← Баляга

Баляга · id 17376

أساليب بلاغية

أحمد مطلوب

Полный текст (288 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفصل الرابع الفصل والوصل قيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وذهب كثير من بلاغيى العرب إلى ما ذهب إليه الفارسى، وعدّوا الفصل والوصل فنا عظيما، صعب المسلك، دقيق المأخذ لا يحيط علما بكنهه إلا من أوتى فى فهم كلام العرب طبعا سليما، ورزق فى إدراك أسراره ذوقا صحيحا. ولذلك قصر بعضهم البلاغة على معرفته، ولكن آخرين كالقزوينى قال: «وما قصرها عليه لأن الأمر كذلك، وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه وأنّ أحدا لا يكمل فيه إلّا كمل فى سائر فنونها، فوجب الاعتناء بتحقيقه على أبلغ وجه فى البيان» (١). والوصل عطف بعض الجمل على البعض والفصل تركه، ولذلك نرى أن يبحث هذا الموضوع بعد بحث الجملة لارتباطه بها؛ ولأنه يخص الجمل ومعانيها حينما تفصل أو تربط لا مشاركة الثانى للأول فى الإعراب وحده. قال العلوى: «ولسنا نريد بتلك الأسرار واللطائف ما يكون متعلقا بعلوم الإعراب من كون الأحرف العاطفة تلحق المعطوف فى الإعراب، ... بل نريد أمرا أخص من ذلك وأغوص على تحصيل الأسرار الغريبة واللطائف العجيبة» (٢). تكلم الجاحظ (٣) وغيره من أوائل النقاد على الفصل والوصل، ووقف عنده أبو هلال العسكرى وقفة طويلة وذكر أقوالا كثيرة تدل على أهمية هذا

стр. 177

الموضوع من ذلك أن المأمون قال لبعضهم: من أبلغ الناس؟ فقال: من قرب الأمر البعيد المتناول، والصعب الدرك بالألفاظ اليسيرة. قال: ما عدل سهمك عن الغرض، ولكن البليغ من كان كلامه فى مقدار حاجته، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ، ولا يكره المعانى على إنزالها فى غير منازلها، ولا يتعمد الغريب الوحشى، ولا الساقط السوقى، فان البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلى بلا نظام. (١) وبحث أبو هلال فى هذا الفصل، ما يتصل بفصول القصيدة ومقاطعها، وهم يعنون بالفصول والمقاطع أواخر الأبيات التى تقابل مطالعها وابتداءاتها وتطرق إلى فواصل كتاب الله. وقال إنّ من حسن المقطع جودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكنها فى موضعها، وذلك على ثلاثة أضرب: الأول: أن يضيق على الشاعر موضع القافية فيأتى بلفظ قليل الحروف فيتمم به البيت كقول زهير: وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى وقول النابغة الذبيانى: كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى (٢) وقوله: لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة فى غد أفد الترحّل غير أنّ ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد

стр. 178

الثانى: أن يضيق به المكان أيضا ويعجز عن إيراد كلمة سالمة تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت، فيأتى بكلمة معتلة لا تحتاج إلى الإعراب فيتممه به، مثل قول زهير: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل (١) ثم قال: وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا ... على صير أمر ما يمر وما يحلو (٢) الثالث: أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدمها من ألفاظ الجزء من الرسالة أو البيت من الشعر، وتكون مستقرة فى قرارها ومتمكنة فى موضعها حتى لا يسد مسدها غيرها وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف كقوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا. وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» (٣) وقوله: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» (٤). ف «أبكى» مع «أضحك» و «أحيا» مع «أمات» و «الأنثى» مع «الذكر» و «الأولى» مع «الآخرة» و «الرضا» مع «العطية» فى نهاية الجودة وغاية حسن الموقع. ومن الشعر قول الحطيئة: هم القوم الذين إذا ألمّت ... من الأيام مظلمة أضاءوا وقول أبى نواس: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدو فى ثياب صديق و «الصديق» هنا جيد الموقع، لأن معنى البيت يقتضيه، وهو محتاج إليه.

стр. 179

ودراسة أبى هلال وغيره من البلاغيين والنقاد لهذا الموضوع تختلف عن دراسة البلاغيين المتأخرين، ولذلك لا نجد فى دراساتهم ما تطرق إليه أبو هلال ولعل عبد القاهر الجرجانى كان من أوائل الذين بحثوه بحثا مفصلا يقوم على التقسيم والتحديد والتعليل والتحليل وربطه بباب العطف عندما ربط البلاغة بمعانى النحو وجعل النظم توخّيا له. وقد أجمل مواضع الفصل والوصل بقوله: «إنّ الجمل على ثلاثة أضرب: - جملة حالها مع التى قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد فلا يكون فيها العطف ألبتة لشبه العطف فيها- لو عطفت- بعطف الشئ على نفسه. - وجملة حالها مع التى قبلها حال الاسم يكون غير الذى قبله إلّا أنه يشاركه فى حكم ويدخل معه فى معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه فيكون حقها العطف. - وجملة ليست فى شئ من الحالين، بل سبيلها مع التى قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه فى شئ فلا يكون إياه ولا مشاركا له فى معنى بل هو شئ إن ذكر لم يذكر إلّا بأمر ينفرد به ويكون ذكر الذى قبله وترك الذكر سواء فى حاله لعدم التعلق بينه وبينه رأسا، وحق هذا ترك العطف ألبتة. فترك العطف يكون إمّا للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين، فاعرفه (١)» وعلى هذا الأساس وضع عبد القاهر أصول بحث الفصل والوصل، وقوانينه، وذكر الأمثلة الكثيرة. وجاء علماء البلاغة فاختصروا بحوثه وبوبوها، وكان تحديدهم أدق ضبطا وقواعدهم أكثر تقييدا. وكان السكاكى من أشهر الذين اتبعوه ولكنه لم يوضح الموضوع ولم يبحثه بحثا جيدا،

стр. 180

وانصرف إلى الكلام على الجامع وأنواعه، واستفاد الخطيب القزوينى من الرجلين فكانه بحثه للفصل والوصل يجمع بين تحديد القاعدة والشرح والتعليل أى بين طريقتى عبد القاهر والسكاكى. ثم جاء شراح التلخيص فأولوا هذا الموضوع عناية كبيرة وانتهى إلى صورته الأخيرة التى نجدها فى كتب البلاغة. مواضع الفصل: يجب الفصل فى خمسة مواضع: الأول: أن يكون بين الجملتين اتحاد تام وهو «كمال الاتصال»، وذلك: - أن تكون الجملة الثانية توكيدا للأولى، والمقتضى للتأكيد دفع توهم التجوز والغلط وهو قسمان: أحدهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوى من متبوعه فى إفادة التقرير مع الاختلاف فى المعنى، كقوله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ» (١)، فانّ وزان «لا رَيْبَ فِيهِ» وزان نفسه فى «جاءنى محمد نفسه». وقوله: «كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً» (٢)، فالثانى مقرر لما أفاده الأول. وثانيهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظى من متبوعه فى اتحاد المعنى، كقوله تعالى: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» (٣) فان «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» معناه: أنّه فى الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة.

