Полный текст (1 054 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الموصول, واقع في مكان الاسم المخبر عنه بـ"الذي" وخلف عنه, وهو مراد المصنف بقوله: "خَلَفُ معطِي التكملة" لأن الاسم المخبر عنه هو الذي حصلت التكملة به, لمجيئه خبرا, فإذا قيل لك: "أخبر عن زيد" -من قوله: "ضربت زيدا"- بـ"الذي", قلت: "الذي ضربته زيد" فتجعل "زيدا" مؤخرا, وترفعه على أنه خبر, وتبتدئ الكلام بموصول مطابق له, وتجعل ما بقي من الجملة صلته, وتجعل في محل "زيد" ضميرا عائدا على الموصول, فهذه خمسة أعمال في هذا التركيب, لا يجوز الإخلال بشيء منها, وقد عملت -بهذا- أن عبارة النحاة في هذا المحل فيها تَجَوُّز. فإن "الذي" مخبر عنه لا مخبر به, و"زيد" بالعكس, وذلك خلاف الظاهر من قولهم: "أخبر عن كذا بـ"الذي"" وتأويل كلامهم: "أخبر عن مسمى زيد في حال تعبيرك عنه بـ"الذي"" ولنذكر مسألتين غير مسألة الكتاب يتضح بهما المعنى.
* إذا قيل: أخبر عن "زيد" من قولنا: "زيد منطلق" بـ"الذي" قلتَ: "الذي هو منطلق زيد" فـ"الذي" مبتدأ, و"هو" ضمير خلَف عن "زيد" وهو العائد, وأتي به منفصلا لعدم ما يتصل به, و"هو" و"منطلق" الصلة, و"زيد" الخبر.
стр. 807
* فإن قيل: أخبر عن "التاء" من قولك: "ضربت زيدا" علمتَ ما تقدم من الأعمال الخمسة, واحتجت إلى عمل سادس وهو أن تأتي بضمير المخبر عنه منفصلا, فتقول: "الذي ضرب زيدا أنا" والعائد الذي [هو خالف عن الضمير] هو فاعل: "ضرب" مستترا, فاعرف المأخذ وقس عليه.
(وبـ"اللذينِ" و"الذينَ" و"التي" ... أخْبِرْ مراعياً وفِاق المُثْبَت)
يخبر بفروع "الذي" من تأنيثه, وتثنية كلّ منهما, وجمعه, كما يخبر بـ"الذي" مراعي في ذلك كله مطابقة المخبر عنه في الموصول المخبر به, وفي العائد عليه, ويشمل ذلك خمس مسائل تنظّرها بمثال واحد, وهو: "ابلْغَ امرأتَاكَ رسالةً من أخوْيك إلى أمهاتك بحضور قومك" , فإن أخبرت عن "الرسالة" من هذا التركيب. قلت: "التي بلْغها امرأتَاكَ من أخوْيك إلى أمهاتك بحضور قومك رسالةٌ" فتقدم الضمير عن محله, وتصله بالفعل, لأنه أمكن الإتيان به متصلا فلا يعدل إلى الفصل, ولا مانع من حذفه, لأنه عائد متصل منصوب بفعل فيحذف, كما في غير هذا الباب, وإن أخبرت عن "الأخوين" قلت: "اللذان بَلَّغَ امرأتاك رسالةً منهما إلى أمهاتك بحضور قومك أخواك" , وإن أخبرت عن: "امرأتاك" قلت: "اللتانِ بَلَّغا رسالة من أخوْيك
стр. 808
إلى أمهاتك بحضور قومك امرأتاك" , وإن أخبرت عن "القوم" قلت: "الذين بَلّغَ امرأتاك رسالةً من أخوْيك إلى أمهاتك بحضورهم قومُك" فإن أخبرت عن "الأمهات" قلت: "اللاّتي بَلّغ امرأتاك رسالةً من أخويك إليهن بحضور قومك أمّهاتُك".
(قبولُ تأخيرِ وتعريفِ لما ... أخْبِرَ عنه -هاهنا- قد حُتِما)
(كذا الغِنَى عنه بأجْنَبِيَّ أو ... بمضمرٍ شرطُ فراغِ ما رَاعَوا)
ذَكر للمخبر عنه في هذا الباب أربعة شروط.
أحدها: أن يكون قابلا للتأخير, فما لم يقبل التأخير لاستحقاقه لتصدر كأسماء لاستفهام, والشرط, و"كم" الخبرية, و"ما" التعجبية, وضمير الشأن, لا يخبر عنه, لما يلزم عن ذلك من تأخيره إلى آخر الكلام فيزول ما استقرّ له من التصدر, ولا يرد على ذلك الضمير المتصل, فإنّ خَلَفه -وهو: المنفصل- يقبل التأخير.
الثاني: أن يكون قابلا للتعريف, فلا يخبر عن الحال والتمييز, لما تقرر من أنك تأتي في محل المخبر عنه بضمير, فيكون قد نصب الضمير على الحال والتمييز, وذلك لا يجوز, وكذا لا تخبر عن "أحد" من قولك: "ألم أر أحدا" لأنه لا يقبل التعريف, فلا يصح وقوعه خبرا عن المعرفة, هذا هو المانع من الإخبار عنه
стр. 809
لا عدم جواز وروده في الإثبات.
الثالث: أن يصح الاستغناء عنه بأجنبي, فلا يخبر عن "الهاء" من قولك: "زيد ضربته" فإنك لو أخبرت عنه لقلت: "الذي زيد ضربته هو" فيكون الضمير المنفصل خبرا عن "الذي" والمتصل الذي وضعته مكانه خلف عنه, فإن جعلته عائدا على الموصول -كما هو قاعدة الباب-[بقي المبتدأ بلا عائد, وإن جعلته رابطا للمبتدأ خرجت عن قاعدة الباب] بجعل الضمير الواقع في محل المخبر عنه غير عائد على الموصول.
