← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

كيف انتقلت إلى الطريقة الشاذلية تعرفت على شيخ من الطريقة الشاذلية حسن الصورة والأخلاق وزارني في بيتي، وزرنه في بيته، فأعجبني لين كلامه، وحديثه، وتواضعه، وكرمه، فطلبت منه أن يعطيني ورد الطريقة الشاذلية، فأعطاني أورادها الخاصة بها وكانت عنده زاوية يأوي إليها بعض الشباب، ويقيمون فيها الذكر بعد صلاة الجمعة. زرته مرة في بيته، فرأيت صورة شيوخ كثيرين للطريقة الشاذلية، مُعلّقة على الجدار، فذكَّرته بالنهي الوارد عن تعليق الصور، فلم يستجب، مع أن الحديث واضح ولا يخفى عليه وهو قوله ﷺ : (إن البيت الذي فيه الصُوَر لا تدخله الملائكة). "متفق عليه" (نهى رسول الله ﷺ عن الصور في البيت ونهى الرجل أن يصنع ذلك). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" وبعد سنة تقريبًا أحببت زيارة الشيخ، وأنا في طريقي إلى أداء العمرة، فدعاني مع ولدي ورفيقي إلى طعام العشاء وبعد الإنتهاء قال لي: هل تسمع شيئًا من الأناشيد الدينية من هؤلاء الشباب؟ فقلت: نعم، فأمر الشباب الذين حوله -وكانت اللحى الجميلة تعلو وجوههم- أن ينشدوا فبدأوا ينشدون بصوت واحد نشيدًا خلاصته: (من كان يعبد الله طمعًا في جنته، أو خوفًا من ناره، فقد عبد الوثن). فقلت لهم: ذكر الله آية في القرآن يمدح فيها الأنبياء قائلًا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] فقال لي الشيخ: هذه القصيدة التي ينشدونها هي: (لسيدي عبد الغني النابلسي) فقلت له: وهل كلام الشيخ مُقدم على كلام الله، وهو معارض له؟! فقال لي أحد المنشدين: سيدنا علي ﵁ يقول: "الذي يعبد الله طمعًا في جنته، عبادة التجار" فقلت له: في أي كتاب وجدت هذا القول لسيدنا علي، وهل هو صحيح؟ فسكت، فقلت له: هل يعقل أن يخالف علي ﵁ القرآن وهو من أصحاب الرسول ﷺ ، ومن المبشرين بالجنة؟ ثم التفت رفيقي قائلًا لهم: ذكر الله تعالى عن وصف المؤمنين يمدحهم قائلًا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] فلم يقتنعوا، وتركت الجدال معهم، وانصرفت الى المسجد للصلاة فلحقني منهم

стр. 1052

شاب، وقال لي: نحن معكم، والحق معكم، ولكن لا نستطيع أن نتكلم، وأن نرُدَّ على الشيخ! قلت له: لماذا لا تتكلمون الحق؟ قال: سوف يخرجنا من السكن إن تكلمنا: وهذا مبدأ صوفي عام فإن شيوخ التصوف أوصوا تلاميذهم ألا يعترضوا على الشيخ مهما غلط وقالوا لهم عبارتهم المشهورة: "ما أفلح مريد قال لشيخهِ لِمَ؟ " متجاهلين قول الرسول ﷺ : (كُل بني آدم خطاء وخيرُ الخطائين التوابون). "حسن أخرجه أحمد والترمذي" وقول مالك ﵁: "كُل واحد يؤخذ مِن قوله ويُرَد إلا الرسول ﷺ ". مجلس الصلاة على النبي ﷺ ذهبت مع بعض المشايخ إلى أحد المساجد لحضور هذا المجلس فدخلنا حلقة الذكر، وهم يرقصون، ويمسكون بأيدي بعضهم، ويتمايلون، ويرتفعون، وينخفضون، ويقولون: الله، الله. . . وكل واحد من الحلقة يخرج إلى الوسط، ويشير بيديه إلى الحاضرين لينشطوا في الحركة والتمايل. . . . . حتى وصل الدور إليّ لأخرج، وأشار إليّ رئيسهم بالخروج، لأزيد من حركتهم ورقصهم، فاعتذر أحد المشايخ الذين معي وقال له: اتركه إنه ضعيف؛ لأنه يعرف أني لا أحب مثل هذا العمل، ورآني ساكنًا لا أتحرك، فتركني رئيسهم وأعفاني من الخروج إلى وسط الحلقة، وكنت أسمع قصائد من أصوات جميلة، لكنها لا تخلو من طلب المدد والعون من غير الله! ولاحظت أن النساء يجلسن على مكان مرتفع ويتفرجن على الرجال وكانت فتاة منهن متبرجة قد ظهر شعرها وساقها، ويداها ورقبتها، فأنكرت ذلك في قلبي، وقلت لرئيس المجلس في آخر الجلسة: إن فتاة فوقنا سافرة، لو أنك ذكرتها مع النساء بالحجاب في المسجد لكان عملاً طيبًا فقال لي: نحن لا نذكر النساء، ولا نقول لهن شيئًا! قلت له: لماذا؟ قال لي: إذا نصحناهن فسيمتنعن عن الحضور للذكر! فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذا الذكر الذي تظهر فيه النساء، ولا ينصحهن أحد؟ وهل يرضى الرسول ﷺ بهذا وهو القائل: (مَن رأى منكم منكرًا فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"

стр. 1053

الطريقة القادرية دعاني أحد شيوخ الطريقة مع شيخي الذي درست عليه النحو والتفسير، فذهبنا إليه في بيته، وبعد تناول طعام العشاء وقف الحاضرون يذكرون ويقفزون، ويتمايلون، ويقولون الله، الله، وكنت واقفًا معهم لا أتحرك، ثم جلست على المقعد حتى انتهى الشوط الأول، ورأيت العرَق يسيل منهم، فجاءوا بمنشفة ليمسحوا العرَق عنهم، وبما أن الوقت قارب نصف الليل، فتركتهم وذهبت إلى بيتي، وفي اليوم الثاني قابلت أحد الجالسين معهم، وكان مدرسًا معي، وقلت له: إلى متى بقيتم على حالكم؟ فقال لي: إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل وذهبنا إلى بيوتنا للنوم! قلت له: وصلاة الصبح متى صليتموها؟ فقال لي: لم نصلها في وقتها، وفاتتنا. قلت في نفسي ما شاء الله على هذا الذكر الذي يُضيع صلاة الفجر، وتذكرت قول عائشة تصف الرسول ﷺ : (كان ينام أول الليل، ويُحيي آخره). "متفق عليه" وهؤلاء الصوفيون بالعكس يُحيون أول الليل بالبدع والرقص، وينامون آخره ليضيعوا صلاة الفجر، وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] [أي يؤخرونها عن وقتها]. وقال ﷺ : (رَكعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها). "رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع"

стр. 1054

التصفيق في الذكر كنت في مسجد، قد أقيمت فيه حلقة ذكر بعد صلاة الجمعة فجلست أنظر إليهم، ولكي يشتد بهم الوجْدُ والطرب جعل أحدهم يُصفق بيديه، فأشرت إليه أن هذا حرام لا يجوز، فلم يترك التصفيق، ولما انتهى نصحته فلم يقبل، وقابلته بعد مدة لأذكره بأن هذا التصفيق من عمل المشركين حين قال الله عنهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] [المكاء: الصفير، التصدية: التصفيق]. فقال لي ولكن الشيخ الفلاني أباحه! فقلت في نفسي: هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾. [التوبة: ٣١] ولما سمع عدي بن حاتم الطائي ﵁ الآية، وكان نصرانيًا قبل أن يسلم، فقال يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم! فقال له ﷺ : (أليسَ يُحلون لكم ما حرم الله فتُحلونه، ويُحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم). "حسن أخرجه الترمذي والبيهقي" وحضرت ذكرًا آخر في مسجد كان المنشد يصفق أثناء الذكر، فقلت له بعد الإنتهاء: إن صوتك جميل ولكن هذا التصفيق حرام، فقال لي: نغم الغناء لا يتم إلا بالتصفيق وقد رآني شيخ أكبر منك فلم ينكر عليّ! ويلاحظ مَن حضر ذكرهم أنهم يُلحدون في أسماء الله، فيقولون: (الله - أه - هي - هو - ياهو) وهذا التبديل والتحريف حرام يحاسبون عليه يوم القيامة.

