جماعة الإخوان المسلمين:
١ - نصيحتي لهم أن يُعَلَّمُوا أفراد جماعتهم التوحيد بأنواعه: توحيد الرب، وتوحيد الإِله، وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنها مهمة جدًا يتوقف عليها سعادة الفرد والجماعات.
بدلاً من الإِغراق في السياسة والواقع المزعوم، وليس معناه جهل أحوال البلاد والعباد ولكن لا إفراط ولا تفريط.
٢ - أن يبتعدوا عن أفكار الصوفية المخالفة لعقيدة الإِسلام، فقد رأينا كثيرًا منهم يذكر في كتبه عقائد صوفية باطلة:
أ - فهذا رئيسهم في ممر عمر التلمساني له كتاب (شهيد المحراب) فيه عقائد صوفية خطيرة بالإِضافة إلى تعلم الموسيقا.
ب - وهذا "سيد قطب" يذكر في كتابه (الظلال) وحدة الوجود عند الصوفية، ذكرها في أول سورة الحديد، وغيرها من التأويلات الباطلة وقد كلمت أخاه "محمد قطب" أن يُعلق على الأخطاء العقدية باعتباره مُشرفًا على طبعة "الشروق" فرفض وقال: أخي يتحمل المسؤولية، وقد شجعني على مراجعته الشيخ عبد اللطيف بدر المشرف على مجلة التوعية بمكة.
جـ - وهذا "سعيد حوى" يذكر في كتابه "تربيتنا الروحية" عقائد الصوفية، وقد مر ذكرها في أول الكتاب.
د - وهذا "الشيخ محمد حامد" من سورية أهداني كتابًا اسمه: "ردود على أباطيل" فيه مواضيع جيدة كتحريم التدخين وغيرها، إلا أنه ذكر فيه: أن هناك أبدالًا وأقطابًا وأغواثًا، ولكن لا يسمى الغوث غوثًا إلا حينما يُلتجأ إليه!!!
والإلتجاء إلى الأغواث والأقطاب من الشرك الذي يحبط العمل وهي أفكار صوفية باطلة ينكرها الإِسلام.
وقد طلبت من ولده عبد الرحمن أن يُعلق على كلام والده فرفض ذلك.
٣ - ألَّا يحقدوا على إخوانهم السلفيين الذين يدعون إلى التوحيد ومحاربة البدع والتحاكم إلى الكتاب والسنة، فهم إخوانهم:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. [الحجرات: ١٠]
وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). "متفق عليه"
стр. 1087
السلفيون، وأنصار السنة المحمدية:
١ - وصيتي لهم أن يستمروا في دعوتهم إلى التوحيد والحكم بما أنزل الله، وغيرها من الأمور المهمة.
٢ - أن يرفقوا في دعوتهم، ويستعملوا اللين من القول مهما كان الخصم عملاً بقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. [النحل: ١٢٥]
وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉:
﴿اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. [طه: ٤٣، ٤٤]
وقول الرسول ﷺ : (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كله). "رواه مسلم"
٣ - أن يصبروا على ما يصيبهم من أذى، فإن الله معهم بنصره وتأييده: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. [النحل: ١٢٧، ١٢٨]
وقوله ﷺ : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم). "صحيح رواه أحمد وغيره"
٤ - ألا ينظر السلفيون إلى قول مَن خالفهم بأن عددهم قليل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. [سبأ: ١٣]
وقوله ﷺ : (طوبى للغرباء، قيل مَن هم يا رسول الله؟ قال: أنُاسٌ صالحون قليل في أناس سوء كثير، مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم). "صحيح رواه أحمد وابن المبارك"
стр. 1088
حزب التحرير
١ - وصيتي لهم أن يطبقوا تعاليم الاسلام على أنفسهم قبل أن يطالبوا غيرهم بتطبيقه، فقد زارني في سورية منذ عشرين سنة تقريبًا شابان منهم، وقد حلقوا لحاهم، وظهرت رائحة الدخان منهم، وطلبوا مني المناقشة لأنضم إليهم، فقلت لهم: أنتم تحلقون اللحى، وتشربون الدخان، وهما محرمان شرعًا، ثم تبيحون لأنفسكم مصافحة النساء، وقد قال رسول الله ﷺ : (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمِخيط مِن حديد خيرٌ له مِن أن يمَس امرأةً لا تحل له). "صحيح رواه الطبراني"
فقالا لي: ورد في البخاري أن الرسول ﷺ كان يصافح النساء عند البيعة!! فقلت لهما: غدًا ستأتياني بالحديث، فذهبا ولم يعودا، فعرفت كذبهما، وأن البخاري لم يذكر ذلك أبدًا، وإنما ذكر البيعة للنساء بدون مصافحة.
والغريب أن يبيح المصافحة للنساء بعض الِإخوان المسلمين، أمثال الشيخ محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، بناء على مناقشة جرت بيني وبينه، استدل بحديث الجارية التي كانت تأخذ بيد الرسول ﷺ ليقضي حاجتها. "رواه البخاري"
أقول: إن استدلاله غير صحيح، علمًا بأن الجارية حينما أخذت بيده لم تمسه، بل لمست كُم القميص الذي على يده؛ لأن عائشة ﵂ قالت:
(لا والله ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك) "رواه البخاري"
وقال ﷺ : (إني لا أصافح النساء). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
٢ - سمعت خطبة من شيخ ينتمي إلى حزب التحرير في الأردن يحمل على الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ولما جئت إلى بيته شكا إلىَّ والد زوجته، وقال، إن الشيخ ضرب زوجته على عينها فتأثرت! فقلت له: أنت تطالب الحكام بتطبيق الشرع، وأنت لم تطبق الشرع في بيتك، هل صحيح أنك ضربت زوجتك على عينها، فقال: نعم، ولكنها ضربة خفيفة بكأس الشاي!
قلت له: طبق الإِسلام على نفسك أولًا، ثم طالب غيرك بتطبيقه، فالرسول ﷺ : (سُئل ما حَقُّ زوج أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضربَ الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت). "صحيح أخرجه الأربعة"
وقال ﷺ : (إذا ضرَبَ أحدكم خادمَه، فليتقِ الوجه). "حسن رواه أبو دواد"
стр. 1089
جماعة الجهاد وغيرهم
١ - نصيحتي لهم أن يرفقوا في دعوتهم وجهادهم، ولا سيما بالحكام عملاً بقول الله تعالى لموسى حينما أرسله إلى فرعون الكافر:
﴿اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى﴾. [النازعات: ١٧، ١٨]
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. [طه: ٤٣، ٤٤]
وقوله ﷺ : (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كُله). (رواه مسلم)
٢ - النصيحة لأئمة المسلمين والحكام: تكون بمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به، ونهيهم، وتذكيرهم برفق، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حَيف أو سوء عشرة. "انظر قول الخطابي في شرح الأربعين حديثًا"
قال صاحب العقيدة الطحاوية: (أبو جعفر الطحاوي):
ولا نرى الخروج على أئمتنا، وولاة أُمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. [النساء: ٥٩]
٢ - قال رسول الله ﷺ : (مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن يطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعص الأمير فقد عصاني). "رواه البخاري ومسلم"
٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال:
(إن خليلي أوصاني أن أسمَع وأُطيع، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجدّع الأطراف). "رواه مسلم"
٤ - وقال ﷺ : (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). "متفق عليه"
٥ - وعن حذيفة بن اليمان قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير مِن شر؟ قال: نعَم فقلت: هل بعد ذلك الشر مِن خير؟ قال نعم وفيِه دَخَنْ، قال: قلت: وما دخَنه؟ قال: قوم يَستنون
стр. 1090
بغير سُنتي، ويهدون بغير هَديي، تعرف منهم وتُنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير مِن شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم. مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت يا رسول الله، صِفهم لنا؟ قال: نعم قومُ من جلدتنا يتكلمون بألسنَتِنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعَض على أصل شجَرة، حتى يُدركَكَ الموت، وأنت على ذلك). "متفق عليه"
٦ - وقال رسول الله ﷺ : (مَن رأى مِن أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه مَن فارق الجماعة شبرًا فمات، فمِيتته جاهلية). "متفق عليه"
٧ - وقال ﷺ : (خيار أئمتِكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتُصَلون عليهم، ويُصلون عليكم، وشِرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، فقلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك، قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَن وُلَّي عليه وال، فرآه يأتي شيئًا مِن معصية الله، فليكره ما يأتي مِن معصية الله، ولا ينزِعَن يدًا مِن طاعته). "رواه مسلم"
٨ - وقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قول الله تعالى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولى الأمر منكم؛ لأن أولى
الأمر، لا يُفرّدون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأن مَن يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله.
