وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ» (١) ذهابا إلى أبعد درجته، وقوله: «وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها» (٢).
وقد يجعل ذريعة إلى التحقير كما يقال «ذلك اللعين فعل كذا».
- أو للتنبيه إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور وعقب بأوصاف على أنّ ما يرد بعد اسم الاشارة فالمذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف كقول حاتم الطائى.
ولله صعلوك يساور همّه ... ويمضى على الأحداث والدّهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عدّ مغنما
اذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمّم كبراهنّ ثمّت صمّما
ترى رمحه ونبله ومجنّه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخى هيجا وطرفا مسوّما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمّما (٣)
стр. 142
لقد عدد له خصالا حميدة كالمضاء على الأحداث مقدما والصبر على ألم الجوع والأنفة من أن يعد الشبعة مغنما وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: «فذلك» فأفاد أنّه جدير باتصافه بما ذكر من الصفات.
ومنه قوله تعالى: «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (١).
أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربحهم والفلاح (٢).
[الخامس: التعريف باللام ،]
الخامس: التعريف باللام، والتعريف بالأداة وهى اللام على مذهب، والألف واللام على مذهب تكون لأحد أمور:
- أن يشار به إلى معهود بينك وبين مخاطبك كما إذا قال لك قائل: «جاءنى رجل من بلدة كذا» فتقول: ما فعل الرجل؟ وعليه قوله تعالى:
«وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى» (٣)، أى: وليس الذكر الذى طلبت كالأنثى التى وهبت لها.
- أو يراد به نفس الحقيقة، مثل: «الماء مبدأ كلّ حى»، وقول المعرى:
والخلّ كالماء يبدى لى ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر (٤)
السادس: التعريف بالإضافة، ويكون لأسباب هى:
стр. 143
- أن لا يكون لإحضار المسند إليه فى الذهن طريق أخصر من الاضافة وينبغى أن يقيد بما اذا كان المقام مقام اختصار، كقول الشاعر:
هواى مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثمانى بمكة موثق (١)
- أو أن تغنى إضافته عن التفصيل المتعذر أو المرجوع لجهة، كقول الشاعر:
بنو مطر يوم اللقاء كأنّهم ... أسود لهم فى غيل خفّان أشبل (٢)
وقول الآخر:
قومى هم قتلوا أميم أخى ... فاذا رميت يصيبنى سهمى
- أو لتضمنها تعظيما لشأن المضاف إليه أو المضاف أو غيرهما. فتعظيم شأن المضاف كقوله تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» (٣) ففيه تعظيم لشأن العباد بأنّهم عباد الله. ومن تعظيم شأن المضاف إليه قولك:
«كتابى من أجلّ الكتب» ففيه تعظيم لشأن المضاف إليه بانه صاحب كتاب عظيم.
- أو تضمنها تحقير شأن المضاف أو المضاف إليه أو غيرهما مثل «أبو السارق جاء» و «أخو محمد سارق».
- أو لتضمنها الاستهزاء كما فى قوله تعالى على لسان فرعون: «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» (٤)، فانّ إضافة ضمير المسند إليه إلى المخاطبين ليس على سبيل الاعتراف برسالة موسى- ﵇ ولكن على سبيل الاستهزاء (٥).
стр. 144
[تعريف المسند]
أمّا تعريف المسند فلإفادة السامع إمّا حكما على أمر معلوم له بطريق من طرق التعريف بأمر آخر معلوم له كذلك، وإما لازم حكم بين أمرين كذلك وقد شرح القزوينى هذه الافادة بقوله: «تفسير هذا أنّه قد يكون للشئ صفتان التعريف ويكون السامع عالما باتصافه باحداهما دون الأخرى، فاذا أردت أن تخبره بأنّه متصف بالأخرى تعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصاف بالثانية كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرفه بعينه واسمه ولكن لا يعرف أنّه أخوه وأردت أن تعرفه أنّه أخوه فتقول له: «زيد أخوك» سواء عرف أنّ له أخا ولم يعرف أنّ زيدا أخوه أو لم يعرف أنّ له أخا أصلا. وإن عرف أنّ له أخا فى الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: «أخوك زيد». أما إذا لم يعرف أنّ له أخا أصلا فلا يقال ذلك لاقناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا، فظهر الفرق بين قولنا: «زيد أخوك» وقولنا: «أخوك زيد».
وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمّى زيدا بعينه واسمه، وعرف أنّه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنّه كان من
زيد أو غيره فأردت أن تعرفه أنّ زيدا هو ذلك المنطلق فتقول: «زيد المنطلق» وإن أردت أن تعرف أنّ ذلك المنطلق هو زيد قلت: «المنطلق زيد».
وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وهو يعرف معنى جنس المنطلق وأردت أن تعرفه بأنّ زيدا متصف به فتقول: «زيد المنطلق» وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: «المنطلق زيد» (١).
وكان عبد القاهر الجرجانى من أحسن الذين ميزوا بين تعريف المسند وتنكيره (٢) وقد أوضح الفروق بين هاتين الجملتين:
стр. 145
- زيد منطلق.
- زيد المنطلق.
وقال إنّ فى كل واحد من هذه الأحوال غرضا خاصا وفائدة لا تكون فى الباقى، فالعبارة الأولى «زيد منطلق» كان الكلام فيها مع من لم يعلم أنّ انطلاقا كان لا من «زيد» ولا من «عمرو» فهى تفيده ذلك ابتداء. والعبارة الثانية «زيد المنطلق» كان الكلام فيها مع من عرف أنّ انطلاقا كان إمّا من «زيد» وإمّا من «عمرو» فهى تعلمه أنّه كان من «زيد» دون غيره.
والنكتة هنا هى أن يثبت المتكلم فى العبارة الأولى «زيد منطلق» فعلا لم يعلم السامع من أصله أنّه كان، ويثبت فى الثانى «زيد المنطلق» فعلا قد علم السامع به أنّه كان ولكنه لم يعلمه ل «زيد».
ومن الفرق بين الجملتين أنّه إذا نكر الخبر جاز أن يؤتى بمبتدأ ثان على أن يشرك بحرف العطف فى المعنى الذى أخبر به عن الأول، وإذا عرّف الخبر- المسند- لم يجز؛ ولذلك يقال: «زيد منطلق وعمرو» أى: «وعمرو منطلق أيضا» ولا يصح «زيد المنطلق وعمرو» لأنّ المعنى مع التعريف على على إرادة إثبات انطلاق مخصوص قد كان من واحد، فاذا أثبت ل «زيد» لم يصح إثباته ل «عمرو». ثم إن كان ذلك الانطلاق من الاثنين وجب الجمع بينهما فى الخبر فيقال: «زيد وعمرو هما المنطلقان» لا أن يفرقا فيثبت أولا ل «زيد» ثم ل «عمرو» بعد ذلك. وربما كانت الألف واللام فى المسند على معنى الجنس ثم يكون لها فى ذلك وجوه:
الأول: قصر جنس المعنى على المخبر للمبالغة مثل «زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع» أى: إنّه الكامل إلّا أنّ
الكلام خرج فى صورة توهم أنّ الجود أو الشجاعة لم توجد إلّا فيه. ولا يجوز فى هذه الحالة العطف عليه للاشراك، ولو قيل «زيد هو الجواد وعمرو» كان خلفا من القول.