стр. 1055

الضرب بالشيش (بسيخ الحديد) هناك زاوية للصوفية قريبة من بيتنا، ذهبت إليها لأطلع على ذكرهم، وبعد العشاء حضر المنشدون، وكانوا يحلقون اللحى، وجعلوا يقولون بصوت واحد: هاتِ كاس الراح ... واسقِنا الأقداح يرددون هذا البيت، ويتمايلون، ويعيد البيت رئيسهم بمفرده ثم يتبعه الآخرون أشبه بجماعة المغنين والمطربين! ولا يخجلون من ذكر الخمر في المسجد الذي جُعل للصلاة والقرآن، لأن الراح معناها هنا الخمر، والخمر حرمها الله في كتابه، والرسول في أحاديثه. ثم بدأت الدفوف تضرب بشدة، وتقدم أحدهم وكان كبير السن فخلع قميصه، وصاح بأعلى صوته: يا جداه! ويقصد به الإستغاثة بأحد أجداده الأموات من أبناء الطريقة الرفاعية؛ لأنهم مشهورون بهذا العمل! ثم أخذ سيخًا من حديد، وأدخله في جلد خاصرته، وهو يصيح يا جداه، ثم جاء رجل يرتدي اللباس العسكري، حليق اللحية، فأخذ كأسًا من الزجاج وجعل يقضمه بأسنانه! فقلت في نفسي: إن كان هذا الجندي صادقًا فلماذا لم يذهب إلى اليهود ويحاربهم بدلاً من أن يكسر الكأس بأسنانه، وكان ذلك عام ١٩٦٧ م حينما احتل اليهود جزءًا كبيرًا من الأرض العربية واندحرت الجيوش العربية، وخسرت الحرب، وكان هذا الجندي من بينهم لم يفعل شيئًا مع أنه كان حليق اللحية. ١ - إن بعض الناس يظنون أن هذا العمل كرامة، ولم يعلموا أن هذا العمل من الشياطين المجتمعين حولهم يساعدونهم على ضلالهم؛ لأنهم أعرضوا عن ذكر الله وأشركوا بالله حين استغاثوا بأجدادهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦، ٣٧] والله تعالى يُسخر لهم الشياطين ليزيدوهم ضلالًا، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. [مريم: ٧٥] ٢ - ولا غرابة من مساعدة الشياطين لهم وقدرتهم على ذلك، كما هو المشاهد. والذين ذهبوا إلى الهند كالرحالة ابن بطوطة وغيره شاهدوا من المجوس أكثر من هذا! ٣ - فالمسألة ليست مسألة كرامة ولا ولاية، بل ضرب الشيش وغيره من عمل الشياطين المجتمعين حول الغناء والمعازف التي هي من مزامير الشيطان، وأغلب الذين يقومون

стр. 1056

بهده الأعمال يرتكبون المعاصي، بل يشركون بالله جهرًا فكيف يكونون من الأولياء وأصحاب الكرامات؟ والله تعالى يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. [يونس: ٦٢، ٦٣] فالولي هو المؤمن التقي الذي يبتعد عن الشرك والمعاصي، ويستعين بالله وحده عند الشدائد والرخاء، وقد تأتيه الكرامة عفوًا وبدون طلب وشهرة أمام الناس. ٤ - وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية عن أفعال أمثال هؤلاء وغيرهم فقال: ولا تحصل لهم هذه الأفعال عند قراءة القرآن والصلاة؛ لأن هذه عبادات شرعية إيمانية، محمدية، تطرد الشياطين. . . وتلك عبادات بدعية شركية، شيطانية، فلسفية، تستجلب الشياطين. ٥ - والغريب أن واحدًا ممن تأثروا بالفكر الصوفي هو (سعيد حوى) قد انطلت عليه هذه الأباطيل، فراح يكتب عنها، ويدعو إلى دراسة الطريقة الرفاعية، ويروي حادثة سمع بها يقول عنها: حدثني رجل نصراني أن رجلاً ضربه في بطنه، فخرج السيخ من ظهره. .!! ثم يقول: وقد يكون صاحب هذه الكرامة فاسقًا، فتكون لجده!! "انظر كتاب تربيتنا الروحية ٧٤" فالكاتب يأخذ الحادثة عن رجل نصراني، وقد يكون كاذبًا، وهل تكون الكرامة لفاسق؟ ومتى كانت بالوراثة؟ الكرامة تكون للأولياء المتقين، ولا تكون بالوراثة، ولا تكون لفاسق، وإذا حصل شيء خارق للعادة لفاسق، فلا يُسمى كرامة، كما زعم "سعيد حوى" بل يكون استدراجًا لهم، ليزيدهم في الضلال، وسبق أن ذكرت أن المجوسِ يقومون بأعمال أشد من ضرب السيخ! ٦ - ثم إن رجلاً سلفيًا كلف أحد هؤلاء المشعوذين الذين يضربون أنفسهم بالشيش، أن يدخل دبوسًا في عينه، فامتنع وخاف، مما يدل على أنه يدخل الشيش في جلده بسيخ خاص، والذين كانوا يتعاطون مثل هذه الأعمال ثم تابوا تحدثوا عن الدم الذي كان يسيل منهم، ويغسلونه بعد ذلك. ٧ - وحدثني مسلم صادق رأى بعينه جنديًا يضرب نفسه بسيخ حديد له شكل خاص، ورأى الدم يسيل من مكان السيخ، ولما أخذوه إلى قائده العسكري قال له: نحن نضربك على رجليك بالبارودة فإن كنت صادقًا فاصبر وتحمل، ولما نُفذَ الضرب به بدأ يبكي ويصيح ويولول، ويستغيث، ولم يتحمل الضربات، وبدأ الجنود يضحكون.

стр. 1057

الخلاصة أن الضرب بالشيش لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولا التابعون، ولا الأئمة المجتهدون ولو كان فيه خيرًا لسبقونا إليه، ولكنه من فعل المبتدعين المتأخرين المستعينين بالشياطين، المشركين برب العالمين وقد حذر الرسول ﷺ من هذه البدع فقال: (إياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدَثة بدعة، وَكل بدعة ضلالة، وَكل ضلالة في النار). "صحيح رواه النسائي" وعمل هؤلاء المبتدعة مردود عليهم بقوله ﷺ : (مَن عَمِل عمَلًا ليسَ عليه أمرنا فهو رَدّ). [أي مردود عليه]. "رواه مسلم" وهؤلاء المبتدعة يستعينون بالأموات والشياطين، وهو من الشرك الذي حذر الله منه بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. [المائدة: ٧٢] وقال ﷺ : (مَن مات وهو يدعو مِن دون الله نِدًّا دخل النار). "رواه البخاري" [الند: المثل والشريك]. وكل من اعتقد بهم أو ناصرهم، فهو منهم.

стр. 1058

الطريقة المولوية كانت لهم زاوية خاصة في بلدي تسمى (المولوية) وهي مسجد كبير تقام فيه الصلوات، وفيه عدد كبير من الأموات، لها سياج، قد بُني فوق القبور من الأحجار المزخرفة المرتفعة، والتي كتب عليها آيات من القرآن، واسم صاحب القبر، وأبيات الشعر، كان هؤلاء الجماعة يُقيمون "حضرة" كل جمعة أو في المناسبات ويلبسون على رءوسهم (الكلاخ) طربوش طويل من صوف رمادي ويستعملون الناي، وبعض الآلات الموسيقية عند الذكر يُسمع من بعيد، وشاهدت أحدهم يقف وسط الحلقة، وهو يدور حول نفسه مرارًا، ولا يتحرك من مكانه، ويحنون رءوسهم عند طلب المدد من شيخهم جلال الدين الرومي وغيره. ١ - والغريب أن المساجد في كثير من بلاد المسلمين، وهذا المسجد منها يدفنون الأموات فيها متشبهين باليهود والنصارى: حيث قال ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد يُحذر ما صنعوا). "رواه البخاري" والصلاة إلى القبور منهي عنها لقوله ﷺ : (لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها). "رواه مسلم وأحمد" أما البناء على القبور كالشواهد، والقباب والجدران، والكتابة عليها، وتدهينها فاسمع نهي الرسول ﷺ عن ذلك: (نهى أن يُجصَّص القبرُ، وأن يُبنى عليه). "أخرجه مسلم" وفي رواية: (نهى أن يكتب على القبر شيء). "رواه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي" [يُحصص: يُطلى بالجص والدهان]. ٢ - أما استعمال المعازف في المساجد والذكر فهو من بدع الصوفية المتأخرين، وقد حرم الرسول ﷺ الموسيقا بقوله: (لَيكونَن مِن أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمرَ والمعازف). [الحِرَ: الزنا]. "رواه البخاري تعليقًا وأبو داود وصححه الألباني وغيره" ويستثنى من المعازف الدف يوم العيد والنكاح للنساء.

стр. 1059

٣ - وكان هؤلاء يتنقلون في المساجد لإقامة ما يسمى (النوبة) وهي الذكر مع المعازف، وكانوا يسهرون في الليل ويسمع أهل الحي أصوات المعازف المنكرة! ٤ - كنت أعرف واحدًا منهم كان يُلبس ولده (البزنيطة) التي يلبسها الكفار، فأخذتها سرًا ومزقتها، فانزعج هذا الصوفي من تمزيق البرنيطة وعاتبني غاضبًا، فقلت له: أخذتني الغيرة على ولدك الذي يتزيا بزي الكفار واعتذرت له، وكان يعلق لوحة في مكتبه كتب عليها: (يا حضرة مولانا جلال الدين). فقلت له: كيف تنادي هذا الشيخ الذي لا يسمع ولا يستجيب؟ فسكت. هذه خلاصة عن الطريقة المولوية.