الرابع: أن يصح الاستغناء عنه بمضمر, فلا يجوز الإخبار عن شيء من الأسماء المجرورة بحروف الجر التي لا تدخل على المضمر, كـ"ـمُدْ" و"منذ" و"حتى" و"والواو" و"الكاف" و"التاء" و"رُبَّ" لما تقرر من أنَّ الإخبار يستدعي ضميرا واقعا في محل الاسم المخبر عنه, يكون خلفا عنه, وكذا كل اسم لا يصح أن يقع في محله الضمير, كالاسم الواقع نعتا أو منعوتا أو مضافا أو عاملا فلا يصح الإخبار عن واحد من الأسماء الواقعة في قولك: "أعجب أبا زيد ضرب عمراً الكريمَ" إلاّ عن "زيد" خاصة, أما "الأب" فلأنه مضاف, وأما "ضرب" فلأنه عامل, وأما "عمرا" فلأنه منعوت, وأما "الكريم" فلأنه نعت, نعم لو أخرت عن
стр. 810
المضاف والمضاف إليه أو عن العامل ومعموله, أو عن النعت والمنعوت معا جاز, وبقي الإخبار عن شيء واحد يصح إضماره, فتقول في الأول: "الذي أعجبه ضربٌ عمْراً أبو زيد" , وفي الثاني: "الذي أعجب أبا زيد ضربٌ عمرا" فيكون الضمير مستترا في: "أعجب" وقدّم عن محله ليقع متصلا, وفي الثالث: "الذي أعجب أبا زيد ضربه عمروٌ الكريمُ" فاعرفه, فإنه موضع.
وللمخبر عنه ثلاثة شروط أخر.
أحدهما: جواز استعمال مرفوعا, فلا تحبر عن لازم النصب على الظرفية كـ"عِند" و"لَدَي".
الثاني: أن يكون واقعا في جملة خبرية, فلا يصح الإخبار عن "زيد" من قولك: "اضرب زيدا" لامتناع وقوع الطلب صلة.
الثالث: أن لا يكون في إحدى جملتين مستقلتين قد عطفت إحداهما على الأخرى, نحو: "زيد" من قولك: "قام زيد وقعدَ عمرو" , بخلاف غير المستقلين نحو: "إن قام زيد قَعدَ عمرو" , ونحو: "قام زيد فقعد عمرو" ونحو: "ضربني وضربتُ زيدا" لصحة وقوع الجملة الثانية في هذه المُثُلِ صله, بخلاف المثال الأوّل.
стр. 811
(وأخبروا -هنا- بـ"ـأل" عن بعض ما ... يكون فيه الفعل قد تقدما)
(إن صح صوغُ صلةِ منه لـ"ـأل" ... كصوعِ "واقِ" من: "وَقَى اللهُ البطل")
لا يخبر -هنا- بشيء من الموصولات غير "الذي" وفروعه, كما تقدم إلاّ "أل" فإن الإخبار بها جائز, لكن بالشروط الستة المتقدمة في الإخبار بـ"ـالذي" وتزيد عليها بثلاثة شروط.
أحدها: أن يكون المخبر عنه واقعا في جملة فعلية.
الثاني: أن يكون الفعل فيها متقدما.
الثالث: أن يكون الفعل متصرفا بحيث يصح أن يصاغ منه وصف يكون صلة لـ"ـأَل" فتقول في الإخبار عن الفاعل من قولك: "وقَى اللهُ البطلَ" "الواقي البطل اللهُ" والضمير الواقع في محل المخبر عنه مستتر في الوصف وهو العائد على "أل", وفي الإخبار عن المفعول: "الواقية الله البطلُ" فتقدم الضمير على الفاعل المتصل, ولا يجوز حذفه وإن كان منصوبا بوصف, لأن عائد
стр. 812
الألف واللام لا يحذف إلاّ في الضرورة, كما سبق, ولا يخبر بـ"ـأل" عن "زيد" من قولك: "زيد أخوك" ولا من: "زيد ضرب أخاه" ولا من: "عسى زيد أن يقوم" لانتفاء الفعلية في الأول, وانتفاء التقدم في الثاني, وانتفاء التصرف في الثالث.
(وإن يكن ما رَعَتْ صلُة "أل" ... ضميرَ غيرها أُبِينَ وانفصل)
قد تقدم أن الضمير المرفوع بصلة الألف واللام يكون مستترا إذا عاد عليها, نحو: "الواقي البطلَ اللهُ" فأمّا إن رَفَعَتْ صلةُ "أل" ضمير غيرها وجب إبرازه منفصلا, فتقول -في الإخبار عن غير ياء المتكلم من نحو: "بَلْغْتُ من أخويك إلى قومك رسالة" -المبلغ أنا منهما إلى قومك رسالة أخوك" إذا أخبرت عن الأخوين, و"المبلغها أنا من أخويك إلى قومك رسالة" -إذا أخبرت عن رسالة- وتقّدم الضمير عن محل الاسم المخبر عنه ليتصل بالوصف, كما سبق, وإنما أبرزت الضمير في ذلك كلّه لأنك أجريت الوصف الذي هو فعل المتكلم صلة لـ"ـأل" التي هي لغير المتكلم, لأنها نفس الاسم الذي أخبرت عنه, ولذلك لو كان الإخبار عن الفاعل من الجملة المذكورة لم تحتج إلى إبراز الضمير, بل تقول: "المبلّغُ من أخويك إلى قومك رسالةً أنا".
стр. 813
هذا الباب عقدة المصنف لبيان حكم العدد الذي له مميز, فذكر كيفية التلفظ به, وكيفية إعراب مميزه, لذلك لم يذكر فيه الواحد ولا اثنين وإن كانا من جملة العدد لأنه لا مميز لهما, ولا يذكر معهما المعدود, فلا يقل: "واحدُ درهمٍ" ولا "اثنا درهم" لأن كل واحد من المعدودين يفيد ما أريد به من الجنسية, والدلالة على الوحدة أو شفع الواحد بمثله, فذِكر العدد معهما تكرير, بخلاف "ثلاثة دراهم" فإن المميز إنما يفيد مطلق الجمع لا التقييد بعدد خاص فاحتج معه إلى ذكر العدد, وحكمهما في التلفظ بهما التذكير مع المذكر, والتأنيث مع المؤنث كسائر الألفاظ.
