١٧ - الإرشاد إلى أن الرسول قد بلغ الغاية في الإعذار والإنذار، وأن قومه قد بلغوا الغاية في التكذيب والإنكار.
١٨ - أمره ﷺ بإدامة التبليغ، مهما لاقى من الأذى، فإن العاقبة والنصر له، والخذلان لمن كذب به (١).
والله أعلم
* * *
стр. 9942
سورة لقمان
سورة لقمان مكية، إلا ثلاث (١) آيات: أولاهن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى تمام الآيات الثلاث .. قاله ابن عباس فيما أخرجه النحاس عنه، وحكى القرطبي عن قتادة: أنها مكية إلا آيتين: أولاهما: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾ إلى آخر الآيتين. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أنها مكية ولم يستثن، وأخرج النسائي وابن ماجه عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات.
آياتها: أربع وثلاثون آية، وقيل (٢): ثلاث وثلاثون آية. وكلماتها: خمس مئة وثمان وأربعون كلمة. وحروفها: ألفان ومئة وعشرة أحرف.
التسمية: سميت سورة لقمان، لاشتمالها على قصة لقمان الحكيم، التي تضمنت فضيلة الحكمة، وسر معرفة الله تعالى وصفاته، وذم الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات، وما تضمنته كذلك من الوصايا الثمينة، التي أنطقه الله بها، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان.
فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (٣): "من قرأ سورة لقمان .. كان لقمان رفيقًا له يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرًا، بعدد من عمل بالمعروف، ونهى عن المنكر، ولكن فيه مقال.
وعن الزهري (٤) ﵀: أكثروا قراءة سورة لقمان، فإن فيها أعاجيب، والله أعلم.
стр. 9943
المناسبة: مناسبتها لما قبلها من وجوه (١):
١ - أنه تعالى قال في السورة السالفة: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وأشار إلى ذلك في مُفْتَحِ هذه السورة بقوله: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾.
٢ - أنه قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ وقال في هذه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾.
٣ - أنه قال في السورة السالفة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقال في هذه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ففي كلتيهما إفادة سهولة البعث.
٤ - أنه ذكر في السابقة قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾. وقال في هذه: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، فذكر في كل من الآيتين قسمًا لم يذكره في الآخر.
٥ - أنه ذكر في السورة التي قبلها محاربة ملكين عظيمين لأجل الدنيا، وذكر في هذه السورة قصة عبد مملوك زهد في الدنيا، وأوصى ابنه بالصبر والمسالمة، وذلك يقتضي ترك المحاربة، وبين الأمرين التقابل، وشاسع البون، كما لا يخفى.
الناسخ والمنسوخ منها: وجميع (٢) هذه السورة محكم، إلا آيةً واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ الآية (٢٣).
سبب نزولها: سبب نزول هذه السورة إلا ما استثني منها (٣): أن قريشًا سألت النبي ﷺ عن قصة لقمان مع ابنه، وعن بره والديه، فنزلت: وأما
стр. 9944
الآيات المدنية منها: (٢٨ و ٢٩ و٣٠) فسبب نزولها: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة .. قال له أحبار اليهود: بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ اعنيتنا أم قومك؟ قال: "كلا عنيت". فقالوا: إنك تعلم أنا أوتينا التوراة، وفيها بيان كل شيء، فقال النبي ﷺ : "ذلك في علم الله قليل"، فأنزل الله سبحانه هؤلاء الآيات ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ...﴾ الآيات الثلاث.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قد تقدم لك ذكر مناسبة السورة للسورة، هنا نذكر مناسبة الآيات بعضها لبعض، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله سبحانه لما بين حال السعداء الذين يهتدون بكتاب الله تعالى، وينتفعون بسماعه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .. أردف ذلك بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله تعالى، وأقبلوا على استماع كلام المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر حال من أعرض عن الآيات، وبين مآله .. عطف على ذلك ذكر مآل من قبل تلك الآيات، وأقبل على تلاوتها والانتفاع بها.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين فيما سلف كمال قدرته وعلمه، وإتقان عمله .. أردف ذلك بالاستشهاد لما سلف بخلق السماوات والأرض، وما بعده، مع تقرير وحدانيته، وإبطال أمر الشرك، وتبكيت أهله.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (٢) فساد اعتقاد المشركين، بإشراك من لا يخلق شيئًا بمن خلق كل شيء، ثم بين أن المشرك ظالم ضال .. أعقب ذلك ببيان أن نعمه الظاهرة في السماوات والأرض، والباطنة من العلم والحكمة، ترشد إلى وحدانيته، وقد آتاها لبعض عباده، كلقمان الذي فطر عليها دون نبي أرشده، ولا رسول بعث إليه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما
стр. 9947
قبلها: أن الله سبحانه لما بين أن لقمان أوتي الحكمة، فشكر ربه على نعمه الظاهرة عليه، وهو يرى آثارها في الآفاق والأنفس آناء الليل وأطراف النهار .. أردف ذلك ببيان: أنه وعظ ابنه بذلك أيضًا، ثم استطرد في أثناء هذه المواعظ إلى ذكر وصايا عامةً، وصى بها سبحانه الأولاد في معاملة الوالدين رعايةً لحقوقهم، وردًا لما أسدوه من جميل النعم إليهم، وهم لا يستطيعون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، على أن لا يتعدى ذلك إلى حقوقه تعالى، ثم رجع إلى ذكر بقية المواعظ التي يتعلق بعضها بحقوقه، وبعضها يرجع إلى معاملة الناس بعضهم مع بعض.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) أقام الأدلة على التوحيد، وذكر أن لقمان فهمه بالحكمة دون أن يرسل إليه نبي .. عاد إلى خطاب المشركين، وتوبيخهم على إصرارهم على ما هم عليه من الشرك، مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد لائحةً للعيان، يشاهدونها في كل آن في السماوات والأرض، وتسخيرهم لما فيها مما فيه مصالحهم في المعاش والمعاد، وإنعامه عليهم بالنعم المحسوسة والمعقولة، المعروفة لهم وغير المعروفة، ثم أبان أن كثيرًا من الناس يجادلون في توحيد الله وصفاته بدون دليل عقلي على ما يدعون، ولا رسول أرسل إليهم بما عنه يناضلون، ولا كتاب أنزل إليهم يؤيد ما يعتقدون، وإذا هم أفحموا بالحجة والسلطان المبين .. لم يجدوا جوابًا إلا تقليد الآباء والأجداد، بنحو قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وما ذاك إلا من نزغات الشيطان، والشيطان لا يدعو إلا إلى الضلال الموصل إلى النار وبئس القرار.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نزلتا في النضر بن الحارث، اشترى قينة - مغنية - وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق بها
стр. 9948
إليه، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه.
وروي عن مقاتل: أنه كان يخرج تاجرًا إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدث بها قريشًا، ويقول لهم: إن محمدًا يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الم (١)﴾؛ أي: هذه (١) سورة ﴿ألم﴾. قال بعضهم: الحروف المقطعات مبادىء السور ومفاتيح كنوز العبر، والإشارة هنا بهذه الحروف الثلاثة إلى قوله: أنا الله ولي جميع صفات الكمال، ومني الغفران والإحسان, وقال بعضهم الألف إشارة إلى ألفة العارفين، واللام إلى لطف صنعه مع المحسنين، والميم إلى معالم محبة قلوب المحبين، وقال بعضهم: يشير بالألف إلى آلائه، وباللام إلى لطفه وعطائه، وبالميم إلى مجده وثنائه، فبآلائه رفع الحجاب عن قلوب الأولياء، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده، وثنائه مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه.
٢ - ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذه السورة وآياتها. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: آيات من الكتاب المحكم المحروس من التغيير والتبديل، والممنوع من الفساد والبطلان، فهو فعيل بمعنى المفعل، وإن كان قليلًا في كلامهم، كما قالوا: أعقدت اللبن فهو عقيد؛ أي: معقدًا، أو ذي الحكمة لاشتماله عليها، أو الحاكم بين عباده ببيان الأحكام من الحلال والحرام مثلًا.
٣ - وقوله: ﴿هُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ من العذاب بالنصب على الحالية من الآيات، والعامل فيها ما في الإشارة من معنى الفعل؛ أي: حالة كون تلك
стр. 9949
الآيات هاديةً من الضلالة إلى الرشاد، وذات رحمة ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: العاملين للحسنات، وبالرفع: خبران آخران لاسم الإشارة.
وقال بعضهم (١): سماه هدًى لما فيه من الدواعي إلى الفلاح، والألطاف المؤدية إلى الخيرات، فهو هدى ورحمة للعابدين، ودليل وحجة للعارفين. اهـ.
وفي "التأويلات النجمية": هدى يهدي إلى الحق، ورحمة لمن اعتصم به، يوصله بالجذبات المودعة فيه إلى الله تعالى، وفي تخصيص كتابه بالهدى والرحمة للمحسنين: دليل على أنه ليس يهدي غيرهم، والمحسن لا يقع مطلقًا إلا مدحًا للمؤمنين، والمحسن: العامل للحسنات، أو من يعبد الله تعالى كأنه يراه، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنه ﷺ لما سأله جبريل عن الإحسان .. قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وقرأ الجمهور (٢): ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ بالنصب على الحال من الآيات، وقرأ حمزة والأعمش والزعفراني، وطلحة وقنبل من طريق أبي الفضل الواسطي: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر على مذهب من يجيز ذلك.
