التناقض في كتاب الخطيب
٤ - وفي (ص ٧٤ - ٧٥) يقول الأستاذ:
"بدأت الدعوة (يعني: دعوة الشيخ) حادة عنيفة مطبوعة بطابع التطرف والمغالاة، فكان طبيعيًا أن يلقاها الناس بعناد وتطرُّف، ومثل هذا لا يجعل للسلم مجالًا بين الطرفين المتقابلين. . .". إلى أن قال:
"بدأت (يعني: الدعوة) بإنكار المجتمع الإِسلامي كله، فالمسلمون جميعًا في نظر الوهابيِّين قد انسلخوا عن الإِسلام بما أدخلوا على دينهم من بدع ومحدثات، كالتوسل بغير الله، ورفع القباب على قبور الموتى ممن يعتقد فيهم الصلاح، وهذا لون من الشرك بالله، وفي هذا بعض الحق، ولكنْ فيه كثيرٌ من المبالغة والغلو. . .". إلى أن قال:
"كان لا بدَّ أن يحدث هذا (يعني: شدة الخلاف بينهم وبين غيرهم) بعد أن وضع الوهَّابيون دعوتهم في هذا الإِطار الذي يحصر الإِسلام في دعوتهم، ويجعل كل مَن انحرف عنها منحرفًا عن الإِسلام، داخلًا في مداخل الكفر والِإلحاد، ونجد هذا واضحًا في الكتب التي ألَّفها علماء الوهَّابيين" اهـ.
- والجواب أن نقول: هكذا يصف الأستاذ دعوة الشيخ بهذه الأوصاف:
أ - الغلو والتطرف والعنف.
ب - تكفير جميع المسلمين، وحصر الإِسلام في تلك الدعوة، وتكفير من انحرف عنها.
جـ - أن كتب علماء الوهَّابية تشتمل على تكفير المسلمين.
وجوابنا على ذلك أن نقول:
أولًا: قد تناقض الأستاذ في كتابه هذا تناقضًا واضحًا في موضوع دعوة الشيخ، فبينما هو يصفها بهذه الصفات المنفِّرة التي ربما يكون قد قرأها من كتب خصومها، أو سمعها من أفواههم، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، بينما هو يُسَطِّرُ هذه الصفات هنا، إذا هو في آخر كتابه يقول في (ص ١١١ - ١١٢):
"ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب، إنها تستند إلى الحق، وتدعو له، وتعمل في سبيله، ولهذا كانت دعوة مباركة، وفيرة الثمر، كثيرة الخير، لقد قام
стр. 1122
صاحبها يدعو إلى الله لا يبتغي بهذا جاهًا، ولا يطلب سلطانًا، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان على جوانبه.
ولقد اصطدمت هذه الدعوة وهي وليدة في مهدها بقوة عاتية، لو لم تكن تستند إلى أصول ثابتة من الحق، وتقوم على دعائم قوية من الإِيمان، لقضي عليها من أول صدمة، وَلَماَ واصلت سيرها في الحياة، ولما بقي منها في قلوب الناس أثر يُنْتَفَع
إلى أن قال: "لقد وقف أتباع هذه الدعوة وقفة لا يمكن أن توصف بأقل من مواقف الشهداء من أتباع الأنبياء وحوارييهم. . .".
إلى أن قال بعدما ذكر موقفهم من حملة إبراهيم باشا:
"وهكذا الدعوات الخالصة والمبادىء السليمة أشبه بالمعادن الكريمة، تزيدها النار وهجًا وبريقًا، وكالنبت الطيب يزيده الحريق أريجًا وطيبًا، فلقد كانت هذه الدماء الزكية التي أُريقت في سبيل الدعوة أكرم على الله من أن تذهب هدرًا، أو تضيع هباء، ولقد كانت غذاء طيبًا لتلك الشجرة المباركة، فزكت وأينعت وأطلعت أطيب الثمرات. . .".
هذا ما قاله الأستاذ في ثنائه على دعوة الشيخ وتزكيتها.
فهل تراه نسي ما كتبه قبل ذلك من وصفها بتلك الصفات المنفِّرة: الغلو، والتطرف، وتكفير جميع المسلمين؟!
كيف نجمع بين طرفي كلامه وهما نقيضان، والجمع بين النقيضين، مستحيل، فكيف يجتمع في دعوة الشيخ هذا وذاك؟!
ثانيًا: إذا كانت دعوة الشيخ هي الحق، كما شهد به الأستاذ وغيره، وكما هو الواقع الذي لا شك فيه، فما خالفها، فهو الباطل قطعًا، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلَالُ﴾. [يونس: ٣٢]
وليست هذه المخالفة في مسألة اجتهادية فرعية، بل في صميم العقيدة.
فهل يرى الأستاذ جهاد المخالف الذي أصر على مخالفته وعاند؛ هل يرى جهاده في سبيل العقيدة غُلُوًّا وعُنفًا وتَطَرفًا؟.
إذًا، فأين موضوع الجهاد في سبيل الله؟.
وهل الشيخ وأتباعه جاهدوا إلا لأجل تصحيح العقيدة والقضاء على الشرك؟ وهل جاهد الرسول ﷺ وأصحابه من قبل إلا لأجل هذا؟!
стр. 1123
الدعوة لا تكفر المسلمين
ثالثًا: وأما دعواه أن مِن سِماتِ الدعوة تكفير المسلمين، فلنترك الجواب عنها للشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه.
قال ﵀ في رسالته إلى السويدي -عالم من أهل العراق كان قد أرسل إليه كتابًا، وسأله عما يقول الناس فيه- فأجاب بهذه الرسالة، ومنها:
"وأخبرك أني ولله الحمد مُتَّبع، ولستُ بمُبتَدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكنِّي بيَّنتُ للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء (الغائبين) والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعْبَد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرَّب ولا نبيُ مرسل، وهو الذي دَعَتْ إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. . .".
إلى أن قال ﵀: "ومنها ما ذكرتُم أنِّي أكفِّر جميع الناس إلا من اتَّبعني، وأزعم أن أنكِحَتَهم غير صحيحة، ويا عَجَبًا! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! هل يقول هذا مسلم؟! إني أَبرأْ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مُختلِّ العقل".
ثم قال: "وأما التكفير، فأنا أكفَر مَن عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبَّه، ونهى عنه، وعادى مَن فعله، فهذا هو الذي أُكفِّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك" وقال ﵀ في رسالة له: "وأما ما ذُكِرَ لكم عني، فإني لم آته بجهالة، بل أقول - ولله الحمد والمنة، وبه القوة:
ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أُعظمهم، مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أُمته وآخِرَهم، وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أَشْهِدُ الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم من الحق، لأقبلنَّه على الرأس والعين، ولأَضرِبَنَّ الجدار بكل ما خالفه من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقول إلا الحق" اهـ.
стр. 1124
التثبت واجب
إنه يجب عليك أيها الأستاذ أن تحاسِبَ نفسك على ما تقول وتكتب، ولا ترسل القول جزافًا، وأن تتثبَّت قبل أن تصدر الحكم؛ عملاً بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. [الحجرات: ٦]
رابعًا: وأما دعواه أن كتب علماء الوهَّابية تشتمل على تكفير المسلمين إلا مَن كان يدين بدعوتهم، فنحن نطالبه أن يُبرز لنا كتابًا واحدًا من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو من كتب أبنائه وأحفاده وكتب تلاميذهم. . . إلى يومنا هذا يُصَدِّق ما نسبه إليهم من تكفيرهم للمسلمين.
وبالجملة؛ فالأستاذ وصف دعوة الشيخ بصفات مذهب الخوارج: الغلُو، والتطرف، والعنف، وتكفير المسلمين، وحصر الإِسلام فيهم.
من أين استقى هذه المعلومات الخاطئة عن الدعوة؟!
لا بد أنه استقاها من كتب خصومها، وما هذا شأن الباحث المنصف، فضلًا عن العالم المسلم الذي يعلم أنه سيحاسَب بين يدي الله عن كل كلمة يقولها أو يكتبها.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. [ق: ١٨]
٥ - ويقول الأستاذ في (ص ٨٢): "وإذن؛ فنستطيع أن نقول: إن هذه الدعوة مهما كان اتصالها بالسياسة، فقد بقي اللون الغالب عليها هو الدين، وظل صاحب الدعوة هو صاحب الكلمة في المجتمع الذي استجاب له بما فيه من حكام ومحكومين. . . إلخ".
- ونقول له: هل الدين منفصل عن السياسة؟!
إن الدين فيه السياسة الصحيحة، والشريعة الإِسلامية دين ودولة، فالسياسة الصحيحة لا تقوم إلا على الدين.
стр. 1125
هدم معالم الشرك
٦ - في (ص ٩٣) يتكلَّم الأستاذ في موضوع هدم القباب المقامة على القبور، فيقول: "وقد بدأ هذا العمل صاحبُ الدعوة محمد بن عبد الوهاب، فهدم القبة المقامة على قبر زيد بن الخطاب، ثم تلا ذلك هدم كثير من قباب الصحابة والتابعين، ثم تجاوز هذا إلى قبر الرسول الكريم وإلى الكعبة الشريفة، فحالوا بين الناس ويين التمسُّح بهما والتماس البركة منهما، وكان ذلك هو الذي أثار ثائرة المسلمين في كل مكان، وعدُّوا من أجله الوهَّابيين حربًا على الإِسلام؛ لأنهم لا يقدسون مقدساته، ولا يوقرون حرماته".