стр. 1060

درسٌ عجيب مِن شيخ صوفي ذهبت مرة مع أحد الشيوخ الى درس في أحد المساجد، وقد اجتمع إليه عدد من المدرسين والمشايخ، وكانوا يقرأون في كتاب اسمه: (الحِكم لابن عجيبة) وكان الدرس عن تربية النفس عند الصوفية، وقرأ أحدهم في الكتاب المذكور هذه القصة العجيبة: ١ - دخل رجل صوفي الحمام للإغتسال، ولما خرج من الحمام سرق المنشفة التي يعطيها صاحب الحمام للمغتسل، وأبقى طرفها مكشوفًا حتى يراه الناس ويوبخونه ويسبونه، لأجل أن يذل نفسه ويربيها على الطريقة الصوفية، وبالفعل فقد خرج الصوفي من الحمام فلحقه صاحب الحمام، ورأى طرف المنشفة تحت ثوبه، فوبخه، وأساء إليه، والناس يستمعون إليه ويرون هذا الشيخ الصوفي الذي سرق المنشفة من الحمام، وقد انهالوا عليه بالسب والشتم وغير ذلك مما يفعله الناس مع السارق، وقد أخذوا صورة سيئة عن هذا الرجل الصوفي!! ٢ - رجل صوفي آخر أراد أن يربي نفسه ويذلها، فحمل كيسًا في رقبته وملأه جوزًا، وخرج إلى السوق، وكان كلما مرّ صبي قال له: أُبصق على وجهي حتي أَعطيك جوزة: (فاكهة يحبها الأطفال) فيبصق الصبي علي وجه الشيخ فيعطيه جوزة، وهكذا كان البصاق مِن أولاد الشوارع يتوارد على وجه الشيخ طمعًا في أخذ الجوزة، والشيخ الصوفي مسرور، وعند سماعي لهاتين القصتين كدت أتميز غيظًا، وضاق صدري من هذه التربية الفاسدة التي يتبرأ منها الإِسلام الذي كرم الإنسان بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. . .﴾. [الإسراء: ٧٠] فقلت للشيخ الذي معي بعد خروجنا: هذه هي الطريقة الصوفية في تربية النفس! وهل تكون تربيتها في السرقة المحرَّمة التي حكم الشرع بقطع يد السارق؟ أم هل تكون بالمهانة والصغار وارتكاب أخس الأعمال؟ إن الإِسلام يأبى هذا العمل، ويأباه العقل السليم الذي كرم الله به الإِنسان، وهل هذه من الحِكم التي سمى الشيخ كتابه (الحِكَم لابن عجيبة)!! ومن الجدير بالذكر أن هذا الشيخ الذي يترأس الدرس له أتباع وتلاميذ كثيرون، فمرة أعلن الشيخ أنه يريد الحج فذهب التلاميذ للإكتتاب عنده وتسجيل أسمائهم ليرافقوه إلى الحج، حتى النساء بدأن الإكتتاب وربما احتجن إلى بيع الحلي من أجل ذلك،

стр. 1061

حتى بلغ عدد الراغبين كثيرًا، واجتمعت الأموال لديه كثيرة جدًا، ثم أعلن عدم استطاعته الحج، ولم يرد الأموال لأصحابها، بل أكلها بالحرام، وصدق عليه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. . .﴾. [التوبة: ٣٤] وسمعت أحد أتباعه وهو من الأغنياء الذين عاملوا الشيخ يقول عن الشيخ: أكبر دجال وأكبر محتال!!

стр. 1062

الذكر في المساجد عند الصوفية ١ - حضرت مرة ذكرًا للصوفية في مسجد الحي الذي أسكن فيه وجاء رجل منهم حسن الصوت لينشد لهم الأناشيد والقصائد أثناء الذكر في حلقة اجتمع فيها أهل الحي، وكان مما سمعته من هذا الصوفي قصيدة أذكر منها قوله: يا رجال الغيب ساعدونا أنقذونا انصرونا. . . إلى آخر هذه الإستغاثات، وطلب الحاجات من الأموات الذين لا يسمعون، ولو سمعوا ما استجابوا لهم، ولا يملكون النفع لأنفسهم فضلًا عن غيرهم، وقد أشار القرآن إلى هؤلاء فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. [فاطر: ١٣، ١٤] وبعد الخروج من الذكر وانتهائه قلت للشيخ إمام المسجد الذي شارك فيه: إن هذا الذكر لا يستحق أن يسمى ذكرًا؛ لأنني لم أسمع فيه ذكر الله، ولا طلبًا من الله، ولا دعاء، وإنما سمعت نداء ودعاء لرجال الغيب، ومن هم رجال الغيب الذين يستطيعون نصرنا وإنقاذنا ومساعدتنا. فسكت الشيخ، وأكبر رد على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. [الأعراف: ١٩٧] ٢ - ذهبت مرة أُخرى إلى مسجد آخر فيه عدد كبير من المصلين وفي المسجد شيخ صوفي له أتباع، وبعد الصلاة قاموا إلى الذكر فبدأوا يقفزون ويرقصون في الذكر وهم يصيحون الله -آه- هي، واقترب المنشد من الشيخ، وبدأ يرقص أمامه ويتمايل كأنه مغنية أو راقصة، وهو يتغزل بشيخه، والشيخ ينظر إليه مبتسمًا راضيًا وكنت أزور هذا الشيخ أحيانًا مع شيخي وهو من الصوفية أيضًا، ومرة ذهبنا إليه بعد رجوعه من الحج، وجلسنا نستمع إليه، فبدأ يتحدث عن ركوبه في سيارة مريحة عريضة من نوع (أمريكي) وذلك حين تنقله من مكة إلى المدينة، فقلت في نفسي: ما الفائدة من هذا الكلام، وكان الأَولى أن يتحدث عن فوائد الحج الإجتماعية والروحية وغيرها تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. [الحج: ٢٨]

стр. 1063

كيف يعامل الصوفية الناس ١ - اشتريت من أحد تلاميذ الشيخ الصوفي المذكور حانوتًا وشرطت عليه أن يكفل المستأجر إذا تأخر عن دفع الِإيجار فرضي بذلك، وبعد فترة امتنع المستأجر عن الدفع، فراجعت المالك السابق الذي اشتريت منه، فرفض أن يدفع شيئًا بحجة أنه ليس لديه ما يدفعه، وبعد أيام قليلة يذهب هذا الصوفي مع شيخه إلى الحج، فعجبت له، وعرفت أنه كاذب. ثم شكوت أمري لبعض تلامذة الشيخ المقربين ما فعل هذا الرجل الذي غشني وباعني الحانوت من مستأجر لا يدفع الِإيجار فلم يفعل شيئًا وقال لي: ماذا نفعل معه؟ ولو كان منصفًا لاستدعاه وطلب منه أن يؤدي حق الناس. وكنت أتردد على مكان هذا الكفيل، وعنده معمل للنسيج، فرآني أحد تلامذة الشيخ الذي كان ينشد القصائد ويتمايل أمام الشيخ راقصًا، فعرف أني أريد زميله، وطلبت منه أن يدلني عليه، وذكرت له عمله، فبدلًا من أن ينصفني انهال علَيَّ بالكلام الفاحش والبذيء، فتركته فقلت في نفسي: هذه أخلاق الصوفية وقد حذر منها الرسول ﷺ بقوله: (أربعٌ مَن كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة مِن النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصَم فجرَ). "متفق عليه"

стр. 1064

كيف اهتديت إلى التوحيد ؟ كنت أقرأ على الشيخ الذي درست عليه حديث ابن عباس ﵄: وهو قوله ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله). "رواه الترمذي وقال: حسن صحيح" فأعجبني شرح النووي حين قال: "ثم إن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم. . وشفاء المرضى وحصول العافية سأل ربه ذلك، وأما سؤال الخلق والإعتماد عليهم فمذموم". فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيد عدم جواز الإستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إن عمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجد تستعين به) فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!! قلت له: إنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية، أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!!! وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إلا ما أسمعه من المشايخ: فيقولون عنهم: الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا يحبون الرسول ﷺ ، وغيرها من الإتهامات الكاذبة! فقلت في نفسي إن كانت الوهابية تؤمن بالإستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها، سألت عن جماعتها فقالوا: لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لإِلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي هذا الشيخ متواضع لا يحب القيام. بدأ الشيخ الدرس بقوله: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره) إلى آخر الخطبة التي كان الرسول ﷺ يفتتح بها خطبه ودروسه، ويتكلم باللغة العربية الفصحى، ويورد الأحاديث، ويبين صحتها وراويها، ويصلي على النبي ﷺ كلما ذكر اسمه، وأخيرًا وُجِّهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون (هم الذين يتبعون السلف الصالح: الرسول ﷺ وصحابته)،

стр. 1065

وبعض الناس يقولون إننا وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. [الحجرات: ١١] وقديمًا اتهموا الإِمام الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا: إن كان رَفضًا حُبُّ آل محمدٍ ... فليشهدِ الثقلانِ أني رافضي ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء: إن كان تابعُ أحمدٍ مُتوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه وسمعت أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!! معنى وهابي أطلق أعداء التوحيد على الموحد كلمة (وهابي) نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب، ولو صدقوا لقالوا: (محمدي) نسبة إلى اسمه (محمد)، وشاء الله أن تكون (وهابي) نسبة إلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الحسنى. فإذا كان الصوفي ينتسب إلى جماعة يلبسون الصوف، فإن الوهابي ينتسب إلى الوهاب، وهو الله الذي وهب له التوحيد، ومكنه من الدعوة إليه بتوفيق الله.