(ثلاثةَ بـ"ـالتاء" قل للعشره ... في عد ما آحادُه مذكره)
(في الضدِّ جرِّد, والمميزَ أجررِ ... جمعا بلفظ قلةِ في الأكثر)
كان قياس العدد المميز بجمع, وهو ثمانية ألفاظ: الثلاثة والعشرة وما بينهما أن يستعمل بالتاء مطلقا, لأن مسمياتها جموع, والجموع الغالب عليها التأنيث, إلاّ أنهم أرادوا التفريق بين المذكر والمؤنث فجاءوا بالتاء التي هي الأصل مع المذكر, لأن لأصل, وجرّدوه منها مع المؤنث لطلب الفرق, فقالوا: "ثلاث نسوة" و"أربعة رجال" قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧] ثم الاعتبار في التذكير والتأنيث بالآحاد, لا بصورة
стр. 814
الجمع, فتقول: "ثلاثةُ اصطبلات" و"ثلاثةُ حمَّامات" لأن آحادها: "أصطبل" و"حمام" وهما مذكران, وتقول: "ثلاث إِوَزِّين" لأن واحدها: "إوَزَّة" وليس الاعتبار في ذلك بلفظ الواحد دون معناه, حتى يقال: "ثلاث طلحات" ولا بمعناه دون لفظه, حتى يقال: "ثلاث شخوص" -مراداً به نسوة- ولكن ينظر إلى ما يستحقه المفرد باعتبار نعته وضميره, فيعكس ذلك في العدد, فكما يقال: "حمزة صالح" و"زينب شخصٌ يُحْسِنُ إلى أهله" تقول في عددهما: "ثلاثة حمزات" "وثلاثة أشخص" ولذلك عدّ النحاة قوله:
٤٨١ - (... ثلاثُ شخوص كاعبانِ ومُعْصِر)
стр. 815
شاذا, مع أنه سهله أنه اتصل به بعد ما يعضد المعنى من صفات المؤنث وكما تقول: "نفسٌ زكية" تقول في العدد: "ثلاث أنفس" ونحو:
٤٨٢ - (ثلاثة أنفس وثلاث ذود ...)
فضرزة سهَّلها أن المراد بالنفس "البدن".
стр. 816
فإن كان المعدود صفةً حذف موصوفها, فالمراعي في التذكير والتأنيث حكم الموصوف المحذوف, فتقول: "عندي ثلاث حوائض" لأن الموصوف المحذوف نسوة, و "عندي ثلاثة هُمَزات" - إذا جعلته وصفا لـ"ـرجال"- وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] لأن المراد: "عشر حسنات" ولولا ذلك لدخلت التاء في "العشر" لأن "المثل" مذكر.
ومميّز هذا النوع من العدد مجرور -مطلقا- ثم أكثر ما يكون جمعا مكسرا, بلفظ القلة, نحو: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان:٢٧] و ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة:٧] وقد يأتي جمع تصحيح, لكن أكثر ما يكون ذلك فيمنا أهمل تكسيره, كـ ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] و "خمس صلوات" أو جاور ما أهمل تكسيره, كـ ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ [يوسف:٤٣] لمجاورته ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف:٤٣] أو أشبهَ
стр. 817
المكسر لعدم سلامة الواحد فيه, أما لنقص, كـ ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٧] أو لتغيّر حركة: كـ "سبع أرَضين" ويأتي جمع كثرة إما لأن جمع القلة فيه مهمل [كـ"ـثلاثة دراهم" و"خمسة رجال" وإما لقلته] كـ"ـثلاثة شُسُوع" لندور "أشساع" وإما لضعفه قياسا, كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فإن جمع "فَعْلٍ" -صحيح العين- على "أفعال" شاذ قياسا, ويأتي مفردا, نحو: "ثلاث مائة" واسم جنس كـ"شَجَرٍ" واسم جمع كـ"رَهْطٍ" لكن الأكثر على هذين الآخرين -إذا ميّز بهما- أن يجرّا بـ"ـمن" فيقال: "ثلاث من الشجر" و"أربعة من القوم" قال تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ
стр. 818
الطَّيْرِ﴾ وقد يجر بالإضافة, نحو: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل:٤٨] وفي الحديث: "ليس في ما دون خمس ذَودٍ" وهما في التذكير والتأنيث عكس الجمع, فيعتبر ذلك فيهما بحالهما لا بحال مفرديهما, فتقول: "ثلاثة من الغنم" و"ثلاث من البط" لأنك تقول: "غنم كثير" و"بط كثيرة" وتقول: "ثلاث من البقر- وإن شئت- ثلاثة" لتأنيثه في قراءة بعضهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ﴾ [البقرة:٧٠].
(ومائةً والألفَ للفرد أضف ... ومائةٌ بالجمع نَزْر قد ردف)
المائة والألف يشاركان الأعداد الثمانية المذكورة في كون مميزهما مجرورا بإضافتها إليه, لكن حق مميزهما أن يكون مفردا كما نطق به القرآن, نحو: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت:١٤] وكذلك كل ما يتركب منهما, نحو: "مائتي عام" و"ثلاثة آلاف سنة".
стр. 819
وقد جاء مميز المائة بلفظ الجمع إلاّ أنه: نَزْر, أي: قليل, ومنه قراءة بعضهم ﴿ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف:٢٥]-بالإضافة- وأندر منه مجيؤه مفردا منصوباً كقوله:
٤٨٣ - (إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرَّةُ والفَتَاء)
(وأحَدَ اذكر وصلنه بـ"عَشَر ... مركبا قاصَدَ معدودِ ذَكَر)
(وقل لدى التأنيثِ إحدى عَشْره ... والشينُ فيها عن تميمِ كَسْره)
إذا جاوزتَ العشرة في العدد ركبت النيف وهو الواحد والتسعة وما بينهما [مع العقد وهو العشرة والتسعون وما بينهما] إلاّ أنك في العشرين وما فوقها تركبه بالعطف, كما يأتي, ومع العشرة تركبه دون عطف.
عدنا إلى شرح كلام المصنف
стр. 820
[ومعناه أنك] إذا ركبت الواحدة مع العشرة أبدلت لفظه في التذكير بـ"ـأحد" وفي التأنيث بـ"ـإحدى" معتبرا في تذكير كل من المركبتين وتأنيثه حال المعدود, فتقول: "أحَدَ عَشَرَ رجلا" و"إحدى عشرة امرأة" بفتح الشين مع التجرد من التاء عند الكلّ, وبسكونها مع "التاء" عند الحجازيين, وكسرها عند التميميين, وبعضهم يفتحها أيضا.
