعون، فأدغمت التاء في الصاد وشددت، والصدع: الشق في الأجسام الصلبة كالزجاج والحديد ونحوهما، ومنه استعير صدع الأمر؛ أي: فصله، والصداع وهو: الانشقاق في الرأس من الوجع، ومنه الصديع للفجر؛ لأنه ينشق من الليل، والمعنى: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير، وفي "المصباح": صدعته صدعًا من باب نفع، شققته فانصدع، وصدعت القوم صدعًا فتصدعوا، أي فرقتهم فتفرقوا، وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، قيل: مأخوذ من هذا؛ أي: شق جماعاتهم بالتوحيد، وقيل: افرق بذلك بين الحق والباطل. وقيل: أظهر ذلك، وصدعت بالحق تكلمت به جهارًا، وصدعت الفلاة: قطعتها. اهـ. ﴿يَمْهَدُونَ﴾: وفي "المختار": ومهد الفراش بسطه ووطأهُ. اهـ؛ أي: يتخذون ويهيئون منازلهم، ولتسببهم في تهيئة المنازل لهم وتمهيدها واتخاذها نسب إليه. اهـ. "شيخنا". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الطباق بين قوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وبين ﴿يَبْسُطُ﴾، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وبين ﴿يُمِيتُكُمْ﴾، و ﴿يُحْيِيكُمْ﴾، وبين ﴿يَبدَؤُا﴾، و ﴿يُعِيدُهُ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾ وفي قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ للتسجيل عليهم بوصف الظلم؛ أي: بأنهم في ذلك الاتباع ظالمون، وفيه أيضًا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إهانةً لهم، وإيذانًا بأنهم لا يتسحقون الخطاب.

стр. 9902

ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ شبه إقباله على الدين واستقامته واهتمامه بترتيب أسبابه، بحال من اهتم بشيء محسوس بالبصر، عقد عليه طرفه، ومد إليه نظره، وقوم له وجهه مقبلًا عليه، وفيه المجاز المرسل أيضًا في قوله: ﴿وَجْهَكَ﴾: حيث أطلق الجزء وأراد الكل؛ أي: توجه إلى الله بكليتك، وفيه أيضًا الاستعارة التصريحية حيث استعار الدين، الذي هو بمعنى الجزاء للشريعة للمجازاة عليها. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ وبين قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ كما تقول كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الدلالة والشهادة، فهو يشهد بشركهم، أو بالذي يشركون به. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾، وفيه الكناية أيضًا لأن قوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ كناية، لأن الزيادة التي يأخذها المرابي من أموال الناس، لا يملكها أصلًا، فالظرفية: هي موضع الكناية. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة للتعظيم، فهو أمدح من أن يقول لهم: فأنتم المضعفون، وفيه حذف المفعول به؛ أي: ثوابهم. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾. ومنها: الطباق بين البر والبحر في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ بإطلاق الجزء وإرادة الكل. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ

стр. 9903

ذَلِكُمْ﴾. ومنها: جناس المناسبة اللفظي؛ لأن الجناس أصلين: وهما: جناس المزاوجة، وجناس المناسبة. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ حيث استعار الصدع بمعنى: الشق في الأجسام الصلبة، للصدع بمعنى التفريق، فاشتق من الصدع بمعنى التفريق ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ بمعنى يتفرقون على سبيلى الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ شبه من قدم الأعمال الصالحة بمن يمهد فراشه ويوطئه للنوم عليه، لئلا يصيبه في مضجعه ما يؤذيه، وينغص عليه مرقده. ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فإن عدم محبته تعالى، كناية عن بغضه الموجب لغضبه، المستتبع للعقوبة لا محالة. ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 9904

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك .. ذكر ظهور الصلاح، والكريم لا يذكر لإحسانه عوضًا، ويذكر لعقابه سببًا، لئلا يتوهم به الظلم، فذكر من أعلام القدرة: إرسال الرياح مبشرات

