ووجوب إرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وصحة بعث الأجسام يوم القيامة، ووعد وأوعد بما لم يبق بعده مستزاد لمستزيد، ثم ما زادهم دعاء الرسول إلا إعراضًا، ولا تكرار النصح إلا إصرارًا، وعنادًا .. أردف هذا تسليته على ما يراه من التمادي في الإعراض، وكثرة العناد، واللجاج، فأبان أن هؤلاء كأنهم موتى، فأنى لك أن تُسمعهم، وكأنهم صم، فكيف يسمعون دعاءَك حتى يستجيبوا لك، إنما الذي يستجيب من يؤمن بآيات الله، فهو إذا سمع كتابه .. تدبره وفهمه، فيخضع لك بطاعته، ويتذلل بمواعظ كتابه.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما ذكر دلائل الآفاق على وحدانيته .. أردفها دلائل الأنفس، فذكر خلق الأنفس في أطوارها المختلفة، من ضعف إلى قوة، ثم انتكاسها وتغيير حالها من قوة إلى ضعف، ثم إلى شيخوخة وهرم، وبين أنه العلم بها في مختلف أحوالها، القدير على تغييرها، واختلاف أشكالها.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها؛ أنه تعالى لما ذكر فيما سلف بدء النشأة الأولى، وذكر الإعادة والبعث، وأقام عليه الأدلة في شتى السور، وضرب له الأمثال .. أردف ذلك بذكر أحوال البعث، وما يجري فيه من الأفعال والأقوال، من الأشقياء والسعداء، ليكون في ذلك عبرة لمن يدكر.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر (٢) من الأدلة على الوحدانية والبعث ما ذكر، وأعاد وكرر بشتى البراهين، وبديع الأمثال .. أردف ذلك بأنه لم يبق بعد هذا زيادةً لمستزيد، وأن الرسول ﷺ قد أدى واجبه، وأن من طلب شيئًا بعد ذلك .. فهو معاند مكابر، فإن من كذب الدليل الواضح اللائح، لا يصعب عليه تكذيب غيره من الدلائل، ولقد أجاد من قال:
стр. 9907
قَدْ تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْس مِنْ رَمَدٍ ... وَينْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ
التفسير وأوجه القراءة
٤٦ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي: ومن الدلائل الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته، وهو خبر مقدم لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾؛ أي: إرساله سبحانه وتهييجه وتحريكه الرياح؛ أي: رياح الرحمة لمنفعة الخلق، وهي ريح الشمال والصبا والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور، فإنها ريح العذاب، ومنه قوله ﵇: "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا". قال في "القاموس" (١): الشمال بالفتح ويكسر، ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات نعش، أو من طلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلًا، والجنوب: ريح تخالف الشمال، مهبه من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، ومقابلتها الدبور، والصبا: موصوفة بالطيب والروح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حر الجنوب، وفي الحديث: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها".
وقرأ الجمهور: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وقرأ (٢) ابن كثير، وحمزة، والكسائي، والأعمش: ﴿الريح﴾ بالإفراد على إرادة الجنس.
حالة كونها ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ أي: حالة كون تلك الرياح مبشرات للخلق بالمطر ونحوه، قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ الله سبحانه ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ونعمته، معطوف على ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على المعنى، والمراد بالرحمة: المنافع التابعة لنزول المطر، كالخصب المتسبب عن المطر، والروح: الذي يحصل بهبوب الريح، وزكاء الأرض وتصفية الهواء من العفونة، فكأنه قال: ومن آياته: إرسال الرياح ليبشركم بها وليذيقكم من رحمته.
стр. 9908
﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ والسفن في البحر عند هبوبها ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بإرادته وتدبيره ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾؛ أي: ولتطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ورزقه بالتجارة في البحر، فالسفن تجري بالرياح، والرياح بأمر الله، فهي في الحقيقة جارية بأمره وقدرته، وفي "الأسرار المحمدية": لا تعتمد على الريح في استواء السفينة وسيرها، وهذا شرك في توحيد الأفعال، وجهل بحقائق الأمور، ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه .. علم أن الريح لا يتحرك بنفسه، بل له محرك إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول، الذي لا محرك له، ولا يتحرك هو في نفسه أيضًا، بل هو منزه عن ذلك، وعما يضاهيه . اهـ.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم، فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة.
ومعنى الآية (١): أي ومن الأدلة على وحدانيته تعالى، والحجج القائمة على أنه رب كل شيء: أنه يرسل الرياح من حين إلى آخر، مبشرات بالغيث، الذي به تحيا الأرض، وينبت الثمر والزرع، فتأكلون منه ما لذّ وطاب، وتعيشون أنتم ودوابكم وأنعامكم فضلًا من ربكم، وتجري السفن ماخرة للبحار، حاملةً للأقوات وأنواع الثمار، متنقلةً من قطر إلى قطر، فتأتي بما في أقصى المعمور من الشرق، إلى أقصاه في الغرب، والعكس بالعكس، فلا تحتجب الثمرات والأقوات في أماكنها، وتكون وقفًا على قومٍ بأعيانهم، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: وليعدكم لشكره كفاء ما أسدى إليكم من نعمه الوفيرة، وخيراته العميمة، التي لا تحصى، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
تنبيه: فإن قلت (٢): لم أسقط هنا لفظة ﴿فِيهِ﴾ حيث قال: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾، وزادها في الجاثية حيث قال: ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ﴾ فما الفرق بين الموضعين؟.
قلت: الفرق بينهما: أن ما هنا لم يتقدمه مرجع الضمير وهو البحر، وهناك
стр. 9909
تقدم مرجعه حيث قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ﴾.
٤٧ - ولما بين سبحانه الأصلين: المبدأ والمعاد .. بين الأصل الثالث، وهو النبوة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد بعثنا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾؛ أي: إلى أقوامهم الكافرين، كما أرسلناك إلى قومك عابدي الأوثان، من دون الله ﴿فَجَاءُوهُمْ﴾؛ أي: فجاءت الرسل أقوامهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالحجج الواضحة، والبراهين القاطعة، الدالة على صدقهم، وعلى أنها من عند الله، و ﴿الباء﴾: تصلح (١) للتعدية وللملابسة؛ أي: جاء كل رسول قومه بما يخصه من الدلائل الواضحة على صدقه في دعوى الرسالة، كما جئت قومك بالبراهين النيرة، الدالة على صدقك.
وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فآمن بهم قوم، وكفر بهم قوم ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: كفروا، والنقمة: العقوبة، ومنها الانتقام، والإجرام: تكذيب الأنباء، والإصرار عليه، وإنما وضع الموصول موضع ضميرهم للتنبيه على مكان المحذوف، والإشعار بكونه علةً للانتقام؛ أي: عاقبناهم وأهلكناهم، ونجينا الذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، ونحن فاعلو ذلك بمجرمي قومك، وبمن آمن بك، سنة الله التي شرعها لعباده، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
﴿وَكَانَ حَقًّا﴾؛ أي: واجبًا ﴿عَلَيْنَا﴾ وجوب (٢) كرم، لا وجوب إلزام. وفي "الوسيط" واجبًا وجوب من أوجبه على نفسه. ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنجاؤهم من شر أعدائهم، ومما أصابهم من العذاب نصر عزيز، وإنجاء عظيم، وهذا تأكيد لبشارة المؤمنين؛ لأن كلمة على تفيد معنى اللزوم، فإذا قال ﴿حَقًّا﴾ أكد ذلك المعنى، والنصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة، والكافر إن هزم المسلم في بعض الأوقات، لا يكون ذلك نصرةً، إذ لا عاقبة له. اهـ. من "المراح".
стр. 9910
وفيه (١): إخبار من الله سبحانه: بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو لا يخلف الميعاد، أخرج الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه والترمذي، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقًا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة" ثم تلا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولفظ الترمذي: "من رد عن عرض أخيه .. رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وقال: حديث حسن.
ووقف (٢) بعض القراء على ﴿حَقًّا﴾ وجعل اسم ﴿كان﴾ ضميرًا فيها وخبرها ﴿حَقًّا﴾. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، والصحيح: أن ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسمها، و ﴿حَقًّا﴾ خبرها، و ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف هو صفة له.