(ومعَ غير "أحد" و"إحْدَى" ... ما مَعْهُما فَعَلْتَ فَافْعَلْ قَصْدا)
حكم العشرة مع غير "أحد" و"إحدى" من النيف المركب معها أو المضاف إليها حكمها معهما, فتأتي بها على الأصل من التجريد إن كان المعدود مذكرا, والاتصال بالتاء إن كان المعدود مؤنثا, فتقول: "ثلاثة عشر رجلا" و"ثلاث عشرة امرأة" وكذا سائرها, وفي "شِينٍها" مع التاء ما سبق من اللغات الثلاث.
(ولثلاثةِ" و"تسعةِ" وما ... بينهما إنْ رُكبا ما قُدِّما)
الثلاثة والتسعة [وما بينهما] إذا ركبا مع العشرة [كان حكمهما في التذكير والتأنيث ما تقدم عند عدم التركيب, فتتجرد من التاء إن كان
стр. 821
من التاء إن كان لمعدود مؤنثا] وتتصل بها إن كان مذكرا, فلذلك لا يتصور اجتماع التجريد ولا التّلبّس فيها وفي العشرة, إذ المعتبر في تذكير العشرة وتأنيثها مطابقة حال المعدود, كما سبق, وفي تذكير الثلاثة وباقي النيف وتأنيثها عكس حال المعدود, فلذلك قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] لأن واحد المعدود مَلَكٌ, فاعتبر مطابقته في العشرة فتجردت, وعكس ذلك في التسعة فاتصلت بالهاء وعكسه: "أقام رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سنة".
(وأولِ "عَشرَةَ" اثنتي و"عَشَرا" ... اثنَيْ إذا أُثني تشا أو ذَكَرا)
стр. 822
(والياء لغيرِ الرفعِ, وارفعْ بالألف ... والفتحُ في جُزْأَيْ سِواهما أُلف)
إذا ركبتَ الاثنين أو الاثنتين مع العشرة أضفتهما إليها, معتبرا -في حالهما مع ما ركبا معه- مطابقة حال المعدود تذكيرا وتأنيثا كالواحد, فتقول: "عندي اثنا عشر رجلا واثنتا عشرة امرأة" وإلى المثال الثاني أشار المصنف بقوله: "وأوْلِ عَشْرَة اثنتْي" وإلى الأول أشار بقوله: "وعَشَرَا اثْنَي" إذ المعنى: وأول عشرا اثنى, وقوله: "إذا أُنثى تشا أو ذكرا": تقسيم لا تخيير, ولذلك أوقعه مطابقا لحال المثالين فقدم الأنثى لتقديم عددها في التمثيل, قم هو مخالف لجميع المركبات في أن النَّيَّف يعرب مضافا إلى العشرة, فيكون بالياء في غير الرفع, وهو الجر والنصب, نحو: "رأيت اثنيْ عشر رجلا" و "مررت باثْنَيْ عَشَرة امرأة" [ويرفع بالألف, نحو: "جاءني اثنا عشر رجلا, واثنتا عشرة امرأة"] وأما سواهما من الأعداد فالمألوف فيها بناء الجزأين.
стр. 823
وهما: النّيّف والعشرة على الفتح نكرت نحو: "عندي ثلاثة عشر رجلا" أو عرفت كـ"ـمررت بالخمسة عشر رجلا", ويستثنى من ذلك لفظتان الأولى: "إحدى" فإنها تُبنى على السكون حال تركيبها لعدم قبول الألف للحركة.
الثانية: "ثماني" فإن من العرب من يسكن ياؤه كما يسكن "ياء" معدي كرب -عند التركيب- ومنهم من يفتحها على القاعدة, ومنهم من يحذفها [إما مع كسر النون] للدلالة عليها, وإما مع فتحها على قاعدة التركيب.
(وميز العشرينَ للتسعينا ... بواحدِ كـ"ـأربعينَ" حِينا)
مميز العشرين والتسعين وما بينهما من العقود مفرد منصوب, سواء كانت مفردة كـ"ـخمسين عاماً" أو معطوفا عليها نيف كـ"ـثلاثة وثلاثين رجلا" و"تسعة وتسعين درهما" ثم لفظ العقد لا يختلف ذكّر معدوده أو أنت, نحو: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف:١٥٥] ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢] وأما النيف فحكمه معه حكمه إذا انفرد, فيطابق بالواحد والاثنين حال معدودهما, فتقول: "عندي واحد وثلاثون [رجلا" -وإن شئت: أحد وثلاثون-] و "واحدة وثلاثون امرأة" -والأكثر: إحدى وثلاثون- و "اثنان
стр. 824
وثلاثون [رجلا" و "اثنتان وثلاثون] امرأة" ويخالف بالثلاثة والتسعين وما بينهما حال معدودهما, فتقول "ثلاث وثلاثون جارية" و "تسعة وأربعون عبدا" قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص:٢٣] وفي الحديث: "إن للهِ تسعةً وتسعين اسما".
(ومَّيزُوا مركَّبا بمثل ما ... مُيِّز "عشرون" فسوِّينْهُما)
المركب من الأعداد بغير عطف, وهو: "أحد عشر" و "تسعة عشر" وما بينهما يميز ما يميز به "عشرون" وأخواته, من مفرد منصوب, نحو: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف:٤] ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة:٣٦] فأما قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [البقرة:١٦٠] فالوجه أن المميز محذوف, تقديره: "فرقة", و"أسباطا" بدل من: "اثنتي عشرة" إذ لو كان تمييزا لقيل: "اثنا عشر" لأن واحده: "سَبْط" وهو مذّكر.