стр. 181

ومن أمثلة كون الجملة الثانية توكيدا للأولى قول المتنبى: وما الدّهر إلّا من رواة قصائدى ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا فالجملة «إذا قلت ...» توكيد للأولى، لأنّ معنى الجملتين واحد. ومنه قول الشاعر: يهوى الثناء مبرز ومقصّر ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان فالجملة «حب الثناء ...» توكيد للأولى، لأنّ معنى الجملتين واحد. - أن تكون الجملة الثانية بدلا من الأولى، والمقتضى للإبدال كون الأولى غير وافية بتمام المراد بخلاف الثانية والمقام يقتضى اعتناء بشأنه لنكتة ككونه مطلوبا فى نفسه أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا، وهو ضربان: أحدهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض (١) من متبوعه، كقوله تعالى: «أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» (٢) فانه مسوق للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطبين، وقوله: «أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» أوفى بتأديته مما قبله لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم مع كونهم معاندين، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون، ويحتمل الاستئناف. وثانيهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال (٣) من متبوعه كقوله تعالى: «اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ» (٤) فانّ المراد به حمل المخاطبين على اتباع الرسل، وقوله:

стр. 182

«اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ» أوفى بتأدية ذلك، لأنّ معناه: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة. ومنه قول الشاعر: أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلّا فكن فى السّرّ والجهر مسلما وقد فصل «لا تقيمن» عن «ارحل» لقصد البدل، لأنّ المقصود من كلامه هذا كمال إظهار الكراهة لاقامته بسبب خلاف سره العلنى، وقوله: «لا تقيمن عندنا» أو فى بتأدية هذا المقصود من قوله «ارحل» لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد. - أن تكون الثانية بيانا للأولى، وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه فى إفادة الإيضاح، والمقتضى للتبيين أن يكون فى الأولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته، كقوله تعالى: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ، قالَ: يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى؟» (١)، فصل جملة «قال» عما قبلها لكونها تفسيرا له وتبيينا. ومنه قول المعرى: الناس للناس من بدو ومن حضر ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم فالجملة الثانية «بعض لبعض ...» إيضاح للأولى «الناس للناس ...» وهى بيان لها. الثانى: أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع، وذلك: - أن تختلف الجملتان خبرا وإنشاء لفظا ومعنى، كقول الشاعر: وقال رائدهم: ارسوا نزاولها ... فكلّ حتف امرئ يجرى بمقدار

стр. 183

فالجملة الأولى «ارسوا» إنشاء لفظا ومعنى، و «نزاولها» خبر لفظا ومعنى، لأنّ الغرض تعليل الأمر بالإرساء بالمزاولة للحرب أى: «ارسوا السفينة نزاول الحرب». أو معنى لا لفظا، مثل: «مات فلان، ﵀» فالجملة الأولى خبرية لفظا والثانية إنشائية معنى لا لفظا، لأن لفظ الفعل خبر لا أمر. - أن لا يكون بين الجملتين جامع أو مناسبة، بل تكون كل جملة مستقلة بنفسها مثل: «الليل رهيب. أقبل محمد»، ولا صلة بين الجملتين، ولذلك ترك العطف بينهما لكمال الانقطاع. الثالث: أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى فتنزل منزلته ويسمى هذا «شبه كمال الاتصال» أو «الاستئناف» والاستئناف ثلاثة أضرب، لأن السؤال الذى تضمنته الجملة الأولى إما عن: - سبب الحكم فيها مطلقا، كقول الشاعر: قال لى: كيف أنت؟ قلت عليل ... سهر دائم، وحزن طويل أى: ما بالك عليلا؟ أو ما سبب علتك. وقول الآخر: وقد غرضت من الدنيا فهل زمنى ... معط حياتى لغرّ بعد ما غرضا (١) جرّبت دهرى وأهليه فما تركت ... لى التجارب فى ود امرئ غرضا أى: لم تقول هذا؟ وما الذى اقتضاك أن تطوى عن الحياة إلى هذا الحد، أى تعرض عنها. - أو عن سبب خاص له كقوله تعالى: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (٢). كأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: إنّ النفس لأمارة بالسوء.

стр. 184

- أو عن غير هذين النوعين، كقوله تعالى: «قالُوا: سَلاماً، قالَ: سَلامٌ» (١)، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم ﵇؟ فقيل: قال سلام. ومنه قول الشاعر: زعم العواذل أنّنى فى غمرة ... صدقوا، ولكن غمرتى لا تنجلى (٢) لما حكى عن العواذل أنّهم قالوا: هو فى غمرة، وكان ذلك مما يحرك السامع لأن يسأله فيقول: فما قولك فى ذلك وما جوابك عنه؟ أخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له وصار كأنه قال: أقول صدقوا أنا كما قالوا ولكن لا مطمع لهم فى فلاحى، ولو قال: «زعم العواذل أنّنى فى غمرة وصدقوا» لكان يكون لم يصح فى نفسه أنّه مسؤول وأن كلامه كلام مجيب (٣). ومنه قول الوليد بن يزيد: عرّفت المنزل الخالى ... عفا من بعد أحوال عفاه كلّ حنّان ... عسوف الويل هطّال (٤) فانه لما قال: «عفا» وكان العفاء مما لا يحصل للمنزل بنفسه كان مظنة أن يسأل عن الفاعل. ومثله قول المتنبى: وما عفت الرياح له محلّا ... عفاه من حدا بهم وساقا فانه لما نفى الفعل الموجود عن الرياح، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل.

стр. 185

وقد يحذف صدر الاستئناف لقيام قرينة، كقوله تعالى: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ. رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (١) فيمن قرأ «يسبّح» مبنيا للمفعول- للمجهول- كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: رجال. وقد يحذف الاستئناف كله ويقام ما يدل عليه مقامه، كقول الشاعر: زعمتم أنّ إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف (٢) حذف الجواب الذى هو: كذبتم فى زعمكم، وأقام مقامه «لهم إلف وليس لكم إلاف» مقامه لدلالته عليه. ويجوز أن يقدر قوله: «لهم إلف ...» جوابا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأنه لما قال المتكلم: «كذبتم» قالوا: «لم كذبنا؟» فقال: «لهم إلف وليس لكم إلاف» فيكون فى البيت استئنافان. وقد يحذف ولا يقام شئ مقامه، كقوله تعالى: «نِعْمَ الْعَبْدُ» (٣) أى: أيوب، أو هو لدلالة ما قبل الآية وما بعدها عليه (٤). الرابع: أن يكون بين الجملتين «شبه كمال الانقطاع»، وذلك بأن تكون الجملة الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى وينبغى هنا الفصل لأنّ عطفها عليها يوهم لعطفها على غيره، ويسمى هذا الفصل «قطعا». ومنه قول الشاعر: وتظنّ سلمى أنّنى أبغى بها ... بدلا، أراها فى الضلال تهيم لم يعطف «أراها» على «تظن» لئلا يتوهم السامع أنّه معطوف على «أبغى» لقربه منه، مع أنّه ليس بمراد، ويحتمل الاستئناف.