الثانى: قصر جنس المعنى الذى يفاد بالخبر على المخبر عنه لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده فى غير المخبر عنه بل على دعوى أنّه لا يوجد
стр. 146
إلّا منه، ولا يكون ذلك إلّا إذا قيد المعنى بشئ يخصصه ويجعله فى حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت مثل: «هو الوفى حين لا تظن نفس بنفس خيرا». وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى ثم اشترط له مفعول مخصوص كقول الأعشى:
هو الواهب المائة المصطفا ... ة إمّا مخاضا وإما عشارا
فقد جعل الوفاء فى الوقت الذى لا يفى فيه أحد نوعا خاصا من الوفاء، وكذلك جعلت «هبة المائة من الإبل» نوعا خاصا، أى أنّ المقصور هو الوفاء فى هذا الوقت لا الوفاء مطلقا، وأنّ المقصور هبة المائة من الإبل فى إحدى الحالتين- إمّا مخاضا وإمّا عشارا- لاهبتها مطلقا ولا الهبة مطلقا.
الثالث: أن لا يقصد قصر المعنى فى جنسه على المذكور كما فى الوجهين السابقين وإنما لغير ذلك، كما فى قول الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
لم ترد الشاعرة أنّ ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل ولم تقيد الحسن بشئ فيتصور أن يقصر على البكاء كما قصر الأعشى «هبة المائة» على الممدوح، ولكنها أرادت أن تقره فى جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذى لا ينكره أحد ولا يشك فيه شاكّ. ومثله قول حسان:
وإنّ سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهرا لأمر فيها ومعروفا بها، ولو قال:
«ووالدك عبد» لم يكن قد جعل حاله فى العبودية حالة ظاهرة متعارفة. وعلى ذلك قول الآخر:
أسود إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفى سائر الدهر الغيوث المواطر
ولتعريف المسند- الخبر- بالألف واللام نكات أخرى ذكرها عبد القاهر الجرجانى ومن ذلك أن يقال: «هو البطل المحامى وهو المتقى
стр. 147
المرتجى» ولا يقصد بهذه الجملة شئ مما مضى، فهى لا تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ولم يعلم أنّه ممن كان كما فى «زيد هو المنطلق»، ولا تريد قصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال كما فى «زيد هو الشجاع»، ولا أن تدل على أنّه ظاهر بهذه الصفة كما فى «ووالدك العبد» وإنّما تريد أن تقول هذه العبارة للسامع: «هل سمعت بالبطل المحامى؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغى أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فاذا كنت قتلته علما وتصورته حقّ تصوره فعليك صاحبك واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك».
ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التى يراد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف كقول ابن الرومى:
هو الرجل المشروك فى جلّ ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد
وقول الآخر:
أنا الرجل المدعوّ عاشق فقره ... إذا لم تكارمنى صروف زمانى
وفى هذه الدراسة تتضح قدرة عبد القاهر على التحليل وتؤكد أنّ لاختلاف الصيغ وللتعريف و التنكير دلالات لم تعن بها كتب النحو المتأخرة، ولا نجدها إلّا فى كتب البلاغة وفى مقدمتها «دلائل الإعجاز» وكان حقها أن تدرس فى كتب النحو لتفهم الأساليب العربية وتعرف المقاصد والأغراض.
التنكير:
للتنكير دلالة غير ما نراه فى التعريف، «وقد يظن ظان أنّ المعرفة أجلى فهى من النكرة أولى، ويخفى عليه أنّ الإبهام فى مواطن خليق وأنّ سلوك الايضاح ليس بسلوك للطريق خصوصا فى موارد الوعد والوعيد والمدح والذم اللذين من شأنهما التشييد. وعلة ذلك أن مطامح الفكر متعددة المصادر بتعدد الموارد، والنكرة متكثرة الأشخاص يتقاذف الذهن من مطالعها إلى مغاربها وينظرها بالبصيرة من منسمها إلى غاربها فيحصل فى النفس لها فخامة وتكتسى
стр. 148
منها وسامة. وهذا فيما ليس لمفرده مقدار محصور بخلاف المعرفة فانّه لواحد بعينه يثبت الذهن عنده ويسكن إليه» (١)، فالتنكير يجئ لفائدة يقصر عن إفادتها العلم.
[تنكير المسند اليه]
وينكر المسند إليه لأغراض منها:
- الإفراد: كقوله تعالى: «وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى (٢)»، أى: فرد من أشخاص الرجال.
- النوعية: كقوله تعالى: «وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ (٣)»، أى: نوع من الأغطية، وهو غطاء التعامى عن آيات الله.
- التعظيم: كقوله تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (٤)»، أى:
حياة عظيمة.
- التحقير: كقول الشاعر:
له حاجب عن كلّ شئ يشينُه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
فتنكير «حاجب» الأولى للتعظيم، وتنكير «حاجب» الثانية للتحقير، لأنّ مقام المدح يقتضى أنّ الحاجب- أى المانع- عن كل ما يشين- أى يعيب- الممدوح عظيم، والحاجب عن المعروف والإحسان ينسلب حقيره فمن باب أجرى عظيمه، وذلك لما فى معنى التنكير من الإيماء إلى أنّ هذا الأمر لا يعرف لبلوغه الدرجة العليا فى الرفعة أو فى الدقة فمن شأنه أن ينكر ولا يعرف لكونه لا يدرك.
ومثال التعظيم والتحقير أيضا قول الشاعر:
ولله منى جانب لا أضيعه ... وللهو منى والخلاعة جانب
стр. 149
- التكثير: بمعنى أنّ ذلك الشئ كثير حتى أنّه لا يحتاج إلى تعريف، مثل:
«إنّ له لمالا» وحمل الزمخشرى التنكير فى قوله تعالى: «قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً» (١) عليه.
- التقليل: كقوله تعالى: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» (٢) أى: رضوان قليل أكبر.
- وقد يكون التنكير لمانع من التعريف، كقول الشاعر:
إذا سئمت مهنده يمين ... لطول الحمل بدّله شمالا
فالشاعر لم يقل «يمينه» تحاشيا من نسبة السآمة إلى يمين الممدوح.
- وقد يكون لقصد النكارة والجهل بالمسمى كقوله تعالى: «أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً» (٣)، أى: منكورة مجهولة.
- وقد يكون تنكيره لإخفاء الاسم أو الشئ لسبب من الأسباب كالخوف عليه أو الخوف منه أو صونا له. (٤)
[تنكير المسند]
وينكر المسند لأغراض منها:
- إرادة إفادة عدم الحصر والعهد: مثل «زيد كاتب وعمرو شاعر» حيث يراد إفادة الإخبار بمجرد الكتابة والشعر لا حصر الكتابة فى «زيد» والشعر فى «عمرو» ولا أحدهما معهودا.
стр. 150
- إرادة التفخيم والتعظيم، كقوله تعالى: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» (١)، فالتنكير هنا جاء للدلالة على فخامة هداية الكتاب وكمالها.
- إرادة التحقير: مثل: «الحاصل لى من هذا المال شئ»، أى:
حقير (٢). وفى هذه الأنواع وأمثلتها إيضاح لأسلوب التعريف والتنكير الذى هو فى أدق الأساليب لما فيه من معان تختلف باختلاف تعريفها باحدى الوسائل أو تنكيرها.
