صلاة العيدين في المصلَّى
١ - كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة [رواه البخاري]
٢ - قال رسول الله ﷺ : "التكبير في الفطر: سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما". [حسن رواه أبو داود]
٣ - أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيَعتزِلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها. [متفق عليه]
يستفاد من الأحاديث
١ - صلاة العيدين مشروعة وهي ركعتان: يُكَبر فيها المصلِّي سبع تكبيرات أول الركعة الأولى، وخمس تكبيرات في أول الركعة الثانية، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن.
٢ - صلاة العيد تكون في المصلَّى، وهو مكان قريب من المدينة، كان يخرج إليه الرسول ﷺ لصلاة العيدين، ويخرج معه الصبيان والنساء الشابات، حتى النساء المعذورات بالحيض.
قال الحافظ في الفتح: وفيه الخروج إِلى المصلَّى، ولا يكون في المسجد إِلا عن ضرورة.
تأكيد الأضحية في العيد
١ - قال رسول الله ﷺ "إن أوَّلَ ما نبدأ به في يومنا هذا: أن نُصلِّي، ثم نرجع
стр. 107
فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة، فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النُسك في شيء". [متفق عليه]
٢ - وقال ﷺ : "يا أيها الناس: إن على كل بيت أُضحية". [رواه أحمد والأربعة، وقواه الحافظ في الفتح]
٣ - وقال ﷺ : "من وجد سَعَة لأن يُضَحِّ، فلم يُضحِّ، فلا يَقربن مُصلانا". [رواه أحمد وغيره وحسنه محقق جامع الأصول]
صلاة الاستسقاء
١ - خرج النبي ﷺ إلى المصلَّى يستسقي، فدعا واستسقى، كم استقبل القبْلة، فصلى ركعتين، وقلب رداءه وجعل اليمين على الشمال.
(يجوز تقديم الصلاة على الدعاء لوجود حديث آخر) [رواه البخاري]
٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك ﷺ فاسقنا فيُسقون. [رواه البخاري]
هذا الحديث دليل على أن المسلمين كانوا يتوسلون بالرسول ﷺ في حال حياته يطلبون الدعاء منه لنزول المطر، فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يطلبوا منه الدعاء، بل طلبوا من العباس عم النبي ﷺ وهو حي، فقام العباس يدعو الله لهم.
صلاة الخسوف والكسوف
١ - عن عائشة ﵂ قالت: "خسفَت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً (الصلاة جامعة) فقام فصلَّى أربع ركوعات في ركعتين وأربع سجدات" [رواه البخاري]
стр. 108
٢ - وعن عائشة قالت: كُسِفَتِ الشمس في عهد النبي ﷺ فقام النبي ﷺ ، فصلى بالناس، فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه، فأطال القراءة -وهي دون قراءته الأولى- ثم ركع فأطال الركوع دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه، فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، فسلَّم وقد تجلَّت الشمس، فخطب الناس فقال:
"إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يُريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة .. وادعوا الله وصلُّوا وتصدقوا .. "
"يا أمة محمد ما مِن أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلموا ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلَّغت؟ "
[هذه رواية البخاري ومسلم باختصار]
صلاة الاستخارة
عن جابر ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل:
"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدِرُ ولا أقَدرُ. وتعلمُ ولا أعلم، وأنتَ علَّام الغيوب.
اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر (١) خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، (أو قال في عاجل أمري وأجله) فاقدُره لي، ويَسِّرهُ لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلَمُ أن هذا الأمر (٢) شرُّ لي في ديني ومعاشي وَعاقبةِ أمري، (أو قال في عاجل أمري وأجله) فاصرفهُ عني واصرفني عنه، واقدُر لي الخيرَ حيث كان، ثم رضِّني به" (٣) (قال ويَسمي حاجته). [رواه البخاري]
стр. 109
وهذه الصلاة والدعاء يفعلهما الإِنسان لنفسه كما يشرب الدواء بنفسه مُوقناً أن ربه الذي استخاره سَيوُجِّههُ للخير، وعلامة الخير تيسُّرُ أسبابه، واحذر الاستخارة المبتَدَعَة التي تعتمد على المنامات وحساب اسم الزوجين وغيرهما مما لا أصل له في الدين.
احذر المرور أمام المصلِّي
قال رسول الله ﷺ : "لو يعدم المارُّ بين يدَي المصلِّي ماذا عليه دون أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه".
قال أبو النضر: لا أدري قال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة. [رواه البخاري في باب إثم المار بين يدي المصلي الجزء الأول]
وجاء في رواية المتن خزيمة: "أربعين خريفاً" وصححها ابن حجر.
هذا الحديث يدل على أن المرور بين يدى المصلِّي في محل سجوده، فيه إثم ووعيد، ولو عرف هذا المارّ ما عليه من الإثم لوقف أربعين سنة، ولو مر بعيداً من مكان سجوده لا شيء عليه حسب مفهوم الحديث الذي ينص على مكان وضع يدي المصلي عند سجوده.
وعلي المصلِّي أن يضع سترة أمامه، حتى ينتبه المار فيحذر المرور أمامه لقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فإذا أراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحوه، فإن أبي فليقاتله، فإنما هو شيطان". [متفق عليه]
وهذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، والذى يحذر المرور بين يدى المصلي يشمل المسجد الحرام ومسجد الرسول لعمومه، ولأن الرسول حين قال هذا الحديث قاله في مكة أو المدينة، والدليل على ذلك ما يلي:
١ - ذكر البخاري في جـ ١/ ٥٨٢ - من فتح الباري:
стр. 110
(باب يرد المصلي من مَرَّ بين يديه):
"وَردَّ ابن عمر المارّ بين يديه في التشهد وفي الكعبة وقال: إِن أبي إلا أن تقاتله فقاتِلَه". قال الحافظ في الفتح: وتخصيص الكعبة بالذكر لئلا يُتخيل أنه يُغتفر فيها المرور لكونها محمل المزاحمة وقد وصل الأثر المذكور (وهو رد ابن عمر للمار) بذكر الكعبة فيه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له.
٢ - وأما الحديث الذي رواه أبو داود في سننه فغير صحيح لوجود مجهول فيه، وهذا نصه:
حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا سفيان بن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب ابن أبي رداعة عن بعض أهله عن جده أنه رأى النبي ﷺ يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة، قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة، قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير عن أبيه، قال فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي. قال الحافظ في الفتح: معلول [١/ ٥٧٦].
٣ - وجاء في البخاري (باب السترة بمكة وغيرها): عن أبي جحيفة قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة فصلى بالبطحاء (بمكة) الظهر والعصر ركعتين ونصب بين يديه عَنَزة. (عصا على رأسها حديدة).
والخلاصة: أن المرور في مكان سجود المصلي حرام، فيه إِثم ووعيد إِذا وضع أمامه سترة، سواء كان في الحرم، أو في غيره، لما تقدم من الأحاديث الصحيحة، وقد يجوز للمضطر عند الزحام الشديد.
٤ - ويستحب أن تؤخر السنة إِذا كان الزحام شديدًا، دفعًا للحرج والإِثم.