- والجواب على ذلك أن نقول: إن هدم القباب المقامة على القبور هو واجب جميع المسلمين، تنفيذًا لأمر الرسول ﷺ ، حيث قال: "لا تَدَعْ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيته". "رواه مسلم"
وأما التمسُّح بالكعبة، فالوارد عن رسول الله ﷺ هو استلام الحجر الأسود، وتقبيله، واستلام الركن اليماني دون بقية الأركان.
ولهذا أنكر ابن عباس ﵄ على معاوية ﵁ لما كان يستلم أركان الكعبة كلها، ويقول: ليس من البيت شيء مهجور، وذكر له ابن عباس فعل الرسول ﷺ ، وتلا عليه هذه الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]
فتراجع معاوية ﵁ عن رأيه اتِّباعًا للرسول ﷺ ، وقال صدقت.
وهذا شأن المسلم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. [الأحزاب: ٣٦]
فادعاء الأستاذ أن علماء الدعوة يمنعون التمسح بالكعبة مطلقًا ادعاء خاطئ، وأما التمسح بقبر الرسول ﷺ ، فهو حرام، ووسيلة من وسائل الشرك، وكذا التمسح بقبر غيره من باب أولى، والمنع من ذلك واجب، وهو من محاسن الدعوة لا مِن مثالبها.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى".
"وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم، فلا يُقَبَّل، ولا يُتَمَسَّح به باتفاق المسلمين المتبَّعين للسنة المتواترة عن النبي ﷺ ، فإذا لم يكن التمسُّح بذلك وتقبيله مستحبًّا، فأولى أن لا يُقَبَّل ولا يتمسح بما هو دون ذلك.
стр. 1126
واتفق العلماء على أنه لا يستحبُّ لمن سلَّم على النبي ﷺ عند قبره أن يُقَبل الحجرة، ولا يتمسَّح بها، لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق، ولأنه قال ﷺ :
"اللهُمَّ لا تجعل قَبْري وَثَنًا يُعْبَد". "صحيح رواه أحمد"
وقال: "لا تَتَّخِذوا قبري عيدًا". "حسن رواه أحمد"
وقال: "إن مَن كان قبلكم كانوا يتَّخِذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". "رواه مسلم"
فإذا كان هذا دين المسلمين في قبر النبي ﷺ الذي هو سيد ولد آدم، فقبر غيره أولى أن لا يُقَبَّل ولا يُسْتَلَم). "جـ ٢٧/ ١٢٦"
وقال أيضًا: "ولا يُستَلَم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين؛ فإن النبي ﷺ إنما استلمهما خاصة؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت، فالركن الأسود يُستلم ويُقبَّل، واليماني يُستلم ولا يُقبَّل، والآخران لا يُستلمان ولا يُقبلان، والاستلام هو مسح باليد، وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء والصالحين وصخرة بيت المقدس، فلا تستلم، ولا تُقبَّل باتفاق الأئمة" اهـ. "جـ ٢٦/ ١٢١"
فالتبرك بالبقاع والقبور والآثار إذا كان القصد منه التعلُّق على غير الله في حصول البركة وطلبها من غيره فهذا شركٌ، فماذا على علماء الدعوة إذا حالوا بين الناس وبين الشرك ووسائله نصحًا للخلق وغَيرة للحق؟!
стр. 1127
الدين ينكر البدع
ثم يعدُّ الأستاذ منع التمسح بقبر الرسول ﷺ تعريضًا لمقامه وقبره للأذى. "انظر صفحة ٩٤ من كتابه"
ويا سبحان الله! إن الذي يؤذي الرسول حقيقة هو الذي يجعل قبره وثنًا يُعبد، ويرتكب ما نهى عنه، أو يدافع بلسانه وقلمه عمَّن يفعل ذلك.
وقوله: "وكان ذلك هو الذي أثار ثائرة المسلمين في كل مكان. . ." إلخ، قولٌ فيه مجازفة وتقوُّل على المسلمين، فالمسلمون بالمعنى الصحيح يؤيدون علماء الدعوة في ذلك، ولا ينكره إلا الجهال الذين لا يعرفون من الإِسلام إلا اسمه، أو المعاندون من عُبّاد القبور، وهؤلاء وأولئك لا اعتبار لإِنكارهم في ميزان الحق ومجال النقد.
ثم الدَّاعية إلى الحق لا بدَّ أن يُعادَى وتُحاكُ ضدُّه التُّهم، ولنا بما جرى لسيدنا محمد ﷺ وبما جرى لإِخوانه النبيِّين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وما جرى على أتباعهم، لنا في ذلك أكبر أسوة وأعظم عبرة.
ثم إن الأستاذ أراد أن يلطِّف الموضوع، ويغطِّي ما مر في كلامه من شطحات،
فقال:
"إن هذه الأمور (يعني: الأمور التي أنكرها الشيخ) بمنزلة ورم خبيث يحتاج إلى يد نطاسي بارع للقضاء عليه"؟!
٧ - ثم يقول: "ولو أن الوهَّابية قد أخذت الأمر مأخذًا هيِّنًا، ودعت أول ما دعت إلى ترك البدع الصارخة، كالزار والتمائم وغير ذلك مما كان يعيش عليه كثير من المسلمين في ذلك الحين، ولو أن الوهابيِّين فعلوا هذا، لكان تمهيدًا طيّبًا ومقدمة ناجحة لما تنطوي عليه دعوتهم من تحرير العقل الإِسلامي وتحرير العقيدة الإِسلامية مما غشيها من جهل وضلال".
هكذا يرى الأستاذ طريقة الدعوة الناجحة أن يترقَّى بها من الأدنى إلى الأعلى، بحيث يبدأ بإنكار البدع أولًا،. ثم بإنكار الشرك. ولنا على ذلك ملاحظتان:
стр. 1128
الأولى: عده التمائم من البدع، مع أنها قد تكون شركًا إذا اعتقد معلقها أنها تدفع الشر بذاتها، وكذا إذا كان فيها ألفاظ شركية، قال ﷺ :
"إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلة شِرْكٌ" "صحيح رواه أحمد وغيره"
الثانية: إن هذه الطريقة التي وصفها للدعوة مخالفة لطريقة الرسول ﷺ ، فالرسول أول ما بدأ بإنكار الشرك، فلبث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد وإنكار الشرك قبل أن يأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، والنهي عن البدع إنما يكون بعد صلاح العقيدة، بحيث يبدأَ بالأهم فالأهم، بل هذه طريقة جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كل نَبِيٍّ أول ما يبدأ قومه بقوله:
﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. [الأعراف: ٥٩]
٨ - يتكلَّم الأستاذ عن الإستعانة بالمخلوق، فيقول:
"إن الإنسان الذي يؤمن بالله ويضمُّ قلبه على توحيده لا يخلو أبدًا في حالات مختلفة من أن ينظر من غير قصد إلى غير الله فيما يطرقُه من أحداث ذلك في الوقت الذي لا يخلى فيه قلبه من ذكر الله والإِيمان بتفرده بالألوهية، ونحن نرى أن مثل هذه الإلتفاتات العارضة لا يمكن أن تقطع الطريق على المسلم، وأن تعزله عن ربه، وتسلكه في عداد الكافرين الملحدين، كما تقول بذلك الدعوة الوهابية، فأي إنسان لا تخف نفسه من غير قصد إلى التماس العون من ذوي الجاه وأصحاب السلطان؟. . .".
إلى أن قال: "فهل لو أُلقي مسلمٍ اليوم في النار، ثم جاءه أحدٌ يَمُدُّ إليه يد الخلاص، أيكون هذا المسلم كافرًا أو ملحدًا إذا قبل العون؟!
إن التوحيد الخالص على الوجه الذي تُصَوِّرُهُ الدعوة الوهَّابية يُحتِّم على مثل هذا الإِنسان ألا يستعين بغير الله.
فكيف الأمر إذن وصاحب الدعوة نفسه قد مدَّ يده إلى أمير العُيينة أولًا، ثم إلى الأمير محمد بن سعود ثانيًا؟!
فهل في هذا ما ينقص التوحيد أو يفسد العقيدة؟! فإن الأخذ بالأسباب أمر يدعو إليه العقل، ويزكيه الدين، وغاية ما في الأمر أن يَضِلَّ بعض الناس عن جهل عن الإتجاه إلى الأسباب السليمة المتَّصلة بالمسببات، وذلك ما يمكن أن نفسر به تعلُّق بعض الجهلة بالأضرحة ونحوها، أنهم ضَلُّوا الطريق، فلم يتعرَّفوا على الأسباب الصحيحة، ومثل هذا يوصف بالجهل، ولا يتَّهم صاحبه بالكفر والخروج عن الدين" اهـ "ص ١٠١"
стр. 1129
وقد كرَّر الأستاذ كلمة: "من غير قصد" فهل مراده أن هذه الأشياء التي ذكرها تصدر من نائم أو ناس أو مجنون أو غير مميّز أو مكره؟! فكل من هؤلاء مرفوع عنه القلم بنصوص الأحاديث، فلا داعي إلى هذا التطويل.
وماذا يقصد بالإلتفاتة العارضة إلى غير الله التي نسب إلى الدعوة الوهابية تكفير مَنْ فعلها؟! إن كان قصده الالتفات بطلب الحاجات وتفريج الكربات إلى الأموات والغائبين؛ فهذا كفر بإجماع المسلمين، ليس في الدّعوة الوهابية فحسب؛ لأنه دعاء لغير الله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]
والآيات في هذا كثيرة.
стр. 1130
الإستعانة الجائزة
وإن قصد بهذا الالتفات الإستعانة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه كما يظهر من قوله: "فأي إنسان لم تخف نفسه من غير قصد إلى التماس العون من ذوي الجاه والسلطان"؛ فهذا مباحٌ، وقد تجنى الأستاذ على دعوة الشيخ في قوله:
إنها تكفِّر مَنْ فعل ذلك وتعدُّه ملحدًا.