٤ - ثم بين عمل المحسنين فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة وغيرها؛ أي: يؤدونها بحقوقها وشروطها في أوقاتها، وعبر عن الأداء بالإقامة، إشارةً إلى أن الصلاة عماد الدين، وفي "المفردات": إقامة الصلاة: توفية شرائطها لا الإتيان بهيئتها، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: يعطونها بشرائطها إلى مستحقيها المذكورين في آية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بمجيء الدار الآخرة بما فيها من الحساب والميزان, والجزاء على الأعمال، سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون فلا يشكون في البعث والحساب والجزاء، وإعادة لفظة ﴿هم﴾ للتوكيد في الإيقان بالبعث والحساب، ولما حيل بينه وبين خبره بقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾. وخص هذه العبادات الثلاث؛ لأنها عمدة العبادات.
стр. 9950
والمعنى (١): أي هذه آيات الكتاب الهادي من الزيغ، الشافي من الضلال، لمن أحسنوا العمل واتبعوا الشريعة، فأقاموا الصلاة على الوجه الأكمل، الذي رسمه الدين في أوقاتها، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، ورغبوا إلى الله في ثواب ذلك، لم يراؤوا به ولا اْرادوا به جزاءً ولا شكورًا،
٥ - ولما كان المتصفون بهذه الخصال هم الغاية في الهداية والفلاح .. قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المحسنون المتصفون بتلك الصفات الجليلة كائنون ﴿عَلَى هُدًى﴾ وبيان كائن ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بين لهم طريقهم ووفقهم، وفي الآية (٢) دليل على أن العبد لا يهتدي بنفسه إلا بهداية الله تعالى، ألا ترى أنه قال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو رد على المعتزلة، فإنهم يقولون: العبد يهتدي بنفسه، قال بعضهم: ثلاث من علامات الهدى: الاسترجاع عند المصيبة، والاستكانة عند النعمة، وترك الامتنان عند العطية.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: المذكورون ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مهروب، لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح، وكرر اسم الإشارة تنبيهًا على عظم قدرهم، قال في "المفردات": الفلاح: الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، والأخروي: أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنًى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل، ولذلك قيل: لا عيش إلا عيش الآخرة، ألا ترى إلى قوله ﵇: "المؤمن لا يخلو عن قلة أو علة أو ذلة" يعني: ما دام في الدنيا، فإنها دار البلايا والمصائب والأوجاع.
٦ - ولما ذكر (٣) من صفات القرآن الحكمة وأنه هدى ورحمة، وأن متبعه فائز .. ذكر حال من بدل الحكمة باللهو، وذكر مبالغته في ارتكابه، حتى جعله مشتريًا له وباذلًا فيه رأس عقله، وذكر علته وأنها الإضلال عن طريق الله سبحانه
стр. 9951
وتعالى فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: وبعض الناس، فهذا مبتدأ، وخبره قوله: ﴿مَنْ يَشْتَرِي﴾؛ أي: وبعض الناس يشتري ويستبدل ويختار ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ وسفاسفه على ذكر الله وعبادته، و ﴿من﴾ (١) مفرد لفظًا، جصع معنى، وروعي لفظها أولًا في ثلاثة ضمائر: ﴿يَشْتَرِي﴾ و ﴿يضل﴾ و ﴿يتخذ﴾. وروعي معناها ثانيًا في موضعين: وهما: ﴿أُولَئِكَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ ثم رجع إلى مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر: وهي: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ .. إلخ. اهـ. "شيخنا".
والاشتراء: دفع الثمن وأخذ المثمن، والبيع: دفع المثمن وأخذ الثمن، وقد يتجوز بالشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شيء.
والمعنى هاهنا: يستبدل ويختار ما يشغله عن مهماته، وليس بمهم بدل مهماته، وقال الحسن: الحديث: كل ما يشغل عن عبادة الله وذكره، من السمر والأضاحيك والخرافات والمغنيات، والمزامير والمعازف والملاهي، والإضافة في لهو الحديث على معني من، لأن اللهو يكون حديثًا وغيره، هو كثوب خز.
وقال القرطبي: إن أول ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو الحديث بالغناء، قال: وهو قول الصحابة والتابعين. اهـ. "شيخنا"
أي: يختار ويأخذ لهو الحديث بدل ما ينفعه في الآخرة، وهو استماع القرآن والعمل به، وعبارة "الروح" هاهنا (٢): ولهو الحديث: كل ما يلهي ويشغل صاحبه عما يعني من المهمات، كالأحاديث التي لا أصل لها، والأساطير التي لا اعتداد بها، والأضاحيك، وسائر ما لا خير فيه من الكلام، والحديث: يستعمل في قليل الكلام وكثيره؛ لأنه يحدث شيئًا فشيئًا.
وقال أبو عثمان النهدي: كل كلام سوى كتاب الله، أو سنة رسوله، أو سيرة الصالحين فهو لهو، وفي "التأويلات النجمية": كل ما يشغل عن الله ذكره ويحجب عن الله سماعه، فهو لهو الحديث، والإضافة فيه بمعنى من البيانية، كما مر، إن أريد بالحديث المنكر, لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فأضيف
стр. 9952
العام إلى الخاص للبيان، كأنه قيل: من يشتري اللهو الذي هو الحديث، وبمعنى من التبعيضية إن أريد به الأعم من ذلك، كأنه قيل: من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه، وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، قتله رسول الله ﷺ صبرًا، حين فرغ من وقعة بدر.
أي: كان يشتري بماله كتبًا فيها لهو الحديث، وباطل الكلام من فارس، ويحدث بها قريشًا في أنديتهم، ولعلها كانت مترجمة بالعربية. ﴿لِيُضِلَّ﴾ الناس ويصرفهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: عن دينه الحق الموصل إليه، أو ليضلهم ويمنعهم بتلك الكتب المزخرفة عن قراءة كتاب الله الهادي إليه، وإذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا، واللام فيه للتعليل.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لِيُضِلَّ﴾ بضم الياء؛ أي: ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد وورش وابن أبي إسحاق: بفتح الياء، أي: ليضل هو في نفسه، قال الزجاج: من قرأ بضم الياء .. فمعناه ليضل غيره، فإذا أضل غيره .. فقد ضل هو، ومن قرأ بفتح الياء .. فمعناه ليصير أمره إلى الضلال، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة فإنه يصير أمره إلى ذلك، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيده سبب نزول الآية.
حال كونه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: حال كونه جاهلًا بحال ما يشتريه ويختار، هل ينفعه أو يضره، أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن؛ أي: أو جاهلًا بحال تجارته هل تخسره أو تربح له، فلهذا استبدل الخير بما هو شر محض ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنصب عطفًا على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والضمير المنصوب لـ ﴿سَبِيلِ﴾، فإنه مما يذكر ويؤنث؛ أي: وليتخذها ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: مهزوءًا بها ومستهزأةً، وبالرفع عطفًا على يشتري فهو من جملة الصلة، وقيل: الرفع على الاستئناف، والضمير المنصوب في يتخذها إلى الآيات المتقدم ذكرها، والأول أعني العطف على
стр. 9953
يشتري أولى من الاستئناف.
والمعنى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث، ويتخذ آيات الله هزوًا ليضل عن سبيل الله.
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وحفص (١): ﴿ويتخذها﴾ بالنصب عطفًا، على ﴿لِيُضِلَّ﴾. وقرأ باقي السبعة: بالرفع عطفًا على ﴿يَشْتَرِي﴾.
وحاصل معنى الآية: أي (٢) ومن الناس فريق يتخذ ما يتلهى به عن الحديث النافع للإنسان في دينه، فيأتي بالخرافات والأساطير والمضاحيك، وفضول الكلام، كالنضر بن الحارث، الذي كان يشتري الكتب ويحدث بها الناس، وربما اشترى الفتيات وأمرهن بمعاشرة من أسلم، ليحملهم على ترك الإِسلام، وما مقصده من ذلك إلا الإضلال والصد عن دين الله، وقراءة كتابه واتخاذه هزوًا ولعبًا.
وعن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر في الطريق، فسمع مزمارًا فوضع إصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟ قلت: لا، فأخرج إصبعيه من أذنيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع. وعن ابن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان".
والخلاصة: أن سماع الغناء الذي يحرك النفوس، يبعثها على اللهو والمجون، بكلام يشبب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات، لا خلاف في تحريمه، أما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح، كالعرس والعيد، وحين التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة - عبد أسود - كان يقول راحلة نساء النبي ﷺ عام حجة الوداع، وأما طبل الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو،
стр. 9954
فقد ضرب بين يدي النبي ﷺ يوم دخل المدينة، فهم أبو أبكر بالزجر فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يا أبا بكر، حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح" فكن يضربن ويقلن:
نَحْنُ بَنَاتُ النَّجَّارِ ... حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ
ولا بأس في استعمال الطبل والدف في النكاح، وكذا الآلات المشهرة به، والغناء بما يحسن من الكلام مما لا رفث فيه، وسماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم لا يجوز.
ثم بين عاقبة أمرهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الاشتراء والإضلال ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ شديد ﴿مُهِينٌ﴾؛ أي: ذو إهانة وإذلال لهم، لإهانتهم الحق بإيثار الباطل عليه، وترغيب الناس فيه؛ أي: إنه كتب لهم العذاب والخزي يوم القيامة؛ لأنهم لما أهانوا الحق باختيارهم الباطل .. جوزوا بإهانتهم يوم الجزاء بعذاب يفضحهم ويخزيهم أمام الخلائق.