стр. 111
قراءة الرسول وصلاته ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل]
٢ - كان ﷺ لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة (أيام). [صحيح رواه ابن سعد]
٣ - كان ﷺ يُقطِّع قراءته آية آية: (الحمد لله رب العالمين)، ثم يقف (الرحمن الرحيم)، ثم يقف. [صحيح رواه الترمذي]
٤ - كان ﷺ يقول: "زَيِّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن، يزيد القرآن حُسنًا". [صحيح رواه أبو داود]
٥ - "كان يمدُّ صوته بالقرآن مَدًا". [صحيح رواه أحمد]
٦ - "كان يقوم إذا سمع الصارخ" (الديك) [متفق عليه]
٧ - "كان يُصلِّي في نعليه" (أحياناً) [متفق عليه]
٨ - "كان يعقد التسبيح (بيمينه) [صحيح رواه الترمذي وأبو داود]
٩ - "كان إذا حَزَبَه أمر صلى" [حسن رواه أحمد وأبو داود]
(حزبه: كربه)
١٠ - "كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها". [رواه مسلم في سنة الجلوس في الصلاة ٥/ ٨٠]
١١ - "كان ﷺ يُحرِّك أصبعه اليمنى يدعو بها". [صحيح رواه النسائي]
(السبابة عند الجلوس في الصلاة)
ويقول ﷺ : "لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد". [حسن رواه أحمد]
١٢ - "كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره". (في الصلاة)
[رواه ابن خزيمة وغيره وحسنه الترمذي] (ذكره النووي في شرح مسلم، وضعف حديث وضع اليد تحت السرة)
١٣ - إِن الأئمة الأربعة أجمعت على قول: "إِذا صح الحديث فهو مذهبي" فيكون
стр. 112
التحريك، ووضع اليد على الصدر في الصلاة من مذهبهم، وهو من سنن الصلاة.
١٤ - لقد أخذ بسنة تحريك الأصبع (السبابة) في الصلاة الإِمام مالك وغيره. وبعض الشافعية ﵏ كما في شرح المهذب للنووي ٣/ ٤٥٤ وذكر ذلك محقق جامع الأصول ٥/ ٤٠٤.
وقد بين الرسول ﷺ الحكمة من تحريكها في الحديث المذكور أعلاه، لأن تحريك الأصبع يُشير إلى توحيد الله، وهذا التحريك أشد على الشيطان من ضرب الحديد لأنه يكره التوحيد.
فعلى المسلم أن يتبع الرسول ﷺ ، ولا ينكر سنته فقد قال ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّى". [رواه البخاريُّ]
عبادة الرسول ﷺ -
١ - قال الله - تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١، ٢]
٢ - قالت عائشة: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى عشرة ركعة، يصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلي ثلاثاً، فقلت: أتنام قبل أن توتر؟ فقال يا عائشة: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". [متفق عليه]
٣ - عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل فقالت: "كان ينام أول الليل، ثم يقوم، فإذا كان من السَّحَر أوتر، ثم أتى فراشه، فإذا كان جُنُباً أفاض عليه من الماء (اغتسل)، وإلا توضأ، وخرج إلى الصلاة" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما]
٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ قوم حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غَفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:
стр. 113
أفلا أكون عبداً شكوراً] [متفق عليه]
٥ - قال رسول الله: "حُبِّب إليَّ من دُنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة". [صحيح رواه أحمد]
الزكاة وأهميتها في الإسلام
هي حق واجب في مال بشروط لطائفة مُعينة، وفي وقت معلوم.
والزكاة هي أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله .
وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إِجماعاً قطعياً، فمن أنكر وجوبها مع علمه بها فهو كافر خارج عن مِلة الإسلام. ومَن بخل بها أو انتقص منها شيئًا فهو من الظالمين المتعرضين للعقوبة والنكال.
ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. [البقرة: ١١٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. [البينة: ٥]
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس فذكر منها إيتاء الزكاة"
وفي البخاوي في قصة بَعث معاذ إِلى اليمن وفيه قال: "فإن هم أطاعوا لذلك
فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ مِن أغنيائهم فتُرَّدُّ على فقرائهم".
وفي كفر تارك أدائها قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]
حيث يُفهم من الآية أن الذي لا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة ليس من إِخواننا في الدين، بل هو من الكافرين، ولذلك قاتل أبو بكر الصِّديق ﵁ مَن فرَّق
стр. 114
بين الصِلاة والزكاة ومنعها فأقام الصلاة ومنع الزكاة ووافقه الصحابة على ذلك فكان إِجماعاً
حكمة تشريع الزكاة
لتشريع الزكاة حِكم كثيرة ومقاصد عظيمة ومصالح تظهر من خلال التأمل انصوص الكتاب والسنة التي تأمر بأداء فريضة الزكاة: مثل آية مصارف الزكاة في سورة التوبة، وغيرها من الآيات والأحاديث التي تحث على الصدقة والإِنفاق في وجوه الخير بشكل عام. ومن هذه الحكم:
١ - تزكية نفس المؤمن من أوضار الذنوب والآثام وآثارهما السيئة على القلوب، وتطهير روحه من رذيلة البخل والشُّح وما يترتب عليهما من آثار سيئة. قال الله - تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. [التوبة: ١٠٣]
٢ - كفاية الفقير المسلم وسَدُّ حاجته ومواساته وإكرامه عن ذل السؤال لغير الله.
٣ - التخفيف مِن هَمِّ المدِين المسلم بسَداد دَينه وقضاء ما وجب عليه من ديون الغرماء.
٤ - جمع القلوب المشتَّتة على الإِيمان والإِسلام والانتقال بها من الشكوك
والاضطرابات النفسية لعدم رسوخ الإيمان فيها، إِلى الإِيمان الراسخ واليقين التام.
٥ - تجهيز المقاتلين في سبيل الله، وإعداد العُدد والعَتاد الحربي لنشر الإِسلام، ودَحر الكفر والفساد، ورفع راية العدل بين الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
٦ - مساعدة المسلم المسافر إِذا انقطع في طريقه ولم يجد ما يكفيه مُؤنة سفره، فيُعطى مِن الزكاة ما يَسُد حاجته حتى يعود إِلى داره.
٧ - تطهير المال وتنميته والمحافظة عليه ووقايته من الآفات ببركة طاعة الله وتعظيم أمره والإِحسان إِلى خَلقه.
стр. 115
هذه جملة من الحكم السامية والأهداف النبيلة التي شُرعت لها صدقة الزكاة، وغيرها كثير إِذ لا يحيط بأسرار الشرع وحِكَمه إِلا الله .
الأموال التي تجب فيها الزكاة
تجب الزكاة في أربعة أشياء:
الأول: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. [البقرة: ٢٦٧]
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. [الأنعام: ١٤١]
وأعظم حقوق المال الزكاة. قال النبي ﷺ : "فيما سقت السماء أو كان عُثريا العُشر وفيما سُقي بالنضح نصف العُشر". [رواه البخاري]
(العُثري: هو من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفرة).
[ذكره ابن الأثير]
الثاني: الأثمان كالذهب والفضة والأوراق النقدية لقول الله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. [التوبة: ٣٤]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يُؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحميَ عليها في نار جهنم فَيُكوى بها جَنبه وجَبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد".
والمراد بحقها الزكاة لأنه ورد في رواية أخرى: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته". [رواه مسلم]
الثالث: عروض التجارة: وهي كل ما أُعِدَّ للتكسب والتجارة من عقار وحيوان
стр. 116
وطعام وشراب وسيارات وغيرها من أصناف المال، فيقوِّمها صاحبها بما تساوي عند رأس الحول، ويُخرج رُبع عشر قيمتها سواء كانت قيمتها بقدر ثمنها الذي اشتراها به أقل أم أكثر، ويجب على أصحاب المحلات التجارية أهل البقالات والسيارات وقطع الغيار أن يُحصوا ما في محلاتهم من البضائع إِحصاء دقيقاً شاملاً للصغير والكبير، ويُخرجوا زكاتها فإِن شق عليهم ذلك احتاطوا وأخرجوا ما يكون به براءة ذممهم.
الرابع: بهيمة الأنعام: وهي الإِبل والغنم من ضأن أو ماعز بشرط أن تكون سائمة وأُعِدَّت للدَّرِّ والنسل، وبلغت نصاباً، والسائمة هي التي ترعى العشب كل السنة أو أكثرها فإِن لم تكن سائمة فلا زكاة فيها إِلا أن تكون للتجارة، وإن أُعِدَّت للتكسب بالبيع والشراء فيها فهي عروض تجارة تُزكَّى زكاة العروض سواء كانت سائمة أو معلوفة إِذا بلغت نصاب التجارة بنفسها أو بضمها إلى تجارته.