٤٨ - ﴿اللَّهُ﴾: الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿الَّذِي يُرْسِلُ﴾ ويحرك ويبعث ﴿الرِّيَاحَ﴾؛ أي: رياح الرحمة كالصبا ونحوها ﴿فَتُثِيرُ﴾؛ أي: تزعج وترفع ﴿سَحَابًا﴾ ثقالًا بالمطر من حيث هو، وأضاف الإثارة إلى ﴿الرِّيَاحَ﴾، وإنما المثير هو الله تعالى؛ لأنه سَببها، والفعل قد ينسب إلى سببه كما ينسب إلى فاعله.
وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وابن محيصن: ﴿يرسل الريح﴾ بالإفراد، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع. قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة، فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو مفرد، وهذه الجملة: مستأنفة مسوقة لبيان ما سبق من أحوال الرياح، فتكون على هذا جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معترضةً.
﴿فَيَبْسُطُهُ﴾؛ أي: يمد السحاب وينشره ﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في سمتها، ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ أي: على كيفية وهيئة شاءها ، سائرًا وواقفًا، مسيرة يوم أو يومين، أو أقل أو أكثر من جانب الجنوب أو ناحية الشمال، أو سمت الدبور، أو جهة الصبا إلى غير ذلك؛ أي: يجعله متصلًا تارةً ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾؛ أي: قطعًا تارةً أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعًا متفرقة: جمع
стр. 9911
كسفه، وهي قطعة من السحاب، أو القطن أو غير ذلك من الأجسام، كما سيأتي.
﴿فَتَرَى﴾ يا محمد، أو يا من يتأتى منه الرؤية ﴿الْوَدْقَ﴾؛ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ﴾ بالأمر الإلهي ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ أي: من خلال السحاب ووسطه وفرجه وشقوقه وثقبه في التارتين، قيل (١): السحاب كالغربال، ولولا ذلك .. لأفسد المطر الأرض: روي عن وهب بن منبه: أن الأرض شكت إلى الله أيام الطوفان؛ لأن الله تعالى أرسل الماء بغير وزن ولا قيل، فخرج الماء غضبًا لله تعالى، فخدش الأرض وخددها فقالت: يا رب إن الماء خددني وخدشني، فقال الله تعالى فيما بلغني، والله أعلم: إني سأجعل للماء غربالًا، كيلا يخددك ولا يخدشك، فجعل السحاب غربال المطر.
والضمير (٢) في ﴿خِلَالِهِ﴾ الظاهر أنه عائد على السحاب، إذ هو المحدث عنه، وذكر الضمير؛ لأن السحاب اسم جنس، يجوز تذكيره وتأنيثه، قيل: ويحتمل أن يعود على ﴿كسفًا﴾ في قراءة من سكن العين، وقرأ أبو العالية والضحاك: ﴿يخرج من خلله﴾؛ أي: من ثقبه.
﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الودق ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: أرض من يشاء إصابتها من عباده وبلادهم ﴿إذا﴾ فجائية واقعة في جواب الشرط ﴿هُمْ﴾؛ أي: عبادة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يفرحون بذلك المطر،؛ أي: فاجؤوا الاستبشار والفرح بمجيء الخصب، وزوال القحط، لحاجتهم إليه أشد الحاجة.
٤٩ - ﴿وَإِنْ﴾ مخففة من الثقيلة؛ أي: وإن الشأن، وقيل: إن بمعنى قد؛ أي: وقد كانوا، وتكون الجملة حينئذٍ حالًا من فاعل ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾، ﴿كَانُوا﴾؛ أي: أهل المطر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل التنزيل، كرره للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر، واستحكام يأسهم منه، وقيل: الضمير لإرسال الرياح، أو للسحاب فلا تكرار، ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾؛ أي: آيسين من
стр. 9912
نزوله، خبر ﴿كَانُوا﴾، واللام فارقة، وقد سبق معنى الإبلاس في أول السورة.
أي: وقد كانوا (١) من قبل أن ينزل عليهم قانطين يائسين من نزوله، فلما جاءهم على فاقة وحاجة .. وقع منهم موقعًا عظيمًا.
والخلاصة: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبل ذلك أيضًا، إذ هم ترقبوه في إبانة فتأخر، ثم مضت فترة فترقبوه فيها، فتأخر ثم جاء بغتة بعد اليأس والقنوط، وبعد أن كانت أرضهم هامدةً، أصبحت وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.
٥٠ - ﴿فَانْظُرْ﴾ يامحمد نظر اعتبارٍ واستبصارٍ ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ، وفوائد المطر، لتستدل بذلك على توحيد الله وتفرده بهذا الصنع العجيب.
والمراد برحمة الله (٢): المطر؛ لأنه أنزله برحمته على خلقه، وآثارها: فوائدها ونتائجها من النبات والأضجار والأزهار والثمار والحبوب. و ﴿الفاء﴾: للدلالة على سرعة ترتب هذه الأشياء على تنزيل المطر، والخطاب فيه، وإن توجه إلى النبي ﷺ فالمراد به جميع المكلفين.
والمعنى: فانظروا إلى آثار المطر من النبات والأشجار، وأنواع الثمار والأزهار والزرائع التي بها يكون الخصب.
﴿كَيْفَ يُحْيِ﴾ الله ﴿الْأَرْضَ﴾ بالآثار والنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: بعد يبسها. قال في "الإرشاد": ﴿كَيْفَ ..﴾ إلخ. في حيز النصب بنزع الخافض، وكيف معلق لانظر؛ أي: فانظروا إلى كيفية الإحياء البديع للأرض بعد موتها، والمراد بالنظر: التنبيه على عظيم قدرته، وسعة رحمته مع ما فيه من تمهيد أمر البعث.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الإله العظيم الشأن، الذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها
стр. 9913
﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: لقادر على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم ومجازاتهم، فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية، كما أن إحياء الأرض بالمطر إحياء لمثل ما كان فيها من القوى النباتية.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده، ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر تام القدرة؛ أي: مبالغ في القدرة على جميع الأشياء التي من جملتها إحياء قالب الإنسان بعد موته في الحشر، وإحياء قلبه بعد موته في الدنيا؛ لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على حدّ سواء، رجع كل شيء إلى قدرته فلم يعظم عليه شيء، فقدرة الله سبحانه هي الكاملة، بخلاف قدرة العبد، فإنها مستفادة من قدرة الله تعالى.
وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - وأبو بكر وأبو عمرو: ﴿إلى أثر﴾ بالإفراد وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: ﴿آثار﴾ بالجمع. وقرأ سلام: ﴿إثر﴾ بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وقرأ الجحدري وابن السميقع وأبو حيوة: ﴿تحي﴾ بالتاء للتأنيث، والضمير عائد على الرحمة أو على الآثار على قراءة من قرأ بالجمع، وقرأ زيد بن علي: ﴿نحي﴾ بنون العظمة، والجمهور: ﴿يحيي﴾ بياء الغيبة والضمير لله.
ومعنى الآية: أي فانظر (٢) أيها الرسول أثر الغيث، الذي أنبت به ما أثبت، من الزرع والأشجار والثمار، وفيه الدليل الكافي على عظيم القدرة، وواسع الرحمة، وإذ قد ثبتت قدرته على إحياء الأجسام بعد موتها، وتفرقها وتمزقها إربًا إربًا، ومن ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: إن ذلك الذي قدر على إحياء الأرض، قادر على إحياء الأجسام حين البعث، ثم أكد هذا بقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فلا يعجزه شيء، فإحياؤكم من قبوركم هين عليه، ونحو الآية قوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
٥١ - ثم ذمهم على تزلزلهم، وسوء اضطرابهم، فإذا أصابهم الخير .. فرحوا به، وإن أصابهم
стр. 9914
السوء .. يئسوا وأبلسوا، وانقطع رجاؤهم من الخير، فقال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن أرسلنا ﴿رِيحًا﴾ مضرة حارةً أو باردةً كالدبور ونحوها، فأفسدت زرع الكفار ﴿فَرَأَوْهُ﴾ ذلك الزرع ﴿مُصْفَرًّا﴾ متغيرًا بتأثير الريح بعد خضرته؛ أي: قد اصفر بعد خضرته، وقرب من الجفاف والهلاك.
وقال ﴿مُصْفَرًّا﴾؛ لأن ذلك صفرة حادثة، وقيل: المعنى فرأوا السحاب مصفرًا؛ لأن السحاب الأصفر لا يمطر، والريح التي تصفر النبات: صر حرور، وهما مما يصبح به النبات هشيمًا، والحرور جنب الشمال إذا عصفت، وقرأ صباح بن حبيش ﴿مصفارًا﴾ بألف بعد الفاء، ذكره أبو حيان.