٧ - ثم أشار سبحانه إلى أن هذا داء قد استشرى في نفسه، فكلما تليت عليه آية .. ازداد إباءً ونفورًا، فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: على هذا المشتري المستهزىء (١)، أفرد الضمير فيه وفيما بعده، كالضمائر الثلاثة الأولى باعتبار لفظ من وجمع في ﴿أُولَئِكَ﴾ باعتبار معناه كما مر، قال في "كشف الأسرار": وهذا دليل على أن الآية السابقة نزلت في النضر بن الحارث.
﴿آيَاتُنَا﴾؛ أي: آيات كتابنا القرآنية ﴿وَلَّى﴾؛ أي: أعرض هذا المستهزىء عنها غير معتد بها حال كونه ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾؛ أي: مبالغًا في التكبر ودفع النفس عن الطاعة والإصغاء، وجملة قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ حال من ضمير ﴿وَلَّى﴾ أو من ضمير ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، والأصل: كأنه، فحذف ضمير الشأن، وخففت المثقلة؛ أي: كأن ذلك المعرض المتكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها, ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع؛ أي: حال كونه مشابهًا حاله حال من ﴿لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ وهو
стр. 9955
سامع، وفيه رمز إلى أن من سمعها لا يتصور منه التولية والاستكبار، لما فيها من الأمور الموجبة للإقبال عليها والخضوع لها.
وجملة قوله: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ (١) حال ثانية أو بدل من التي قبلها، أو حال من ضمير ﴿لَمْ يَسْمَعْهَا﴾؛ أي: حال كونه مشابهًا حاله حال من في أذنيه، وقر؛ أي: ثقل مانع من السماع، ﴿فَبَشِّرْهُ﴾؛ أي: فبشر ذلك المعرض ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: مؤلم؛ أي: فأخبره بأن العذاب لمفرط في الإيلام، لاحق به لا محالة، وذكر البشارة للتهكم.
أي (٢): وإذا تتلى آيات الكتاب الكريم على هذا الذي اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله .. يعرض عن سماعها ويولي مستكبرًا، كأن في أذنيه ثقلًا فلا يصيخ لها, ولا يأبه لتلقفها وتأملها، ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل كبره وعظمته قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: فبشر هذا المعرض وأوعده بالعذاب الذي يؤلمه ويقض مضجعه يوم القيامة.
فإن قلت (٣): لم زاد هنا ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ وحذفه في الجاثية حيث قال هنا: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ مع أنهما نزلا في النضر بن الحارث، حيث كان يعدل عن سماع القرآن إلى اللهو وسماع الغناء؟
قلت: لأنه تعالى بالغ في ذمه هنا، فناسب زيادة ذلك بخلاف ما في الجاثية.
٨ - ولما بين سبحانه حال من يعرض عن الآيات بين حال من يقبل عليها، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ بآياتنا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: عملوا بموجبها، قال في "كشف الأسرار": الإيمان التصديق بالقلب، وتحقيقه بالأعمال الصالحة،
стр. 9956
ولذلك قرن بينهما، وجعل الجنة مستحقة بهما، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: إن الذين آمنوا بالله وبآياته، ولم يعرضوا عنها بل قبلوها وعملوا بها ﴿لهم﴾ بمقابلة إيمانهم وأعمالهم ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾؛ أي: نعيم الجنات، فعكسه للمبالغة. وقيل: جنات النعيم: اسم لإحدى الجنات الثمانية، وهي دار الجلال، ودار السلام، ودار القرار، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم. كما روى وهب بن منبه عن ابن عباس ﵄ فجعل لهم جنات النعيم، كما جعل للفريق الأول العذاب المهين.
٩ - وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾. وقرأ زيد بن علي: خالدون (١) فيها على أنه خبر ثان لـ ﴿إن﴾. وقرأ الجمهور بالياء. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: وعدهم الله سبحانه جنات النعيم وعدًا، فهو مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن معنى ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ وعدهم بها ﴿حَقًّا﴾؛ أي: حق ذلك الوعد حقًا، فهو تأكيد لقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيضًا، لكنه مصدر مؤكد لغيره؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ وعد، وليس كل وعد حقًا.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لايغلب به غالب فيمنعه من إنجاز وعده أو تحقيق وعيده ﴿الْحَكِيمُ﴾ في كل أفعاله وأقواله، الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
ومعنى الآية (٢): أي إن الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة، فأتوا بما أمرهم به ربهم في كتابه، على لسان رسله، وانتهوا عما نهاهم عنه، لهم جنات ينعمون فيها بأنواع اللذات والمسار، من المآكل والمشارب والملابس والمراكب، ومما لم يخطر لأحدهم ببال، وهم فيها مقيمون دائمًا، لا يظعنون ولا يبغون عنها حولًا ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ أي: ما أخبرنا به كائن لا محالة؛ لأنه وعد الله الذي لا يخلف وعده، وهو الكريم المنان على عباده ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: وهو الشديد في انتقامه من أهل الشرك به،
стр. 9957
الصادين عن سبيله الحكيم، في تدبير خلقه، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة لهم.
١٠ - ثم بين سبحانه عزته وحكمته بقوله: ﴿خَلَقَ﴾ الله وأوجد ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ السبع وكذا الكرسي والعرش ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾؛ أي: بغير دعائم وسواري، على أن الجمع لتعدد السماوات، والعمد، بفتحتين: جمع عماد، كأهب وإهاب، وهو ما يعمد به؛ أي: يسند، والأولى أن تكون جملة ﴿تَرَوْنَهَا﴾ مستأنفة، جيء بها للاستشهاد على ما ذكر من خلقه تعالى إياها غير معمودة بمشاهدتهم لها كذلك، ويحتمل أن تكون في محل جر صفة لعمد؛ أي: خلقها بغير عمد مرئية على أن التقييد للرمز، على أنه تعالى عمدها بعمدٍ لا ترى، هي عمد القدرة.
واعلم: أن وقوف السماوات وثبات الأرض على هذا النظام، من غير اختلال، إنما هو بقدرة الله الملك المتعال. ﴿وَأَلْقَى﴾ وطرح ﴿الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت في نفسها، وثبت بها الأرض، شبه الجبال الرواسي استحقارًا لها، واستقلالًا لعددها، وإن كانت خلقًا عظيمًا بحصيات قبضهن قابض بيده، فنبذهن في الأرض، وما هو إلا تصوير وتمثيل لقدرته، وإن كل فعل عظيم يتحير فيه الأذهان، فهو هين عليه، والمراد: قال لها: كوني، فكانت فأصبحت الأرض قد أرسيت بالجبال، بعد أن كانت تمور مورًا؛ أي: تضطرب اضطرابًا، فلم يدر أحد مم خلقت.
وقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ الأرض، تتحرك وتضطرب ﴿بِكُمْ﴾ في محل نصب على العلة؛ أي: ألقى فيها رواسي كراهية أن تميد بكم، والكوفيون يقدرونه لئلا تميد بكم.
والمعنى (١): أنه خلقها وجعلها مستقرةً ثابتةً لا تتحرك، بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها، والميد (٢): اضطراب الشيء العظيم كاضطراب الأرض، والمعنى: كراهية أن تميل بكم، فإن بساطة أجزائها تقتضي تبدل أحيازها
стр. 9958
وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته، أو لشيء من لوازمه بحيز معين ووضع مخصوص.
﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾؛ أي: وفرق الله سبحانه في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؛ أي: من كل نوع من أنواع الدواب مع كثرتها واختلاف أجناسها، وبث الشيء: تفريقه، كبث الريح التراب، فبث كل دابة في الأرض إشارة إلى إيجاده تعالى، ما لم يكن موجودًا وإظهاره إياه، والدب والدبيب: مشي خفيف - كما سيأتي - ويستعمل ذلك في الحيوان وفي الحشرات أكثر.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب؛ لأن السماء في اللغة: ما علاك وأظلك، ﴿مَاءً﴾ هو المطر ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض بسبب ذلك الماء، والالتفات إلى نون العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الاعتناء بأمرهما ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: صنف ﴿كَرِيمٍ﴾؛ أي: كثير المنفعة، ووصفه بكونه كريمًا لحسن لونه وكثرة منافعه، وقيل المراد بذلك: الناس، فالكريم منهم من يصير إلى الجنة، واللئيم من يصير إلى النار، قاله الشعبي وغيره، والأول أولى.
واعلم: أن كل ما في العالم فهو زوج، من حيث إن له ضدًا ما، أو مثلًا ما، أو تركبًا ما، من جوهر وعرض مادة وصورة، وفيه تنبيه على أنه لا بد للمركب من مركب، وهو الصانع الفرد.