وأما طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم مِن المفاسد أضعاف ما يحصل مِن جَورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء مِن جنس العمل، فعلينا بالاستغفار والتوبة وإصلاح العمل، قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. [الشورى: ٣٠]
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. [الأنعام: ١٢٩]
стр. 1091
فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم.
"انظر شرح العقيدة الطحاوية ٣٨٠ - ٣٨١"
٩ - جهاد حكام المسلمين: ويكون بتقديم النصيحة لهم ولأعوانهم لقول رسول الله ﷺ : (الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). "رواه مسلم"
ولقوله ﷺ : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). "حديث حسن رواه أبو داود والترمذي"
وبيان طريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسِنتنا هو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويُصححوا عقيدتهم، وُيرَبّوا أنفسهم وأهليهم على الإِسلام الصحيح، تحقيقًا لقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. [الرعد: ١١]
وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله:
(أقيموا دولة الإِسلام في صدوركم تقم لكم على أرضكم).
وكذلك لا بُد مِن إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها ألا وهو المجتمع:
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. [النور: ٥٥]
"اختصارًا من كتاب تعليقات على شرح الطحاوية للشيخ الألباني"
стр. 1092
نصيحتي إلى جميع الجماعات
لقد بلغت من الكِبَر عتيًا، وعمري الآن يقرب من السبعين عامًا، وإني أحِبُّ الخير إلى جميع الجماعات، وعملًا بقول الرسول ﷺ : (الدين النصيحة). "رواه مسلم"
فإني أقدم النصائح الآتية:
١ - أن يتمسكوا بالقرآن، والسنة النبوية، عملاً بقول الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. [آل عمران: ١٠٣]
وقوله ﷺ : (تركت فيكم أمرين لن تضِلوا ما تمسكتم بها: كتابَ الله، وسنة رسوله).
"رواه مالك وصححه الألباني في صحيح الجامع"
٢ - إذا اختلفت الجماعات، فعليهم أن يرجعوا إلى القرآن والحديث وعمل الصحابة عملاً بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
وقول الرسول ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها). "صحيح رواه أحمد"
٣ - أن يهتموا بعقيدة التوحيد التي ركز عليها القرآن، وقد بدأ الرسول ﷺ دعوته إِليها، وأمر أصحابه أن يبدأوا بها.
٤ - لقد عاشرت الجماعات الإِسلامية، فرأيت أن الدعوة السلفية تلتزم الكتاب والسنة حسب فهم السلف الصالح: الرسول ﷺ وصحابته والتابعين، وقد أشار إلى هذه الجماعة الرسول ﷺ بقوله: (ألا إن مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة). "رواه أحمد وحسنه الحافظ"
وفي رواية: (كلهم في النار إلا واحدة: ما أنا عليه وأصحابي) "رواه الترمذي وحسنه الألباني"
يخبرنا الرسول ﷺ أن اليهود والنصاري تفرقوا كثيرًا، وأن المسلمين سيفترقون أكثر منهم، وأن هذه الفرق ستكون عرضة لدخول النار، لانحرافها، وبعدها عن كتاب ربها وسنة نبيها، وأن فرقة واحدة، تنجو من النار، وتدخل الجنة، وهي الجماعة المتمسكة بالكتاب والسنة وعمل الصحابة.
стр. 1093
وتمتاز الدعوة السلفية بالدعوة إلى التوحيد، ومحاربة الشرك، ومعرفة الأحاديث الصحيحة، والتحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ومعرفة الأحكام الشرعية بأدلتها وهذا مهم جدًا لكل مسلم.
واني أنصح إخواني المسلمين أن يلتزموا بالدعوة السلفية؛ لأنها هي الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة التي قال فيها الرسول ﷺ :
(لا تزال طائفة مِن أُمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله) "رواه مسلم"
اللهم اجعلنا من الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
الخلاصة
١ - على الجماعات الإسلامية أن يبتعدوا عن التحزب الممقوت الذي يؤدي إلى الفُرقة وأن يتعاونوا فيما بينهم فيما ينفع المسلمين ويعود عليهم بالخير والنفع لقول الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. [المائدة: ٢]
وقول الرسول ﷺ : (كونوا عباد الله إخوانا: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره، بحسب امرىء مِن الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دَمه وماله وعِرضه). "رواه مسلم"
٢ - على الجماعات الإسلامية ألا يتحاسدوا، ولا يتباغضوا لقوله ﷺ : (لا تحاسَدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابرَوا. . .). "رواه مسلم"
٣ - على كل جماعة من الجماعات الإسلامية أن يقبلوا النصيحة إذا كانت موافقة للقرآن والحديث الصحيح، لقوله ﷺ : (الدين النصيحة). "رواه مسلم"
وقوله ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). "حسن رواه أحمد وغيره"
٤ - وأختم كلمتي بالدعاء الآتي:
اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سِلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 1094
تنبيهات على ملاحظات
لقد مَنَّ الله تعالى عليَّ، وبدأت أدعو إلى توحيد الله تعالى وأصدرت أكثر من عشرين مؤلفًا طبع كل منها مرات متعددة بكميات كبيرة، وترجم بعضها إلى اللغة الإنجليزية، والفرنسية، والأندونيسية، والأوردية، والبنغالية، والتركية، وغيرها، وأكثر هذه الكتب كانت تطبع بمساعدة المحسنين، وتوزع مجانًا، وبعضها يباع في المكتبات التي يطبعونها على حسابهم، وقد كتبت على كل كتاب العبارة الآتية: لكل مسلم حق الطبع والترجمة، ومن له ملاحظة على الكتب، فليخبر المؤلف مشكورًا.
١ - لقد وصلني كتاب من الأمارات العربية عنوانه:
(عقيدة الإمام الحافظ ابن كثير) لمؤلفه: (محمد عادل عزيزة) فلما قرأته وجدته لم يلتزم الأمانة العلمية حتى في الأحاديث النبوية حيث بتر الحديث الذي ذكره ابن كثير عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. [القلم: ٤٢]
وهو قول الرسول ﷺ : "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. . ".
إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.
وقال في كتابه: لقد تخبط محمد جميل زينو في كتابه (منهاج الفرقة الناجية) تخبطًا كثيرًا في صفحة ١٦ وغيرها، ويعلم الله أنني فرحت، وقلت: لعلي أخطأت، فأصلح خطئي، ولما نظرت في كتابي المذكور وجدت ما يلي:
(قال الإِمام أحمد، قال الإمام الشافعي، قال الخطيب البغدادي) فهتفت للمؤلف وقلت له: ما هو التخبط الذي ذكرته في كتابي؟ فقال لي: الكتاب ليس عندي، فقلت له: لماذا حذفت الحديث الذي يفسر الآية من تفسير ابن كثير؟ فقال لي: الحديث مِن المتشابهات!! فقلت له: ولماذا بترت قول ابن كثير في تفسير:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ حيث اختار الوقف المفسر الطبري، ليثبت أن الله في السماء؟ فقال لي: حتى انظر، ولم يعترف بخطئه، وقد رددت على هذا المؤلف في كتاب اسمه: (بيان وتحذير من كتاب عقيدة الإِمام الحافظ ابن كثير).
стр. 1095
٢ - وقد قرأت في كتاب عنوانه (في مدرسة النبوة) للأخ أحمد محمد جمال قال فيه:
ولقد عجبت للأخ (محمد جميل زينو) حين كتب في جريدة الندوة يوم ٢٦/ ٤/ ١٤١١ هـ يستنكر صيغة الصلاة على الرسول ﷺ اعتاد بعض المسلمين ترديدها، وهي قولهم (اللهم صَلِّ على محمد طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها) وقال: إن الشافي والمعافي للأبدان والقلوب والعيون هو الله وحده، والرسول لا يملك النفع لنفسه ولا لغيره- إلخ.