...
стр. 151
الذكر والحذف
فى كتب النحو حديث عن الذكر والحذف ولكن النحاة يهتمون بالواجب منهما، ويشيرون إلى الجواز إشارة عابرة، وهو الأولى بالرعاية والاهتمام لأنّ فيه تتضح الأساليب وتظهر المواهب. وكان علماء البلاغة أحرص من
غيرهم على هذه الجوانب فأولوها عناية كبيرة وأوضحوا ما فى الذكر والحذف من أغراض:
[الذكر]
الذكر: المسند إليه والمسند وغيرهما تذكر فى العبارة لسبب من الأسباب ومن أغراض ذكر المسند إليه:
- أنّه الأصل ولا مقتضى للحذف، فاذا حذف ذهب المعنى.
- ضعف التعويل على القرينة، وذلك إذا ذكر المسند إليه فى الكلام وطال عهد السامع به، أو ذكر معه كلام فى شأن غيره مما يوقع فى اللبس إن لم يذكر.
- التنبيه على غباوة السامع حتى أنّه لا يفهم إلّا بالتصريح.
- زيادة الإيضاح والتقرير: كقوله تعالى: «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (١)، ففى تكرير اسم الاشارة زيادة إيضاح وتقرير لتميزهم على غيرهم.
- إظهار التعظيم بالذكر: مثل: «القهار يصون عباده» لعظم هذا الاسم.
أو إظهار الإهانة: مثل: «اللعين إبليس».
- التبرك باسمه: مثل: «محمد رسول الله خير الخلق».
- الاستلذاذ بذكره: مثل: «الله خالق كل شئ ورازق كل حى».
стр. 152
- بسط الكلام حيث يقصد الإصغاء: كقوله تعالى حكاية عن موسى- ﵇: «هِيَ عَصايَ» (١)، ولذلك زاد على الجواب بقوله:
«أتوكأ عليها».
وذكر السكاكى أنّ المسند إليه يذكر لكون الخبر عام النسبة إلى كل مسند إليه (٢)، كقول الشاعر:
الله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرحل
وقول أبى ذؤيب الهذلى:
النفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
ولكن القزوينى قال: «وفيه نظر، لأنّه إن قامت قرينة تدل عليه إن حذف فعموم الخبر وإرادة تخصيصه بمعين وحدهما لا يقتضيان ذكره وإلّا فيكون ذكره واجبا» (٣).
[ذكر المسند]
أما ذكر المسند فللأسباب التى تقدمت فى المسند إليه كزيادة التقرير، والتعريض بغباوة السامع، والاستلذاذ، والتعظيم، والإهانة، وبسط الكلام. أو ليتعين كونه اسما فيستفاد منه الثبوت، أو كونه فعلا فيستفاد منه لتجدد، أو كونه ظرفا فيورث احتمال الثبوت والتجدد (٤).
الحذف:
الحذف- لغة- الإسقاط، واصطلاحا إسقاط بعض الكلام أو كله لدليل (٥) والحذف عند البديعيين غير ما نراه عند علماء المعانى، فهو «أن يحذف المتكلم
стр. 153
من كلامه حرفا من حروف الهجاء أو جميع الحروف المهملة بشرط عدم التكلف والتعسف (١)»، وهذا لون من ألوان البديع.
واختلفوا فى الحذف هل هو مجاز؟ ويرى الزركشى أنّه «إن أريد بالمجاز استعمال اللفظ فى غير موضعه فالمحذوف ليس كذلك لعدم استعماله، وإن أريد بالمجاز إسناد الفعل إلى غيره- وهو المجاز العقلى- فالحذف كذلك» (٢).
وكان عبد القاهر قد أبدع فى تحليل الجملة وإظهار ما فيها من حذف أو ذكر، وعقد فصلا فى الحذف قال فيه: «هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فانك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للافادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن. وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر» (٣).
ولا يجوز حذف المسند إليه إلّا إذا دل عليه دليل من اللفظ أو الحال، ويترجح حذفه إذا كان مبتدأ لدواع منها:
- الاحتراز عن العبث بترك ما لا ضرورة لذكره، وذلك يكسب الكلام قوة وجمالا. ويكثر هذا الحذف فى جواب الاستفهام كقوله تعالى:
«وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ» (٤) أى: هى نار حامية. وبعد الفاء المقترنة بالجمل الاسمية الواقعة جوابا للشرط كقوله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها» (٥) أى: فعمله لنفسه وإساءتها عليها.
стр. 154
وبعد القول، كقوله تعالى: «وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» (١) أى: قالوا القرآن أساطير.
ومن المواضع التى يطرد فيها حذف المبتدأ القطع والاستئناف، وذلك حين يبدأ المتكلم بذكر شئ ويقدم بعض أمره ثم يدع الكلام الأول ويستأنف كلاما آخر، وهو حين يفعل ذلك يأتى فى أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ (٢) ومن ذلك قول الشاعر:
وعلمت أنّى يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمّروا حلقا وقدّا (٣)
وقول الآخر:
هم حلّوا من الشرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
ومنه:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتى ... أيادى لم تمنن وإن هى حلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
ومنه قول جميل بثينة:
وهل بثينة يا للناس قاضيتى ... دينى وفاعلة خيرا فأجزيها
ترنو بعينى مهاة أقصدت بهما ... قلبى عشية ترمينى وأرميها
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ريا العظام بلين العيش غاذيها
стр. 155
وقول الأقيشر فى ابن عم له موسر سأله فمنعه:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدى بسريع
حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما فى بيته بمضيع
قال عبد القاهر معلقا على هذه الأبيات: «فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدا واحدا وانظر إلى موقعها فى نفسك وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها ثم قلبت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به. ثم تكلف أن تردّ ما حذف الشاعر وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه فى سمعك فانك تعلم أنّ الذى قلت كما قلت، وأن ربّ حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد» (١).
- ضيق المقام عن إطالة الكلام: وذلك للتوجع كقول الشاعر:
قال لى: كيف أنت؟ قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
أى: أنا عليل.
أو للخوف من فوات الفرصة مثل: «حريق» أى: هذه حريق.
- تيسير الإنكار عند الحاجة: مثاله أن يذكر شخص فتقول «فاسق» ثم تخشى من غائلة ذلك فتنكره، فلو قلت: «زيد فاسق» لقامت البينة ولم تستطع الإنكار.
- تعجيل المسرة بالمسند: مثل: «أخى»، أى: هذا أخى.
- تكثير الفائدة: كقوله تعالى: «قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (٢)، أى، فأمرى صبر جميل، أو فصبرى صبر جميل.
стр. 156
وإذا كان المسند إليه فاعلا فانه يترجح حذفه حينما لا يحقق ذكره غرضا معينا فى الكلام كقوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (١) أى: بمثل ما عاقبكم المعتدى به. أو للمحافظة على السجع فى النثر، وعلى الوزن فى الشعر، أو أنّ الفاعل معلوم كقوله تعالى: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (٢)، أى خلق الله الإنسان. ويحذف للجهل به، أو للتحقير، أو الخوف منه، أو عليه، وغير ذلك من الدواعى والأسباب التى يقتضيها المقام (٣).