ومعنى الآية (١): أي ومن الأدلة على قدرته البالغة، وحكمته الظاهرة: أن خلق السماوات السبع بغير عمد تستند إليه، بل هي قائمة بقدرة الحكيم الفعال لما يشاء، وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة الرعد، وأن ألقى في الأرض، وجعل على ظهرها ثوابت الجبال، لئلا تضطرب بكم وتميد بالمياه المحيطة بها الغامرة لأكثرها، وأن بث فيها من كل دابة؛ أي: وأن ذرأ فيها من أصناف الحيوان ما لا يعلم عددها، ومقادير أشكالها وألوانها، إلا الذي فطرها، وأن أنزلنا من السماء ماء، فكان ذلك سببًا لإنبات كل صنف كريم من النبات ذي المنافع الكثيرة،
١١ - ثم
стр. 9959
بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله وأنشأه، فأروني ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة فقال: ﴿هَذَا﴾ الذي ذكر من السماوات والأرض والجبال والحيوان والنبات ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾؛ أي: مخلوقة، كضرب الأمير؛ أي: مضروبه، فأقيم المصدر مقام المفعول توسعًا؛ أي: هذا الذي تشاهدونه من السماوات والأرض وما فيهما من الخلق، مخلوق الله وحده، دون أن يكون له شريك في ذلك.
﴿فَأَرُونِي﴾؛ أي (١): فأخبروني أيها المشركون الذين يعبدون هذه الأصنام والأوثان ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى؛ أي: أي شيء خلق الذين من دونه تعالى مما اتخذتموه شركاء له سبحانه في العبادة، حتى استحقوا به العبودية، كما استحق ذلك عليكم خالقكم وخالق هذه الأشياء التي عددتها لكم، و ﴿مَاذَا﴾ بمنزلة اسم واحد بمعنى: أي شيء، نصب بـ ﴿خَلَقَ﴾، أو ما مرفوع بالابتداء وخبره ذا وصلته، و ﴿أَرُونِي﴾: معلق عنه على كلا التقديرين، والاستفهام: للتقريع والتوبيخ، والمعنى: فأروني أي شيء خلقوا مما يحاكي خلق الله أو يقاربه، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت.
ثم انتقل من توبيخهم بما ذكر إلى تسجيل الضلال عليهم، المستدعي للإعراض عنهم، وعدم مخاطبتهم بالمعقول من القول، لاستحالة أن يفهموا منه شيئًا فيهتدوا إلى بطلان ما هم عليه فقال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: بل المشركون بالله، العابدون معه غيره من أهل مكة وغيرهم ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: في خطأ واضح ظاهر لا اشتباه فيه لمن تأمله ونظر فيه، فأنى لهم أن يرعووا عن غي أو يهتدوا إلى رشد وحق.
فقرر ظلمهم أولًا، وضلالهم ثانيًا، ووصف ضلالهم بالوضوح والظهور، ومن كان هكذا فلا يعقل الحجة، ولا يهتدي إلى الحق.
стр. 9960
قصة لقمان الحكيم
١٢ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشك. اهـ. "أبو السعود". واختلف في لقمان هل هو عجمي أم عربي، مشتق من اللقم، مرتجلًا إذ لا يعلم له وضع في النكرات، فمن قال: إنه عجمي .. منعه للتعريف والعجمة، ومن قال: إنه عربي .. منعة للتعريف وزيادة الألف والنون، واختلفوا أيضًا هل هو نبي أم رجل صالح، فذهب أكثر أهل العلم أنه ليس بنبي، وحكى الواحدي عن عكرمة والسدي والشعبي: أنه كان نبيًا، والأول أرجح، وقيل: لم يقل بنبوته إلا عكرمة فقط، مع أن الراوي لذلك عنه جابر الجعفي، وهو ضعيف جدًا، وهو لقمان بن باعورا بن ناحور بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، فعلى هذا هو ابن أخي إبراهيم ﵇، وقيل: هو لقمان بن عنقا بن سرون، كان عبدًا نوبيًا من أهل أيلة، ذكره السهيلي، أسود اللون ولا ضير، فإن الله تعالى لا يصطفي عباده اصطفاء نبوة أو ولاية وحكمة على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم، وقيل: كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته، وقيل: إنه عاش ألف سنة حتى أدرك داود وأخذ عنه العلم، كان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطع الفتوى، فقيل له: فقال: ألا أكتفي إذ كفيت.
وفي بعض الكتب: قال لقمان: خدمت أربعة آلاف نبي، واخترت من كلامهم ثماني كلمات: إن كنت في الصلاة .. فاحفظ قلبك، وإن كنت في الطعام .. فاحفظ حلقك، وإن كنت في بيت الغير .. فاحفظ عينيك، وإن كنت بين الناس .. فاحفظ لسانك، واذكر اثنين، وأنس اثنين، أما اللذان تذكرهما: فالله والموت، وأما اللذان تنساهما: إحسانك في حق الغير، وإساءة الغير في حقك.
وقيل: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، وقيل: كان خياطًا، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة، فقال: ألست فلانًا الراعي؟ قال: بلى، قال: فبم بلغت ما بلغت، قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك مالا
стр. 9961
يعنيني. وقيل: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقيل: خير السودان بلال بن رباح، ومهجع مولى عمر، ولقمان، والنجاشي رابعهم، وأوتي الحكمة والعقل والفهم.
واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يقل نبيًا إلا عكرمة والشعبي، فقالا بنبوته، وعلى هذا تكون الحكمة هي النبوة، ويؤيد كونه حكيمًا لا نبيًا كونه أسود اللون؛ لأنه تعالى لم يبعث نبيًا إلا حسن الشكل حسن الصوت، وما روي أنه قيل له: ما أقبح وجهك يا لقمان، فقال: أتعيب بهذا على النقش أم على النقاش، وما قال ﵇: "حقًا أقول لم يكن لقمان نبيًا، ولكن كان عبدًا كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة" وهي إصابة الحق باللسان، وإصابة الفكر بالجنان، واصابة الحركة بالأركان، إن تكلم .. تكلم بحكمة، وإن تفكر .. تفكر بحكمة، وإن تحرك .. تحرك بحكمة.
أي: وعزتي وجلالي لقد أعطينا لقمان الحكمة؛ أي: العقل والفطنة والإصابة في القول، وقيل: الحكمة: توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة، وقد نسب إليه من المقالات الحكيمة شيء كثير، كقوله لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثيرون، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحشوها الإيمان, وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو ولا أراك ناجيًا وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه .. زاده الله بذلك عزًا، والذلّ في طاعة الله، أقرب من التعزز بالمعصية وقوله: يا بني، لا تكن حلوًا فتبتلع، ولا مرًا فتلفظ. وقوله: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلًا .. فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه .. فآخه، وإلا فاحذره.
ولما كانت الحكمة من إنعام الله تعالى على لقمان، ونعمة من نعمه .. طالبه بشكره فقال: وقلنا له: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ على ما أعطاك من الحكمة، إذ آتاك الله إياها وأنت نائم غافل عنها جاهل بها، والشكر لله: هو الثناء عليه في مقابلة النعمة، وطاعته فيما أمر به.
стр. 9962
والظاهر: أن ﴿أَنِ﴾: زائدة على هذا التفسير؛ أي: قلنا له: اشكر لله على ما أعطاك، وقيل: هي مفسرة؛ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول؛ لأنه تعليم أو وحي.
والمعنى عليه: ولقد أعطينا لقمان الحكمة ووفقناه إياها، وهي شكره وحمده على ما آتاه من فضله، بالثناء عليه بما هو أهل له، وحب الخير للناس، وتوجيه الأعضاء إلى ما خلقت له.
ثم بين سبحانه أن الشكر لا ينتفع به إلا الشاكر، فقال: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ له تعالى على نعمه ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن منفعة شكره التي هي دوام النعمة واستحقاق مزيدها، عائدة إليها مقصورة عليها, ولأن الكفران من الوصف اللازم للإنسان، فإنه ظلوم كفار، والشكر من صفة الحق تعالى، فإن الله شاكر عليم، فمن شكر .. فإنما يشكر لنفسه بإزالة صفة الكفران عنها، واتصافها بصفة شاكرية الحق تعالى، فيفوز بالثواب الجزيل على شكره، وينجو من العذاب الأليم، كما قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ نعمة ربه فعليه وبال كفره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿غَنِيٌّ﴾ عنه وعن شكره ﴿حَمِيدٌ﴾؛ أي: محمود في ذاته وصفاته وأفعاله، سواء حمده العباد وشكروه، أم كفروه، ولا يحيى عليه أحد ثناء كما يثني هو على نفسه، وعدم التعرض لكونه تعالى شكورًا، لما أن الحمد متضمن للشكر، وهو رأسه، كما قال ﵇: "الحمد رأس الشكر، لم يشكر الله عبد لم يحمده" فإثبات الحمد له تعالى إثبات للشكر، قال في "كشف الأسرار": رأس الحكمة: الشكر لله ثم المخافة منه، ثم القيام بطاعته. ولا شك أن لقمان امتثل أمر الله في الشكر وقام بعبوديته.
والمعنى: أي ومن كفر نعم الله عليه .. فإلى نفسه أساء؛ لأن الله معاقبه على كفرانه إياها، والله غني عن شكره؛ لأن شكره لا يزيد في سلطانه، وكفرانه لا ينقص من ملكه، وهو محمود على كل حال كفر العبد أو شكر. وقال يحيى بن سلام: غني عن خلقه، حميد في فعله.
стр. 9963
وعن عبد الله بن دينار: أن لقمان قدم من سفر، فلقي غلامه في الطريق فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله، ملكت أمري، قال: وما فعلت أمي؟ قال: قد ماتت، قال: ذهب همي، قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جدد فراشي، قال: ما فعلت أختي: قال: ماتت، قال: سترت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري، وانكسر جناحي، ثم قال: ما فعل ابني؟ قال: مات، قال انصدع قلبي.