стр. 1066

مناقشة مع الشيخ الصوفي ١ - لما علم الشيخ الذي كنت أدرس عليه أنني ذهبت إلى السلفيين واستمعت إلى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني غضب غضبًا شديدًا لأنه يخشى أن أتركه وأتحول عنه، وبعد فترة من الزمن جاءنا شخص من جيران المسجد ليحضر الدرس معنا في المسجد بعد المغرب، وبدأ يقص علينا أنه سمع من درس أحد المشايخ الصوفية يقول: إن تلميذًا له تعسَّر على زوجته المخاض والولادة، فاستغاث بشيخ صغير (ويقصد نفسه) فولدت، وذهب العسر عنها، فقال له الشيخ الذي ندرس عليه: وماذا فيها؟ فقال له: هذا شرك فقال له الشيخ اسكت، أنت لا تعرف الشرك أنت رجل حداد، ونحن المشايخ عندنا علم، ونعرف أكثر منك، ثم نهض الشيخ إلى غرفته، وجاء بكتاب "الأذكار للنووي" وبدأ يقرأ قصة ابن عمر أنه كان إذا خدرت رجله قال: يا محمد!! فهل أشرك؟ فقال له الرجل: هذا ضعيف "أي غير صحيح" فصاح الشيخ به غاضبًا: أنت لا تعرف الصحيح من الضعيف، ونحن العلماء نعرف ذلك، ثم التفت إليَّ وقال لي: إذا حضر هذا الرجل مرة أخرى سأقتله! وخرجنا من المسجد، وطلب الرجل مني أن أرسل ولدي معه ليأتي بكتاب (الأذكار) بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، فجاء به وأعطاني إياه، وإذا بالقصة يقول عنها المحقق (ضعيفة) وفي اليوم الثاني أعطاه ولدي الكتاب فوجد أن القصة غير صحيحة، فلم يعترف بخطئه وقال: هذه من فضائل الأعمال يؤخذ فيها بالحديث الضعيف!! أقول: إن هذه ليست من فضائل الأعمال كما يزعم الشيخ، بل هي من العقيدة التي لا يجوز الأخذ فيها بالحديث الضعيف علمًا بأن الإِمام مسلم وغيره يرون عدم الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والقائلين من المتأخرين بجواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بشروط عديدة قَلّ أن تتوفر، وهذه القصة ليست حديثًا، وليست من فضائل الأعمال بل هي من أساس العقيدة كما أسلفت، وفي اليوم الثاني جئنا إلى الدرس، وبعد تسليم الشيخ من الصلاة، خرج من المسجد، ولم يجلس كعادته إلى الدرس. ٢ - حاول الشيخ أن يقنعني بأن الإستعانة بغير الله جائزة كالتوسل، فبدأ يعطيني بعض الكتب، ومنها كتاب: "محق التقول في مسألة التوسل" لمؤلفه "زاهد الكوثري".

стр. 1067

فقرأت فيه، فإذا به يجيز الإستعانة بغير الله، ويأتي إلى حديث: (إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" فقال عنه الكوثري: طرقه واهية (أي ضعيف) لذلك لم يأخذ به علمًا بأن الحديث ذكره الإِمام النووي في كتابه الأربعين النووية، ورقمه التاسع عشر، وقد روى الحديث الإِمام الترمذي وقال عنه حسن صحيح واعتمده النووي وغيره من العلماء، فعجبت من الكوثري كيف رَدَّ الحديث؛ لأنه خالف عقيدته، فازددت بغضًا فيه وفي عقيدته، وازددت حبًا في محبة السلفيين وعقيدتهم التي تمنع الإستعانة بغير اللهص للحديث المتقدم ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [الظالمين: المشركين]. [يونس: ١٠٦] وقوله ﷺ : (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" ٣ - وعندما رآني شيخي لم أقتنع بالكتب التي أعطاها لي، هجرني وأشاع عني (وهابي احذروه) فقلت في نفسي لقد قالوا عن سيدنا محمد ﷺ : (ساحر أو مجنون) وقالوا عن الإِمام الشافعي رافضي فرد عليهم قائلًا: إن كان رَفضًا حُب آلِ محمدٍ ... فليشهَدِ الثقلان أني رافضي واتهموا أحد الموحدين بالتوهب فرد عليهم قائلًا: إن كان تابعُ أحمدٍ مُتَوَهبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وَهابي أنفي الشريك عن الِإله فليسَ لي ... رَبٌ سوى المتفَرّدِ الوهاب لا قبة تُرجى، ولا وَثنٌ ولا ... قبرٌ له سَبَبٌ من الأسباب وإنني أحمد الله الذي هداني للتوحيد وعقيدة السلف الصالح، وبدأت أدعو إلى التوحيد وأنشره بين الناس أُسوة بسيد البشر الذي بدأ دعوته في مكة بالتوحيد ثلاثة عشر عامًا، وتحمل مع أصحابه الأذى فصبر، حتى انتشر التوحيد، وتأسست دولة التوحيد بفضل الله.

стр. 1068

موقف المشايخ من التوحيد ١ - أصدرت نشرة مكونة من أربع صفحات عنوانها: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إياك نعبد وإياك نستعين، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) وشرحت معناها، واستشهدت بقول النووي في شرح الحديث، وقول غيره من العلماء الداعين إلى التوحيد، ولئلّا يقول المشايخ عن النشرة: إنها وهابية ذكرت قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه "الفتح الرباني": "سَلوا الله، ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، وَيحكَ بأيِّ وَجهٍ تلقاه غدًا، وأنت تنازعه في الدنيا، مُعرضٌ عنه، مُقبلٌ على خَلقه مُشرِك به، تُنزل حوائجَك بهم، وَتتكِل بالمهمات عليهم! ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله، فإن وقوفكم معها هَوَس، لا مُلك ولا سلطان، ولا غِنى، ولا عِز إلا للحَق ، كن مَعَ الحق، بلا خلق". [أي كن مع الحق بدعائه بلا واسطة من خلقه]. هذه خلاصة النشرة المكونة من أربع صفحات صغيرة، وقد سمحت بطبعها وزارة الِإعلام، وطبعت منها ثلاثين ألف نسخة، وقد وزع ولدي منها نسخًا قليلة، وسمع أحد المشايخ يقول: هذه نشرة وهابية، ووصَلتْ إلى شيخ كبير في البلد، فأنكرها، وطلب مقابلتي فذهبت إلى بيته وكان هذا الشيخ قد درس معي في مدرسة الخسروية بحلب، وهي الآن الثانوية الشرعية، ولما قرعت الجرس خرجت بنت فقلت لها: "محمد زينو"، فدخلت ثم رجعت، فقالت لي: سيأتي للمدرسة بعد قليل، فانتظره هناك، فجلست عند دكان الحلاق المجاور لبيته حتى خرج، فلحقته، وقلت له: ماذا تريد مني؟ فقال لي: لا أريد هذه النشرة! قلت له: لماذا؟ فقال: لا نريدها، فقلت له وقد وصلنا إلى باب المدرسة: سأدخل معك إلى المدرسة، وأقرأ الرسالة، فقال: لا يوجد عندي وقت! قلت له: طبعت منها ثلاثين ألف نسخة، وكلَّفتنا مالاً وجهدًا، فماذا نفعل بها، هل نحرقها؟ فقال لي: نعم احرقها!! قلت في نفسي سأذهب إلى الشيخ محمد السلقيني أستاذي في الفقه الحنفي، فذهبت إليه، وقلت له: عندي رسالة صغيرة فقال لي أحد المشايخ: احرقها، فقال لي: اقرأها عليَّ، فقرأتها عليه، فقال لي: هذه الرسالة فيها القرآن كلام الله، وفيها أحاديث رسول الله ﷺ كيف نحرقها؟ فقلت له: جزاك الله خيرًا، سوف أوزعها، ولن أحرقها،

стр. 1069

وبعد فترة وزعتها، ووجدَت قبولًا عند الشباب المثقف، حتى إنني وجدت مَن طبعها ووزعها في مكتبة الوتار بالمسكية في مدينة دمشق، فحمدت الله على أن هيأ لهذه الرسالة مَن يطبعها ويوزعها مجانًا ليعم نفعها، وتذكرت قول الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. [التوبة: ٣٢، ٣٣] ثم طبعتُ هذه الرسالة في كتابي (منهاج الفرقة الناجية) فالذي يريد الاطلاع عليها يقرأ الكتاب المذكور، فسيجدها بنفس العناوين المذكورة آنفًا. ٢ - أهدى إليَّ أحد المشايخ كتابًا فيه قصة ثعلبة المشهورة ولما أراد تجديد طبع الكتاب نصحته أن يرجع إلى أقوال العلماء، ولا سيما في كتاب: الإِصابة في أسماء الصحابة لابن حجر، فقد نبَّه هو وغيره على عدم صحتها، فلم يقبل النصيحة، وقال لي: أنت نشيط اُتركْ هذه المسائل! قلت: إذا تركتها فسوف أدعو إلى التوحيد الذي علمه الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس وهو غلام، فقال له الرسول ﷺ : (يا غلام إني أعلمك كلمات. . . . إذا سألت فاسأل الله، واذا استعنت فاستعن بالله. . .) إلى آخر الحديث الذي ذكره النووي وقال عنه الترمذي: (حسن صحيح) فقال لي: نحن نسأل غير الله!!! رد الحديث بكل وقاحة وسوء أدب، مخالفًا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [أي المشركين]. [يونس: ١٠٦] ثم مضت سنوات قليلة وإذا بهذا الشيخ الذي يسأل غير الله يُقتل ولده، ويوضع ولداه في السجن، ويترك داره ويهاجر إلى بلد آخر، فلا يلوي على شيء، وقدَّر الله أن ألتقي بهذا الشيخ في الحرم المكي الشريف، والأمل على أنه عاد إلى رشده، ورجع إلى الله يسأله الستر والحماية والنصر فسلمت عليه، وقلت له: إن شاء الله سنعود إلى بلادنا، ويُفرج الله عنا، فيجب علينا أن نتوجه إلى الله ونسأله العون والتأييد، فهو القادر وحده، فما رأيك؟ فقال لي: المسألة فيها خلاف! قلت له: وأي خلاف؟ أنت إمام مسجد وتقرأ في صلاتك كل ركعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ويكررها المسلم في يومه عشرات المرات، ولا سيما في صلاته، فلم يتراجع هذا الشيخ الصوفي