مقادير الأنصبة
١ - الحبوب والثمار:
النصاب: خمسة أوسق وتساوى ٦١٢ كيلو جراماً بالبُرِّ الجيد مقدار الواجب فيه: العشر فيما سقت السماء أو العيون، ونصف العشر فيما سقي بكلفة.
٢ - النقدي أو الأثمان:
(أ) الذهب: عشرون دينارًا وتساوى ٨٥ جراماً وفيه ربع العشر (٢.٥ لكل مائة)
(ب) الفضة: خمس أوراق وتساوي ٥٩٥ جراماً، وفيها ربع العشر (٢.٥ لكل مائة).
(ج) الأوراق النقدية: ما يعادل قيمة أحد النصابين الذهب أو الفضة، وفيها ربع العشر (٥، ٢ لكل مائة)
стр. 117
٣ - عروض التجارة:
تقدر قيمتها بنصاب الذهب أو الفضة ويخرج ربع عشرها (٢.٥ لكل مائة)
٤ - بهيمة الأنعام:
(أ) الإبل: أقلُّ النصاب فيها خمس، وفيها شاة.
(ب) البقر: أقل النصاب ثلاثون، وفيها تبيع.
(ج) الغنم: أقل النصاب أربعون، وفيها شاة.
ومحل تفصيل ذلك كتب الحديث والفقه فلتراجع إِن أردت التوسع.
(التْبيع: ما له سنة).
وتجب الزكاة فيها إذا كانت ترعى من البرية أكثر السنة
شروط وجوب الزكاة
١ - الإِسلام: فلا تجب على كافر أو مُرتَد.
٢ - الملك التام للمال المزكَّى بحيث يكون في يده وتحت تصرفه أو قادر على تحصيله.
٣ - بلوغ النصاب: أى أن يبلغ المال النصاب الذي حدده الشارع وهو يختلف باختلاف الأموال كما سبق وهو تقريبيٌّ في الأثمان ومحدد في غيرها.
٤ - مضيُّ الحول: وهو مُضي السنة من يوم ملك النصاب، إِلا في الخارج من الأرض، فزكاته عند استوائه، وإلا نِتاج السائمة وربح التجارة فحولهما حول أصلهما من حين كمل نصاباً.
٥ - الحرية: فلا تجب الزكاة على عبد لأنه لا يملك بل هو ما تحت يده إِلى بدء العمل يذلك ملك لسيده.
٦ - لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إِذا كان يعلفها صاحبها من ماله.
стр. 118
مصارف الزكاة
الأصل في مصارف الزكاة قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. [التوبة: ٦٠]
(والمراد بالصدقات في الآية الزكاة المفروضة).
وقد بين الله - سبحانه- ثمانية أصناف كل منهم يستحق الزكاة وهم:
١ - الفقير:
هو المحتاج الذي لا يملك حاجته أو أقل وهو أشد حاجة من المسكين.
٢ - المسكين:
وهو المحتاج لكنه أحسن حالا من الفقير، كمن حاجته عشرة وعنده سبعة أو ثمانية، وكون الفقير أشد حاجة من المسكين دل عليه قوله - تعالى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾. [الكهف: ٧٩]
فوصفهم بأنهم مساكين رغم امتلاكهم للسفينة.
وُيَعطى الفقير والمسكين من الزكاة كفاية سنة، لأن وجوب الزكاة يتكرر كل سنة فينبغي أن يأخذ ما يكفيه لمثلها.
والكفاية المعتبرة: هي أن يكون المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لابُدَّ منه على مايليق بحاله بغير إِسراف ولا إِقتار لنفس الشخص، ولمن تلزمه مُؤنته، وهو يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأشخاص، فما كان هنا كفاية لرجل لا يكون كفاية له هناك، وكذا ما يكون كفاية منذ عشر سنوات لا يكون كفاية اليوم، وكذلك ما يكون كفاية لهذا قد لا يكون كفاية لذاك لكثرة عيال ونفقة ونحو ذلك.
وأفتى أهل العلم بأنه من تمام الكفاية أيضًا علاج المرضى وتزويج الأعزب، وكتب العلم المحتاج إليها.
стр. 119
ويشترط في آخذها من الفقراء والمساكين أن يكون مسلمًا وأن لا يكون من بني هاشم ومواليهم وألا يكون ممن تلزم المزكي نفقته كالوالدين والأولاد والزوجات، وأن لا يكون لقوي مكتسب لقوله ﷺ : "لا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مُكتسِب". [رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه محقق جامع الأصول]
٣ - العاملون عليها:
وهم الذين يوليهم الإِمام أو نائبه عملًا من أعمال الزكاة من جمع أو حفظ أو تفريق كالسعاة الذين يجمعونها والخزنة والكتاب والحاسبين والحراس والقائمين على نقلها وتوزيعها ونحو ذلك.
ويُعطى العامل على الزكاة قدر عمالته وأجر مثله، حتى لو كان غنيًا ما دام مسلمًا بالغاً أميناً كافياً لعمله، ولا تُصرف الزكاة له إِن كان من بني هاشم لما رواه مسلم من حديث المطلب بن ربيعة مرفوعًا: "إن الصدقه لا تنبغي لآل محمد".
٤ - المؤلَّفة قلوبهم:
وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه، أو قوة إِيمانه أو إِسلام نظيره، أو الدفع عن المسلمين أو كفّ شره.
وسهمهم باقٍ لم ينسخ وأنهم يُعطَون من الزكاة ما يحصل به تأليفهم على الإِسلام ونصرته والدفاع عنه، ويعطى هذا السهم للكافر، لأن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أميَّة من غنائم حنين .. [رواه مسلم]
ويُعطى كذلك للمسلم، فقد أعطى النبي ﷺ أبا سفيان بن حرب، وأعطى كذلك الأقرع بن حابس، وعُيينة بن حصن لكل واحد منهم مائة من الإِبل. [رواه مسلم]
٥ - وفي الرقاب:
يشمل عتق العبيد ومساعدة المكاتَبين، وفك الأسرى من أسر العدو يدخل فيها لأنه أشبه ما يدفعه إِلى الغارم لفك رقبته من الدَّين بل وأولى لأنه يخاف عليه القتل أو الردة.
стр. 120
٦ - والغارمون:
وهم الله من تحمَّلوا الدُّيون وتَعيَّن أداؤها، والديون قسمان:
١ - إِما أن يكون الرجل غرم لمصلحة نفسه في مباح، كأن يستدين في نفقة، أو كسوة أو زواج أو علاج، أو بناء مسكن أو شراء أثاث لا بُدَّ منه، أو أتلف شيئًا على غيره خطأ أو سَهواً، فيُعطى ما يَقضي به دينه إِن كان في حاجة لفقره، وقد استدان في طاعة أو أمر مباح.
ويشترط أن يكون مسلمًا، وأن لا يكون غنيًا قادرًا على السداد، وأن لا يكون دَينه في معصية، وأن لا يكون دَينه مُؤجلاً لا يحل تلك السنة، وأن يكون الدَّين لآدمي يُحبَس فيه، فلا يكون من الكفارات والزكاوات.
٢ - الغارم لمصلحة غيره: لإِصلاح ذات البين، ويأخذ من الزكاة لحديث قبيصة الهلالي قال: تحمَّلت حمالة فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالةً فحلَّت له المسألة حتى يُصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فَحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش أو قال: سِداداً من عيش. ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة مِن ذوي الحجا (أي العقل) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قواماً من عيش، أو قال سِداداً من عيش، فما سواهن من المسألة، يا قبيصة سُحتا يأكلها صاحبها سُحتاً". [رواه أحمد ومسلم]
ويجوز قضاء دين الميت من الزكاة لأن الغارم لا يُشترط تمليكه، وعلي هذا يجوز الوفاء عنه، لأن الله جعل الزكاة فيهم، ولم يجعلها لهم.
٧ - وفي سبيل الله:
أي المتطوعون الذين لا يتقاضون راتباً من الحكومة، ويدخل في هذا الفقير والغني، والرباط على الثغور كالغزو، ولا يدخل فيها المصالح الخيرية، وإلا لما كان لذكر باقي الأصناف في الآية فائدة، إِذ الكل داخل في المصالح الخيرية.