وقال في "فتح الرحمن": وقبر لقمان بقرية صرفند، ظاهر مدينة الرملة من أعمال فلسطين - بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين - وهي البلاد التي بين الشام وأرض مصر، منها الرملة وغزة وعسقلان، وعلى قبره مشهد، وهو مقصود بالزيارة، وقال قتادة: قبره بالرملة ما بين مسجدها وسوقها، وهناك قبور سبعين نبيًا ماتوا بعد لقمان جوعًا في يوم واحد، أخرجهم بنو إسرائيل من القدس، فألجؤوهم إلى الرملة، ثم أحاطوهم هنا. انتهى.
١٣ - وجملة قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ قيل: معطوفة على ما تقدم، والتقدير: ولقد آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرًا في نفسه، وحين جعلناه واعظًا لغيره، والأولى أن تكون ﴿وَإِذْ﴾ معمولة لـ: اذكر محذوفًا؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة وقت قول لقمان ﴿لِابْنِهِ﴾ قيل: اسمه أنعم، فهو أبو أنعم؛ أي: يكنى به، كما قالوا. وقال السهيلي: اسم ابنه ثاران، في قول ابن جرير والقتيبي، وقال الكلبي: اسمه مكشم، وقال النقاش: أنعم، وقيل: ماتان، قال القشيري: كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال يعظهما حتى أسلما، قيل: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جنبه، وجعل يعظ ابنه موعظةً موعظةً، ويخرج خردلةً خردلةً، فنفذ الخردل، فقال: يا بني وعظتك موعظةً، لو وعظتها جبلًا .. لتفطر، فتفطر ابنه ومات.
﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أن لقمان ﴿يَعِظُهُ﴾؛ أي: يعظ الابن، والوعظ: زجر يقترن بتخويف؛ أي: يخاطبه بالمواعظ التي ترغبه في التوحيد، وتصده عن الشرك. ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بالتصغير والإضافة إلى ياء المتكلم - بالفتح والكسر - وهو تصغير
стр. 9964
رحمة وشفقة وعطوفة، ولهذا أوصاه بما فيه سعادته إذا عمل بذلك.
وقرأ البزي وابن كثير (١): ﴿يا بني﴾ بإسكان الياء، ﴿ويا بني إنها﴾ بكسر الياء. ﴿ويا بني أقم﴾ بفتحها. وقيل: بالسكون في الأولى والثالثة. والكسر في الوسطى، وقرأ حفص والمفضل عن عاصم بالفتح في الثلاثة على تقدير يا بنيا، والاجتزاء عن الألف، وقرأ باقي السبعة بالكسر في الثلاثة.
﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: لا تعدل بالله شيئًا في العبادة، ونهيه عن الشرك يدل على أنه كان كافرًا، كما تقدم، وجملة قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تعليل لما قبلها؛ أي: أنه تسوية من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة منه، وبدأ في وعظه بنهيه عن الشرك؛ لأنه أهم من غيره، وأما عظمه، فلأنه لا يغفر أبدًا، قال الشاعر:
الْحَمْدُ للهِ لَا شَرِيْكَ لَهُ ... وَمَنْ أبَاهَا فَنَفْسَهُ ظَلَمَا
وكان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما، بخلاف ابن نوح وامرأته، فإنهما لم يسلما، وبخلاف ابنتي لوط وامرأته، فإنه ابنتيه أسلمتا دون امرأته، ولذا ما سلمت فكانت حجرًا، كما في بعض الروايات، كما سبق، قيل: وعظ لقمان ابنه في ابتداء وعظه على مجانبة الشرك، والوعظ: زجر النفس عن الاشتغال بما دون الله، وهو التفريد للحق بالكل نفسًا وقلبًا وروحًا، فلا تشتغل بالنفس إلا بخدمته، ولا تلاحظ بالقلب سواه، ولا تشاهد بالروح غيره، وهو مقام التفريد بالتوحيد.
وقد اختلف في هذه الجملة (٢)، فقيل: هي من كلام لقمان، وقيل: من كلام الله تعالى، فتكون منقطعة عما قبلها، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح: أنها لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فطابت أنفسهم. أخرجه البخاري عن ابن مسعود ﵁.
стр. 9965
ومعنى الآية (١): أي واذكر أيها الرسول الكريم لقومك موعظة لقمان لابنه، وهو أشفق الناس عليه وأحبهم لديه، حين أمره أن يعبد الله وحده، ونهاه عن الشرك، وبين له أنه ظلم عظيم، أما كونه ظلمًا فلما فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وأما أنه عظيم، فلما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه، وهو ، ومن لا نعمة لها، وهي الأصنام والأوثان.
١٤ - وبعد أن ذكر سبحانه ما أوصى به لقمان ابنه، من شكر المنعم الأول، الذي لم يشركه أحد في إيجاده إياه، وذكر ما في الشرك من الشناعة .. أتبعه بوصيته الولد بالوالدين، لكونهما السبب في وجوده، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: اعتراض في أثناء وصية لقمان، تأكيدًا لما فيها من النهي عن الشرك؛ أي: وأمرنا (٢) الإنسان ببر والديه وطاعتهما، والقيام بحقوقهما وبالإحسان إليهما، وكثيرًا ما يقرن القرآن بين طاعة الله وبر الوالدين، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وفسر الوصية بقوله الآتي: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وما بينهما: اعتراض بين المفسَّر والمفسِّر، وفي جعل الشكر لها مقترنًا بالشكر لله، دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد، وأكبرها وأشدها وجوبًا.
ومعنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ في بطنها ﴿وَهْنًا﴾؛ أي: حالة كونها ذات وهن وضعف بحمله، أو تهن وهنًا ﴿عَلَى وَهْنٍ﴾؛ أي: تضعف ضعفًا فوق ضعف، فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها؛ أي: حملته وهي في ضعف بتزايد بازدياد ثقل الحمل إلى حين الطلق، ثم مدة النفاس، وقيل: المعنى: إن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل، وهذه منة خاصة بالوالدة لما فيها من كبير المشقة.
وقرأ الجمهور: ﴿وهنًا﴾ بسكون الهاء في الموضعين، وقرأ عيسى الثقفي - وهي رواية عن أبي عمرو: بفتحمهما وهما لغتان، ثم أردفها بمنة أخرى، وهي الشفقة عليه، وحسن كفالته حين لا يملك لنفسه شيئًا، فقال: ﴿وَفِصَالُهُ﴾: مبتدأ
стр. 9966
خبره ﴿فِي عَامَيْنِ﴾؛ أي (١): وفطام الإنسان من اللبن يقع في تمام عامين من وقت الولادة، وهي مدة الرضاع عند الشافعي، فلا يثبت حرمة الرضاع بعدها، فالإرضاع عنده واجب إلى الاستغناء، ويستحب إلى الحولين، وجائز إلى حولين ونصفٍ، قال في "الوسيط": المقصود ذكر مشقة الوالدة، بإرضاع الولد بعد الوضع عامين.
وقرأ الجمهور: ﴿وفصاله﴾ بالألف، وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة والجحدري ويعقوب ﴿وفصله﴾ ومعناه الفطام، وهما لغتان.
والمعنى: أي وفطامه من الرضاع بعد وضعه في تمام عامين، تقاسي فيها الأم في رضاعه وشؤونه في تلك الحقبة جم المصاعب والآلام، التي لا يقدر قدرها إلا العليم بها، ومن لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وقد وصى (٢) بالوالدين، لكنه ذكر السبب في جانب الأم فحسب؛ لأن المشقة التي تلحقها أعظم، فقد حملته في بطنها ثقيلًا، ثم وضعته وربته ليلًا ونهارًا، ومن ثم قال ﷺ لمن سأله من أبر: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك، ثم فسر هذه الوصية بقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ والأولى أن تكون ﴿أَنِ﴾ مفسرة؛ أي: قلنا له: اشكر لي حيث أوجدتك وهديتك بالإِسلام، واشكر لوالديك حيث ربياك صغيرًا، وقاسا فيك ما قاسا من المشقة، حتى استحكمت قواك، وشكر الحق بالتعظيم والتكبير، وشكر الوالدين بالإشفاق والتوقير، وقال الزجاج: هي مصدرية، والمعنى: بأن اشكر لي، وقال النحاس: وأجود منه أن تكون ﴿أَنِ﴾ مفسرة، وفي "شرح الحكم": قرن شكرهما بشكره، إذ هما أصل وجودك المجازي، كما أن أصل وجودك الحقيقي فضله وكرمه، فله حقيقة الشكر، كما له حقيقة النعمة، ولغيره مجازه، كما لغيره مجازها.
وفي الحديث: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" فجعل شكر الناس شرطًا
стр. 9967
في صحة شكره تعالى. ثم حق المعلم (١) في الشكر فوق حق الوالدين، سئل الاسكندر، قيل له: ما بالك تعظم مؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟ فقال: أبي حطني من السماء إلى الأرض، ومؤدبي رفعني من الأرض إلى السماء: وقيل لبعضهم: ما بالك تعظيمك لمعلمك أشد من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية.
ثم علل الأمر بشكره محذرًا إياه بقوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: إلى الرجوع لا إلى غيري، فأجازيك على شكرك وكفرك، ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إليه، حيث لا حاكم ولا مالك سواه.