стр. 186

الخامس: أن تكون الجملتان متوسطتين بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع مع قيام المانع من الوصل كأن يكون للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية، كقوله تعالى: «وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» (١). فجملة «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» لا يصح عطفها على جملة «قالوا ...» لئلا يلزم من ذلك اختصاص استهزاء الله بهم بوقت خلوهم إلى شياطينهم، والواقع أنّ استهزاء الله بهم غير مقيد بوقت من الأوقات. ولا يصح أن تعطف جملة «الله يستهزئ بهم» على جملة «إنّا معكم» لئلا يلزم أن تكون من مقول المنافقين مع أنّها من مقول الله تعالى. مواضع الوصل: يجب الوصل فى ثلاثة مواضع: الأول: أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع الإيهام، وذلك بأن تكون إحداهما خبرية والأخرى إنشائية ولو فصلت لأوهم الفصل خلاف المقصود. ومنه قول البلغاء: «لا، وأيدك الله»، ومثل: «لا، ولطف الله» و «لا، وحفظك الله». الثانى: أن تكون الجملتان متفقتين خبرا وإنشاء لفظا ومعنى كقوله تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» (٢)، وقوله: «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ» (٣)، وقوله: «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ» (٤)، وقوله: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا» (٥) أو أن تكونا متفقتين خبرا وإنشاء معنى لا لفظا كقوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ، لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، وَبِالْوالِدَيْنِ

стр. 187

إِحْساناً، وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» (١)، عطف قوله «قولوا» على قوله «لا تعبدون» لأنّه بمعنى: لا تعبدوا. الثالث: أن يكون للجملة الأولى محل من الإعراب وقصد إشراك الجملة الثانية لها فى الحكم الإعرابى، وهذا كعطف المفرد على المفرد، لأنّ الجملة لا يكون لها محل من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد. وينبغى هنا أن تكون مناسبة بين الجملتين كقوله تعالى: «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ» (٢) وقوله: «وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (٣). ولذلك عيب على أبى تمام: لا والذى هو عالم أنّ النوى ... صبر، وأنّ أبا الحسين كريم إذ لا مناسبة بين كرم أبى الحسين- محمد بن الهيثم- ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر. ومن إشراك الجملة الثانية بالأولى فى الحكم الإعرابى قول المتنبى: وللسرّ منى موضع لا يناله ... نديم ولا يفضى إليه شراب فجملة «لا يناله نديم» صفة ل «موضع» ولذلك جاز أن يعطف عليها جملة «ولا يفضى إليه شراب». وذكر عبد القاهر الجرجانى لونا من الوصل (٤)، وهو أن يؤتى بالجملة فلا يعطف على ما يليها ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التى تعطف جملة أو جملتان، مثال ذلك قول المتنبى: تولّوا بغتة فكأنّ بينا ... تهيّبنى ففاجأنى اغتيالا فكان مسير عيسهم ذميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا

стр. 188

قوله: «فكان مسير عيسهم» معطوف على «تولوا بغتة» دون ما يليه من قوله: «ففاجأنى»، لأنّا إن عطفناه على هذا الذى يليه أفسدنا المعنى من حيث إنه يدخل فى معنى «كأنّ» وذلك يؤدى إلى أن لا يكون «مسير عيسهم» حقيقة ويكون متوهما كما كان تهيب البين كذلك، وهذا أصل كبير. والسبب فى ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا وبين المعطوف عليها الأولى ترتبط فى معناها بتلك الأولى كالذى ترى أنّ قوله «فكأنّ بينا تهيبنى» مرتبط بقوله «تولوا بغتة» وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب. ألا ترى أنّ المعنى «تولوا بغتة فتوهمت أن بينا تهيبنى» ولا شك أنّ هذا التوهم كان بسبب أن كان التولى بغتة، وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشئ الواحد، وكانت منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجئ بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده على الجملة وأن يعتد كلاما على حدته. ثم قال: «وههنا شئ آخر دقيق، وهو أنّك إذا نظرت إلى قوله: «فكان مسير عيسهم ذميلا» وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت مربوطا آخره بأوله، ألا ترى أنّ الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة وعلى الوجه الذى توهم من أجله أنّ البين تهيبه مستدعيا بكاءه وموجبا أن ينهمل دمعه فلم يعنه أن يذكر ذملان العيسى إلّا ليذكر هملان الدمع وأن يوفق بينهما، وكذلك الحكم فى الأول. فنحن وإن كنا قلنا إنّ العطف على «تولوا بغتة» فانا لا نعنى أنّ العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده بل العطف عليه مضموما إليه ما بعده إلى آخره، وإنما أردنا بقولنا: إنّ العطف عليه، أن نعلمك أنّه الأصل والقاعدة وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلى هذا الذى تعطفه فتزعم أنّ قوله «فكان مسير عيسهم» معطوف على «فاجأنى» فتقع فى الخطأ كالذى أريناك فأمر العطف إذن موضوع على أنّك تعطف تارة جملة على جملة وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض ثم تعطف مجموع هذى على مجموع تلك» (١).

стр. 189

اقتران الجملة الحالية بالواو: ويتصل بالفصل والوصل اقتران الجملة الحالية بالواو وعدم اقترانها بها وقد ألحقه البلاغيون بهذا المبحث، وعقد له الرازى وعبد القاهر والسكاكى والقزوينى فصولا (١) فى كتبهم وألحقوه بباب الفصل والوصل. ولكن دراسة عبد القاهر كانت أعمق هذه الدراسات ولذلك فسيكون تلخيصها هنا شرحا للموضوع وتبيانا له. تجئ الحال تارة مع الواو وأخرى بغير الواو، وفى تمييز ما يقتضى الواو مما لا يقتضيه صعوبة والقول فى ذلك: - أنّ الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر فالغالب عليها أن تجئ مع الواو، مثل: «جاء محمد وعمرو أمامه». ومنه قول امرئ القيس: أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال ومثال خلوها من الواو قولهم «كلّمته فوه إلى فىّ» و «رجع عود على بدئه». - إن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذى الحال لم يصلح بغير الواو، مثل: «جاء محمد وهو راكب». - إن كان الخبر فى الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا ثم كان قد قدم على المبتدأ، مثل: «عليه معطف» كثر فيها أن تجئ بغير واو. ومنه قول بشار: إذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازى علىّ سواد - وإن كانت الجملة من فعل وفاعل والفعل مضارع مثبت غير منفى لم يكد يجئ بالواو مثل: «جاء محمد يسعى أخوه بين يديه» أو «جاء محمد

