← Баляга

Баляга · id 17376

أساليب بلاغية

أحمد مطلوب

Полный текст (288 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومنه قول الشاعر: إذا لم تخش عاقبة الليالى ... ولم تستحى فاصنع ما تشاء - التسوية: كقوله تعالى: «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا» (١)، ومنه قول المتنبى: عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود - الإهانة: كقوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (٢)، وقوله: «كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً» (٣). - التسخير: هو التذليل والإهانة، كقوله تعالى: «كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (٤)، ويسميه ابن فارس «التكوين» (٥). - الاحتقار: كقوله تعالى: «أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ» (٦)، وبعضهم يجمع الإهانة والاحتقار فى غرض واحد. - التسليم: كقوله تعالى: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (٧). - الندب: كقوله تعالى: «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» (٨).

стр. 107

- التعجب: كقوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» (١)، ومنه قول كعب بن زهير: أحسن بها خلة لو أنّها صدقت ... موعودها ولو انّ النصح مقبول - التلهيف والتحسير: كقوله تعالى: «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ» (٢). ومنه قول جرير: موتوا من الغيظ غما فى جزيرتكم ... لن تقطعوا بطن واد دونه مضر - الوجوب: وذلك أن يكون أمرا وهو واجب كقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» (٣). - الخبر: ويكون أمرا والمعنى خبر كقوله تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً» (٤). والمعنى: إنّهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا. - الامتنان: كقوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» (٥)، والظاهر أنّه قسم من الإباحة لكن معه امتنان. - الاكرام: مثل قوله تعالى: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ» (٦)، وهو من الإباحة أيضا. - التكوين: كقوله تعالى: «كُنْ فَيَكُونُ» (٧)، وهو قريب من التسخير، إلّا أنّ هذا أعم.

стр. 108

- التفويض: كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (١). - التكذيب: كقوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها» (٢)، وقوله: «قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» (٣). - المشورة: كقوله تعالى: «فَانْظُرْ ماذا تَرى» (٤). - الاعتبار: كقوله تعالى: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» (٥). ويرى السبكى أنّ فى غالب هذه المعانى نظرا (٦). الثانى النهى: النهى طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام. ويتفق مع الأمر فى: - أنّ كل واحد منهما لا بدّ فيه من اعتبار الاستعلاء. - أنّهما يتعلقان بالغير، فلا يمكن أن يكون الإنسان آمرا لنفسه أو ناهيا لها. - أنّهما لا بدّ من اعتبار حال فاعلهما فى كونه مريدا لهما. ويختلفان فى: - أنّ كل واحد منهما مختص بصيغة تخالف الآخر. - أنّ الأمر دالّ على الطلب، والنهى دالّ على المنع.

стр. 109

- أنّ الأمر لا بدّ فيه من إرادة مأموره، وأنّ النهى لا بدّ فيه من كراهية منهيه (١). وللنهى صيغة واحدة هى المضارع المقرون ب «لا» الناهية الجازمة، كقوله تعالى: «وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (٢). وقد تخرج هذه الصيغة إلى معان مجازية كثيرة منها: - الدعاء: ويكون صادرا من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً» (٣)، وقوله: «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا» (٤). وقول كعب بن زهير: لا تأخذنّى بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل - الالتماس: ويكون صادرا من أخ إلى أخيه أو صديق إلى صديقه، كقوله تعالى على لسان هارون يخاطب أخاه موسى: «قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي» (٥). وقول المعرى: لا تطويا السرّ عنى يوم نائبة ... فانّ ذلك ذنب غير مغتفر - التمنى: ويكون النهى موجها إلى ما لا يعقل، كقول الخنساء: أعينىّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى - النصح: كقوله تعالى: «وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ» (٦).

стр. 110

وكقول الشاعر: لا تحلفنّ على صدق ولا كذب ... فما يفيدك إلّا المأثم الحلف - التهديد: كقولنا لمن لا يمتثل للأمر: «لا تمتثل أمرى». - التوبيخ: كقول الشاعر: لاتنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم - التحقير: كقول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسى وقول المتنبى: لا تشتر العبد إلّا والعصا معه ... إنّ العبيد لأنجاس مناكيد - التيئيس: ومنه قوله تعالى: «لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» (١) وقول المتنبى فى مدح سيف الدولة: لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إنّ الكرام بأسخاهم يدا ختموا - بيان العاقبة: كقوله تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا» (٢)، أى: عاقبة الظلم العذاب لا الغفلة (٣). الثالث: الاستفهام: الاستفهام طلب العلم بشئ لم يكن معلوما من قبل، وهو الاستخبار الذى قالوا فيه إنّه طلب خبر ما ليس عندك، أى طلب الفهم. ومنهم من فرق بينهما

стр. 111

وقال إنّ الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فاذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما (١). ولكن المستعمل فى الدراسات البلاغية مصطلح «الاستفهام». وللاستفهام أدوات كثيرة وهى نوعان: الأول: حرفان، وهما الهمزة وهل. وتستعمل الهمزة لطلب التصديق وهو إدراك النسبة أى تعيينها مثل: «أقام محمد؟» الجواب عنها يكون ب «نعم» أو «لا»، وللتصور وهو إدراك المفرد أى تعيينه مثل «أقام محمد أم قعد؟» والجواب عنها يكون بتحديد المفرد. أما «هل» فلا يطلب بها غير التصديق مثل: «هل قام محمد؟»، الجواب عنها يكون ب «نعم» أو «لا». الثانى: أسماء، ولا يطلب بها إلّا التصور، وهى: - ما: يطلب بها شرح السئ، مثل: «ما البلاغة؟». - من: للسؤال عن الجنس مثل: «من هذا؟». - أى: للسؤال عما يميز أحد المتشاركين فى أمر يعمهما، مثل: «أى الثياب عندك؟». - كم: للسؤال عن العدد، مثل «كم كتابا عندك؟». - كيف: للسؤال عن الحال، مثل: «كيف محمد؟». - أين: للسؤال عن المكان، مثل: «أين كنت؟». - أنّى: تستعمل تارة بمعنى كيف، كقوله تعالى: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟» (٢) وتارة بمعنى «من أين» كقوله تعالى: «يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟» (٣).

стр. 112

وتارة بمعنى «متى» مثل: «أنّى تسافر؟». - متى: للسؤال عن الزمان، مثل: «متى جئت؟». - أيّان: للسؤال عن الزمان، كقوله تعالى: «يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ» (١) وكقوله: «يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ» (٢). ولكن الاستفهام قد يخرج عن معانيه الأصلية إلى معان كثيرة منها: - النفى: كقوله تعالى: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» (٣). وقول البحترى: هل الدهر إلّا غمرة وانجلاؤها ... وشيكا وإلّا ضيقة وانفراجها - التعجب: كقوله تعالى على لسان سليمان- ﵇: «ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ؟» (٤) وقوله: «مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ» (٥). وقول المتنبى: أبنت الدهر عندى كل بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام؟ الثالث التمنى: كقوله تعالى: «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا؟» (٦). وقول المتنبى: أيدرى الربع أىّ دم أراقا ... وأىّ قلوب هذا الركب شاقا

стр. 113

- التقرير: كقوله تعالى: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» (١) وقوله: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ» (٢)، وقوله: «أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ» (٣). وقول ابن الرومى: ألست المرء تجبى كلّ حمد ... إذا ما لم يكن للحمد جاب - التعظيم: كقول المتنبى فى الرثاء: من للمحافل والجحافل والسّرى ... فقدت بفقدك نيّرا لا يطلع ومن اتخذت على الضيوف خليفة ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيّع وقول الآخر: أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر - التحقير: كقوله تعالى على لسان الكفار: «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا» (٤). وقول الشاعر: فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟ - الاستبطاء: كقوله تعالى: «حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» (٥). وقول الشاعر: حتى متى أنت فى لهو وفى لعب ... والموت نحوك يهوى فاغرا فاه

стр. 114

- الاستبعاد: كقوله تعالى: «أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ» (١)، أى يستبعد ذلك منهم بعد أن جاءهم الرسول ثم تولوا عنه. وقول أبى تمام: من لى بانسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلم رد جوابه؟ وقول المتنبى: وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحرّ الذى يحفظ اليدا - الإنكار: وهو على وجهين: (أ) إما للتوبيخ، بمعنى ما كان ينبغى أن يكون، مثل: «أعصيت ربك؟». (ب) وإما للتكذيب بمعنى «لم يكن» كقوله تعالى: «أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً» (٢)، وقوله: «أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ» (٣). أو بمعنى «لا يكون» كقوله تعالى: «أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ» (٤). وعليه بيت امرئ القيس: أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال وقول الآخر: أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته؟ إنّى إذن للئيم - التهكم: كقوله تعالى: «أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا؟» (٥).

стр. 115

وقول المتنبى: أفى كل يوم ذا الدمستق قادم ... قفاه على الإقدام للوجه لائم - التسوية: كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (١). وقوله: «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ؟» (٢). وقول المتنبى: ولست أبالى بعد إدراكى العلى ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا - الوعيد: كقوله تعالى: «أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ» (٣). - التهويل: كقوله تعالى: «وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ» (٤)، بلفظ الاستفهام وهى قراءة ابن عباس- رضى الله عنهما-. لما وصف الله تعالى العذاب بأنه مهين لشدته وفظاعة شأنه أراد أن يصوّر كنهه فقال: «من فرعون؟ أى: أتعرفون من هو فى فرط عتوه وتجبره؟ ما ظنكم بعذاب يكون هو المعذب به؟. - التنبيه: كقوله تعالى: «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟» (٥)، وقوله: «أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» (٦)، وقوله: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» (٧)، وقوله: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً» (٨).

стр. 116

- التشويق: كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (١)، وقوله: «قالَ: يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى» (٢). - الأمر: كقوله تعالى: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟» (٣)، وقوله: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟» (٤)، وقوله: «وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٥). - النهى: كقوله تعالى: «ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» (٦)، وقوله: «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ» (٧) بدليل قوله: «فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ» (٨). - العرض: كقوله تعالى: «أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟» (٩)، وقوله تعالى: «أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ» (١٠). - التحضيض: كقوله تعالى: «أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ» (١١). أى: ائتهم وأمرهم بالاتقاء.

стр. 117

- التفجع: كقوله تعالى: «مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً» (١). - التبكيت: كقوله تعالى: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟» (٢). - الإرشاد: كقوله تعالى: «أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها؟» (٣). - الإفهام: كقوله تعالى: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ؟» (٤). - التكثير: كقوله تعالى: «وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها؟» (٥)، وقوله: «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ» (٦). ومنه قول الشاعر: كم من دنىّ لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لى تبعا - الإخبار والتحقيق: كقوله تعالى: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» (٧). هذه أهم الأغراض التى يخرج إليها الاستفهام عن معناه الحقيقى (٨)، وهى كثيرة وقد يتداخل بعضها ببعض، ولكن الذوق السليم وقرائن الأحوال تشير إلى الغرض وتحدده. وهذا التقسيم الذى قام عليه بحث الاستفهام عمدة

стр. 118

البلاغيين غير أن الذين عنوا بعلوم القرآن يبحثونه بصورة أخرى ويقسمونه تقسيما آخر، فالزركشى (١) يقسمه إلى: الاستفهام بمعنى الخبر وهو ضربان: أحدهما: نفى، ويسمى استفهام إنكار، والمعنى فيه على أنّ ما بعد الأداة منفى، ولذلك تصحبه «إلّا» كقوله تعالى: «فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ» (٢). والثانى: إثبات، ويسمى استفهام تقرير، كقوله تعالى: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» (٣) أى: أنا ربكم. ويأتى هذا على وجوه كثير منها: مجرد الإثبات، والاثبات مع الافتخار، والتوبيخ والعقاب، والتبكيت، والتسوية، والتعظيم، والتهويل، والتسهيل والتخفيف، والتفجع، والتكثير، والاسترشاد. والقسم الثانى: الاستفهام المراد به الإنشاء، وهو على ضروب: مجرد الطلب، والنهى، والتحذير، والتذكير، والتنبيه، والترغيب، والدعاء، والعرض، والتحضيض، والاستبطاء، والإياس، والإيناس، والتهكم، والاستهزاء، والتحقير، والتعجب، والاستبعاد، والتوبيخ. وهذا التقسيم أكثر دقة غير أنّ التمييز بين أغراض النوعين صعب، ولذلك كان الجمع بين النوعين أكثر سهولة وأقرب إلى المدارك كما فعل علماء البلاغة. الرابع- التمنى: التمنى توقع أمر محبوب فى المستقبل، والفرق بينه وبين الترجى، أنّه يدخل المستحيلات والترجى لا يكون إلّا فى الممكنات (٤). ولكن البلاغيين يميزون بين نوعين فى التمنى:

стр. 119

الأول: توقع الأمر المحبوب الذى لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، كقوله تعالى: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً» (١). وقول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب الثانى: توقع الأمر المحبوب الذى لا يرجى حصوله لكونه ممكنا غير مطموع فى نيله، كقوله تعالى: «يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ» (٢). والأداة الموضوعة للتمنى: «ليت»، وقد تستعمل ثلاثة أحرف للدلالة عليه: أحدها: هل، كقوله تعالى: «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا» (٣). والثانى: لو، سواء كانت مع «ودّ» كقوله تعالى: «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» (٤)، أو لم تكن كقوله تعالى: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» (٥)، وقوله: «لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ» (٦). والثالث: لعلّ، كقوله تعالى: «لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى» (٧). ومنه قول الشاعر: أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلّى إلى من قد هويت أطير (٨)

стр. 120

الخامس: النداء: النداء التصويب بالمنادى ليقبل أو هو طلب إقبال المدعو على الداعى، وله أدوات هى: - الهمزة: وتكون لنداء القريب، كقول امرئ القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمى فأجملى - (أ) حرف لنداء البعيد، وهو مسموع لم يذكره سيبويه، وذكره غيره (١). - أيا: وتكون لنداء البعيد وقيل: لنداء القريب والبعيد، كقول الشاعر: أيا جبلى نعمان بالله خليا ... نسيم الصّبا يخلص إلىّ نسيمها - أى: لنداء البعيد. - آى: لنداء البعيد. - هيا: لنداء البعيد. - وا: لنداء البعيد، وهى فى الأصل حرف نداء مختص بباب الندبة نحو «وا محمداه» وأجاز بعضهم استعماله فى النداء الحقيقى (٢). - يا: لنداء البعيد، وقد ينادى به القريب توكيدا، وقيل: هى مشتركة بين القريب والبعيد، وهى أكثر أحرف النداء استعمالا، كقوله تعالى: «يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» (٣)، وقد تحذف كما فى قوله تعالى: «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا» (٤).

стр. 121

ومنه قول ابن زيدون: يا سارى البرق غاد القصر واسق به ... من كان صرف الهوى والودّ يسقينا ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيتنا ... من لو على البعد حيّا كان يحيينا وقد أشار سيبويه إلى استعمال حروف النداء للقريب مرة وللبعيد تارة أخرى، وقال: «فأما الاسم غير المندوب فينبه بخمسة أشياء: ب «يا» و «أيا» و «هيا» و «أى» وبالألف نحو قولك: «أحار بن عمرو» إلّا أنّ الأربعة غير الألف قد يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشئ المتراخى عنهم أو الإنسان المعرض عنهم الذى يرونه أنّه لا يقبل عليهم إلّا باجتهاد، أو النائم المستثقل، وقد يستعملون هذه التى للمد فى موضع الألف ولا يستعملون الألف فى هذه المواضع التى يمدون فيها. وقد يجوز لك أن تستعمل هذه الخمسة غير «وا» إذا كان صاحبك قريبا مقبلا عليك توكيدا، وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء» (١). وقد يخرج النداء إلى أغراض مختلفة منها: - الإغراء والتحذير: وقد اجتمعا فى قوله تعالى: «ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها» (٢) وقول المتنبى: يا أعدل الناس إلّا فى معاملتى ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم - الاستغاثة: مثل: «يا ناصر الدين». - الندبة: كقول المتنبى: واحرّ قلباه من قلبه شبم ... ومن بجسمى وحالى عنده سقم

стр. 122

- التعجب: كقوله تعالى: «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ» (١)، لأنّ الحسرة لا تنادى وإنّما تنادى الأشخاص لأنّ فائدته التنبيه، ولكن المعنى على التعجب كقوله: «يا عجبا لم فعلت؟» (٢). - الاختصاص: مثل: «علىّ أيها الرجل يعتمد»، و «اغفر اللهم لنا أيتّها العصابة»، أى: مخصصا به دون الرجال، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب. - التنبيه: كقوله تعالى: «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا» (٣)، لأنّ حرف النداء يختص بالأسماء. - التحسر: كقول ابن الرومى: يا شبابى وأين منى شبابى ... آذنتنى حباله بانقضاب لهف نفسى على نعيمى ولهوى ... تحت أفنانه اللدان الرطاب وقول الآخر: أيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا هذه أساليب الخبر والإنشاء المختلفة، وقد اتضح أنّ لكل أسلوب دلالته، وهى غير الإعراب وحركاته، بل ما وراء ذلك من المعانى التى تحملها الجمل والعبارات. وإذا كان لكل من الخبر والإنشاء دلالاته فانّ

стр. 123

أحدهما قد يقع موقع الآخر لأغراض بلاغية (١). والعمدة فى ذلك الذوق المهذب والاطلاع الواسع وقرائن الأحوال. وأساليب الخبر والإنشاء مدى رحب يجول فيه الأدباء ويتصرف فيه الشعراء، وقد أخذ بها القدماء فأحسنوا وأضافوا، وهى من وسائل التعبير وطرقه المتشعبة. ويقدر الأديب على أن يتوسع فيها وأن يأتى بما لم يسبق إليه إذا أحسن استخدامها وكان له ذوق رفيع. ...