وأوَد للأخ محمد زينو أن يعلم أن لهذه الصيغة مفهومين صحيحين:
أ - إن طب القلوب وعافية الأبدان، ونور الأبصار صفة، أو ثمرة للصلاة على الرسول ﷺ ، وقد عرفنا من الأحاديث السابقة فضل الصلاة على الرسول ﷺ وبركاتها وأنها صادرة من الله . . .
وصلاة الله على العباد هي الرحمة والبركة والعافية والشفاء.
ب - إن طب القلوب، وعافية الأبدان، ونور الأبصار صفة للرسول نفسه. . وهذه أيضًا لا نكران عليها، ولا غرابة فيها فالرسول ﷺ ذاته -كما وصفه القرآن الكريم- رحمة في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: ١٠٧]
وهو كذلك نور وضياء، كما وصفه القرآن في قوله :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]
وفي روايات متعددة يصف الرسول نفسه بأنه رحمة مُهداة إلى الإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها وأبصارها، وأبدانها مِن الأسقام الحسية والمعنوية معًا، يقول ﷺ : (إنما أنا رحمة مُهداة). "أخرجه ابن عساكر"
(إني رحمة بعثني الله). "رواه الطبراني"
(إني لم أُبعَث طعانًا، وإنما بُعِثت رحمة). "رواه مسلم"
١ - أقول: إن الصيغة السابقة التي قال عنها المؤلف اعتاد الناس ترديدها. لا تجوز لأن الصلاة على النبي ﷺ عبادة، والعبادة مبناها على التوقف حتى يأتي الدليل، ولا دليل على هذه الصيغة، ولا سيما أنها تخالف جميع الروايات التي وردت عن الرسول ﷺ وصحابته، والسلف الصالح، بالِإضافة إلى أن فيها غلُوًا وإطراء لا يرضاه الله والرسول ﷺ . فهل يجوز لمسلم أن يترك الصيغة التى علمها الرسول ﷺ أصحابه،
стр. 1096
ويأخذ بصيغة من أقوال الناس، والتي تخالف الصيغ المشروعة؟
٢ - لقد بتر الكاتب من كلامي شيئًا مهما، وهو استشهادي بقول الله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. [الأعراف: ١٨٨]
وقوله ﷺ : (لا تُطروني كما أطرَتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) "رواه البخاري"
٣ - وأما قول الكاتب: وصلاة الله على العباد هو الرحمة والبركة والعافية والشفاء:- قال ابن كثير: الصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه عند الملائكة.
وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة. "تفسير ابن كثير جـ ٣/ ٤٩٥"
هذا التفسير الصحيح يبطل تفسير المؤلف (أحمد محمد جمال) الذي لا دليل عليه.
٤ - وأما استشهاده بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: ١٠٧]
فإني أنقل للقارىء ما قاله العلامة محمد أمين الشنقيطي في تفسيرها: وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: مِن أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم، وهذا المعنى جاء موَضحًا في مواضع مِن كتاب الله:
أ - كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [العنكبوت: ٥١]
ب - وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. [القصص: ٨٦]
جـ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إنى لم أبعَث لعانًا، وإنما بُعثت رحمة). "رواه مسلم"
"انظر أضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٦٩٤"
وأما الطبري فقال ما خلاصته: أرسل الله محمدًا ﷺ رحمة لجميع العالم مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله -بالإِيمان به وبما جاء مِن عند الله - الجنة، وأما كافرهم فقد دفع عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالآمم المكذبة لِرسلها مِن قبله.
٥ - وأما قول الكاتب: وهو (أي الرسول) نور وضياء كما وصفه القرآن في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]
стр. 1097
وإني أنقل للقارىء ما قاله المفسرون:
أ - قال ابن كثير في تفسيره:
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا على أُمتك، ومَبشرًا بالجنة ونذيرًا مِن النار، وداعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه وسراجًا منيرًا بالقرآن.
فقوله تعالى: ﴿شَاهِدًا﴾ أي لله بالواحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. [النساء: ٤١]
وقوله : ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرًا للكافرين من ويل العقاب.
وقوله جلت عظمته: ﴿وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾:
أي وأمْرُكَ ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند. "انظر تفسير ابن كثير جـ ٣/ ٤٩٧"
ب - وقال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي أنت لمن اتبعك (سراجًا) أي: كالسراج المضيء في الظلمة يُهتدى به. "جـ ٦/ ٤٠٠"
ج - وقال الطبري في تفسيره: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ضياء لخلقه بالنور الذي أتيتهم به من عند الله وإنما يعني بذلك أنه يهدي به مَن اتبعه مِن أُمته. "نقلاً عن الطبري باختصار"
٦ - وقال المؤلف في كتابه (في مدرسة النبوة):
وفي روايات متعددة يصف الرسول ﷺ نفسه بأنه: "رحمة مهداة" إلى الِإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها، وأبصارها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا: يقول النبي ﷺ : (إنما أنا رحمة مهداة) "صحيح: انظر صحيح الجامع"
(إني رحمة بعثني الله). "هذا الحديث يشهد له ما قبله"
(إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بُعثتُ رحمة). "رواه مسلم"
أقول: إن كلام المؤلف (أحمد محمد جمال) عليه ملاحظات:
أ - لم يذكر المؤلف دليلًا على كلامه سوى ما أورده من حديث:
(إنما أنا رحمة مهداة) وقد تقدم تفسير الرحمة في الآية للعلامة الشنقيطي، وأن الرسول ﷺ جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم.
стр. 1098
ب - وأما قول المؤلف: (ليُخرج الإنسانية من الظلمات إلى النور). . .
فليته رجع إلى تفسير ابن كثير حيث قال فيها:
﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ﴾. [إبراهيم: ١]
أي إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم فيه مِن الضلال والغي إلى الهدي والرشد، قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ﴾. [الحديد: ٩]
فالآيات صريحة بأنه أخرج الناس مِن الظلمات إلى النور بالقرآن المنزل عليه.
ج - وأما قول المؤلف: (ويشفي قلوبها وأبصارها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا) ويقصد النبي ﷺ !
فلم يأت بدليل صريح على ذلك، علمًا بأن الشافي للأمراض هو الله وحده:
قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]
أكَّد بالضمير المنفصل، ليؤكد على أن الشافي هو الله وحده وقال الرسول ﷺ :
(اللهم رَبَّ الناس أذهب الباسَ اشفِ أنت الشافي، لا شِفاءَ إلا شفاؤك شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَما) "أخرجه البخاري"
وقصة الغلام والأعمى التي وردت في الحديث تدل على أن الشافي هو الله وحده: فورد فيها أن الأعمى أتى الغلام بهدايا كثيرة وقال له سأهبها لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك.
(فآمن بالله فدعا له فشفاه الله). "القصة رواها مسلم ٤/ ٣٠٠٥"
فالآية السابقة والأحاديث المتقدمة تدل على أن الشافي هو الله وحده، ولم يذكر المؤلف (أحمد محمد جمال) مثالًا واحدًا على أن الرسول ﷺ وصف نفسه بأنه (يشفي) كما زعم، وهذا أمر خطير جدًا، لقوله ﷺ :
(مَن قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوَّأ مقعده من النار). "حسن رواه أحمد"
وقد سألت سماحة الشيخ ابن باز مفتي السعودية عن كلام (أحمد محمد جمال) فقال: إنه شرك.
стр. 1099
الخلاصة
إن كلام المؤلف (أحمد محمد جمال) ليس عليه دليل، وفيه غلُو وإطراء نهى عنهما الرسول ﷺ قائلًا:
١ - (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك مَن كان قبلكم بالغلُو في الدين).
"صحيح رواه أحمد"
٢ - (لا تطروني كما أطرت النصاري ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله) "رواه البخاري"
ولا سيما حينما ادعى المؤلف أن الرسول ﷺ وصف نفسه، بأنه يشفي القلوب والأبصار من الأسقام الحسية والمعنوية معًا! وكلمة (يشفي) فعل مضارع يفيد الحال والمستقبل، وهذا لا يمكن أبدًا، ولم يحدث هذا الشفاء في الوقت الحاضر والمستقبل.
٣ - وما ذكرته من التنبيهات على كتاب (في مدرسة النبوة) هو من باب النصيحة للمسلمين عامة، ولقراء الكتاب المذكور خاصة.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصًا لله تعالى.