стр. 190

يسعى»، وعليه التنزيل والكلام، ومثاله قوله تعالى: «وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» (١)، وقوله: «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى» (٢) وقوله: «وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» (٣). - فان دخل حرف نفى على المضارع تغير الحكم فجاء بالواو وبتركها كثيرا، كقول مسكين الدارمى: أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب وقول مالك بن رفيع وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير: أتانى مصعب وبنو بنيه ... فأين أحيد عنهم لا أحيد أقادوا من دمى وتوّعدونى ... وكنت وما ينهنهنى الوعيد (٤) وقول الشاعر: مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر وقول أعشى همدان: أتينا أصبهان فهزّلتنا ... وكنا قبل ذلك فى نعيم وكان سفاهة منى وجهلا ... مسيرى لا أسير إلى حميم ففى المثالين الأولين اقترنت بالواو، وفى المثالين الأخيرين لم تقترن. - ومما يجئ بالواو وغير الواو الماضى، وهو لا يقع حالا إلّا مع «قد» مظهرة أو مقدرة مثل: «أتانى وقد جهده السير». ومثال ما جاء بغير واو: فآبوا بالرماح مكسّرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا

стр. 191

محسنات الوصل: من محسنات الوصل تناسب الجملتين فى الاسمية والفعلية، وتناسب الجملتين الفعليتين فى المضى والمضارعة، وفى الإطلاق والتقييد، ولا يعدل عن ذلك إلّا لغرض أو لمانع، كما إذا أريد بإحداهما التجدد وبالأخرى الثبوت مثل: «قام محمد وعمرو قاعد» إذا أريد أن قيام محمد متجدد وقعود عمرو ثابت مستمر. أو أن يراد حكاية الحال الماضية واستحضار الصورة فى الذهن كقوله تعالى: «فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ» (١). أو أن يراد الإطلاق فى إحداهما والتقييد فى الأخرى كقوله تعالى: «وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ» (٢)، والجملة الأولى مطلقة، والثانية مقيدة؛ لأنّ الشرط مقيد للجواب (٣). الفصل والوصل فى المفردات: لم يتعرض البلاغيون إلّا للجمل حينما ترتبط أو تنفصل، أمّا المفردات فلم يتعرضوا لها، ولعل السبب وضوح هذه المسألة أو أن الحكم يعلم من الجملتين. وكان عبد القاهر الجرجانى قد اتخذ من الحديث عن عطف المفردات سبيلا للحديث عن عطف الجمل، ولكنه لم يعقد لهذا القسم دراسة لأنّه مما يتحدث عنه النحاة ولا يقع فيه الإشكال (٤). وأشار السكاكى إلى أنّ الفصل والوصل بين الجمل هو الأصل فى هذا الفن (٥)،

стр. 192

وظن الخطيب القزوينى أنّ غير ذلك متروك ولذلك عرف هذا الأسلوب بقوله: «الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه» (١)، وعلى ذلك سار شراح تلخيصه غير أنّ العصام يعقب على كلام التفتازانى بقوله: «وعبارته بأنّ الفصل والوصل مختصان اصطلاحا بالجمل والمقتضيات لهما جارية فى المفردات أيضا. فلا ينبغى التخصيص اصطلاحا ونحن نفهم من عبارة المفتاح عدم اختصاصها بها، وإنما هو الأصل فى الجمل حيث قال: «تمييز موضع العطف عن غير موضعه فى الجمل هو الأصل فى هذا الفن» (٢). «واحفظها فى المفردات أيضا لئلا يكون بمعزل عن البلاغة، وكيف يظن أنّ عطف الجمل التى هى أخبار المبتدأ، أو أحوال لصاحب، أو صفات لمنعوت، وتركه مبنيات على أحوال دون ما فى المفردات» (٣). ولعل بهاء الدين السبكى شارح تلخيص القزوينى، كان من أحسن الذين تعرضوا لهذا البحث، وقال إنّ الأصل فى المفرد فصله مما قبله، لأنّ ما قبله (٤): - إمّا عامل فيه مثل «زيد قائم» فلا يعطف المعمول على عامله. - أو معمول فلا يعطف العامل على معموله. - أو كلاهما معمول والفعل يطلبهما طلبا واحدا فلا يمكن عطفه لأنّه يلزم قطع العامل عن الثانى مثل: «علمت زيدا قائما». وإذا اجتمع مفردان وأمكن من جهة الصناعة عطف أحدهما على الآخر فان كان بينهما جامع تم الوصل وإلّا كان الفصل هو الأساس. وسار بهاء الدين السبكى فى بحث هذا النوع على منهجه فى الجمل، وهو أقسام:

стр. 193

الأول: أن يكون بين المفردين كمال الانقطاع بلا إيهام غير المراد مثل «زيد عالم قائم» فانه لا جامع بين هذين الخبرين ولذلك يفصلان، ومثل ذلك الأعداد واحد أثنان ثلاثة أربعة ... ، وحروف الهجاء ألف باء ... ففى مثل هذه الحالة يجب الفصل. الثانى: أن يكون بينهما كمال الانقطاع وفى الفصل إيهام غير المراد مثل: «ظننت زيدا ضاربا وعالما» فيجب العطف إذ لو لم يعطف لتوهم أن «عالما» «معمول» ل «ضاربا». الثالث: كمال الاتصال بأن يكون تأكيدا معنويا، أو لفظيا، أو عطف بيان، أو نعتا، أو بدلا نحو «جاء زيد نفسه» و «جاء زيد أبو عبد الله» و «جاء زيد القاسم» فلا يعطف شئ من ذلك. أو يكون فى معنى واحد من هذه الأمور كما فى عطف الجمل أو فصلها أو أن يكونا بمنزلة خبر واحد، مثل: «هذا حلو حامض» إذا جعلناهما خبرين. الرابع: شبه كمال الانقطاع بأن يكون للمفرد الأول حكم لا يقصد إعطاؤه للثانى نحو «زيد مجيب إن قصد صالح» إذا أريد الإخبار بأنّه صالح مطلقا فان عطف «صالح» على «مجيب» يوهم أنّه صالح إن قصد، لأنّ الشرط فى أحد المتعاطفين شرط فى الآخر بخلاف الشرط فى واحد من خبرى المبتدأ. وتارة يكون عطفه على المفرد قبله يوهم عطفه على غيره مثل «كان زيد ضاربا عمرا قائما» فلو قيل: «وقائما» لأوهم أنّه معطوف على «عمرو» المفعول. الخامس: شبه كمال الاتصال، مثل «زيد غضبان ناقص الحظ» كأنّ سائلا سأل: لم غضب؟. السادس: أن يكون بينهما التوسط من كمال الانقطاع وكمال الاتصال مثل «زيد معط مانع» على أن يكونا خبرين، فإذا أريد جعل الثانى صفة تعين الوصل.