стр. 1070

النقشبندي عن خطئه، بل أصر، وبدأ يجادل، ويعتبر المسألة خلافية ليبرر موقفه الخاطىء! إن المشركين الذين حاربهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون أولياءهم في وقت الرخاء، ولكن إذا وقعوا في شدة أو كرب سألوا الله وحده، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. [يونس: ٢٢] وقال عن المشركين: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. [النحل: ٥٣] ٣ - دخلت مرة على شيخ كبير له طلاب وأتباع، وهو خطيب وإمام مسجد كبير، وبدأت أتكلم معه عن الدعاء وأنه عبادة لا يجوز إلا لله وحده، وأتيت له بدليل من القرآن وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. [الإسراء: ٥٦، ٥٧] فما المراد من قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ. .﴾؟ فقال لي: الأصنام، قلت له: المراد: الأولياء والصالحون. . فقال لي نرجع إلى تفسير ابن كثير، فمدَّ يده إلى مكتبته، وأخرج تفسير ابن كثير فوجد المفسر يقول أقوالًا كثيرة أصحها رواية البخاري التى تقول: "قال ناس مِن الجن كانوا يُعبدون فأسلَموا، وفي رواية: كان ناسٌ مِن الإِنس يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسّك هؤلاء بدينهم". "جـ ٣/ ٤٦" فقال لي الشيخ: الحق معك، ففرحت بهذا الإعتراف الذي قاله الشيخ، وبدأت أتردَّدُ عليه وأجلس في غرفته، وفوجئت مرة كنت عنده فقال للحاضرين: إن الوهابية نصف كفار؛ لأنهم لا يؤمنون بالأرواح، فقلت في نفسي لقد بدل الشيخ رأيه وخاف على منصبه فافترى على الوهابية، والإِيمان بالأرواح لا ينكره الوهابية؛ لأنها ثابتة في القرآن والحديث، ولكنهم ينكرون أن تكون للروح تصرفات كإغاثة الملهوف، وعون الأحياء، ونفعهم وضرهم؛ لأن هذا مِن الشرك الأكبر الذي ذكره القرآن عن الأموات بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. [فاطر: ١٣، ١٤]

стр. 1071

فهذه الآية صريحة في أن الأموات لا يملكون شيئًا، وأنهم لا يسمعون دعاء غيرهم، وعلى فرض سماعهم لا يستطيعون الإِجابة، ويوم القيامة يكفرون بهذا الشرك الذي صرحت به الآية: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. [فاطر: ١٤]

стр. 1072

لا يعلم الغيب إلا الله ١ - كنت مع بعض المشايخ في مسجد الحي نتدارس القرآن بعد الفجر، وكلهم مِن حفظة القرآن الكريم. وقد مرَّ معنا حين تلاوة القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾. [النمل: ٦٥] فقلت لهم: إن هذه الآية دليل واضح على أنه لا يعلم الغيب أحد إلا الله، فقاموا عليَّ وقالوا: الأولياء يعلمون الغيب!! فقلت لهم: ما هو دليلكم؟ فبدأ كل واحد يقص قصة سمعها من بعض الناس، وأن الولي الفلاني يُخبر بأمور غيبية! قلت لهم: هذه القصص قد تكون كاذبة وليست دليلًا، ولا سيما وأنها تعارض القرآن، فكيف تأخذون بها، وتتركون القرآن؟!! ولكنهم لم يقتنعوا وبدأ بعضهم يصيح وأخذه الغضب، ولم أجد واحدًا منهم أخذ بالآية، بل اتفقوا جميعًا على الباطل ودليلهم قصص خرافية تناقلوها ليس لها أصل، وخرجت من المسجد ولم أحضر معهم في اليوم الثاني، بل جلست مع أطفال أقرأ معهم القرآن، فهو خير لي من الجلوس مع حفظة للقرآن يخالفون عقيدته ولا يُطبقون أحكامه، والواجب على المسلم إذا رأى أمثال هؤلاء أن لا يجالسهم امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. [الأنعام: ٦٨] وهؤلاء ظالمون أشركوا مع الله عبادًا يعلمون الأمور الغيبية في زعمهم، والله يخاطب رسوله ﷺ ويأمره أن يقول للناس: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [الأعراف: ١٨٨] وهؤلاء الحفظة لكتاب الله سيكون القرآن حجة عليهم لا لهم كما قال ﷺ : (والقرآن حُجةٌ لك أو عليك). "رواه مسلم" وقد ضرب الله مثلًا للذين لا يعملون بالكتب المنزلة مِثل التوراة فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. [الجمعة: ٥] فهذه الآية وإن كانت في حق اليهود الذين علموا التوراة ولم يعملوا بها فهي تنطبق على كل من يعلم القرآن ولا يعمل به، وقد استعاذ الرسول ﷺ من هذا العلم الذي لا

стр. 1073

ينفع فقال: (اللهم إني أعوذ بك مِن عِلم لا ينفع). "رواه مسلم" [أي لا أعمل به، ولا أُبلِّغه غيري ولا يبدل مِن أخلاقي السيئة]. وفي الحديث: (اقرأوا القرآن واعملوا به ولا تأكلوا به). "صحيح. أخرجه أحمد وغيره" ٢ - كنت أُصلي في مسجد قريب من داري، وكان إمامه يعرفني، ووجد مني الدعوة إلى توحيد الله وعدم دعاء غيره، فأعطاني كتابًا اسمه "الكافي في الرد على الوهابي" وأظن أنه "لزيني دحلان" الذي كان مفتيًا في مكة قبل الحكم السعودي، وإذ به يقول فيه: إن هناك رجالًا يقولون للشيء كن فيكون! فعجبت مِن هذا القول الكاذب؛ لأن هذا مِن صفاتِ الله وحده، والبشر عاجزون عن خلق الذباب، بل عاجزون أن يستردوا ما أخذه الذباب من طعامهم، وقد ضرب الله تعالى مثلًا للناس يُبين ضعف المخلوقات فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. [الحج: ٧٣] فحملت الكتاب إلى صاحبه وقد حفظ القرآن معي في دار الحفاظ وقلت له: هذا الشيخ يدعي أن رجالًا يقولون للشيء كن فيكون؟ فهل هذا صحيح؟ فقال لي نعم، وهذا رسول الله ﷺ يقول: "كن ثعلبة" فكان ثعلبة! قلت له: هل كان ثعلبة معدومًا فأوجده الرسول من العدم، أم كان غائبًا، وكان بانتظاره وقد تأخر، ولما رأى رسول الله ﷺ شبحًا من بعيد تفاءل وقال: "كن ثعلبة" كأنه يقول أدعو الله أن يكون القادم هو ثعلبة، حتى يسير الجيش ولا يتأخر، فاستجاب الله دعاءه، وكان القادم ثعلبة، فسكت الرجل، وعرف بطلان كلام الشيخ المؤلف، والكتاب مازال موجودًا عند صاحبه.

стр. 1074

جولة مع جماعة التبليغ ١ - جماعة التبليغ لها نشاط واسع في البلاد العربية والإِسلامية، حتى في البلاد الأجنبية كفرنسا وغيرها من البلاد. وتمتاز هذه الجماعة بالتواضع في رحلاتها، والإِخلاص في دعوتها، والنظام في سفرها، ومأكلها، وخروجها، ومقر عملها المساجد التى تنزل فيها، وتذهب إلى المقاهي وغيرها لتأتي بأهلها إلى المساجد لأداء الصلاة، وُيلقي أحد أفرادها بيانًا على المجتمعين في المسجد، وهذا عمل طيب. ٢ - للجماعة أمير عام هو الشيخ إنعام الحسن، ومقره في باكستان، ولهم اجتماع عام، وغالبًا ما يكون في باكستان، وفي كل بلد لهم أمير يأخذون برأيه عند المشورة. ولهم كتاب يسمى (تبليغ نصاب) باللغة الأوردية، وترجم إلى العربية وللعلماء عليه مآخذ، من حيث العقيدة، وفي أفكار الصوفية وغيرها، وأكثر ما يعتمدون عليه من الكتب: أ - رياض الصالحين: وهو كتاب جيد، ولا سيما النسخة المحققة التي تُبين الحديث الصحيح من الضعيف، وهذا مُهِم جدًا عند أهل العلم. ب - حياة الصحابة: كتاب جيد، ولكن فيه أحاديث ضعيفة وموضوعة، يحتاج إلى تحقيق وتخريج، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله. ولهم صفات ستة يتمسكون بها، ويعلمونها لأفراد جماعتهم، وسيأتي مناقشتها فيما بعد، وهذه الشروط كما يلي: ١ - تحقيق كلمة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". ٢ - إقامة الصلاة بالخشوع والخضوع. ٣ - العِلم مع الذكر. ٤ - إكرام المسلمين. ٥ - إخلاص النية لله تعالى. ٦ - الدعوة إلى الله تعالى.