стр. 1100
تنبيه هام
١ - أقول: إن الرسول ﷺ له معجزات كثيرة، ولكنها كانت في حياته، وهذه نماذج منها.
أ - عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله في سفر فقَلَّ الماء، فقال الرسول ﷺ : اطلبوا لي فضلة من ماء.
الصحابة يجيئون بإناء فيه ماء قليل، فيدخل الرسول ﷺ يده في الِإناء.
قال الرسول ﷺ : (حي على الطهور المبارَك، والبركة مِن الله).
قال ابن مسعود: لقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع الرسول ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. "رواه البخاري"
يلفت الرسول ﷺ نظر أصحابه إلى أن الماء المبارك الذي ينبع من بين أصابعه إنما بركته من الله وحده الذي خلق هذه المعجزة، وهذا حرص من الرسول على توجيه أُمته إلى التوحيد، ولذا قال لهم: (والبركة من الله).
ب - وهذا علي ﵁ يأتي رسول الله ﷺ ويشتكي عينيه، فبصق الرسول ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع. "رواه البخاري"
أقول: إن هذه المعجزات كانت في حياته، وإن عليًا دعا له الرسول ﷺ بعد أن بصق في عينيه فبرأ؛ لأن دعاء النبي مستجاب، أما بعد موته ﷺ فقد توقف طلب الدعاء منه وانقطعت المعجزات لقوله ﷺ : (إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له). "رواه مسلم"
وهذا أبو طالب عَم الرسول ﷺ الذي كان يدافع عنه، لما حضرته الوفاة دعاه الرسول إلى الإِيمان فأبى، ومات مشركًا، ونزلت فيه:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. [القصص: ٥٦] "رواه البخاري"
стр. 1101
(٥)
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بين المعارضين والمؤيدين
стр. 1102
موجز دعوة محمد بن عبد الوهاب
* ما معنى وهابي
* محمد بن عبد الوهاب
* معركة التوحيد والشرك
* الدعوة المحمدية
* أسماء الله توقيفية
* هل يكفي توحيد الربوبية؟
* الدعوة لا تقوم على العنف والتكفير
* الإفتراء على الدعوة
* اتهامات مردودة
* مناقشة حول الوهابية
* ردود على أباطيل
* محمد بن عبد الوهاب
في مرآة العلماء
стр. 1103
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونسنغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإن الناس اختلفوا فِي مفهوم هذه الدعوة:
١ - يرى البعض أنها مذهب خامس خارج على المذاهب الأربعة!
٢ - وفريق آخر يرى أنهم لا يُحبون الرسول ﷺ والأولياء.
٣ - ويرى آخرون أن الوهابيين متشددون يكفرون المسلمين.
٤ - وذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الدعوة سلفية ترجع إلى الكتاب والسنة في عقيدتها وجميع أمورها، وتنكر البدع في الدين.
وسأُبين في هذه الرسالة الصحيح من الأقوال بالدليل والبرهان وأقوال العلماء
المنصفين، وأن المسلم العاقل إذا أراد أن يعرف حقيقتها وجب عليه الرجوع إلى كتبها لا إلى أقوال أعدائها ليكون عادلًا في حكمه، عملاً بقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
وقوله ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّثَ بكل ما سمع". "رواه مسلم في مقدمته"
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
стр. 1104
ما معنى وهابي ؟
اعتاد الناس أن يُطلقوا كلمة وهابي على كل من يخالف عاداتهم ومعتقداتهم وبدعهم، ولو كانت هذه المعتقدات فاسدة، تخالف القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، ولا سيما الدعوة إلى التوحيد ودعاء الله وحده دون سواه.
كنت أقرأ على شيخٍ حديث ابن عباس في الأربعين النووية، وهو قوله ﷺ :
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فأعجبني شرح النووي حين قال:
"ثم إن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة (١) بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم. . وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك، وأما سؤال الخلق والإعتماد عليهم فمذموم".
فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيدان عدم جواز الإستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إن عَمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجده تستعين به)، فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!!
قلت له: إنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثُم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!!
وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إلا ما أسمعه من المشايخ: فيقولون عنهم:
الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا يحبون الرسول، وغيرها من الإتهامات الكاذبة! فقلت في نفسي إذا كانت الوهابية تؤمن بالإستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها.
سألت عن جماعتها فقالوا لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لِإلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلَّم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي: هذا شيخ متواضع لا يحب القيام.
стр. 1105
بدأ الشيخ الدرس بقوله: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. إلى آخر الخطبة التي كان الرسول ﷺ يفتتح بها خطبه ودروسه، ويتكلم باللغة العربية الفصحى، ويورد الأحاديث، ويبين صحتها وراويها، ويصلي على النبي ﷺ كلما ذكر اسمه، وأخيرًا وُجّهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون، وبعض الناس: يقولون: إننا وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. "سورة الحجرات"
وقديمًا اتهموا الإمامٍ الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا:
إنْ كان رَفضًا حُبُّ آلِ محمدٍ ... فليشهد الثقلانِ أني رافضي
ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء:
إنْ كان تابعُ أحمدٍ مُتوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه وسمعت أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!!
стр. 1106
محمد بن عبد الوهاب
ولد في بلدة (العُيَيْنة) في نجد سنة ١١١٥ هـ حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة، وتعلم على والده الفقه الحنبلي، وقرأ الحديث والتفسير على شيوخ من مختلف البلاد، ولا سيما في المدينة المنورة وفهم التوحيد من الكتاب والسنة، وراعه ما رأى في بلده (نجد) والبلاد التي زارها من الشرك والخرافات والبدع، وتقديس القبور التي تتنافى مع الإِسلام الصحيح، فقد سمع النساء في بلده يتوسلن إلى فحل النخل ويَقُلْنَ: (يا فحل الفحول أريد زوجًا قبل الحول)! ورأى في الحجاز من تقديس الصحابة، وأهل البيت والرسول ما لا يسوغ إلا الله، فقد سمع في المدينة استغاثات بالرسول ودعائه من دون الله، مما يخالف القرآن الكريم وكلام الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [أي المشركين] [يونس: ١٠٦]
والرسول ﷺ يقول لابن عمه عبد الله بن عباس:
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله" "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
قام الشيخ يدعو قومه للتوحيد ودعاء الله وحده؛ لأنه هو القادر والخالق، وغيره عاجز عن دفع الضر عن نفسه وغيره، وأن محبة الصالحين تكون باتباعهم لا باتخاذهم وسائط بينهم وبين الله، ودعائهم من دون الله!!
١ - وقوف المبطلين ضده: وقف المبتدعون ضد دعوة التوحيد التي تبناها الشيخ، ولا غرابة فقد وقف أعداء التوحيد في زمن الرسول وقالوا مستغربين:
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. [ص: ٥]
وبدأ أعداء الشيخ يحاربونه، ويشيعون عنه الأكاذيب، ويتآمرون على قتله،
والخلاص من دعوته، ولكن الله حفظه، وهيأ له من يساعده حتى انتشرت دعوة التوحيد في الحجاز والبلاد الإِسلامية، وما زال بعض الناس إلى يومنا هذا يشيعون الأكاذيب، يقولون إنه ابتدع مذهبًا خامسًا، مع أن مذهبهُ حنبلي، ويقولون: الوهابيون لا يحبون الرسول، ولا يصلون عليه! مع أن الشيخ ﵀ له كتاب (مختصر سيرة الرسول ﷺ ) وهذا دليل على حبه للرسول ﷺ ، وقد افتروا عليه الأكاذيب التي سيحاسبون عليها يوم القيامة، ولو درسوا كتبه بإنصاف لوجدوا فيها
стр. 1107
القرآن والحديث وأقوال الصحابة؛ حدثني رجل صادق: أن أحد العلماء كان يحذر في دروسه من الوهابية، فأعطاه أحد الحاضرين كتابًا بعد أن نزع اسم المؤلف محمد بن عبد الوهاب، فقرأه وأعجبه ولما علم بمؤلفه بدأ يمدحه.