стр. 194

أما العطف بين الجمل والمفردات، فقد جوّز أكثر النحاة عطف الفعل على الاسم وعطف الاسم على الفعل إذا كان كل منهما فى تقدير الآخر. وقال السهيلى يحسن عطف الفعل على الاسم إذا كان اسم فاعل، ويقبح عطف الاسم على الفعل. وقال إنّ مثل «مررت برجل يقوم قاعد» ممتنع إلّا على وجه. وجوّزه الزجاج كعطف الفعل على الاسم، والأكثرون على الجواز (١). قال تعالى: «صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ (٢)» وقال: «فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً. فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٣)». ...

стр. 195

الفصل الخامس الايجاز والاطناب الايجاز والإطناب والمساواة من الأساليب التى لا تتضح كثيرا إلّا بالحديث عن أنواعها وعرض أمثلتها، لأنّ الاتفاق على مقياس يلجأ إليه الدارسون من الأمور الصعبة. وكان السكاكى قد ذهب إلى أنّ الذى يحدد هذه الأساليب هو العرف وقد سماه «متعارف الأوساط»، يقول: «أمّا الإيجاز والإطناب فلكونهما نسبيين لا يتيسر الكلام فيهما إلّا بترك التحقيق والبناء على شئ عرفى مثل جعل كلام الأوساط على مجرى متعارفهم فى التأدية للمعانى فيما بينهم. ولا بدّ من الاعتراف بذلك مقيسا عليه ولنسمّه «متعارف الأوساط» وأنه فى باب البلاغة لا يحمد ولا يذم» (١)، ولذلك كان الإيجاز أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط، وكان الإطناب أداءه بأكثر من عباراتهم، سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة إلى الجمل أو إلى غير الجمل. ولكن الخطيب القزوينى رأى الاتفاق على متعارف الأوساط صعبا، ووجد أنّ بناء التعريف عليه أصعب، والأقرب أن يقال: «المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد بلفظ مساو له أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة» (٢). وهذا التعريف لا يكون دقيقا إن لم تعرض أساليب الإيجاز والإطناب ليبنى عليها أسلوب المساواة ويحدد بدقة ووضوح، ولذلك قال إنّ المساواة «أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد لا ناقصا عنه بحذف أو غيره، ولا زائدا عليه بنحو تكريم أو تتميم أو

стр. 196

اعتراض»، أى أنّ المساواة لا تتضح إلّا بعد دراسة الأسلوبين الآخرين ومعرفتهما معرفة دقيقة، ولكنه قدّم الكلام على المساواة لأنّها الأصل المقيس عليه، وهذا التقديم لا يخدم القياس لأنّ المساواة لا تعرف إلّا بعد معرفة الكلام المحذوف أو الزائد، وبذلك تكون الكلام الذى ليس فيه حذف أو زيادة. وميز بين الكلام التام والناقص ولذلك قال إنّ «واف» احتراز عن الإخلال، وهو أن يكون اللفظ قاصرا عن أداء المعنى، كقول عروة بن الورد: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا فانه أراد: إذ يقتلون نفوسهم فى السلم. وقول الحارث بن حلزة: والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممن عاش كدّا (١) فانه أراد: العيش الناعم فى ظلال النوك خير من العيش الشاق فى ظلال العقل، فأخلّ بالمعنى. واحترز فى الزيادة وقال إنّها لفائدة، لكى لا يدخل فيها: - التطويل: وهو أن لا يتعين الزائد فى الكلام، كقول عدى بن زيد العبادى: وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا (٢) فان الكذب والمين واحد. - الحشو: وهو ما يتعين أنّه الزائد، وهو نوعان:

стр. 197

الأول: ما يفسد المعنى، كقول المتنبى: ولا فضل فيه للشجاعة والنّدى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب (١) فانّ لفظ «الندى» فيه حشو يفسد المعنى، لأنّ المعنى أنّه لا فضل فى الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت، وهذا الحكم صحيح فى الشجاعة دون الندى، لأنّ الشجاع لو علم أنّه يخلد فى الدنيا لم يخش الهلاك فى الإقدام فلم يكن لشجاعته فضل بخلاف الباذل ماله فإنه إذا علم أنّه يموت هان عليه بذله. الثانى: ما لا يفسد المعنى، كقول الشاعر: ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب (٢) فانّ فى لفظ «الرأس» حشوا لا فائدة فيه لأنّ الصداع لا يستعمل إلّا فى الرأس، وليس بمفسد للمعنى. وقول زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عم فانّ قوله «قبله» مستغنى عنه غير مفسد. وهذه المقدمة ضرورية فى دراسة هذا الموضوع، ولكنه لن يتضح إلّا بعد الحديث عن أجزائه وإيضاح أمثلته وأساليبه.

стр. 198

الايجاز تعريفه: الايجاز- لغة-: التقصير، تقول: أوجزت الكلام، أى: قصرته وكلام موجز من أوجز. والايجاز- اصطلاحا- أن يكون اللفظ أقل من المعنى، مع الوفاء به وإلّا كان إخلالا يفسد الكلام. وهذا الأسلوب من أهم خصائص اللغة العربية فى القديم، فقد كان العرب لا يميلون إلى الاطالة والشرح والإسهاب، وكانوا يعدون الإيجاز هو البلاغة، فأكثم بن صيفى يرى أنّ البلاغة هى الايجاز، وكان جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: «إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا» (١). وفعلوا مثل ذلك فى القصائد، وقد قيل لبعضهم: مالك لا تزيد على أربعة واثنين؟ قال: هنّ بالقلوب أوقع وإلى الحفظ أسرع وبالألسن أعلق، وللمعانى أجمع وصاحبها أبلغ وأوجز. وقيل لآخر: ألا تطيل القصائد، فقال: أبى لى أن أطيل الشعر قصدى ... إلى المعنى وعلمى بالصواب وإيجازى بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب فأبعثهنّ أربعة وستا ... مثقفة بألفاظ عذاب خوالد ماحدا ليل نهارا ... وما حسن الصبا بأخى الشباب وهنّ إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم فى الرّقاب وكنّ إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب (٢)