(وإن أضيف عدد مركَّب ... يَبقى إلينا وعَجُزٌ قد يعرب)
تختص الأعداد المركبة بغير إضافة بجواز إضافتها إلى مستحق المعدود, ثم فيها لغتان, أشهرهما بقاء البناء, نحو: "مررت بأحدَ عشَرَ زيدٍ" وجعل
стр. 825
أكثر البصريين هذا واجبا. واللغة الثنية حكاها سيبويه وهو إعراب العجز بما يقتضيه العامل مع بقاء فتح الصدر, كما يفعل ذلك بـ"ـبعلبك" فتقول: "هؤلاء أحَدَ عشرُ زيدٍ" و "رأيت أحَدَ عَشَرَ زَيدٍ" و "مررت بأحَدَ عَشَرَ زيدٍ" -تجرة بالكسرة لفقد العملية المقتضية مع التركيب منع صرف "بعلبك" قال سيبويه: وهي لغة رديئة, وحكى الكوفيون فيها لغة ثالثة, وهي إضافة الصدر إلى العجز, معربا بما يقتضيه العامل, ثم إضافة العجز مجروراً إلى مستحق المعدود, فتقول: "هذه أحَدُ عَشَرِك" و "رأيت أحَدَ عَشَرِك" و "مررت بأحَدِ عَشَرِك" ولم يخصوا هذه اللغة بحال الإضافة, بل أجازوا إضافة صدر المركب من العدد إلى عجزه مطلقا, مستدلين لقوله:
٤٨٤ - (كُلِّفَ من عَنائِه وشقِوتِه ... بنتَ ثماني عَشْرَةٍ من حُجَّتِه)
стр. 826
(وصغ من اثنينِ فما فوقُ إلى .. عَشَرةِ كـ"ـفاعِلِ من فَعَلا)
(واختِمه في التأنيث بالتا ومَتَى ... ذَكَّرْتَ فاذكرْ "فاعلا" بغيرِ تا)
"واحد" و"واحدة" من أسماء العدد موضوعان على وزن "فاعِل" و"فاعلِة" فلذلك أضرب المصنف عن ذكرهما, ومتى استُعملا مع "العشرة أو ما فوقها من العقود فإنك تنقل "الفاء" منها إلى موضع: "اللام" وتقلبهما ياء, فتقول: "حادي" -في التذكير- و"حادية" -في التأنيث- فأما ما زاد عليهما فـ"ـالاثنان" فما فوقها إلى "العشرة" لك أن تصوغها على وزن "واحد" و"واحدة" فتبني منهما اسم فاعل كما تبنيه من الفعل الثلاثي, وتأتي به على وزن ["فاعل" -بغير تاء- مع المذكر, وعلى وزن] "فاعلة" -بالتاء- مع المؤنثة, فتقول: "هذا ثالث القوم" و "هذه رابعة النَّسوة" كما تقول: "هذا
стр. 827
ضارب القوم" و "وهذه سابقة النسوة" ولك أن تستعمله مفرجدا لقصد الدلالة على معناه مجردا عن الإضافة نحو:
٤٨٥ - (... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابع)
ولك أن تستعمله مضافا إلى غير عدد, كما مثّل.
(وإن تُردْ بعضَ الذي منه بُني ... تُضفْ إليه مثلَ بعضِ بَيِّن)
(وإن تُردْ جعْلَ الأقلِّ مثلَ ما ... فوقُ فحُكْمَ "جاعلِ" له احكُما)
لهذا العدد المحول إلى بناء "فاعل" في الاستعمال مع غيره خمسة أحوال:
أحدها: أن تستعمله مع أصله الذي بني منه للدلالة على أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير, فتضيف الأول إلى الثاني, فتقول: "خامسُ خمسةٍ" و "رابعُ أربعةٍ" كما تقول: "بعضُ أربعةٍ" و "بعضُ خمسةٍ" قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ولا يتأتى هذا الاستعمال في "الواحد" لفقد البعضية.
стр. 828
وهذه الإضافة واجبة عند الجمهور, ولم يثبت بما أجازه الكسائي, والأخفش من نصب الثاني شاهد, وخص المصنف -في غير هذا الموضع- النصب بـ"ـثان" دون بقية أخواته".
الحال الثاني: أن يستعمل مع عدد دون أصله الذي بني منه, مقصودا به جعل الأقل من العدد المستعمل معه مثل الأكثر, وهو العدد الذي هو أصله, نحو: "هذا رابعُ ثلاثةٍ" أي: "جاعلهم بنفسه أربعةً" فيكون حكمه حكم "جاعل" ونحوه من اسم الفاعل الذي يجوز أن ينصب ما بعده, وأن يجره بالإضافة, ويحتملها قوله: ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] ولا يتأتى هذا الاستعمال في "ثان" فلا يقال: "ثاني واحد" -بإضافةٍ ولا نصبٍ- وأجازه بعضهم بالنصب, نحو: "ثاني واحدا" دون الإضافة, وبعضهم مطلقا.
стр. 829
(وإن أردتَ مثلَ ثاني اثنين ... مركبا فجيء بتركيبين)
(أو فاعلا بحالتَيْه أَضِفْ ... إلى مركَّبِ بما تَنْوي يَفي)
(وشاع الاستغنا بحادي عَشَرا .. ونحوهِ, قبلَ عشرينَ اذكُرا)
(وبابه الفاعل من لفظِ العَدد ... بحالتيه قبل واوٍ يُعتَمَد)
هذه الثلاثة الأحوال الباقي من أحوال العدد المصوغ إلى بناء "فاعل".
فالأول منها: أن تستعمله مع العشرة ليفيد معنى "ثاني اثنين" ففي صوغه ثلاثة أوجه, أقيسها ما ذكره المصنف أولا, وهو أنك تأتي بتركيبين مشتملين على أربعة ألفاظ:
الأول: الوصف مركبا مع العَشَرة.
والثالث العدد المشتق منه الوصف مركبا مع العشرة -أيضا- فتقول: "هذا ثاني عَشَرَ اثني عشر" و "رابع عَشَرَ أربعةَ عَشَرَ" بإضافة المركب الأول إلى المركب الثاني.
الوجه الثاني: أن تحذف العقد, وهو "العَشْرُ من المركب الأول وتأتي بـ"ـفاعل" بحالتيه من التذكير والتأنيث مضافا إلى المركب الثاني, وعلى هذا فيعرب الأول لزوال التركيب المقتضي لبنائه, فتقول: "هذا ثالثٌ ثلاثةَ عَشَرَ" و "هذه رابعةٌ أرْبَعَ عَشْرَة".