٢ - ورد في الحديث: قول الرسول ﷺ :
"اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمَنِنا، قالوا وفي نَجْدِنا، قال: مِن هنا يَطلع قَرْنُ الشيطان" "رواه البخاري"
يظن بعض الناس أن النجد الوارد في الحديث هو نجد الحجاز وهذا خطأ؛ لأن النجد الوارد في الحديث هو نجد العراق للأدلة الآتية:
أ - عن سالم بن عبد الله بن عمر قال:
يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم الكبيرة سمعت أبي يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إن الفتنة تجيء مِن ها هنا، وأومأ بيده نحوَ المشرق، مِن حيثُ يطلع قرنُ الشيطان" "رواه مسلم"
ب - وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان في المدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة.
وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغَور، فإنه ما انخفض منها،
وتُهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة. "انظر فتح الباري جـ ٣/ ٤٦ - ٤٧"
أقول: إن الحديث الذي في مسلم يشرح كلمة (نجد) الواردة في صحيح البخاري، والمراد منها العراق.
وكذلك قول الخطابي يؤيد هذا القول، وأورد هذا ابن حجر، فدل على تأييده على أن المراد هو نجد العراق، وليس نجد الحجاز.
أقول: لقد ظهرت الفتن في العراق حيث قتل الحسين بن علي ﵁، خلافًا لما يظنه بعض الناس أن الراد نجد الحجاز حيث لم يظهر فيها شيء من الفتن التي ظهرت في العراق، بل ظهر من نجد الحجاز التوحيد الذي خلق الله العالم لأجله، والذي من أجله أرسل الله الرسل.
٣ - ذكر بعض العلماء المنصفين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو من مجددي القرن الثاني عشر الهجري، وقد ألفوا كتبًا عنه، ومن هؤلاء المؤلفين الشيخ علي الطنطاوي أخرج سلسلة عن أعلام التاريخ، ذكر منهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأحمد بن عرفان،
стр. 1108
ذكر فيه أن عقيدة التوحيد وصلت إلى الهند وغيرها بواسطة الحجاج المسلمين الذين تأثروا بها في مكة، فقام الإنكليز وأعداء الإِسلام يحاربونها؛ لأنها تُوَحدّ المسلمين ضدهم، وأوعزوا إلى المرتزقة أن يُشوهوا سُمعتها، فأطلقوا على كل موحد يدعو للتوحيد كلمة (وهابي)، وأرادوا به المبتاع، لِيصرفوا المسلمين عن عقيدة التوحيد التي تدعو إلى دعاء الله وحده، ولم يعلم هؤلاء الجهلة أن كلمة (وهابي) نسبة إلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الذي وهب له التوحيد، ووعده الجنة.
стр. 1109
معركة التوحيد والشرك
١ - إن معركة التوحيد مع الشرك قديمة منذ زمن الرسول نوح ﵇ حينما دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. وهو يدعوهمِ إلى التوحيد، فكان ردهم كما ذكر القرآن:
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. "سورة نوح"
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قال: هذه أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلك أولئك أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموهم بأسمائهم ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسيَ العِلمُ عُبدَتْ:
(أي الأحجار والأنصاب التي هي التماثيل).
٢ - ثم جاء الرسل من بعد نوح يدعون قومهم إلى عبادة الله وحده، وترك ما يعبدون من دونه من الآلهة التي لا تستحق العبادة، فاسمع إلى القرآن وهو يحدثك عنهم فيقول: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. "سورة الأعراف"
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. "سورة الزخرف"
وكان رَدُّ المشركين على جميع الأنبياء بالمعارضة والإستنكار لما جاءوا به، ومحاربتهم بكل ما يستطيعون من قوة.
٣ - وهذا رسول الله ﷺ وهو الذي كان معروفًا عند العرب قبل البعثة بالصادق الأمين، لما دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده، وترك ما كان يعبد آباؤهم نسوا صدقه وأمانته، وقالوا: (ساحِرٌ كذَّاب) وهذا القرآن يحكي ردهم فيقول:
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. "سورة ص"
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. "سورة الذاريات"
стр. 1110
هذا موقف الرسل جميعًا من الدعوة إلى التوحيد، وهذا هو موقف أقوامهم المكذبين المفترين.
٤ - وفي عصرنا الحاضر حينما يدعو المسلم إخوانه إلى الاخلاق والصدق والأمانة لا تجد معارضًا له، فإذا قام يدعو إلى التوحيد الذي دعت إليه الرسل وهو دعاء الله وحده، وعدم سؤال من سواه من الأنبياء والأولياء الذين هم عباد الله قام الناس يعارضونه ويتهمونه بتهم كاذبة، ويقولون عنه (وهابي)! ليصدوا الناس عن دعوته، وإذا جاءهم بآية فيها توحيد قال قائلهم: (هذه آية وهابية)!!
وإذا جاءهم بحديث: ". . وإذا استعنت فاستعِن بالله" "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
قال بعضهم: (هذا حديث وهابي)!
وإذا وضع المصلي يديه على صدره، أو حرَّك أصبعه في التشهد، كما فعل الرسول ﷺ ، قال الناس عنه وهابي!!
فأصبح الوهابي رمزًا للموحد الذي يدعو ربه وحده، ويتبع سنة نبيه، والوهابي
منسوب للوهَّاب. وهو اسم من أسماء الله الذي وهب له التوحيد، وهو أكبر نعمة من الله على الموحدين.
٥ - على دعاة التوحيد أن يصبروا، ويتأسوا برسول الله ﷺ الذي قال له ربه:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. "سورة المزمل"
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. "سورة الإنسان"
٦ - على المسلمين أن يقبلوا دعوة التوحيد، ويحبوا دعاته؛ لأن التوحيد دعوة الرسل عامة، ودعوة رسولنا محمد ﷺ ، فمن أحب الرسول ﷺ أحب دعوة التوحيد، ومن أبغض التوحيد فقد أبغض الرسول ﷺ .
стр. 1111
موقف المشايخ من التوحيد
١ - أصدرت نشرة مكونة من أربع صفحات عنوانها:
(لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إياك نعبد وإياك نستعين، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
وشرحت معناها، واستشهدت بقول النووي في شرح الحديث، وقول غيره من العلماء الداعين إلى التوحيد، ولئلا يقول المشايخ عن النشرة: إنها وهابية ذكرت قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه: "الفتح الرباني":
"سَلوا الله، ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأي وَجهٍ تلقاه غدًا، وأنت تنازعه في الدنيا، مُعرِض عنه، مُقبل على خلقه مُشرك به، تُنزل حوائجَك بهم، وتتكِلُ بالمهمات عليهم! ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله، فإن وقوفكم معها هَوَس، لا ملك ولا سلطان، ولا غنىً، ولا عز إلا للحق ، كن مع الحق، بلا خلق".
(أي كن مع الحق بدعائه بلا واسطة من خلقه).
هذه خلاصة النشرة المكونة من أربع صفحات صغيرة، وقد سمحت بطبعها وزارة الإِعلام، وطبعت منها ثلاثين ألف نسخة، وقد وزع ولدي منها نسخًا قليلة، وسمع أحد المشايخ يقول: هذه نشرة وهابية، ووصَلتْ إلى شيخ كبير في البلد، فأنكرها، وطلب مقابلتي فذهبت إلى بيته وكان هذا الشيخ قد درس معي في مدرسة الخسروية بحلب، وهي الآن الثانوية الشرعية، ولما قرعت الجرس خرجت بنت فقلت لها: "محمد زينو"، فدخلت ثم رجعت، فقالت لي: سيأتي للمدرسة بعد قليل، فانتظره هناك، فجلست عند دكان الحلاق المجاور لبيته حتى خرج، فلحقته، وقلت له: ماذا تريد مني؟ فقال لي: لا أريد هذه النشرة! قلت له لماذا؟ فقال: لا نريدها، فقلت له وقد وصلنا إلى باب المدرسة: سأدخل معك إلى المدرسة، وأقرأ الرسالة، فقال لا يوجد عندي وقت! قلت له طبعتُ منها ثلاثين ألف نسخة، وكلَّفتنا مالاً وجُهدًا، فماذا نفعل بها، هل نحرقها؟ فقال لي نعم احرقها!! قلت في نفسي سأذهب إلى الشيخ محمد السلقيني أستاذي في الفقه الحنفي، فذهبت إليه،
стр. 1112
وقلت له عندي رسالة صغيرة فقال لي أحد المشايخ: احرقها، فقال لي اِقرأها عليَّ، فقرأتها عليه، فقال لي: هذه الرسالة فيها القرآن كلام الله، وفيها أحاديث رسول الله عون كيف نحرِقها؟ فقلت له: جزاك الله خيرًا، سوف أوزعها، ولن أحرقها، وبعد فترة وزعتها، ووجدَت قبولًا عند الشباب المثقف، حتى إنني وجدت مَن طبعها ووزعها في مكتبة الوتار بالمسكية في مدينة دمشق، فحمدت الله على أن هيأ لهذه الرسالة من يطبعها ويوزعها مجانًا ليعم نفعها، وتذكرت قول الله :
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. [التوبة: ٣٢، ٣٣]
ثم طبعت هذه الرسالة في كتابي (منهاج الفرقة الناجية) فالذي يريد الاطلاع عليها يقرأ الكتاب المذكور، فسيجدها بنفس العناوين المذكورة آنفًا.