стр. 199

وفى هذه الأبيات خلاصة لأغراض الإيجاز، فبه يصل المتكلم إلى هدفه من غير تمهيد أو زيادة لا يقتضيها المعنى، وبه يأتى الكلام قصيرا يسهل حفظه وروايته، وهذا ما يبدو واضحا فى الأمثال والخطب والشعر، وبهذا الأسلوب أيضا تصل المعانى إلى القلب فى أسرع ما يكون وتؤثر فيه فيهتز طربا إن كان الكلام مما يسر، وينفعل ويتجهم إن كان مما لا يسر. وكان لهذه الصفة التى أولع بها العرب أن اهتم البلاغيون والنقاد بأسلوب الايجاز، ووضعوا له حدودا وأقساما، وبينوا مواضعه، لأنّه ليس بمحمود فى كل موضع ولا بمختار فى كل كتاب بل لكل مقام مقال، وإلى ذلك أشار ابن قتيبة بقوله: «ولو كان الإيجاز محمودا فى كل الأحوال لجرّده الله تعالى فى القرآن، ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد، وحذف تارة للايجاز، وكرر تارة للافهام» (١). وقال ابن جنى إنّ الإطالة والإيجاز هما فى كل كلام مقيد مستقل بنفسه ولو بلغ الإيجاز غايته لم يكن له بدّ من أن يعطيك تمامه وفائدته مع أنّه لا بد فيه من تركيب الجملة فان نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب. وقال إنّ العرب إلى «الايجاز أقبل وعن الإكثار أبعد»، وضرب مثلا بالقرآن الكريم وما فيه من الحذف الذى يجعل الكلام موجزا (٢). ومعنى ذلك أنّ هذا الأسلوب ضرورى كغيره إذا أراد المتكلم أن يكون مطابقا لمقتضى الحال ولذلك يقول أبو هلال العسكرى: «إنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى جميع الكلام وكل نوع منه، ولكل واحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإيجاز فى موضعه كالحاجة إلى الإطناب فى مكانه فمن أزال التدبير فى ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب فى موضع الإيجاز واستعمل الإيجاز فى موضع الإطناب أخطأ» (٣).

стр. 200

وتحدث ابن رشيق عن الإيجاز وذكر تعريف الرمانى وهو: «الإيجاز هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف» وقسّمه إلى نوعيه المعروفين (١). وعقد ابن سنان له بحثا وسمّاه «الإشارة» وقال عنه: «هو أن يكون المعنى زائدا على اللفظ، أى أنّه لفظ موجز يدل على معنى طويل على وجه الإشارة واللمحة» (٢). والمختار عنده فى الفصاحة والدال على البلاغة هو أن يكون المعنى مساويا للفظ أو زائدا عليه، أى أن يكون اللفظ القليل يدل على الكثير دلالة واضحة ظاهرة لا أن تكون الألفاظ لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته حتى يحتاج فى استنباطه إلى طرف من التأمل ودقيق الفكر. وعرّف الرازى الإيجاز بقوله: «وحده أنّه العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف من غير إخلال» (٣). وقال السكاكى إنّ الإيجاز والإطناب- كما سبق- من الأمور النسبية كالأبوة والبنوة وهى التى يتوقف تعقلها على تعقل غيرها، فإنّ الكلام الموجز إنّما يدرك من حيث وصفه بالإيجاز بالقياس إلى كلام آخر أكثر منه، وكذلك المطنب إنّما يدرك من حيث وصفه بالإطناب إلى كلام آخر يكون أقل منه. وتحدث عنه ابن الأثير وعقد له فصلا فى «المثل السائر» وفصلا فى «الجامع الكبير» وقال فى تعريفه: «هو حذف زيادات الألفاظ» (٤)، وهذا النوع من الأساليب شريف لا يتعلق به إلّا فرسان البلاغة، وذلك لعلو منزلته وبعد مناله. ثم قال بعد أن مهد لبحثه: «حد الإيجاز هو دلالة اللفظ

стр. 201

على المعنى من غير أن يزيد عليه، والتطويل هو ضد ذلك، وهو أن يدل على المعنى بلفظ يكفيك بعضه فى الدلالة عليه» (١). وسماه ابن الزملكانى «الإشارة» وقال: «هو إثبات المعانى المتكثرة باللفظ القليل» (٢). وقال العلوى: «وهو فى مصطلح أهل هذه الصناعة عبارة عن تأدية المقصود من الكلام بأقل عبارة متعارف عليها» (٣). وهذه التعريفات لا تخرج عن القول بأنّ الإيجاز هو التعبير عن المعانى بألفاظ قليلة تدل عليها لا دلالة تحتاج إلى تأمل دقيق. أقسامه: الإيجاز ضربان: [الأول: إيجاز القصر:] الأول: إيجاز القصر: وهو تقليل الألفاظ وتكثير المعانى ويرى ابن الأثير أنّ التنبه لهذا النوع عسر، لأنّه يحتاج إلى فضل تأمل (٤)، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» (٥). وتتبين قيمة هذه الآية الكريمة حينما تقارن بقولهم: «القتل أنفى للقتل»، ويتضح ذلك فى وجوه: أحدها: أنّ عدة حروف ما يناظره منه وهو «فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» عشرة فى التلفظ وعدة حروفه أربعة عشر. وثانيها: ما فيه من التصريح بالمطلوب الذى هو الحياة بالنص عليها فيكون أزجر عن القتل بغير حق لكونه أدعى إلى الاقتصاص.

стр. 202

وثالثها: ما يفيده تنكير «حياة» من التعظيم أو النوعية. ورابعها: اطراده بخلاف قولهم، فانّ القتل الذى ينفى القتل هو ما كان على وجه القصاص لا غيره. وخامسها: سلامته من التكرار الذى هو من عيوب الكلام بخلاف قولهم. وسادسها: استغناؤه عن تقدير محذوف بخلاف قولهم، فان تقديره: القتل أنفى للقتل من تركه. وسابعها: أنّ القصاص ضد الحياة، فالجمع بينهما طباق. وثامنها: جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بادخال «فى» عليه (١). ومن القصر قوله تعالى: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» (٢) وقوله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» (٣) وقوله: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» (٤). ومنه قول الشريف الرضى: مالوا إلى شعب الرّحال وأسندوا ... أيدى الطعان إلى قلوب تخفق فانه لما أراد أن يصفهم بالشجاعة فى أثناء وصفهم بالغرام عبّر عن ذلك بقوله «أيدى الطعان». وهذا مفهوم الإيجاز بالقصر عند البلاغيين، غير أنّ ابن الأثير (٥) يعدّه فرعا من الإيجاز الذى لا يحذف منه شئ، لأنّه يقسم الإيجاز إلى قسمين:

стр. 203

[الايجاز بالحذف:] - الايجاز بالحذف: وهو ما يحذف منه المفرد والجملة. - ما لا يحذف منه شئ، وهو ضربان: الأول: ما ساوى لفظه معناه ويسمى التقدير. الثانى: ما زاد معناه على لفظه ويسمى الإيجاز بالقصر. وقسم الإيجاز بالقصر إلى نوعين: أحدهما ما دل لفظه على محتملات متعددة، ويمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفى عدتها. ومنه قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى» (١). فقوله: «فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ» من جوامع الكلم التى يستدل على قلتها بالمعانى الكثيرة، أى غشيهم من الأمور الهائلة والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلّا الله ولا يحيط به غيره. ومنه قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (٢)، فجمع فى الآية جميع مكارم الأخلاق، لأنّ فى الأمر بالمعروف صلة الرحم ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغضّ الطّرف عن المحرمات وغير ذلك، وفى الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وغيرهما. ومثاله قول السموأل: وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل فانّ هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها من سماحة وشجاعة وعفة وتواضع وحلم وصبر وغير ذلك، فانّ هذه الأخلاق كلها ضيم النفس لأنّها تجد بحملها ضيما أى: مشقة وعناء.