стр. 9905

بالمطر لأنها متقدمة. وعبارة "المراغي" هنا: لما ذكر سبحانه أن الفساد ظهر في البر والبحر، بسبب الشرك والمعاصي .. نبّههم إلى دلائل وحدانيته، بما يُشاهدونه أمامهم، من إرسال الرياح بالأمطار فتحيا به الأرض بعد موتها، وجري الفلك حاملةً لما هم في حاجة إليه، مما فيه غذاؤهم، وعليه مدار حياتهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر (١) البراهين الساطعة، الدالة على الوحدانية والبعث والنشور، ولم يرعوِ بها المشركون، بل لجوافي طغيانهم يعمهون .. سلى رسوله ﷺ فذكر له أنك لست أول من كُذب، فكثير ممن قبلك جاؤوا أقوامهم بالبينات، فلم تغنهم الآيات والنذر، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر، ونصرنا رسلنا ومن آمن بهم، فلا تبتئس بما كانوا يعملون، ولنجرين عليك وعلى قومك سنّتنا، ولننتقمن منهم، ولننصرنك عليهم فالعاقبة للمتقين. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٢) سلى رسوله ﷺ على ما يلاقيه من أذى قومه، ببيان أنه ليس ببدع في الرسل، فكأين من رسول قبله قد كُذب، ثم دالت الدولة على المكذبين، ونصر الله رسوله والمؤمنين .. أعاد الكرة مرة أخرى، فأتبع البرهان بالبرهان، لإثبات الوحدانية، وإمكان البعث والنشور، بما يشاهد من الأدلة في الآفاق، مرشدةً إلى قدرته وعظيم رحمته، ثم بما يرى في الأرض الموات من إحيائها بالمطر، وهو دليل لائح يشاهدونه ولا يغيب عنهم الحين بعد الحين، والفينة بعد الفينة، أفليس فيه حجة لمن اعتبر ومقنع لمن ادكر. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر صنوف الأدلة، ثم ضرب المثل على توحيده،

стр. 9906

ووجوب إرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وصحة بعث الأجسام يوم القيامة، ووعد وأوعد بما لم يبق بعده مستزاد لمستزيد، ثم ما زادهم دعاء الرسول إلا إعراضًا، ولا تكرار النصح إلا إصرارًا، وعنادًا .. أردف هذا تسليته على ما يراه من التمادي في الإعراض، وكثرة العناد، واللجاج، فأبان أن هؤلاء كأنهم موتى، فأنى لك أن تُسمعهم، وكأنهم صم، فكيف يسمعون دعاءَك حتى يستجيبوا لك، إنما الذي يستجيب من يؤمن بآيات الله، فهو إذا سمع كتابه .. تدبره وفهمه، فيخضع لك بطاعته، ويتذلل بمواعظ كتابه. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما ذكر دلائل الآفاق على وحدانيته .. أردفها دلائل الأنفس، فذكر خلق الأنفس في أطوارها المختلفة، من ضعف إلى قوة، ثم انتكاسها وتغيير حالها من قوة إلى ضعف، ثم إلى شيخوخة وهرم، وبين أنه العلم بها في مختلف أحوالها، القدير على تغييرها، واختلاف أشكالها. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها؛ أنه تعالى لما ذكر فيما سلف بدء النشأة الأولى، وذكر الإعادة والبعث، وأقام عليه الأدلة في شتى السور، وضرب له الأمثال .. أردف ذلك بذكر أحوال البعث، وما يجري فيه من الأفعال والأقوال، من الأشقياء والسعداء، ليكون في ذلك عبرة لمن يدكر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر (٢) من الأدلة على الوحدانية والبعث ما ذكر، وأعاد وكرر بشتى البراهين، وبديع الأمثال .. أردف ذلك بأنه لم يبق بعد هذا زيادةً لمستزيد، وأن الرسول ﷺ قد أدى واجبه، وأن من طلب شيئًا بعد ذلك .. فهو معاند مكابر، فإن من كذب الدليل الواضح اللائح، لا يصعب عليه تكذيب غيره من الدلائل، ولقد أجاد من قال:

стр. 9907

قَدْ تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْس مِنْ رَمَدٍ ... وَينْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ التفسير وأوجه القراءة ٤٦ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي: ومن الدلائل الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته، وهو خبر مقدم لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾؛ أي: إرساله سبحانه وتهييجه وتحريكه الرياح؛ أي: رياح الرحمة لمنفعة الخلق، وهي ريح الشمال والصبا والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور، فإنها ريح العذاب، ومنه قوله ﵇: "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا". قال في "القاموس" (١): الشمال بالفتح ويكسر، ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات نعش، أو من طلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلًا، والجنوب: ريح تخالف الشمال، مهبه من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، ومقابلتها الدبور، والصبا: موصوفة بالطيب والروح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حر الجنوب، وفي الحديث: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها". وقرأ الجمهور: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وقرأ (٢) ابن كثير، وحمزة، والكسائي، والأعمش: ﴿الريح﴾ بالإفراد على إرادة الجنس. حالة كونها ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ أي: حالة كون تلك الرياح مبشرات للخلق بالمطر ونحوه، قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ الله سبحانه ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ونعمته، معطوف على ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على المعنى، والمراد بالرحمة: المنافع التابعة لنزول المطر، كالخصب المتسبب عن المطر، والروح: الذي يحصل بهبوب الريح، وزكاء الأرض وتصفية الهواء من العفونة، فكأنه قال: ومن آياته: إرسال الرياح ليبشركم بها وليذيقكم من رحمته.

стр. 9908

﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ والسفن في البحر عند هبوبها ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بإرادته وتدبيره ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾؛ أي: ولتطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ورزقه بالتجارة في البحر، فالسفن تجري بالرياح، والرياح بأمر الله، فهي في الحقيقة جارية بأمره وقدرته، وفي "الأسرار المحمدية": لا تعتمد على الريح في استواء السفينة وسيرها، وهذا شرك في توحيد الأفعال، وجهل بحقائق الأمور، ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه .. علم أن الريح لا يتحرك بنفسه، بل له محرك إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول، الذي لا محرك له، ولا يتحرك هو في نفسه أيضًا، بل هو منزه عن ذلك، وعما يضاهيه . اهـ. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم، فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة. ومعنى الآية (١): أي ومن الأدلة على وحدانيته تعالى، والحجج القائمة على أنه رب كل شيء: أنه يرسل الرياح من حين إلى آخر، مبشرات بالغيث، الذي به تحيا الأرض، وينبت الثمر والزرع، فتأكلون منه ما لذّ وطاب، وتعيشون أنتم ودوابكم وأنعامكم فضلًا من ربكم، وتجري السفن ماخرة للبحار، حاملةً للأقوات وأنواع الثمار، متنقلةً من قطر إلى قطر، فتأتي بما في أقصى المعمور من الشرق، إلى أقصاه في الغرب، والعكس بالعكس، فلا تحتجب الثمرات والأقوات في أماكنها، وتكون وقفًا على قومٍ بأعيانهم، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: وليعدكم لشكره كفاء ما أسدى إليكم من نعمه الوفيرة، وخيراته العميمة، التي لا تحصى، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. تنبيه: فإن قلت (٢): لم أسقط هنا لفظة ﴿فِيهِ﴾ حيث قال: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾، وزادها في الجاثية حيث قال: ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ﴾ فما الفرق بين الموضعين؟. قلت: الفرق بينهما: أن ما هنا لم يتقدمه مرجع الضمير وهو البحر، وهناك