٢ - أهدى إليّ أحد المشايخ كتابًا في قصة ثعلبة المشهورة ولما أراد تجديد طبع الكتاب نصحته أن يرجع إلى أقوال العلماء، ولا سيما في كتاب الِإصابة في أسماء الصحابة لابن حجر، وقد نبه هو وغيره على عدم صحتها، فلم يقبل النصيحة، وقال لي: أنت نشيط اتركْ هذه المسائل! قلت إذا تركتها فسوف أدعو إلى التوحيد الذي علمه الرسول ﷺ : لابن عمه عبد الله بن عباس وهو غلام، فقال له الرسول ﷺ :
"يا غلام إني أعلمك كلمات. . . إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن
بالله. . ." إلى آخر الحديث الذي ذكره النووي وقال عنه الترمذي: (حسن
صحيح) فقال لي: نحن نسأل غير الله!!! رد الحديث بكل وقاحة وسوء أدب مخالفًا قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [أي المشركين]،. [يونس: ١٠٦]
ثم مضت سنوات قليلة وإذا بهذا الشيخ الذي يسأل غير الله يُقتل ولده، ويوضع ولداه في السجن، ويترك داره ويهاجر إلى بلد آخر، فلا يلوي على شيء، وقدَّر الله أن التقي بهذا الشيخ في الحرم المكي الشريف، والأمل على أنه عاد إلى رشده، ورجع إلى الله يسأله الستر والحماية والنصر فسلمت عليه، وقلت له: إن شاء الله سنعود إلى بلادنا، وُيفرّجَ الله عنا، فيجب علينا أن نتوجه إلى الله ونسأله العون والتأييد، فهو
стр. 1113
القادر وحده، فما رأيك؟ فقال لي المسألة فيها خلاف! قلت له وأي خلاف؟ أنت إمام مسجد وتقرأ في صلاتك كل ركعة:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ويكررها المسلم في يومه عشرات المرات، ولا سيما في صلاته، فلم يتراجع هذا الشيخ الصوفي النقشبندي عن خطئه، بل أصرَّ، وبدأ يجادل، ويعتبر المسألة خلافية لِيُبرر موقفه الخاطئ! إن المشركين الذين حاربهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون أولياءهم في وقت الرخاء، ولكن إذا وقعوا في شدة أو كرب سألوا الله وحده، كما قال الله تعالى عنهم:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. [يونس: ٢٢]
وقال عن المشركين: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. [النحل: ٥٣]
٣ - دخلت مرة على شيخ كبير له طلاب وأتباع، وهو خطيب وإمام مسجد كبير، وبدأت أتكلم معه عن الدعاء وأنه عبادة لا يجوز إلا لله وحده، وأتيت له بدليل من القرآن وهو قوله تعالى:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. [الإسراء: ٥٦، ٥٧]
فما المراد من قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ. . .﴾؟ فقال لي: الأصنام، قلت له: المراد الأولياء الصالحون. . فقال لي نرجع إلى تفسير ابن كثير، فمدَّ يده إلى مكتبته، وأخرج تفسير ابن كثير فوجد المفسر يقول أقوالًا كثيرة أصحها رواية البخاري التي تقول: "قال ناس من الجن كانوا يُعبدون، وفي رواية كان ناس من الإِنس يَعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسّك هؤلاء بدينهم". "ج ٣/ ٤٦"
فقال لي الشيخ: الحق معك، ففرحت بهذا الإعتراف الذي قاله الشيخ، وبدأتُ أتردُّدُ عليه وأجلس في غرفته، وفوجئت مرة كنت عنده فقال للحاضرين: إن الوهابية نصف كفار؛ لأنهم لا يؤمنون بالأرواح، فقلت في نفسي لقد بدل الشيخ رأيه وخاف على منصبه فافترى على الوهابية، والإِيمان بالأرواح لا يُنكره الوهابية؛ لأنها ثابتة في القرآن
стр. 1114
والحديث، ولكنهم ينكرون أن تكون للروح تصرفات كإغاثة الملهوف، وعون الأحياء، ونفعهم وضرهم؛ لأن من هذا الشرك الأكبر الذي ذكره القرآن عن الأموات بقوله:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. [فاطر: ١٣، ١٤]
فهذه الآية صريحة في أن الأموات لا يملكون شيئًا، وأنهم لا يسمعون دعاء غيرهم، وعلى فرض سماعهم لا يستطيعون الإِجابة، ويوم القيامة يكفرون بهذا الشرك الذي صرحت به الآية: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. "سورة فاطر"
стр. 1115
التعقيب على كتاب الخطيب
قال الشيخ صالح الفوزان:
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده: وبعد:
فقد اطلعت على كتاب عنوانه "الدعوة الوهابية؟ محمد بن عبد الوهاب العقل الحر والقلب السليم" للأستاذ عبد الكريم الخطيب.
والكتاب في جملله يتضمَّن دراسة تحليليَّة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من حيث الأسس التي قامت عليها، وطريقتها، وثمرتها، والحاجة إليها، وما قُوبِلت به من خصومها.
وهو كتاب جيد في بعض مواضيعه، وسَيّئٌ في مواضيع أُخرى منه، فقد أدركت عليه ملاحظات مهمَّة وخطيرة لا يسعني المرور بها دون تعليق عليها، بيانًا للحق، ونصحًا للخلق، وإنصافًا لهذه الدعوة المباركة، برد ما يُلْصِقُه بها أعداؤها من تُهم، وما يقذفونها به من شبهات، شأنها في ذلك شأن كل دعوة إصلاح.
ناهيك بما حصل لدعوة الرسول ﷺ على يد خصومها من ذلك.
ولعل الأستاذ الخطيب قد وقع في تلك الأخطاء تأثُّرًا بما يسمع أو يقرأ مما يمليه أو يلقيه خصوم هذه الدعوة، دون تنبُّه لأهدافهم وأغراضهم، وإن كان الأستاذ قد أزاح عن هذه الدعوة المباركة كثيرًا مما لفَّقه أعداؤها من شُبهات، لكنه أبقى على بعضها مما لولاه لكان كتابه جيَدًا مئة في المئة.
وكان الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم وفَّقه الله قد لاحظ على الأستاذ كثيرًا من تلك الأخطاء بملاحظات مختصرة طُبِعَت مع كتابه في طبعته الأخيرة دون أن يغيِّر من واقع تلك الأخطاء شيئًا، مما يدلُّ على إصراره عليها.
وهذا مما يؤكّد عليَّ تقديمِ ملاحظاتي هذه بدافع النصح وتجلية الحقيقة، لعل الأستاذ يعيد النظر في كتابه، فيُنَحِّي عنه تلك الهفوات ليَسْلَمَ من تَبِعتِها، ويُجنِّب القراء - خصوصًا الذين لا يعرفون هذه الدعوة معرفة جيِّدة عن الوقيعة فيها، فالرجوع إلى الحق خير من التَّمادي في الباطل.
وهذه الملاحظات بعضها جاء عرضًا في غير صميم الموضوع، وإليك بيانها بالتفصيل.
стр. 1116
الدعوة المحمدية
١ - تسميته لدعوة الشيخ بالدعوة الوهَّابية، وتسميته لأتباعه أيضًا بالوهَّابية.