و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَرَأَوْهُ﴾ عاطفة على محذوف كما قدرنا، و ﴿اللام﴾ (١) في قوله: ﴿لَظَلُّوا﴾ لام جواب القسم الساد مسد الجوابين، ولذلك فسر الماضي بالاستقبال؛ أي: يظلون ويصيرون ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من اصفرار وتغير الزرع والنبات ﴿يَكْفُرُونَ﴾ من غير توقف ولا تأخر.
والمعنى: ولئن أرسلنا ريحًا حارةً أو باردةً فضرب زرعهم بالصفار .. لظلوا من بعد ذلك يكفرون بالله، ويجحدون نعمه، يعني يقيمون على الكفر بالله وبنعمته، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم، وعدم صبرهِم، وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل الإيمان.
يعني (٢): أن الكفار لا اعتماد لهم على ربهم، فإن أصابهم خير وخصب .. لم يشكروا الله، ولم يطيعوه، وأفرطوا في الاستبشار، وإن نالهم أدنى شيء يكرهونه .. جزعوا ولم يصبروا، وكفروا سالف النعم، ولم يلتجئوا إليه بالاستغفار، وليس كذلك حال المؤمن، فإنه يشكر عند النعمة، ويصبر عند المحنة، ولا ييئس من روح الله، ويلتجىء إليه بالطاعة والاستغفار، ليستجلب الرحمة في الليل والنهار.
وحاصل المعنى: أي ولئن أرسلنا ريحًا حارةً أو باردةً على الزرع الذي
стр. 9915
زرعوه، ونما واستوى على سوقه، فرأوه قد اصفر بعد خضرته ونضرته .. لظلوا من بعد ذلك الاستبشار والرجاء يجحدون نعم الله السابقة عليهم، ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة في احتقارهم، لتزلزلهم في عقيدتهم، إذ كان الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله في كل حال، ويلجؤوا إليه بالاستغفار إذا احتبس عنهم المطر، ولا ييئسوا من روح الله، ويبادروا إلى الشكر والطاعة إذا أصابهم - جلّ وعلا - برحمته، ويصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة، ولا يكفروا بنعمائه، لكنهم قد عكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا بما يؤذيهم.
٥٢ - ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال: ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الدعاء إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لا يسمعون دعاءَك إلى الحق، لعدم فهمهم للحقائق، ومعرفتهم للصواب.
وهذه الجملة تعليل (١) لمحذوف، تقديره؛ أي: لا تجزع يا محمد ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي، ومن كان كذلك لا يهتدي. اهـ. "شيخنا ".
فالكفار في التشبيه كالموتى، لانسداد مشاعرهم عن الحق، وهم الذين علم الله قبل خلقهم أنهم لا يؤمنون به ولا برسله، وفي الآية دليل على أنّ الأحياء قد يسمون أمواتًا إذا لم يكن لهم منفعة الحياة، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أجسادهم مفقودة، وآثارهم بين الورى موجودة.
واعلم: أن الكفر موت القلب، كما أن العصيان مرضه، فمن مات قلبه بالكفر .. بطل سمعه بالكلية، فلا ينفعه النصح أصلًا، ومن مرض قلبه بالعصيان، فيسمع سمعًا ضعيفًا كالمريض .. فيحتاج إلى المعالجة في إزالته، حتى يعود سمعه إلى الحالة الأولى.
ثم أشار إلى تشبيه آخر بقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ﴾ يا محمد ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أصم
стр. 9916
وهو فاقد السمع ﴿الدُّعَاءَ﴾ إذا دعوتهم إلى الحق، ووعظتهم بمواعظ الله وذكرتهم الآخرة وما فيها ﴿إِذَا وَلَّوْا﴾ وأعرضوا عن الداعي حال كونهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: تاركين له وراء ظهرهم، فارين منه، وتقييد (١) الحكم بإذا إلخ، لبيان كمال سوء حال الكفرة، والتنبيه على أنهم جامعون لخصلتي السوء، بنبوّ أسماعهم عن الحق، وإعراضهم عن الإصغاء إليه، ولو كان فيهم إحداهما .. لكفتهم، فكيف وقد جمعوهما، فإن الأصم المقبل إلى المتكلم، ربما يتفطن منه بوساطة أوضاعه، وحركات فمه، وإشارات يده ورأسه شيئًا من كلامه، وإن لم يسمعه أصلًا، وأما إذا كان معرضًا عنه .. فلا يكاد يفهم منه شيئًا.
ومعنى الآية: أي (٢) إنك لا تقدر يا محمد أن تفهم هؤلاء المشركين، الذين قد ختم الله على أسماعهم، فسلبم فَهْمَ ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله كما لا تقدر أن تفهم الموتى، الذين سلبوا أسماعهم، بأن تجعل لهم أسماعًا، ولا تقدر أن تهدي من تصاموا عن فهم آيات كتابه، فتجعلهم يسمعونها ويفمونها، كما لا تقدر أن تسمع الصم الدعاء إذا ولوا عنك مدبرين هاربين منك.
٥٣ - ثم أشار إلى تشبيهٍ آخر بقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ وصارفهم، جمع أعمى، وهو: فاقد البصر ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ وخطئهم، متعلق بالهداية، باعتبار تضمنها معنى الصرف سماهم عميًّا إما لفقدهم المقصود والحقيقي من الإبصار، أو لعمى قلوبهم كما في "الإرشاد"، فإنهم ميتون، والميت لا يبصر شيئًا، كما لا يسمع شيئًا، فكيف يهتدي؛ أي: ليس في طوقك أن تهدي من أضله الله، فترده عن ضلالته، بل ذلك إليه وحده، فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ففيه بيان أن الهداية والضلالة بيده تعالى لا بيد الرسول.
والخلاصة: أن هذا ليس من عملك، ولا بعثت لأجله.
стр. 9917
﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾؛ أي (١): ما تسمع مواعظ القرآن ولا نصائحه ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ التنزيلية والتكوينية، فإن إيمانهم يدعوهم إلى التدبر فيها، وتلقيها بالقبول؛ أي: ما تسمع إلا هؤلاء، لكونهم أهل التفكر والتدبر والاستدلال بالآثار على المؤثر، يعني أن الإيمان حياة القلب، فإذا كان القلب حيًا .. يكون له السمع والبصر واللسان، ويجوز أن يراد بالمؤمن: المشارف للإيمان؛ أي: إلا من يشارف الإيمان بها، ويقبل عليها إقبالًا حقيقيًا، وقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تعليل لإيمانهم؛ أي: منقادون لما تأمرهم به من الحق متبعون له.
والمعنى: أي لا تسمع السماع الذي ينتفع به سامعه، فيتبعه، إلا من يؤمن بآياتنا؛ لأنه هو الذي إذا سمع كتاب الله .. تدبره وفهمه وعمل بما فيه، وانتهى إلى حدوده التي حدها، فهو مستسلم خاضع له، مطيع لأوامره، تارك لنواهيه.
٥٤ - ثم ذكر سبحانه دليلًا آخر على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، فقال: ﴿اللَّهُ﴾ الذي يستحق منكم العبادة مبتدأ وخبره قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: أوجدكم أيها الإنسان ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾؛ أي: من أصل ضعيف هو النطفة أو التراب على تأويل المصدر باسم الفاعل، والضعف خلاف القوة ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الزمان ﴿جَعَلَ﴾؛ أي: خلق لأنه عدي لمفعول واحد.
﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ آخر، وهو الضعف الموجود في الجنين والطفل ﴿قُوَّةً﴾ هي القوة التي تجعل للطفل من التحرك، واستدعائه اللين، ودفع الأذى عن نفسه بالبكاء، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أخرى، هي التي بعد البلوغ، وهي قوة الشباب ﴿ضَعْفًا﴾ آخر، وهو ضعف الشيخوخة والكبر، ﴿وَشَيْبَةً﴾؛ أي: شيبة الهرم، والشيب والمشيب بياض الشعر، ويدل (٢) على أن كل واحد من قوله ﴿ضَعْفٍ﴾ و ﴿قُوَّةً﴾ إشارة إلى حالة غير الحالة الأولى، ذكره منكرًا، والمنكر متى أعيد ذكره معرفًا أريد به ما تقدم، كقولك: رأيت رجلًا فقال لي الرجل كذا، ومتى أعيد منكرًا أريد به غير الأول، ولذلك قال ابن عباس ﵄ في قوله
стр. 9918
تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾: لن يغلب عسر يسرين، هكذا حققه الإِمام الراغب، وتبعه أجلاء المفسرين، وهو الموافق للقاعدة المشهورة عندهم، التي نظمها السيوطي في "عقود الجمان" بقوله:
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَه ... إِذَا أَتَتْ نَكِرَةً مُكَرَّرَه
تَغَايَرَتْ وَإِنْ يُعَرِّفْ ثَانِيْ ... تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
يقول (١) محتجًا على المشركين المنكرين للبعث: إن الذي خلقكم من نطفة وماء مهين، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، ثم جعل لكم قوةً على التصرف، من بعد ضعف الصغر والطفولة، ثم أحدث لكم الضعف بالهرم والكبر، بعد أن كنتم أقوياء في شبابكم، قادر أن يعيدكم مرةً أخرى بعد البلى، وبعد أن تكونوا عظامًا نخرةً.
والخلاصة: أن تنقل الإنسان في أطوار الخلق، حالًا بعد حال، من ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف، دليل على قدرة الخالق الفعال لما يشاء، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعجزه أن يعيدكم مرة أخرى.
﴿يَخْلُقُ﴾ ﴿مَا يَشَاءُ﴾ من ضعفٍ وقوةٍ وشبابٍ وشيبةٍ؛ أي: يخلق الأشياء كلها، التي من جملتها الضعف والقوة والشباب والشيبة، فليس هذا كله طبعًا، بل بمشيئة الله ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء، لا يمتنع عليه شيء أراده، وهو كما يفعل هذا، قادر على أن يميت خلقه ويحييهم إذا شاء.
فائدة: فإن قلت (٢): كيف قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ مع أن الضعف صفة ومعنى من المعاني، والمخاطبون لم يخلقوا من صفة، بل من عين وهي الماء، أو التراب؟
قلت: المراد بالضعف: الضعيف، من إطلاق المصدر على اسم الفاعل،
стр. 9919
كقولهم رجل عَدْلٌ؛ أي: عادل، فمعناه من ضعيف وهو النطفة.
وقرأ الجمهور (١): بضم الضاد في ﴿ضَعْفٍ﴾ في المواضع الثلاثة، وقرأ عاصم وحمزة: بفتجها فيها، وهي قراءة عبد الله وأبي رجاء، وروي عن أبي عبد الرحمن الجحدري والضحاك: الضم والفتح في الثاني، وقرأ عيسى: بضمتين فيهما، والظاهر: أن الضم والفتح بمعنى واحد، قال كثير من اللغويين: الضم في البدن، والفتح في العقل.
٥٥ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: توجد وتحصلت القيامة، سميت (٢) بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتةً وبداهةً، وصارت علمًا لها بالغلبة، كالنجم للثريا، والكوكب للزهرة، وفي "فتح الرحمن": ويوم تقوم الساعة التي فيها القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: يحلف الكافرون، ﴿مَا لَبِثُوا﴾؛ أي: ما أقاموا في القبور و ﴿مَا﴾ نافية ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾؛ أي: إلا ساعة واحدة، وهي جزء من أجزاء الزمان، واستقلوا مدة لبثهم نسيانًا أو كذبًا أو تخمينًا، ويقال: ما لبثوا في الدنيا، والأول هو الأظهر؛ لأن لبثهم مغيٌّ بيوم البعث، كما سيأتي، وليس لبثهم في الدنيا كذلك.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الصرف الواقع منهم يوم القيامة ﴿كَانُوا﴾؛ أي: كان المشركون في الدنيا، بإنكار البعث، والحلف على بطلانه، كما أخبر سبحانه في قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يصرفون عن الحق والصدق، فيأخذون في الباطل والإفك والكذب، يعني: كذبوا في الآخرة، كما كانوا يكذبون في الدنيا.
والمعنى (٣): أي ويوم تجيء ساعة البعث، فيبعث الله الخلق من قبورهم، يقسم المجرمون الذين كانوا يكفرون بالله في الدنيا، ويكتسبون فيها الآثام، إنهم ما أقاموا في قبورهم إلا قليلًا من الزمان، وهذا استقلال منهم لمدة لبثهم في
стр. 9920
البرزخ على طولها، وهم قد صرفوا في الآخرة عن معرفة مدة مكثهم في ذلك الحين.
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: كذبوا في قولهم: ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يحلفون على الكذب، وهم يعلمون، والكلام مسوق للتعجب من اغترارهم بزينة الدنيا وزخرفها، وتحقير ما يتمتعون به من مباهجها ولذاتها، كي يقلعوا عن العناد، وهويرجعوا إلى سبل الرشاد، وكأنه قيل: مثل ذلك الكذب العجيب كانوا يكذبون في الدنيا، اغترارًا بما هو قصير الأمد من اللذات وزخارف الحياة.
٥٦ - ثم ذكر توبيخ المؤمنين لهم، وتهكمهم بهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بكتاب الله، ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ بالله في الدنيا من الملائكة والإنس لأولئك المنكرين، ردًا لقولهم، وإنكارًا لكذبهم، والله ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي (١): في علمه وقضائه الأزلي في أم الكتاب؛ أي: بحسب ما في علم الله تعالى في قبوركم من يوم مماتكم ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ وهو مدة مديدة، وغاية بعيدة لا ساعة حقيقة، وفي الحديث: "ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون"، وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام، والظاهر أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة.
ثم أخبروا بوقوع البعث تبكيتًا لهم؛ لأنهم كانوا ينكرونه فقالوا؛ ﴿فَهَذَا﴾ اليوم، (الفاء): واقعة في جواب شرط محذوف؛ أي: إن كنتم منكرين البعث.، فهذا اليوم الحاضر هو ﴿يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ والحشر الذي أنكرتموه وكنتم توعدون في الدنيا؛ أي: فقد تبين بطلان إنكاركم.
وقرأ الحسن (٢): ﴿البعث﴾ بفتح العين في الموضعين، وقرىء: بكسرها، وهو اسم، والمفتوح: مصدر. ﴿وَلَكِنَّكُمْ﴾ من فرط الجهل، وتفريط النظر ﴿كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق سيكون فتستعجلون به استهزاءً.
والمعنى: أي فهذا اليوم الحاضر، هو اليوم الذي أنكرتموه في الدنيا،
стр. 9921
وزعمتم أنه لن يكون، لتفريطكم في النظر وغفلتكم عن الأدلة المتظاهرة عليه.
٥٧ - ولما كانت الأدلة تترى على أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء .. ذكر أن المعاذير لا تجدي في هذا اليوم، فلا يجابون إلى ما طلبوا من الرجوع إلى الدنيا، لإصلاح ما فسد من أعمالهم فقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تقوم القيامة أو يوم، إذ يقع ذلك من إقسام الكفار، وقول أولي العلم لهم ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: أشركوا ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾؛ أي: عذرهم، وهو فا عل ينفع؛ أي: لا ينفعهم اعتذارهم من ذنوبهم.
وقرأ الجمهور وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (١): ﴿لا تنفع﴾ بالتاء الفوقية، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: بالياء التحتية هنا، وفي الطول، وافقهم نافع في الطول؛ لأن التأنيث غير حقيقي. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أي: لا يطلبون بإرضاء الله بالتوبة الصادقة عن الشرك والمعاصي، ولا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم؛ أي: إزالة عتبهم وغضبهم من التوبة والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا، إذ لا يقبل حينئذ توبة ولا طاعة، وكذلك لا يصح رجوع إلى الدنيا، لإدراك فائت من الإيمان والعمل؛ أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم بتوبة وطاعة؛ أي: لا يطلب منهم الإعتاب؛ أي: الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة.
فإن قلت (٢): كيف قال هنا ذلك مع قوله في فصلت: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ حيث جعلهم هنا مطلوبًا منهم الإعتاب، وجعلهم ثم طالبين له؟
قلت: معنى قوله هنا: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أي: ولا هم يقالون عثراتهم بالرد إلى الدنيا، ومعنى قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؛ أي: إن يستقيلوا .. فما هم من المقالين، فلا تنافي.