وهو يردّ على نفسه ويتناقض في قوله حين يقول: "وصاحب الدعوة قد مد يده إلى أمير العُيينة أولًا، ثم إلى الأمير محمد بن سعود ثانيًا".
فقد ردَّ على نفسه فيما نسبه إلى هذه الدعوة، ونحن نزيده بيانًا في هذه المسألةُ من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث يقول ﵀ في كشف الشبهات ما نصه:
"فإن الإستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها؛ كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾
وكما يستغيث الإِنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم، في الأشياء التي لا يقدر عليها إِلا الله" اهـ.
وأما قوله عن تعلُّق بعض الجهلة بالأضرحة: "إنهم ضلوا الطريق، فلم يتعرَّفوا على الأسباب الصحيحة، ومثل هذا يوصف بالجهل، ولا يُتَّهم صاحِبه بالكفر والخروج عن الدين"
فنقول له: من تعلق على الأضرحة عن جهل؛ بُيِّن له الحق، ودُعِي إلى التوحيد، فإن أصر على التعلّق بالأضرحة بعد ذلك؛ يستغيث بها، ويطلب الحاجات منها؛ فهو كافر خارج عن الدين؛ كشأن المشركين الأوَّلين الذين دعاهم رسول الله ﷺ إلى التوحيد، فأبوا، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾؛ لأن الجهل يَزُولُ بالبيان، ولا يبقى على الضَّلَالِ بعد البيان إِلا معاندٌ للحق.
стр. 1131
رد الإتهام بالتكفير
٩ - وفي الصفحات (١٠٣ و ١٠٤ و ١٠٥) يكتب الأستاذ كلامًا معناه أن الوهابية تسارع إلى تكفير الناس بتعليقهم التمائم، وتمسُّحهم بالأضرحة، مع كثرة من يفعل ذلك، وخطورة التكفير وقسوته، وكون من يفعل هذه المخالفات فعلها عن جهل، ومِنْ أنه يُمكن العلّاج عن طريق النصح والإِرشاد .. إلخ.
ونحن نجيب الأستاذ عن ذلك بما سبق أن شرحناه بأن علماء الدعوة لا يُكفِّرون الناس بمجرد تعليق التمائم، والتمسح بالأضرحة مطلقًا، بل في ذلك تفصيل:
فمَن علَّق التميمة أو تمسَّح بالضريح يعتقد في ذلك جلب النفع ودفع الضر من دون الله؛ فهذا شرك.
ومن فعله يعتقده سببًا من الأسباب فقط مع اعتقاده أن جلب النفع ودفع الضر من الله؛ فهو محرم، ووسيلة من وسائل الشرك.
ومن فعل ذلك جاهلًا؛ بُيَن له، وأرشد، فإن استمر بعد ذلك، مُنع منه بالقوة.
وكثرة من يفعله ليست حجة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "الأنعامَ آية ١١٦"
وأما كون التكفير فيه قسوة وخطورة؛ فذلك لا يمنع من إطلاقه على مَنْ اتَّصف به، وعلماء الدعوة -والحمد لله- لا يكفِّرون إِلا مَنْ كفَّره الله ورسوله.
وأما قول الأستاذ: "إنه بعد أن انتشر العلم في المجتمع الإِسلامي، وخلصت العقول من تصورات الجهل؛ ذهبت أو كادت تذهب كل هذه الصور التي كانت تعيش في المجتمع الإِسلامي؛ من تعظيم القبور، والتمسح بالأضرحة"؛ فهذا كلام ينقضُه الواقع، وما قبر أحمد البدوي، ومشهد الحسين، وغيرهما ... وما يُفعل عند هذه الأضرحة الآن من الشرك الأكبر بخافٍ على الأستاذ، ولا بعيد عن بلده.
стр. 1132
الدعوة لا تقوم على العنف
١٠ - قد أكثر الأستاذ من وصف الدعوة بالحدة والعنف والمبالغة والغلو والتعصب والخطأ في أسلوبها، وهذه صفات ذميمة قد برَّأ الله الدعوة منها، فهي ولله الحمد دعوة حكيمة صافية مبنيَّة على العلم النافع والجهاد الصادق والصبر؛ أسوة برسول الله ﷺ ، وترسُّمًا لخطاه.
وسأنقل فقرات مما كتبه الأستاذ في صفحات متعددة ما كان ينبغي له أن يكتبها: ففي (ص ٧٤) يقول:
"بدأت الدعوة حادة عنيفة مطبوعة بطابع التطرف والمغالاة ... فلقد بدأت الدعوة بما كان يجب أن تنتهي إليه، بل بأكثر مما كان يجب أن تنتهى إليه، بدأت بإنكار المجتمع كله".
ويقول في (ص ٧٦):
"كان ينبغي أن تسلك الدعوة مسلكًا أسلم عاقبة من هذا، لو أنها بدأت أقل عنفًا مما كانت عليه".
ويقول في (ص ٨١):
"ولكن تعَصَّبَ الوهابيِّين (كذا! والصواب: الوهَّابيون) لرأيهم فبالغوا فيه، وتعصَّب عليهم المجتمع الاسلامي في جملته، فأنكر دعوتهم".
وفي (ص ٩٣) يقول:
"وفي الحق أن الدعوة الوهابية في بَدْئِهَا قد. أخطات خطأ بيِّنًا في أخذ الناس بهذا الأسلوب الحاد العنيف؛ دون أن تُدْخِل في حسابها الأثر النفسي الذي يطغى على شعور المسلمين".
وفي (ص ٩٥) يقول:
"فموضوع الدعوة سليم غاية السلام، ولكن في أسلوبها بعدٌ كثيرٌ عن أساليب التربية" وفي (ص ١٠٣) يقول:
"ونقول: إن هذه المبالغة وهذا الغلو في تنقية العقيدة الإِسلامية من رواسب الشرك قد وسَّعَت هُوَّة الخلاف بين جمهور المسلمين والوهابيِّين" اهـ.
- والجواب أن نقول للأستاذ: من أي مرجع اسْتَقَيْتَ هذه المعلومات وعرفت هذه الصفات عن الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه؟ "
стр. 1133
هل وجدت في كتب أصحابها ما يسوِّغ قولك" فها هي - ولله الحمد - موجودة وميسورة، دُلَّنا على وأحد منها يُصدِّق ما تقول.
أم تَلَقيْتَ ذلك من كتب خصومها؟ فما كان يجوز لك أن تحكم على الخصم اعتمادًا على كلام خصمه.
ثم قوله: "إن المجتمع الإِسلامي بأسره أو معظمه قام في وجه هذه الدعوة ورفضها" قول مردود، فهذه كتب علماء المسلمين بالعشرات والمئات تُثْني على هذه الدعوة وتناصرها وتدافع عنها؛ من علماء الهند، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، وغيرهم مما لا أحصيه الآن مما تضمُّه المكتبة الإِسلامية من الكتب التي تنافح عن هذه الدعوة، إنما قام في وجهها فئات من علماء الضَّلالة الذين قال فيهم وفي أمثالهم الرسول ﷺ :
"إنما أخافُ على أُمَّتي الأئمةَ المضلِّين" "صحيح رواه الترمذي"
إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء تترسَّم خُطا دعوة الرسول الكريم ﷺ ، فقد بدأ دعوته بتبصير الناس طريق الحق، وتصحيح العقيدة بالبيان والتعليم، فلما اجتمع حوله تلاميذ وأنصار اقتنعوا بدعوته؛ طلب من الأمراء مَنْ يحميه ويناصره حتى يُبلِّغ هذه الدعوة إلى ما حوله من البلاد؛ كما كان الرسول ﷺ يَعْرِض نفسه على القبائل؛ يطلُبُ من يؤيِّده حتى يبلغ دعوة ربه، فلما وجد الشيخ من الأمراء مَنْ يساعده؛ جهر بالدعوة، وكتب إلى العلماء والوُلاة في البلدان المجاورة يدعو إلى الله سبحانه، ويطلب منهم المناصرة، فاستجاب له من استجاب، وعاند مَنْ عاند، فكان لا بد من الجهاد في سبيل الله؛ لإِعلاء كلمة الله، وتطهير البلاد من الشرك أُسوةً برسول الله ﷺ حينما هاجر إلى المدينة، ووجد له أنصارًا فيها.
وليس في هذا عنفٌ أو غلوٍّ أو تعصُّب؛ كما زعمت أيها الأستاذ، بل هو سنة الرسول ﷺ في جهاد مَنْ عاند الحق، وأصَرَّ على الطغيان بعد البيان والإِنذار.
وختامًا؛ نقول: يجب على الأستاذ أن يعيد النظر في كتابه، فيُصفيه من هذه التناقضات التي شوَّهت جماله، وطمست معالمه، ويَستقي معلوماته من المراجع الصحيحة عن الدعوة المباركة، وعلى الأخص كتب الشيخ ورسائله، ككتاب التوحيد، وكتب أحفاده وتلاميذهم وغيرهم من العلماء؛ مثل "تيسير العزيز الحميد"، و "فتح المجيد" و "الدرر السَّنِيَّة في الأجوبة النجدية"، و "غاية الأماني
стр. 1134
في الرد على النبهاني" لعلّامة العراق محمود شكري الألوسي، و "صيانة الإِنسان عن وسوسة الشيخ دحلان" لعلامة الهند محمد بشير السهسواني ... وغيرها مما يوضح أهداف هذه الدعوة المباركة، ويرد شبهات خصومها.
هذا ما نرجوه من الأستاذ الكريم.