стр. 124

الفصل الثالث أحوال الجملة تعريفها: الجملة كلمات تأتلف لتدل على معنى، أو هى- كما يقول النحاة-: «اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها» (١). ولا تكون الجملة تامة إلّا إذا استوفت ركنين هما: المسند إليه والمسند، وإذا ما حذف منها أحد هذين الركنين فان النحاة يلجأون إلى التقدير ليستقيم الكلام. واستعمل القدماء هذين المصطلحين فقال سيبويه: «هذا باب المسند والمسند إليه وهما ما لا يستغنى واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلم منه بدّا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبنىّ عليه وهو قولك: «عبد الله أخوك» و «هذا أخوك» ومثل ذلك قولك: «يذهب زيد» فلا بدّ للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بدّ من الآخر فى الابتداء. ومما يكون بمنزلة الابتداء قولك «كان عبد الله منطلقا» و «ليت زيدا منطلق» لأنّ هذا يحتاج إلى ما بعده كاحتياج المبتدأ إلى ما بعده» (٢). ولم يأخذ النحاة بهذين المصطلحين بعد سيبويه وإن أداروهما فى كتبهم، وإنّما استعملوا ما يقابلهما من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل وغيرها، ولكن علماء البلاغة أخذوهما وبنوا عليهما دراستهم فى علم المعانى، فانحصرت فى المسند والمسند إليه وما يتبعهما من ذكر وحذف، وتقديم وتأخير، وقصر. ولا يتجاوز ذلك إلّا حينما يتحدثون عن الفصل والوصل، والمساواة والإيجاز

стр. 125

والاطناب، وهو تجاوز لا يبعد عن الجملتين فى أكثر الأحيان. وكان أكثر البلاغيين تمسكا بهذا المنهج رجال المدرسة الكلامية كالسكاكى والقزوينى وشراح التلخيص، أما عبد القاهر الجرجانى وضياء الدين بن الأثير وغيرهما من أعلام المدرسة الأدبية فلم يتجهوا هذا الاتجاه ولم ينحوا هذا المنحى، وإنّما كانوا يحكّمون الذوق ويتحسسون مواطن الجمال فى الكلام. ونتج عن ذلك أن مزقت البلاغة شر ممزق فكان الحذف فى عدة مواضع، والذكر فى أبواب متفرقة، لأنهما درسا فى المسند إليه مرة وفى المسند تارة وفى متعلقات الفعل تارة ثالثة. ومثل هذا يقال فى الموضوعات التى بحثها عبد القاهر وابن الأثير فى فصول موحدة جمعت الروعة والنفع، وإنارة السبيل، وتهذيب الذوق وتنمية الملكة الأدبية. المسند إليه: وهو المحكوم عليه أو المخبر عنه، ففى قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» (١)، أسند الوعد إلى الله ، فلفظ الجلالة مسند إليه، و «الوعد» مسند. وفى قول المتنبى: طوى الجزيرة حتى جاءنى خبر ... فزعت فيه بآمالى إلى الكذب أسند طى الجزيرة إلى الخبر، ف «الخبر» مسند إليه. ومواضع المسند إليه هى: - الفاعل للفعل التام وشبهه: ومن الأول قوله تعالى: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (٢)، ف «أمر» مسند إليه لأنه فاعل ل «أتى».

стр. 126

وقول الشاعر: أهاج لك الأحزان نوح حمامة ... تغنّت بليل فى ذرى ناعم نضر ف «نوح» مسند إليه لأنه فاعل ل «أهاج». وشبه الفعل هو مشتقاته كاسم الفاعل والصفة المشبهة، كقول عمر بن أبى ربيعة: وكم مالئ عينيه من شئ غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى ففى «مالئ» ضمير مستتر فاعل، وهو المسند إليه. ومن أمثلة الصفة المشبهة: «أنت القوىّ جسمه»، فكلمة «جسمه» فاعل للصفة «القوىّ» وهى مسند إليه. - نائب الفاعل: كقوله تعالى: «فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ، قالُوا: سِحْرانِ تَظاهَرا، وَقالُوا: إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ» (١). ف «موسى» نائب فاعل وهو مسند إليه. وقوله تعالى: «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» (٢) فالشمس نائب فاعل أى مسند إليه. ومنه قول الشاعر: أكرم أخاك بأرض مولده ... وأمدّه من فعلك الحسن فالعزّ مطلوب وملتمس ... وأعزّه ما نيل فى الوطن ففى «مطلوب» و «ملتمس» ضميران مستتران وهو نائب فاعل للفعل المبنى للمجهول أى مسند إليه.

стр. 127

- المبتدأ الذى له خبر: كقوله تعالى: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» (١) ف «الآخرة» مسند إليه لأنّها مبتدأ. وقول المتنبى: شرّ البلاد مكان لا صديق به ... وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم (٢) ف «شر» مسند إليه. - ما أصله المبتدأ: وهو: - اسم كان وأخواتها، كقوله تعالى: «ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (٣) وقول المعرى: ضحكنا وكان الضّحك منّا سفاهة ... وحقّ لسكان البرية أن يبكوا ف «محمد» فى الآية اسم كان وهو مسند إليه لأنّه مبتدأ فى الأصل، ومثل ذلك «الضحك» فى البيت، وكل واحدة مبتدأ فى الأصل. - اسم إنّ وأخواتها، كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (٤) وهى مبتدأ فى الأصل. وقول جرير: إنّ العيون التى فى طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا ف «العيون» مسند إليه لأنها اسم «إن» وهى مبتدأ فى الأصل.