والمعنى (٣): ففي هذا اليوم لا تنفع هؤلاء المجرمين معاذيرهم عما فعلوا، كقولهم: ما علمنا أن هذا اليوم كائن، ولا أنا نبعث فيه، ولا هم يرجعون إلى
стр. 9922
الدنيا ليتوبوا؛ لأن التوبة لا تقبل حينئذ، فالوقت وقت جزاءٍ، لا وقت عمل، وقد حقت عليهم كلمة ربهم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
والخلاصة: أنهم لا يعاتبون على سيئاتهم، بل يعاقبون عليها، ولا يطلب منهم الرجوع إلى ما يرضي الله سبحانه من التوبة والعمل الصالح، وذلك لانقطاع التكليف في ذلك اليوم.
٥٨ - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ضربنا وبينا، وأوضحنا للناس ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ الكريم ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أي (١): من كل صفة كأنها في غرابتها كالأمثال، وذلك كالتوحيد والحشر وصدق الرسل وسائر ما يحتاجون إليه، من أمر الدين والدنيا، مما يهتدي به المتفكر، ويعتبر به الناظر المتدبر، أو المعنى: ولقد (٢) وصفنا لهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة، كالأمثال مثل صفة المبعوثين يوم القيامة، وما يقولون وما يقال لهم، وما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب، أو بينا لهم من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله تعالى وعلى البعث وصدق الرسل، واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك.
ففيه (٣): إشارة إلى إزالة الأعذار وقطعها عنهم والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وكلمة من في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ للتبعيض، كما في "الكرخي".
والمعنى: أي ولقد أوضحنا لهم الحق، وضربنا لهم الأمثال الدالة على وحدانية الخالق الرازق، وعلى البعث وصدق الرسول، ليستبينوا الحق ويتبعوه، لكنهم أعرضوا عن ذلك استكبارًا وعنادًا، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن جئت كفار مكة ﴿بِآيَةٍ﴾ تنزيلية من آيات القرآن الناطقة بذلك، أو بآية تكوينية تدل على صدق الرسل، كالعصا واليد والناقة ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة وغيرهم من فرط عنادهم وقساوة
стр. 9923
قلوبهم مخاطبين للنبي ﷺ والمؤمنين ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾؛ أي: ما أنتم أيها المؤمنون ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾؛ أي: مزورون؛ أي: ما أنت وأصحابك يا محمد إلا أصحاب أباطيل، تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان.
والمعنى: أي والله لئن جئتهم بكل الآيات لا يؤمنون بها، بل يعتقدون أنها سحر مفترًى، وما هي إلا أساطير الأولين، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾.
فإن قلت: لم (١) أفرد الخطاب في قوله: ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ﴾ وجمعه في قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾؟
قلت: في ذلك لطيفة، وهي كأن الله تعالى قال: ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل .. أجابوا بقولهم: أنتم كلكم أيها المدعون الرسالة مبطلون.
٥٩ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الطبع الفظيع، الذي طبع على هؤلاء المشركين ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ سبحانه؛ أي: يختم الله بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان. ﴿عَلَى قُلُوبِ﴾ كل الجهلة ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله تعالى، ولا يطلبون العلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق، وينجون به من الباطل، ويصرون على خرافات اعتقدوها، وترهات ابتدعوها، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق.
والمعنى (٢): أي كذلك يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به من العبر والعظات، والآيات البينات، فلا يفقهون الأدلة ولا يفهمون ما يتلى عليهم من آي الكتاب، لسوء استعدادهم، ولما دسوا به أنفسهم من سوء القول والفعل، فهم في طغيانهم يعمهون.
٦٠ - ثم ختم السورة بأمر الرسول بالصبر على أذاهم، وعدم الالتفات إلى
стр. 9924
عنادهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها الرسول على ما ينالك من أذى المشركين، قولًا وفعلًا، وبلغهم رسالة ربك فـ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه الذي وعدك من النصر عليهم، والظفر بهم، وتمكينك وتمكين أصحابك وأتباعك في الأرض ﴿حَقٌّ﴾ لا شك فيه ولا بد من إنجازه والوفاء به ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق جزعًا مما يقولون ويفعلون، فإنهم ضلال شاكون، فلا تستغرب منهم ذلك أو لا يستفزنك عن دينك وما أنت عليه من الحق، أو لا يستحمقنك ولا يستجهلنك، أو لا يحملنك على العجلة في الدعاء عليهم بالعذاب ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بالله، ولا يصدقون أنبياءه، ولا يؤمنون بكتبه، ولا يعتقدون البعث بعد الموت فيثبطوك عن أمر الله تعالى، والقيام بما كلفك به من تبليغ رسالته.
وفي هذا إرشاد لنبيه ﷺ وتعليم له بأن يتلقى المكاره بصدر رحب، وسعة حلم، روي (١): أنه لما مات أبو طالب عم النبي ﷺ بالغت قريش في أذاه، حتى إن بعض سفهائهم نثر على رأسه الشريف التراب، فدخل ﵇ بيته، والتراب على رأسه فقام إليه بعض بناته، وجعلت تزيله عن رأسه وتبكي ورسول الله ﷺ يقول لها: "لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك وكذا أوذي الأصحاب كلهم فصبروا، وظفروا بالمراد، فكانت الدولة لهم دينًا ودنيا وآخرةً.
يقال: استخف فلان فلانًا؛ أي: استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي.
وقرأ الجمهور: ﴿يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ بالخاء المعجمة والفاء، من الاستخفاف، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب: بالحاء المهملة والقاف ﴿يستحفنك﴾ من الاستحقاق؛ أي: لا يزيغنك، فيكونوا أحق بك من المؤمنين، وسكن النون ابن أبي عبلة ويعقوب: ﴿يستخفنك﴾ والنهي في الآية من باب لا أرينك هاهنا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي: أن رجلًا من الخوارج نادى عليًا، وهو في صلاة الفجر فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ فأجابه وهو في
стр. 9925
الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ ولا عجيب من صدور مثل هذا الجواب على البديهة من علي - كرم الله وجهه - وهو مدينة العلم.
فائدة (١): واعلم أن الله خلق الصدق، فظهر من ظله الإيمان والإخلاص، وخلق الكذب، فظهر من ظله الكفر والنفاق، فأنتج الإيمان المتولد من الصدق، أو يقول المؤمنون يوم القيامة: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، ونحوه، وأنتج الكفر المتولد من الكذب أن يقول الكافرون يومئذ: والله ماكنا مشركين، وما لبثوا غير ساعة، ونحوه من الأكاذيب.
الإعراب
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾: ناصب وفعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به. ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾: حال من ﴿الرِّيَاحَ﴾، والمصدر المؤول من الجملة الفعلية: في محل الرفع مبتدأ مؤخر؛ أي: وإرساله تعالى الرياح مبشرات كائن من آياته ودلائل قدرته، والجملة الاسمية: مستأنفة مسوقة لبيان الآيات. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يُذِيقَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: معطوفة على جملة مأخوذة من ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ تقديرها: ومن آياته: أن يرسل الرياح ليبشركم برحمته، وليذيقكم من رحمته، وقيل: ﴿الواو﴾: زائدة، و ﴿اللام﴾: متعلقة بـ ﴿يُرْسِلَ﴾. وعبارة الزمخشري هنا: فإن قلت: (٢) بما يتعلق ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾؟
стр. 9926
قلت: فيه وجهان: أن يكون معطوفًا على ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على المعنى، كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم، وأن يتعلق بمحذوف، تقديره: وليذيقكم، وليكون كذا وكذا أرسلناها، انتهت. ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾: ناصب وفعل مضارع وفاعل معطوف على ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾، ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْفُلْكُ﴾، ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد ﴿اللام﴾ معطوف عليه أيضًا، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَبْتَغُوا﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾: معطوفة على جملة محذوفة مماثلة لها، معللة لمعلول محذوف، تقديره: أكرمكم بهذه النعم المذكورة، لعلكم تفردوه بالعبادة والطاعة، ولعلكم تشكرون نعمه.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: حال من ﴿رُسُلًا﴾. و ﴿رُسُلًا﴾: مفعول به، ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم: مستأنفة مسوقة لتسليته ﷺ وتأنيسه وإيذانًا بنصره، ﴿فَجَاءُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءُوهُمْ﴾. ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على محذوف، تقديره: فكذبوهم ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ منهم، ﴿أَجْرَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَكَانَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿حَقًّا﴾: خبرها مقدم على اسمها، ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿حَقًّا﴾ أو صفة له، ﴿نَصْرُ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: اسمها مؤخر، والجملة: مستأنفة.