ونسأل الله لنا وله التوفيق فيما نقول ونعمل، هو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرد على أبي زهرة
قال الشيخ صالح الفوزان:
١ - عدَّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوِهاب نِحلة ومذهبًا محدَثًا مستقلًا أطلق عليه لفظ الوهَّابية وعدَّه من جملة المذاهب الضَّالَّة التي أدرجها تحت عنوان: (مذاهب حديثة): وهي الوهابية، والبهائية، والقاديانية. "تاريخ المذاهب الإسلامية ٢٠٧".
- ومن المعلوم وواقع دعوة الشيخ أنه ليس صاحب مذهب جديد، وإنما هو في العقيدة على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولم يستقلَّ ولا بمسألة واحدة عن هؤلاء.
فكيف يعدُّه أبو زهرة صاحب مذهب جديد، ويدرجه ضمن المذاهب الضالة والنِّحَل الفاسدة؟ قاتل الله الجهل والهوى والتقليد الأعمى.
وإذا كان هو يعيب على الوهابية ما توهَّمه من تكفيرهم للناس، فكيف يُبيح لنفسه هذا الذي عابه على غيره؟!
٢ - ثم قال: "ومُنشى الوهابية هو محمد بن عبد الوهاب، وقد درس مؤلَّفات ابن تيمية، فراقت في نظره، وتعمَّق فيها، وأخرجها من حَيِّز النظر إلى حيِّز العمل".
- هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية: إنه لم يدرس إِلا مؤلَّفات ابن تيمية!! وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته، ولم يعرف شيئًا عن تحصيله العلمي، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه، والتغرير بمن لم يعرف شيئًا عن الشيخ. ولكن هذا لا يستر الحقيقة، ولا يحجب الشّمس في رابعة النهار، فقد كتب المنصفون عن الشيخ ﵀ مؤلَّفات كثيرة انتشرت في الأقطار، وعرفها الخاص والعام، وأنه ﵀ تعمَّق في دراسة الفقه والتفسير والحديث والأصول وكتب
стр. 1135
العقيدة التي من جملتها مؤلَّفات شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد تخرَّج على أيدي علماء أفذاذ وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والإِحساء والبصرة، وقد أجازوه في مرويَّاتهم وعلومهم، وقد ناظر ودرَّس وأفتى وألَّف في الفقه والحديث والعقيدة حتى نال إعجاب من اجتمع به أو استمع إلى دروسه ومناظراته، أو قرأ شيئًا من مؤلَّفاته، ومؤلَّفاته تدلُّ على سعة أُفُقه وإدراكه في علوم الشريعة، وسعة اطلاعه وفهمه، ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلِّفات على كتب ابن تيمية -كما يظن الجاهل أو المتجاهل - بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث؛ ممَّا يدل على تبحُّره في العلوم، وعمق فهمه، ونافذ بصيرته، وها هي كتبه المطبوعة المتداولة شاهدة بذلك والحمد لله، ولم يكن ﵀ يأخذ من آراء شيخ الإِسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إِلا ما ترجَّح لديه بالدليل، بل لقد خالف شيخ الإِسلام في بعض الآراء الفقهية.
стр. 1136
الإفتراء على الدعوة
٣ - ثم قال عمَّن أسماهم بالوهابيَّة: "وإنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئًا عما جاء به ابن تيمية ولكنَّهم شدَّدوا فيه أكثر مما شدَّد، ورتَّبوا أمورًا علمية لم يكن قد تعرَّض لها ابن تيمية؛ لأنها لم تشتهر في عهده، ويتلخَّص ذلك فيما يأتي:
أ - لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإِسلام في القرآن والسنة، وكما ذكر ابن تيمية، بل أرادوا أن تكون العادات أيضًا غير خارجة على نطاق الإِسلام، فليلتزم المسلمون ما التزم، ولذا حرَّموا الدخان، وشدَّدوا في التّحريم، حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، فكانوا يشبهون الخوارج الذين يكفِّرون مرتكب الذنب.
ب - وكانوا في أول أمرهم يحرمون على أنفسهم القهوة وما يماثلها، ولكن يظهر أنهم تساهلوا فيها فيما بعد.
ج - أن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة، بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة الخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع، وهي منكر تجب محاربته، ويجب الأخذ بالأمر بالعروف والنهي عن النكر.
د - أنها كانت كلما مُكِّن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدمًا وتخريبًا.
هـ - أنهم تعلَّقوا بأمور صغيرة ليس فيها وثنية ولا ما يؤدِّي إلى وثنية، وأعلنوا استنكارها؛ مثل التصوير الفوتغرافي، ولذلك وجدنا ذلك في فتاواهم ورسائلهم التي كتبها علماؤهم.
و- أنهم توسَّعوا في معنى البدعة توسُّعًا غريبًا، حيث إنهم ليزعمون أن وضع الستائر على الروضة الشريفة أمر بدعيٌّ، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها ... ". إلى أن قال: "وإننا لنجد فوق ذلك منهم مَن يعدُّ قول المسلم:
(سيدنا محمد) بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوًا شديدًا".
إلى أن قال: "وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيِّين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ وفي آراء غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب، بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبًا من الوثنية". انتهى ما قاله في حق مَن سماهم الوهابية، ويظهر أنه امتلأ صدره غِلًا وحقدًا وغيظًا عليهم، فتنفس الصعداء بإفراغ بعض ما عنده، والله سبحانه مطلعٌ على كل قائل وقلبه:
стр. 1137
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]
وجوابنا عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قوله: "إنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئًا عما جاء به ابن تيمية"؛ معناه أن ابن تيمية في نظره جاء بعقائد ابتدعها من عنده، وأن الوهابية عدُّوه مُشَرِّعًا.
وقد سبق الجواب عن هذه الفرية، وبيَّنَّا أن شيخ الإِسلام ابن تيمية لم يبتدع شيئًا من عنده، بل كان على عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، لم يستحدث شيئًا من عنده. وإننا نتحدَّى كل من يقول مثل هذه المقالة الظالمة أن يبرز لنا مسألة واحدة خالف فيها شيخ الإِسلام ابن تيمية مَن سبقه من سلف الأمة. غاية ما في الأمر أنه جدَّد عقيدة السلف، ونشرها، وأحياها بعدما اندرست ونسيها الكثيرون.
ونقول أيضًا: إن شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الدعوة لم يقتصروا على كتب شِيخ الإِسلام ابن تيمية، بل استفادوا منها ومن غيرها من الكتب السليمة المفيدة المتمشِّية على منهج السلف؛ يعرف هذا مَن طالع كتبهم.
الوجه الثاني: أن قوله: "لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإِسلام في القرآن والسنة" فرية عظيمة واتهام خطير لعلّماء دعوة التوحيد في نجد بأنهم ابتدعوا عبادات لم يشرعها الله ورسوله.
ولكن الله فضحه وبيَّن كذبه، حيث لم يجد مثالًا لما قال إِلا تحريم الدخان، وهذا مما يدل على جهله؛ فإن تحريم الدخان ليس من قسم العبادات والعقائد، وإنما هو من قسم الأطعمة والحلال والحرام والفروع. وأيضًا فإن تحريم الدخان لم يختصَّ به علماء الدعوة في نجد، بل حرَّمه غيرهم من علماء الأمة؛ لخبثه وضرره، وها هي الآن تقام أنشطة مكثفَّة للتحذير من شرب الدخان وتوعية الناس بأضراره من قبل المنظمات الصحية العالمية.
وقوله: "حتى إن العامَّة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك".
هذه فرية أخرى، ولو صح أن أحدًا من العامة حصل منه ذلك، فالعاميُّ ليس بحجة يُعاب به أهل العلم، ولكن عوامَّ أهل نجد - والحمد لله - يعرفون من الحق أكثر مما يعرفه علماء الضَّلالة، يعرفون ما هو الشرك وما هو المحرَّم الذي لا يعُدُّ شركًا بما يقرؤون وما يسمعون من دورس التوحيد وكتب العقائد.
стр. 1138
الوجه الثالث: قوله: "كانوا في أول أمرهم يحرِّمون القهوة وما يماثلها".
نقول: هذا كذب ظاهر، ولم يأت بما يُثبِت ما يقول، وما زال علماء نجد وعامتهم يشربون القهوة في مختلف العصور، وهذه كتبهم وفتاواهم ليس فيها شيء يؤيد ما يقوله، بل فيها ما يكذبه؛ فإن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرّحمن ﵀ أنكر على مَن قال بتحريم القهوة من الجهال، وردَّ عليه، وله في ذلك رسالة مطبوعة مشهورة.
الوجه الرابع: قوله: "إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة، بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار أنهم يحاربون البدع".
أقول: أولاً: قوله: "إن الوهابية لم تقتصِر على الدعوة المجردة" يدل على جهله، فإن الدعوة المجرَّدة لا تكفي مع القدرة على مجاهدة أعداء الإِسلام؛ لأن الرسول ﷺ جاء بالدعوة والجهاد في سبيل الله.
ثانيًا: قوله: "إنهم حملوا السيف لمحاربة من خالفهم".
هذا كذب عليهم؛ فإنهم لم يحاربوا خصومهم لمجرد مخالفتهم، بل حاربوهم لأحد أمرين: إما للدفاع عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم أحد، وإما لإزالة الشرك إذا احتاجت إزالته إلى قتال، وتاريخ غزواتهم شاهذ بذلك، وهو مطبوعٌ متداوَل في أكثر من كتاب.
стр. 1139
من فضائل الدعوة
الوجه الخامس: قوله: "إنها كانت كلَّما مُكِّنَ لها من قرية أو مدينة؛ أتت على الأضرحة هدمًا وتخريبًا".