ولا يجوز حذف المسند إلّا إذا دل عليه دليل، ويترجح حذفه إذا كان خبرا لدواع منها:
- الاحتراز عن العبث بعدم ذكر ما لا ضرورة لذكره، إمّا مع ضيق المقام من وزن أو غيره كقول الشاعر:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فانى وقيّار بها لغريب (٤)
أى: وقيار كذلك.
وقول قيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأى مختلف
أى: نحن بما عندنا راضون. وأما بدون التضييق كقوله تعالى: «وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ» (٥) أى: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك.
стр. 157
ويكثر حذف المسند لهذا السبب إذا كانت الجملة جوابا عن استفهام علم منه الخبر، مثل: «أبى» جوابا لمن سألك: «من فى الدار؟» أو إذا كانت الجملة بعد «إذا» الفجائية مثل: «خرجت فاذا محمد» ويحتمل أن يكون الخبر «بالباب» أو
«حاضر».
أو كانت الجملة معطوفة على جملة اسمية والمبتدآن مشتركان فى الحكم مثل: «أنت مسافر وأخوك» أى: وأخوك مسافر أيضا. ومنه قوله تعالى:
«أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها» (١) أى: وظلها دائم كذلك.
- تكثير الفائدة: ومنه قوله تعالى: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (٢) فقوله: «فصبر جميل» يحتمل أن يكون من حذف المسند إليه أو المسند، فاذا حذف المسند إليه كان التقدير: «فأمرى صبر جميل» وإذا حذف المسند كان التقدير: «فصبر جميل أجمل».
ويترجح حذف المسند إذا كان فعلا للدواعى التى تقدمت، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (٣) أى: خلقهن الله. (٤)
[قرينته]
ولا بدّ لحذف المسند من قرينة تميزه، والقرينة إما:
- سؤال محقق، أى واقع، كقوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (٥) تقديره: خلقهن الله. والمعنى: يتحقق السؤال ههنا تحققه قبل الجواب لا إنّه محقق الوقوع عند نزول الآية لأنّ فعل الشرط مستقبل المعنى، بل الاقتصار على لفظ الجلالة الكريمة يستدعى تقدم سؤال استغنى به عن ذكر «خلقهن».
стр. 158
- أو سؤال مقدر، أى غير منطوق به كقول الشاعر:
ليبك يزيدا ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح (١)
فانه لما قال «ليبك يزيد» كأنّ سائلا سأله من يبكيه؟ فقال: ضارع.
أى: يبكيه ضارع. ومنهم من قدر المحذوف «الباكى» فيكون المحذوف المسند إليه (٢)
[حذف المفعول]
ويحذف المفعول به فى الجملة وقد قال عبد القاهر إنّ الحاجة إلى حذفه أمسّ وإنّ اللطائف فيه أكثر (٣)، ويكون ذلك لأغراض بلاغية منها:
[اغراضه]
- البيان بعد الإبهام: كما فى فعل المشيئة إذا لم يكن فى تعلقه بمحذوفه غرابة، مثل: «لو شئت جئت أو لم أجئ» أى: لو شئت المجئ أو عدم المجئ. فعند النطق ب «لو شئت» علم السامع أنك علقت المشيئة بشئ فيقع فى نفسه أنّ هنا شيئا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون فاذا قلت: «جئت» أو «لم أجئ» عرف ذلك الشئ. ومنه قوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» (٤)، وقوله: «فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ» (٥)، وقوله: «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ» (٦).
ومنه قول البحترى:
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده (٧)
стр. 159
ومنه:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصّبر أوسع
- دفع ما يوهم فى أول الأمر إرادة شئ غير المراد: كقول البحترى:
وكم ذدت عنى من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم (١)
ولو قال: «حززن اللحم» لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أنّ الحزّ كان فى بعض اللحم ولم ينته إلى العظم فترك ذكر اللحم ليبرئ السامع من هذا الوهم ويصور فى نفسه من أول الأمر أنّ الحزّ مضى فى اللحم حتى لم يرده إلا العظم.
- تضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه إظهارا لكمال العناية بوقوعه عليه كقول البحترى:
قد طلبنا فلم نجد لك فى السّؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا
أى: قد طلبنا لك مثلا فى السؤدد والمجد والمكارم.
- القصد إلى التعميم فى المفعول والامتناع أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره مع الاختصار: كقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ» (٢)، أى: يدعو كل أحد.
- رعاية الفاصلة: كقوله تعالى: «وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» (٣)، أى: وما قلاك.
- استهجان ذكره: ومنه ما روى عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: «ما رأيت منه ولا رأى منى»، تعنى العورة.
- الاختصار: كقوله تعالى: «أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (٤)»، أى: أرنى ذاتك (٥).
стр. 160
التقديم والتأخير
وهذا الباب تتبارى فيه الأساليب وتظهر المواهب والقدرات، وهو دلالة على التمكن فى الفصاحة وحسن التصرف فى الكلام ووضعه الوضع الذى يقتضيه المعنى. يقول الزركشى: «هو أحد أساليب البلاغة، فانهم أتوا به دلالة على تمكنهم فى الفصاحة وملكتهم فى الكلام وانقياده لهم، وله فى القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق» (١)
واختلفوا فى عده من المجاز، فمنهم من عده منه لأن تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل، نقل كل واحد منهما عن رتبته وحقه. وقال الزركشى: «والصحيح أنه ليس منه، فان المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع» (٢).
[احوال المعاني]
والمعانى لها فى التقديم خمسة أحوال:
الأولى: تقدم العلة على معلولها عند القائلين بها كتقدم الكون على الكائنية والعلم على العالمية.
الثانية: التقدم بالذات، كتقدم الواحد على الاثنين، على معنى أن الوحدة لا يمكن تحقق الاثنينية إلا بعد سبقها.
الثالثة: التقدم بالشرف كتقدم الأنبياء على الأتباع والعلماء على الجهال.
الرابعة: التقدم بالمكان كتقدم الإمام على المأموم وتقدم من يقرب إلى الحائط دون من تأخر عنه.
الخامسة: التقدم بالزمان، كتقدم الشيخ على الشباب والأب على الابن. (٣)
стр. 161
وهذه المعانى ثابتة معروفة عقلا، ولذلك لا يقع فيها تفاوت أو تفنن فى التعبير.
[وجها التقديم]
وتقديم الشئ على وجهين:
الأول: تقديم على نية التأخير، وذلك فى كل شئ أقر مع التقديم على حكمه الذى كان عليه وفى جنسه الذى كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدّم على المبتدأ، والمفعول إذا قدم على الفاعل. والتقديم لا يخرج الخبر أو المفعول عما كانا عليه قبل التقديم.