стр. 121
ويدخل في سبيل الله مفهوم الجهاد الواسع: بمعنى أنه يدخل فيه التعبئة الشاملة الفكرية، وصَدُّ هجمات المغرِضين، ودرء شبهات المنحرفين، والمذاهب الهدامة، ونحو نشر الكتاب الإِسلامي المفيد، وتفريغ أمَناء مخلصين في العمل في مقاومة التبشير والإلحاد ونحو ذلك لحديث: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". [رواه أبو داود بإسناد صحيح]
٨ - وابن السبيل:
وهو المسافر الذي يجتاز من بلد إِلى بلد فيُعطى ما يرجع به إِلى بلده بشرط أن يكون محتاجاً إلى ما يوصله إِلى بلده وأن يكون سفره في غير معصية بأن يكون واجبًا أو مستحباً ولو مباحًا. ويشترط أن لا يجد من يُقرضه في ذلك. ويعطى ابن السبيل وإن طال مقامه إِذا كان مقيماً لحاجة يتوقع انجازها.
ولا يجب استيعاب الأصناف الثمانية في الصرف إِليها .. ولكنه مستحب بحسب الحاجة والمصلحة" وبحسب ما يراه الإمام أو نائبه أو المزكي.
من لا يُصرف لهم الزكاة
١ - الأغنياء والأقوياء المكتسبون.
٢ - أصول المزكي وفروعه وزوجته.
٣ - غير المسلمين.
٤ - آل النبي ﷺ
ويجوز دفع الزكاة إِلى سائر الأقارب سوى الأصول والفروع، ويجوز دفعها لبني هاشم إذا مُنعوا الخمس وكان معروفاً لأنه محل حاجة وضرورة.
стр. 122
من فوائد أداء الزكاة
١ - امتثال أمر الله ورسوله وتقديم ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه النفس من المال.
٢ - مضاعفة ثواب العمل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. [البقرة: ٢٦١]
٣ - الصدقة برهان على الإِيمان وعلامة دالة عليه كما في الحديث: "والصدقة بُرهان". [رواه مسلم]
٤ - الطهارة من دنس الذنوب والأخلاق الرذيلة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. [التوبة: ١٠٣]
٥ - نماء المال وبركته وحفظه والسلامة من شره لما في الحديث: "ما ينقص مال من صدقة". [رواه مسلم]
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
[سبأ: ٣٩]
٦ - المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إِلا ظله: " .... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه". [متفق عليه]
٧ - سبب لرحمة الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. [الأعراف: ١٥٦]
ما جاء في وعيد مانع الزكاة
١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤، ٣٥]
стр. 123
٢ - وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أُحمي عليه في نار جهنم فيُجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار".
٣ - وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: مَن آتاه الله مالاً فلم يُؤدِّ زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يُطوقه يوم القيامة، كم يأخذ بلهزمتيه (يعني شدقيه)، ثم يقول أنا مالك؛ أنا كنزك، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. [آل عمران: ١٨٠]
٤ - وروى مسلم قوله ﷺ : "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها كلما نفِدت عليه أُخراها عادت إليه أولاها حتى يُقضى بين الناس".
تنبيهات هامة
الأول: يصح دفع الزكاة لأحد الأصناف الثمانية ولا يجب توزيعها عليهم حال
وجودهم.
الثاني: يجوز إِعطاء الغارم ما يُسدِّد كل دينه أو بعضه.
الثالث: لا تعطى الزكاة لكافر أصلي أو مُرتَد، ولا تارك الصلاة للقول بكفره وهو الراجح، إِلا إِذا اشترطنا عليه الصلاة فيعطى تشجيعاً له.
الرابع: لا يجوز إِعطاء الزكاة لغني لقوله ﷺ :
"لا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". [رواه أبو داود وإسناده صحيح]
الخامس: لا يصح إِعطاء الزكاة لمن تجب النفقة عليهم كالوالدين والولد والزوجة.
السادس: يجوز للمرأة أن تعطي زكاتها لزوجها إِذا كان فقيرًا لقصة إِعطاء امرأة
стр. 124
عبد الله بن مسعود الصدقة لزوجها عبد الله، وإقرار النبي ﷺ على ذلك.
السابع: لا تنقل الزكاة من بلد إِلى بلد آخر إِلا لضرورة تستدعي ذلك، كشجاعة، أو عدم وجود فقير في بلد المال، أو إمداد المجاهدين، أو ينقلها الإِمام للمصلحة العامة.
الثامن: من استفاد مالاً في غير بلده ووجبت عليه الزكاة أخرج الزكاة في بلد المال ولا ينقلها لبلده إِلا لضرورة تستدعي ذلك كما سبق.
التاسع: يجوز إِعطاء الفقير من الزكاة ما يكفيه لعدة أشهر أو لسنة كاملة.
العاشر: تحب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت نقدًا أو سبائك أو حُليًّا يُلبس أو يُعار أو غير ذلك لعموم الأدلة على وجوب الزكاة فيها بدون تفصيل. ومن أهل العلم من قال: إِن الحُليَّ الذي أُعِدَّ للبس والإِعارة لا زكاة فيه. والأول أرجح أدلة والأخذ به أحوط.
الحادي عشر: لا زكاة فيما أعده الإنسان لحاجته من طعام وشراب وفرش ومسكن وحيوانات وسيارة ولباس ودليل ذلك كله قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". [متفق عليه]
ويُستثنى من ذلك حلي الذهب والفضة على ما سبق.
الثاني عشر: ما أُعِد للأجرة من عقارات وسيارات ونحوها فزكاتها في أُجرتها إِذا كانت نقوداً وحال عليها الحول، وبلغت قيمتها نصاباً بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من جنسها. [بحث الزكاة هذا مأخوذ من رسالة (بتصرف بسيط) بقلم عبد الله بن صالح قصير]
الصيام وفوائده
قال الله - تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. [البقرة: ١٨٣]
وقال رسول الله ﷺ : "الصيام جُنَّة". (وقاية من النار). [متفق عليه]
стр. 125
قال ﷺ :
١ - مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. [متفق عليه]
٢ - مَن صام رمضان، وأتبعَه سِتاً من شوال كان كصوم الدهر. [رواه مسلم]
٣ - من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه (والمراد صلاة التراويح) [متفق عليه]
أعلم با أخي المسلم أن الصوم عبادة وله فوائد عديدة منها:
١ - الصوم يُريح جهاز الهضم والمعدة من عناء عملها المتواصل، ويذيب الفضلات، ويقوى الجسم وهو مفيد أيضًا لأمراض كثيرة. ويريح الصيامُ المدخنين من تعاطي الدخان ويساعدهم على تركه.
٢ - الصوم تهذيب للنفس. وتعويد لها على الخير والنظام، والطاعة والصبر والإِخلاص.
٣ - يشعر الصائم بالمساواة بين إِخوانه الصائمين، فيصوم معهم ويفطر معهم، ويحس بوحدة إِسلامية عامة، ويحس بالجوع فيواسي إِخوانه الجائعين والمحتاجين.
واجبك في رمضان
أعلم يا أخي المسلم أن الله فرض علينا الصوم لنتعبد الله به، ولكي يكون صومك مقبولاً ومفيداً فاعمل ما يلي:
١ - حافظ على الصلاة، فكثير من الصائمين يهملون الصلاة، وهى عماد الدين، وتركها من الكفر.
٢ - كن حسن الأخلاق، واحذر الكفر وسب الدين، وسوء المعاملة مع الناس، محتجاً بصيامك، فالصوم يهذب النفوس، ولا يسيء الأخلاق، والكفر يُخرج المسلم من الدين.