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة، ﴿يُرْسِلُ﴾: فعل وفاعل
стр. 9927
مستتر، ﴿الرِّيَاحَ﴾: مفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿فَتُثِيرُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿تثير﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿سَحَابًا﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿يُرْسِلُ﴾، ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿تُثِيرُ﴾، ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يبسط﴾، ﴿كَيْفَ﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الحال بالفعل بعده، مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معْنويًا. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: كيف ﴿يَشَاءُ﴾ بسطه، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: فعل شرط لـ ﴿كَيْفَ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿كَيْفَ﴾ محذوف دل عليه ما قبلها، تقديره: كيف يشاء بسطه يبسطه، وجملة ﴿كَيْفَ﴾ معترضة، لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه.
فالدة: قال ابن هشام: وتستعمل ﴿كَيْفَ﴾ على وجهين (١):
أحدهما: أن تكون شرطًا فتقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين، نحو كيف تصنع أصنع، ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق من النحاة، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين، إلا قطربًا، لمخالفتهما لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مر.
الثاني: قيل: يجوز مطلقًا، وإليه ذهب قطرب والكوفيون، وقيل: يجوز بشرط اقترانها بما قالوا، ومن ورودها شرطًا: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: وجوابها في ذلك كله: محذوف لدلالة ما قبلها عليه. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعولان معطوف على ﴿يَبْسُطُ﴾، ﴿فَتَرَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ترى: فعل مضارع وفاعل مستتر، وهي بصرية، ﴿الْوَدْقَ﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿يجعله﴾، وجملة ﴿يَخْرُجُ﴾: حال من ﴿الْوَدْقَ﴾، ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَخْرُجُ﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿أَصَابَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَصَابَ﴾،
стр. 9928
والجملة: في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أَصَابَ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة من الموصولة، والعائد محذوف، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من ﴿مِنْ﴾ الموصولة، أو من العائد ﴿إذَا﴾: فجائية، رابطة لجواب ﴿إذا﴾ الشرطية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة ﴿ترى﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾.
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية أو عاطفة، ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُبْلِسِينَ﴾، ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿الْوَدْقَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُنَزَّلَ﴾، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: جار ومجرور مؤكد للجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿مُبْلِسِينَ﴾: خبر ﴿كَانُ﴾، وجملة ﴿كَانُ﴾: في محل الرفع خبر لـ ﴿إنَّ﴾ المخففة، وجملة ﴿إِن﴾ المخففة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أو معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾.
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.
﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾؛ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن من آياته تعالى أن يرسل الرياح مبشرات، وأردت معرفة ما يترتب عليه من الآثار .. فأقول لك انظر، ﴿انْظُر﴾: فعل وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿انْظُر﴾، ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب حال من الأرض، وهي معلقة لـ ﴿انْظُرْ﴾ عن العمل في ما بعدها. ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: متعلق
стр. 9929
بـ ﴿يُحْيِ﴾، والجملة الفعلية: بدل من ﴿آثَارِ﴾، فهي في حيز النصب بنزع الخافض. والمعنى: بعد كل هذا فانظر إلى إحيائه البديع للأرض بعد موتها، والمراد التنبيه على عظم قدرته وسعة رحمته. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، والجملة: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿مُحْيِ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط بها، ﴿رِيحًا﴾: مفعول به، ﴿فَرَأَوْهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿رأوه﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿مُصْفَرًّا﴾: حال من مفعول ﴿رَأَوْهُ﴾، لأن الرؤية هنا بصرية، ﴿لَظَلُّوا﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، مؤكدة للأولى، ﴿ظَلُّوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَكْفُرُونَ﴾، وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾: خبر ﴿ظَلُّ﴾، وجملة ﴿ظَلُّ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن أرسلنا ريحًا، فرأوه مصفرًا .. يكفرون على القاعدة المشهورة:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾.
﴿فَإِنَّكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليليلة. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر ﴿إِن﴾، والجملة الاسمية: في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بـ ﴿الفاء﴾ التعليلية المعللة لمحذوف، تقديره: لا تجزع ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي، ﴿وَلَا تُسْمِعُ﴾: فعل وفاعل مستتر، ﴿الصُّمَّ﴾: مفعول أول، ﴿الدُّعَاءَ﴾: مفعول ثان، والجملة: في محل الرفع معطوفة على الجملة التي
стр. 9930
قبلها، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل أو الزمان مجرد عن معنى الشرط، ﴿وَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، ﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال من الواو، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿تُسْمِعُ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية، ﴿أَنْتَ﴾: في محل الرفع اسمها، ﴿بِهَادِ﴾: خبر ﴿ما﴾ الحجازية، و ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿الْعُمْيِ﴾: مضاف إليه، ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿هادي﴾: على تضمين هادي معنى صارف. وجملة ﴿ما﴾: الحجازية معطوفة على جملة ﴿إن﴾، ﴿إن﴾: نافية، ﴿تُسْمِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تُسْمِعُ﴾. ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: صلة ﴿مَنْ﴾: الموصولة، ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿هم مسلمون﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُ﴾: عطف اسمية على فعلية.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾. لأنه بمعنى خلق، ﴿قُوَّةً﴾: مفعول به لـ ﴿جَعَلَ﴾. والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على جملة ﴿جَعَلَ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿ضَعْفًا﴾: مفعول به لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿وَشَيْبَةً﴾: معطوف على ﴿ضَعْفًا﴾، ﴿يَخْلُقُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَخْلُقُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلته، وجملة ﴿يَخْلُقُ﴾: في محل النصب حال أو فاعل ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أو مستأنفة ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر أول له، ﴿الْقَدِيرُ﴾: خبر ثان، والجملة
стр. 9931
الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَخْلُقُ﴾.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يُقْسِمُ﴾، ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿ما﴾: نافية، ﴿لَبِثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: لا محل لها أو الإعراب؛ لأنها واقعة في جواب القسم، ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَبِثُوا﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة: في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة؛ أي: يصرفون عز الحق، وهو الصدق، كما صرفوا عن الحق، وهو البعث.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿الْعِلْمَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿آتى﴾؛ لأنه بمعنى أعطى، ﴿وَالْإِيمَانَ﴾: معطوف على ﴿الْعِلْمَ﴾، والجملة الفعلية: صلة الموصول، ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿لَبِثْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: حال أو فاعل ﴿لَبِثْتُمْ﴾ ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: حالة كون مدة لبثكم محسوبة في كتاب الله وعلمه. ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾: متعلق بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها أو الإعراب، وجملة القسم: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَهَذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمُ الْبَعْثِ﴾: خبره، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿لَبِثْتُمْ﴾. وفي "البيضاوي": و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾: واقعة في جواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتم منكرين للبعث .. فهذا يومه؛ أي: فقد تبين بطلان إنكاركم. اهـ. ﴿وَلَكِنَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لَكِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه،
стр. 9932
وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾: في محل النصب حال من ﴿يَوْمُ الْبَعْثِ﴾. ولكنه على تقدير رابط، والتقدير: فهذا يوم البعث، والحال أنكم لا تعلمونه.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما أقسم عليه المجرمون، وما رد به عليهم أهل العلم والإيمان، وأردت بيان حال ذلك اليوم .. فأقول لك ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله متعلق بـ ﴿يَنْفَعُ﴾، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول، ﴿ظَلَمُوا﴾: صلة الموصول، ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: فاعل ﴿يَنْفَعُ﴾، وجملة ﴿يَنْفَعُ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿وَلَا هُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾: من الفعل المغير ونائبه: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَنْفَعُ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿ضَرَبْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿ضَرَبْنَا﴾، ﴿فِي هَذَا﴾: جار ومجرور، ﴿الْقُرْآنِ﴾: بدل منه الجار والمجرور حال من ﴿كُلِّ مَثَلٍ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها أو متعلق بـ ﴿ضَرَبْنَا﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: صفة لمفعول محذوف؛ أي: ضربنا موعظة أو قصة من كل مثل، أو مفعول به لـ ﴿ضَرَبْنَا﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿جِئْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق به، والجملة: جواب القسم، وجملة القسم: معطوفة على جملة القسم قبله، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة
стр. 9933
للأولى، ﴿يَقُولَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، وجملة ﴿يَقُولَنَّ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط: محذوف، تقديره: وإن جئتهم بآية .. يقبل الذين كفروا، وجملة إلشرط مع جوابه: جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿مُبْطِلُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿لَيَقُولَنَّ﴾.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: مثل ذلك الطبع، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَطْبَعُ﴾، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: صلة الموصول. ﴿فَاصْبِرْ﴾: ﴿الفاء﴾: قال الفصيحة؛ لأنها أفصحت عز جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أو حالهم بهذه المثابة، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اصبر، ﴿اصْبِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه، ﴿حَقٌّ﴾: خبره، وجملة ﴿إِن﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية، ﴿يَسْتَخِفَّنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و ﴿الكاف﴾: ضمير المخاطب في محل النصب مفعول به، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اصْبِرْ﴾، وجملة ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾: صلة الموصول.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الرِّيَاحَ﴾: أحد جموع الريح، والريح: مؤنثة، وتجمع أيضًا على أرواح وأرياح وريح، كفيل وفيلة، وجمع الجمع: أراويح وأراييح، والرياح أربع:
стр. 9934
الجنوب وهي القبلية، والشمال: وهي الشمالية، والصبا: وهي الشرقية، والدبور: وهي الغربية، والثلاثة الأول: رياح الرحمة، والرابعة: هي ريح العذاب.