стр. 1075

الخروج مع التبليغ للدعوة لقد تأثرت بادىء الأمر بدعوتهم، وخرجت معهم في عدد من البلدان: ١ - خرجت معهم في مدينة حلب التي أسكنها، وتجولنا في المساجد، ولا سيما يوم الجمعة، فخرجنا جماعة إلى خي مِن أحياء حلب يُسمى (قرلق) فيه مسجد كبير، ودخلت المسجد قبل صلاة الجمعة، وخرجت مع ابن عمتي -بناء على توجيه الأمير- إلى السوق، ودخلنا "مقهى كبير" فيه ناس يلعبون بالنرد والطاولة، والأوراق التي فيها تصاوير للصبي، وللبنت والرجل الكبير وكانت مهمتنا تنحصر في دعوة الناس إلى الصلاة، فدعوناهم واستجابوا إلا القليل منهم وعد بأن يكمل اللعب ثم يأتي المسجد. ولما انتهينا من الجولة في الأسواق، ذهبنا الى المسجد، وكان الأمير ينتظرنا، ولما وصلنا أعطاني كتاب "رياض الصالحين" وطلب مني أن أقرأ "من آداب المسجد" فقرأت فيه قول الرسول ﷺ : (مَن أكل ثومًا أو بصلًا فليَعتَزِلنا، وليعتَزل مسجدَنا ولْيقعد في بيته) "متفق عليه" فشرحت للحاضرين في المسجد الحديث، وبينت لهم أن رائحة الدخان أشد من رائحة الثوم والبصل، فعلى المسلم أن يجتنبه لأنه يضر جسمه، ويؤذي جاره، ويتلف ماله، ولا فائدة من التدخين. . وإذ بالأمير ينظر إلى الكتاب الذي أقرأه، وهو "رياض الصالحين" كأنه يقول لي: هذا الكلام عن التدخين غير موجود في الكتاب، فلا تقُله! وهذا خطأ؛ لأن التدخين منتشر بين المسلمين، حتى بين المصلين، فلا بُدَّ من التحذير منه، ولا سيما عند التحذير من أكل الثوم والبصل عند دخول المسجد. ولاحظت عند الأحباب (جماعة التبليغ) بعض الأحاديث الضعيفة، فذكرتهم بذلك فقالوا لي: تعال معنا إلى الأمير العام في الأردن، فكلِّمه بذلك. ٢ - ذهبت مع الجماعة إلى مدينة (حماه) فكنا ندق الأبواب، فيخرج صاحب البيت، ويدعوه الأمير إلى الحضور إلى المسجد ليجتمع بهم ويسمع الدرس والبيان، دخلت على أميرهم في مسجدهم، فقال للوفود الحاضرين: نحن سجدنا لله، فأسجد الله لنا العالم!!

стр. 1076

وهذا خطأ كبير، فالسجود عبادة لا يجوز لغير الله. قال الله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. [النجم: ٦٢] وسمعت رجلاً يناقش الأمير قائلًا: لماذا تفصلون الدين عن السياسة؟ وتقولون: لا سياسة في الدين، مع أن الدين فيه سياسة، فسكت الأمير ولم يعط الجواب كما هي عادتهم ورأيت شابًا يدخن على باب المسجد وله لحية جميلة، فنصحته أن يترك التدخين، وأعطيته قلنسوة هدية، فوضعها على رأسه، وألقى السيجارة على الأرض، فعلم الأمير بذلك واستدعاني، وأنكر عليَّ ذلك وقال لي: اتركه يدخن في الغرفة المجاورة للمسجد حتى يتركه بنفسه! أقول: هذا خطأ فادح، يتركه يدخن حتى في الغرفة التي بجانب المسجد، والرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يَستطع فبلسانه، فإن لم يَستطع فبقلبه، وذلك أضَعف الإِيمان). "رواه مسلم" ومررنا في سوق بلدة (حماه) فقال أحد المرافقين: لا أريد أن أمُرَّ بهذا السوق؛ لأن والدي سوف يراني ويغضب؛ لأنني تركته في الدكان وحده، وتركت زوجتي وحدها في البيت، وهي على أهبة الولادة فقلت له: هذا لا يجوز شرعًا اذهب إلى والدك واعتذر منه، أو اكتب له رسالة، واذهب إلى زوجتك واسأل عنها، فقد تكون مريضة أو بحاجة إلى من يرعاها هي وأولادها، وقد قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيعَ مَن يعول). "حسن رواه أحمد وغيره" ٣ - ثم ذهبنا إلى دمشق، ودخلنا مسجد "كفر سوسة" فألقى بعد الصلاة شاب بيانًا ذكر فيه حديثًا قال فيه: (الدنيا قرار من لا قرار له) وبعد أن انتهى من كلمته قلت له: هل هذا حديث صحيح؟ فقال لي: سمعته من الأحباب، قلت له: هذا لا يكفي، فالتفت إلى رجل عالم بجانبه وسأله عن الحديث؟ فقال له: هذا ليس بحديث، ثم نصحته برفق أن يتحرى الأحاديث الصحيحة ويبتعد عني الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولما رآني أميرهم جاءني وقال لي لا تعلمه، الله يعلِّمه!! عِلمًا بأنه يخصص لهم دروسًا في الفقه وغيره. ومضت أعوام، وجئت إلى مكة، فرأيت الرجل يذهب إلى الحرم قبل صلاة الجمعة، فلحقت به، وسلمت عليه، وقلت له: أنت أبو شاكر، فقال لي نعم: قلت له:

стр. 1077

أنت الذي كنت في دمشق وقلت لي: لا تعلم هذا الشاب، الله يعلمه، فقال نعم: قلت: كيف تقول ذلك؟ وقد قال رسول الله ﷺ : (إنما العلم بالتعلم). "حسن انظر صحيح الجامع" فقال لي: إنني أخطات؛ ونصحته ألا يرفض العلم والنصيحة، علمًا بأنه مدرس في الطائف، ولا بد أنه متعلم حتى أصبح معلمًا. وذهبت في جولة معهم وكنا ثلاثة، فدخلنا غرفة فيها شباب يلعبون بالورق، ويسمونه (الشدة) وفيها تصاوير وأرقام وأعداد، فتكلمت مع الشباب برفق، وقلت لهم: هذا حرام يضيع أوقاتكم، ويجر إلى لعب الميسر، ويورث العدواة بين اللاعبين، فاقتنعوا وبدأوا يمزقون الورق الذي كانوا يلعبون به، وأعطوني بعضها حتى أشاركهم في تمزيقها، فمزقت بعض الأوراق مشاركة لهم وكسبًا للأجر، ثم ذهبوا معنا إلى الصلاة في المسجد. ولما علم بذلك أميرهم استدعاني، وأنكر عليَّ تمزيق الورق الذي كانوا يلعبون به، قلت له: لقد طلبوا منى مشاركتي لهم في التمزيق ففعلت، وهم الذين بدأوا بتمزيق الورق قبلي، فلم يقبل ذلك! قلت في نفسي: هؤلاء يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، والرسول ﷺ يقول: (مَن رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم" ٤ - ثم ذهبت معهم إلى الأردن، ولهم مسجد كبير في (عمان) يجتمعون فيه، فنزلنا في المسجد، وصلينا فيه، ثم ألقى أحد المسؤولين بيانًا ذكر فيه أشياء غريبة، قال يخاطب الحاضرين: أ - يا أحبابنا لا تأكلوا كثيرًا، حتى لا تتغوطوا كثيرًا، فالِإمام الغزالي ذهب إلى الحج مدة شهر ولم يتغوط (أي لم يذهب للحمام) فقال له أحد الجالسين: مِن أين أتيت بهذه القصة؟ فأنكرها عليه؛ لأنه لا يمكن للإِنسان البقاء مدة شهر دون قضاء حاجته، ثم قام الرجل من المسجد، وترك الإجتماع. ب - ثم قال في بيانه وهو يقرأ من كتاب: (حياة الصحابة): لما رجع الرسول ﷺ من الطائف التقى بخادم اسمه (عداس) فسأله الرسول ﷺ عن بلده؟ فقال من بلد (نينوى) قال له: من بلدة (يونس ﵇) ذاك أخي في النبوة، فسجد

стр. 1078

عداس للرسول ﷺ . لقد استغربت هذا الكلام: كيف يرضى الرسول ﷺ أن يسجد له (عداس) والسجود لا يجوز إلا لله. وهذه القصة غير صحيحة، والصحيح: أن (عداس) أكبَّ على قدمي الرسول ﷺ يقبلهما، وهذا التقبيل يختلف عن السجود تمامًا، فالكتاب (حياة الصحابة) يحتاج إلى تحقيق لمعرفة الصحيح من الضعيف والموضوع، وقد نصحت الأخ (محمد علي دولة) وطلبت منه أن يحقق الكتاب لأنه هو الذي تولى طبعه ونشره، فقال لي: الكتاب كله في الفضائل، وليس فيه أحكام، قلت له: هذا غير صحيح، وأتيت له بحديث أورده مؤلف (حياة الصحابة) وهو: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). قال عنه المحدثون: إنه موضوع، فسكت الأخ "محمد علي دولة". وقد التقيت بالشيخ نايف العباسي -رحمه الله تعالى- في دمشق وقلت له: لقد قرأت في كتاب "حياة الصحابة" الذي حققته ما يلي: لما رجع الرسول ﷺ من الطائف، وقد دعاهم للإِسلام، فردوا عليه دعوته، وآذوه، فجلس يقول: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى مَن تكِلُني؟ إلى عَدُو يتجهمني، أم إلى قريب ملَّكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي. . إلى آخر الدعاء). "ضعفه الألباني" كيف يقول الرسول ﷺ معاتبًا ربه: إلى من تكلني؟! [أي تتركني] والله تعالى يقول له: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. [الضحى: ٣] [أي ما تركك ربك وما أبغضك]. "انظر تفسير ابن كثير" فقال لي الشيخ نايف العباسي: والله كلامك صحيح، رسول الله لا يقول هذا الكلام، ولكني حققت الكتاب من الناحية التاريخية واللغوية، وهذا الكتاب يحتاج إلى مثل الشيخ ناصر الدين الألباني ليخرِّج أحاديثه. قلت له: إن الشيخ ناصر حفظه الله ضعَّف الحديث، وقال: في متنه نكارة، ولعله يشير إلى قوله: (إلى مَن تكلني؟) التي تخالف القرآن والواقع. ٥ - حضرت اجتماعًا لهم خطب فيه أميرهم (سعيد الأحمد) فقال:

стр. 1079

مَرَّ الرسول ﷺ على بناء فقال لأصحابه لمن هذا؟ قالوا لفلان، ولما مرَّ صاحب البناء على الرسول ﷺ سلّم عليه فلم يرد ﵇، وأخبره الصحابة السبب، فذهب الصحابي وهدم البناء حتى يرد ﵇. أقول: هذا الحديث غير صحيح؛ لأن الرسول ﷺ قال: (نِعمَ المال الصالح للرجل الصالح). "صحيح رواه أحمد"

стр. 1080

مناقشة شروط الجماعة ١ - تحقيق كلمة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). إن التحقيق يعني الفهم والتطبيق، فهل فهم معنى هذه الكلمة الطيبة -التي هي الركن الأول من أركان الإِسلام الوارد في حديث جبريل الذي رواه مسلم- هؤلاء الجماعة؟ وهل دعوا إلى تطبيقها والعمل بها؟ الواقع أنهم لا يعلمون معناها الحقيقي، وهو: (لا معبود بحق إلا الله ومحمد مبلغ دين الله الذي ارتضاه). والدليل على هذا التعريف قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. [الحج: ٦٢] ولو عرفوا معناها لدعَوا إليها قبل غيرها؛ لأنها تدعو إلى توحيد الله ودعائه وحده دون سواه لقول الرسول ﷺ : (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" فكما أن الصلاة عبادة لله، لا تجوز لرسول ولا لولي، فكذلك الدعاء عبادة لا يجوز طلبه من الرسول ولا من الأولياء. ولم أسمع من جماعة التبليغ الدعوة إلى فهمها والعمل بها، وأن الذي يدعو غير الله وقع في الشرك الذي يُحبط العمل لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [أي المشركين] [يونس: ١٠٦] ٢ - إقامة الصلاة بالخشوع والخضوع: وإقام الصلاة: يعني معرفة شروطها، وواجباتها، وأركانها، وما يتعلق بها من أحكام: كسجود السهو مثلًا، طبقًا لما جاء في الحديث: (صَلّوا كما رأيتُموني أصلِّي). "رواه البخاري" فهل قام جماعة التبليغ بتعليم هذه الأمور لجماعتهم، وهل بيَّنوا لجماعتهم أن الخشوع في الصلاة يعني حصر الفكر في القراءة والتسبيح وعدم إكثار الحركة في الصلاة وغيرها من الأعمال المهمة؟

стр. 1081

٣ - العِلم مع الذكر: هذا الشرط كبقية الشروط لم يحققه جماعة التبليغٍ، وسبق أن ذكرت أنني نصحت أحد الشباب الذي ألقى بيانًا ذكر فيه حديثًا موضوعًا، فقال لي أميرهم، أُتركه لا تُعلمه، الله يُعلمه! مع أن الرسول ﷺ يقول: (إنما العِلم بالتعلم). "حسن انظر صحيح الجامع" وزارني وفد منهم من الأردن، وبينت لهم عقيدة التوحيد، ومنها الإعتقاد أن الله في السماء كما أخبر عن نفسه في قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾. [الملك: ١٦] قال ابن العباس: هو الله تعالى. وذكرت لهم حديث الجارية التي سألها الرسول ﷺ : (أين الله؟ قالت في السماء، قال: مَن أنا؟ قالت أنت رسول الله، فقال لصاحبها: أعتِقها فإنها مؤمنة). "رواه مسلم" فأُعجب الحاضرون بهذه المعلومات، وطلبوا مني بعض الرسائل للعلم، علمًا بأن كثيرًا منهم، لا يريدون قراءة كتب العلم، وقد أهديت لاثنين منهم بعض الرسائل ليأخذوها معهم، ويقرأوها مع جماعتهم، فلم يأخذوها، وكان مِن هدي النبي ﷺ أنه كان يقبل الهدية. وقال الرسول ﷺ : "تَهادوا تحابوا". "حديث حسن انظر صحيح الجامع" ٤ - إكرام المسلمين: الواقع أنهم يكرمون ضيوفهم، ولا سيما عند الطعام، ويتحدثون عن إكرام العلماء، وليتهم أخذوا بنصيحتهم، وقبلوا توجيهاتهم، وقد خرجت معهم في عدد من البلدان، فلم يسمحوا لي مرة بالتحدث إليهم، بل يسمحون لواحد من جماعتهم ولو كان جاهلًا أن يتحدث للناس، وهذا يضر أكثر مما ينفع، فيأتي بأحاديث مكذوبة كما مَر قبل قليل، ويأتون بحديث لم يثبت عند الطعام ويقولون: (تحدثوا عند الطعام ولو بثمن أسلحتكم). "لم أجده في كتب الحديث" ٥ - إخلاص النية لله تعالى: وهو شرط مهم، وقد يتحقق عند بعضهم، فيذهب بنية الدعوة، وينفق من ماله، والإِخلاص محله القلب، لا يعلمه إلا الله، وكثيرًا ما يتحدث أفرادهم، ولا سيما

стр. 1082

الأمراء منهم عن دعوتهم، وأنهم فعلوا كذا، وكان عددهم كذا، واستجاب لهم كثير من الأفراد، وأسأل الله أن يكونوا مخلصين في عملهم، ولكن الإخلاص لا بد له مِن العلم، حتى ينفع صاحبه، وتنتفع به الأُمة، فقد ذكر البخاري -رحمه الله تعالى- في كتابه (باب العلم قبل القول والعمل). واستدل بقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾. [محمد: ١٩] وسبق أن ذكرت أن الأحباب -هداهم الله- لا يهتمون بالعلم. ٦ - الدعوة إلى الله: هذا مبدأ طيب، يجب على كل مسلم أن يهتم به كل حسب مقدرته، ولكن الدعوة إلى الله لها شرط مُهم بيَّنه الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [يوسف: ١٠٨] يقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين الجن والإِنس آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، وطريقته، ومَسلكه، وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل مَن اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. (وسبحان الله) أي وأُنزه الله، وأُجله، وأُعظمه، وأُقدسه عن أن يكون له شريك، أو نظير، أو عديل، أو نديد، أو ولد، أو والد، أو صاحبة، أو وَزير، أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه عن ذلك كله علوًا كبيرا). "انظر تفسير ابن كثير جـ ٢/ ٤٩٥"

стр. 1083

الخلاصة إن هذه الشروط وإن كانت غير منسجمة، لكن الجماعة ينقصهم تطبيق هذه الشروط عمليًا، ولا سيما العلم، وتحقيق كلمة التوحيد والدعوة إليها قبل غيرها أُسوة برسول الله ﷺ الذي بقي في مكة ثلالة عشر عامًا يدعو الناس إليها، وتحمل في سبيلها الأذى، ولكنه صبر حتى نصره الله، والعرب تعرف معنى التوحيد في كلمة (لا إله إلا الله) ولذلك لم يقبلوها؛ لأنها تدعوهم إلى عبادة الله ودعائه وحده، وترك دعاء غيره ولو كانوا من الأولياء والصالحين: قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. [الصافات: ٣٥ - ٣٧] الدين النصيحة قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". "رواه مسلم" وعملًا بقول هذا الرسول الكريم ﷺ فإني أوجه نصيحتي لجميع الجماعات الإِسلامية أن يتقيدوا بما جاء في القرآن، والأحاديث الصحيحة، حسب فهم السلف الصالح -رضوان الله عليهم-: كالصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، ومن سار على طريقتهم.

стр. 1084

الجماعة الصوفية ١ - نصيحتي للصوفية أن يُفردوا الله بالدعاء والإستعانة عملاً بقول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. [الفاتحة: ٥] وقول رسول الله ﷺ : (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" وعليهم أن يعتقدوا أن الله في السماء لقول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾. [الملك: ١٦] قال ابن عباس: هو الله. "ذكره ابن الجوزي في تفسيره" وقال ﷺ : (ألا تأمنوني، وأنا أمين مَن في السماء). "متفق عليه" [ومعنى في السماء: أي على السماء]. ٢ - عليهم أن يتقيدوا بذكرهم بما ورد في الكتاب والسنة، وعمل الصحابة. ٣ - ألا يُقدّموا قول مشايخهم على قول الله ورسوله، عملاً بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. [الحجرات: ١] [أي لا تقدموا قولاً أو فعلًا على قوِل الله ورسوله]. "ذكره ابن كثير" ٤ - عليهم أن يعبدوا الله، ويدعوه خوفًا من ناره، وطمعًا في جنته، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. [الأعراف: ٥٦] وقال ﷺ : (أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار). "رواه أبو دواود بسند صحيح" ٥ - على الصوفية أن يعتقدوا أن أول المخلوقات من البشر آدم ﵇ وأن محمدًا ﷺ من نسل آدم، وجميع الناس من ذريته خلقهم الله من تراب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. [غافر: ٦٧] وليس هناك دليل على أن الله خلق محمدًا ﷺ من نوره، والمعروف أنه وُلد من أبوين.