الوجه الثالث: أن يقتصر على التركيب الأول باقيا على بناء صدره, فتقول: "ثالثَ عَشَرَ" وإليه أشار المصنف بقوله: "وشاع الاستغناء بحادي عشرا ونحوه" وبعض العرب فيقول: "حادِي عَشَر".
стр. 830
هذا ظاهر كلام المصنف هنا في إيراد الوجه الثالث, وبه شرحه ابنه, والتحرير في هذا الوجه أن يقال: "يحذف العقد من المركب الأول والنيف من المركب الثاني, ثم تضيف ما بقي معك من التركيب [الأول وهو النيف إلى ما بقي معك من التركيب] الثاني وهو العقد, معربا لهما لزوال سبب البناء وهو التركيب, فتقول: "هذا ثالثُ عَشَر" ونحوه, وبعضهم يعرب الأول ويترك الثاني مبنيا, فيقول: "هذا ثالثُ عَشَرَ" وأما بناؤهما معا كما هو مقتضى كلام المصنف وشرح ابنه له فحكى وجها ثالثاً في استعماله, ورده بعضهم بأنه لا دليل -حينئذ- على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين, وأجيب عنه بأن الدليل على ذلك أن "فاعلا" إنما يركب مع العدد الذي اشتق منه, كـ"ـثالث ثلاثة" أو مع أقل منه كـ"ـخامس أربعة" فإذا قيل: "ثالث عشر" عُلم أن هناك تركيبين, والجواب غير مستقيم, أما مقدمته فظاهرة الصحة, وأما النتيجة فباطلة, لأن من أحوال هذا المصوغ أن يستعمل مع العشرة وحدها, لإفادة الاتصاف بمعناه مقيدا بمصاحبتها,
стр. 831
فيذكَّران معا مع المذكر, ويؤنثان مع المؤنث, نحو: "الجزءُ الحادي عَشَرَ" و "المقامة الخامسة عشرة" فإذا قيل -في المنتزع من تركيبين- "حادي عَشَرَ" -ببنائهما- التبس بهذا النوع فاعرفْه فإنه موضع.
الحال الثاني: من هذه الأحوال الثلاثة -ويمكن إدخاله في كلام المصنف- أن تستعمل المركبين لإفادة جعْلَ الأقَل مثل ما فوقه, فتقول: "رابعُ عَشَر ثلاثةَ عَشَر" فالأصل فيه أن تأتي بتركيبين- كما ذكرنا في الذي قبله- إلاّ أنه يلزم أن يكون اللفظ الثالث منهما دون ما اشتق منه الوصف -كما مثلنا- وقد صرح سيبويه بإجازة مثله, ولك في هذه الحال أن تحذف "العشرة" من التركيب الأول, وتضيفه إلى مجموع الثاني, وليس لك أن تحذف النيف من الثاني لئلا يلتبس بالاستعمال الذي قبله.
الحال الثالث: وهو المكمل للأحوال الخمسة من أحوال العدد المصوغ إلى فاعل [وهو أن تستعمله مع العشرين وأخواتها فَتَذْكُر الفاعل] من لفظ العدد بحالتيه من التذكير والتأنيث, وتعطف عليه العقد بالواو فتقول: "حادي وعشرون" و "ثانية وعشرون" إلى ثلاثة وتسعين, وتاسع وتسعين, وإلى هذا الحال أشار بقوله:
(وقبل عشرين اذكر ... إلى آخره)
стр. 832
كَمْ وكأيِّنْ وكَذَا
عقبت هذه باب العدد, لأنها كنايات عن العدد المبهم, وكلها أسماء مبنية, أما "كم" فقيل لشبهها بالحرف وضعا, وقيل لشبه الاستفهامية به معنى, وحملت الخبرية عليها لموافقة لفظها.
وأما "كأين" فلأنها استعملت استفهامية في قول أبيّ بن كعب [لابن مسعود]
стр. 833
(كأيَّنْ تقرأُ سورةَ الأحزابِ) فهي متضمنة معنى الهمزة, والخبرية لموافقة لفظها.
وأما "كذ" فبنيت لشبهها بـ"كم" الخبرية في الدلالة على العدد المبهم, والافتقار إلى مميز.
(مَيَّزْ في الاستفهام "كم" بمثل "ما" ... مَيَّزْتَ عشرين كـ"كم شَخْصاً سَما؟ ")
تنقسم "كم" إلى استفهامية وإلى خبرية, ويشتركان في البناء كما سبق, وفي لزوم التصدير, وفي كونهما كنايتين عن عدد مبهم, وفي الافتقار إلى مميز, ويفترقان في إعراب المميز, وصفته -كما نشرحه- وفي جواز حذف الخبرية, وفي جواز [حذف مميز الاستفهامية] نحو: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون:١١٢] ونحو: "كم صُمْتَ؟ " أي: كم يوما, بخلاف الخبرية, وفي جواز الفصل بين الاستفهامية ومميزها, نحو: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] ولا يجوز ذلك في الخبرية, بل متى فُصل بينها وبين مميزها بغير الظرف والجار
стр. 834
والمجرور تعين نصبه, وإن كان بواحد منهما, فالأرجح نصبه, وقد يجر في الشعر, نحو:
٤٨٦ - (كم بِجودٍ مُقْرِفٍ نال العُلا ...)
وفي أن الخبرية تختص بالماضي كاختصاص "رُبَّ" به, إذ هي نقيضتها,
стр. 835
فتقول: كم عبدٍ ملكتُ" ولا تقول: "كم عبد سأملكه" بخلاف الاستفهامية, فإنك تقول: "كم فرسخاً سرت؟ " و "كم فرسخت تسير غدا؟ " وفي أن المتكلم بالاستفهامية [يستدعي جوابا من مخاطبه, بخلاف الخبرية, وفي أن المتكلم بالاستفهام] لا يتوجه إليه التصديق والتكذيب, بخلاف الخبرية, وفي أن البدل من الاستفهامية [يجب أن يقترن بهمزة الاستفهام-كما سبق في بابه- بخلاف الخبرية.