стр. 204

وثانيهما: ما دل لفظه على محتملات متعددة، ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفى عدتها، بل يستحيل ذلك وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا، ومنه قوله تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» الذى فاق كل كلام وفضل غيره من كلام العرب. الثانى: إيجاز الحذف: وهو ما يكون بحذف كلمة أو جملة أو أكثر مع قرينة تعين المحذوف. أو هو كما قال ابن الأثير: «ما يحذف منه المفرد والجملة لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون إلّا فيما زاد معناه على لفظه» (١). وقال عن هذا الأسلوب: «أما الإيجاز بالحذف فانه عجيب الأمر شبيه بالسحر، وذاك أنّك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبيّن، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر. والأصل فى المحذوفات جميعا على اختلاف ضروبها أن يكون فى الكلام ما يدل على المحذوف، فان لم يكن هناك دليل على المحذوف فانه لغو من الحديث لا يجوز بوجه ولا سبب. ومن شرط المحذوف فى حكم البلاغة أنّه متى أظهر صار الكلام إلى شئ غث لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن» (٢). أدلة الحذف: أدلة الحذف كثيرة منها: - أن يدل العقل على الحذف، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف، كقوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (٣)، فانّ العقل يدل على الحذف، والمقصود الأظهر يرشد إلى أنّ التقدير: حرّم عليكم تناول الميتة والدم ولحم الخنزير، لأنّ الغرض الأظهر منها تناولها.

стр. 205

- أن يدل العقل على الحذف والتعيين، كقوله تعالى: «وَجاءَ رَبُّكَ» (١) أى: أمر ربك أو عذابه أو بأسه. - أن يدل العقل على الحذف، والعادة على التعيين، كقوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: «فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ» (٢)، دل العقل على الحذف فيه، لأنّ الإنسان إنّما يلام على كسبه فيحتمل أن يكون التقدير فى حبه لقوله «قَدْ شَغَفَها حُبًّا» (٣)، وأن يكون فى مراودته لقوله: «تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ» (٤)، وأن يكون فى شأنه وأمره فيشملهما. والعادة دلت على تعيين المراودة، لأنّ الحب المفرط لا يلام الانسان عليه فى العادة لقهره صاحبه وغلبته إياه، وإنّما يلام على المراودة الداخلة تحت كسبه التى يقدر أن يدفعها عن نفسه. - أن تدل العادة على الحذف والتعيين، كقوله تعالى: «لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ» (٥) مع أنّهم كانوا أخبر الناس بالحرب، فكيف يقولون بأنّهم لا يعرفونها؟ فلا بد من حذف، وتقديره «مكان قتال» أى: إنكم تقاتلون فى موضع لا يصلح للقتال ويخشى عليكم منه، ويدل على أنّهم أشاروا على رسول الله- ﷺ أن لا يخرج من المدينة وأنّ الحزم البقاء فيها. - الشروع فى الفعل، كقول المؤمن: «بسم الله الرحمن الرحيم» عند الشروع فى القراءة أو أى عمل، فانه لا يفيد أنّ المراد «بسم الله أقرأ». والمحذوف يقدر ما جعلت التسمية مبدأ له.

стр. 206

- اقتران الكلام بالفعل، فإنه يفيد تقديره، كقولنا لمن أعرس «بالرفاء والبنين» (١)، فإنه يفيد بالرفاء والبنين أعرست (٢). والمحذوف- كما تقدم- نوعان: [النوع الأول: حذف جزء جملة] النوع الأول: حذف جزء جملة، وهو حذف المفردات ويكون على صور مختلفة: - حذف الفاعل والاكتفاء فى الدلالة عليه بذكر الفعل، كقول العرب «أرسلت» وهم يريدون المطر ولا يذكرون السماء. ومنه قوله تعالى: «كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ. وَقِيلَ مَنْ راقٍ» (٣)، والضمير فى «بلغت» للنفس ولم يجر لها ذكر. ومنه قول حاتم الطائى: أماوىّ ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر يريد النفس، ولم يجر لها ذكر: - حذف الفعل وجوابه، وهو نوعان: أحدهما: يظهر بدلالة المفعول عليه كقوله تعالى: «فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها» (٤)، أى: احذروا. ومنه قول المتنبى: ولولا أنّ أكثر ما تمنّى ... معاودة لقلت ولا مناكا فقوله «ولا مناكا» فيه محذوف تقديره: ولا صاحبت مناكا.

стр. 207

وقوله: ولا إلّا بأن يصغى وأحكى ... فليتك لا يتيّمه هواكا فقوله «ولا إلّا بأن يصغى وأحكى» فيه محذوف تقديره: ولا أرضى إلّا بأن يصغى وأحكى. وثانيهما: لا يظهر فيه قسم الفعل لأنّه لا يكون هناك منصوب يدل عليه، وإنّما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام. كقوله تعالى: «وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» (١)، فقوله «لقد جئتمونا» يحتاج إلى إضمار فعل أى: فقيل لهم لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم. ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، كقوله تعالى: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ» (٢) وهو ل «أمركم» وحده، وإنّما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم. ومن حذف الفعل باب يسمى «باب إقامة المصدر مقام الفعل» ويؤتى به لضرب من المبالغة والتوكيد كقوله تعالى: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ» (٣) قوله «ضرب الرقاب» أصله: فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه وفى ذلك اختصار وتوكيد. وأما حذف جواب الفعل فانه لا يكون فى الأمر المحتوم كقوله تعالى: «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا» (٤) فجزم «يخوضوا ويلعبوا» لأنّهما جواب أمر «فذرهم» وحذف الجواب فى هذا لا يدخل فى باب الإيجاز. - حذف المفعول به، كقوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا» (٥)، فبعد كل فعل مفعول به محذوف.

стр. 208

ويكون ذلك لأغراض: أحدها: أن يكون غرض المتكلم بيان حال الفعل والفاعل فقط كقوله تعالى: «وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ: ما خَطْبُكُما؟ قالَتا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» (١). وقد حذف المفعول به من أربعة مواضع لأنّ الغرض الحديث عن موسى لا عن كون المسقى غنما، أو إبلا، أو غير ذلك. وثانيها: أن يكون غرض المتكلم ذكره ولكنه يحذفه ليوهم أنّه لم يقصده كقول البحترى: شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع والمعنى: أن يرى مبصر محاسنه، ويسمع واع أخباره، ولكنه تغاضى عن ذلك. وثالثها: أن يحذف المفعول لأنّه معلوم، ويأتى هذا بعد فعل المشيئة كقوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» (٢)، وقوله: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ» (٣)، أى: لو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها. ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحترى: لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد

стр. 209

الأصل فى ذلك: لو شئت ألّا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه فى الثانى (١). - حذف المضاف إليه وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر. فمن حذف المضاف قوله تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» (٢)، أى أهلها. وقول الشاعر: إذا لاقيت قومى فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا هل اعفو عن أصول الحقّ فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا أراد أنه يقتطع ما فى الصدور من الضغائن، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ومن حذف المضاف إليه قوله تعالى: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» (٣)، أى من قبل ذلك ومن بعده. وهذا النوع قليل الاستعمال لأنّ المضاف يكتسى منه تعريفا وتخصيصا فحذفه يخلّ بالكلام لإذهاب فائدته بخلاف المضاف نفسه، فانّه لا يخل حذفه من جهة أنّ المضاف إليه يذهب بفائدته ويقوم مقامه. وربما حذف المضاف والمضاف إليه وهذا نادر كقوله تعالى: «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» (٤)، أى من أثر حافر فرس الرسول- صلى الله الله عليه وسلم- وقد قال العلوى عنه: «ولا يكاد يوجد إلّا حيث دلالة الكلام عليه» (٥) وسماه ابن الأثير «حذف المضاف مكررا» (٦).