- ولعل الأستاذ فعل ذلك مجاراة لخصوم الدعوة الذين ينبزونها بهذا اللقب لمقصد خبيث لم يتنَبّه له، فهذه التسمية - خطأ من ناحية اللفظ ومن ناحية المعنى:
أ - أما الخطأ من ناحية اللفظ، فلأن الدعوة لم تُنْسب في هذا اللقب إلى مَن قام بها -وهو الشيخ محمد-، وإنما نُسبت إلى عبد الوهاب -الذي ليس له أي مجهود فيها-، فهي نسبة على غير القياس العربي، إذ النسبة الصحيحة أن يقال:
(الدعوة المحمَّدية).
لكن الخصوم أدركوا أن هذه النسبة حسنة لا تُنَفِّر عنها، فاستبدلوها بتلك النسبة المزيَّفة.
ب - وأما الخطأ من ناحية المعنى، فلأن هذه الدعوة لم تخرج عن نهج مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، فكان الواجب أن يقال: (الدعوة السلفية).
لأن القائم بها لم يبتدع فيها ما يُنْسَب إليه، كما ابتدعِ دعاة النِّحَل الضالَّة من الِإسماعيلية والقرمطيَّة، إذ هذه النِّحَل الضَّالَّة لو سُمِّيَت سلفية، لأبى الناس والتاريخ هذه التسمية؛ لأنها خارجة عن مذهب السلف، ابتدعها من قام بها.
فالنسبة الصحيحة لفظًا ومعنى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يُقال: الدعوة المحمَّدية، أو الدعوة السلفية.
لكن لما كانت هذه النسبة تغيظ الأعداء؛ حرَّفوها، ولذلك لم تكن الوهابية معروفة عند أتباع الشيخ، وإنما ينبزهم بها خصومهم، بل ينبزون بها كل مَن دان بمذهب السلف، حتى ولو كان في الهند أو مصر وإفريقية وغيرها، والخصوم يريدون بهذا اللقب عزل الدعوة عن المنهج السليم، فقد أخرجوها منٍ المذاهب الأربعة، وعدُّوها مذهبًا خامسًا: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. [البقرة: ١٠٩]
стр. 1117
الخلاف بين الصحابة
٢ - قال الأستاذ في (ص ١٢):
"فالحرب التي دارت بين علي ومعاوية قد اختلط فيها الرأي بالهوى، والدين
بالسياسة".
- هكذا قال سامحه الله، مع أن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، وعدم الخوض فيما شجَرَ بينَهم؛ لأنهم في ذلك معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:
"ثم القدر الذي ينكر مِن بعضهم قليل نَزْرٌ مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإِيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومَن نظر في سيرة القوم -بعلم وبصيرة- وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء".
стр. 1118
أسماء الله توقيفية
٣ - وفي (ص ٢٠) لما تحدَّث عن الكائنات، قال:
"لا بدَّ من قوة وراء هذه الظواهر جميعها، لا بد من موجد لها، قائم عليها، منظِّم لوجودها، ممسك ببقائها، سمِّ هذه القوة ما شئت من أسماء، وبأية لغة، وعلى أي لسان، إنها (الله)، خالق الكون، ومدبِّر الوجود، وهذا ما يسمَّى بالتوحيد، أي: الإِيمان بالقوة الواحدة المُوجدَة لكل شيء، والمتصرفة في كل شيء" اهـ.
ولنا على هذه الجملة ملاحظتان:
الأولى: أنه جوَّز أن يسمَّى الله قوَّة وهذا خطأ؛ لأن أسماء الله توقيفية، فلا يسمَّى إلا بما سمَّى به نفسه، أو سماه به رسوله، وقد سمَّى نفسه بالقوي، كما قال تعالى:
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. [الشورى: ١٩]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. [هود: ٦٦]
والقوة صفته، كما قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. [الذاريات: ٥٨]
فالقويُّ: اسمه، والقوَّة صفته سبحانه، وهناك فرقٌ بين الإسم والصفة.
ثم إنه لا يجوز لنا أن نسمي الله بما شئنا من أسماء؛ لأن أسماءَه توقيفية، فلا نسمّيه إلا بما سمَّى به نفسه.
стр. 1119
هل يكفي توحيد الربوبية
الملاحظة الثانية: أنه فسَّر التوحيد بأنه الإقرار بأن الله هو مدبِّر الوجود وموجده، فإن أراد أن هذا هو توحيد الرُّبوبية، فهذا صحيح، لكن هذا التوحيد لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، ولا يدخل صاحبه في الإِسلام، ولا يعصم دمه وماله؛ لأن الكفار يقرُّون بهذا وهم الكفار.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. [الزخرف: ٨٧]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. [العنكبوت: ٦١]
وإن أراد أن هذا هو التوحيد المطلق المطلوب من الخلق، فهذا خطأ واضح، لما ذكرنا من أن الكفار أقرُّوا به ولم ينفعهم في الدنيا، ولا ينفعهم في الآخرة، وسمَّاهم الله كفارًا لمَّا لم يُقِرُّوا بتوحيد الإِلهيِّة الذي هو عبادته وحده لا شريك له.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقَترِنْ به إقرارً بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر".
وقال أيضًا: "وقد أخبر الله سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بيَّنَه في كتابه فقال:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. [الزمر: ٣٨]
وذكر آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال:
وبهذا وغيره يُعْرَف ما وقع من الغلط في مسمَّى التوحيد، فإن عامة المتكلِّمين الذين يُقَرِّرُون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد. . . ويظنُّون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو
стр. 1120
معنى قولنا: (لا إله إلا الله)، حتى يجعلوا معنى الإِلهيَّة القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعِثَ إليهم رسول الله ﷺ أولًا لم يكونوا يخالِفونه في هذا، بل كانوا يُقِرُّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانو يُقِرُّون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون" اهـ.
стр. 1121
التناقض في كتاب الخطيب
٤ - وفي (ص ٧٤ - ٧٥) يقول الأستاذ:
"بدأت الدعوة (يعني: دعوة الشيخ) حادة عنيفة مطبوعة بطابع التطرف والمغالاة، فكان طبيعيًا أن يلقاها الناس بعناد وتطرُّف، ومثل هذا لا يجعل للسلم مجالًا بين الطرفين المتقابلين. . .". إلى أن قال:
"بدأت (يعني: الدعوة) بإنكار المجتمع الإِسلامي كله، فالمسلمون جميعًا في نظر الوهابيِّين قد انسلخوا عن الإِسلام بما أدخلوا على دينهم من بدع ومحدثات، كالتوسل بغير الله، ورفع القباب على قبور الموتى ممن يعتقد فيهم الصلاح، وهذا لون من الشرك بالله، وفي هذا بعض الحق، ولكنْ فيه كثيرٌ من المبالغة والغلو. . .". إلى أن قال:
"كان لا بدَّ أن يحدث هذا (يعني: شدة الخلاف بينهم وبين غيرهم) بعد أن وضع الوهَّابيون دعوتهم في هذا الإِطار الذي يحصر الإِسلام في دعوتهم، ويجعل كل مَن انحرف عنها منحرفًا عن الإِسلام، داخلًا في مداخل الكفر والِإلحاد، ونجد هذا واضحًا في الكتب التي ألَّفها علماء الوهَّابيين" اهـ.
- والجواب أن نقول: هكذا يصف الأستاذ دعوة الشيخ بهذه الأوصاف:
أ - الغلو والتطرف والعنف.
ب - تكفير جميع المسلمين، وحصر الإِسلام في تلك الدعوة، وتكفير من انحرف عنها.
جـ - أن كتب علماء الوهَّابية تشتمل على تكفير المسلمين.
وجوابنا على ذلك أن نقول:
أولًا: قد تناقض الأستاذ في كتابه هذا تناقضًا واضحًا في موضوع دعوة الشيخ، فبينما هو يصفها بهذه الصفات المنفِّرة التي ربما يكون قد قرأها من كتب خصومها، أو سمعها من أفواههم، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، بينما هو يُسَطِّرُ هذه الصفات هنا، إذا هو في آخر كتابه يقول في (ص ١١١ - ١١٢):
"ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب، إنها تستند إلى الحق، وتدعو له، وتعمل في سبيله، ولهذا كانت دعوة مباركة، وفيرة الثمر، كثيرة الخير، لقد قام
стр. 1122
صاحبها يدعو إلى الله لا يبتغي بهذا جاهًا، ولا يطلب سلطانًا، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان على جوانبه.