стр. 1085

جماعة الدعوة والتبليغ: ١ - نصيحتي لهم أن يتقيدوا في دعوتهم بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يتعلموا القرآن والتفسير والحديث حتى تكون دعوتهم على علم لقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. [يوسف: ١٠٨] وقول الرسول ﷺ : (إنما العلم بالتعلم). "حسن انظر صحيح الجامع" ٢ - أن يتقيدوا بالأحاديث الصحيحة، ويجتنبوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة لئلا يدخلوا تحت قول الرسول ﷺ : (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع). "رواه مسلم" ٣ - على الأحباب أن لا يفصلوا الأمر بالمعروف عن النهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في كثير من الآيات مثل قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. [آل عمران: ١٠٤] وهذا رسول الله ﷺ يهتم، ويأمر المسلمين بتغيير المنكر فيقول: (مَن رأى منكم منكرًا فلْيُغَيرهُ بيده، فإنْ لم يَستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم" ٤ - أن يهتموا بالدعوة إلى التوحيد، وتقديمها على غيرها عملاً بقوله ﷺ : (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). "متفق عليه" وفي رواية: (إلى أن يوحدوا الله). "رواه البخاري" وتوحيد الله يعني إفراده بالعبادات ولا سيما الدعاء لقوله ﷺ : (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"

стр. 1086

جماعة الإخوان المسلمين: ١ - نصيحتي لهم أن يُعَلَّمُوا أفراد جماعتهم التوحيد بأنواعه: توحيد الرب، وتوحيد الإِله، وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنها مهمة جدًا يتوقف عليها سعادة الفرد والجماعات. بدلاً من الإِغراق في السياسة والواقع المزعوم، وليس معناه جهل أحوال البلاد والعباد ولكن لا إفراط ولا تفريط. ٢ - أن يبتعدوا عن أفكار الصوفية المخالفة لعقيدة الإِسلام، فقد رأينا كثيرًا منهم يذكر في كتبه عقائد صوفية باطلة: أ - فهذا رئيسهم في ممر عمر التلمساني له كتاب (شهيد المحراب) فيه عقائد صوفية خطيرة بالإِضافة إلى تعلم الموسيقا. ب - وهذا "سيد قطب" يذكر في كتابه (الظلال) وحدة الوجود عند الصوفية، ذكرها في أول سورة الحديد، وغيرها من التأويلات الباطلة وقد كلمت أخاه "محمد قطب" أن يُعلق على الأخطاء العقدية باعتباره مُشرفًا على طبعة "الشروق" فرفض وقال: أخي يتحمل المسؤولية، وقد شجعني على مراجعته الشيخ عبد اللطيف بدر المشرف على مجلة التوعية بمكة. جـ - وهذا "سعيد حوى" يذكر في كتابه "تربيتنا الروحية" عقائد الصوفية، وقد مر ذكرها في أول الكتاب. د - وهذا "الشيخ محمد حامد" من سورية أهداني كتابًا اسمه: "ردود على أباطيل" فيه مواضيع جيدة كتحريم التدخين وغيرها، إلا أنه ذكر فيه: أن هناك أبدالًا وأقطابًا وأغواثًا، ولكن لا يسمى الغوث غوثًا إلا حينما يُلتجأ إليه!!! والإلتجاء إلى الأغواث والأقطاب من الشرك الذي يحبط العمل وهي أفكار صوفية باطلة ينكرها الإِسلام. وقد طلبت من ولده عبد الرحمن أن يُعلق على كلام والده فرفض ذلك. ٣ - ألَّا يحقدوا على إخوانهم السلفيين الذين يدعون إلى التوحيد ومحاربة البدع والتحاكم إلى الكتاب والسنة، فهم إخوانهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. [الحجرات: ١٠] وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). "متفق عليه"

стр. 1087

السلفيون، وأنصار السنة المحمدية: ١ - وصيتي لهم أن يستمروا في دعوتهم إلى التوحيد والحكم بما أنزل الله، وغيرها من الأمور المهمة. ٢ - أن يرفقوا في دعوتهم، ويستعملوا اللين من القول مهما كان الخصم عملاً بقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. [النحل: ١٢٥] وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. [طه: ٤٣، ٤٤] وقول الرسول ﷺ : (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كله). "رواه مسلم" ٣ - أن يصبروا على ما يصيبهم من أذى، فإن الله معهم بنصره وتأييده: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. [النحل: ١٢٧، ١٢٨] وقوله ﷺ : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم). "صحيح رواه أحمد وغيره" ٤ - ألا ينظر السلفيون إلى قول مَن خالفهم بأن عددهم قليل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. [سبأ: ١٣] وقوله ﷺ : (طوبى للغرباء، قيل مَن هم يا رسول الله؟ قال: أنُاسٌ صالحون قليل في أناس سوء كثير، مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم). "صحيح رواه أحمد وابن المبارك"

стр. 1088

حزب التحرير ١ - وصيتي لهم أن يطبقوا تعاليم الاسلام على أنفسهم قبل أن يطالبوا غيرهم بتطبيقه، فقد زارني في سورية منذ عشرين سنة تقريبًا شابان منهم، وقد حلقوا لحاهم، وظهرت رائحة الدخان منهم، وطلبوا مني المناقشة لأنضم إليهم، فقلت لهم: أنتم تحلقون اللحى، وتشربون الدخان، وهما محرمان شرعًا، ثم تبيحون لأنفسكم مصافحة النساء، وقد قال رسول الله ﷺ : (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمِخيط مِن حديد خيرٌ له مِن أن يمَس امرأةً لا تحل له). "صحيح رواه الطبراني" فقالا لي: ورد في البخاري أن الرسول ﷺ كان يصافح النساء عند البيعة!! فقلت لهما: غدًا ستأتياني بالحديث، فذهبا ولم يعودا، فعرفت كذبهما، وأن البخاري لم يذكر ذلك أبدًا، وإنما ذكر البيعة للنساء بدون مصافحة. والغريب أن يبيح المصافحة للنساء بعض الِإخوان المسلمين، أمثال الشيخ محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، بناء على مناقشة جرت بيني وبينه، استدل بحديث الجارية التي كانت تأخذ بيد الرسول ﷺ ليقضي حاجتها. "رواه البخاري" أقول: إن استدلاله غير صحيح، علمًا بأن الجارية حينما أخذت بيده لم تمسه، بل لمست كُم القميص الذي على يده؛ لأن عائشة ﵂ قالت: (لا والله ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك) "رواه البخاري" وقال ﷺ : (إني لا أصافح النساء). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" ٢ - سمعت خطبة من شيخ ينتمي إلى حزب التحرير في الأردن يحمل على الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ولما جئت إلى بيته شكا إلىَّ والد زوجته، وقال، إن الشيخ ضرب زوجته على عينها فتأثرت! فقلت له: أنت تطالب الحكام بتطبيق الشرع، وأنت لم تطبق الشرع في بيتك، هل صحيح أنك ضربت زوجتك على عينها، فقال: نعم، ولكنها ضربة خفيفة بكأس الشاي! قلت له: طبق الإِسلام على نفسك أولًا، ثم طالب غيرك بتطبيقه، فالرسول ﷺ : (سُئل ما حَقُّ زوج أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضربَ الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت). "صحيح أخرجه الأربعة" وقال ﷺ : (إذا ضرَبَ أحدكم خادمَه، فليتقِ الوجه). "حسن رواه أبو دواد"

стр. 1089

جماعة الجهاد وغيرهم ١ - نصيحتي لهم أن يرفقوا في دعوتهم وجهادهم، ولا سيما بالحكام عملاً بقول الله تعالى لموسى حينما أرسله إلى فرعون الكافر: ﴿اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى﴾. [النازعات: ١٧، ١٨] وقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. [طه: ٤٣، ٤٤] وقوله ﷺ : (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كُله). (رواه مسلم) ٢ - النصيحة لأئمة المسلمين والحكام: تكون بمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به، ونهيهم، وتذكيرهم برفق، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حَيف أو سوء عشرة. "انظر قول الخطابي في شرح الأربعين حديثًا" قال صاحب العقيدة الطحاوية: (أبو جعفر الطحاوي): ولا نرى الخروج على أئمتنا، وولاة أُمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. [النساء: ٥٩] ٢ - قال رسول الله ﷺ : (مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن يطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعص الأمير فقد عصاني). "رواه البخاري ومسلم" ٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال: (إن خليلي أوصاني أن أسمَع وأُطيع، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجدّع الأطراف). "رواه مسلم" ٤ - وقال ﷺ : (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). "متفق عليه" ٥ - وعن حذيفة بن اليمان قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير مِن شر؟ قال: نعَم فقلت: هل بعد ذلك الشر مِن خير؟ قال نعم وفيِه دَخَنْ، قال: قلت: وما دخَنه؟ قال: قوم يَستنون

стр. 1090

بغير سُنتي، ويهدون بغير هَديي، تعرف منهم وتُنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير مِن شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم. مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت يا رسول الله، صِفهم لنا؟ قال: نعم قومُ من جلدتنا يتكلمون بألسنَتِنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعَض على أصل شجَرة، حتى يُدركَكَ الموت، وأنت على ذلك). "متفق عليه" ٦ - وقال رسول الله ﷺ : (مَن رأى مِن أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه مَن فارق الجماعة شبرًا فمات، فمِيتته جاهلية). "متفق عليه" ٧ - وقال ﷺ : (خيار أئمتِكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتُصَلون عليهم، ويُصلون عليكم، وشِرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، فقلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك، قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَن وُلَّي عليه وال، فرآه يأتي شيئًا مِن معصية الله، فليكره ما يأتي مِن معصية الله، ولا ينزِعَن يدًا مِن طاعته). "رواه مسلم" ٨ - وقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولى الأمر منكم؛ لأن أولى الأمر، لا يُفرّدون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأن مَن يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. وأما طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم مِن المفاسد أضعاف ما يحصل مِن جَورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء مِن جنس العمل، فعلينا بالاستغفار والتوبة وإصلاح العمل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. [الشورى: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. [الأنعام: ١٢٩]
следующие страницы →