قال وكيع: لولا الريح والذباب .. لأنتنت الدنيا، قيل: الريح تموج الهواء بتأثير الكواكب، وسيلانه إلى إحدى الجهات، والصحيح عند أهل الشرع: ما ذكر في الحديث أو أنها من روح الله تعالى.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: يقال ثار الغبار والسحاب، انتشر ساطعًا، وقد أثرته، والسحاب: اسم جنس يصح إطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها، قال في "المفردات": أصل السحب: الجر، ومنه السحاب: إما لجر الريح له، أو لجره الماء.
والمعنى: فتنشره تلك الرياح وتزعجه، وتخرجه أو أماكنه.
﴿فَيَبْسُطُهُ﴾؛ أي: ينشره متصلًا بعضه ببعض؛ أي: ينشره كمال الانتشار، وإلا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائمًا.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في جهتها؛ أي: في جهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة.
﴿كِسَفًا﴾: بكسر ففتح، ويجوز تسكين السين: جمع كسفة، وهي قطعة أو السحاب والقطن، ونحو ذلك أو الأجسام المتخلخلة، كما في "المفردات" وفي "القاموس": الكسفة بالكسر: القطعة أو الشيء، والجمع: كسف بكسر فسكون، وجمع الجمع .. أكساف وكسوف، وكسفه يكسفه: قطعه.
﴿الْوَدْقَ﴾: المطر، قيل: الودق في الأصل: ما يكون خلال المطر، كأنه غبار، وقد يعبر به عن المطر.
﴿مِنْ خِلَالِه﴾؛ أي: أو فرج السحاب وشقوقه، قال الراغب: الخلل فرجة بين الشيئين، وجمعه خلال، نحو خلل الدار والسحاب. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾؛ أي: آيسين، في "المصباح": أبلس الرجل إبلاسًا: سكت، وأبلس: أيس، وفي
стр. 9935
التنزيل: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. اهـ.
﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾؛ أي: قد اصفر بعد خضرته، وقرب أو الجفاف، والاصفرار، الاتصاف بالصفرة، والصفرة: لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهو إلى البياض أقرب.
﴿لَظَلُّوا﴾: من ظل يظل بالفتح، أصله: العمل، بالنهار، ويستعمل في موضع صار كما في هذا المقام.
﴿الصُّمَّ﴾: جمع الأصم، والصم: فقدان حاسة السمع، وبه شبه من لا يصغي إلى الحق ولا يقبله، كما في "المفردات".
﴿الْعُمْيِ﴾: جمع الأعمى، وهو: فاقد البصر.
﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾: الضعف: بالفتح والضم: خلاف القوة، وفرقوا بأن الفتح لغة تميم، واختاره عاصم وحمزة في المواضع الثلاثة، والضم: لغة قريش، واختاره الباقون، ولذا لما قرأه ابن عمر ﵄ على رسول الله ﷺ بالفتح أقرأه بالضم، وفي "المصباح": الضعف بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمها في لغة قريش: خلاف القوة والصحة، فالمضموم مصدر ضعف، مثال قرب قربًا، والمفتوح: مصدر ضعف ضعفًا من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضعيف، والجمع: ضعفاء وضعاف أيضًا. اهـ.
﴿قُوَّةً﴾: قال بعض العلماء: أول ما يوجد في الباطن حول، ثم ما يجريه في الأعضاء قوة، ثم ظهور العمل بصورة البطش والتناول قدرة.
﴿ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾؛ أي: شيبًا، وهو بياض الشعر الاسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. اهـ. "الخطيب".
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: توجد وتحصل الساعة؛ أي: القيامة، وهي
стр. 9936
النفخة الثانية، وسميت القيامة ساعةً، لحصولها في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتةً وبديهةً، كما مر، وصارت علمًا لها بالغلبة، كالنجم للثريا، وفي "القاموس": والساعة: جزء من أجزاء الجديدين، والوقت الحاضر، والجمع: ساعات وساع، والقيامة أو الوقت الذي تقدم فيه القيامة، والهالكون كالجاعة للجياع، والساعة أيضًا: آلة يعرف بها الوقت بحسب الساعات.
مُولّدة: ومنها الساعة الرملية، والساعة المائية، والساعة الشمسية.
﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: يحلف الكافرون، يقال: أقسم: إذا حلف، أصله من القسامة، وهي أيمان تقسم على المتهمين في الدم، ثم صار اسمًا لكل حلف.
﴿مَا لَبِثُوا﴾: يقال: لبث بالمكان: إذا أقام به ملازمًا له.
﴿يُؤْفَكُونَ﴾: أفك فلان: إذا صرف عن الصدق والخير.
﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾؛ أي: عذرهم، والعذر تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه، بأن يقول: لم أفعل، أو فعلت لأجل كذا، فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبًا، أو فعلت ولا أعود، ونحو ذلك، وهذا الثالث هو التوبة، فكل توبة عذر، وليس كل عذر توبةً، وأصل الكلمة أو العذرة، وهي الشيء النجس، تقول: عذرت الصبي: إذا طهرته وأزلت عذرته وكذا عَذرت فلانًا: إذا أزلت نجاسة ذنبه بالعفو عنه، كذا في "المفردات"، وقال في "كشف الأسرار": أخذ من العذار وهو الستر.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: الإعتاب: إزلة العتب؛ أي: الغضب والغلظة، والاستعتاب: طلب ذلك من قولهم: استعتبني فلان فأعتبته؛ أي: استرضاني فأرضيته، وذلك إذا كنت جانيًا عليه، وحقيقة أعتبته: أزلت عتبه، ألا ترى إلى قوله:
غضبت تميم أن تقتل عامرًا ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
كيف جعلهم غضابًا ثم قال: فأعتبوا؛ في: أزيل غضبهم، والغضب في معنى العتب، والصيلم: ماء لبني عامر، والصيلم: الداهية والسيف كما في "الصحاح".
стр. 9937
وفي "المصباح": عتب عليه عتبًا من بابي ضرب وقتل، ومعتبًا أيضًا: إذا لامه في سخط، فهو عاتب وعتاب مبالغة، وبه سمي، ومنه عتاب بن أسيد، وعاتبه معاتبة وعتابًا، قال الخليل: حقيقة العتاب: مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة، وأعتبني الهمزة للسلب؛ أي: أزال الشكوى، والعتاب واستعتب طلب الإعتاب. والعتبى كالرجعى وزنًا ومعنى، اسم مصدر من أعتب إعتابًا.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾؛ أي: مزورون، يقال: أبطل الرجل: إذا جاء بالباطل، وأكذب: إذا جاء بالكذب، وفي "المفردات": الإبطال: يقال في إفساد الشيء وإزالته، حقًا كان ذلك الشيء أو باطلًا، قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾. وقد يقال فيمن يقال فيمن يقول شيئًا لا حقيقة له، قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: (اللام): فيه: مؤكدة، واقعة في جواب القسم، و ﴿يقولن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، فـ (اللام): مفتوحة باتفاق القراء، والفاعل: هو الاسم الموصول الذي هو من قبيل الظاهر، وهو ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إذا علمت هذا فقد علمت أن ما وقع هذا في "الجلالين" من أنه حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو: ضمير الجمع لالتقاء الساكنين سبق قلم، فليس بصواب.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: واعلم أن الطبع أن يصور الشيء بصورة ما، كطبع السكة وطبع الدراهم، وهو أعم من الختم، وأخص من النقض، والطابع والخاتم: ما يطبع به ويختم، والطابع: فاعل ذلك، وبه اعتبر الطبع والطبيعة، التي هي السجية، فإن ذلك هو نقش النفس بصورة ما، إما من حيث الخلقة من من حيث العادة، وهو فيما ينقش به من جهة الخلقة أغلب.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ قال في "المفردات": لا يزعجنك ولا يزيلنك عن اعتقادك ودينك بما يوقعون من الشبه.
﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾: الإيقان واليقين: أخذ من اليقين، وهو الماء الصافي، كما في "كشف الأسرار".
стр. 9938
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنوعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: أسلوب الإطناب في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية. وذلك لتعداد النعم الكثيرة، وكان يكفي أن يقول: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولكنه أسهب تذكيرًا للعباد بالنعم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لأنه مجاز مرسل علاقته الحالية, لأن الرحمة تحل في الخصب والمطر، فأطلق الحال وأريد المحل، وفسر بعضهم الرحمة بقوله؛ أي: من نعمته من المياه العذبة والأشجار الرطبة وصحة الأبدان وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا﴾ حذف منه فكذبوهم واستهزؤوا بهم.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ لأن مقتضى السياق أن يقال: فانتقمنا منهم، فوضع الموصول الذي هو من قبيل الظاهر، موضع الضمير، للتنبيه على مكان المحذوف، وللإشعار بكونه علة للانتقام.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ فأسند الإثارة إلى الرياح، مع أن المثير حقيقة هو الله تعالى؛ لأنه سببها، والفعل قد ينسب إلى سببه، كما ينسب إلى فاعله. اهـ. "روح".
ومنها: التكرار في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للتأكيد، والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر، واستحكام يأسهم منه.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: بعد
стр. 9939
يبسها.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الخ. شبه الكفار بالموتى وبالصم والعمي في عدم إحساسهم وسماعهم للمواعظ والبراهين، بطريق الاستعارة التصريحية، لانسداد مشاعرهم عن الحق.
ومنها: إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾؛ أي: من أصل ضعيف.
ومنها: الطباق بين ﴿ضَعْفٍ﴾ و ﴿قُوَّةً﴾.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ لأن معناه المبالغ في العلم والقدرة.
ومنها: الجناس التام في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ المراد بالساعة أولًا: القيامة، وبالثانية: الجزء من الزمان، فبينهما جناس كامل.
ومنها: الاستعارة التمثيلية التبعية في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ﴾ الخ. شبه إحداث الله تعالى في نفوس الكفار هيئة تمرنهم وتعودهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الإيمان والطاعات، بسبب إعراضهم عن النظر الصحيح، بالختم والطبع على الأواني، ونحوها في أنهما مانعان، فإن هذه الهيئة مانعة من نفوذ الحق في قلوبهم، كما أن الختم على الأواني ونحوها مانع من التصرف فيها، ثم استعير الطبع لتلك الهيئة، ثم اشتق منه ﴿يَطْبَعُ﴾ فيكون استعارةً تبعية. اهـ. "روح".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 9940
خلاصة ما احتوت عليه هذه السورة من الموضوعات
١ - إثبات النبوة بالإخبار بالغيب.
٢ - البراهين الدالة على الوحدانية.
٣ - الاعتبار بما حدث للمكذبين من قبلهم.
٤ - الأدلة التي في الآفاق، شاهدة على وحدانية الله سبحانه وعظيم قدرته.
٥ - الأدلة على صحة البعث.
٦ - ضرب الأمثال على أن الشركاء لا يجدونهم فتيلًا، ولا قطميرًا يوم القيامة.
٧ - الأمر بعبادة الله وحده، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها.
٨ - النهي عن اتباع المشركين، الذين فرقوا دينهم بحسب أهوائهم.
٩ - من طبيعة المشرك: الإنابة إلى الله إذا مسه الضر، والإشراك به حين الرخاء.
١٠ - من دأب الناس: الفرح بالنعمة والقنوط حين الشدة، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
١١ - الأمر بالتصدق على ذوي القربى والمساكين وابن السبيل.
١٢ - الدلائل التي وضعها سبحانه في الأنفس شاهدة على وحدانيته.
١٣ - للخير والشر فائدة تعود إلى المرء يوم تجزى كل نفس بما كسبت.
١٤ - في النظر في آثار المكذبين عبرة لمن اعتبر.
١٥ - تسلية الرسول على عدم إيمان قومه، بأنهم صم عمي لا يسمعون ولا يبصرون.
١٦ - بيان أن الكافرين يكذبون في الآخرة، كما كانوا يكذبون في الدنيا.
стр. 9941
١٧ - الإرشاد إلى أن الرسول قد بلغ الغاية في الإعذار والإنذار، وأن قومه قد بلغوا الغاية في التكذيب والإنكار.
١٨ - أمره ﷺ بإدامة التبليغ، مهما لاقى من الأذى، فإن العاقبة والنصر له، والخذلان لمن كذب به (١).
والله أعلم
* * *
стр. 9942
سورة لقمان
سورة لقمان مكية، إلا ثلاث (١) آيات: أولاهن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى تمام الآيات الثلاث .. قاله ابن عباس فيما أخرجه النحاس عنه، وحكى القرطبي عن قتادة: أنها مكية إلا آيتين: أولاهما: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾ إلى آخر الآيتين. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أنها مكية ولم يستثن، وأخرج النسائي وابن ماجه عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات.
آياتها: أربع وثلاثون آية، وقيل (٢): ثلاث وثلاثون آية. وكلماتها: خمس مئة وثمان وأربعون كلمة. وحروفها: ألفان ومئة وعشرة أحرف.
التسمية: سميت سورة لقمان، لاشتمالها على قصة لقمان الحكيم، التي تضمنت فضيلة الحكمة، وسر معرفة الله تعالى وصفاته، وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات، وما تضمنته كذلك من الوصايا الثمينة، التي أنطقه الله بها، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان.
فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (٣): "من قرأ سورة لقمان .. كان لقمان رفيقًا له يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرًا، بعدد من عمل بالمعروف، ونهى عن المنكر، ولكن فيه مقال.
وعن الزهري (٤) ﵀: أكثروا قراءة سورة لقمان، فإن فيها أعاجيب، والله أعلم.
стр. 9943
المناسبة: مناسبتها لما قبلها من وجوه (١):
١ - أنه تعالى قال في السورة السالفة: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وأشار إلى ذلك في مُفْتَحِ هذه السورة بقوله: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾.
٢ - أنه قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ وقال في هذه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾.
٣ - أنه قال في السورة السالفة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقال في هذه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ففي كلتيهما إفادة سهولة البعث.
٤ - أنه ذكر في السابقة قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾. وقال في هذه: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، فذكر في كل من الآيتين قسمًا لم يذكره في الآخر.
٥ - أنه ذكر في السورة التي قبلها محاربة ملكين عظيمين لأجل الدنيا، وذكر في هذه السورة قصة عبد مملوك زهد في الدنيا، وأوصى ابنه بالصبر والمسالمة، وذلك يقتضي ترك المحاربة، وبين الأمرين التقابل، وشاسع البون، كما لا يخفى.
الناسخ والمنسوخ منها: وجميع (٢) هذه السورة محكم، إلا آيةً واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ الآية (٢٣).
سبب نزولها: سبب نزول هذه السورة إلا ما استثني منها (٣): أن قريشًا سألت النبي ﷺ عن قصة لقمان مع ابنه، وعن بره والديه، فنزلت: وأما
стр. 9944
الآيات المدنية منها: (٢٨ و ٢٩ و٣٠) فسبب نزولها: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة .. قال له أحبار اليهود: بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ اعنيتنا أم قومك؟ قال: "كلا عنيت". فقالوا: إنك تعلم أنا أوتينا التوراة، وفيها بيان كل شيء، فقال النبي ﷺ : "ذلك في علم الله قليل"، فأنزل الله سبحانه هؤلاء الآيات ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ...﴾ الآيات الثلاث.
والله أعلم
* * *