ولقد اصطدمت هذه الدعوة وهي وليدة في مهدها بقوة عاتية، لو لم تكن تستند إلى أصول ثابتة من الحق، وتقوم على دعائم قوية من الإِيمان، لقضي عليها من أول صدمة، وَلَماَ واصلت سيرها في الحياة، ولما بقي منها في قلوب الناس أثر يُنْتَفَع
إلى أن قال: "لقد وقف أتباع هذه الدعوة وقفة لا يمكن أن توصف بأقل من مواقف الشهداء من أتباع الأنبياء وحوارييهم. . .".
إلى أن قال بعدما ذكر موقفهم من حملة إبراهيم باشا:
"وهكذا الدعوات الخالصة والمبادىء السليمة أشبه بالمعادن الكريمة، تزيدها النار وهجًا وبريقًا، وكالنبت الطيب يزيده الحريق أريجًا وطيبًا، فلقد كانت هذه الدماء الزكية التي أُريقت في سبيل الدعوة أكرم على الله من أن تذهب هدرًا، أو تضيع هباء، ولقد كانت غذاء طيبًا لتلك الشجرة المباركة، فزكت وأينعت وأطلعت أطيب الثمرات. . .".
هذا ما قاله الأستاذ في ثنائه على دعوة الشيخ وتزكيتها.
فهل تراه نسي ما كتبه قبل ذلك من وصفها بتلك الصفات المنفِّرة: الغلو، والتطرف، وتكفير جميع المسلمين؟!
كيف نجمع بين طرفي كلامه وهما نقيضان، والجمع بين النقيضين، مستحيل، فكيف يجتمع في دعوة الشيخ هذا وذاك؟!
ثانيًا: إذا كانت دعوة الشيخ هي الحق، كما شهد به الأستاذ وغيره، وكما هو الواقع الذي لا شك فيه، فما خالفها، فهو الباطل قطعًا، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلَالُ﴾. [يونس: ٣٢]
وليست هذه المخالفة في مسألة اجتهادية فرعية، بل في صميم العقيدة.
فهل يرى الأستاذ جهاد المخالف الذي أصر على مخالفته وعاند؛ هل يرى جهاده في سبيل العقيدة غُلُوًّا وعُنفًا وتَطَرفًا؟.
إذًا، فأين موضوع الجهاد في سبيل الله؟.
وهل الشيخ وأتباعه جاهدوا إلا لأجل تصحيح العقيدة والقضاء على الشرك؟ وهل جاهد الرسول ﷺ وأصحابه من قبل إلا لأجل هذا؟!
стр. 1123
الدعوة لا تكفر المسلمين
ثالثًا: وأما دعواه أن مِن سِماتِ الدعوة تكفير المسلمين، فلنترك الجواب عنها للشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه.
قال ﵀ في رسالته إلى السويدي -عالم من أهل العراق كان قد أرسل إليه كتابًا، وسأله عما يقول الناس فيه- فأجاب بهذه الرسالة، ومنها:
"وأخبرك أني ولله الحمد مُتَّبع، ولستُ بمُبتَدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكنِّي بيَّنتُ للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء (الغائبين) والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعْبَد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرَّب ولا نبيُ مرسل، وهو الذي دَعَتْ إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. . .".
إلى أن قال ﵀: "ومنها ما ذكرتُم أنِّي أكفِّر جميع الناس إلا من اتَّبعني، وأزعم أن أنكِحَتَهم غير صحيحة، ويا عَجَبًا! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! هل يقول هذا مسلم؟! إني أَبرأْ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مُختلِّ العقل".
ثم قال: "وأما التكفير، فأنا أكفَر مَن عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبَّه، ونهى عنه، وعادى مَن فعله، فهذا هو الذي أُكفِّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك" وقال ﵀ في رسالة له: "وأما ما ذُكِرَ لكم عني، فإني لم آته بجهالة، بل أقول - ولله الحمد والمنة، وبه القوة:
ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أُعظمهم، مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أُمته وآخِرَهم، وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أَشْهِدُ الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم من الحق، لأقبلنَّه على الرأس والعين، ولأَضرِبَنَّ الجدار بكل ما خالفه من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقول إلا الحق" اهـ.
стр. 1124
التثبت واجب
إنه يجب عليك أيها الأستاذ أن تحاسِبَ نفسك على ما تقول وتكتب، ولا ترسل القول جزافًا، وأن تتثبَّت قبل أن تصدر الحكم؛ عملاً بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. [الحجرات: ٦]
رابعًا: وأما دعواه أن كتب علماء الوهَّابية تشتمل على تكفير المسلمين إلا مَن كان يدين بدعوتهم، فنحن نطالبه أن يُبرز لنا كتابًا واحدًا من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو من كتب أبنائه وأحفاده وكتب تلاميذهم. . . إلى يومنا هذا يُصَدِّق ما نسبه إليهم من تكفيرهم للمسلمين.
وبالجملة؛ فالأستاذ وصف دعوة الشيخ بصفات مذهب الخوارج: الغلُو، والتطرف، والعنف، وتكفير المسلمين، وحصر الإِسلام فيهم.
من أين استقى هذه المعلومات الخاطئة عن الدعوة؟!
لا بد أنه استقاها من كتب خصومها، وما هذا شأن الباحث المنصف، فضلًا عن العالم المسلم الذي يعلم أنه سيحاسَب بين يدي الله عن كل كلمة يقولها أو يكتبها.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. [ق: ١٨]
٥ - ويقول الأستاذ في (ص ٨٢): "وإذن؛ فنستطيع أن نقول: إن هذه الدعوة مهما كان اتصالها بالسياسة، فقد بقي اللون الغالب عليها هو الدين، وظل صاحب الدعوة هو صاحب الكلمة في المجتمع الذي استجاب له بما فيه من حكام ومحكومين. . . إلخ".
- ونقول له: هل الدين منفصل عن السياسة؟!
إن الدين فيه السياسة الصحيحة، والشريعة الإِسلامية دين ودولة، فالسياسة الصحيحة لا تقوم إلا على الدين.
стр. 1125
هدم معالم الشرك
٦ - في (ص ٩٣) يتكلَّم الأستاذ في موضوع هدم القباب المقامة على القبور، فيقول: "وقد بدأ هذا العمل صاحبُ الدعوة محمد بن عبد الوهاب، فهدم القبة المقامة على قبر زيد بن الخطاب، ثم تلا ذلك هدم كثير من قباب الصحابة والتابعين، ثم تجاوز هذا إلى قبر الرسول الكريم وإلى الكعبة الشريفة، فحالوا بين الناس ويين التمسُّح بهما والتماس البركة منهما، وكان ذلك هو الذي أثار ثائرة المسلمين في كل مكان، وعدُّوا من أجله الوهَّابيين حربًا على الإِسلام؛ لأنهم لا يقدسون مقدساته، ولا يوقرون حرماته".
- والجواب على ذلك أن نقول: إن هدم القباب المقامة على القبور هو واجب جميع المسلمين، تنفيذًا لأمر الرسول ﷺ ، حيث قال: "لا تَدَعْ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيته". "رواه مسلم"
وأما التمسُّح بالكعبة، فالوارد عن رسول الله ﷺ هو استلام الحجر الأسود، وتقبيله، واستلام الركن اليماني دون بقية الأركان.
ولهذا أنكر ابن عباس ﵄ على معاوية ﵁ لما كان يستلم أركان الكعبة كلها، ويقول: ليس من البيت شيء مهجور، وذكر له ابن عباس فعل الرسول ﷺ ، وتلا عليه هذه الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]
فتراجع معاوية ﵁ عن رأيه اتِّباعًا للرسول ﷺ ، وقال صدقت.
وهذا شأن المسلم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. [الأحزاب: ٣٦]
فادعاء الأستاذ أن علماء الدعوة يمنعون التمسح بالكعبة مطلقًا ادعاء خاطئ، وأما التمسح بقبر الرسول ﷺ ، فهو حرام، ووسيلة من وسائل الشرك، وكذا التمسح بقبر غيره من باب أولى، والمنع من ذلك واجب، وهو من محاسن الدعوة لا مِن مثالبها.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى".
"وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم، فلا يُقَبَّل، ولا يُتَمَسَّح به باتفاق المسلمين المتبَّعين للسنة المتواترة عن النبي ﷺ ، فإذا لم يكن التمسُّح بذلك وتقبيله مستحبًّا، فأولى أن لا يُقَبَّل ولا يتمسح بما هو دون ذلك.