أقول: هذا من فضائلهم، وإن عدَّه هو وأضرابه من معايبهم؛ لأنهم ينفِّذون بذلك وصية رسول الله ﷺ بقوله لعلّي ﵁: "لا تَدَعْ قبًرا مشرفًا إِلا سوَّيته". [رواه مسلم]
فأي عيب في ذلك إذا أزالوا مظاهر الوثنية، وعملوا بالسنة النبوية؟ ولكن أهل الجهل والضلال لا يعلمون، فيعتقدون الحسن قبيحًا، والقبح حسنًا، والمنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، وقد تكاثرت الأدلة على تحريم البناء على القبور لأن ذلك من وسائل الشرك، فلا بدَّ من هدم الأضرحة وإزالة مظاهر الوثنية، وإن غضب أبو زهرة وأضرابه ممَّن يَرَون بقاء الأضرحة التي هي منابت الوثنية وأوكارها.
الوجه السادس: قوله: "إنهم تعلَّقوا بأمور صغيرة"، ثم مثَّل لذلك بتحريم التصوير الفوتغرافي. والجواب عن ذلك:
أوَّلًا: إن التصوير ليس من الأمور الصغيرة، بل هو من كبائر الذنوب؛ للأحاديث الصحيحة في النّهي عنه، والتحذير منه، ولعن المصورين، والإِخبار بأنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة؛ من غير تفريق بين التصوير الفوتغرافي وغيره، ومَن فرَّق؛ فعليه الدّليل، والمحذور في التصوير والتعليل الذي حُرمَ من أجله متحقَّقان في جميع أنواع الصور الفوتغرافية وغيرها.
وثانيًا: قوله: "إن التصوير لا يؤدِّي إلى وثنية" قول مردود؛ لأن التصوير من أعظم الوسائل التي تؤدِّي إلى الوثنية، كما حصل لقوم نوح لما صوَّروا الصالحين، وعلّقوا صورهم على مجالسهم، وآل بهم الأمر إلى أن عبدوا تلك الصور، كما ورد ذلك في "صحيح البخاري" وغيره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾
"نوح آية ٢٣"
الوجه السابع: قوله: "إنهم توسَّعوا في معنى البدعة توسُّعًا غريبًا، حتى إنهم ليزعمون أن وضع ستائر على الروضة الشريفة أمرٌ بدعيٌّ، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها".
стр. 1140
والجواب عن ذلك أن نقول:
أوَّلًا: هو لا يدري ما هي الروضة الشريفة، فيظن أنها الحجرة النبوية، وليس الأمر كذلك: فالروضة في المسجد، وهي ما بين منبر النبي ﷺ وبيته لقوله ﷺ :
"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". [متفق عليه]
والحجرة النبوية خارج الروضة، وكانت خارج المسجد قبل التوسعة التي أجراها الوليد بن عبد الملك.
ثانيًا: الروضة لا يمكن وضع ستائر عليها، ولا يُتَصَوَّر، وإنما يقصد الحجرة النبوية؛ يريد أن تجعل مثل الأضرحة القبورية، فتجعل عليها الستور كما على الأضرحة، وهذا لا يجوز لأمرين:
١ - لأنه لم يكن من عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، فلم يكن عليها ستائر في وقتهم.
٢ - لأنه وسيلة إلى الشرك، بل ستر سائر الحيطان عمومًا إسراف لا ينبغي فعله. قال في "المغني" (٧/ ٩):
"فأما ستر الحيطان بستور غير مصوَّرة؛ فإن كان لحاجة من وقاية حَر أو بَرد فلا بأس لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة؛ فهو مكروهٌ وعذرٌ في الرجوع عن الدعوة (يعني: إلى الوليمة).
стр. 1141
اتهامات مردودة
الوجه الثامن: قوله: "وإنا لنجد فوق ذلك منهم من يعدُّ قول سيدنا محمد بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوًا شديدًا".
والجواب عن ذلك نقول: هذا كذب من القول، فعلماء الدعوة يثبتون ما ثبت للنبي ﷺ من الصفات الكريمة، ومنها أنهم يعتقدون أنه سيد ولد آدم، وأفضل الخلق على الإِطلاق، لكنهم يمنعون الغلوِّ في حقه ﷺ ؛ عملاً بقوله ﷺ :
"لا تُطْروني كما أطرت النصارى ابن مريم". "رواه البخاري"
ويمنعون الابتداع، ومن ذلك أن يقال: (سيدنا) في المواطن التي لم يرد قول ذلك فيها؛ كالأذان والإِقامة، والتشهد في الصلاة، وكذا رفع الأصوات قبل الأذان؛ يقول: اللهم صل وسلم على سيدنا رسول الله، أو بعد أداء الصلوات؛ كما يفعله المبتدعة بأصوات جماعية. وهذا هو الذي أظنه يقصده في كلامه، حيث يراه يُفعل عندهم، فظنَّه مشروعًا وهذا هو الذي ينكره علماء الدعوة في المملكة العربيّة السعودية، وينكره غيرهم من أهل التحقيق والعمل بالسنة وترك البدعة في كل مكان؛ لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وغلو في حقه ﷺ ، والغلو ممنوع.
أما قول سيدنا رسول الله في غير مواطن البدعة؛ فعلماؤنا لا ينكرونه، بل يعتقدونه، ويقولون: هو سيدنا وإمامنا ﷺ .
الوجه التاسع: قوله: "وفي سبيل دعوتهم يُغلِظون في القول، حتى إن أكثر الناس، لينفرون منهم أشد النفور".
والجواب عن ذلك أن نقول:
أولًا: هذا الكلام من جملة الإتهامات التي لا حقيقة لها، وهذه كتب علمائنا ورسائلهم والحمد لله ليس فيها تغليظ؛ إِلا فيما يُشرع فيه التغليظ، وليس فيها تنفير، وإنما فيها الدعوة إلى الله بالبصيرة والحكمة والموعظة الحسنة، وكتبهم في ذلك مطبوعة ومتداولة ومنتشرة، وكل من اتصل بهم؛ فإنه يُثني عليهم، وقد كتب المنصفون عنهم الشيء الكثير في تاريخهم الماضي والحاضر، من حسن السياسة، وصدق المعاملة، والوفاء بالعهود، والرفق بالمسلمين، وأكبر شاهد على ذلك من يفد إلى مكة المشرَّفة للحج والعمرة كل عام، وما يشاهدونه من العناية بخدمة الحجيج، وبذل المجهود في توفير
стр. 1142
راحتهم، مما أطلق الألسنة والأقلام بالثناء عليهم وعلى حكومتهم، وكذلك من يفدون إلى المملكة للعمل فيها يشهد أكثرهم بذلك.
ثانيًا: وأما قوله: "حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور" فهو من أعظم الكذب وخلاف الواقع؛ فإن الدعوة التي قاموا بها في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى هذا العهد -وهي الدعوة إلى الإِسلام، وإخلاص التوحيد، والنهي عن الشرك والبدع والخرافات- قد لاقت قبولًا في أرجاء العالم، وانتشرت انتشارًا واسعًا في كثير من الأقطار، وما هو على صعيد الواقع الآن أكبر شاهد وأعظم دليل على ما ذكرنا.
ويتمثَّل ذلك فيما تبذله الحكومة السعودية التي هي حكومة الدعوة -أدام الله بقاءها وسدَّد خطاها- بتوجيه من علمائها ورغبة من حكامها بفتح الجامعات الإِسلامية التي تخرج الأفواج الكثيرة من أبناء العالم الإِسلامي على حسابها.
ويتمثَّل ذلك أيضًا في إرسال الدعاة إلى الله في مختلف أرجاء العالم، وفي توزيع الكتب المفيدة، وبذل المعونات السخية للمؤسسات الإِسلامية، ومد يد العون للمعوزين في العالم الإِسلامي، وإقامة المؤتمرات والندوات، وبناء المساجد والمراكز الإِسلامية؛ لتبصير المسلمين بدينهم، مما كان له أعظم الأثر والقبول الحسن - والحمد لله -.
وهذا واقع مشاهد، وهو يبطل قول ذلك الحاقد:
"إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور".
لكن كما قال الشاعر:
لي حِيْلَةٌ فيمَن يَنُـ ... ـمُّ ومالي في الكَذَّاب حِيلَهْ
مَن كَانَ يَخْلُقُ مَا يَقُو ... لُ فَحِيلَتي فيهِ قَليلَهْ
الوجه العاشر: قوله: "وإنه يُلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي رأي غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب".
والجواب عنه أن نقول: هذا من جنس ما قبله من التهجُّم الكاذب الذي لا حقيقة له، فهذه كتب علمائنا ومناقشاتهم لخصومهم ليس فيها شيء مما ذكره، بل فيها ما يكذِّبه به من بيان الحق وتشجيع أهله، ورد الباطل بالحجة والبرهان، ودعوة أهله إلى الرجوع إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يدَّعوا لأنفسهم العصمة من الخطأ، ويرفضوا ما عند غيرهم من الصواب؛ كما وصمهم بذلك.
وهذا إمامهم وكبيرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول في إحدى رسائله التي
стр. 1143
وجهها لخصومه:
"وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أُشهِدُ الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق؛ لأقبلنَّها على الرّأس والعين، ولأضربنَّ الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقول إِلا الحق" انتهى. وكلهم والحمد لله على هذا المنهج الذي قاله الشيخ.
стр. 1144
الجهل بالوثنية
الوجه الحادي عشر: قوله: "بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبًا من الوثنية".