стр. 128

- المفعول الأول ل «ظنّ» وأخواتها، كقوله تعالى: «وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً» (١) ف «الساعة» مسند إليه لأنّها مبتدأ فى الأصل. وقول المتنبى: كنا نظنّ دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكلّ شئ بلقع ف «دياره» مسند إليه لأنّها مبتدأ فى الأصل. - المفعول الثانى ل «أرى» وأخواتها، مثل: «أريتك العلم نافعا» ف «العلم» مسند إليه، وهو المفعول الأول ل «أرى» وأصله مبتدأ لأنّ الجملة: «العلم نافع». المسند: وهو المحكوم به أو المخبر به، ففى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ» (٢)، أسندنا المحبة إلى الله تعالى، فهى مسند ولفظ الجلالة مسند إليه. وقول جرير: يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا فالفعل «يصرع» مسند، و «أضعف» مسند أيضا. ومواضع المسند هى: - الفعل التام: كقوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» (٣)، ف «أفلح» فعل تام وهو مسند، و «المؤمنون» مسند إليه.

стр. 129

وقول المتنبى: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم ف «ساء» فعل تام وهو مسند، و «فعل» مسند إليه. - اسم الفعل: وهو لفظ يقوم مقام الأفعال فى الدلالة على معناها وفى عملها. وتكون بمعنى الأمر- وهو الكثير فيها- مثل: «مه» بمعنى اكفف، و «آمين» بمعنى استجب. وتكون بمعنى الماضى مثل: «شتّان» بمعنى افترق، و «هيهات» بمعنى بعد. وبمعنى المضارع مثل «أوّه» بمعنى أتوجع و «وى» بمعنى أعجب (١). ومنه قوله تعالى: «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» (٢). وقوله: «هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ». (٣) وأسماء الأفعال كثيرة، ومنها ما هو فى أصله ظرف، وما هو مجرور بحرف مثل: «عليك محمدا» أى: الزمه، و «إليك» أى: تنحّ، و «دونك الكتاب» أى: خذه. ومنه قول المتنبى: هيهات عاق عن العواد قواضب ... كثر القتيل بها وقلّ العانى - خبر المبتدأ: كقوله تعالى: «الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا» (٤) ف «زينة» خبر وهى مسند. وقول الشاعر: أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخى حين أدعوه وذا ولدى

стр. 130

فالكلمات «خلف» و «أخى» و «ولدى» كل واحدة منها خبر، أى مسند. - المبتدأ المكتفى بمرفوعه: وهو كل وصف (١) اعتمد على استفهام أو نفى ورفع فاعلا ظاهرا أو ضميرا منفصلا وتم الكلام به. مثل «أقائم الرجلان» ف «قائم» مبتدأ وهو مسند لأنّ «الرجلان» فاعل له سدّ مسدّ الخبر. و «أقائم أنتما» مثلها فى الإسناد. ومنه قوله تعالى: «أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ» (٢)، ف «راغب» مبتدأ وهو المسند، والضمير «أنت» فاعل سد مسد الخبر. وقول الشاعر: أمنجز أنتم وعدا قد وثقت به ... أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب ف «منجز» مبتدأ وهو مسند، و «أنتم» فاعل سد مسد الخبر، وهو مسند إليه. وقول الآخر: غير لاه عداك فاطرّح الله ... وو لا تغترر بعارض سلم ف «غير لاه» مبتدأ وهو مسند و «عداك» فاعل سدّ مسدّ الخبر، وهو مسند إليه. - ما أصله خبر المبتدأ: وهو: - خبر كان وأخواتها، كقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» (٣) ف «عليما» مسند، لأنه خبر «كان» وهو خبر للمبتدأ فى أصل الجملة.

стр. 131

وقوله: «فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ» (١)، ف «خائفا» خبر «أصبح» وهو مسند، لأنه خبر للمبتدأ فى الأصل. وقول عروة بن الورد: ومن يك مثلى ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح - خبر إنّ وأخواتها، كقوله تعالى: «وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» (٢) ف «ربى» مسند لأنه خبر «إنّ» وهو خبر المبتدأ فى الأصل. وقول المتنبى: فان تفق الأنام وأنت منهم ... فانّ المسك بعض دم الغزال ف «بعض» مسند. - المفعول الثانى ل «ظن» وأخواتها، كقوله تعالى: «وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً» (٣) ف «قائمة» مسند لأنّها المفعول الثانى ل «ظنّ» وهى خبر فى الأصل. وقول المتنبى: كنّا نظنّ دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكلّ شئ بلقع ف «مملوءة» مسند لأنها المفعول الثانى ل «نظن» وهى خبر فى الأصل، «أى: دياره مملوءة ذهبا».

стр. 132

- المفعول الثالث ل «أرى وأخواتها»، مثل: «أريتك العلم نافعا» ف «نافعا» مسند، لأنه المفعول الثالث ل «أرى» وأصله خبر المبتدأ. - المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» (١) وقول قطرى بن الفجاءة: فصبرا فى مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع هذان هما ركنا الجملة، وما زاد عليهما- غير المضاف إليه والصلة- فهو قيد أو تكملة أو فضلة وهى: أدوات الشرط والنفى، والمفعولات، والحال، والتوابع، والنواسخ. وليس معنى ذلك أنّ الفضلة أو القيد لا قيمة لها بل لها دور كبير فى العبارة، ولكنها سميت كذلك لأنّها خارجة عن الإسناد. وفى الأنواع التى تقدمت لونان من التعبير: الأول: الابتداء بالاسم أو تقديمه على الفعل، وهذا النوع من الجمل هو ما يطلق عليه «الجملة الاسمية». الثانى: الابتداء بالفعل أو تقديمه على الاسم، وهذا النوع من الجمل هو ما يطلق عليه «الجملة الفعلية». ويقسم النحاة الجملة إلى اسمية وفعلية وظرفية (٢)، والعمدة فى التمييز بين هذه الأنواع هو تصدر المسند أو المسند إليه، أما الحروف التى تتقدم عليها فلا عبرة بها. ولكن لماذا يبدأون بالاسم مرة وبالفعل تارة أخرى، ويقولون هذه «جملة اسمية» وتلك «جملة فعلية»، وهل هناك فرق بين الجملتين؟