стр. 126
٣ - لا تتكلم الكلام البذيء ولو مازحاً فيَضيع صومُك، واسمع قوله ﷺ : "إذا كانَ يومُ صوم أحدكُم فلا يَرْفُثْ يومئذٍ ولا يَصخَب: فإن شاتَمهُ أحَدٌ أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم". [متفق عليه]
(لا يرفث: لا يفحش قولا)
٤ - استفد من الصوم في ترك الدخان المسبب للسرطان والقرحة، وحاول أن تكون قوي الإرادة، وتتركه مساءً كما تركته نهارًا، فتوفر صحتك ومالك.
٥ - لا تسرف في الطعام حين الإِفطار فتُضيع فائدة الصوم، وتسيء إِلى صحتك.
٦ - لا تشاهد السينما والتلفزيون لئلا تشاهد ما يفسد الأخلاق ويتنافى مع الصوم.
٧ - لا تسهر كثيرًا فتُضيع السحور وصلاة الفجر، وعليك بالعمل في الصباح الباكر قال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لأُمتي في بُكورها" [صحيح رواه أحمد والترمذي]
٨ - أكثر من الصدقات على الأقارب والمحتاجين، وزُر الأرحام، وصالح الخصوم.
٩ - أكثرْ من ذكر الله، وتلاوة القرآن وسماعه، وتَدبَّر معناه، واعمل به واذهب إِلى المساجد لتسمع الدروس النافعة.
والاعتكاف في المسجد في آخر رمضان سُنّة.
١٠ - اقرأ رسالة (عن الصيام) وغيرها لتعلم أحكامه، فتعرف أن الأكل والشرب ناسياً لا يُفطِّر، وأن الجنابة ليلاً لا تمنع الصوم وإن كان الواجب رفعها للطهارة والصلاة.
١١ - حافظ على صوم رمضان، وعوِّد أولادك متى أطاقوه، واحذر الإفطار فيه دون عذر، فمن أفطر يومًا واحدًا عمدًا فعليه القضاء والتوبة.
ومن جامع زوجته أثناء رمضان نهاراً فعليه الكفارة بالترتيب (١).
١٢ - احذر يا أخي المسلم الإِفطار في رمضان، واحذر الجهر به أمام الناس، فالفطر
стр. 127
جرأة على الله، واستخفاف بالإسلام، ووقاحة بين الناس، وأعلم أن من لا صوم له لا عيد له، فالعيد فرحة كبرى بإِتمام الصوم وقبول العبادة.
أحاديث في الصوم
فضائل رمضان: قال رسول الله ﷺ :
١ - "إذا دخل رمضان فُتحت أبوابُ السماء، وأغلِقتْ أبوابُ جهنم، وسُلْسِلتِ الشياطين.
وفي رواية: إِذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة. وفي رواية أخرى فُتحت أبوابُ الرحمن". [أخرجه البخاري ومسلم]
٢ - وفي رواية الترمذي: "وينادي مناد يا باغي الخير هلُمَّ وأقبلْ، ويا باغي الشرِّ أقصِرْ، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة حتى ينقضي رمضان". [حسنه الألباني، في المشكاة]
٣ - "كلُّ عمل ابن آدم يُضاعفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدَع شهوته وطعامه مِن أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسك". (والخلوف: تغير رائحة الفم) [متفق عليه]
حفظ اللسان: قال رسول الله ﷺ :
١ - "مَن لم يَدَع قول الزور والعمل به، فليسَ لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه .. ". (يَدَع: يترك) [رواه البخاري]
الإفطار والدعاء والسحور: قال رسول الله ﷺ :
١ - "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور". [أخرجه الترمذي وقال محقق جامع الأصول إِسناده صحيح]
٢ - كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: "اللهم لك صُمت وعلي رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتَلّتِ العُروق، وثبتَ الأجر إن شاء الله". [رواه أبو داود وحسنه محقق جامع الأصول والألباني في المشكاة رقم ١٩٩٤]
стр. 128
٣ - وقال رسول ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما عجِّلوا الفطر". [متفق عليه]
٤ - "تسحَّروا فإن في السحور بركة". [متفق عليه]
صوم النبي ﷺ -
١ - قال ﷺ : "ثلاثٌ من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة (١) احتسِبُ على الله أن يكَّفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام (يوم) عاشوراء (٢) احتسِبُ على الله أن يكفّر السنة التي قبله". [رواه مسلم]
٢ - وقال ﷺ : "لَئِن بقيتُ إلى قابل لأصومَنَّ التاسع" (٣). [رواه مسلم]
٣ - سُئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الإِثنين ويوم الخميس؟ قال: "يومان تُعرض فيهما الأعمالُ على ربِّ العالمين، فأحِبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائم". [رواه النسائي وحسَّنه المنذري]
٤ - "نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الفطر والأضحى". [متفق عليه]
٥ - "ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيامَ شهر قط إلا شهر رمضان" [رواه البخاري ومسلم عن عائشة]
٦ - لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان". [رواه البخاري]
فضائل الحج والعمرة
١ - قال الله - تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. [آل عمران: ٩٧]
стр. 129
٢ - وقال ﷺ : "العُمرةُ إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحجُ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". [متفق عليه]
٣ - وقال ﷺ : "مَنْ حجَّ فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ رجع مِن ذنوبه كيوم ولدته أُمه". (لم يرفث: لم يفحش في القول). [متفق عليه]
٤ - وقال ﷺ : "خذوا عني مناسِكَكُم". [رواه مسلم]
٥ - أخي المسلم: عجل بفريضة الحج عندما يُصبح لديك مالٌ يكفيك ذهاباً وإياباً، ولا عبرة للمصاريف بعد الحج كالهدايا والحلوى وغيرها، حيث لا يقبل الله بها عذرًا، فبادر إِلى الحج قبل أن تمرض، أو تفتقر، أو تموت عاصياً، لأن الحج ركن من أركان الإسلام له فوائد عظيمة.
٦ - يجب أن يكون مال العمرة والحج مالاً حلالًا حتى يقبلهما الله.
٧ - يَحرمُ سفر المرأة إِلى الحج وغيره إِلا مع ذي مَحرَم لقوله ﷺ : "ولا تسافر المرأة، إلا ومعها ذو مَحرم". [متفق عليه
٨ - صالح خصومك، وأوفِ دينَك، وأوص أهلك ألا يُسرفوا في الزينة والسيارات والحلوى والذبيحة وغيرها، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. [الأعراف: ٣١]
٩ - الحج مؤتمر عظيم للمسلمين، ليتعارفوا ويتحابوا، ويتعاونوا على حل مشاكلهم، وليشهدوا منافع لهم في الدين والدنيا.
١٠ - والمهم جداً أن تتغلَّب على حَلِّ مشاكلك بالاستعانة بالله وحده، ودعائه دون سواه، لقوله - تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. [الجن: ٢٠]
١١ - تجوز العمرة في أي وقت، لكنها في شهر رمضان أفضلُ، لقوله ﷺ : "عمرة في رمضان تَعدِل حجة". [متفق عليه]
١٢ - الصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة في غيره. لقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". [متفق عليه]
стр. 130
ولقوله ﷺ : "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاةٍ في مسجدي هذا بمائة صلاة". [صحيح رواه أحمد]
١٠٠٠ × ١٠٠ = ١٠٠.٠٠٠ مائة ألف صلاة.
١٣ - عليك بحج التمتع، وهو العمرة والتحلل منها ثم الحج لقوله ﷺ : "يا آل محمد، من حجَّ منكم فلْيُهِلّ بعمرة في حجة". [رواه ابن حبان وصححه الألباني]
أعمال العمرة
الإحرام، الطواف، السعي، الحلق، التحلل
١ - الإحرام:
البس لباس الإِحرام عند الميقات (١) وقل:
(لبيك اللهم بعمرة)، وارفع صوتك بالتلبية "لبيك اللهم لبيك".