والجواب عنه أن نقول: كلامه هذا يدل على جهله بمعنى الوثنيَّة، فلم يدر أنها تتمثل في تعظيم القبور بالبناء عليها والطواف حولها وطلب الحوائج من أصحابها والاستغاثة بهم، فلذلك استغرب استنكار ذلك واعتباره من الوثنية!!
وكأنه لم يقرأ ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من استنكار الاستشفاع بالموتى، واتخاذهم أولياء، لِيُقربوا إلى الله زلفى، ولم يقرأ نهي الرسول ﷺ عن البناء على القبور، واتخاذها مساجد، ولعن من فعل ذلك!! وإذا لم تكن إقامة الأضرحة والطواف حولها وثنية فما هي الوثنية؟
لكن كما قال عمر بن الخطاب ﵁:
"تُنْقَض عُرى الإِسلام عروة عروة إذا نشأ في الإِسلام مَن لا يعرف الجاهلية".
ألم يكن شرك قوم نوحٍ متمثِّلًا في دعاء الأموات؟
ألم تكن اللَّات ضريحًا لرجل صالح كان يَلُتُّ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره، وطافوا حوله؟!
ولو كان هذا الكلام صادرًا عن عاميٍّ لا يعرف الحكم؛ لهان الأمر، لأن العامي جاهل، وتأثيره على الناس محدود، لكن الذي يؤسفنا أن يكون صادرًا عمَّن يدعي العلم، وقد صدرت عنه مؤلفات كثيرة؛ فهذا قد يكون تأثيره على الناس - خصوصًا محدودي الثقافة - شديدًا؛ نظرًا لكثرة مؤلفاته، وسمعته الواسعة، وإحسان الظن به. ولكن الحق سينتصر بإذن الله:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾
"سورة الرعد: ١٧"
والعلّم لا يقاس بكثرة الإِصدارات، وإنما يُقاس بمدى معرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والعمل بذلك.
وإلا فكيف يُتصوَّر من مسلم -فضلًا عمن ينتسب إلى العلم- أن يتفوَّه بأن الطواف بالأضرحة ليس من الوثنية؟!
стр. 1145
أليس الطواف عبادة، وصرف العبادة لغير الله وثنية وشرك؟!
فالطائف بالأضرحة إن كان قصده التقرب إليها بذلك؛ فلا شك أن هذا شرك أكبر؛ لأنه تقرَّب بالعبادة إلى غير الله، وإن كان قصده بالطواف حول الضريح التقرُّب إلى الله وحده فهذه بدعة ووسيلة إلى الشرك لأن الله لم يشرع الطواف إِلا حول الكعبة المشرفة ولا يُطاف بغيرها على وجه الأرض.
هذا وإننا ندعو كل مَن بلغه شيء من تشويه دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب أو قرأ شيئًا من الكتب التي تُروِّج هذا التشويه؛ أمثال كتب الشيخ محمد أبي زهرة؛ فعليه أن يتثبَّت وأن يراجِع كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب العلماء الذين جاءوا من بعده وحملوا دعوته؛ ليرى فيها تكذيب تلك الشائُعات، وقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ "الحجَرات آية ٦"
وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب علماء الدعوة من بعده ميسورة والحمد لله، وهي توزَّع على أوسع نطاق، عن طريق الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإِفتاء والدعوة والإِرشاد ومكاتبها في الداخل والخارج، وفي موسم الحج كل سنة، وهي لا تدعو إلى مذهب معين أو نحلة محدثة، وإنما تدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ومذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ البدع والخرافات، والاقتداء برسول الله ﷺ ، وسلف الأمة، والقرون المفضلة.
وصلّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1146
مناقشة حول الوهابية
قال الدكتور عبد العزيز عبد اللطيف:
وأذكر أنني كنت في زيارة إلى ماليزيا للمشاركة في ندوة .. فقال لي مرة أحد القضاة هناك: أنتم تدرسون في بلادكم العقيدة الوهابية، قلت له: المذهب الفقهي السائد في المملكة هو المذهب الحنبلي، والمرجع الرئيس في كليات الشريعة وأصول الدين، وهي الكليات التخصصية، والمتخرجون منها يتولون تدريس "الإعتقاد" في المراحل الإِعدادية والثانوية.
المرجع الرئيسي هو العقيدة الطحاوية للإِمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي .. وشرحه للإِمام علي بن علي بن أبي العز الحنفي .. فأنت ترى أن صاحب المتن والشرح هم من علماء الحنفية، ولا ضير في ذلك، لأنه ليس للإمام أبي حنيفة مذهب يختلف عما عند أخيه الإِمام أحمد كما ليس للإِمام مالك والشّافعيّ وسائر الأئمة مذهب يختلف عن مذهب أبي حنيفة وأحمد، والجميع أسرة واحدة وأصحاب اعتقاد واحد .. لأن موردهم واحد، ومشربهم واحد .. وكذا الحال بالنسبة لمعتقد الإِمام محمد بن عبد الوهاب.
ولو جاء واحد من هؤلاء -وحاشاه- بقول مبتدع من عنده يخالف قول الله أو قول رسوله أو إجماع السلف لضربنا بقوله عُرض الحائط .. وأخذنا بقول الله ورسوله .. وإلا تعرضنا لسخط الله ومقته.
ولو رجع هؤلاء إلى كتب الأئمة ذاتها لتجلى لهم الأمر ولتبين لهم أنها الدسائس المغرضة التي شوهت الحقيقة عندهم، والتلبيس الذي أرخى بسدوله المظلمة على وجه الحق البين.
وأذكر أنني دخلت مرة على الأستاذ "عبد الجليل شلبي" مدير تحرير مجلة الأزهر إبان تحضيري لأطروحة علمية عن التقريب بين السنة والشيعة عام ١٣٩٩ هـ وجرى حديث عن موضوع الشيعة والسنة، فقال لي: وصيتي إليك ألا تأخذ مذهب طائفة إِلا من كتبها ومصادرها المعتمدة عندها، فلقد أتى عليَّ حين من الدهر كنت أظن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الظنون، بل كنت أعدها من فئات الخوارج، فلما رجعت إلى مصادرهم تجلت لي الحقيقة، وأسفر الليل عن صبحه .. فإذا بي واهم وأن هذه الدعوة هي دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ودعاوى وتقولات المبتدعة على بعض الأئمة أو مذاهبهم كثيرة وما أسهل الدعوى، ولكن العبرة بصدق الأقوال باقترانها بالبرهان الذي يشهد بصحتها (١) "
стр. 1147
معتقد السلفية
١ - كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب حنبلي المذهب في دراسته لكنه لم يكن يلتزم ذلك في فتاواه إذا ترجح لديه الدليل فيما يخالفه، وعليه فإن فكرت دعوة الشيخ سلفية في أصولها حنبلية في فروعها (١).
٢ - دعت إلى فتح باب الاجتهاد بعد أن ظَلَّ مُغلقًا منذ سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ.
٣ - أكدت على ضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة، وعدم قبول أي أمر في العقيدة ما لم يستند إلى دليل مباشر وواضح منهما.
٤ - اعتمدت منهج أهل السنة والجماعة في فهم الدليل والبناء عليه.
٥ - دعت إلى تنقية مفهوم التوحيد مطالبة المسلمين بالرجوع به إلى ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول للإِسلام.
٦ - توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه وما أثبتها رسوله ﷺ له من غير تمثيل ولا تكييف ولا تأويل.
٧ - التركيز على مفهوم توحيد العبودية.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]
٨ - إحياء فريضة الجهاد، فقد كان الشيخ صورة للمجاهد الذي يمضي في فتح البلاد، ينشر الدعوة ويزيل مظاهر الشرك التي انحدر إليها الناس.
٩ - القضاء على البدع والخرافات التي كانت منشرة آنذاك بسبب الجهل والتخلف من مثل:
أ - زيارة قبر يزعمون أنه قبر الصحابي ضرار بن الأزور وسؤاله قضاء الحاجات.
ب - زيارة قبة يقولون إنها لزيد بن الخطاب.
ج - التردد على شجرة يقولون إنها شجرة أبي دجانة وأخرى تسمى الطرفية.
هـ - زيارة مغارة تسمى مغارة بنت الأمير.
- تقسيم التوسل إلى نوعين:
أ - توسل مرغوب فيه وهو ما كان بأسماء الله الحسنى، أو بالعمل الصالح.
стр. 1148
ب - توسل مبتدع منهي عنه وهو ما كان بالذوات الصالحة "بجاه الرسول، بحرمة الشيخ فلان ... "
١٠ - منع بناء القبور وكسوتها وإسراجها وما إلى ذلك من البدع التي تصاحبها.
١١ - التصدي لشطحات الطرق الصوفية ولما أدخلوه على الدين من أشياء لم تكن فيه من قبل.
١٢ - تحريم القول على الله بلا علم.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
١٣ - إن كل شىء سكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ "المائدة: آية ١٠١"
١٤ - إن ترك الدليل الواضح والإستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ "آل عمران: ٧"
١٥ - إن النبي ﷺ ذكر أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور متشابهات فمن لم يفطن لهذه القاعدةُ وأراد أن يتكلم عن كل مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل.
١٦ - ذكر الشيخ في بيانه لأنواع الشرك ومراتبه أنه:
أ - شرك أكبر: وهو شرك العبابة والقصد والطاعة والمحبة.
ب - شرك أصغر: وهو الرياء لقوله ﷺ في حديث رواه الحاكم: "يسير الرياء شرك".
ج - شرك خفي: قد يقع فيه المؤمن وهو لا يعلم كما قال النبي ﷺ :
" الشرك في هذه الأمة أخفى مِن دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة اللّيل".
١٧ - لقد عملت هذه الدعوة على إيقاظ الأمة الإِسلامية فكريًا بعد أن رانت عليها سجف من التخلف والخمول والتقليد الأعمى.
١٨ - العناية بتعليم العامة وتثقيفهم، وتفتيح أذهان المثقفين منهم ولفت أنظارهم إلى البحث عن الدليل ودعوتهم إلى التنقيب في بطون أمهات الكتب والمراجع قبل قبول أَيَّةِ فكرة فضلًا عن تطبيقها.
١٩ - للشيخ مصنفات كثيرة أهمها (كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد) و (كتاب الإِيمان) و (كشف الشبهات) و (آداب المشي إلى الصلاة) و (مسائل الجاهلية) و (مختصر السيرة النبوية) وعدد من المختصرات والرسائل التي تدور حول أمور فقهية وأصولية أكثرها في التوحيد. "انتهى كلام الفوزان".
стр. 1149
ردود على أباطيل
١ - التقيت برجلِ في سورية يقول عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنه مبتدع مذهبًا خامسًا ويقصد المذاهب الأربعة.
قلت له: إن الشيخ مذهبه حنبلي معروف في كتبه، فكيف تقول ذلك؛ وهذا من الكذب والافتراء.
التقيت في مكة بدكتور يدرس في إحدى الجامعات فقال لي:
سمعنا عنك يا شيخ محمد زينو أنك وهابي! فقلت له: وماذا تعرف عن الوهابية؟ قال لي: إنهم يقولون: العصا أفضل من محمد! فقلت له أين وجدت هذا الكلام؟ قال لي: سمعته من الناس! قلت له: أنت رجل تُدرس في الجامعة ثم تأخذ بأقوال الناس! مثلك لا يفعل ذلك، هذا لا يفعله إِلا العوام، فسكت ولم يعط جوابًا.
أقول: هذا من الافتراء على الوهابية الذي سيحاسبون عليه يوم القيامة، وكلام
الدكتور لا يقوله إِلا حاقد، أو جاهل، وما أكثرهم في هذا الزمان؟
كنت أتردد على بعض المشايخ في سورية، فرأيت منه استجابة لدعوة التوحيد بعد أن أقمت عليه الحجة في قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ "سورة الإسراء: آيات ٥٦ - ٥٧"
وأن الآية نزلت في حق ناس من الجن كانوا يُعبَدون.
وفي رواية: كان ناس من الآية يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم. "رواه البخاري وانظر تفسير ابن كثير"
وبعد فترة قال لأتباعه: الوهابية نصف كفار! لأنهم لا يؤمنون بالأرواح!
أقول: لقد خاف الشيخ على منصبه فافترى على الوهابية بأنهم لا يؤمنون بالأرواح، والصحيح أنهم يؤمنون بالأرواح، ولكن ينكرون أن يكون لها تصرفات تنفع غيرها أو تضر، لأن هذا لله وحده، وفي الحديث:
"إذا مات الانسان انقطع عمله إِلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم ينتفع به،
أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم"
стр. 1150
٤ - كان أحد العلماء يطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب في درسه، فقدّم اليه أحد طلابه كتابًا للشيخ المذكور بعد أن نزع غلافه، فقرأه الشيخ وأعجب به، فقال له الطالب: هذا الكتاب للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فندم على عمله وبدأ يمدح الشيخ حينما رأى كلامه موافقا للكتاب والسنة.
من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب
١ - كتاب "أصول الإِيمان".
٢ - الأصول الثّلاثة وأدلتها: ضمن مجموعة:
ثلاثة الأصول وأدلتها، ويليها شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، وأربع قواعد.
٣ - التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
٤ - ثلاث مسائل في طلب العلم.
٥ - خُطب شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب.
٦ - الرد على الرافضة.
٧ - مختصر زاد المعاد.
٨ - مختصر السيرة النبوية.
٩ - مسائل الجاهلية.
١٠ - كشف الشبهات.
١١ - معنى الطاغوت.
١٢ - الجامع لعبادة الله وحده.
١٣ - تفسير كلمة التوحيد.
١٤ - تلقين أصول العقيدة العامة.
١٥ - المسائل الأربع.
стр. 1151
الجذور الفكرية والعقائدية:
- لقد تَرَسَّمَ الشيخ في دعوته أعلامًا ثلاثة استَنَّ طريقتهم وهم:
١ - الإِمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ).
٢ - ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ).
٣ - محمد بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ).
- فكانت دعوته صدى لأفكارهم وترجمة لأهدافهم في واقع عملي:
الإنتشار ومواقع النفوذ:
١ - انتشرت العقيدة السلفية مع الحكم السعودي في بلدان نجد، وقد دخلت الرياض سنة ١١٨٧ هـ كما واصلت انتشارها في أرجاء الجزيرة العربية ودخلت مع الحكم السعودي مكة المكرمة عام ١٢١٩ هـ والمدينة المنورة التي بايع أهلها عام ١٢٢٠ هـ.
٢ - انتقلت الدعوة مع وفود الحجاج إلى خارج الجزيرة العربيّة.
٣ - لقد تركت هذه الدعوة بصماتها وآثارها على حركات الإِصلاح التي قامت في العالم الإِسلامي بعد ذلك.
٤ - من أراد المزيد من المعلومات فليقرأ كتاب:
آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأليف د/ أحمد محمد الطيب.
стр. 1152
الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب
١ - محمد رشيد رضا:
قال في التعريف بكتاب: (صيانة الإِنسان):
لم يخل قرن من القرون التي أكثر فيها البدع من علماء ربَّانيِّين عدول يُجددون لهذه الأُمة أمر دينها ...
ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وترك البدع والمعاصي.
٢ - طَه حسين:
قال في محاضرات الأدبية في جزيرة العرب:
" ... هذه الحركة الإِصلاحية التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب شيخ من شيوخ نجد ... دعوة قوية إلى الإِسلام الخالص النقي المطهَّر من شوائب الشرك والوثنية".
٣ - محمد بن إسماعيل الصنعاني:
"صاحب: سبل السلام" بعد أن بلغته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أثنى عليه بقصيدة رائعة جاء فيها:
سلامي على نجدٍ ومَن حَل في نجدِ ... وإن كان تسليمي على البُعد لا يُجدي
وقد صدرت مِن سفح صنعا سقى الحيا ... ربَاهَا وحَياها بقهقهة الرعدِ
قفي واسألي عن عالم حل سُوحها ... به يهتدى مَن ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لِسُنَّة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرَتْ كل الطَّوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولاورد
وماكل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجب الرد والطرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جَل ياذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يُعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه، فوافق ما عندي
стр. 1153
٤ - قال محمد حامد الفقي:
الوهابية نسبة إلى الإِمام المصلح شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي والصحيح أن يقال المحمدية، لأن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد، لا عبد الوهاب. ثم قال بعد كلام:
وإن الحنابلة متعصبون لمذهب الإِمام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يَدَّعون، لا بالقول، ولا بالكتابة أن الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علمًا غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهده إحياء العمل بالدين الصحيح وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الأُلوهية والعبادة لله وحده ذلًا، وخضوعًا، ودعاء، ونذرًا، وحَلِفًا، وتوكلًا. وطاعة شرائُعه. وفي توحيد الأسماء والصفات، فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرف ولا يؤول، ولا يُشبِّه، ولا يُمثل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين، وما جاء عن الرسول ﷺ . وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون، من السلف والخلف -رضوان الله عليهم-. في كل ذلك وأن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يتم على وجهه الصحيح إلا بهذا.
٥ - قال د/ محمد تقي الدين الهلالي: في كتاب:
"محمد بن عبد الوهاب مصلِح مَظلوم ومفترى عليه":
لا يخفى أن الإِمام الرباني الأواب محمد بن عبد الوهاب قام بدعوة حنيفية جددت عهد الرسول الكريم والأصحاب وأسس دولة ذكرت الناس بدولة الخلفاء الراشدين.
٦ - قال خير الدين الزركلي: في كتابه "الأعلام":
محمد بن عبد الوهاب: زعيم النهضة الدينية الإِصلاحية الحديثة في جزيرة
العرب ... انتهج منهج السلف الصالح ودعا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع
وتحطيم ما علّق بالإسلام من الأوهام.
٧ - قال محمد خليل هراس: في رسالته "الحركة الوهابية":
إن صيانة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكتب الإِمام ابن تيمية وإحياءه لها تعتبر مفخرة من مفاخر هذا الشيخ ستظل تذكر له بالعرفان والتقدير، فإن كتب شيخ الإِسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإِهمال والنسيان، لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور، ولا أن تقوم بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح.
стр. 1154
بل كثيرًا ما كانوا يحذرون من قراءتها ويقرنونها بكتب الفلاسفة في جواز الإستنجاء بها.
فلما قامت حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب المباركة أخذت تنقب عن تلك الثروة العظيمة التي خلَّفها شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية -رحمهما الله تعالى-.
وجدَّ المسؤولون عن هذه الدعوة في إبراز هذه الكنوز بالطبع والنشر.
٨ - محمد عبده: أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب فوصفه بالمصلح العظيم، ويُلقي تبعة وقف دعوته على الأتراك ...
٩ - قال محمد أبو زهرة: في كتاب المذاهب الإسلامية:
ظهرت الوهابية في الصحراء العربية نتيجة للإفراط في تقديس الأشخاص والتبرك بهم وطلب القربى من الله بزيارتهم ونتيجة لكثرة البدع التي ليست من الدين وقد سادت هذه البدع في المواسم الدينية والأعمال الدنيوية؛ فجاءت الوهابية لمقاومة كل ذا وأحيت مذهب ابن تيمية.
١٠ - عبد العزيز بن باز
قال هذا الشيخ الجليل في كتاب "الشيخ محمد بن عبد الوهاب": "الحمد لله الذي مَنَ على عباده في كل زمان فترة بإيجاد أئمة هدى يدعون الناس إلى الصراط المستقيم، ويرشدونهم إلى الطريق القويم ويبصرون بكتاب الله أهل العمى. ويصبرون منهم على الأذى ينفون عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين، يشرحون لهم حقيقة الدين، ويكشفون لهم الشبه بواضحات البراهين، وكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين والمصلحين الإِمام العلامة والحبر الفهامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه ... استمر
في الدعوة ودرس العلوم الشرعية وشجع على الجهاد بأنواعه وألف المؤلِّفات النافعة والرسائل المفيدة في بيان العقيدة الصحيحة ورد ما يخالفها بأنواع الأدلة والبراهين حتى ظهر دين الله وانتصر حزب الرحمن وذل حزب الشيطان، وانتصرت العقيدة السلفية في الجزيرة العربيّة وما حولها.
١١ - قال يمدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب أبو السمح عبد الظاهر المصري: "إمام المسجد الحرام سابقًا"
стр. 1155
أسفي على الشيخ الإِمام محمد ... حَبر الأنام العالم الرباني
علَم الهدى بَحر الندى مُفني العدا ... مَن شن غارتَه على الأوثان
مَن قام في نجدٍ مقام نبوةٍ ... يدعو إلى الإِسلام والإِيمان
حتى غدت نجدٌ كرَوض مُزهر ... فنالَ في ظلل مِن العرفان
أحيا لنا الدين الحنيف كما ... أتى وأقامه بالسيف والبرهان
برهانه القرآن والسنن التي ... تُروى لنا عن سَيد الأكوان
كَم حاربَ الشرك الخبيث ... وأهله وأذاقهم في الحرب كل هوان
وأبان توحيدَ العبادة بعدما ... دُرسَت معالمه من الأذهان
١٢ - قال عباس محمود العقاد في كتابه: "الإِسلام في القرن العشرين":
"وظاهرة من سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتًا فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع؛ ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع ... وقد عبر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الإستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية أما صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات.
١٣ - قال علي الطنطاوي في كتابه: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب":
" ... نشأ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فرأى شمس الله له الخير فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يُبعَثون لِيجَددوا لهذه الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف مِن كل مَن وصف به في تاريخنا، فقد حقق على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق ... ".
١٤ - قال د/ وهبة الزحيلي:
"جهر ابن عبد الوهاب بدعوته سنة ١١٤٣ هـ /١٧٣٠ م فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت دعوته الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإِسلامي كله. وقد وجه اهتمامه لمسألة التوحيد التي هي عماد الإِسلام والتي دخلها الفساد لدى كثير من الناس".
стр. 1156
١٥ - قال مناع خليل القطان:
بعد أن ذكر سوء الحالة الدينية والسياسية في نجد قال:
"ومض في الأفق بريق الأمل، وأراد الله أن يزيح الغمة ويعيد للأمة صفاء عقيدتها، ويخلصها من أوضار الشرك والجهالة، ويبدد غيوم اليأس والقنوط فارتفع صوت يردد كلمة التوحيد التي بعث بها الرسل "لا إله إلا الله" ... يحيى في النفوس العقيدة الخالصة ... ويدعوها إِلى نبذ البدع والخرافات، ويستقي لها من نبع الإِسلام الصافي ومورده العذب القرآن والسنة، وما كان عليه السلف.
كان هذا الصوت صوت الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي تجاوبت أصداؤه في ربوع نجد وفي ديار الإِسلام".
١٦ - محمد ناصر الدين الألباني:
قال هذا المحدث الكبير ردًا على المحتجين بالحديث التالي على دم الإِمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر ثم أقبل على القوم فقال: "اللهم بارك لنا في مدينتا، وبارك لنا في مُدِّنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرَمنا، وبارك لنا في شامنا" فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت، ثم أعاد، فقال: الرجل وفي عراقنا فسكت. ثم قال: "اللهم بارك لنا في مدينتا ... "
ثم ذكر الحديث وقال: حديث صحيح ثم قال: ومما سبق ندرك مبلغ الحقد الدفين والبغض الحقير والإفتراء الأثيم الذي يكنه جماعة السوء لهذا الإِمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -يرحمه الله تعالى- وأجزل ثوابه الذي أخرج الناس من ظلمات الشرك إِلى نور التوحيد الخالص وقد اعتبروا ذلك من الفتن، ونسجوا حوله الأكاذيب والإِشاعات المغرضة، ليصرفوا الناس عن هذه الدعوة.
وفي كلام بعض العلماء ما يبين حال كثير من هذه الأُمة قبل الدعوة من الشرك القبيح فمن ذلك قول عالم صنعاء محمد بن إسماعيل الصنعاني في قصيدة: (ذُكر منها سابقًا).
стр. 1157
أقوال المستشرقين
١ - دائرة المعارف البريطانية:
الوهابية اسم لحركة التطهير في الإِسلام. والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده (القرآن والسنة) ويُهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإِسلام الصحيح.
٢ - قال كبير المستشرقين "جولدسيهر":
"إذا أردنا البحث في علاقة الإِسلام السُّني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة الآتية:
يجب على مَن ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإِسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصارًا للديانة الإِسلامية على الصورة التي وضعها النبي فغاية الوهابية هي إعادة الإِسلام كما كان".
٣ - وقال الكاتب الإِنكليزي "برانجس":
"لقد أشاع أعداء هذا الرجل العظيم وأتباعه بأنهم كفار، إلا أن الحقيقة أنهم متبعون تمامًا للكتاب والسنة وحركتهم حركة تطهير خالصة في الإِسلام. كما أشاع هؤلاء الأعداء أنهم نَهوا الناس عن زيارة المدينة، وهذا ليس بصحيح فإنهم نهوهم فقط عن ارتكاب الأعمال الشركية عند الروضة المطهرة، كما نَهوا عنها عند قبور الأولياء الآخرين".
٤ - قال المستشرق الفرنسي "هنري لاوست":
"إن السلفية لقبٌ على الحركة الوهابية لأنها أرادت إعادة الإِسلام إلى صَفائه الأول في عهد السلف الصالح. إن هذه الحركة السلفية تتميز عن غيرها بأن نظرياتها أدنى إلى العقل وأنها تفتح باب الإجتهاد وتكافح الخرافات والغُلو في الدين وتجتهد في التوفيق بين الدين وبين مطالب العصر".
стр. 1158
عقيدة المسلم
إن كان تابعُ أحمدٍ (١) متَوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
أنفي الشريكَ عن الإِله فليسَ لي ... رَبٌّ سِوى المتفردِ الوَهاب
لا قبةٌ تُرجى ولا وثَنٌ ولا ... قبرٌ له سَبَبٌ من الأسباب
كلا ولا حَجَرٌ، ولا شجرٌ ولا ... عين (٢) ولا نُصُبٌ مِن الأنصاب
أيضًا ولست مُعلِّقًا لِتميمَة (٣) ... أو حَلْقة، أو وَدعَة أو ناب
لِرَجاء نفع، أو لِدفع بلِيةٍ ... الله ينفَعني، ويدفَعُ ما بي
والإبتداع وكُل أمرٍ مُحْدَثٍ ... في الدين يُنكره أولو الألباب
أرجو بأني لا أُقاربُه ولا ... أرضاه دِينًا، وهو غيرُ صواب
وأعوذ مِن جهمية (٤) عنها عَتتْ ... بخلافِ كل مُوَّوِّل مُرتاب
والإستواء (٥) فإن حسبيَ قدوةً ... فيه مَقالُ السادةِ الأنجاب
الشافعي ومالكِ وأبي حنيفةَ ... وابن حنبل التقي الأواب
وبعصرنا مَن جاء معتَقِدًا به ... صاحوا عليه مُجَسّمٌ وهَّابي
جاء الحديث بغُربة الإِسلام ... فَلْيَبكِ المحِب لِغُربة الأحباب
فالله يَحمينا، ويَحفَظ دينَنا ... مِن شَرِّ كل مُعانِدٍ سَبَّاب
ويُؤيِّد الدينَ الحنيف بعصبَة ... مُتمَسِّكينَ بسُنة وكتاب
لا يأخذون برأيهم وقياسِهم ... ولهم إلى الوحْيَين خيرُ مآب
قد أخبرَ المختار عنهم أنهم ... غُرَباءُ بين الأهلِ والأصحاب
سَلكوا طريق السالكين إلى الهُدى ... ومَشَوْا على مِنهاجهم بصَوَاب
مِن أجلِ ذا أهلُ الغلُوِّ تنافروا ... عنهم فقلنا ليسَ ذا بعُجاب
نفرَ الذين دعاهم خيرُ الورى ... إذ لَقَّبوه بساحِرٍ كذاب
معَ عِلمِهم بأمانةٍ وديانةٍ ... فيه ومَكرُمة، وصِدق جواب
صلّى عليه الله ما هبَّ الصَّبا ... وعلى جميع الآلِ والأصحاب
الشيخ مُلا عُمران
стр. 1159
(٦)
نداء إلى المربين والمربيات لتوجيه البنين والبنات
стр. 1160
موجز نداء إلى المربين والمربيات
* مهمة المربي الناجح.
* شروط المربي الناجح.
* وظيفة المعلم.
* واجبات المعلم.
* وصايا نبوية مهمة للأولاد.
* كيف قامت الدولة الإسلامية.
* الطرق التربوية الناجحة.
* المكافآت والعقوبات.
* العقوبات التربوية المفيدة.
* إلى المعلمات والمدرسات.