стр. 9909

تقدم مرجعه حيث قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ﴾. ٤٧ - ولما بين سبحانه الأصلين: المبدأ والمعاد .. بين الأصل الثالث، وهو النبوة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد بعثنا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾؛ أي: إلى أقوامهم الكافرين، كما أرسلناك إلى قومك عابدي الأوثان، من دون الله ﴿فَجَاءُوهُمْ﴾؛ أي: فجاءت الرسل أقوامهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالحجج الواضحة، والبراهين القاطعة، الدالة على صدقهم، وعلى أنها من عند الله، و ﴿الباء﴾: تصلح (١) للتعدية وللملابسة؛ أي: جاء كل رسول قومه بما يخصه من الدلائل الواضحة على صدقه في دعوى الرسالة، كما جئت قومك بالبراهين النيرة، الدالة على صدقك. وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فآمن بهم قوم، وكفر بهم قوم ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: كفروا، والنقمة: العقوبة، ومنها الانتقام، والإجرام: تكذيب الأنباء، والإصرار عليه، وإنما وضع الموصول موضع ضميرهم للتنبيه على مكان المحذوف، والإشعار بكونه علةً للانتقام؛ أي: عاقبناهم وأهلكناهم، ونجينا الذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، ونحن فاعلو ذلك بمجرمي قومك، وبمن آمن بك، سنة الله التي شرعها لعباده، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. ﴿وَكَانَ حَقًّا﴾؛ أي: واجبًا ﴿عَلَيْنَا﴾ وجوب (٢) كرم، لا وجوب إلزام. وفي "الوسيط" واجبًا وجوب من أوجبه على نفسه. ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنجاؤهم من شر أعدائهم، ومما أصابهم من العذاب نصر عزيز، وإنجاء عظيم، وهذا تأكيد لبشارة المؤمنين؛ لأن كلمة على تفيد معنى اللزوم، فإذا قال ﴿حَقًّا﴾ أكد ذلك المعنى، والنصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة، والكافر إن هزم المسلم في بعض الأوقات، لا يكون ذلك نصرةً، إذ لا عاقبة له. اهـ. من "المراح".

стр. 9910

وفيه (١): إخبار من الله سبحانه: بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو لا يخلف الميعاد، أخرج الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه والترمذي، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقًا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة" ثم تلا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولفظ الترمذي: "من رد عن عرض أخيه .. رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وقال: حديث حسن. ووقف (٢) بعض القراء على ﴿حَقًّا﴾ وجعل اسم ﴿كان﴾ ضميرًا فيها وخبرها ﴿حَقًّا﴾. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، والصحيح: أن ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسمها، و ﴿حَقًّا﴾ خبرها، و ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف هو صفة له. ٤٨ - ﴿اللَّهُ﴾: الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿الَّذِي يُرْسِلُ﴾ ويحرك ويبعث ﴿الرِّيَاحَ﴾؛ أي: رياح الرحمة كالصبا ونحوها ﴿فَتُثِيرُ﴾؛ أي: تزعج وترفع ﴿سَحَابًا﴾ ثقالًا بالمطر من حيث هو، وأضاف الإثارة إلى ﴿الرِّيَاحَ﴾، وإنما المثير هو الله تعالى؛ لأنه سَببها، والفعل قد ينسب إلى سببه كما ينسب إلى فاعله. وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وابن محيصن: ﴿يرسل الريح﴾ بالإفراد، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع. قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة، فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو مفرد، وهذه الجملة: مستأنفة مسوقة لبيان ما سبق من أحوال الرياح، فتكون على هذا جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معترضةً. ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾؛ أي: يمد السحاب وينشره ﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في سمتها، ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ أي: على كيفية وهيئة شاءها ، سائرًا وواقفًا، مسيرة يوم أو يومين، أو أقل أو أكثر من جانب الجنوب أو ناحية الشمال، أو سمت الدبور، أو جهة الصبا إلى غير ذلك؛ أي: يجعله متصلًا تارةً ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾؛ أي: قطعًا تارةً أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعًا متفرقة: جمع
следующие страницы →