٢ - الطواف: إذا وصلت مكة، فاذهب إِلى الحرم، وطف حول الكعبة سبعاً، مبتدئاً بالحجر الأسود قائلًا: "بسم الله والله أكبر" وقَبِّلْهُ إِن استطعت، أو أشر إِليه باليمين، وامسح الركن اليماني بيمينك كل مرة إِن استطعت بلا تقبيل ولا إِشارة، وقل بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ثم صلِّ ركعتين خلف مقام إِبراهيم بعد الانتهاء من الطواف، واقرأ سورة (الكافرون) في الركعة الأولى، (والإِخلاص) في الركعة الثانية.
٣ - السعي: اصعد إِلى الصفا، واستقبل القبلة رافعاً يديك إِلى السماء قائلًا: "إن الصفا والمروة من شعائر الله" أبدأ بما بدأ الله به، وكبر ثلاثًا بلا إِشارة وقل: "لا إِله إِلا
стр. 131
الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده، أنجز وعدَه، وصدق عبدَه، وهزم الأحزاب وحده" ثلاثًا، ثم ادعُ الله بما شئت.
كرره عند الصفا والمروة في كل شرط من الدعاء.
امِشِ بين الصفا والمروة مُسرعاً بين الميلين الأخضرين.
السعي سبع مرات، يُحسب الذهاب مرة، والرجوع مرة.
٤ - احلق شعرك كله، أو قصره، والمرأة تقص من شعرها قليلاً.
٥ - وبهذا تكون قد أنهيت أعمال العمره وتحللت من إِحرامك.
أعمال الحج (١)
الإحرام، المبيت بمنى، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، الرمي، الذبح، الحلق، الطواف، السعي، التحلل.
١ - البس ثياب الإِحرام يوم الثامن من ذى الحجة بمكة وقل: ﴿لَبَّيك اللهم بحجة﴾ واذهب إِلى منى وبِتْ فيها، وصلّ خمس صلوات قصراً، فتصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين في وقتها.
٢ - اِذهب إِلى عرفة يوم التاسع بعد الشروق، وصَلِّ الظهر والعصر جَمعَ تقديم بأذان وإقامتين بدون سُنَّة، وتأكد أنك في عرفة داخل حدودها مُفطراً مُلبِّياً داعياً الله وحده، لأن الوقوف في عرفة ركن أساسي، ومسجد نمرة معظمه ليس من عرفة.
٣ - انزل من عرفة بعد الغروب بهدوء (لمزدلفة) وصَلِّ المغرب والعشاء جمع تأخير، وَبِت فيها لتصليَ الفجر وتذكر الله عند المشعر الحرام، ويُسمح للضعفاء بعدم المبيت.
стр. 132
٤ - اخرج من مزدلفة قبل الشروق إِلى (منى) يوم العيد وصل صلاة العيد إِن
استطعت، وارْمِ الجمرة الكبرى بسبع حصيات صغيرة مُكبراً مع كل واحدة بعد الشروق ولو إِلى الليل.
٥ - اذبح ذبيحةً واسلخها بمنى أو مكة؛ أيام العيد، وكُل وأطعِم الفقراء، فإِن لم تملك ثمنها فصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجعت لأهلك، والمرأة كالرجل تجب عليها الذبيحة أو الصوم، وهذا للمتمتع وجوبًا وللقارن.
٦ - احلق شعرك أو قصِّره كله، والحلق أفضل، ثم البس ثيابك، ويحل لك كل شيء إِلا النساء. وهذا يسمى التحلل الأصغر.
٧ - ارجع إِلى مكة فطُف سبعاً واسعَ بين الصفا والمروة سبعاً (ذهابًا مرة، ورجوعاً مرة)، وبعد الطواف والسعي تحل لك زوجتك بعد أن كانت حرامًا. ويجوز تأخير الطواف إِلى آخر شهر ذى الحجة.
٨ - ارجع إِلى منى أيام العيد، وَبِتْ فيها وجوبًا، وارم الجمرات الثلاث مبتدئاً بالصغرى كل يوم بعد الظهر، ولو إِلى الليل، بسبع حصيات لكل جمرة، مكبراً عند كل حصاة، عالمًا بوقوعها في المرمى، فإِذا لم تقع في المرمى فأعدها، ويُسَن الوقوف بعد رمي الصغرى والوسطى للدعاء مع رفع اليدين.
ويجوز التوكيل بالرمي عن النساء والمرضى والصغار والضعفاء، ويجوز تأخير الرمي إِلى اليوم الثاني والثالث عند الضرورة.
٩ - طواف الوداع واجب، ويكون السفر بعد الطواف مباشرة.
من آداب الحج والعمرة
١ - أخلِص حجَّك لله قائلاً: اللهم هذه حجّة لا رِياء فيها ولا سُمعة.
٢ - رافق أهل الصلاح واخدمهم، وتحمل أذى جيرانك.
стр. 133
٣ - احذر شرب الدخان وشراءه، فهو حرام يضر الجسم والجار والمال، وفيه معصية لله - تعالى.
٤ - استعمل السواك عند الصلاة، وخذ منه هدايا مع زمزم والتمر، فقد وردت
أحاديث صحيحة بفضلها.
٥ - احذر لمس النساء، والنظر إِليهن، واحجُب نساءك عن الرجال.
٦ - لا تَتخَطَّ رقاب المصلين فتؤذيهم، واجلس في أقرب مكان.
٧ - احذر المرور بين يدى المصلي حتى في الحرمين، فهو من عمل الشيطان (انظر الدليل في أول الكتاب تحت هذا العنوان)
٨ - تمهَّل في صلاتك. وصَلِّ إِلى سترة (كجدار، أو ظهر رجل أو محفظة)، ويكفي المقتدين سترة إِمامِهم.
٩ - تَلطف بمن حولك أثناء الطواف والسعي، والرمي، وتقبيل الحجر الأسود، فهو من الرفق المطلوب.
١٠ - احذر دعاء غير الله من الأموات فهو من الشركِ الذي يُبطل الحج والعمل قال تعالى: ﴿ئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. [الزمر: ٦٥]
من آداب المسجد النبوي
١ - إذا دخلت المسجد فقدم رجلك اليمنى وقل: "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك".
٢ - صَلِّ ركعتين تحية المسجد، وسَلَّم على الرسول ﷺ قائلاً: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، ثم استقبل القبلة عند الدعاء، وتذكر قوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
стр. 134
٣ - زيارة مسجد الرسول ﷺ والسلام عليه مستحبة، ولا يتوقف عليها صحة الحج، وليس لها وقت محدد.
٤ - احذر لمس أو تقبيل الشباك أو الجدار وغيرهما فهو بدعة.
٥ - الرُّجوع إِلى الوراء عند مغادرة المسجد، بدعة لا دليل عليه.
٦ - أكثِرْ من الصلاة على الرسول ﷺ لقوله ﷺ "مَن صلى عليّ صلاة واحدة، صلَّى الله عليه بها عشراً". [رواه مسلم]
٧ - تستحب زيارة البقيع وشهداء أُحُد. دون المساجد السبعة.
٨ - السفر إِلى المدينة يكون بنية زيارة المسجد النبوي ثم السلام عليه ﷺ بعد الوصول، لأن الصلاة في مسجده أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد، ولقوله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". [متفق عليه]
٩ - توضأ واذهب إِلى مسجد قباء، وصل ركعتين لتكتب لك أجر عمرة.
تَمسُّك المجتهدين بالحديث
الأئمة الأربعة ﵃ وجزاهم الله عنا كل خير، اجتهد كل واحد منهم بحسب ما وصل إِليه من الأحاديث، وقد اختلفوا في كثير من الأمور لاطلاع أحدهم على أحاديث لم يطلع عليها غيره، لأن الأحاديث لم تكن منتشرة، وكان حفاظ الحديث قد تفرقوا في الحجاز والشام والعراق ومصر وغيرها من البلاد الإِسلامية، في عصر كانت المواصلات فيه صعبة وشاقة، لذلك نرى الإِمام الشافعي ﵁ ترك مذهبه القديم في العراق حينما ذهب إِلى مصر، واطلع على أحاديث جديدة.
