العجيبة، وبه تقع- غالبا- المزايا التى بها التفاضل، ولكونه أصلا فى الكلام، لأنّ الإنشاء إنّما يحصل منه باشتقاق كالأمر والنهى، أو نقل ك «بئس» و «نعم» وبعت واشتريت، أو زيادة أداة كالاستفهام والتمنى وما أشبه ذلك.
ثم قدم بحث أحوال الإسناد على أحوال المسند إليه والمسند مع أنّ النسبة متأخرة عن الطرفين، لأنّ علم المعانى إنّما يبحث عن أحوال اللفظ الموصوف بكونه مسندا إليه ومسندا. وهذا الوصف إنّما يتحقق بعد تحقيق الإسناد، لأنه ما لم يسند أحد الطرفين إلى الآخر لم يصر أحدهما مسندا إليه والآخر مسندا. والمتقدم على النسبة إنّما هو ذات الطرفين ولا بحث لنا عنهما» (١).
ومهما حاول أنصار هذا المنهج أن يوجهوه فان البلاغة التى نقيس بها الأدب ونحكم عليه لا يمكن أن يعلل منهج بحثها هذا التعليل، وأن يصطنع لها اصطناعا يبعدها عن روحها الأدبية. ولكن هل نجح السكاكى فى هذا المنهج؟ وهل استطاع أن يحصر موضوعات علم المعانى حصرا دقيقا؟
الواقع أنّه لم ينجح فى هذا التقسيم الذى بناه على المنطق وحده، فحصر به موضوعات المعانى حصرا مزقها تمزيقا أفقدها كل حياة، وباعد بينها وبين ما يتطلبه الفن الأدبى الذى ينبغى أن يعتمد- أول ما يعتمد- على الذوق الرفيع.
ولتوضيح ذلك نقول إنّ السكاكى قسّم مباحث المعانى حسب ركنى الجملة- المسند إليه والمسند- وعلى هذا الأساس ذكر التقديم- مثلا- فى المسند إليه مرة وفى المسند تارة أخرى. وفعل مثل هذا بالموضوعات الأخرى كالتأخير، والحذف، والذكر، والتعريف والتنكير. وكان من الدقة أن يبحث كل موضوع بحثا مستقلا فيتكلم على التقديم والتأخير فى فصل، والذكر والحذف فى ثان، والتعريف والتنكير فى ثالث، وبذلك تجمع أوصال الموضوع الواحد فى بحث يستوفى أجزاءه ويجمع شتاته. أمّا أن يوزع
стр. 72
أقسام الموضوع الواحد هذا التوزيع ويذكر عنه فى كل باب نتفا يسيرة لا تجدى نفعا، فما لا يمكن الأخذ به والتعويل عليه. وبالمقارنة بين ما كتبه السكاكى وما كتبه عبد القاهر أو ابن الأثير يتضح مدى إفساده هذه المباحث وجوره عليها. فبعد أن كنا نقرأ فى «دلائل الإعجاز» أو «المثل السائر» موضوعات فيها عرض وتحليل وجمع لأطراف الموضوع الواحد جمعا يخرج الدارس منه بفكرة واضحة وفائدة كبيرة- بعد هذا كله- نقرأ فى «مفتاح العلوم» موضوعات تناثرت أطرافها فى عدة أبواب لا يخرج الدارس منها إلا بصورة حائلة، وقواعد جامدة، وأمثلة مبتسرة. وقد يلجأ لكى يكوّن فكرة صحيحة إلى أن يلم شتات الموضوع الواحد ويضم بعضها إلى بعض، وفى هذا إضاعة للجهد وإفساد للبلاغة والذوق.
وكانت ثمرة ذلك أن بعثر السكاكى الموضوعات وأفقدها رونقها، وأصبحت لا تجدى نفعا إلّا بالرجوع إلى عدة فصول لجمع شتاتها وتوحيد أجزائها.
أمّا بحث خروج الكلام على مقتضى الظاهر كوضع المضمر موضع المظهر، ووضع المظهر موضع المضمر، والالتفات فى المسند إليه فليس دقيقا، لأنّ هذه الفنون لا تخصه وحده وإنما تدخل المسند أيضا. وقد أشار السكاكى إلى ذلك بقوله: «واعلم أنّ هذا النوع أعنى نقل الكلام عن الحكاية إلى الغيبة لا يختص بالمسند إليه» (١). وكان ينبغى أن يضع لكل لون من هذه الفنون بحثا يفصّل القول فيه تفصيلا.
وتكلم على استعمال المضارع مكان الماضى فى الحالات المقتضية لتقييد الفعل بالشرط مع أنّ الإخبار عن الفعل الماضى بالفعل المضارع أو بالمستقبل نوع من الالتفات كما صرح به البلاغيون.
وعقد فصلا للفعل وما يتعلق به من ترك وإثبات، وإظهار وإضمار،
стр. 73
وتقديم وتأخير، مع أنّ الفعل مسند، وكان ينبغى أن يبحثه فى باب المسند ويذكر أنّه يأتى فعلا واسما وجملة.
ولكننا لا بدّ أن نحمد للسكاكى انتباهه إلى اشتراك كثير من المباحث التى ذكرها فى المسند والمسند إليه، فقد أشار- وهو يتحدث عن الحالة المقتضية لقصر المسند إليه على المسند- إلى أنّ القصر لا يختص بالمسند إليه وإنما يدخل المسند أيضا، ويجرى بين الفاعل والمفعول، وبين المفعولين، وبين الحال وذى الحال، وبين كل
طرفين. يقول: «واعلم أنّ القصر كما يكون للمسند إليه على المسند يكون للمسند على المسند إليه، ثم هو ليس مختصا بهذا البين بل له شيوع وله تفريعات، فالأولى أن نفرد للكلام فى ذلك فصلا ونؤخره إلى تمام التعرف لما سواه فى قانوننا هذا ليكون إلى الوقوف عليه أقرب» (١)
هذا ما يتعلق باتخاذ ركنى الجملة أساسا فى تقسيم مباحث علم المعانى، أما ما يتصل بالموضوعات نفسها فقد ذكر التقديم والتأخير، والحذف والذكر والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والتعريف والتنكير، والقصر، فى القانون الأول أى فى باب الخبر. وليس فى هذا دقة، لأنّ هذه الموضوعات تدخل الطلب كما تدخل الخبر. وقد أشار عبد القاهر إلى ذلك بقوله: «أنّه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه فى الاستفهام معنى لا يكون له ذلك المعنى فى الخبر، ذلك أنّ الاستفهام استخبار، والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك. فاذا كان كذلك كان محالا أن يفرق الحال بين تقديم الاسم وتأخيره فى الاستفهام فيكون المعنى إذا قلت: «أزيد قام؟» غيره إذا قلت «أقام زيد؟»، ثم لا يكون هذا الافتراق فى الخبر. ويكون قولك «زيد قام» و «قام زيد» سواء ذاك، لأنه يؤدى إلى أن نستعمله أمرا لا سبيل فيه إلى جواب، وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه» (٢). وبقوله: «وإذ قد عرفت الحكم فى الابتداء بالنكرة فى الاستفهام فابن الخبر عليه» (٣).
стр. 74
ولم يأخذ السكاكى برأى عبد القاهر مع أنّه اعتمد على كتابيه وجرّدهما من النزعة الأدبية وأحالهما هيا كل بتقسيماته المنطقية.
والعجيب أنّ الخطيب القزوينى وسعد الدين التفتازانى وغيرهما من الشراح تابعوا السكاكى فى هذا التقسيم مع أنّهم ذكروا أنّ الموضوعات التى بحثت فى الخبر تدخل الطلب أيضا. يقول القزوينى بعد أن ذكر أحوال المسند: «كثير مما ذكر فى هذا الباب والذى قبله غير مختص بهما كالذكر والحذف وغيرهما. والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما لا يخفى عليه اعتباره فى غيرهما» (١). وأعاد هذا القول فى كتابه «الإيضاح» بعد أن ذكر أحوال الإسناد والمسند إليه والمسند وأحوال متعلقات الفعل والقصر، وقال:
«ما ذكرناه فى هذه الأبواب الخمسة السابقة ليس كله مختصا بالخبر بل كثير منه حكم الإنشاء فيه حكم الخبر،
يظهر ذلك بأدنى تأمل» (٢). وقال التفتازانى: «إنّ الإسناد الإنشائى أيضا إمّا مؤكد أو مجرد عن التأكيد، وكذا المسند إليه إمّا مذكور أو محذوف مقدم أو مؤخر، معرف أو منكر، إلى غير ذلك، وكذلك المسند اسم أو فعل، مطلق أو مقيد بمفعول أو بشرط أو بغيره. والمتعلقات إما متقدمة أو متأخرة، مذكورة أو محذوفة، وإسناده وتعلقه أيضا إما بقصر أو بغير قصر. والاعتبارات المناسبة فى ذلك مثل ما مر فى الخبر ولا يخفى عليك اعتباره بعد الإحاطة بما سبق» (٣).
ولكنّ البلاغيين سحروا بمنهج السكاكى وساروا عليه من غير أن يحاولوا إصلاحه إلا ما صدر عنهم من ملاحظات لا تبعد البلاغة عن جوهره كثيرا. ونرى- إذا ما أردنا أن نعيد ترتيب مباحث علم المعانى فى كتاب «مفتاح العلوم» - أن يبحث الخبر والإنشاء فى باب مستقل وتذكر أنواعهما وأساليبهما، ثم تبحث الجملة فى باب آخر يجمع أجزاءها ويكون للتقديم والتأخير فصل، وللذكر والحذف فصل ثان، وللتنكير والتعريف فصل
стр. 75
ثالث، وللقصر وأنواعه وطرقه فصل رابع، ولتقييد المسند والمسند إليه فصل خامس. ولا بدّ من بحث الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب فى بابين مستقلين. وبهذه الطريقة نجمع ما فرّقه السكاكى ونبعث الحياة فى هذا الفن ليكون صالحا فى الدراسات الأدبية.
وليس بغريب أن ندعو إلى هذا المنهج فقد بحث المتقدمون البلاغة بما هو قريب منه، وكان لأعلامهم كأبى هلال وابن رشيق وابن سنان وعبد القاهر وابن الأثير مناهج سليمة وبحوث طريفة ذات نفع عظيم وأثر كبير، لأنّهم لم يبعثروا الموضوعات فى فصول كثيرة وإنّما جمعوها جمعا دقيقا، وبذلك جاءت كتبهم آية فى الإبداع، وكانت بحوثهم غاية فى الوضوح والجلاء.
وكان الخطيب القزوينى (- هـ) أوضح منهجا من السكاكى، والمعانى عنده «علم يعرف به أحوال اللفظ العربى التى بها يطابق مقتضى الحال» (١). وقد رفض تعريف السكاكى وهو «تتبع خواص تراكيب الكلام فى الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره» (٢)، لأنّ التتبع ليس بعلم ولا صادق عليه فلا يصح تعريف شئ من العلوم به.
وحصر علم المعانى فى ثمانية أبواب:
الأول: أحوال الإسناد الخبرى.
الثانى: أحوال المسند اليه.
الثالث: أحوال المسند.
الرابع: أحوال متعلقات الفعل.
الخامس: القصر.
السادس: الإنشاء.
السابع: الفصل والوصل.
الثامن: الإيجاز والإطناب (٣).
стр. 76
ووجه الحصر أنّ الكلام إمّا خبر أو إنشاء، لأنّه إما أن يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، أو لا يكون لها خارج، الأول الخبر، والثانى الإنشاء. ثم الخبر لا بد له من إسناد ومسند إليه ومسند، وأحوال هذه الثلاثة هى الأبواب الثلاثة الأولى. ثم المسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا أو متصلا به أو فى معناه كاسم الفاعل ونحوه، وهذا هو الباب الرابع، ثم الإسناد والتعلق كل واحد منهما يكون إمّا بقصر أو بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس. والإنشاء هو الباب السادس. ثم الجملة إذا قرنت بأخرى فتكون الثانية إمّا معطوفة على الأولى أو غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع ولفظ الكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن.
وهذا المنهج يختلف قليلا عن منهج السكاكى، وهو أقرب إلى الكمال لأنّ القزوينى ضم الموضوعات المتشابهة فى فصول مستقلة، وكان فى بحثه ألصق بالبلاغة وروحها من صاحب «مفتاح العلوم» الذى مزقها كل ممزق.
وسيطر هذا المنهج على البلاغيين وظلت كتبهم تقسم علم المعانى هذا التقسيم، ولم يخرج عنه معظم المتأخرين والمحدثين.
وإذا كان علم المعانى قريبا من النحو أو هو توخى معانى النحو فانّه يختلف عنه فى معالجة الموضوعات، وقد
فصل القول فى ذلك عبد القاهر وانتهى إلى أنّنا لا نريد المعانى الأول وإنّما المعانى الثوانى وهى عنده معنى المعنى. ولخص المتأخرون فائدة علم المعانى فقال بهاء الدين السبكى: «ولعلك تقول: أى فائدة لعلم المعانى فانّ المفردات والمركبات علت بالعلوم الثلاثة- اللغة والنحو والصرف- وعلم المعانى غالبه من علم النحو؟ كلا إنّ غاية النحوى أن ينزل المفردات على ما وضعت له ويركبها عليها ووراء ذلك مقاصد لا تتعلّق بالوضع مما يتفاوت به أغراض المتكلم على أوجه لا تتناهى وتلك الأسرار لا تعلم إلّا بعلم المعانى، والنحوى- وإن ذكرها- فهو على وجه إجمالى يتصرف فيه البيانى تصرفا خاصا لا يصل إليه النحوى. وهذا كما أنّ معظم أصول الفقه من علم اللغة والنحو والحديث وإن كان مستقلا بنفسه.
стр. 77
واعلم أنّ علمى أصول الفقه والمعانى فى غاية التداخل فانّ الخبر والإنشاء اللذين يتكلم فيهما المعانى هما موضوع غالب الأصول وأنّ كل ما يتكلم عليه الأصولى من كون الأمر للوجوب والنهى للتحريم ومسائل الإخبار والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والإجمالى والتفصيل والتراجيح كلها ترجع إلى موضوع علم المعانى، وليس فى أصول الفقه ما ينفرد به كلام الشارع عن غيره إلّا الحكم الشرعى والقياس، وأشياء يسيرة» (١).
وهذا ما أطال الكلام عليه عبد القاهر الذى قال إنّ الصحة فى الكلام هى الخطوة الأولى، أمّا الخطوة الثانية فهى فهم الكلام واستخلاص ما فيه من المعانى الثوانى التى يدل عليها، ولذلك كان «علم المعانى» ضروريا فى فهم الأساليب البلاغية، بعد أن فقد النحو رونقه وبهاءه، وأصبح قواعد لا تعنى إلّا بالإعراب والبناء، والعوامل، والجدل المنطقى الذى لا يخدم اللغة بقدر ما يعوقها عن النمو والازدهار.
...
стр. 78
الفصل الثانى الخبر والانشاء
[ظهور دراسته]
ظهرت دراسات هذا الموضوع فى رحاب علم الكلام، وكان لمسألة خلق القرآن أثر فى ذلك، وقد بنى المعتزلة رأيهم على أساس أنّ القرآن أمر ونهى وخبر، وذلك مما ينفى عنه صفة القدم التى ذهب إليها معظم المسلمين.
وظهر فى بيئة الاعتزال رأيان فى صدق الخبر وكذبه:
الرأى الأول: ينسب إلى أبى إسحاق إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام (- هـ أو هـ) وخلاصة هذا الرأى أنّ صدق الخبر مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر صوابا كان أو خطأ، وكذبه مطابقة حكمه له. واحتج بوجهين:
أحدهما: أنّ من اعتقد أمرا فأخبر به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال:
ما كذب ولكنه أخطأ. كما روى عن عائشة- رضى الله عنها- قالت فيمن شأنه كذلك «ما كذب ولكنه وهم».
الثانى: قوله تعالى: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» (١) كذبهم فى قولهم: «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» وإن كان مطابقا للواقع لأنّهم لم يعتقدوه. وردّ الخطيب القزوينى على الوجه الأول بأنّ المنفى تعمد الكذب لا الكذب بدليل تكذيب الكافر إذا قال: «الإسلام باطل» وتصديقه إذا قال: «الإسلام حق». فقول السيدة عائشة «ما كذب» متأول بما كذب عمدا وأجاب عن الوجه الأول بوجوه:
стр. 79
أحدها: أنّ المعنى نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا، كما يترجم عنه «إنّ» واللام، وكون الجملة اسمية فى قولهم: «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ»، فالتكذيب فى قولهم «نشهد» وادعائهم فيه المواطأة لا فى قولهم «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ»
وثانيها: أنّ التكذيب فى تسميتهم إخباره شهادة، لأنّ الإخبار إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة فى الحقيقة.
وثالثها: أنّ المعنى لكاذبون فى قولهم: «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» عند أنفسهم لاعتقادهم أنّه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
الرأى الثانى: ينسب إلى أبى عثمان الجاحظ (- هـ)، وفيه أنكر انحصار الخبر فى الصدق والكذب، وزعم أنّه ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب. فالخبر الصادق هو المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنّه مطابق، والخبر الكاذب هو الذى لا يطابق الواقع مع الاعتقاد بأنّه غير مطابق. أما الخبر الذى ليس بصادق ولا كاذب فهو أربعة أنواع:
- الخبر المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه غير مطابق.
- الخبر المطابق للواقع بلا اعتقاد.
- الخبر غير المطابق للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق.
- الخبر غير المطابق للواقع بلا اعتقاد.
واحتج بقوله تعالى: «أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ» (١)، فانهم حصروا دعوى النبى- ﷺ
الرسالة فى الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو، وليس إخباره حال الجنون كذبا لجعلهم الافتراء فى مقابلته، ولا صدقا لأنّهم لم يعتقدوا صدقه، فثبت أنّ من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب (٢).
стр. 80
وانتقلت هذه المباحث إلى كتب البلاغة والأدب، فقال ابن قتيبة (- هـ) وهو يتحدث عما كان فى زمانه من معارف أذهلت بعضهم:
«والكلام أربعة: أمر، وخبر، واستخبار، ورغبة. ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب وهى: الأمر، والاستخبار، والرغبة. وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر» (١).
وقسّم ثعلب (- هـ) قواعد الشعر إلى أمر، ونهى، وخبر، واستخبار (٢).
وقسم أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن وهب الكلام إلى خبر وطلب، وقال: «الخبر: كل قول أفدت به مستمعه ما لم يكن عنده، كقولك:
«قام زيد» فقد أفدته العلم بقيامه ... والطلب: كل ما طلبته من غيرك (٣)»
وعقد أحمد بن فارس (- هـ) فى كتابه «الصاحبى» بابا سماه «معانى الكلام» وهى عند أهل العلم عشرة: خبر واستخبار، وأمر ونهى، ودعاء وطلب، وعرض وتحضيض، وتمن وتعجب. وقال فى تعريف الخبر: «أمّا أهل اللغة فلا يقولون فى الخبر أكثر من أنّه إعلام: تقول أخبرته أخبره، والخبر هو العلم. وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا فى ماض من زمان، أو مستقبل، أو دائم (٤)».
стр. 81
الخبر
تعريفه:
وكان للبلاغيين المتأخرين وقفة عند الخبر ودلالته، وقد عادوا فى بحثه إلى منهج المعتزلة وأدخلوا فيه المباحث الفلسفية والعقائدية فقال فخر الدين الرازى (- هـ) إنّه «القول المقتضى بتصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالنفى أو بالاثبات. ومن حدّه بأنّه المحتمل للصدق والكذب المحدودين بالخبر لزمه الدور. ومن حده المحتمل للتصديق والتكذيب المحدودين بالصدق والكذب، واقع فى الدور مرتين (١)».
وعرض السكاكى (- هـ) أقوال السابقين فى تعريف الخبر وناقشها وذهب إلى أنّ الخبر والطلب مستغنيان عن التعريف الحدىّ (٢).
أمّا الخطيب القزوينى (- هـ) فقد ذكر آراء السابقين كالنظّام والجاحظ ولكنه أخذ برأى الجمهور وقال فى بداية بحثه للخبر: «اختلف الناس فى انحصار الخبر فى الصادق والكاذب، فذهب الجمهور إلى أنّه منحصر فيهما، ثم اختلفوا فقال الأكثر منهم صدقه مطابقة حكمه للواقع، وكذبه عدم مطابقة حكمه له. هذا هو المشهور وعليه التعويل (٣)». وإلى ذلك ذهب معظم شراح التلخيص (٤).
وصفوة القول أنّ الخبر كل كلام يحتمل الصدق والكذب لذاته، وهذا التعريف يصدق على كل كلام يؤخذ من غير النظر إلى قائله. والأخبار التى وردت فى القرآن الكريم وأحاديث النبى- ﷺ والحقائق
стр. 82
العلمية والبديهيات التى لا يشك فيها، لا يمكن أن تحتمل الكذب مع أنّها إخبار عن شئ، ولذلك تخرج من هذا التعريف، أما غيرها من الأخبار فهى قابلة للتصديق والتكذيب من أى إنسان صدرت؛ لأنّها ينظر إليها لذاتها لا لذات القائلين.
أضربه:
للجملة الخبرية معنى يحدده تركيبها، فاذا أطلقت خالية من أى تأكيد كانت لها دلالة، وإذا أكدت بمؤكد واحد أو أكثر كانت لها دلالة أخرى.
وقد انتبه العرب إلى ذلك فى إطلاقهم الخبر، وأشار عبد القاهر إلى هذه الاختلافات فقال: «واعلم أنّ مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده أنّ ههنا فروقا خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنّهم يجهلونها فى موضع ويعرفونها فى آخر، بل لا يدرون أنّها هى ولا يعلمونها فى جملة ولا تفصيل. روى ابن الأنبارى أنّه قال: ركب الكندى المتفلسف إلى أبى العباس (١) وقال له: إنّى لأجد فى كلام العرب حشوا. فقال له أبو العباس: فى أى موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون:
«عبد الله قائم» ثم يقولون: «إنّ عبد الله قائم» ثم يقولون: «إنّ عبد الله لقائم» فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعانى مختلفة لاختلاف الألفاظ. فقولهم: «عبد الله قائم» إخبار عن قيامه، وقولهم: «إنّ عبد الله قائم» جواب عن سؤال سائل، وقولهم: «إنّ عبد الله لقائم» جواب عن إنكار منكر قيامه. فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعانى. قال: فما أحار المتفلسف جوابا. وإذا كان الكندى يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض فما ظنك بالعامة ومن هو فى عداد العامة ممن لا يخطر شبه هذا بباله» (٢).
стр. 83
فالخبر ثلاثة أضرب:
الاول: الابتدائى، وهو الخبر الذى يكون خاليا من المؤكدات لأنّ المخاطب خالى الذهن من الحكم الذى تضمنه. ومن ذلك قوله تعالى:
«قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» (١). وقوله: «وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ» (٢). ومنه قول المتنبى:
أنا الذى نظر الأعمى إلى أدبى ... وأسمعت كلماتى من به صمم
أنام ملء جفونى عن شواردها ... ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
ففى هذه الأمثلة إلقاء للخبر إلى مخاطب خالى الذهن من حكمه، ولذلك جاءت من غير توكيد.
الثانى: الطلبى، وهو الخبر الذى يتردد المخاطب فيه ولا يعرف مدى صحته، أو هو كما قال السكاكى: «وإذا ألقاها إلى طالب لها متحير طرفاها عنده دون الاستناد فهو منه بين بين لينقذه عن ورطة الحيرة، استحسن تقوية المنقذ بإدخال اللام فى الجملة أو «إنّ» (٣).
ومن ذلك قوله تعالى: «وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى، قالَ يا مُوسى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» (٤). وقوله: «إِذْ قالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا» (٥).
ومنه قول جرير:
إنّ العيون التى فى طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
стр. 84
وقول البحترى:
هل يجلبنّ إلىّ عطفك موقف ... ثبت لديك أقول فيه وتسمع؟
فى هذه الأمثلة أكد الخبر باحدى أدوات التأكيد، مثل «إنّ» فى الآية الأولى والبيت الأول، واللام فى الآية الثانية «ليوسف» والنون فى «يجلبنّ» والمؤكد فى كل منها واحد.
الثالث: الإنكارى، وهو الخبر الذى ينكره المخاطب إنكارا يحتاج إلى أن يؤكد بأكثر من مؤكد. ففى قوله تعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ، فَقالُوا: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. قالُوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ. قالُوا: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ» (١).
حيث قال أولا: «إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ» وقال ثانيا: «إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ» حينما ازداد إنكارهم ولذلك أكّده ب «إنّ» أولا وباللام ثانيا ليزيل منهم ذلك الشك والإنكار. ومنه قوله:
«إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ» (٢).
ومنه قول الحماسى:
إنّا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد (٣)
ومتى نجد يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد
وفى هذه الأمثلة مؤكدان «إنّ» واللام.
стр. 85
مؤكداته:
للخبر مؤكدات كثيرة منها:
- إنّ: وهى التى تنصب الاسم وترفع الخبر، ومنها قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» (١)، وقوله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ» (٢) ..
وقول الشاعر:
إنّ التى زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
وقول البحترى:
شرفا بنى العباس إنّ أباكم ... عم النبى وعيصه المتفرع
إنّ الفضيلة للذى استسقى به ... عمر وشفّع إذ غدا يستشفع
ول «إنّ» أثر فى العبارة غير التوكيد، وفى «دلائل الإعجاز» (٣) إشارات إلى مواقعها فى الكلام، ولكن الذى يتصل بالموضوع، التأكيد كما فى بيت أبى نواس:
عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى نفسك فى الياس
يقول عبد القاهر معلقا عليه: «فقد ترى حسن موقعها وكيف قبول النفس لها، وليس ذلك إلّا لأنّ الغالب على الناس أنّهم لا يحملون أنفسهم على اليأس ولا يدعون الرجاء والطمع ولا يعترف كل أحد ولا يسلم أنّ الغنى فى اليأس، فلما كان كذلك كان الموضع موضع فقر إلى التأكيد فلذلك كان من حسنها ما ترى.
стр. 86
ومثله سواء قول محمد بن وهيب:
أجارتنا إنّ التعفّف بالياس ... وصبر على استدرار دنيا بابساس (١)
حريان أن لا يقذفا (٢) بمذلة ... كريما وأن لا يحوجاه إلى الناس
أجارتنا إنّ القداح كواذب (٣) ... وأكثر أسباب النجاح مع الياس
هو كما لا يخفى كلام مع من لا يرى أنّ الأمر كما قال بل ينكره ويعتقد خلافه ومعلوم أنّه لم يقله إلّا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس وعلى الطلب» (٤).
- أن: وهى التى تنصب الاسم وترفع الخبر، كقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (٥) وقوله: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (٦).
ولم يعدّ بعضهم «أنّ» من المؤكدات لأنّ ما بعدها فى حكم المفرد والتأكيد المقصود هو تأكيد النسبة لا المسند ولا المسند إليه، ولكن ابن هشام يقول: «أنّ تكون حرف توكيد تنصب الاسم وترفع الخبر، والأصح أنّها فرع عن «إنّ» المكسورة» (٧).
- كأنّ: وفيها التشبيه المؤكد إن كانت بسيطة وإن كانت مركبة من كاف التشبيه و «أنّ» فهى متضمنة لأنّ فيها ما سبق وزيادة. كقوله تعالى:
стр. 87
«وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» (١).
وقول بكر بن النطاح:
تراهم ينظرون إلى المعالى ... كما نظرت إلى الشّيب الملاح
يحدّون العيون إلىّ شزرا ... كأنى فى عيونهم السّماح
- لكنّ: لتأكيد الجمل، وقيل: للتأكيد مع الاستدراك، وقيل: إنّها للتوكيد دائما مثل «إنّ» (٢). ومنه قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (٣).
وقول المتنبى:
فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرة ... ولكنّ سيف الدولة اليوم واحد
- لام الابتداء: وتفيد تأكيد مضمون الجملة، ولهذا زحلقوها فى باب «إنّ» عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام بمؤكدين. ومنه قوله تعالى: «إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» (٤).
- الفصل: وهو من مؤكدات الجملة، وقد نصّ سيبويه على أنّه يفيد التأكيد، وقال فى قوله تعالى: «إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً» (٥).
إنّ ضمير الفصل «أنا» وصف للياء فى «ترنى» يزيد تأكيدا (٦).
стр. 88
- أمّا: وهى حرف شرط وتفصيل وتوكيد، ومنه قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا» (١).
ولكن ابن هشام قال: «وأمّا التوكيد فقلّ من ذكره ولم أر من أحكم شرحه غير الزمخشرى فانه قال: فائدة «أما» فى الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: «زيد ذاهب» فاذا قصدت توكيد ذلك وأنّه لا محالة ذاهب وأنّه بصدد الذهاب وأنّه منه عزيمة قلت: «أما زيد فذاهب» ولذلك قال سيبويه فى تفسيره: مهما يكن من شئ فزيد ذاهب وهذا التفسير مدل بفائدتين:
بيان كونه توكيدا، وأنّه فى معنى الشرط» (٢).
ومنه قول الشاعر:
ولم أر كالمعروف أمّا مذاقه ... فحلو وأمّا وجهه فجميل
- قد: وهى حرف تحقيق، ومنه قوله تعالى: «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٣). وقوله: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» (٤).
وقول المقنع الكندى:
يعاتبنى فى الدّين قومى وإنّما ... ديونى فى أشياء تكسبهم حمدا
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيّعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدّا
стр. 89
- السين: وهى حرف يختص بالمضارع ويخلصه للاستقبال، كقوله تعالى: «أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ» (١)، فالسين تفيد وجود الرحمة لا محالة، فهى تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد فى قولك: «سأنتقم منك يوما» أى: أنّك لا تفوتنى وإن تبطأت (٢).
سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسه ... بأنّنى خير من تمشى به قدم
- القسم: وهو عند النحاة جملة يؤكد بها الخبر، حتى أنّهم جعلوا قوله تعالى: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» (٣)، قسما وإن كان فيه إخبار إلّا أنّه لما جاء توكيدا للخبر سمى قسما (٤).
وللقسم أحرف هى: الباء والواو والتاء، والباء هى الأصل لدخولها على كل مقسم به. ومنه قوله تعالى: «وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» (٥)، وقوله:
«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» (٦) وقوله:
«قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ» (٧)، وقوله: «وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ» (٨).
ومنه قول ابن أبى ربيعة:
فو الله لا أدرى وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان
стр. 90
- نونا اليوكيد: وهما الثقيلة والخفيفة، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ» (١) وقوله:
«لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ» (٢).
ومنه قول الشاعر:
لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
- لن: يؤتى بها لتأكيد النفى، كقوله تعالى: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ: لَنْ تَرانِي، وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» (٣).
ومنه قول الطرماح:
لقد زادنى حبا لنفسى أنّنى ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وأنّى شقى باللئام ولن ترى ... شقيّا بهم إلّا كريم الشمائل
- الحروف الزائدة: وهى كثيرة، منها الباء كما فى قوله تعالى: «وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» (٤).
وقول معن بن أوس:
ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى
و «من» كقوله تعالى: «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها» (٥)، وقوله «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ» (٦).
стр. 91
ومنها قول زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الله تعلم
- حروف التنبيه: ومنها «أما» حرف استفتاح وتكثر قبل القسم، كقول أبى صخر الهذلى:
أما والذى أبكى وأضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره الأمر
لقد تركتنى أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما النّفر
و «ألا» الاستفتاحية، كقوله تعالى: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ» (١)، وقوله: «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (٢).
ومنه قول المعرى:
ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام ومجد ونائل
أغراضه:
للخبر غرضان أصليان هما:
الأول: فائدة الخبر، ومعناه إفادة المخاطب الحكم الذى تضمنته الجملة أو الكلام، وهذا هو الأصل فى كل خبر؛ لأنّ فائدته تقديم المعرفة أو العلم إلى الآخرين. ومن ذلك قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٣). وقوله:
«تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً. الَّذِي لَهُ
стр. 92
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً» (١).
ومنه قول الشاعر:
فلا الجود يفنى المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجدّ مدبر
وقول أبى نواس:
ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فصبا صبوة ولات أوان
ليس لى مسعد بمصر على الشّو ... ق إلى أوجه هناك حسان
الثانى: لازم الفائدة، وهذا الغرض لا يقدم جديدا للمخاطب وإنّما يفيد أنّ المتكلم عالم بالحكم. ومن ذلك قولنا لصديق: «زاركم محمد أمس»، فالمخاطب يعلم ذلك ولكن الغرض من هذه الجملة إخباره أنّ المتحدث عارف بذلك. ومنه قول المتنبى مخاطبا سيف الدولة الحمدانى ومادحا شجاعته وبطولته:
تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ... وقد كثرت حول الوكور المطاعم
وسيف الدولة يعلم ذلك.
وقول أحد الشعراء معاتبا:
وتغتابنى فى كل ناد تحلّه ... وتزعم أنى لست كفؤا لمثلكا
стр. 93
ولكنّ الخبر كثيرا ما يخرج على خلاف مقتضى الظاهر، يقول السكاكى «هذا ثم إنّك ترى المفلقين السحرة فى هذا الفن ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيرا» (١).
ومن ذلك:
- أن ينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر فيستشرف له استشراف المتردد الطالب، كقوله تعالى: «وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ» (٢)، وقوله: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (٣). قال القزوينى: «وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض، وروى عن الأصمعى أنّه قال:
كان أبو عمرو بن العلاء وخلف الأحمر يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتى وقت الزوال ثم ينصرفان، فأتياه يوما فقالا: ما هذه القصيدة التى أحدثتها فى ابن قتيبة؟ قال هى التى بلغتكما. قالا: بلغنا أنّك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، إنّ ابن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف.
قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ، فأنشدهما:
بكّرا صاحبىّ قبل الهجير ... إنّ ذاك النجاح فى التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إنّ ذاك النجاح»: «بكّرا فالنجاح» كان أحسن. فقال بشار: إنّما بنيتها أعرابية وحشية، فقلت: «إنّ ذاك النجاح» كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: «بكّرا فالنجاح» كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل فى معنى القصيدة. فقام خلف فقبّل بين عينيه.
стр. 94
فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبى عمرو بن العلاء- وهم من فحولة هذا الفن- إلّا للطف المعنى
فى ذلك وخفائه» (١).
- أن ينزل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شئ من أمارات الإنكار، ومنه قوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ» (٢)، وقد أكد إثبات الموت تأكيدين- وإن كان مما لا ينكر- لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ فى إنكار الموت لتماديهم فى الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: «ميتون» دون «تموتون». ومنه قول حجل ابن نضلة:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عمك فيهم رماح
فانّ مجيئه هكذا مدلّا بشجاعته قد وضع رمحه عارضا، دليل على إعجاب شديد منه واعتقاد أنّه لا يقوم إليه من بنى عمه أحد، كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم رمح.
- أن ينزل المنكر منزلة غير المنكر، إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن الإنكار، كما يقال لمنكر الإسلام: «لإاسلام حق»، وعليه قوله تعالى «لا رَيْبَ فِيهِ» (٣) وقوله «ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ» (٤). وقد أكّد إثبات البعث تأكيدا واحدا- وإن كان مما ينكر- لأنّه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر.
الأغراض المجازية:
الأصل فى الخبر أن يلقى لغرضين هما: فائدة الخبر، ولازم الفائدة، غير أنّه كثيرا ما يخرج على خلاف مقتضى الظاهر. ولكنه لا يقتصر على ذلك وإنما يخرج مجازا إلى أغراض كثيرة تفهم من السياق وقرائن الأحوال ومن ذلك:
стр. 95
- إظهار الضعف: ومنه قوله تعالى: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» (١) وقول الشاعر:
إنّ الثمانين- وبلغتها- ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وقول أبى نواس:
دبّ فىّ السقام سفلا وعلوا ... وأرانى أموت عضوا فعضوا
- الاسترحام: ومنه قول إبراهيم بن المهدى مخاطبا المأمون:
أتيت جرما شنيعا ... وأنت للعفو أهل
فان عفوت فمنّ ... وإن قتلت فعدل
وقول الآخر:
فمالى حيلة إلا رجائى ... لعفوك إن عفوت وحسن ظنى
- تحريك الهمة: ومنه قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» (٢).
- إظهار التحسر: ومنه قول أعرابى يرثى ولده:
ولما دعوت الصبر بعدك والأسى ... أجاب الأسى طوعا ولم يجب الصّبر
وقول المتنبى:
أقمت بأرض مصر فلا ورائى ... تخبّ بى الركاب ولا أمامى
وقوله فى الرثاء:
الحزن يقلق والتجمل يردع ... والقلب بينهما عصىّ طيّع
يتنازعان دموع عين مسهّد ... هذا يجئ بها وهذا يرجع
стр. 96
- المدح: ومنه قول النابغة الذبيانى:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
- الفخر: ومنه قول عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الفطام لناصبىّ ... تخرّ له الجبابر ساجدينا
وقول أبى فراس الحمدانى:
إنّا إذا اشتد الزما ... ن وناب خطب وادلهم
ألفيت حول بيوتنا ... عدد الشجاعة والكرم
للقا العدا بيض السيو ... ف، وللندى حمر النّعم
هذا وهذا دأبنا ... يودى دم ويراق دم
وقول الشريف الرضى:
لغير العلى منى القلى والتجنّب ... ولولا العلى ما كنت فى العيش أرغب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتى ... ولا تمكر الصهباء بى حين أشرب
ولا أعرف الفحشاء إلّا بوصفها ... ولا أنطق العوراء والقلب مغضب
- التوبيخ: ومن ذلك قولنا لتارك الصلاة: «الصلاة ركن من أركان الإسلام».
- التحذير: ومنه قول النبى- ﷺ : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
стр. 97
- الأمر: ومنه قوله تعالى: «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ» (١) وقوله:
«وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ» (٢)، فان السياق يدل على أنّ الله تعالى أمر بذلك لا أنّه خبر.
- النهى: ومنه قوله تعالى: «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (٣).
- الوعد: ومنه قوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ» (٤).
- الوعيد: ومنه قوله تعالى: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (٥).
- الدعاء: ومنه قوله تعالى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (٦)، أى:
أعنّا على عبادتك، وقولنا: «عفا الله عنه».
- الإنكار والتبكيت: ومنه قوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (٧)
- التمنى: ومنه قولنا: «وددتك عندنا».
- الإنكار: ومنه: «ماله علىّ حق».
- النفى: ومنه: «لا بأس عليك».
- التعظيم: ومنه: «سبحان الله».
стр. 98
وربما كان اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء، كقوله تعالى: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» (١)، فظاهره خبر، والمعنى إنّا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ومنه قوله: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» (٢)، والمعنى:
من طلّق امرأة مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرحها باحسان (٣).
...
стр. 99
الانشاء
تعريفه:
الانشاء كل كلام لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به واقع خارجى يطابقه أو لا يطابقه. وهذا ما اعتمد عليه القدماء حينما فصلوا بين الخبر والانشاء فقال القزوينى: «ووجه الحصر أنّ الكلام إما خبر أو إنشاء، لأنّه إما أن يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، أو لا يكون لها خارج. الأول الخبر، والثانى الإنشاء» (١).
أقسامه:
والإنشاء قسمان:
الأول: الإنشاء الطلبى، وهو ما يستدعى مطلوبا غير حاصل وقت الطلب، وهو خمسة أنواع: الأمر، والنهى، والاستفهام، والتمنى، والنداء.
الثانى: الإنشاء غير الطلبى: وهو ما لا يستدعى مطلوبا، وله أساليب مختلفة منها:
- صيغ المدح والذم: ومنها «نعم وبئس» كقوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (٢)، وقوله: «وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ» (٣)، وقوله: «يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» (٤).
стр. 100
وقول زهير فى مدح هرم بن سنان:
نعم امرأ هرم لم تعر نائبة ... إلّا وكان لمرتاع لها وزرا
ومنها «حبّذا ولا حبّذا»، كقول جرير:
يا حبّذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قبل الريان أحيانا
ومنها الأفعال المحولة إلى «فعل» مثل «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (١).
- التعجب: وله صيغتان قياسيتان هما: «ما أفعله» كقوله تعالى: «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ» (٢) وقوله: «فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ» (٣) وقول الشاعر:
فما أكثر الإخوان حين تعدّهم ... ولكنهم فى النائبات قليل
وقول الآخر:
بنفسى تلك الأرض ما أطيب الربى ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا
و «أفعل به» كقوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا» (٤).
ويأتى سماعيا كقولهم: «لله دره عالما».
- القسم: ويكون بالواو والتاء والباء، كقوله تعالى: «وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» (٥) وقوله: «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا» (٦)، وقولنا: «أقسم بالله أنّى برئ».
стр. 101
ومن صيغ القسم التى تأتى كثيرا «لعمر» كقوله تعالى: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» (١).
وقول الشاعر:
لعمرك ما أدرى وإنّى لأوجل ... على أيّنا تعدو المنية أول
- الرجاء: وهو طلب حصول أمر محبوب قريب الوقوع. والحرف الموضوع له «لعل» كقوله تعالى: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» (٢).
وقول ذى الرمة:
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجىّ البلابل (٣)
أما الأفعال التى تستعمل فى هذا الأسلوب فهى: «عسى»، كقوله تعالى: «فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ» (٤). وقول الشاعر:
عسى الكرب الذى أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
و «حرى» مثل: «حرى محمد أن يقوم».
و «اخلولق» مثل: «اخلولقت السماء أن تمطر».
وتسمى هذه الثلاثة «أفعال الرجاء».
стр. 102
- صيغ العقود: مثل: «بعت» و «اشتريت» و «وهبت» و «قبلت».
وهذه أساليب خبر، لكنها لا يراد بها الإخبار لأنّها لا تحتمل الصدق والكذب، ولذلك لم توضع مع الخبر.
ولايتهم البلاغيون بهذه الأساليب الإنشائية لقلة الأغراض المتعلقة بها، ولأنّ معظمها أخبار نقلت من معانيها الأصلية. أما الإنشاء الذى يعنون به فهو الطلبى لما فيه من تفنن فى القول لخروجه عن أغراضه الحقيقية إلى أغراض مجازية تفهم من سياق الكلام.
الإنشاء الطلبى:
وأساليب الإنشاء الطلبى خمسة هى:
الأول: الأمر:
وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام، أو كما قال العلوى:
«وهو صيغة تستدعى الفعل، أو قول ينبئ عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء» (١). وله أربع صيغ هى:
- فعل الأمر: كقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» (٢)، وقول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فانّك أنت الطاعم الكاسى
- المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» (٣). وقول أبى تمام:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
стр. 103
- اسم فعل الأمر: كقوله تعالى: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» (١)، أى: الزموا أنفسكم.
ومنه «صه» بمعنى اسكت، و «مه» بمعنى «اكفف» و «آمين» بمعنى استجب و «بله» بمعنى دع، و «رويده» بمعنى
أمهله، و «نزال» بمعنى انزل و «دراك» بمعنى أدرك.
- المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» (٢) وقول قطرى بن الفجاءة:
فصبرا فى مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
وقد يخرج الأمر عن معناه الأصلى- وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام إلى معان أخرى تفهم من سياق الكلام، ومن هذه الأغراض المجازية:
- الدعاء: وهو الطلب على سبيل التضرع، كقوله تعالى: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ» (٣) ويسميه ابن فارس «المسألة» (٤). ومنه قوله تعالى:
«رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ، فَآمَنَّا، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» (٥).
وقوله: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» (٦).
ومنه قول المتنبى:
أزل حسد الحسّاد عنى بكبتهم ... فأنت الذى صيّرتهم لى حسّدا
стр. 104
- الالتماس: وهو الطلب الصادر عن المتساوين قدرا ومنزلة على سبيل التلطف كقول ابن زيدون:
دومى على العهد مادمنا محافظة ... فالحرّ من دان إنصافا كما دينا
- التمنى: وهو الطلب الذى لا يرجى وقوعه، كقول عنترة:
يا دار عبلة بالجواء تكلمى ... وعمى صباحا دار عبلة واسلمى
وقول امرئ القيس:
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقول المعرى:
فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة ... ويا نفس جدّى إنّ دهرك هازل
وقول ابن زيدون:
ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيتنا ... من لو على البعد حيّا كان يحيينا
- النصح والإرشاد: وهو الطلب الذى لا إلزام فيه وإنّما النصيحة الخالصة، كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» (١)، وقوله:
«وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» (٢).
وقول المتنبى فى مدح سيف الدولة:
كذا فليسر من طلب الأعادى ... ومثل سراك فليكن الطلاب
- التمييز: وهو الطلب بأن يختار المخاطب بين أمرين أو أكثر، كقول بشار:
فعش واحدا أو صل أخاك فانّه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
стр. 105
- الإباحة: كقوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» (١). وقال القزوينى: «ومن أحسن ما جاء فيه قول كثير:
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا، ولا مقلية إن تقلّت (٢)
أى: لا أنت ملومة ولا مقلية.
ووجه حسنه إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ الأمر حتى كأنه مطلوب، أى: مهما اخترت فى حقى من الإساءة والإحسان، فأنا راض به غاية الرضا فعاملينى بهما، وانظرى هل تتفاوت حالى معك فى الحالين» (٣).
- التعجيز: وهو الطلب بما لا يقدر عليه المخاطب كقوله تعالى: «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ» (٤)، وقوله: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٥).
وقول الشاعر:
أرونى بخيلا طال عمرا ببخله ... وهاتوا كريما مات من كثرة البذل
- التهديد: كقوله تعالى: «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (٦) وقوله: «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» (٧).
стр. 106
ومنه قول الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالى ... ولم تستحى فاصنع ما تشاء
- التسوية: كقوله تعالى: «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا» (١)، ومنه قول المتنبى:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
- الإهانة: كقوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (٢)، وقوله: «كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً» (٣).
- التسخير: هو التذليل والإهانة، كقوله تعالى: «كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (٤)، ويسميه ابن فارس «التكوين» (٥).
- الاحتقار: كقوله تعالى: «أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ» (٦)، وبعضهم يجمع الإهانة والاحتقار فى غرض واحد.
- التسليم: كقوله تعالى: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (٧).
- الندب: كقوله تعالى: «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» (٨).
стр. 107
- التعجب: كقوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» (١)، ومنه قول كعب بن زهير:
أحسن بها خلة لو أنّها صدقت ... موعودها ولو انّ النصح مقبول
- التلهيف والتحسير: كقوله تعالى: «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ» (٢). ومنه قول جرير:
موتوا من الغيظ غما فى جزيرتكم ... لن تقطعوا بطن واد دونه مضر
- الوجوب: وذلك أن يكون أمرا وهو واجب كقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» (٣).
- الخبر: ويكون أمرا والمعنى خبر كقوله تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً» (٤). والمعنى: إنّهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا.
- الامتنان: كقوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» (٥)، والظاهر أنّه قسم من الإباحة لكن معه امتنان.
- الاكرام: مثل قوله تعالى: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ» (٦)، وهو من الإباحة أيضا.
- التكوين: كقوله تعالى: «كُنْ فَيَكُونُ» (٧)، وهو قريب من التسخير، إلّا أنّ هذا أعم.
стр. 108
- التفويض: كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (١).
- التكذيب: كقوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها» (٢)، وقوله: «قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» (٣).
- المشورة: كقوله تعالى: «فَانْظُرْ ماذا تَرى» (٤).
- الاعتبار: كقوله تعالى: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» (٥).
ويرى السبكى أنّ فى غالب هذه المعانى نظرا (٦).
الثانى النهى:
النهى طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام. ويتفق مع الأمر فى:
- أنّ كل واحد منهما لا بدّ فيه من اعتبار الاستعلاء.
- أنّهما يتعلقان بالغير، فلا يمكن أن يكون الإنسان آمرا لنفسه أو ناهيا لها.
- أنّهما لا بدّ من اعتبار حال فاعلهما فى كونه مريدا لهما.
ويختلفان فى:
- أنّ كل واحد منهما مختص بصيغة تخالف الآخر.
- أنّ الأمر دالّ على الطلب، والنهى دالّ على المنع.
стр. 109
- أنّ الأمر لا بدّ فيه من إرادة مأموره، وأنّ النهى لا بدّ فيه من كراهية منهيه (١).
وللنهى صيغة واحدة هى المضارع المقرون ب «لا» الناهية الجازمة، كقوله تعالى: «وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (٢).
وقد تخرج هذه الصيغة إلى معان مجازية كثيرة منها:
- الدعاء: ويكون صادرا من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً» (٣)، وقوله: «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا» (٤).
وقول كعب بن زهير:
لا تأخذنّى بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل
- الالتماس: ويكون صادرا من أخ إلى أخيه أو صديق إلى صديقه، كقوله تعالى على لسان هارون يخاطب أخاه موسى: «قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي» (٥). وقول المعرى:
لا تطويا السرّ عنى يوم نائبة ... فانّ ذلك ذنب غير مغتفر
- التمنى: ويكون النهى موجها إلى ما لا يعقل، كقول الخنساء:
أعينىّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
- النصح: كقوله تعالى: «وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ» (٦).
стр. 110
وكقول الشاعر:
لا تحلفنّ على صدق ولا كذب ... فما يفيدك إلّا المأثم الحلف
- التهديد: كقولنا لمن لا يمتثل للأمر: «لا تمتثل أمرى».
- التوبيخ: كقول الشاعر:
لاتنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
- التحقير: كقول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسى
وقول المتنبى:
لا تشتر العبد إلّا والعصا معه ... إنّ العبيد لأنجاس مناكيد
- التيئيس: ومنه قوله تعالى: «لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» (١) وقول المتنبى فى مدح سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إنّ الكرام بأسخاهم يدا ختموا
- بيان العاقبة: كقوله تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا» (٢)، أى: عاقبة الظلم العذاب لا الغفلة (٣).
الثالث: الاستفهام:
الاستفهام طلب العلم بشئ لم يكن معلوما من قبل، وهو الاستخبار الذى قالوا فيه إنّه طلب خبر ما ليس عندك، أى طلب الفهم. ومنهم من فرق بينهما