الثانى: تقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن ينقل الشئ عن حكم إلى حكم ويجعل بابا غير بابه وإعرابه غير إعرابه، وذلك أن يعمد إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له فيقدم هذا تارة على ذاك وأخرى ذاك على هذا. ومثاله: «زيد المنطلق» و «المنطلق زيد» فالتقديم والتأخير يؤثران فى معنى الجملة، لأنّ ما يقدم هو المبتدأ أو المسند إليه وما يؤخر هو الخبر أو المسند، وكذلك «ضربت محمدا» و «محمد ضربته» ف
«محمد» فى الجملة الأولى مفعول به، وفى الثانية «مبتدأ». وهذا يختلف عن النوع الأول الذى لا يتغير فيه حكم المتقدم أو المتأخر، ففى «منطلق زيد» و «زيد منطلق» ظل «زيد» مسندا إليه و «منطلق» مسندا، وفى «ضرب زيد عمرا» و «ضرب عمرا زيد» بقى «زيد» مسندا إليه- فاعلا- و «عمرو» مفعولا به. (١)
[تقديم المسند اليه]
وباب التقديم والتأخير واسع لأنّه يشمل كثيرا من أجزاء الكلام، فالمسند إليه يقدم لأغراض بلاغية منها:
- أنّه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه كتقديم الفاعل على المفعول، والمبتدأ على الخبر، وصاحب الحال عليها.
стр. 162
- أن يتمكن الخبر فى ذهن السامع لأنّ فى المبتدأ تشويقا إليه، كقول المعرى:
والذى حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
- أن يقصد تعجيل المسرة إن كان فى ذكر المسند إليه تفاؤل مثل: «سعد فى دارك» أو المساءة إن كان فيه ما يتطير به مثل «السفاح فى دار صديقك».
- إيهام أنّ المسند إليه لا يزول عن الخاطر مثل: «الله ربى».
- إيهام التلذذ بذكره، كقول الشاعر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
- تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلى إن ولى حرف النفى مثل: «ما أنا قلت هذا»، وقول المتنبى:
وما أنا أسقمت جسمى به ... ولا أنا أضرمت فى القلب نارا
- تقوية الحكم وتقريره: كقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ» (١) ومما يدخل فى هذا الحكم تقديم «مثل» و «غير»، وقد قال عبد القاهر:
ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم «مثل» و «غير» فى نحو قوله:
مثلك يثنى المزن عن صوبه ... ويستردّ الدمع عن غربه
وكذلك حكم «غير» إذا سلك به هذا المسلك» (٢)، ومنه قول المتنبى:
غيرى بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
وقال القزوينى: «واستعمال «مثل» و «غير» هكذا مركوز فى الطباع وإذا تصفحت الكلام وجدتهما يقدمان أبدا
على الفعل إذا نحى بهما نحو ما ذكرناه
стр. 163
ولا يستقيم المعنى فيهما إذا لم يقدما. والسر فى ذلك أنّ تقديمهما يفيد تقوى الحكم» (١).
- إفادة العموم: مثل: «كل إنسان لم يقم» فيقدم ليفيد نفى القيام عن كل واحد من الناس. (٢)
[تقديم المسند]
ويقدم المسند لأغراض منها:
- تخصيص المسند بالمسند إليه: كقوله تعالى: «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» (٣) وقوله: «لَكُمْ دِينُكُمْ* وَلِيَ دِينِ. (٤)
- التنبيه من أول الأمر على أنّه خبر لانعت، كقول حسان بن ثابت يمدح النبى- ﷺ :
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدهر
له راحة لو أنّ معشار جودها ... على البرّ كان البرّ أندى من البحر
- التفاؤل بتقديم ما يسر: مثل: «عليه من الرحمن ما يستحقه».
- التشويق إلى ذكر المسند إليه: كقول محمد بن وهيب:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحق والقمر
وقول المعرى:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها، وأولها دخان (٥)
стр. 164
ومن التقديم: تقديم تعلقات الفعل عليه كالمفعول والجار والمجرور والحال، ويكون ذلك لأغراض منها:
[انواع من التقديم]
- الاختصاص: كقوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (١)
- الاهتمام بالمتقدم: كقوله تعالى: «قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ» (٢)
- التبرك: مثل «قرآنا قرأت».
- ضرورة الشعر، وهو كثير لا يحصره حدّ.
- رعاية الفاصلة: كقوله تعالى: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» (٣) وهذه الأغراض كثيرة، وقد ذكر الزمخشرى أنّ تقديم هذه الأنواع للاختصاص، غير أن ابن الأثير يرجع ذلك إلى وجهين:
الأول: الاختصاص، كقوله تعالى: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» (٤) فانه إنما قيل «بل الله فاعبد» ولم يقل «بل اعبد الله» لأنه إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره، ولو قال «بل اعبد» لجاز إيقاع الفعل على أى مفعول شاء.
الثانى: يختص بنظم الكلام، كقوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» وقد ذكر الزمخشرى فى تفسيره أنّ التقديم فى هذا الموضع قصد به الاختصاص وليس كذلك فانّه لم يقدم المفعول فيه على الفعل للاختصاص، وإنّما قدّم
стр. 165
لمكان نظم الكلام، لأنه لو قال: نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ما لقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. ألا ترى أنّه تقدّم قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» (١)، فجاء بعد ذلك قوله: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»
وذاك لمراعاة حسن النظام السجعى الذى هو على حرف النون، ولو قال «نعبدك ونستعينك» لذهبت تلك الطلاوة وزال ذلك الحسن، وهذا غير خاف على أحد من الناس فضلا عن أرباب علم البيان» (٢).
وهناك أنواع كثيرة من التقديم لا ترجع إلى المسند إليه والمسند ولا إلى متعلقات الفعل عليه وإنما ترجع إلى أمور كثيرة، بحثها الزركشى (٣) فى أنواع التقديم والتأخير، وقسمها إلى ما قدم والمعنى عليه، وما قدم والنية به التأخير، والقسم الأول واسع فسيح ومقتضياته كثيرة ذكر منها خمسة وعشرين لونا، وأهمها:
- السبق: كقوله تعالى: «وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى» (٤).
- الذات: كقوله تعالى: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ» (٥).
- العلة والسببية: كقوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (٦) لأن العبادة سبب حصول الإعانة.
- المرتبة: كقوله تعالى: «غَفُورٌ رَحِيمٌ» (٧)، لأنّ المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة.
стр. 166
- التعظيم: كقوله تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ» (١).
- الغلبة والكثرة: كقوله تعالى: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» (٢)
- الاهتمام عند المخاطب: كقوله تعالى: «فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها» (٣)
- مراعاة الافراد: كقوله تعالى: «الْمالُ وَالْبَنُونَ» (٤)، فان المفرد سابق على الجمع.
- قصد الترتيب.
- خفة اللفظ.
- رعاية الفاصلة: كقوله تعالى: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ» (٥).
وهذه الأنواع التى ذكرها الزركشى لم يتطرق لها البلاغيون إلّا من خلال الجملة، ولذلك كانت دراستهم لها قاصرة، أما الذين عنوا بأسلوب القرآن الكريم فقد تجاوزوا هذه المرحلة ونظروا إلى التقديم والتأخير نظرة أوسع وأكثر عمقا فجاءت مادتهم أغزر ودراساتهم أخصب، ولا يكاد يستثنى من ذلك إلّا عبد القاهر الذى أبدع فى تحليل الأساليب البلاغية، ونقل النحو من الإعراب والبناء إلى المعانى التى تحتملها العبارات، وكانت نظريته فى «النظم» من أحسن ما عرف النقد القديم.