стр. 133

لقد حاول القدماء أن يضعوا سمات يستدل بها المتكلم أو الكاتب، وقالوا إنّ توجيه الخطاب بالجملة الاسمية ينقدح فيه معنيان: الأول: أن تريد أنّ الفاعل قد فعل ذلك الفعل على جهة الاختصاص به دون غيره، كقوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا» (١) فصدر الجملة بالضمير دلالة على اختصاصه تعالى بالإماتة والإحياء والإضحاك والإبكاء، وإنما أورد الضمير وصيّر الجملة اسمية تكذيبا وردّا وانكارا لمن زعم أنه مشارك لله تعالى فى هذه الخصال. الثانى: التحقق وتمكين المعنى فى نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب، كقوله تعالى: «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» (٢) فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة ب «إنّ» المشددة، وإنّما كان الأمر كذلك لأنّهم فى خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادى فى الجحود والإنكار، فلهذا وجهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين فانما كان عن تكلف وإظهار للايمان خوفا ومداجاة من غير عزم عليه ولا شرح صدرهم به. أما توجيه الخطاب بالجملة الفعلية فيراد به الإخبار بمطلق العمل مقرونا بالزمان من غير أن يكون هناك مبالغة وتوكيد، كقوله تعالى: «وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ» (٣) وقوله: «نَزَّلَ الْكِتابَ» (٤)، فالغرض الإخبار بهاتين الجملتين بالفعل الماضى فى غير إشعار بمبالغة هناك، ولمّا أراد المبالغة فى الجملة الأولى قال فى آخرها: «فَهُمْ يُوزَعُونَ» (٥) وقال فى الثانية: «وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ»، فإتيانه بالجملتين الاسميتين من آخر الجملتين السابقتين المصدرتين بالفعلين دلالة على المبالغة والتأكيد فى المقصود وهو

стр. 134

التولى للصالحين والإيزاع (١). ولذلك قالوا أن للاسم دلالة على الحقيقة دون زمانها، وللفعل دلالة على الحقيقة وزمانها، وقال فخر الدين الرازى: «إن كان الغرض من الإخبار الإثبات المطلق غير المشعر بزمان وجب أن يكون الإخبار بالاسم كقوله تعالى: «وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ» (٢) لأنّه ليس الغرض إلّا إثبات البسط للكلب، فأما تعريف زمان ذلك فليس بمقصود. وأما إذا كان الغرض فى الإخبار الإشعار بزمان ذلك الثبوت فالصالح له الفعل كقوله تعالى: «هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ» (٣) فانّ المقصود بتمامه لا يحصل بمجرد كونه معطيا للرزق بل بكونه معطيا للرزق فى كل حين وأوان» (٤). ويؤتى بالجملة الظرفية، إذا كان المراد اختصار الجملة الفعلية مثل: «محمد فى الدار» بدل: استقر فيها أو حصل فيها. فالجملة الاسمية تدل على الاختصاص والتحقق والثبوت والتأكيد، فى حين تدل الجملة الفعلية على التجدد، لأنّ الفعل مرتبط بالزمان وتحولاته، وقد لخص الخطيب القزوينى ذلك بقوله: «وفعليتها لإفادة التجدد، واسميتها لافادة الثبوت، فانّ من شأن الفعلية أن تدل على التجدد، ومن شأن الاسمية أن تدل على الثبوت». (٥) ولذلك لم يكن من العبث صياغة الجملة فى اللغة العربية بأشكال مختلفة، فلكل صورة هدف ولكل تركيب غاية، وفى ذلك توسع فى الأساليب ودقة فى الأداء والتعبير. وتتصل بدراسة المسند والمسند إليه ومتعلقاتهما موضوعات كثيرة، غير أنّ الأقتصار على أهمها وعلى ماله علاقة بالأساليب المتنوعة أقرب إلى الدراسات البلاغية، ولذلك سيكون الوقوف على التعريف والتنكير، والذكر والحذف والتقديم والتأخير، والقصر.

стр. 135

التعريف والتنكير المعرفة ما دل على شئ بعينه، والنكرة ما دل على شئ لا بعينه. وأقسام المعرفة خمسة، وأعرفها المضمر، ثم العلم، ثم اسم الإشارة، والموصول، ثم المعرف بالألف واللام، ثم المضاف إلى واحد منها إضافة معنوية. وتتفاوت النكرات أيضا فى مراتب التنكير، وكلما ازدادت النكرة عموما زادت إبهاما فى الوضع (١). التعريف: يدخل التعريف على المسند إليه، لأنّ الأصل فيه أن يكون معرفة لأنّه المحكوم عليه، والحكم على المجهول لا يقيد، ولذلك فانه يعرف لتكون الفائدة أتم، لأنّ احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد كانت الفائدة فى الإعلام به أقوى ومتى كان أقرب كانت أضعف. والتعريف مختلف ويكون بوسائل هى: الأول: الإضمار، وذلك: - إذا كان المقام مقام التكلم، كقول بشار: أنا المرعّث لا أخفى على أحد ... ذرّت بى الشمس للقاصى وللدانى (٢) وقول الشاعر: أنا الذى يجدونى فى صدورهم ... لا أرتقى صدرا منها ولا أرد

стр. 136

وقول الآخر: ونحن التاركون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا - أو كان المقام مقام الخطاب كقول الحماسية أمامة مخاطبة الشاعر الأموى ابن الدمينة: وأنت الذى أخلفتنى ما وعدتنى ... وأشمتّ بى من كان فيك يلوم وقول الآخر: أنت الذى تنزل الأيام منزلها ... وتمسك الأرض من خسف وزلزال وقول الآخر: أنت الذى لم تدع سمعا ولا بصرا ... إلّا شفى فأمرّ العيش إمرارا وأصل الخطاب أن يكون لمعين وقد يترك إلى غير معين كما تقول: «فلان لئيم إن أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساء إليك»، فلا تريد مخاطبا بعينه بل تريد: إن أكرم وإن أحسن إليه، فتخرجه فى صورة الخطاب ليفيد العموم، أى سوء معاملته غير مختص بواحد دون واحد. وهو فى القرآن الكريم كثير، كقوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (١) أخرج فى صورة الخطاب لما أريد العموم للقصد إلى تفظيع حالهم وأنها تناهت فى الظهور حتى امتنع اختفاؤها فلا تختص بها رؤية راء مختص به كل من يتأتى منه رؤية داخل فى هذا الخطاب. - أو كان المقام الغيبة، لكون المسند إليه مذكورا أو فى حكم المذكور لقرينة، كقوله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» (٢)، أى: العدل، وقوله: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ» (٣) أى: لأبوى الميت. ومنه قول الشاعر:

стр. 137

من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انّك تستضئ بهم أضاءوا هم حلّوا من الشرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا وقول الآخر: هو البحر من أى النواحى أتيته ... فلجّته المعروف والبرّ ساحله وقول الآخر: هو المهرب المنجى لمن أحدقت به ... مكاره دهر ليس عنهنّ مهرب (١) الثانى: العلمية، وذلك: - لإحضاره بعينه فى ذهن السامع ابتداء باسم مختص به كقوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (٢)، وقول الشاعر: أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه وقول الآخر: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد (٣) وعلمت أنّى إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوى مشهدى - أو لتعظيمه أو إهانته كما فى الكنى والألقاب المحمودة والمذمومة. - أو لكناية حيث الاسم صالح لها، ومما ورد صالحا للكناية من غير باب المسند إليه قوله تعالى: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» (٤)، أى: جهنمى. ومثّل السكاكى بهذه الآية للمسند إليه على اعتبار أنّ «أبى لهب» مضاف إلى «يدا» وأنكر ذلك بعض شراح التلخيص، وأوجد بعضهم له عذرا (٥).

стр. 138

- أو لإيهام استلذاذه، كقول الشاعر: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر والأصل أن يقول: «أم هى من البشر» ولكنه ذكر اسمها الصريح تلذذا به. - أو التبرك به، كقولنا: «الله الهادى ومحمد هو الشفيع» عند قول الجاهل: «هل الله الهادى ومحمد الشفيع؟» - أو التفاؤل مثل: «سعد فى دارك». - أو التطير مثل: «السفاح فى دار صديقك». - أو التسجيل على السامع أى التحقيق والتثبيت عليه كما يحقق الشئ بالكتابة حتى لا يجد إلى إنكار السامع سبيلا. فاذا قيل لأحد: هل سببت هذا وأهنت؟ فيقول: زيد سببته وأهنته (١). الثالث: الموصولية، ويكون ذلك لأسباب منها: - عدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة، كقولك: «الذى كان معنا أمس رجل عالم». - أو لاستهجان التصريح بالاسم، أما من جهة تركيبه من حروف يستقبح اجتماعها أو لإشعاره فى أصله بمعنى تقع النفرة منه لاستقذاره عرفا. - أو زيادة التقرير، كقوله تعالى: «وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ» (٢)، فانه مسوق لتنزيه يوسف- ﵇ عن

стр. 139

الفحشاء، والمذكور أدل عليه من «امرأة العزيز» وغيره، والعدول عن التصريح باب من البلاغة يصار إليه كثيرا. - أو التفخيم، كقوله تعالى: «فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ» (١)، وقول أبى نواس: مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفى الزجاجة باق يطلب الباقى - أو تنبيه المخاطب على غلطه كقول الشاعر: إنّ الذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا - أو للايماء إلى وجه بناء الخبر، كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» (٢). - وربما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر كقول الشاعر: إنّ الذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٣) أو لشأن غير الخبر كقوله تعالى: «الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ» (٤) فانّه قصد به تعظيم شأن شعيب، ويحتمل أن يقال إنّه لبناء الخبر عليه فان تكذيبهم شعيبا مناسب لخسرانهم (٥). [الرابع: الإشارة ،] الرابع: الإشارة، ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لأحد أمور، وذلك: - أن يقصد تميزه لإحضاره فى ذهن السامع حسا، فالإشارة أكمل ما يكون من التمييز كقول ابن الرومى.: هذا أبو الصقر فردا فى محاسنه ... من نسل شيبان بين الضّال والسّلم

стр. 140

وقول الآخر: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا وقول الآخر: وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر (١) أوما إلى الكوماء: هذا طارق ... نحرتنى الأعداء إن لم تنحرى - أو للقصد أنّ السامع غبى لا يتميز الشئ عنده إلّا بالحس، كقول الفرزدق: أولئك آبائى فجئنى بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع - أو أن يقصد بيان حاله فى القرب أو البعد أو التوسط كقولك: «هذا زيد، وذاك عمرو، وذاك بشر». وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير كقوله تعالى: «وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» (٢)، وقوله: «وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟» (٣)، «وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ» (٤). ومنه قول الشاعر: تقول ودقّت نحرها بيمينها ... أبعلى هذا بالرحا المتقاعس أو يقصد بالبعد العناية بتميزه وتعيينه، كقوله تعالى: «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٥).

стр. 141

وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ» (١) ذهابا إلى أبعد درجته، وقوله: «وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها» (٢). وقد يجعل ذريعة إلى التحقير كما يقال «ذلك اللعين فعل كذا». - أو للتنبيه إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور وعقب بأوصاف على أنّ ما يرد بعد اسم الاشارة فالمذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف كقول حاتم الطائى. ولله صعلوك يساور همّه ... ويمضى على الأحداث والدّهر مقدما فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عدّ مغنما اذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمّم كبراهنّ ثمّت صمّما ترى رمحه ونبله ومجنّه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخى هيجا وطرفا مسوّما فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمّما (٣)

стр. 142

لقد عدد له خصالا حميدة كالمضاء على الأحداث مقدما والصبر على ألم الجوع والأنفة من أن يعد الشبعة مغنما وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: «فذلك» فأفاد أنّه جدير باتصافه بما ذكر من الصفات. ومنه قوله تعالى: «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (١). أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربحهم والفلاح (٢). [الخامس: التعريف باللام ،] الخامس: التعريف باللام، والتعريف بالأداة وهى اللام على مذهب، والألف واللام على مذهب تكون لأحد أمور: - أن يشار به إلى معهود بينك وبين مخاطبك كما إذا قال لك قائل: «جاءنى رجل من بلدة كذا» فتقول: ما فعل الرجل؟ وعليه قوله تعالى: «وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى» (٣)، أى: وليس الذكر الذى طلبت كالأنثى التى وهبت لها. - أو يراد به نفس الحقيقة، مثل: «الماء مبدأ كلّ حى»، وقول المعرى: والخلّ كالماء يبدى لى ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر (٤) السادس: التعريف بالإضافة، ويكون لأسباب هى:

стр. 143

- أن لا يكون لإحضار المسند إليه فى الذهن طريق أخصر من الاضافة وينبغى أن يقيد بما اذا كان المقام مقام اختصار، كقول الشاعر: هواى مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثمانى بمكة موثق (١) - أو أن تغنى إضافته عن التفصيل المتعذر أو المرجوع لجهة، كقول الشاعر: بنو مطر يوم اللقاء كأنّهم ... أسود لهم فى غيل خفّان أشبل (٢) وقول الآخر: قومى هم قتلوا أميم أخى ... فاذا رميت يصيبنى سهمى - أو لتضمنها تعظيما لشأن المضاف إليه أو المضاف أو غيرهما. فتعظيم شأن المضاف كقوله تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» (٣) ففيه تعظيم لشأن العباد بأنّهم عباد الله. ومن تعظيم شأن المضاف إليه قولك: «كتابى من أجلّ الكتب» ففيه تعظيم لشأن المضاف إليه بانه صاحب كتاب عظيم. - أو تضمنها تحقير شأن المضاف أو المضاف إليه أو غيرهما مثل «أبو السارق جاء» و «أخو محمد سارق». - أو لتضمنها الاستهزاء كما فى قوله تعالى على لسان فرعون: «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» (٤)، فانّ إضافة ضمير المسند إليه إلى المخاطبين ليس على سبيل الاعتراف برسالة موسى- ﵇ ولكن على سبيل الاستهزاء (٥).

стр. 144

[تعريف المسند] أمّا تعريف المسند فلإفادة السامع إمّا حكما على أمر معلوم له بطريق من طرق التعريف بأمر آخر معلوم له كذلك، وإما لازم حكم بين أمرين كذلك وقد شرح القزوينى هذه الافادة بقوله: «تفسير هذا أنّه قد يكون للشئ صفتان التعريف ويكون السامع عالما باتصافه باحداهما دون الأخرى، فاذا أردت أن تخبره بأنّه متصف بالأخرى تعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصاف بالثانية كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرفه بعينه واسمه ولكن لا يعرف أنّه أخوه وأردت أن تعرفه أنّه أخوه فتقول له: «زيد أخوك» سواء عرف أنّ له أخا ولم يعرف أنّ زيدا أخوه أو لم يعرف أنّ له أخا أصلا. وإن عرف أنّ له أخا فى الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: «أخوك زيد». أما إذا لم يعرف أنّ له أخا أصلا فلا يقال ذلك لاقناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا، فظهر الفرق بين قولنا: «زيد أخوك» وقولنا: «أخوك زيد». وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمّى زيدا بعينه واسمه، وعرف أنّه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنّه كان من زيد أو غيره فأردت أن تعرفه أنّ زيدا هو ذلك المنطلق فتقول: «زيد المنطلق» وإن أردت أن تعرف أنّ ذلك المنطلق هو زيد قلت: «المنطلق زيد». وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وهو يعرف معنى جنس المنطلق وأردت أن تعرفه بأنّ زيدا متصف به فتقول: «زيد المنطلق» وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: «المنطلق زيد» (١). وكان عبد القاهر الجرجانى من أحسن الذين ميزوا بين تعريف المسند وتنكيره (٢) وقد أوضح الفروق بين هاتين الجملتين:

стр. 145

- زيد منطلق. - زيد المنطلق. وقال إنّ فى كل واحد من هذه الأحوال غرضا خاصا وفائدة لا تكون فى الباقى، فالعبارة الأولى «زيد منطلق» كان الكلام فيها مع من لم يعلم أنّ انطلاقا كان لا من «زيد» ولا من «عمرو» فهى تفيده ذلك ابتداء. والعبارة الثانية «زيد المنطلق» كان الكلام فيها مع من عرف أنّ انطلاقا كان إمّا من «زيد» وإمّا من «عمرو» فهى تعلمه أنّه كان من «زيد» دون غيره. والنكتة هنا هى أن يثبت المتكلم فى العبارة الأولى «زيد منطلق» فعلا لم يعلم السامع من أصله أنّه كان، ويثبت فى الثانى «زيد المنطلق» فعلا قد علم السامع به أنّه كان ولكنه لم يعلمه ل «زيد». ومن الفرق بين الجملتين أنّه إذا نكر الخبر جاز أن يؤتى بمبتدأ ثان على أن يشرك بحرف العطف فى المعنى الذى أخبر به عن الأول، وإذا عرّف الخبر- المسند- لم يجز؛ ولذلك يقال: «زيد منطلق وعمرو» أى: «وعمرو منطلق أيضا» ولا يصح «زيد المنطلق وعمرو» لأنّ المعنى مع التعريف على على إرادة إثبات انطلاق مخصوص قد كان من واحد، فاذا أثبت ل «زيد» لم يصح إثباته ل «عمرو». ثم إن كان ذلك الانطلاق من الاثنين وجب الجمع بينهما فى الخبر فيقال: «زيد وعمرو هما المنطلقان» لا أن يفرقا فيثبت أولا ل «زيد» ثم ل «عمرو» بعد ذلك. وربما كانت الألف واللام فى المسند على معنى الجنس ثم يكون لها فى ذلك وجوه: الأول: قصر جنس المعنى على المخبر للمبالغة مثل «زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع» أى: إنّه الكامل إلّا أنّ الكلام خرج فى صورة توهم أنّ الجود أو الشجاعة لم توجد إلّا فيه. ولا يجوز فى هذه الحالة العطف عليه للاشراك، ولو قيل «زيد هو الجواد وعمرو» كان خلفا من القول. الثانى: قصر جنس المعنى الذى يفاد بالخبر على المخبر عنه لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده فى غير المخبر عنه بل على دعوى أنّه لا يوجد
следующие страницы →