عدنا إلى شرح كلام المصنف, ومراده: أن مميز "كم" الاستفهامية] مفرد
стр. 836
منصوب, كمميز عشرين, فتقول: "كم شخصا سما" كما تقول: "عندي عشرون رجلا"
(وأَجِزَ ان تَجُرَّه "مِن" مُضمَراً ... إن وَلِيت "كم" حرفَ جرَّ مُظهرا)
يجوز في مميز "كم" الاستفهامية أن يجر ب "مِن" مضمرة, نحو: "بكم درهم اشتريت ثوبك؟ " على تقدير: بكم من درهم, لا بإضافة "كم" كما زعم الزجاج.
(واستعمِلَنها مُخبِرا كعَشَره ... أو مائةٍ كـ" "كَم رجالٍ أو مَرَه")
"كم" الخبرية مميزها مجرور بإضافتها إليه, ثم لما كانت لتكثير العدد جاز أن يكون مميزها منفردا كمميز المائة, والألف, وهو الأكثر, وأن يكون جمعا كمميز العشرة, وإليهما أشار المصنف بقوله: "ككم رجال أو مَرَه" إذ تقديره: "وكم مَرَةٍ", ويلزم جر مميزها, وبجواز كونه جمعا فارقت الخبرية, فحصل الفرق بينهما من ثمانية أوجه.
(كَكَم "كَأين" و "كذا" وينتصِب ... تمييز ذينِ أو به صِل "مِن" تُصِب)
"كأين" و"كذا" بمنزلة: كم الخبرية في الدلالة على العدد المبهم, وفي الافتقار إلى مميز, وتشاركها "كأين" خاصة في استحقاق التصدير, ويفارقانها في أن تمييزها إما منصوب نحو:
стр. 837
٤٨٧ - (اطرد اليأسَ بالرجا فكأين ... آلِماً حُمَّ يُسرُه بعد عُسر)
وكقوله:
٤٨٨ - (عد النَّفس نعمى بعد بؤساك ذَاكِرًا ... كَذَا وَكَذَا لطفا بِهِ نسي الْجهد)
وإما مجرور بـ"مِن" ظاهرة, وهو في "كأين" أكثر من النصب, وبه ورد القرآن, نحو: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ [الطلاق:٨] ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ﴾ [العنكبوت: ٦٠] ولا أعرفه مسموعا في "كذا" وأكثر ما تستعمل "كذا" مكررة بالعطف, كما مثّل, وقد تستعمل مفردة أو مكررة بدون عطف, ولا تلزم التصدر, بل يجوز: "قَبَضتُ كذا وكذا درهما" , وقد ظهر بذلك أن البيت مدخولٌ من عِدة أوجه.
стр. 838
الحكاية
ويراد بها أشياء:
أحدها: حكاية الجمل المنقولة إلى العلمية, فتستقر على ألفاظها, كما سبق.
الثاني: حكاية الجمل بالقول, نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه﴾ [مريم:٣٠] ويجوز حكايتها بالمعنى فتقول في حكاية: "زيد قائم": "قال عمرو: قائم زيد" فإن كانت الجملة ملحونة تعينت حكايتها في المعنى, في أصح القولين.
وأما المفردات فلا تحكى, وشذ قول بعضهم: "ليس بِقُرشيَّا" ردا على
стр. 839
من قال: "إن في الدار قرشيا".
الثالث: المبوَّب عليه من هنا, وهو شيئان:
أحدهما: حكاية النكرات بـ"مَن" و "أيّ" وهي في الأصل استفهام بمعنى الإثبات, وطلب التعيين, فلهذا اختصت بهاتين الأداتين.
الثاني: حكاية الأعلام بألفاظها.
(أحك ب"أيّ" ما لمنكورٍ سُئِل ... عنهُ بها في الوقفِ أو حِينَ تَصِل)
هذا القسم الأول من الحكاية المبوَّب عليها, وهو حكاية النكرات بأداتي الاستفهام المذكورتين:
إحداهما: "أيّ" ويحكى بها مع الوقف ومع الوصل, معطاةً ما ثبت للفظ.
تلك النكرة المسؤول عنها من رفع أو نصب أو جرّ, وتذكير أو تأنيث, وإفراد أو تثنية أو جمع, فتقول لمن قال: "رأيت رجلا": أياً؟ ", ولمن قال: "جائتني امرأة": "أيةٌ"؟ ", وامن قال: مررت [برجل": أيَّ؟ ", ولمن قال: "جائني رجلان": "أيانِ؟ " ولمن قال: "مررت] بامرأتين": أيَّتينِ؟ ", ولمن قال: رأيت رجالا": "أيَّيينَ؟ ", ولمن قال: رأيت نساء": أياتٍ؟ ", وكذا لو وصلت فقلت: "أياً يا فتى؟ " و"أياتٌ يا رجل؟ " وتقول لمن قال: "رأيت رجلا يَضربُ امرأةً لها أخَوان وأختانِ بحضور رجال معهم نساءٌ": أياً؟ ", و"أيةً؟ " وأياانِ؟ ", و"أيتانِ"؟ [وأيينَ؟ " وأياتٌ؟ "].
стр. 840
(ووقفا احكِ ما لمنكور بـ "مَن" ... والنونَ حرَّك مطلقا وأَشبِعَن)
(وقُل "منانِ" و"منَينِ" بعد: "لِي ... إلفانِ بابَنَينِ وسَكّن تَعدِل)
(وقل لكم قال: "أَتت بِنتٌ: مَنَة؟ ... والنُّونُ قبل تَا المثّنى مُسكَنَه)
(والفتحُ نَزرٌ, وصِلِ التَّا والأَلِف ... بـ"مَن" بِإِثِرِ: ذَا بنسوةٍ كَلِف)
(وقل: "منون؟ "ومنين؟ مُسكنا ... إن قيل "جا قوم لقومٍ فظنا)
"مَن" كـ"أي" في أنها لا يُحكى بها إلا النكرات, إلا أنها تفارقها في أربعة أحكام, ذكر المصنف منها ثلاثة:
الأول: [أنه لا يحكى] بها مُشبعة الحركات, ومفرعة بصورة التأنيث والتثنية والجمع إلا في الوقف, كما ذكر المصنف, بخلاف: "أي" فإنه يحكى بها كذلك وصلا ووقفا.