стр. 167
ومن أمثلة تحليله للتقديم والتأخير قوله فى النكرة إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها: «إذا قلت: «أجاءك رجل؟» فأنت تريد أن تسأله:
هل كان مجئ من أحد من الرجال إليه. فان قدمت الاسم فقلت: «أرجل جاءك؟» فأنت تسأله على جنس ما جاءه أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنّه قد أتاه آت ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتى، فسبيلك فى ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتى فقلت: «أزيد جاءك أم عمرو؟» ولا يجوز تقديم الاسم فى المسألة الأولى، لأنّ تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إمّا عن عينه أو عن جنسه ولا ثالث. وإذا كان كذلك كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس لأنّه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين. والنكرة لا تدل على عين شئ فيسأل بها عنه. فان قلت:
«أرجل طويل جاءك أم قصير؟» كان السؤال عن أن الجائى من جنس طوال الرجال أم قصارهم؟ فان وصفت النكرة بالجملة فقلت: أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه؟ كان السؤال عن المعطى أكان ممن عرفه قبل أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة.
وإذ قد عرفت الحكم فى الابتداء بالنكرة فى الاستفهام فابن الخبر عليه فاذا قلت: «رجل جاءنى» لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أنّ الذى جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت. فان لم ترد ذاك كان الواجب
أن تقول: «جاءنى رجل» فتقدم الفعل (١).
وهذه قيمة التقديم والتأخير فى اللغة العربية، وليس من العبث أن يشغل البلاغيون- وعلى رأسهم عبد القاهر- أنفسهم بهذه المسألة أو غيرها من المسائل الأخرى المتصلة بالأساليب لولا أنّ لكل تعبير معناه، ولكل وضع هدفه ومغزاه. وفى ذلك اتساع فى القول وقدرة على التعبير.
стр. 168
القصر
تعريفه:
القصر- فى اللغة- الحبس، قال تعالى: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ» (١) أى: محبوسة فيها. وأمّا معناه فى الاصطلاح فهو تخصيص شئ بشئ بطريق مخصوص. وذلك كتخصيص المبتدأ بالخبر بطريق النفى فى قوله تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» (٢)، وتخصيص الخبر بالمبتدأ مثل: «ما شاعر إلّا المتنبى».
طرفاه:
وللقصر طرفان:
- المقصور، وهو الشئ المخصص.
- المقصور عليه، وهو الشئ المخصص به.
ففى الآية السابقة «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» خصصنا الغرور بمتاع الدنيا، وفى «لا يَعْلَمُ .... ... الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» خصصنا علم الغيب بالله تعالى.
ف «الحياة الدنيا» مقصور عليه، و «الغرور» مقصور، و «عِلْمُ الْغَيْبِ» مقصور ولفظ الجلالة مقصور عليه.
ويقع القصربين:
- المبتدأ والخبر: كقوله تعالى: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» (٣). و «ما أديب إلّا علىّ».
- بين الفعل والفاعل مثل: «لا ينجح إلّا محمد»، و «ما قام إلّا أنا».
стр. 169
- بين الفاعل والمفعول مثل: «ما شاهد خالد إلّا الحديقة»، فى قصر الفاعل على المفعول، أما قصر المفعول على الفاعل فمثل: «ما شاهد الحديقة إلّا خالد».
- بين المفعولين مثل: ما أعطيت محمدا إلّا كتابا» فى قصر المفعول الأول على الثانى، أمّا قصر المفعول الثانى على الأول فمثل «ما أعطيت كتابا إلّا محمدا».
- بين الحال وصاحبها، مثل: «ما جاء راكضا إلّا محمد» فى قصر الحال على صاحبها، أما قصر صاحب الحال عليها فمثل: «ما جاء محمد إلّا راكضا» ومثل ذلك كل متعلقات الفعل، فان القصر يجرى فيها ما عدا اثنين:
الأول: المصدر المؤكد، فلا يقع القصر بينه وبين الفعل ولذلك لا يجوز أن نقول: «ما ضربت إلّا ضربا»، وأما قوله تعالى: «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا» (١) فتقديره: ظنا ضعيفا.
الثانى: المفعول معه، فانه لا يجئ بعد «إلا»، ولذلك لا يقال: «ما سرت إلّا والحائط».
أنواعه:
وينقسم القصر بحسب الحقيقة والإضافة إلى:
- قصر حقيقى: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحسب الحقيقة لا يتعداه إلى غيره أصلا، كقوله تعالى: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (٢) فالتذكر صفة لا تتجاوز إلى غيرهم من سائر الناس فى الحقيقة والواقع.
ومنه: «ما خاتم الأنبياء والرسل إلّا محمد» فخاتم الأنبياء والرسل وهو المقصور مختص بمحمد- ﷺ وهو المقصور عليه لا يتجاوزه إلى غيره.
стр. 170
- قصر إضافى: وهو غير الحقيقى وذلك بأن يكون القصر فيه بالإضافة إلى شئ مخصوص لا إلى جميع ما عدا المقصور عليه. ومنه قوله تعالى:
«وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ» (١)، ف «محمد» مقصور على الرسالة بالإضافة إلى شئ آخر، وليس المقصود أنّ الرسالة مختصة به وحده.
ومنه قولنا: «ما محمد إلّا كاتب» فليس المقصود أنّ محمدا مقصور على الكتابة وحدها بحيث لا يتعداها إلى شئ آخر، لأن الحقيقة والواقع خلاف ذلك، وإنّما المقصود أنّه مقصور على الكتابة بالإضافة إلى شئ آخر معين كالشعر أو الرسم أو غيرهما.
وينقسم القصر باعتبار طرفيه: المقصور والمقصور عليه إلى:
- قصر موصوف على صفة: كقوله تعالى: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (٢)»، فقد قصرت العبادة على التقريب قصر موصوف على صفة.
- قصر صفة على موصوف: مثل: «ما فى الدار إلّا محمد» فقد قصر الوجود فى الدار على «محمد» قصر صفة على موصوف.
والمراد بالصفة فى أسلوب القصر الصفة المعنوية لا النعت الذى بذكره النحاة، لأنّ الاستثناء لا يقع بين الصفة والموصوف.
وينقسم القصر بحسب الحقيقة والادعاء إلى:
- قصر حقيقى على سبيل الحقيقة.
- قصر إضافى على سبيل الحقيقة.
وهذا النوعان هما اللذان يقصدان عند إطلاق القصر الحقيقى والقصر الإضافى كما سبق.
стр. 171
- قصر حقيقى على سبيل الادعاء والمبالغة: ومثال قصر الصفة على الموصوف: «لا شاعر فى العرب إلّا المتنبى» إذا كان هناك فى العالم شعراء غير المتنبى ولكن لا نريد الاعتراف بهم مبالغة فى إضفاء الشاعرية على المتنبى.
ومثال قصر الموصوف على الصفة: «ما حاتم إلّا جواد» أى أنّ حاتما لا يتصف بغير الجود من الصفات مبالغة فى كمال الجود فيه.
- قصر إضافى على سبيل الادعاء والمبالغة: ومثال قصر الصفة على الموصوف: «ما عالم إلّا محمد» وذلك إذا
أريد قصر العلم على محمد بالنسبة إلى خالد إذا كان عالما أيضا.
ومثال قصر الموصوف على الصفة: «ما محمد إلّا كاتب» إذا قصر «محمد» على الكتابة بالنسبة إلى صفة الشعر أو الرسم، ويراد بذلك انتفاء صفة الشعر أو الرسم منه.