стр. 210

- حذف الموصوف والصفة وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر، فمن حذف الموصوف قوله تعالى: «وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً» (١) أى: آية مبصرة، ولم يرد الناقة فانها لا معنى لوصفها بالبصر. ومنه قول الشاعر: أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى أى: انا ابن رجل جلا. وقول البحترى: وإذا ما رأيت صورة إنطا ... كيّة ارتعت بين روم وفرس والمنايا مواثل وأنو شر ... وان يزجى الصفوف تحت الدّرفس فى اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال فى صبيغة ورس فقوله «على أصفر» أى على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال لأنّه لما قال «على أصفر» علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر. ومن حذف الصفة قوله تعالى: «وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» (٢) أى: كل سفينة صحيحة أو صالحة. - حذف الشرط وجوابه: ومثال حذف الشرط قوله تعالى: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ» (٣)، فالفاء فى قوله «فاعبدون» جواب شرط محذوف، والمعنى: إنّ أرضى واسعة فان لم تخلصوا لى العبادة فى أرض فأخلصوها فى غيرها. ومنه قوله: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» (٤)، أى: فأفطر فعدة من أيام أخر.

стр. 211

ومن حذف الشرط قوله تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ، كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ. قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (١) يقول: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث، أى: قد تبين بطلان قولكم. ومنه قول الشاعر: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا كأنه قال: إن صحّ ما قلتم إن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص. وأما حذف جواب الشرط فكقوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (٢)، فان جواب الشرط هنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ويدل على المحذوف قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ». ويحذف جواب الشرط: - لمجرد الاختصار، كالآية السابقة، وكقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» (٣)، أى: لكان هذا القرآن. - للدلالة على أنّه شئ لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب، كقوله تعالى: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً،

стр. 212

حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» (١) وقد حذف جواب الشرط لعظمة المشهد ولكى تذهب النفس فى تصوره كل مذهب (٢). ولهذا المعنى حذفت الصلة من قولهم: «جاء بعد اللتيا والتى» (٣) أى المشار إليه بهما وهى المحنة والشدائد قد بلغت شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معه حتى لا يحير بنت شفة (٤). - لعلم المخبر بوضع الكلام، وقد سأل سيبويه أستاذه الخليل عن قوله تعالى: «حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها» (٥) أين جوابها؟ وعن قوله تعالى: «وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ» (٦) «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» (٧)، فقال: «إنّ العرب قد تترك فى مثل هذا الخبر الجواب فى كلامهم لعلم المخبر لأى شئ وضع هذا الكلام» (٨). - حذف القسم وجوابه، ومثال حذف القسم «لأفعلن» أى: والله لأفعلن. ومثال حذف جوابه قوله تعالى: «وَالْفَجْرِ* وَلَيالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ* هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» (٩)، فجواب القسم هنا محذوف تقديره: ليعذبن أو نحوه.

стр. 213

- حذف لو وجوابها، ومثال حذف «لو» قوله تعالى: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» (١). وتقديره: لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق. ومنه قول قريط بن أنيف: لو كنت من مازن لم تستبح إبلى ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذن لقام بنصرى معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا والتقدير: إذن لو كنت منهم لقام بنصرى معشر خشن. ومثال حذف جواب «لو» قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» (٢) وتقدير جواب لو: لرأيت أمرا عظيما. ومنه قول أبى تمام: لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له العواقب بين السّمر والقضب والتقدير: لو يعلم الكفر لأخذ أهبة الحذار. - حذف جواب «لولا» كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (٣) تقديره ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجل لكم العذاب. - حذف جواب «لما» كقوله تعالى: «فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (٤)،

стр. 214

وتقديره: فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف. - حذف جواب «أما»، كقوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» (١)، والتقدير: فيقال لهم أ كفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول وأقام المقول مقامه. - حذف جواب «إذا» كقوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» (٢)، والتقدير: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا وأصروا على تكذيبهم، وقد دل عليه قوله: «إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ». - حذف المبتدأ والخبر. ولا يكون حذف المبتدأ إلّا مفردا، والأحسن حذف الخبر لأنّ منه ما يأتى جملة. ومن المواضع التى يحسن فيها حذف المبتدأ على طريق الإيجاز قولهم «الهلال والله»، أى: هذا الهلال. ومن المواضع التى يصح فيها حذف الخبر قولنا «لولا محمد لكان كذا» ومن المواضع التى يحتمل أن يكون المحذوف فيها إمّا المبتدأ وإمّا الخبر قوله تعالى: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (٣) فيحتمل أن يكون المبتدأ محذوفا وتقديره «فأمرى صبر جميل» ويحتمل أن يكون من باب حذف الخبر وتقديره «فصبر جميل أجمل». - حذف «لا» من الكلام وهى مرادة، كقوله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» (٤) أى: لا تفتأ، فحذفت «لا» من الكلام وهى مرادة.

стр. 215

ومنه قول امرئ القيس: فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعّوا رأسى لديك وأوصالى أى: لا أبرح قاعدا ... - حذف الواو من الكلام وإثباتها، وأحسن حذوفها فى المعطوف والمعطوف عليه، ومنه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» (١). أى: لا يألونكم خبالا وودوا ... - حذف بعض اللفظ وهو سماعى لا يجوز القياس عليه (٢)، ومنه قول علقمة بن عبدة: كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم بسبا الكتّان ملثوم (٣) فقوله: «بسبا الكتان» يريد بسبائب الكتان. وهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن وإن كانت العرب قد استعملته فانه لا يجوز لنا أن نستعمله. [النوع الثانى: حذف الجمل] النوع الثانى: حذف الجمل وهو قسمان: أحدهما: حذف الجمل المفيدة التى تستقل بنفسها كلاما وهذا أحسن المحذوفات وأدلها على الاختصار ولا نكاد نراه إلّا فى كتاب الله تعالى. وثانيهما: حذف الجمل غير المفيدة. وجملة هذين النوعين أربعة أضرب: الضرب الأول: حذف السؤال المقدر ويسمى الاستئناف ويكون على وجهين:
следующие страницы →