الثاني: أن "مَن" إذا حكى بها, وحركت نونها بمثل حركة المحكي أشبعت تلك الحركة بحيث يتولد منها حرف مدَّ ولينٍ من جنيها, فتقول لمن قال: "رأيت رجلاً": "منا"؟ , ولمن قال: "مررت برجل": "منى"؟ ولمن قال: "جائني رجل": "مَنو؟ ", وإلى هذا أشار بقوله: "والنونَ حرّك مطلقا- أي بالحركات الثلاث- وأشبعن" بخلاف: "أي" فإنها إنما يحكى بها حركات الإعراب غير مشبعة.
الثالث: أن آخر "أي" لا يكون في حكاية المثنى إلاّ مفتوحا, مذكرا كان
стр. 841
أو مؤنثا, بخلاف "من" فإنه إذا حكي المثنى المؤنث فالأشهر سكون نونها, كما أشار إليه المصنف بقوله: "والنون قبل تا المثنى مسكنه" فتقول لمن قال: "عندي امرأتان": "مَنتان"؟ " والفتح فيها قليل, واللغتان جاريتان في المفردة المؤنثة أيضا, إلاّ أنّ الأرجح فيها الفتح, كما ذكره المصنف بقوله: "مَنه" وبعضهم يسكنها فيقول: "مَنت".
الحكم الرابع-ولم يذكره المصنف هنا- أن الحكاية بـ "أي" عامة, في العاقل وغيره, بخلاف الحكاية بـ"من" فإنها تختص بالعاقل, ولذلك إذا اختلط العاقل وغيره وحكيت أتيت في حكاية العاقل بـ"مَن" وفي حكاية غيره بـ "أي" فتقول لمن قال: "رأيت رجلين على فرسين": "منين وأيين؟ ولنت قال: "رَكِبَ رجالٌ نوقاً": "منون وآيات؟ ", ولمن قال: "اشترى امرأتان خُمُرا: "منتان وأيين؟ ", ولمن قال: "أكل سبعٌ صِبياناً وبناتٍ": "أي ومنين ومناتٍ؟ " وعلى هذه القاعدة الحكاية.
(وإن تصل فلفظ "من" لا يختلف ... ونادرٌ "منون" في نظم غرف)
إذا وصلت في الحكاية ب"من" قلت, من يا هذا؟ " وبطلت الحكاية" سواء كان المحكى مفردا أو ضدّيه, مذكرا أو ضده, فأما قوله:
٤٨٩ - (أتوا ناري, فقلتُ:"منون أنتم"؟ ... فقالوا: الجِنُّ قلتُ: عَموا ظلاما)
стр. 842
فنادر, وفي إدخال هذا البيت في باب الحكاية نَظَرٌ, فإنَّ الحكاية سؤالٌ عن تعيين نكرة واردةٍ في كلام سابق, وليس في هذا النظم شيءٌ من ذلك, فتأمل الأبيات قبله في الجمل وغيره.
стр. 843
(والعلم احكينه من بعد "من" ... إن عريت من عاطفٍ بها اقترن)
يحكى العلم المجهول العين بلفظه من بعد "من" عند الحجازيين فتقول لمن قال: "رأيت زيدا": مَن زيداظ -بالنصب- ولمن قال: "مررت بعمرو": "من عمرو؟ ", ولمن قال: جاءني محمد": مَن حمد؟ ", ولا يحكى غير العلم, فلا يقال لمن قال: "رأيت غلامَ زيد": "من غلام زيد؟ " -بالحكاية- ولم يذكر المصنف هنا من شروط العلم المحكى إلاّ تجرد "مَن" من عاطف, فلو اقترنت بعاطف كقولك لمن قال: "رأيت زيدا": "ومن زيدُ؟ " بطلت الحكاية, وتعين الرفع وله شرطان آخران:
أحدهما: أن يكون العلم لعاقل, فلا يحكى أعلام غير العاقل كلاحق و"شذ قَم".
الثاني: أن يتجرد من تابع [فلو أتبع] العَلَمُ ببدل, أو تأكيد, أو عطف
стр. 844
بيان, أو نسق بغير علم, أو نعت بغير"ابن" مضاف إلى عَلَم, نحو: "رأيت زيدا أخاك" أو زيدا نفسه" أو "زيدا أبا عمرو", أو "زيدا وأخاه" أو "زيداً الكريم" لم تجز الحكاية في ذلك كله, وإن كان المنسوق علما نحو: "رأيت زيدا وعمرا" ففي جواز الحكاية قولان, ولو وصف المحكى بـ"ابن" مضاف إلى علم, نحو: "رأيت زيدا بن عمرو" جازت الحكاية اتفاقا.
تنبيه:
الحكاية بالمبني كـ"من" اتباع بلا خلاف, وأما المحكى بالمعرب كـ"أي" والمحكى بالعلم ففيه ثلاثة أقوال:, أشهرها أنه إتباع -أيضا- وليست حركات إعراب ولا حروفه, وذهب الكوفيون إلى أنه إعراب بعامل مقدر لائق المعنى, وقال المصنف -في موضع-: إن الضمة في العلم الواقع بعد "من" نحو/ "من زيد؟ " في حكاية من قال: "جاءني زيدٌ" إعراب بخلاف الفتحة والكسرة فانهما إتباع. أ. هـ
стр. 845
التأنيث
وصف التذكير والتأنيث من خصائص الأسماء، والأصل فيها التذكير، ولذلك استغنى عن علامة، وأما التأنيث فلكونه فرعاً احتاج إلى علامة يعرف بها.
(علامةُ التأنيث تاءٌ أو أّلِفْ ... وفي أسامٍ قَدَّروا التا كالكَتِفْ)
(ويُعرف التقدير بالضميرِ ... ونحوهِ كالردّ في التصغيرِ)
للتأنيث علامتان:
إحداهما: تاء متحركة تتصل بالأسماء تدل على تأنيثها، وأما التاء الساكنة التي تتصل بالأفعال فإنما تدل على تأنيث ما أسندت إليه، والمتصلة ببعض الحروف كـ "ثُمَّتْ" و "رُبّتْ" زائدة.
следующие страницы →