وينقسم القصر الإضافى فقط بحسب حال المخاطب إلى ثلاثة أقسام:
- قصر إفراد: وذلك إذا اعتقد المخاطب الشركة فى الحكم بين المقصور عليه وغيره.
- قصر قلب: وذلك إذا اعتقد المخاطب عكس الحكم الذى يثبت بالقصر.
- قصر تعيين: وذلك إذا كان المخاطب مترددا فى الحكم بين المقصور عليه وغيره.
فاذا قيل فى قصر الصفة على الموصوف: «الأديب محمد لا خالد» وكان المخاطب يعتقد اشتراك محمد وخالد فى صفة الأدب كان القصر قصر إفراد.
وإذا كان المخاطب يعتقد غير ذلك كان القصر قصر قلب.
وإذا كان المخاطب مترددا لا يدرى أيهما الأديب كان القصر قصر تعيين.
وإذا قيل فى قصر الموصوف على الصفة: «ما محمد إلّا مدرس» وكان المخاطب يعتقد اتصاف محمد بمهنة التدريس والإدارة كان القصر قصر إفراد.
стр. 172
وإذا كان المخاطب يعتقد اتصاف محمد بالتدريس لا بالادارة كان القصر قصر قلب.
وإذا كان المخاطب مترددا لا يدرى أى الصفتين هى صفة محمد كان القصر قصر تعيين.
ولا يجرى هذا التقسيم فى القصر الحقيقى، لأنّ القصر فى ذلك النوع قصر بالنسبة إلى ما عدا المقصور عليه على الإطلاق فلا يمكن أن يتصور فى الشركة أو العكس أو التردد على ما نراه فى القصر الإضافى الذى يجرى فيه القصر بالنسبة إلى شئ محدود.
شروطه:
وشروط قصر الموصوف على الصفة إفرادا عدم تنافى الصفتين حتى تكون المنفية فى قولنا: «ما زيد إلّا شاعر» كونه كاتبا، لا كونه مفحما لا يقول الشعر ليتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما.
وشرط قصره قلبا تحقق تنافيهما حتى تكون المنفية فى قولنا «ما زيد إلّا قائم» كونه قاعدا أو جالسا، لا كونه أسود أو أبيض، ليكون إثباتها مشعرا بانتفاء غيرها.
وقصر التعيين أعم، لأنّ اعتقاد كون الشئ موصوفا بأحد أمرين معينين على الإطلاق لا يقتضى جواز اتصافه بهما معا ولا امتناعه. وبهذا علم أنّ كل ما يصلح أن يكون مثالا لقصر الإفراد أو قصر القلب يصلح أن يكون مثالا لقصر التعيين من غير عكس.
طرقه:
أهم طرق القصر أربعة:
- النفى والاستثناء: ويكون المقصور عليه فى هذه الطريق بعد أداة الاستثناء، كقوله تعالى: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
стр. 173
قَبْلِهِ الرُّسُلُ» (١)، وقوله: «وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» (٢) أى: لستم فى دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق والكذب كما يكون ظاهر حال المدعى إذا ادعى بل أنتم عندنا كاذبون فيها.
ومنه: «ما محمد إلّا شاعر» ووجه القصر فيه أنّه متى قيل: «ما محمد» توجه النفى إلى صفته لا ذاته لأنّ أنفس الذوات يمتنع نفيها وإنّما تنفى صفاتها، وحيث لا نزاع فى طوله وقصره وما شاكل ذلك وإنما النزاع فى كونه شاعرا أو كاتبا تناولهما النفى، فاذا قيل: «إلا شاعر» جاز القصر. وتستعمل «غير» فى القصر استعمال «إلّا».
- إنّما: ويكون المقصور عليه مؤخرا وجوبا، ومنه قوله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (٣).
ومنه قول قيس بن الرقيات:
إنّما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء
والدليل على أنّها تفيد القصر أمور:
الأول: كونها متضمنة معنى «ما» و «إلّا»، لقول المفسرين فى قوله تعالى: «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ» (٤) - بالنصب- معناه «ما حرم عليكم إلا الميتة».
الثانى: لقول النحاة إنّ «إنّما» لإثبات ما يذكر بعدها ونفى ما سواه.
الثالث: لصحة انفصال الضمير معها مثل: «إنّما يضرب أنا»، أى:
«ما يضرب إلّا أنا».
стр. 174
ومن ذلك قول الفرزدق:
أنا الذائد الحامى الذمار وإنّما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى
وقول عمرو بن معد يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطّر الفارس إلّا أنا (١)
- العطف ب «لا» أو «لكن» أو «بل»: فان كان العطف ب «لا» كان المقصور عليه مقابلا لما بعدها، وإن كان العطف ب «لكن» و «بل» كان المقصور عليه ما بعدهما.
ومثال قصر الموصوف على الصفة إفرادا: «محمد شاعر لا كاتب»، أو «ما محمد كاتب بل شاعر».
ومثال قصر الموصوف على الصفة قلبا: «محمد قائم لا قاعد»، أو «ما محمد قاعدا بل قائم».
ومثال قصر الصفة على الموصوف إفرادا أو قلبا بحسب المقام: «محمد قائم لا خالد»، أو «ما خالد قائما بل زيد».
- تقديم ما حقه التأخير: وهنا يكون المقصور عليه هو المقدم. فمن قصر الموصوف على الصفة إفرادا «شاعر هو» لمن يعتقده شاعرا أو كاتبا.
ومن قصر الموصوف على الصفة قلبا: «قائم هو» لمن يعتقده قاعدا.
ومثال قصر الصفة على الموصوف إفرادا: «أنا كفيت مهمّك» بمعنى وحدى لمن يعتقد أنّك وغيرك كفيتما مهمّه.
ومثال قصر الصفة على الموصوف قلبا: «أنا كفيت مهمّك» بمعنى لا غيرى لمن يعتقد أنّ غيرك كفى مهمه دونك.
стр. 175
وهذه الطرق الأربعة تختلف من وجوه:
الأول: أنّ دلالة الثلاثة الأولى بالوضع دون الرابع.
الثانى: انّ الأصل فى العطف أن يدل على المثبت والمنفى جميعا بالنص فلا يترك ذلك إلّا كراهة الإطناب فى مقام الاختصاص كما إذا قيل «محمد يعلم النحو والصرف والعروض والقوافى» أو «محمد يعلم النحو، وخالد وبكر وعمرو» فتقول فيهما «محمد يعلم النحو لا غير» وفى معناه «ليس إلّا» أى لا غير النحو ولا غير محمد.
وأما الثلاثة الباقية فتدل بالنص على المثبت دون المنفى.
الثالث: أنّ النفى لا يجامع الأول لأنّ شرط المنفى ب «لا» أن لا يكون منفيا قبلها بغيرها ويجامع الآخرين فيقال: «إنّما زيد كاتب لا شاعر» و «هو يأتينى لا محمد».
الرابع: أنّ أصل النفى والاستثناء أن يكون ما استعمل له مما يجهله المخاطب وينكره كقولك لصاحب وقد رأيت شبحا من بعيد «ما هو إلّا محمد» إذا وجدته يعتقده غير محمد ويصر على الإنكار. وعليه قوله تعالى: «وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ» (١).