والمعنى: إليّ رجوعك بالبعث بعد الموت، لا إلى غيري، فأجازيك على ما صدر منك مما يخالف أمري، وسائلك عما كان من شكرك لي، على نعمي عليك، وعلى ما كان من شكرك لوالديك وبرك بهما.
قال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى -: من صلى الصلوات الخمس .. فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس .. فقد شكر والديه. وفي الحديث: "من أحب أن يصل أباه في قبره .. فليصل إخوان أبيه من بعده، ومن مات والداه وهو غير بار لهما، وهي حي .. فليستغفر لهما ويتصدق لهما حتى يكتب بارًا لوالديه، ومن زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة .. كان بارًا".
فإن قلت (٢): كيف وقعت الآيتان في أثناء وصية لقمان لابنه؟.
قلت: هما من الجمل الاعتراضية التي لا محل لها من الإعراب، اعترض بها بين كلامين متصلين معنًى، تأكيدًا لما في وصية لقمان لابنه من النهي عن الشرك.
فإن قلت: لم فصل بين الوصية ومفعولها بقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ
стр. 9968
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؟.
قلت: تخصيصًا للأم بزيادة التأكيد في الوصية، لما تكابده من المشاف.
١٥ - وبعد أن ذكر سبحانه وصيته بالوالدين، وأكد حقهما ووجوب طاعتهما، استثنى من ذلك حقوقه تعالى؛ فإنه لا يجب طاعتهما فيما يغضبه، فقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وإن كلفك الولدان أيها الإنسان وحملاك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ في العبادة ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾؛ أي: بشركته إياي في استحقاق العبادة ﴿عِلْمٌ﴾ (١) أراد بنفي العلم به نفيه من أصله؛ أي: لا تشرك بي ما ليس بشيء، يريد الأصنام ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في الشرك، يعني أن خدمة الوالدين وطاعتهما - وإن كانت عظيمة - فلا يجوز للولد أن يطيعهما في معصية الله تعالى، أيًا كانت شركًا أو غيره؛ أي: فلا تطعهما فيما أمراك به، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به.
روي أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، قال: لما أسلمت .. حلفت أمي لا تأكل طعامًا، ولا تشرب شرابًا، فناشدتها أول يوم فأبت، وصبرت، فلما كان اليوم الثاني ناشدتها فأبت، فلما كان اليوم الثالث ناشدتها، فأبت، فقلت: والله لو كانت لك مئة نفس، فخرجت واحدة واحدة .. لم أدع ديني هذا، فلما رأت ذلك منى وعرفت أنني لست تاركًا له أكلت.
﴿وَصَاحِبْهُمَا﴾؛ أي: وصاحب الوالدين، وعاشرهما أيها الولد ﴿فِي﴾ أمور ﴿الدُّنْيَا﴾ وشؤونها صحابًا ﴿مَعْرُوفًا﴾؛ أي: صحبةً معروفةً في الشرع، يرتضيها الدين ويقتضيها الكرم والمروءة، بإطعامهما وكسوتهما وعدم جفائهما، وعيادتهما إذا مرضًا، ومواراتهما في القبر إذا ماتا، وفي "الخطيب"؛ أي: صاحبهما في أمور الدنيا التي لا تتعلق بالدين ما دمت حيًا ببرهما، إن كانا على دين يقران عليه، ومعاملتهما بالحلم والاحتمال، وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالم الشيم. اهـ.
وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ إشارة (٢) إلى تهوين أمر الصحبة؛ لأنها في أيام قلائل
стр. 9969
وشيكة الانقضاء، فلا يصعب عليك تحمل مشقتها، وفي الحديث: "حسن المصاحبة: أن يطعمهما إذا جاعا، وأن يكسوهما إذا عريا" فيجب على المسلم نفقة الوالدين ولو كانا كافرين، وبرهما وخدمتهما وزيارتهما، إلا أن يخاف أن يجلباه إلى الكفر، وحينئذ يجوز أن لا يزورهما, ولا يقودهما إلى البيعة، ويقودهما منها إلى المنزل، وقال بعضهم: المعروف هاهنا: أن يعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله تعالى.
ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة فيه .. نفى ذلك بقوله: ﴿وَاتَّبِعْ﴾ في الدين ﴿سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ ورجع ﴿إِلَيَّ﴾ بالتوحيد والإخلاص في الطاعة، وهم المؤمنون الكاملون من النبي ﷺ وأصحابه، ومن اتبعه إلى يوم الدين؛ أي: واسلك سبيل من تاب من تركه ورجع إلى الإِسلام، واتبع محمد ﷺ .
والخلاصة: واتبع سبيلي بالتوحيد والإخلاص والطاعة لا سبيلهما ﴿ثُمَّ﴾ بعد انقضاء حياتكم الدنيا ﴿إِلَيَّ﴾ لا إلى غيري ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: مرجعك ومرجعهما ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: فأخبركم وسائر العباد عند رجوعكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، فأجازي كلًّا منكم بما صدر منه من الخير والشر، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.
نبذة في ذكر أحاديث وآثار وردت في الحث على بر الوالدين
روي أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أمي هرمت، فأطعمها بيدي وأسقيها وأحملها على عاتقي، فهل جازيتها حقها؟ قال ﵇: "لا ولا واحدًا من مئة" قال: ولم يا رسول الله؟ قال: "لأنها خدمتك في وقت ضعفك، مريدة حياتك، وأنت تخدمها مريدًا مماتها, ولكنك أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا".
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أخاف عليكم تغير الأحوال عليكم بعدي .. لأمرتكم أن تشهدوا
стр. 9970
لأربعة أصناف بالجنة: أولهم امرأة وهبت صداقها لزوجها لأجل الله وزوجها راضٍ، والثاني: ذو عيال كثير، يجتهد في المعيشة لأجلهم حتى يطعمهم الحلال، والثالث: التائب من الذنب على أن لا يعود إليه أبدًا كاللبن لا يعود إلى الثدي، والرابع: البار بوالديه". ثم قال ﷺ : "طوبى لمن بر بوالديه، وويل لمن عقهما".
وعن عطاء بن يسار: إن قومًا سافروا فنزلوا بريةً فسمعوا نهيق حمار حتى أسهرهم طول الليل، فلما أصبحوا .. نظروا فرأوا بيتًا من شعر فيه عجوز، فقالوا: سمعنا نهيق حمار وليس عندك حمار؟ فقالت: ذاك ابني كان يقول لي: يا حمارة، فدعوت الله أن يصيره حمارًا، فذاك منذ مات ينهق كل ليلة حتى الصباح.
وعن وهب: لما خرج نوح ﵇ من السفينة .. نام فانكشف عورته، وكان عنده حام ولده فضحك ولم يستره، فسمع سام ويافث صنع حام، فألقيا عليه ثوبًا، فلما سمعه نوح ﵇ .. قال: غير الله لونك، فجعل السودان من نسل حام، فصار الذل لأولاده إلى يوم القيامة.
ثم إن الآية قد تضمنت النهي عن صحبة الكفار والفساق، والترغيب في صحبة الصالحين، فإن المقارنة مؤثرة، والطبع جذاب، والأمراض سارية، وفي الحديث: "لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنم أو جامعهم .. فهو منهم، وليس منا"؛ أي: لا تسكنوا مع المشركين في المسكن الواحد، ولا تجتمعوا معهم في المجلس الواحد، حتى لا تسري إليكم أخلاقهم الخبيثة، وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة، قال إبراهيم الخواص - رحمه الله تعالى -: دواء القلب خمسة: قراءة القرآن بالتدبر، وإخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع إلى الله تعالى عند السحر، ومجالسة الصالحين. كذا في "البستان".
١٦ - ثم عاد سبحانه إلى ذكر بقية وصايا لقمان لابنه، بعد أن نهى في مطلعها عن الشرك، وأكده بالاعتراض الذي ذكره بقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ قال مقاتل: إن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتاه، إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف
стр. 9971
يعلمها الله تعالى؟ فرد عليه لقمان، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا﴾؛ أي: إن الخطيئة أو إن القصة كما قاله المولى الجامي، أو إن الفعلة من الإساءة، أو الإحسان إن تك تلك الخطيئة أو الفعلة ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾؛ أي: وزن حبة واحدة من خردل؛ أي: مقدار ما هو أصغر المقادير التي توزن بها الأشياء من جنس الخردل، الذي هو أصغر الحبوب المقتاتة ﴿فَتَكُنْ﴾ تلك الخطيئة مع كونها في أقصى غايات الصغر ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ تحت الأرضين، وهي التي عليها الثور كما قيل، وهي لا في الأرض ولا في السماء؛ أي: في أخفى مكان وأحرزه، كجوف صخرة ماء، وقال المولى الجامي: في صخرة، هي أصلب المركبات، وأشدها منعًا لاستخراج ما فيها، انتهى.
وقال بعضهم: المراد بالصخرة (١): أية صخرة كانت, لأنه قال بلفظ النكرة. وعن ابن عباس ﵄: الأرض على الحوت، والحوت في الماء، والماء على صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرةٍ، والصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماوات ولا في الأرض، كذا في "التكملة". هذا ضعيف ليس له أصل، ﴿أَوْ﴾ تكن في ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مع ما بعدها، وفي بعض التفاسير: في العالم العلوي كمحدب السماوات ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ مع طولها وعرضها، وفي بعض التفاسير: في العالم السفلي كمقعر الأرض ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾؛ أي: يحضرها فيحاسب عليها؛ لأنه من يعمل مثقال ذرة خيرًا .. يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا .. يره.
والمعنى: أي (٢) يا بني، إن الفعلة من الإساءة والإحسان, إن تك وزن حبة من خردل، فتكن في أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة أو في أعلى مكان، كالسماوات أو في أسفله كباطن الأرض، يحضرها الله يوم القيامة، حين يضع الموازين القسط، ويجازي عليها، إن خيرًا .. فخير، وإن شرًا .. فشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.
стр. 9972
وقرأ نافع: ﴿مثقال﴾ بالرفع على أن ﴿تَكُ﴾ تامة، وتأنيثها لإضافة المثقال إلى الحبة. وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر، وباقي السبعة بالنصب على أن ﴿تَكُ﴾ ناقصة، واسمها: ضمير يفهم من سياق الكلام، تقديره: هي؛ أي: التي سألت عنها، وقرأ عبد الكريم الجزري: ﴿فتكن﴾ بكسر الكاف وشد النون وفتحها من الكن، وهو الشيء المغطى، وقراءة محمد بن أبي فجة البعلبكي: ﴿فتكن﴾ بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة، وقرأ قتادة: ﴿فتكن﴾ بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون، من وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته، ورويت هذه القراءة عن عبد الكريم الجزري أيضًا؛ أي: تستقر.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ من قول لقمان ﴿لَطِيفٌ﴾ يصل علمه إلى كل خفي، فإن أحد معاني اللطيف هو العالم بخفيات الأمور، ومن عرف أنه العالم بالخفيات .. يحذر أن يطلع عليه فيما هو فيه، ويثق به في علم ما يجهله، ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم بكنهه يعلم ظواهر الأمور وخوافيها.
قال في "شرح حزب البحر": الخبير: هو العلم بدقائق الأمور، التي لا يتوصل إليها غيره إلا بالاختيار والاحتيال، ومن عرف أنه الخبير .. ترك الرياء والتصنع لغيره بالإخلاص له، فالله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويحيط بأسرار الضمائر وبطون الخواطر ويحاسب عليها، سواء كانت في صخرة النفوس أو في سماء الأرواح، أو في أرض القلوب، وفيه تنبيه لأهل المراقبة، وتحذير من الملاحظات لاطلاع الحق على نوادر الخطرات وبطون الحركات.
١٧ - ولما (١) نهاه أولًا عن الشرك، وأخبره ثانيًا بعلمه تعالى وباهر قدرته .. أمره بما يتوسل به إلى الله تعالى من الطاعات، فبدأ بأشرفها، وهو الصلاة، حيث يتوجه إليه بها، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، أو على ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف، ممن يبعثه عليه، والنهي عن المنكر ممن ينكره عليه، فكثيرًا ما يؤذى فاعل ذلك، وهذا إنما يريد
стр. 9973
به بعد أن يمثل هو في نفسه فيأتي بالمعروف فقال:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ التي (١) هي أكمل العبادات، تكميلًا لنفسك من حيث العمل بعد تكميلها من العلم والاعتقادات؛ لأن النهي عن الشرك فيما سبق قد تضمن الأمر بالتوحيد، الذي هو أول ما يجب على الإنسان؛ أي (٢): أدّها كاملةً على النحو المرضي لما فيها من رضا الرب بالإقبال عليه والإخبات له، ولما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر، وإذا تم ذلك .. صفت النفس وأنابت إلى بارئها في السراء والضراء، كما جاء في الحديث: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وبعد أن أمره بتكميل نفسه توفيةً لحق الله عليه، عطف على ذلك تكميله لغيره فقال: ﴿وَأْمُرْ﴾ غيرك بقدر استطاعتك ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالمستحسن شرعًا وعقلًا، وحقيقته: ما يوصل العبد إلى الله تعالى. ﴿وَانْهَ﴾ الناس ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: عن المستقبح شرعًا وعقلًا وتكميلًا لغيرك، وحقيقته: ما يشغل العبد عن الله؛ أي: وانْهَهُمْ بقدر استطاعتك عن معاصي الله ومحارمه، التي توبق من اكتسبها، وتلقي به في عذاب السعير، في جهنم وبئس المصير.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ من أذى الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف أو نهيتهم عن المنكر، أو على ما أصابك من الشدائد والمحن، كالأمراض والفقر والهم والغم، والصبر: حبس النفس عما يقتضي الشرع أو العقل والكف عنه، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر؛ لأنهما عمادا الاستعانة إلى رضوان الله تعالى، كما قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
ثم ذكر علة ذلك فقال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي أوصيك به ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: من الأمور التي جعلها الله تعالى محتومة واجبةً على عباده، لا محيص عنها لما لها من جزيل الفوائد وعظيم المنافع في الدنيا والآخرة، كما دلت على ذلك تجارب الحياة، وأرشدت إليه نصوص الدين.
стр. 9974
ففيه (١) إطلاق المصدر؛ أي: العزم على المفعول؛ أي: المعزوم.
والمعنى: من معزومات الأمور ومقطوعاتها ومفروضاتها، بمعنى مما عزمه الله؛ أي: قطعه قطع إيجاب، وأمر به العباد أمرًا حتمًا، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل؛ أي: من عازمات الأمور وواجباتها ولازماتها من قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: جد. وفي هذا (٢) دليل على قدم هذه الطاعات والحث عليها في شريعة من تقدمنا، وبيان لهذه الأمة من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ينبغي أن يكون صابرًا على ما يصيبه في ذلك، إن كان أمره ونهيه لوجه الله؛ لأنه قد أصابه ذلك في ذات الله وشأنه.
١٨ - وبعد أن أمره بأشياء، حذّره من أخرى فقال:
١ - ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: ولا تعرض بوجهك، ولا تمل خدك عمن تكلمه من الناس، تكبرًا واحتقارًا له، بل أقبل عليه بوجهك كله، متهللًا مستبشرًا من غير كبرٍ ولا عتوٍ، ومن هذا ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".
وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وزيد بن علي (٣): ﴿تصعر﴾ بفتح الصاد وشد العين، وباقي السبعة: بألف. والجحدري: ﴿يصعر﴾ مضارع أصعر.
والمعنى: أقبل على الناس بجملة وجهك عند السلام والكلام واللقاء، تواضعًا، ولا تحول وجهك عنهم، ولا تغط شق وجهك وصفحته، كما يفعله المتكبرون استحقارًا للناس، خصوصًا الفقراء، وليكن الغني والفقير عندك على السوية في حسن المعاملة.
٢ - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ حال كونك ﴿مَرَحًا﴾؛ أي: ذا مرح وخيلاء وفرح
стр. 9975
شديد ونشاط وعجب وخفةً؛ أي: مشيًا كمشي المرح من الناس، كما يرى من كثيرهم، لا سيما إذا لم يتضمن مصلحة دينية أو دنيوية؛ أي: ولا تمش في الأرض مختالًا متبخترًا؛ لأن تلك مشية الجبارين المتكبرين الذين يبغون في الأرض، ويظلمون الناس، بل امش هونًا، فإن ذلك يفضي إلى التواضع، وبذا تصل إلى كل خير.
روى (١) يحيى بن جابر الطائي عن غضيف بن الحارث قال: جلست إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم، ما غرك بي، ألم تعلم أني بيت الوحدة، ألم تعلم أني بيت الظلمة، ألم تعلم أني بيت الحق، يا ابن آدم، ما غرك بي لقد كنت تمشي حولي فدادًا - ذا خيلاء وكبر -. وفي الحديث: "من جرّ ثوبه خيلاء .. لا ينظر الله إليه يوم القيامة".
ثم ذكر علة النهي بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُحِبُّ﴾ ولا يرضى ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ ومتبختر في مشيه ﴿فَخُورٍ﴾ على الناس، والمختال من الاختيال، وهو التكبر عن تخيل فضيلة فيه، كما سيأتي؛ أي: لا يرضى عن المتكبر المتبختر في مشيته، بل يسخط عليه، وهو بمقابلة الماشي مرحًا، والفخور: هو الذي يفتخر على الناس بما لَهُ من المالِ أو الشرف أو القوة أو غير ذلك، وليس منه التحدث بنعم الله عليه، فإن الله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وهو بمقابلة المصعر خده، وتأخيره لرعاية الفواصل.
وفي الحديث: "خرج رجل يتبختر في الجاهلية، عليه حقة، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
قال بعض الحكماء (٢): إذا افتخرت بفرسك .. فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك .. فالجمال لها دونك، وإن افتخرت بآبائك .. فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء .. لقالت: هذه محاسننا فما لك
стр. 9976
من الحسن شيء، فإن افتخرت .. فافتخر بمعنى فيك غير خارج عنك.
وإذا أعجبك شيء من الدنيا .. فاذكر فناءك وبقاءه، أو بقاءك وزواله، أو فناءكما جميعًا، فإذا راقك ما هو لك .. فانظر إلى قرب خروجه من يدك، وبعد رجوعه إليك، وطول حسابه عليك، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر.
حكي: أنه حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج موضع بالجوهر، لم ير له نظير، ففرح به الملك فرحًا شديدًا، فقال لمن عنده من الحكماء: كيف ترى هذا؟ فقال: أراه فقرًا حاضرًا ومصيبةً عاجلةً، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن انكسر .. كانت مصيبة لا جبر لها، وإن سرق .. صرت فقيرًا إليه، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر، فاتفق أنه انكسر القدح يومًا، فعظمت المصيبة على الملك، وقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا.
إِنَّمَا الدُّنْيَا كَرُؤْيَا فَرَّحَتْ ... مَنْ رَآهَا سَاعَةً ثُمَّ انْقَضَّتْ
٣ - ١٩ ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾؛ أي: توسط (١) فيه، والقصد: ما بين الإسراع والبطء، يقال: قصد فلان في مشيته: إذا مشى مستويًا، لا يدب دبيب المتماوتين، ولا يثب وثوب الشياطين.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا مشى .. أسرع، فلا بد أن يحمل القصد هنا على ما جاوز الحد في السرعة، وقال مقاتل: معناه: لا تختل في مشيتك، وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
والمعنى (٢): توسط بين الدبيب والإسراع، فلا تمش كمشي المظهرين الضعف في المشي، فكأنهم أموات، وهم المراؤون الذين ضل سعيهم، ولا كمشي الشطار ووثوبهم، وعليك بالسكينة والوقار.
وفي الحديث: "سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن". قال بعضهم: إن للشيطان من آدم نزغتين، بأيتهما ظفر قنع: الإفراط والتفريط، وذلك في كل شيء
стр. 9977
يتصور فيه ذلك.
وقرىء (١): ﴿وأقصد في مشيك﴾ بهمزة القطع.
والخلاصة: أي وامش مشيًا مقتصدًا، ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل امش هونًا بلا تصنع، ولا مراءة للخلق بإظهار التواضع أو التكبر، روي عن عائشة أنها نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتًا فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من القراء - الفقهاء العالمين بكتاب الله - قالت: كان عمر سيد القراء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع.
ورأى عمر رجلًا متماوتًا فقال له: لا تمت علينا ديننا - أماتك الله -. ورأى رجلًا مطأطئًا رأسه فقال له: ارفع رأسك فإن الإِسلام ليس بمريض.
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾؛ أي: وانقص من صوتك واخفضه واقصر على قدر الحاجة، ولا تتكلف رفعه في محل الخطاب، والكلام خصوصًا عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعند الدعاء والمناجاة، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع، والخفض أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه، والصوت هو الهواء المنضغط عند قرع جسمين، كما سيأتي بسطه في مبحث المفردات.
ثم علل النهي وبينه بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾؛ أي: إن أبشع الأصوات وأقبحها، الذي ينكره العقل الصحيح، ويحكم بقبحه برفعها فوق الحاجة بلا داعٍ ﴿لـ﴾ هو ﴿صَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وغاية من يرفع صوته أنه يجعله شبيهًا بصوت الحمار في علوه، ورفعه، وهو البغيض إلى الله تعالى. وفي ذلك ما لا يخفى من الذم وتهجين رفع الصوت، والترغيب عنه، ومن جعل الرافع صوته كأنه حمار مبالغةً في التنفير من عمله، وهذا أدب من الله لعباده بترك الصياح عند وجوه الناس تهاونًا بهم، أو بترك الصياح جملةً، وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت، فمن كان منهم أشد صوتًا .. كان أعز، وكان أخفض .. كان أذل، قال شاعرهم:
стр. 9978
جَهِيْرُ الْكَلاَمِ جَهِيْرُ الْعُطَاسْ ... جَهِيْرُ الرُّوَاءِ جَهِيْرُ النِّعَمْ
وَيَعْدُوْ عَلَى الأيْنِ عَدْوَ الظَّلِيْمِ ... وَيَعْلُو الرِّجَالَ بِخَلْق عَمِمْ (١)
وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق، قال المبرد: تأويله: إن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وإنه داخل في باب الصوت المنكر. اهـ.
وأفرد الصوت مع إضافته إلى الجمع، لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، بل بيان حال صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس، فإن كل حيوان يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب، كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح، ولو قتل لا يصيح، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار.
قال أبو الليث: صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر لناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان، وإنما ضرب الله المثل بما هو معروف عند الناس بالقبح؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق، كصوت أهل النار، يتوحش من يسمعه ويتنفر منه كل التنفر.
والمعنى: أن أنكر أصوات الناس حين يصوتون ويتكلمون، لصوت من يصوت صوت الحمار؛ أي: يرفع صوته عند التصويت كما يرفع الحمار صوته.
قال سفيان الثوري: صوت كل شيء تسبيح إلا صوت الحمير، فإنها تصيح لرؤية الشيطان، ولذلك سماه منكرًا. وفي الحديث: "إذا سمعتم نهاقة الحمير - وهو بالضم صوتها - فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا، وإذا سمعتم صياح الديكة، بفتح الياء جمع ديك .. فاسألوا من فضله، فإنها رأت ملكًا". وفي الحديث دلالة على نزول الرحمة عند حضور أهل الصلاح، فيستحب الدعاء في ذلك الوقت، وعلى نزول الغضب عند أهل المعصية، فيستحب التعوذ، كما في
стр. 9979
"شرح المشارق" لابن الملك.
ومن هنا قال النبي ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب"؛ أي: يقطع كمالها وينقصها مرور هذه الأشياء بين يدي المصلي، أما المرأة فلكونها أحب الشهوات إلى الناس، وأشد فسادًا للحال من الوسواس، وأما الكلب الأسود فلكونه شيطانًا، كما قال النبي ﷺ : "الكلب الأسود شيطان" سمى شيطانًا لكونه أعقر الكلاب وأخبثها وأقلها نفعًا وأكثرها نعاسًا، ومن هذا قال الإِمام أحمد بن حنبل: لا يحل الصيد به، وأما الحمار فلكون الشيطان قد تعلق بذنبه حين دخل سفينة نوح ﵇، فهو غير مفارق عنه في أكثر الأوقات، وهو السر في اختصاص الحمار برؤية الشيطان. والله أعلم.
كما أن وجه اختصاص الديك برؤية الملك، كون صياحه تابعًا لصياح ديك العرش، كما ثبت في بعض الروايات الصحيحة, فالملك غير مفارق عنه في غالب الحالات، وفي الحديث: "إن الله يبغض ثلاثة أصواتها، نهقة الحمير، ونباح الكلب، والداعية بالحرب".
٢٠ - ولما فرع الله سبحانه من قصة لقمان .. رجع إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد، وتبكيتهم، وإقامة الحجج عليهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾؛ أي: ألم تعلموا يا بني آدم ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَخَّرَ﴾ وذلل ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: لمنافعكم، والتسخير سوق الشيء إلى الغرض المختص به قهرًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من (١) الكواكب السيارة، مثل الشمس والقمر وغيرهما، والملائكة المقربين، بأن جعلها أسبابًا محصلة لمنافعكم، ومراداتكم، فتسخير الكواكب بأن الله تعالى سيرها في البروج على الأفلاك التي دبر لكل واحد منها فلكًا، وقدر لها القرانات والاتصالات، وجعلها مدبرات العالم السفلي من الزماني، مثل الشتاء والصيف والخريف والربيع، ومن المكاني مثل المعدن والنبات والحيوان والإنسان، وظهور الأحوال المختلفة بحسب
стр. 9980
الكواكب على الدوام لمصالح الإنسان ومنافعهم منها، وتسخير الملائكة بأن الله تعالى من كمال قدرته وحكمته، جعل كل صنف من الملائكة موكلين على نوع من المدبرات وعونًا لها، كالملائكة الموكلين على الشمس والقمر والنجوم وأفلاكها، والموكلين على السحاب والمطر، وقد جاء في الخبر: "إن على كل قطرة من المطر موكلًا من الملائكة لينزلها حيث أمر". والموكلين على البحور والفلوات والرياح والملائكة الكتاب للناس الموكلين عليهم.
ومنها المعقبات من بين أيديهم ومن خلفهم، يحفظونهم من أمر الله، حتى جعل على الأرحام ملائكةً، فإذا وقعت نطفة الرجل في الرحم. يأخذها الملك بيده اليمنى، وإذا وقعت نطفة المرأة .. يأخذها الملك بيده اليسرى، وإذا أمر بمشجها .. يمشج النطفتين، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ والملائكة الموكلون على الجنة والنار، كلهم مسخرون لمنافع الإنسان ومصالحهم، حتى الجنة والنار مسخرتان لهم تطميعًا وتخويفًا؛ لأنهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا.
﴿و﴾ سخر لكم ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الجبال والصحارى والبحار والأنهار والحيوانات والنباتات والمعادن، بأن مكنكم من الانتفاع بها بوسط أو بغير وسط، فيدخل في ذلك جميع مخلوقات الأرض المسخرة لبني آدم، من الأحجار والتراب والزرع والشجر، والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها، والعشب الذي يرعون فيه دوابهم، وغير ذلك مما لا يحصى كثرةً.
فالمراد بالتسخير: جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له، سواء كان منقادًا له وداخلًا تحت تصرفه أم لا، ﴿و﴾ أن الله ﴿أَسْبَغَ﴾ وأتم وأكمل ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ يقال: سبغت النعمة: إذا تمت وكملت وكثرت.
وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة (١): ﴿وأصبغ﴾ بالصاد، وهي لغة لبني كلب يبدلونها من السين إذا جامعت الغين أو الخاء أو القاف صادًا، وباقي