стр. 135
وحينما نرى الشافعي يرى نقض الوضوء بلمس المرأة، فإِن أبا حنيفة لا يرى نقضه، عندئذ وجب الرجوع إِلى الكتاب والسنة الصحيحة لقوله - تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. [النساء: ٥٩]
لأن الحق لا يمكن أن يتعدد، فيكون اللمس ناقضاً وغير ناقض.
ونحن لم نؤمر إِلا باتباع القرآن المنزل من عند الله، وقد شرحه لنا رسول الله ﷺ بأحاديثه الصحيحة لقوله - تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. [الأعراف: ٣]
فلا يجوز لمسلم سمع حديثاً صحيحًا أن يرده لأنه مخالف لمذهبه، فقد أجمع الأئمة على الأخذ بالحديث الصحيح، وترك كل قول يخالفه.
أقوال الأئمة في الحديث
هذه بعض أقوال الأئمة ﵏ ترفع الملام عنهم وتُبين الحق لأتباعهم. الإِمام أبو حنيفة ﵀ وكلُّ الناس عِيال على فقهه يقول:
١ - لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه.
٢ - حرام على من لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي، فإِننا بشر نقول القول اليوم، ونرجع عنه غدًا.
٣ - إِذا قلتُ قولًا يخالف كتاب الله، وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي.
٤ - يقول ابن عابدين في كتابه: إِذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مُقلده عن كونه حنفياً بالعمل به، فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: "إِذا صح الحديث فهو مذهبي".
الإِمام مالك ﵀ إِمام المدينة المنورة يقول:
стр. 136
١ - إِنما أنا بشر أُخطئ وأُصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
٢ - ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويُترك إِلا النبي ﷺ .
الإِمام الشافعي ﵀ وهو من آل البيت يقول:
١ - ما من أحد إِلا وتذهب عليه سنة من سنن رسول الله ﷺ وتغيب عنه، فمهما قلتُ مِن قول، أو أصَّلتُ من أصل ورد فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قاله رسول الله ﷺ وهو قولي.
٢ - أجمع المسلمون على أنه من استَبان له سُنة عن رسول الله ﷺ ، لم يحل لأحد أن يدعها لقول أحد.
٣ - إِذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ ، فقولوا بقول رسول الله، وهو قولي.
٤ - إِذا صح الحديث فهو مذهبي.
٥ - قال يخاطب الأِمام أحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإِذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني به حتى أذهب إِليه.
٦ - كُل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت. فأنا راجع عنه في حياتي وبعد موتي.
الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وهو إِمام أهل السنة يقول:
١ - لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا (لمن فهم وعلم).
٢ - من رَدَّ حديث رسول الله ﷺ ، فهو على شفا هَلكة.
стр. 137
الإيمان بالقدر خيره وشره
هذا هو الركن السادس من أركان الإيمان، ومعناه كما قال الإِمام النووي في شرحه لهذا الركن في كتاب (الأربعين النووية):
إِن الله قدَّر الأشياء في القِدَم، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وفي أمكنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدره الله .
والإيمان بالقدر على أنواع:
١ - التقدير في العلم: "وهو الإيمان بأن الله -تعالى- قد سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومَن هو منهم مِن أهل الجنة، ومَن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجرى على ما سبق في علمه وكتابه". (نقلاً من كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص ٢٤)
٢ - التقدير في اللوح المحفوظ: ذكر ابن كثير في تفسيره نقلاً عن عبد الرحمن بن سلمان قوله: "ما من شيء قضى الله: القرآن فما قبله وما بعده إِلا هو في اللوح المحفوظ" (أي هو في الملأ الأعلى). (ج ٤/ ٤٩٧).
٣ - التقدير في الرحم: وقد ورد في الحديث: " ... ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمَر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ... ". [رواه البخاري ومسلم].
٤ - التقدير في المواقيت: "وهو سوق المقادير إِلى المواقيت، والله -تعالى- خلق الخير والشر، وقدر مجيئه إِلى العبد في أوقات معلومة". [نقلاً من شرح الأربعين حديث للنووي]
стр. 138
من فوائد الإيمان بالقدر
١ - الرضا واليقين والعوض: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. [التغابن: ١١]
قال ابن عباس: (بأمر الله، يعني عن قدره وقضائه)
وقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. [التغابن: ١١]
قال ابن كثير في تفسيرها: (أي ومن أصابته مُصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوَّضه عما فاته من الدنيا هدىً في قلبه، ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أُخذ منه أو خيراً منه، وقال ابن عباس: يَهدِ قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله).
٢ - تكفير الذنوب: قال ﷺ : "ما يصيب المؤمن من وصَب ولا نصَب، ولا سَقم، ولا حزَن حتى الهمِّ يهُمُّهُ إلا كفر الله به سيئاته". [متفق عليه]
٣ - إِعطاء الأجر الكبير: قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]
٤ - غنى النفس: قال ﷺ " .. وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس". [رواه أحمد والترمذي وحسنه محقق جامع الأصول]
وقال ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العَرض ولكن الغنى غنى النفس". [متفق عليه]
والمشاهد أن كثيرًا ممن يملكون الأموال الطائلة، ولا يرضون بها فيكونون فقراء النفوس، والذى يملك مالاً قليلاً، وهو راضٍ بما قسمه الله بعد الأخذ بالأسباب، فيكون غنياً بنفسه.
٥ - عدم الفرح والحزن: قال الله - تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
стр. 139
فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. [الحديد:٢٢ - ٢٣]
(نبرأها: نخلقها، تأسوا: تحزنوا، مختال فخور: متكبر في نفسه فخور على غيره).
قال ابن كثير: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإِن ذلك ليس بسعيكم وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشَراً وبطراً، وقال عكرمة: ليس أحد إِلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبراً. [انظر ابن كثير جـ ٤/ ٣١٤]
٦ - الشجاعة والإِقدام: إِن الذي يؤمن بالقدر يكون شجاعاً لا يهاب إِلا الله، لأنه يعلم أن الأجل مقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وأن مع العسر يُسراً.
٧ - عدم الخوف من ضرر البشر: قال ﷺ : " ... وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَّت الصحف". [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].
٨ - عدم الخوف من الموت: وقد نُسب إِلى عليّ ﵁ قوله:
أيَّ يومَيَّ من الموت أفّر ... يوم لم يُقدَر، أم يوم قُدِر
يوم لم يُقدَر لا أرهَبُهُ ... ومِن المكتوب لا ينجو الحذِر
٩ - عدم الندم على ما فات: قال ﷺ : "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير احرص على ما ينفعك واستعِن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". [رواه مسلم]
١٠ - الخير فيما اختاره الله: إِذا أُصيب المسلم بجرح في يده مثلًا فليحمد الله أنها
стр. 140
لم تكسر، وإذا كسرت فليحمد الله أنها لم تقطع، أو لم يكسر ظهره مما هو أخطر، وحدث أن رجلًا تاجراً كان ينتظر طائرة لعقد صفقة تجارية فأذن المؤذن للصلاة، فدخل ليصلي، ولما خرج وجد الطائرة قد أقلعت، فجلس حزيناً على ما فاته، وبعد قليل علم أن الطائرة احترقت في الجو، فسجد شكرًا لله على صلاته وتأخرِّه بسبب الصلاة، وتذكر قوله -تعالى-: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [البقرة: ٢١٦]
لا تَحتَجَّ بالقدر
يجب على كل مسلم الاعتقاد بأن الخير والشر بتقدير الله وعلمه وإرادته، ولكن فعل الخير والشر من العبد باختياره، ومراعاة الأمر والنهي واجب على العبد، فلا يجوز له أن يعصي الله ويقول "هكذا قدر الله ذلك"! الله أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب لِيُبيِّنوا طريق السعادة والشقاء، وتكرَّم على الإِنسان بالعقل والتفكير وعرَّفه الضلال والرشاد، قال الله - تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. [الإنسان: ٣]
فإذا ترك الإِنسان الصلاة أو شرب الخمر استحق العقوبة لمخالفة أمر الله ونهيه، وعندها يحتاج إِلى التوبة والندم ولا يرفع عنه ذلك احتجاجه بالقدر ..
وإنما يحتج بالقدر عند نزول المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى بقضاء الله وقدره. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. [الحديد: ٢٢]
стр. 141
نواقض الإيمان والإسلام
إِن للإِيمان نواقض، كما أن للوضوء نواقض إذا فعل المتوضِّئ واحدة منها بطل وضوؤه، ووجب عليه تجديده، ومثله الإِيمان.
ونواقض الإِيمان ترجع إِلى أقسام أربعة:
القسم الأول: يتضمن إِنكار وجود الرب أو الطعن فيه.
القسم الثاني: يتضمن انكار الإله المعبود أو الإِشراك معه.
القسم الثالث: يتضمن إِنكار أَسماء الله وصفاته الثابتة أو الطعن فيها.
القسم الرابع: يتضمن إِنكار رسالة محمد ﷺ أو الطعن فيها.
القسم الأول: الذي يتضمن إِنكار وجود الرب أو الطعن فيه، وفيه أنواع:
١ - إنكار وجود الرب كالشيوعيين المنكرين له حيث ينكرون وجود الخالق، ويقولون: "لا إِله والحياة مادة" ويُسندون الخلق والأفعال للصدفة والطبيعة وينسون خالق الطبيعة والصدفة، إِذ يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. [الزمر: ٦٢]
وهؤلاء أكفر من مشركي العرب قبل الإِسلام ومن الشيطان، إِذ كانوا يعترفون بوجود خالق لهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. [الزخرف: ٨٧]
ويحكى القرآن عن الشيطان: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. [ص: ٧٦]
ومن الكفر أن يَقول المسلم هذا الشيء خلقته الطبيعة أو أوجدته الصدفة كما يقول الشيوعيون وغيرهم.
٢ - أن يدعي شخص أنه رب كفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. [النازعات: ٢٤]
стр. 142
٣ - الإدعاء بأن هناك أقطاباً من الأولياء يُدبِّرون أمور الكون مع اعترافهم بوجود الرب، وهؤلاء أسوأ حالاً من المشركين قبل الإِسلام في هذا الاعتقاد لأنهم كانوا يعترفون بأن المدبر لأمور الكون هو الله وحده بدليل قول الله - تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. [يونس: ٣١]
٤ - قول بعض الصوفية: أن الله حل في مخلوقاته حتى قال ابن عربي الصُّوفي المدفون بدمشق:
الربّ عبدٌ، والعبدُ ربٌّ ... ياليتَ شعري من المكلّفِ؟
وقال طاغوتهم:
وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهب في كنيسة
وقال الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم عليه العلماء بالقتل فأُعدم تعالى الله عما يقولون عُلوًّا كبيرًا.
من نواقض الإيمان الشرك بالعبادة
القسم الثاني: يتضمن إِنكار الإلهُ المعبود أو الإِشراك معه. وفيه أنواع:
١ - الذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم والأشجار والشيطان وغيرها من
المخلوقات ويتركون عبادة الإِله الذي خلق هذه الأشياء التي لا تضر ولا تنفع قال الله - تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. [فصلت: ٣٧]
٢ - الذين يعبدون الله، ويشركون في عبادته بعض المخلوقات كالأولياء الممثلة في الأصنام، والقبور وغيرها، وهؤلاء هم المشركون من العرب قبل الإِسلام، حيث كانوا
стр. 143
يعبدون الله، ويدعونه وحده حين الشدة، ويدعون غيره حين الرخاء وذهاب الشدة وقد حكى القرآن عليهم فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. [العنكبوت: ٦٥]
وقد وصفهم بالشرك، مع أنهم كانوا يدعون الله وحده حين خشية الغرق في السفن، لأنهم لم يستمروا على ذلك، بل دعَوا غيره حين أنجاهم.
٣ - إِذا كان الله -تعالى- لم يرض عن حالة العرب قبل الإِسلام، بل كفرهم وأمر نبيه أن يقاتلهم لأنهم دعَوا غير الله حين الرخاء، ولم يقبل منهم إِخلاصهم في دعاء الله وحده وقت الشدة، وسماهم مشركين، فما بال بعض المسلمين اليوم يلجؤون إِلى الأولياء الأموات في حالة الشدَّة والرخاء أيضًا، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إِلا الله وحده كشفاء المرض وطلب الرزق والهداية وغيرها؛ وينسون الخالق للأولياء وهو الشافي والرازق والهادي وحده؟ وهؤلاء الأموات لا يملكون شيئًا، ولا يسمعون نداء غيرهم لهم، كما قال الله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]
وهذه الآية صريحة في عدم سماع الأموات لمن يُناديهم، وصريحة في أن دعاءهم من الشرك الأكبر ....
قد يقول قائل: نحن لا نعتقد أن هؤلاء الأولياء والصالحين ينفعون أو يضرون، بل نتخذهم واسطة وشفعاء نتقرب بهم إِلى الله، وجوابنا لهم: إن المشركين قبل الإِسلام كانوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد، كما قال القرآن عنهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. [يونس: ١٨]
وهذه الآية صريحة في أن من يعبد ويدعو غير الله وهو من المشركين، وإن كان
стр. 144
اعتقاده عدم ضررهم ونفعهم، بل لشفاعتهم.
وقال الله -تعالى- في حق المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. [الزمر: ٣]
وهذه الآية صريحة في كفر من يدعو غير الله بنية التقريب لله وفي الحديث:
"الدعاء هو العبادة" [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
٤ - ومن نواقض الإِيمان الحكم بغير ما أنزل الله إِذا اعتقد عدم صلاحيته، أو أجاز غيره من القوانين المخالفة له، لأن الحكم من العبادة لقول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. [يوسف: ٤٠]
ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. [المائدة: ٤٤]
أما إذا حكم بغير ما أنزل الله، وهو يرى صلاحيته للحكم، ولكنه فعل ذلك لهوىً أو مضطراً فهو ظالم وفاسق، وليس بكافر لقول ابن عباس ﵄: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم وفاسق" واختاره ابن جرير وقال عطاء: "كفر دون كفر".
وأما من وقع شرع الله وأحل مكانه قوانين وضعية مخالفة له، معتقداً صلاحيتها فهذا كفر مخرج من الملَّة باتفاق.
٥ - ومن نواقض الإِيمان عدم الرضا بحكم الله، أو يرى في حكمه ضيقاً وحرَجاً في نفسه لحكم الإِسلام لقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. [النساء: ٦٥]
стр. 145
أو يكره الحكم الذي أنزله الله، لقول الله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. [محمد: ٨، ٩]
من نواقض الإيمان الشرك في الصفات
القسم الثالث: يتضمن إِنكار صفات الله أو أسمائه أو الطعن فيها.
١ - إِن من نواقض الإِيمان أن ينكر المؤمن أسماء الله، أو صفاته الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة، كان ينفي علم الله الكامل، وقدرته، أو حياته أو سمحه، أو بصره، أو كلامه، أو رحمته، أو استواءه على عرضه وعلوه عليه أو نزوله إِلى سماء الدنيا، أو أن له يداً، أو عينًا، أو ساقاً، وغيرها من الصفات الثابتة التي تليق بجلاله ولا يشبه مخلوقاته لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. [الشورى: ١١]
فقد نفى الله في هذه الآية مشابهته لمخلوقاته، وأثبت لنفسه السمع والبصر، وبقية الصفات مثلها.
٢ - ومن الخطأ والضلال تأويل بعض الصفات الثابتة، وصرفها عن ظاهرها، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، لأن الاستواء معناه العلوُ والارتفاع كما فسره البخاري في صحيحه نقلاً عن مجاهد وأبي العالية، وهما من السلف الصالح لأنهما من التابعين. وتأويل الصفات يؤدى إِلى تعطيلها، فتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء، عطل صفة من صفات الله، وهي علُوُّ الله على على عرشه الثابت في القرآن والسنة قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
(أي علا وارتفع) [طه: ٥]