وهناك طرق أخرى للقصر غير أنّ البلاغيين لم يتفقوا عليها كل الاتفاق ولذلك تظل الوجوه الأربعة عمدة هذا الأسلوب (٢)
...
стр. 176
الفصل الرابع الفصل والوصل
قيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل.
وذهب كثير من بلاغيى العرب إلى ما ذهب إليه الفارسى، وعدّوا الفصل والوصل فنا عظيما، صعب المسلك، دقيق المأخذ لا يحيط علما بكنهه إلا من أوتى فى فهم كلام العرب طبعا سليما، ورزق فى إدراك أسراره ذوقا صحيحا. ولذلك قصر بعضهم البلاغة على معرفته، ولكن آخرين كالقزوينى قال: «وما قصرها عليه لأن الأمر كذلك، وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه وأنّ أحدا لا يكمل فيه إلّا كمل فى سائر فنونها، فوجب الاعتناء بتحقيقه على أبلغ وجه فى البيان» (١).
والوصل عطف بعض الجمل على البعض والفصل تركه، ولذلك نرى أن يبحث هذا الموضوع بعد بحث الجملة لارتباطه بها؛ ولأنه يخص الجمل ومعانيها حينما تفصل أو تربط لا مشاركة الثانى للأول فى الإعراب وحده.
قال العلوى: «ولسنا نريد بتلك الأسرار واللطائف ما يكون متعلقا بعلوم الإعراب من كون الأحرف العاطفة تلحق المعطوف فى الإعراب، ... بل نريد أمرا أخص من ذلك وأغوص على تحصيل الأسرار الغريبة واللطائف العجيبة» (٢).
تكلم الجاحظ (٣) وغيره من أوائل النقاد على الفصل والوصل، ووقف عنده أبو هلال العسكرى وقفة طويلة وذكر أقوالا كثيرة تدل على أهمية هذا
стр. 177
الموضوع من ذلك أن المأمون قال لبعضهم: من أبلغ الناس؟ فقال: من قرب الأمر البعيد المتناول، والصعب الدرك بالألفاظ اليسيرة.
قال: ما عدل سهمك عن الغرض، ولكن البليغ من كان كلامه فى مقدار حاجته، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ، ولا يكره المعانى على إنزالها فى غير منازلها، ولا يتعمد الغريب الوحشى، ولا الساقط السوقى، فان البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلى بلا نظام. (١)
وبحث أبو هلال فى هذا الفصل، ما يتصل بفصول القصيدة ومقاطعها، وهم يعنون بالفصول والمقاطع أواخر الأبيات التى تقابل مطالعها وابتداءاتها وتطرق إلى فواصل كتاب الله. وقال إنّ من حسن المقطع جودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكنها فى موضعها، وذلك على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يضيق على الشاعر موضع القافية فيأتى بلفظ قليل الحروف فيتمم به البيت كقول زهير:
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى
وقول النابغة الذبيانى:
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى (٢)
وقوله:
لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة فى غد
أفد الترحّل غير أنّ ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
стр. 178
الثانى: أن يضيق به المكان أيضا ويعجز عن إيراد كلمة سالمة تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت، فيأتى بكلمة معتلة لا تحتاج إلى الإعراب فيتممه به، مثل قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل (١)
ثم قال:
وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا ... على صير أمر ما يمر وما يحلو (٢)
الثالث: أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدمها من ألفاظ الجزء من الرسالة أو البيت من الشعر، وتكون مستقرة فى قرارها ومتمكنة فى موضعها حتى لا يسد مسدها غيرها وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف كقوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا. وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» (٣) وقوله: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» (٤). ف «أبكى» مع «أضحك» و «أحيا» مع «أمات» و «الأنثى» مع «الذكر» و «الأولى» مع «الآخرة» و «الرضا» مع «العطية» فى نهاية الجودة وغاية حسن الموقع.
ومن الشعر قول الحطيئة:
هم القوم الذين إذا ألمّت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وقول أبى نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدو فى ثياب صديق
و «الصديق» هنا جيد الموقع، لأن معنى البيت يقتضيه، وهو محتاج إليه.
стр. 179
ودراسة أبى هلال وغيره من البلاغيين والنقاد لهذا الموضوع تختلف عن دراسة البلاغيين المتأخرين، ولذلك لا نجد فى دراساتهم ما تطرق إليه أبو هلال ولعل عبد القاهر الجرجانى كان من أوائل الذين بحثوه بحثا مفصلا يقوم
على التقسيم والتحديد والتعليل والتحليل وربطه بباب العطف عندما ربط البلاغة بمعانى النحو وجعل النظم توخّيا له. وقد أجمل مواضع الفصل والوصل بقوله: «إنّ الجمل على ثلاثة أضرب:
- جملة حالها مع التى قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد فلا يكون فيها العطف ألبتة لشبه العطف فيها- لو عطفت- بعطف الشئ على نفسه.
- وجملة حالها مع التى قبلها حال الاسم يكون غير الذى قبله إلّا أنه يشاركه فى حكم ويدخل معه فى معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه فيكون حقها العطف.
- وجملة ليست فى شئ من الحالين، بل سبيلها مع التى قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه فى شئ فلا يكون إياه ولا مشاركا له فى معنى بل هو شئ إن ذكر لم يذكر إلّا بأمر ينفرد به ويكون ذكر الذى قبله وترك الذكر سواء فى حاله لعدم التعلق بينه وبينه رأسا، وحق هذا ترك العطف ألبتة.
فترك العطف يكون إمّا للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين، فاعرفه (١)»
وعلى هذا الأساس وضع عبد القاهر أصول بحث الفصل والوصل، وقوانينه، وذكر الأمثلة الكثيرة. وجاء علماء البلاغة فاختصروا بحوثه وبوبوها، وكان تحديدهم أدق ضبطا وقواعدهم أكثر تقييدا. وكان السكاكى من أشهر الذين اتبعوه ولكنه لم يوضح الموضوع ولم يبحثه بحثا جيدا،
стр. 180
وانصرف إلى الكلام على الجامع وأنواعه، واستفاد الخطيب القزوينى من الرجلين فكانه بحثه للفصل والوصل يجمع بين تحديد القاعدة والشرح والتعليل أى بين طريقتى عبد القاهر والسكاكى. ثم جاء شراح التلخيص فأولوا هذا الموضوع عناية كبيرة وانتهى إلى صورته الأخيرة التى نجدها فى كتب البلاغة.
مواضع الفصل:
يجب الفصل فى خمسة مواضع:
الأول: أن يكون بين الجملتين اتحاد تام وهو «كمال الاتصال»، وذلك:
- أن تكون الجملة الثانية توكيدا للأولى، والمقتضى للتأكيد دفع توهم التجوز والغلط وهو قسمان:
أحدهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوى من متبوعه فى إفادة التقرير مع الاختلاف فى المعنى، كقوله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ» (١)، فانّ وزان «لا رَيْبَ فِيهِ» وزان نفسه فى «جاءنى محمد نفسه».
وقوله: «كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً» (٢)، فالثانى مقرر لما أفاده الأول.
وثانيهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظى من متبوعه فى اتحاد المعنى، كقوله تعالى: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» (٣) فان «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» معناه: أنّه فى الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة.