نواقض الإيمان والإسلام
إِن للإِيمان نواقض، كما أن للوضوء نواقض إذا فعل المتوضِّئ واحدة منها بطل وضوؤه، ووجب عليه تجديده، ومثله الإِيمان.
ونواقض الإِيمان ترجع إِلى أقسام أربعة:
القسم الأول: يتضمن إِنكار وجود الرب أو الطعن فيه.
القسم الثاني: يتضمن انكار الإله المعبود أو الإِشراك معه.
القسم الثالث: يتضمن إِنكار أَسماء الله وصفاته الثابتة أو الطعن فيها.
القسم الرابع: يتضمن إِنكار رسالة محمد ﷺ أو الطعن فيها.
القسم الأول: الذي يتضمن إِنكار وجود الرب أو الطعن فيه، وفيه أنواع:
١ - إنكار وجود الرب كالشيوعيين المنكرين له حيث ينكرون وجود الخالق، ويقولون: "لا إِله والحياة مادة" ويُسندون الخلق والأفعال للصدفة والطبيعة وينسون خالق الطبيعة والصدفة، إِذ يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. [الزمر: ٦٢]
وهؤلاء أكفر من مشركي العرب قبل الإِسلام ومن الشيطان، إِذ كانوا يعترفون بوجود خالق لهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. [الزخرف: ٨٧]
ويحكى القرآن عن الشيطان: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. [ص: ٧٦]
ومن الكفر أن يَقول المسلم هذا الشيء خلقته الطبيعة أو أوجدته الصدفة كما يقول الشيوعيون وغيرهم.
٢ - أن يدعي شخص أنه رب كفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. [النازعات: ٢٤]
стр. 142
٣ - الإدعاء بأن هناك أقطاباً من الأولياء يُدبِّرون أمور الكون مع اعترافهم بوجود الرب، وهؤلاء أسوأ حالاً من المشركين قبل الإِسلام في هذا الاعتقاد لأنهم كانوا يعترفون بأن المدبر لأمور الكون هو الله وحده بدليل قول الله - تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. [يونس: ٣١]
٤ - قول بعض الصوفية: أن الله حل في مخلوقاته حتى قال ابن عربي الصُّوفي المدفون بدمشق:
الربّ عبدٌ، والعبدُ ربٌّ ... ياليتَ شعري من المكلّفِ؟
وقال طاغوتهم:
وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهب في كنيسة
وقال الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم عليه العلماء بالقتل فأُعدم تعالى الله عما يقولون عُلوًّا كبيرًا.
من نواقض الإيمان الشرك بالعبادة
القسم الثاني: يتضمن إِنكار الإلهُ المعبود أو الإِشراك معه. وفيه أنواع:
١ - الذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم والأشجار والشيطان وغيرها من
المخلوقات ويتركون عبادة الإِله الذي خلق هذه الأشياء التي لا تضر ولا تنفع قال الله - تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. [فصلت: ٣٧]
٢ - الذين يعبدون الله، ويشركون في عبادته بعض المخلوقات كالأولياء الممثلة في الأصنام، والقبور وغيرها، وهؤلاء هم المشركون من العرب قبل الإِسلام، حيث كانوا
стр. 143
يعبدون الله، ويدعونه وحده حين الشدة، ويدعون غيره حين الرخاء وذهاب الشدة وقد حكى القرآن عليهم فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. [العنكبوت: ٦٥]
وقد وصفهم بالشرك، مع أنهم كانوا يدعون الله وحده حين خشية الغرق في السفن، لأنهم لم يستمروا على ذلك، بل دعَوا غيره حين أنجاهم.
٣ - إِذا كان الله -تعالى- لم يرض عن حالة العرب قبل الإِسلام، بل كفرهم وأمر نبيه أن يقاتلهم لأنهم دعَوا غير الله حين الرخاء، ولم يقبل منهم إِخلاصهم في دعاء الله وحده وقت الشدة، وسماهم مشركين، فما بال بعض المسلمين اليوم يلجؤون إِلى الأولياء الأموات في حالة الشدَّة والرخاء أيضًا، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إِلا الله وحده كشفاء المرض وطلب الرزق والهداية وغيرها؛ وينسون الخالق للأولياء وهو الشافي والرازق والهادي وحده؟ وهؤلاء الأموات لا يملكون شيئًا، ولا يسمعون نداء غيرهم لهم، كما قال الله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]
وهذه الآية صريحة في عدم سماع الأموات لمن يُناديهم، وصريحة في أن دعاءهم من الشرك الأكبر ....
قد يقول قائل: نحن لا نعتقد أن هؤلاء الأولياء والصالحين ينفعون أو يضرون، بل نتخذهم واسطة وشفعاء نتقرب بهم إِلى الله، وجوابنا لهم: إن المشركين قبل الإِسلام كانوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد، كما قال القرآن عنهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. [يونس: ١٨]
وهذه الآية صريحة في أن من يعبد ويدعو غير الله وهو من المشركين، وإن كان
стр. 144
اعتقاده عدم ضررهم ونفعهم، بل لشفاعتهم.
وقال الله -تعالى- في حق المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. [الزمر: ٣]
وهذه الآية صريحة في كفر من يدعو غير الله بنية التقريب لله وفي الحديث:
"الدعاء هو العبادة" [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
٤ - ومن نواقض الإِيمان الحكم بغير ما أنزل الله إِذا اعتقد عدم صلاحيته، أو أجاز غيره من القوانين المخالفة له، لأن الحكم من العبادة لقول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. [يوسف: ٤٠]
ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. [المائدة: ٤٤]
أما إذا حكم بغير ما أنزل الله، وهو يرى صلاحيته للحكم، ولكنه فعل ذلك لهوىً أو مضطراً فهو ظالم وفاسق، وليس بكافر لقول ابن عباس ﵄: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم وفاسق" واختاره ابن جرير وقال عطاء: "كفر دون كفر".
وأما من وقع شرع الله وأحل مكانه قوانين وضعية مخالفة له، معتقداً صلاحيتها فهذا كفر مخرج من الملَّة باتفاق.
٥ - ومن نواقض الإِيمان عدم الرضا بحكم الله، أو يرى في حكمه ضيقاً وحرَجاً في نفسه لحكم الإِسلام لقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. [النساء: ٦٥]
стр. 145
أو يكره الحكم الذي أنزله الله، لقول الله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. [محمد: ٨، ٩]
من نواقض الإيمان الشرك في الصفات
القسم الثالث: يتضمن إِنكار صفات الله أو أسمائه أو الطعن فيها.
١ - إِن من نواقض الإِيمان أن ينكر المؤمن أسماء الله، أو صفاته الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة، كان ينفي علم الله الكامل، وقدرته، أو حياته أو سمحه، أو بصره، أو كلامه، أو رحمته، أو استواءه على عرضه وعلوه عليه أو نزوله إِلى سماء الدنيا، أو أن له يداً، أو عينًا، أو ساقاً، وغيرها من الصفات الثابتة التي تليق بجلاله ولا يشبه مخلوقاته لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. [الشورى: ١١]
فقد نفى الله في هذه الآية مشابهته لمخلوقاته، وأثبت لنفسه السمع والبصر، وبقية الصفات مثلها.
٢ - ومن الخطأ والضلال تأويل بعض الصفات الثابتة، وصرفها عن ظاهرها، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، لأن الاستواء معناه العلوُ والارتفاع كما فسره البخاري في صحيحه نقلاً عن مجاهد وأبي العالية، وهما من السلف الصالح لأنهما من التابعين. وتأويل الصفات يؤدى إِلى تعطيلها، فتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء، عطل صفة من صفات الله، وهي علُوُّ الله على على عرشه الثابت في القرآن والسنة قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
(أي علا وارتفع) [طه: ٥]
стр. 146
وقوله - تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾. (في السماء بمعنى على السماء) [الملك: ١٦]
وقوله ﷺ : "إن الله كتب كتاباً .. فهو عنده فوق العرش" [متفق عليه]
وتأويل الصفات هو تحريف كما قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب (أضواء البيان) في كتابه: (منهج ودراسات في الأسماء والصفات) ص ٢٦ ما نصه:
"ونريد اُن نختم المقالة بنقطتين: إِحداهما أنه ينبغي للمؤولين أن ينظروا في قوله - تعالى لليهود: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. [البقرة: ٥٨]
فإِنهم زادوا في هذا اللفظ نوناً، فقالوا: (حِنطة) فسمى الله هذه الزيادة تبديلاً فقال في سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. [البقرة: ٥٩]
وكذلك المؤولون للصفات قيل لهم: (استوى) فزادوا لاماً فقالوا (استولى) فانظر ما أشبه لامهم هذه التي زادوها بنون اليهود التي زادوها". [ذكر هذا ابن القيم]
٣ - لقد اختص الله بصفات خاصة به لا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته كعلم الغيب مثلًا، لقد قال الله -تعالى- في كتابه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. [الأنعام: ٥٩]
وقد يُطلع الله رسله على بعض مغيباته بطريق الوحي حينما يريد لقول الله - تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ...﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]
ومن الكفر والضلال قول البوصيري في قصيدة البردة في حق الرسول ﷺ :
فإِن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علمُ اللوح والقلم
стр. 147
فإِن الدنيا والآخرة من خلق الله وجوده، لا من جود الرسول وخلقه، كما قال الشاعر.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. [الليل: ١٣]
إِن الرسول لا يعلم ما في اللوح المحفوظ وما خطأ به القلم كما قاله الشاعر، لأن هذا من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إِلا الله، كما ذكر القرآن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ...﴾. [النمل: ٦٥]
والأولياء من باب أولى لا يعلمون الغيب المطلق، ولا الغيب الذي قد يطلع الله رسوله عليه بطريق الوحي، لأن الوحي لا ينزل على الأولياء، وهو خاص بالأنبياء والرسل ﵈ فكل من ادَّعى علمَ الغيب من الناس، ومن صدَّقه من الناس فقد نقضوا إِيمانهم وقد قال ﷺ : "من أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد" (الكاهن: الذي يدعي علم الغيب) [صحيح رواه أحمد]
وما يقع من الكهنة والدجالين من أخبار إِنما هو الظن والمصادفة ووسوسة الشيطان، ولو كانوا صادقين لأخبرونا بأسرار اليهود، واستخرجوا كنوز الأرض، ولما أصبحوا عبادة على الناس يأخذون أموالهم بالباطل.
من نواقض الإيمان الطعن في الرسل
القسم الرابع: من نواقض الإيمان إِنكار واحد من الرسل أو الطعن فيه وهو أنواع:
١ - أن ينكر رسالة محمد ﷺ ، لأن شهادة أن محمدًا رسول الله من أركان الإسلام.
٢ - أن يطعن في رسول الله ﷺ أو في صدقه، أو أمانته، أو عفته، أو يسب الرسول، أو يستهزئ به، أو يستخف به، أو يطعن في تصرفاته الثابتة.
стр. 148
٣ - أن يطعن في أحاديثه الصحيحة ويكذبها، أو ينفي الأخبار الثابتة التي أخبر عنها. كظهور الدجال، أو نزول عيسى ﵇ للحكم بشريعته، وغير ذلك مما ثبت في القرآن، أو السنة الصحيحة بعد إِقراره بصحة نسبتها.
٤ - أن يجحد أحد الرسل الذين أرسلهم الله قبل محمد ﷺ ، أو ينكر قصصهم مع أقوامهم مما أخبر به القرآن، أو الرسول ﷺ في أحاديثه الصحيحة.
٥ - الذي يدعي النبوة بعد محمد ﷺ ، كالمدعو غلام أحمد من القاديانية يدعي أنه نبي والقرآن يكذبه قائلًا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. [الأحزاب: ٤٠]
والرسول ﷺ يقول: "وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ... " [متفق عليه]
ومنْ صدَّق أن هناك نبيًا بعد محمد ﷺ سواء كان من القاديانية أو غيرها فقد كفر ونقض إيمانه.
٦ - الذين يصفون رسول الله بما لا يوسف به إلا الله، كعلم الغيب المطلق، كما تقول الصوفية، حتى قال شاعرهم:
يا علَّام الغيوب ... يا شفاء القلوب
قد لجأنا إِليك ... الصلاة عليك
٧ - الذين يطلبون كان الرسول ﷺ ما لا يقدر عليه إِلا الله كطلب النصر، والمدد، والشفاء وغيرها كما هو واقع اليوم بين المسلمين، ولا سيما الصوفية حتى قال شاعرهم البوصيري:
ومن تكن برسول الله نصرتُه ... إِن تلقهُ الأسدُ في آجامها تهِمِ
ما سامني الدهر ضيمًا واستجرتُ به ... إِلا ونلتُ جوارًا منه لم يُضم
стр. 149
إذا كان هذا القول في حق الرسول ﷺ شركاً مخالفًا لما أعلنه القرآن بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. [الأنفال: ١٠]
ومخالفا لقوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فكيف بمن يصف الأولياء بأنهم يعلمون الغيب، أو ينذرون لهم، أو يذبحون لهم، أو يطلبون منهم ما لا يُطلب إِلا من الله كطلب الرزق؛ أو الشفاء، أو النصر وغير ذلك؟!! لا شك أن هذا من الشرك الأكبر.
٨ - نحن لا ننكر المعجزات للرسل ﵈ ولا ننكر الكرامات للأولياء، ولكن الذي ننكره أن نجعلهم شركاء لله ندعوهم كما ندعو الله، ونذبح لهم، وننذر لهم النذور، حتى أصبحت قبور بعض من يسمونهم بالأولياء مليئة بالأموال التي يتقاسمها السدنة والخدمة ويأكلونها بالباطل، وهناك الفقراء الذين لا يجدون قوتَ يومهم، حتى قال الشاعر:
أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم ... وبألف ألفٍ تُرزق الأموات
إن كثيرًا من المشاهد والمزارات والقبور ليس لها أساس من الصحة، بل هي من فعل الدجالين، والمحتالين لأخذ الأموال التي تقيهم من النزور، والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: حدثني زميل لي في التدريس أن شيخاً من الصوفية جاء إِلى بيت والدته، وطلب منها التبرع لوضع علَم أخضر، للإِشارة إِلى وجود ولي في شارع معين، فأعطته شيئًا من المال، واشترى قماشاً أخضر، ووضعه على الجدار، وبدأ يقول الناس هذا ولي من أولياء الله، رأيته في المنام، وبدأ يجمع الأموال، وعندما أرادت الحكومة توسعة الشارع وإزالة القبر، بدأ الرجل الذي أنشأه كذباً يشيع أن الآلة التي أرادت هدمه قد تكسرت، وصدقه بعض الناس، وانتشرت هذه الإِشاعة، مما اضطر الحكومة إلى
стр. 150
الحذر، فقد حدثني مفتي هذا البلد أن الحكومة استدعته في نصف الليل إلى مكان قبر الولي المراد إِزالته فذهب إِلى المكان، فوجد أن الجنود أحاطوا بالمكان، ثم جاءت الآلة والحفارة فأزالت القبر، ونظر المفتي إِلى داخل القبر، فلم يجد شيئًا، فعلم أن هذا كذب وافتراء.
ثانيًا: سمعت من مدرس في الحرم هذه القصة: التقى رجل فقير بآخر مثله، وشكى كل واحد الفقر، ونظر إِلى قبر الولي فوجداه مليئاً بالمال، فقال أحدهم: تعال نحضر قبراً ونضع فيه ولياً فتأتينا الأموال فوافقه زميله على ذلك ومشيا في الطريق، فوجدا حمارًا ينهق، فذبحاه ووضعاه في حفرة، وبنيا عليه قبراً وقبة، وبدأ كل واحد منهما يتمرغ في القبر للتبرك به، فمر الناس عليهما فسألوهما، فقالا: هذا قبر الولي (حبيش بن طبيش) له من الكرامات ما يفوق الوصف، فاغتر بهذا الكلام الناس، وبدؤوا يضعون الأموال عند قبره من النذور والصدقات وغيرها، حتى اجتمع لديهما المال الكثير، وجلس الرجلان الفقيران يقتسمان المال، واختلفا في القسمة، وتصايحا واجتمع عليهما الناس، فقال أحدهم: أحلف لك بهذا الولي أنني لم آخذ منك! فقال له زميله: تحلف بهذا الولي وأنا وأنت تعرف أن في القبر حماراً دفناه سوية، فعجب الناس منهما وندموا على النذور التي قدموها، واستردوها منهما بعد أن
لاموهما ووبخوهما.
اعتقادات باطلة تؤدي إلى الكفر
١ - القول بأن الله خلق الدنيا لأجل محمد ﷺ ويستندون إِلى حديث قدسي مكذوب وهو: (ولولاك ما خُلقت الدنيا). [قال ابن الجوزي حديث موضوع]
وقد كذب البوصيري حين قال:
وكيف تدعو إِلى الدنيا ضرورة مَن ... لولاه لم تُخلَق الدنيا من العدم
стр. 151
لأن هذا الاعتقاد يخالف قول الله تعالى:
﴿وما خلقتُ الجن والإِنس إِلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]
حتى إِن محمدًا ﷺ خلقه الله لعبادته، حيث قال ربه: ﴿واعبُدْ رَبك حتى يأتيك اليقين﴾. [الحجر: ٩٩]
والرسل جميعًا خلقهم الله للدعوة إِلى عبادته: ﴿ولقد بعثنا في كل أُمَّة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. (الطاغوت: كل ما عبد من دون الله برضاه)
فكيف يسوغ لمسلم أن يعتقد شيئًا يخالف القرآن الكريم، وهدي سيد المرسلين؟!!
٢ - القول بأن الله خلق نور النبي ﷺ أولًا، ومن نوره خُلِقت الأشياء. وهذا اعتقاد باطل لا دليل عليه، والعجيب أن يقول مثل هذا الكلام رجل عالم مصري مشهور هو الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه: (أنت تسأل والإِسلام يجيب) حيث ذكر فيه تحت عنوان: (النور المحمدي وبداية الخليقة):
س: ورد في الحديث: أن جابر بن عبد الله سأل رسول الله ﷺ : "ما أوَّلُ ما خلق الله؟ فقال: "نور نبيك يا جابر" فكيف يتفق هذا الحديث مع أن أول المخلوقين آدم وهو من طين؟.
جـ: من الكمال المطلق ومن الطبيعي أن يكون البدء بخلق الأعلى، ثم نأخذ منه الأدنى، وليس من المعقول أن تُخلق المادة الطينية أولا، ثم يُخلق منها محمد، لأن أعلى شيء في الإِنسان الرسل، وأعلى شيء في الرسل محمد بن عبد الله، إِذن لا يصح أن تخلق المادة، ثم يُخلق منها محمد. لابُد أن يكون النور المحمدي هو الذي وُجِد أولًا .. ومن النور المحمدي نشأت الأشياء .. ويكون حديث جابر صادقًا.
وها هو العلم يؤكد تلك المعاني. فالنور هو البداية، ثم عملت منه الماديات ..
стр. 152
(ص ٣٨) انتهى.
أولًا: إِن كلام الشعراوي يخالف النقل وهو قول الله -تعالى- عن خلق آدم ﵇ أول البشر: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١]
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ [غافر: ٦٧]
قال ابن جرير الطبري (خلق أباكم آدم من تراب، ثم خلقكم من نطفة) [ج ٢٤/ ٨٢]
وكلام الشعراوي لِخالف الحديث وهو قول ﷺ : "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب". [رواه البزار وصححه الألباني في صحيح الجامع ٤٤٤٤]
ثانيًا: إن الشعراوي يقول: (ومن الطبيعي أن يكون البدء بخلق الأعلى، ثم نأخذ منه الأدنى) وقد رَدَّ القرآن هذه الفلسفة حين امتنع إِبليس عن السجود لآدم ﴿قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ﴾. [ص ٧٦]
قال ابن كثير: (ادعى أنه خير من آدم فإِنه مخلوق من نار، وآدم خُلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه) [٤/ ٤٣]
وقال ابن جرير الطبري: (قال إِبليس لربه: لم أسجد لآدم لأني أشرف منه!! لأنك خلقتني من نار، وخلقتَ آدم من طين، والنار تأكل الطين وتحرقه فالنار خير منه، وأنا خير منه) انتهى.
والمعقول أن تُخلق المادة الطينية أولًا، ثم يخلق منها محمد ﷺ بعدها، وأن المادة خُلِقت أولًا وهي الطين الذي خُلق منه آدم، ومحمد ﷺ هو من نسل آدم وولده كما أخبر ﷺ بذلك حين قال: "أنا سيد ولد آدم ... " [رواه مسلم]
ثالثًا: يقول الشعراوى:
(لابد أن يكون النور المحمدى هو الذى وُجد أولًا)!
هذا الكلام لا دليل عليه، بل ثبت في القرآن أن أول البشر آدم كما تقدم، ومن
стр. 153
المخلوقات بعد العرش القلم حيث قال ﷺ : "إن أول ما خلق الله القلم" [رواه الترمذى وصححه الألباني]
والنور المحمدي ليس له وجود في النقل والعقل: فالقرآن يأمر رسوله أن يقول للناس: ﴿قل إِنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ ...﴾ [الكهف: ١١٠]
وقال ﷺ : ﴿إِنما أنا بشر مثلكم ...﴾ [رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٣٣٧]
والمعروف أن محمدًا ﷺ خُلق من أبوين هما: عبد الله وآمنة بنت وهب. ووُلد كما يولد البشر، ورباه جده، ثم عمه أبو طالب.
فقد ثبت أن أول الخلوقات من البشر آدم ﵇ ومن الأشياء القلم، وبهذا يكون ردًا صريحًا على من يقول إِن محمدًا هو أول خلق الله، لأنه يعارض القرآن والحديث الصحيح السابق، لكن ورد حديث يبين أن الرسول ﷺ مكتوب عند الله خاتم النبيين قبل آدم، وهو قوله ﷺ : "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لَمُنجَدِلٌ في طينته" (لَمنجَدلُ: لَمُلقى على الأرض) [صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني]
فالحديث يقول: (مكتوب) ولم يقل: (مخلوق)
ومثله قوله ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد"
[رواه أحمد في السنة وصححه الألباني]
وأما حديث: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث .. " [فضعفه ابن كثير والمناوي والألباني]
وهو يخالف القرآن والأحاديث الصحيحة السابقة، ويخالف المعقول والمحسوس لأنه لم يولد قبل آدم أحد من البشر.
رابعًا: يقوك الشعراوي: (ومن النور المحمدي خلقت الأشياء) والأشياء
стр. 154
تشمل: آدم والشيطان والإِنس والجن والحيوانات والحشرات والجراثيم وغيرها، وهذا مخالف لما جاء في القرآن الكريم، فآدم خلق من طين، والشيطان خلق من نار، والإِنسان من نطفة .. وكلام الشعراوي مخالف لقوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصف لكم". [رواه مسلم]
ويخالف المعقول والمحسوس والواقع، لأن الإِنسان والحيوان خُلقا عن طريق التناسل والتوالد، وإذا كانت الجراثيم الضارة والحشرات المؤذية هي أشياء خلقت من نور محمد ﷺ فلماذا نقتلها، بل أُمرنا بقتلها كالحية والثعبان والذباب والبعوض والوَزغ لضررها.
خامسًا: يقول الشعراوي: ويكون حديث جابر صادقًا وهو: "أول ما خلق الله نور نببيك يا جابر"
هذا الحديث مكذوب على الرسول ﷺ وليس صادقًا كما يقول الشعراوي، لأنه يخالف القرآن الكريم الذى ينص على أن أول البشر آدم، ومن الأشياء القلم، ومحمد ﷺ من ولد آدم لم يخلق من النور، بل هو بشر مثلنا بنص القرآن خصه الله بالوحي والنبوة، والناس لم يروه نورًا، بل رأوه إِنسانًا.
والحديث الذي صدقه الشعراوي هو عند أهل الحديث مكذوب وموضوع وباطل.
٣ - إن من الاعتقادات الباطلة القول بأن الله خلق الأشياء من نوره، قاله بعض الصوفية، وصرح به الشعراوي في كتابه: (أنت تسأل والإسلام يجيب) فقال: (فإِذا عرفنا بأن الله خلق الأشياء من نوره فهذا صحيح .. ثم قال: فعندما يكون الحق خلق الأشياء من نوره. فمعنى هذا أن شعاع نوره خلقت منه الماديات ص ٤٠)
أقول هذا الكلام لا دليل عليه من الكتاب والسنة والعقل، وقد تقدم أن الله خلق آدم من طين، وخلق الشيطان من نار، وخلق البشر من نطفة. وهذا يرد كلام
стр. 155
الشعراوي ويبطله ثم إِن كلام الشعراوي متناقض، فقد سبق أن قال: إِن النور المحمدي خُلقت منه الأشياء، وقال هنا: إِن الله خلق الأشياء من نوره! والفرق كبير بين النور المحمدي ونور الله. والأشياء التي خلقت من نور الله تشمل القردة والخنازير والحية والعقرب والجراثيم وغيرها من المؤذيات حسب زعمه فلماذا نقتلها؟!
الدين النصيحة
احذر يا أخي المسلم هدانا الله وإياك مثل هذه المعتقدات الباطلة التي يذكرها
الصوفية فهي مخالفة للقرآن الكريم وأحاديث سيد المرسلين ﷺ ، وتخالف المعقول والمحسوس، وتؤدي إِلى الكفر.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وحبِّبه إِلينا، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وكرِّهه إِلينا، وارزقنا اتباع هدي رسول رب العالمين ﷺ .
إلَهي أنت عوني
إِلَهي ليس لي إِلَّاك عونٌ ... فكُن عوني على هذا الزمانِ
إِلهي ليس لي إِلَّاك ذُخرٌ ... فكن ذُخري إِذا خلَتِ اليدانِ
إِلَهي ليس لي إِلَّاك حِصنٌ ... فكن حِصني إِذا رامٍ رماني
إِلَهي ليس لي إلَّاك جاهٌ ... فكن جاهي إِذا هاجٍ هجاني
إلَهي أنتَ تعلم ما بنفسي ... وتعلم ما يَجيشُ به جَناني
فهب لي يا رحيم رضًا وحلمًا ... إِذ ما زلَّ قلبي أو لساني
إِلَهي ليس لي إلَّاك عِزٌ ... كن عِزي وكن حصنَ الأماني
стр. 156
(٣)
منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة
стр. 157
موجز لمحتويات الكتاب (٣)
منهاج الفرقة الناجية
* الفرقة الناجية، ومنهاجها، وعلامتها
* من هي الطائفة المنصورة الواردة في الحديث؟
* التوحيد وأنواعه وأدلته، وأهميته، وفضله.
* معنى لا إِله إِلا الله، محمد رسول الله
* أعداء التوحيد وموقف العلماء من التوحيد
* معركة التوحيد والشرك
* العقيدة أولا أم الحاكمية؟
* الشرك الأكبر والأصغر وأنواعهما
* من مظاهر الشرك المشاهد والمزارات
* التوسل الممنوع والتوسل المطلوب
* الكفر الأكبر والأصغر وأنواعهما
* النفاق الأكبر والأصغر وأنواعهما
* أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان
* الإحتفال بعيد المولد النبوي
* فضل الصلاة على النبي ﷺ
* القرآن للأحياء لا للأموات
* عقيدة المسلم (شعرًا)
стр. 158
الفرقة الناجية
١ - قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبلِ الله جميعًا ولا تفرَّقوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]
٢ - وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا مِن المشركين (٣١) مِن الذين فرَّقوا دينَهم وكانوا شِيعًا كلُّ حِزب بما لدَيهِم فرِحون﴾. [الروم: ٣١، ٣٢]
٣ - وقال ﷺ : "أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشيٌّ؛ فإنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنُتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدِيين تمَسكوا بها وغضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأُمور، فإن كل محدّثة بدعة، وكل بِدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" [رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح]
٤ - وقال ﷺ : "ألا وإنَّ مَن قبلَكم مِن أهل الكتاب افترقوا على ثِنتين وسبعين مِلَة (١)، وإن هذه المِلّة (٢) ستفترق على ثلاثٍ وسبعين: ثِنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" [رواه أحمد وغيره وحسنه الحافظ]
وفي رواية "كلهم في النار إلا مِلّة واحدة ما أنا عليه وأصحابي". [رواه الترمذي وحسنه الألبانى في صحيح الجامع ٥٢١٩]
стр. 159
٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: "خط لنا رسول الله ﷺ خطًا بيده ثم قال: هذا سبيلُ الله مستقيمًا. وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ". [الأنعام: ١٥٣] [صحيح رواه أحمد والنسائي]
٦ - وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه "الغُنية": أما الفرقة الناجية فهي أهل السنة والجماعة، وأهل السنة لا اسم لهم إِلا اسم واحد وهو أصحاب الحديث.
٧ - يأمرنا الله أن نعتصم جميعًا بالقرآن الكريم، وأن لا نكون من المشركين المتفرقين في دينهم شيعًا وأحزابًا، ويخبرنا الرسول الكريم أن اليهود والنصارى تفرَّقوا فرقًا كثيرة، وأن المسلمين سيفترقون أكثر منهم، وأن هذه الفرق ستكون عرضة لدخول النار، لانحرافها، وبعدها عن كتاب ربها وسنة نبيها، وأن فرقة واحدة ناجية منها ستدخل الجنة، وهي الجماعة المتمسكة بالكتاب والسنة الثابتة، وعمل أصحاب الرسول ﷺ .
اللهم اجعلنا من الفرقة الناجية، ووفق المسلمين لأن يكونوا منها.
منهاج الفرقة الناجية
١ - الفرقة الناجية: هي التي تلتزم منهاج الرسول ﷺ في حياته، ومنهاج أصحابه من بعده، وهو القرآن الكريم الذى أنزله الله على رسوله، وبيَّنَهُ لصحابته في أحاديثه الثابتة عنه، وأمر المسلمين بالتمسك بهما فقال: "تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما: كتاب الله وسُنتي، ولن يَتفرقا حتى يَرِدا عَلَيَّ الحوض" [صححه الألباني في الجامع]
стр. 160
٢ - الفرقة الناجية تعود إلى كلام الله ورسوله حين التنازع والاختلاف عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. [النساء: ٦٥]
٣ - الفرقة الناجية لا تُقدم كلام أحد على كلام الله ورسوله، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]
وقال ابن عباس: أُراهم سيهلكون، أقول: قال النبي- ﷺ ويقولون: قال أبو بكر وعُمر. [رواه أحمد وابن عبد البر]
٤ - الفرقة الناجية تعتبر التوحيد، وهو إِفراد الله بالعبادة والاستعانة والدعاء وقت الشدة والرخاء، والذبح والنذر، والتوكل، والحكم بما أنزل الله، وغير ذلك من أنواع العبادة هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الإِسلامية الصحيحة؛ ولا بد من إبعاد الشرك ومظاهره الموجودة في أكثر البلاد الإسلامية، لأنه من مقتضيات التوحيد، ولا يمكن النصر لأى جماعة تُهمل التوحيد، ولا تكافح الشرك بأنواعه، أسوة بالرسل جميعًا وبرسولنا الكريم- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
٥ - الفرقة الناجية: يُحيون سُنن الرسول في عبادتهم وسلوكهم وحياتهم فأصبحوا غرباء بين قومهم، كما أخبر عنهم رسول الله ﷺ بقوله:
"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطُوبى للغرباء" [رواه مسلم]
وفي رواية: "فطُوبى للغرباء: الذين يَصلحون إذا فسد الناس". قال الألباني: [رواه أبو عمرو الداني بسند صحيح]
٦ - الفرقة الناجية: لا تتمسك إِلا بكلام الله وكلام رسوله المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى؛ أما غيره من البشر مهما علَت رتبته، فقد يُخطئ لقوله ﷺ :
стр. 161
"كلُّ بني آدم خَطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون" [حسن رواه أحمد]
وقال الإِمام مالك: ليس أحد بعد النبي ﷺ إِلا يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي ﷺ
٧ - الفرقة الناجية: هم أهل الحديث الذين قال رسول الله ﷺ فيهم:
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله".
وقال الشاعر:
أهلُ الحديثِ همُ أهلُ النبيِّ وإن ... لم يَصحَبوا نفسَه، أنفاسَه صَحِبوا
٨ - الفرقة الناجية: تحترم الأئمة المجتهدين، ولا تتعصب لواحد منهم، بل تأخذ الفقه من القرآن والأحاديث الصحيحة، ومن أقوالهم جميعًا إِذا وافقت الحديث الصحيح، وهذا موافق لكلامهم، حيث أوصوا أتباعهم أن يأخذوا بالحديث الصحيح، ويتركوا كل قول يخالفه.
٩ - الفرقة الناجية تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، فهي تنكر الطُّرق المبتدعة والأحزاب الهدامة التي فرقت الأمة، وابتدعت في الدين وابتعدت عن سنة الرسول ﷺ وأصحابه.
١٠ - الفرقة الناجية تدعو المسلمين أن يكونوا من المتمسكين بسنة الرسول ﷺ وأصحابه حتى يكتب لهم النصر، وحتى يدخلوا الجنة بفضل الله وشفاعة الرسول ﷺ بعد إذن الله -تعالى- له.
١١ - الفرقة الناجية: تنكر القوانين الوضعية التي هي من وَضع البشر، لمخالفتها حكم الإِسلام، وتدعو إلى تحكيم كتاب الله الذي أنزله الله لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وهو أعلم بما يصلح لهم، وهو ثابت لا تتبدل أحكامه على مدى الأيام، ويصلح لأهل كل زمان، وإن سبب شقاء العالم عامة والعالم الإِسلامي خاصة وما يلاقيه من متاعب وذل وهوان، هو تركه الحكم بكتاب الله وسنة رسوله
стр. 162
- ﷺ ، ولا عِزَّ للمسلمين إِلا بالرجوع إِلى تعاليم الإسلام أفرادًا وجماعات، وحكومات، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِن الله لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١]
١٢ - الفرقة الناجية: تدعو المسلمين جميعًا إِلى الجهاد في سبيل الله وهو واجب على كل مسلم حسب طاقته واستطاعته، ويكون الجهاد بما يلي:
١ - الجهاد باللسان والقلم: بدعوة المسلمين وغيرهم إِلى التمسك بالإِسلام الصحيح، والتوحيد الخالي من الشرك الذي انتشر في كثير من البلاد الإِسلامية، والذي آخبر عنه الرسول ﷺ بأنه سيقع بين المسلمين فقال: "لا تقوم الساعة حتى تلحَقَ قبائل مِن أُمتي بالمشركين، وحتى تعبُدَ قبائل مِن أُمتي الأوثان". [صحيح رواه أبو داود ومعناه في مسلم]
٢ - الجهاد بالمال: ويكون بالإِنفاق على نشر الإِسلام، وطبع الكتب الداعية إِليه على الوجه الصحيح، ويكون بتوزيع المال على المؤلفة قلوبهم من ضعفاء المسلمين لتثبيتهم، ويكون بتصنيع وشراء الأسلحة، والمعدات للمجاهدين، وما يلزمهم من طعام وكساء وغير ذلك.
٣ - الجهاد بالنفس: ويكون بالقتال والاشتراك في المعارك لنصرة الإِسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هِيَ السفلى وقد أشار الرسول الكريم إِلى هذه الأنواع فقال:
"جاهدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسِنَتكم" [صحيح رواه أبو داود]
وحكم الجهاد في سبيل الله على أنواع:
١ - فرض عين: ويكون ضد العدُو المهاجم لبعض بلاد المسلمين كفلسطين التي اغتصبها اليهود المجرمون، فالمسلمون المستطيعون آثمون حتى يُخرجوا اليهود منها، ويُعيدوا المسجد الأقصى للمسلمين بما يستطيعون من المال أو النفس.
٢ - فرض كفاية: إذا قام بعض المسلمين سقط عن الباقين، ويكون في تبليغ ونقل
стр. 163
الدعوة الإِسلامية إِلى سائر البلاد حتى يحكمها الإِسلام. ومَن وقف في طريقها قوتل حتى تسير الدعوة في طريقها.
علامة الفرقة الناجية
١ - الفرقة الناجية: هم قِلَّة بين الناس، دعا لهم الرسول ﷺ بقوله: "طوبى للغرباء: أناس صالحون، في أُناسِ سُوء كثير، مَن يَعصيهم أكثرُ مِمن يُطيعهم". [صحيح رواه أحمد]
ولقد أخبر عنهم القرآن الكريم فقال مادحًا لهم: ﴿وقليلٌ من عباديَ الشكور﴾
[سبأ: ١٣]
٢ - الفرقة الناجية يُعاديهم الكثير من الناس، ويَفترون عليهم، ويُنابزونهم بالألقاب، ولهم أسوة بالأنبياء الذين قال الله عنهم: ﴿وكذلك جعلنا لِكُل نبي عَدُوًّا شياطينَ الإِنس والجِنِّ يُوحي بعضهُم إِلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ...﴾. [الأنعام: ١٢٢]
وهذا رسول الله ﷺ قال عنه قومه: (ساحرٌ كذاب) حينما دعاهم إِلى التوحيد، وكانوا قبل ذلك يُسمونه الصادق الأمين.
٣ - سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن الفرقة الناجية فقال: هم السلفيون، وكل من مشى على طريقة السلف الصالح (الرسول وصحابته وكل من سار على منهاجهم).
هذه بعض مناهج وعلامة الفرقة الناجية، وسأتكلم في الفصول القادمة من هذا الكتاب عن عقيدة الفرقة الناجية، التي هي الطائفة المنصورة، لنكون على عقيدتها - إِن شاء الله.
стр. 164
مَن هي الطائفة المنصورة ؟
١ - قال ﷺ : "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحق لا يَضرُهم من خذلهم حتى يأتيَ أمرُ الله" [رواه مسلم]
٢ - وقال ﷺ : "إذا فسد أهلُ الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفةٌ مِن أمتي منصورون، لا يَضرُّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة". [صحيح رواه أحمد]
٣ - قال ابن المبارك: هم عندي أصحاب الحديث.
٤ - وقال البخاري: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث.
٥ - وقال أحمد بن حنبل: إِن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري مَن هم؟.
٦ - يقول الإِمام الشافعي يُخاطب الإِمام أحمد: "أنتم أعلم بالحديث مني، فإِذا جاءكم الحديث صحيحًا فأعلموني به حتى أذهب إِليه سواء كان حجازيًا، أم كوفيًا أو بصريًا".
٧ - إِن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة وما يتعلق بها أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم ﷺ ، وهديه وأخلاقه وغزواته وما يتصل بها.
فأهل الحديث حشرنا الله معهم لا يتعصبون لقول شخص معين مهما علا وسما، حاشا محمدًا ﷺ ، بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إِلى أهل الحديث والعمل به فإِنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم -وقد نهوهم عن ذلك- كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ﷺ ، فلا عجب أن يكون أهل الحديث هم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية.
٨ - يقول الخطيب البغدادي في كتابه "شرف أصحاب الحديث": "ولو أن صاحب الرأي شُغل بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين لوجد ما يُغنيه عن سواه، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين، والإِخبار عن صفة الجنة والنار، وما أعد الله فيها
стр. 165
للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسموات ... وفي الحديث قصص الأنبياء وأخبار الزهاد والأولياء ومواعظ البلغاء وكلام الفقهاء، وخطب الرسول ومعجزاته، وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم، وقد جعل الله أهله "أي الحديث" أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله في خليقته، والواسطة بين النبي وأُمته، والمجتهدون في حفظ متنه، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وكل فئة تتحيز إِلى هوى ترجع إِليه، وتستحسن رأيًا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث، الكتاب عُدتهم، والسنة حُجتهم، والرسول فِئتهم، وإليه نسبتهم، لا يلتفتون إِلى الآراء، مَن كابدهم قصمه الله، ومن عاداهم خذله الله" اهـ
اللهم اجعلنا من أهل الحديث، وارزقنا العمل به، ومحبة أهله، ومناصرة العاملين به.
التوحيد وأنواعه
التوحيد هو إِفراد الله بالعبادة التي خلق الله العالم لأجلها. قال الله - تعالى:
﴿وما خلقتُ الجِن والإِنسَ إِلا لِيعبدون﴾ (١) [الذاريات:٥٦]
(أي يُوحدوني في العبادة ويُفردوني في الدعاء)
وأنواع التوحيد الآتية مأخوذة من القرآن الكريم:
١ - توحيد الرب: هو الاعتراف بأن الله هو الربُّ والخالق؛ وقد اعترف بهذا الكفار، ولم يُدخلهم ذلك في الإِسلام، قال تعالى: ﴿ولَئِنْ سألتَهم مَن خلقَهم ليَقولُن الله﴾ [الزخرف:٨٧]
وقد أنكر الشيوعيون وجود الرب، فكانوا أشدَّ كفرًا من كفار الجاهلية.
стр. 166
٢ - توحيد الإله: هو توحيد الله بأنواع العبادات المشروعة، كالدعاء والاستعانة والطواف والذبح والنذر وغيرها، وهذا النوع الذي جحده الكفار، وكانت فيه الخصومة بين الأمم ورسلهم منذ نوح ﵇ إِلى محمد ﷺ ، وقد حَثَّ القرآن الكريم في أكثر سُوَره عليه، وعلى دعاء الله وحده، ففي سورة الفاتحة نقرأ: ﴿إِياك نعبدُ وإِياك نستعين﴾ ومعناه نخصُّك بالعبادة، فندعوك وحدك، ولا نستعين بغيرك؛ وتوحيد الإِله يشمل إِفراده في دعائه، والحكم بقرآنه، والاحتكام إِلى شرعه، وكله داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّني أنا الله لا إِله إِلا أنا فاعبُدْني﴾. [طه:١٤]
٣ - توحيد الأسماء والصفات: هو الإِيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم والحديث الصحيح، من صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ على الحقيقة من غير تحريف ولا تكييف ولا تفويض، كالاستواء والنزول، واليد والمجيء، وغيرها من الصفات، نفسرها بما ورد عن السلف، فالاستواء مثلًا ورد تفسيره عن التابعين في صحيح البخاري بأنه العلُو والارتفاع اللذان يليقان بجلاله قال الله تعالى: ﴿ليس كمِثلِه شَيْء وهو السميعُ البصير﴾. [الشورى: ١١]
١ - التحريف: هو صرف ظاهر الآيات والأحاديث الصحيحة إِلى معنى آخر باطل مثل استوى بمعنى استولى.
٢ - التعطيل: هو جحد صفات الله ونفيها عنه كعُلُوّ الله على السماء فقد زعمت الفرق الضالَّة أن الله في كل مكان.
٣ - التكييف: هو تكييف صفات الله، وأن كيفيتها كذا فَعُلوُّ الله على العرش لا يشبه مخلوقاته ولا يعلم كيفيته أحد إِلا الله.
٤ - التمثيل: هو تمثيل صفات خلقه، فلا يقال: ينزل الله إِلى السماء كنزولنا، وحديث النزول رواه مسلم.
ومن الكذب نسبة هذا التشبيه إِلى شيخ الإِسلام ابن تيمية، إِذ لم نجده في كتبه بل وجدنا نفيه للتمثيل والتشبيه.
стр. 167
٥ - التفويض: عند السلف في الكيف، لا في العنى، فالاستواء مثلًا معناه
العُلوُّ الذي لا يعلم كيفيته إِلا الله.
٦ - أما التفويض عند المفوضة في المعنى والكيف معًا وهذا خلاف ما ورد عن السلف كأم سلمة ﵂ وربيعة شيخ الإِمام مالك ﵀ والإمام مالك ﵀ حيث اتفقت أقوالهم على أن الإستواء معلوم والكيف مجهول والإِيمان به واجب والسؤال عنه بدعة (أي عن كيفيته)، لأن الإِمام مالك قال للسائل: الإستواء معلوم فكيف يقول: السؤال عن الإستواء بدعة!! هذا لا يمكن أبدًا.
إياكَ نَعبد وإياكَ نستعين
(نخصك بالعبادة والدعاء والاستعانة وحدك)
١ - ذكر علماء العربية أن الله -تعالى- قدم المفعول به (إِياك) على الفعل (نعبد ونستعين) ليخص العبادة والإِستعانة به وحده، ويحصرهما له دون سواه.
٢ - إِن هذه الآية التي يكررها المسلم عشرات المرات في الصلاة وخارجها، هي خلاصة سورة الفاتحة، وهي خلاصة القرآن كله.
٣ - إِن العبادة في هذه الآية تعُم العبادات كلها مثل الصلاة والنذر والذبح ولا سيما الدعاء لقوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فكما أن الصلاة عبادة لا تجوز لرسول ولا لولي فكذلك الدعاء عبادة، بل هو لله وحده: ﴿قل إنما أدعوا ربي ولا أُشركُ به أحدًا﴾ [الجن:٢٠]
٤ - وقال ﷺ "دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إنه إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين، لم يَدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له". [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
стр. 168
استعِن بالله وحده
قال ﷺ : "إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعِن بالله" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
١ - يقول الإِمام النووي والهيتمي في تفسير هذا الحديث ما خلاصته: إِذا طلبت الإِعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، لا سيما في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كشفاء المرض وطلب الرزق والهداية، فهي مما اختص الله بها وحده قال تعالى: ﴿وإِنْ يمسَسْكَ الله بضر فلا كاشِفَ له إِلا هو﴾ [الأنعام: ١٧]
٢ - مَن أراد حُجة فالقرآن يكفيه، ومن أراد مُغيثًا فالله يكفيه، ومن أراد واعظًا فالموت يكفيه، ومن لم يكفه شيء من ذلك، فإِن النار تكفيه، قال تعالى: ﴿أليسَ الله بكافٍ عبدَه﴾ [الزمر: ٣٦]
٣ - يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:
"سَلوا الله ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأيِّ
وجهٍ تلقاه، وأنت تُنازعه في الدنيا، فعرِض عنه، مُقَبل على خلقه، مُشرك به،
تُنزل حوائجك بهم. وتتكل بالمهمات عليهم. ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإِن وقوفكم معها هَوَس، لا مُلك ولا سلطان، ولا غنى، ولا عِزَّ إلا للحق كن مع الحق، بلا خَلق". (أى كن مع الله بدعائه بلا واسطة من خلفه) ٤ - الاستعانة المشروعة: أن تستعين بالله على حل مشاكلك، والاستعانة الشركية: أن تستعين بغير الله كالأنبياء والأولياء الأموات، أو الأحياء الغائبين، فهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، ولا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا ما استجابوا لنا، كما حكى القرآن عنهم ذلك.
أما الاستعانة بالأحياء الحاضرين فيما يقدرون عليه من بناء مسجد، أو قضاء
стр. 169
حاجة، وغير ذلك، فهي جائزة لقول الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البرِّ والتقوي﴾ [المائدة: ٢]
وقوله ﷺ : "والله في عون العبد، ما دام العبد في عون خيه". [رواه مسلم]
ومن أمثلة الاستعانة الجائزة من الأحياء قول الله- تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي مِن عَدُوه﴾ [القصص: ١٥]
وقول الله -تعالى- في طلب ذي القرنين: ﴿فأعينوني بقُوة﴾ [الكهف: ٩٥]
الرحمن على العرش استوى
لقد وردت آيات وأحاديث وأقوال السلف تثبت العلُوَّ لله:
١ - قال الله تعالى: ﴿إِليه يصعَدُ الكَلمُ الطيبُ والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠]
٢ - وقال الله تعالى: ﴿ذي المعارج (٣) تعرُج الملائكة والروح إِليه﴾ [المعارج: ٣، ٤]
٣ - وقال الله تعالى: ﴿سبح اسمَ ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]
٤ - وقال الله تعالى: ﴿الرحمنُ على العرش استوى﴾ (١) [طه: ٥] (أي علا وارتفع كما جاء في تفسير الطبري)
٥ - نقل البخاري في كتاب التوحيد عن أبي العالية ومجاهد في تفسير ﴿استوى﴾ (أي علا وارتفع)
٦ - خطب رسول الله ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع قائلًا:
"ألا. هل بلغت؟ " قالوا نعم، يرفع أصبعه إِلى السماء ويُنكِّبها (٢) إِليهم ويقول: "اللهم اشهد" [رواه مسلم]
стр. 170
٧ - وقال ﷺ : "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش" [رواه البخاري]
٨ - وقال ﷺ : ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء؟ يأتيني خبرُ السماء صَباحًا ومساءً" [متفق عليه]
٩ - وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول:
إِن الله -جل ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. [رواه البيهقي بإسناد صحيح] [فتح الباري]
١٠ - وقال الشافعي: إِن الله -تعالى- على عرشه في سمائه يقرب من خلقه
كيف شاء، وأن الله ينزل إِلى السماء الدنيا كيف شاء.
١١ - وقال أبو حنيفة: من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرحمنُ على العرش استوى﴾ وعرشه فوق سبع سموات، فإِن قال إِنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر، لأن الله أعلى عليين، وهو يُدعى مِن أعلى لا مِن أسفل. [شرح العقيدة الطحاوية ٣٢٢]
١٥ - سئل الإِمام مالك عن كيفية استواء الله على عرشه فقال:
"الإستواء معلوم، والكَيف مجهول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (أي عن كيفيته) أخرجوا هذا المبتدع.
١٦ - لا يجوز تفسير استوى بمعنى استولى، لعدم ورود ذلك عن السلف فطريقتهم أسلم وأعلم وأحكم.
قال ابن قيم الجوزية: لقد أمر الله اليهود أن يقولوا (حِطَّة) فقالوا (حنطة) تحريفًا، وأخبرنا الله أنه (استوى على العرش). فقالوا المتأولون: (استولى)
стр. 171
فانظر ما أشبه لامهم التي زادوها، بنون اليهود التي زادوها. [نقله محمد الأمين الشنقيطي عن ابن القيم الجوزية]
ومع ما في قولهم استولى، من تحريف فهو يوهم أن الله -تعالى- استولى على العرش من منازع له. وأن العرش لم يكن من ملكه ثم استولى عليه.
أهمية التوحيد
١ - لقد خلق الله العالَم لعبادته، وأرسل الرسل ليدعو الناس إِلى توحيده، وهذا القرآن الكريم يهتم بعقيدة التوحيد في أكثر سُوَره، ويُبين ضرر الشرك على الفرد والجماعة، وهو سبب الهلاك في الدنيا، والخلود في نار الآخرة.
٢ - إِن الرسل جميعًا بدؤوا دعوتهم إِلى التوحيد الذي أمرهم الله بتبليغه للناس، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا مِن قبلك مِن رسول إِلا نوحي إِليه أنه لا إِله إِلا أنا فاعبدون﴾. [الأنبياء: ٢٥]
وهذا رسول الله ﷺ بقي ثلاثة عشر عامًا في مكة، وهو يدعو قومه إِلى توحيد الله ودعائه وحده دون سواه، وكان فيما أنزل الله عليه: ﴿قل إِنما أدعو ربي ولا أُشرِكُ به أحدا﴾ [الجن: ٢٠]
ويُربي الرسول ﷺ أتباعه على التوحيد من الصغر، فيقول لابن عمه عبد الله ابن عباس:
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح] وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإِسلام الذي بُني عليه، والذي لا يقبل الله مِن أحد سواه.
٣ - لقد علَّم الرسول ﷺ أصحابه أن يبدؤوا دعوتهم للناس بالتوحيد، فقال لمعاذ حينما أرسله إِلى اليمن:
стр. 172
"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ان لا إله إلا الله. وفي رواية - إلى أن يُوَحِّدوا الله". [متفق عليه]
٤ - إِن التوحيد يتمثل في شهادة أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ومعناها لا معبود بحق إلا الله، ولا عبادة إِلا ما جاء بها رسول الله، والشهادة يدخل بها الكافر الإِسلام، لأنها مفتاح الجنة، وتُدخل صاحبها الجنة إِذا لم ينقضها بناقض كالشرك أو كلمة الكفر.
٥ - لقد عرض كفار قريش على رسول الله الملك والمال والزواج وغيرها من مُتع الحياة مقابل أن يترك دعوة التوحيد، ومهاجمة الأصنام، فلم يرض منهم ذلك، بل استمر في دعوته يتحمل الأذى مع صحابته إِلى أن انتصرت دعوة التوحيد بعد ثلاثة عشر عامًا، وفُتحت مكة بعد ذلك، وكُسرت الأصنام، والرسول ﷺ يقول: ﴿جاء الحق وزَهَقَ الباطلُ إِن الباطِلَ كان زَهوقًا﴾. [الإسراء: ٨١]
٦ - التوحيد وظيفة المسلم فى الحياة فيبدأ حياته بالتوحيد، ويُودِّعها بالتوحيد، ووظيفته في الحياة إِقامة التوحيد، والدعوة إِلى التوحيد، لأن التوحيد يُوحد المؤمنين، ويجمعهم على كلمة التوحيد، فنسأل الله أن يجعل كلمة التوحيد آخر كلامنا من الدنيا، ويجمع المسلمين على كلمة التوحيد.
مِن فضل التوحيد
١ - قال الله - تعالى: ﴿الذين آمنوا ولَم يَلبِسوا إيمانهم بظلمٍ أولئكَ لهم الأمنُ وهم مُهتدون﴾. [الأنعام: ٨٢]
عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ :
ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يا بُنَي لا تُشرِكْ باللهِ
стр. 173
إِن الشِّرك لَظُلمٌ عظيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] [متفق عليه]
فهذه الآية تبشر المؤمنين الوحدين الذين لم يَلبسوا إِيمانهم بشرك، فابتعدوا عنه، أن لهم الأمن التام من عذاب الله في الآخرة، وأولئك هم المهتدون في الدنيا.
٢ - وقال ﷺ : "الإيمان بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [رواه مسلم]
التوحيد يُسبب السعادة ويُكفِّر الذنوب
٣ - جاء فى كتاب (دليل المسلم في الاعتقاد والتطهير) لفضيلة الشيخ عبد
الله خياط ما يلي:
المرء بحكم بشريّته وعدم عصمته قد تَنزلِق قدمه، ويقع في معصية الله، فإِذا كان من أهل التوحيد الخالص من شوائب الشرك، فإِن توحيده لله، وإخلاصه في قول لا إِله إِلا الله، يكون أكبر عامر في سعادته وتكفير ذنوبه ومحو سيئاته، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ :
"مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". [رواه البخاري ومسلم]
أي إِن جملةَ هذه الشهادات التي يشهدها المسلم بهذه الأصول تستوجب دخوله الجنة دار النعيم، وإن كان في بعض أعماله مآخذ وتقصيرات، كما جاء في الحديث القدسي:
قال الله تعالى: "يابن آدم لو أتيتَني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تشركُ بي شيئًا لأتيتك بِقرابها مَغفرة" [حسن رواه الترمذي والضياء]
стр. 174
المعنى لو أتيتني بما يقارب ملءَ الأرض ذنوبًا ومعاصي، غير أنك مت على التوحيد لغفرتُ لك ذنوبك.
وجاء في حديث آخر:
"مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يُشركُ بالله شيئًا دخل النار" [رواه مسلم]
وكُل هذه الأحاديث يتضح منها فضل التوحيد، وأنه عامل لسعادة العبد، وأعظم وسيلة لتكفير ذنوبه، ومحو خطاياه. انتهى.
مِن فوائد التوحيد
إِن التوحيد الخالص إِذا تحقق في حياة فرد أو جماعة، حقق أطيب الثمرات، ومن ثمراته.
١ - تحرير الإِنسان من العبودية، والخضوع لغير الله من أشياء، ومخلوقات لا يَخلقون شيئًا، وهم يُخلَقُون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فالتوحيد تحرير للإِنسان من كل عبودية إِلا لربه الذي خلقه فسوَّاه، تحرير لعقله من الخرافات والأوهام، تحرير لضميره من الخضوع والذل والإستسلام، وتحرير لحياته من تسلط الفراعنة والأرباب والكهنة والمتألِّهين على عبادة الله، ولهذا قاوم زعماء الشرك وطغاة الجاهلية دعوات الأنبياء عامة، ودعوة الرسول ﷺ خاصة، لأنهم كانوا يعلمون معنى "لا إِله إِلا الله" إِعلان عام لتحرير البشر، وإسقاط للجبابرة عن عروشهم الكاذبة، وإعلاء لجباه المؤمنين التي لا تسجد إِلا لله رب العالين.
٢ - تكوين الشخصية المتزنة: فالتوحيد يساعد على تكوين الشخصية المتزنة التي تميزت في الحياة وِجربتها, وتوحدت غايتها، فليس لها إِلا إِله واحد تتجه إِليه
стр. 175
في الخلوة والجلوة، وتدعوه في السراء والضراء، بخلاف المشرك الذي تقسمت قلبه الآلِهة والمعبوداتُ، فمرة يتجه إِلى الأحياء ومرة يتجه إِلى الأموات، ومن هنا قال يوسف ﵇: ﴿ياصاحِبَي السجن أأرباب مُتفرِّقون خيرٌ أمِ الله الواحدُ القهار﴾ [يوسف: ٣٩]
فالمؤمن يعبد إِلهًا واحدًا، عرف ما يرضيه وما يُسخطه، فوقف عندما يُرضيه، واستراح قلبه؛ والمشرك يعبد آلهة عديدة، هذا يأخذه إِلى اليمين، وآخر إِلى اليسار، وهو بينهم مُشتت لا قرار له.
٣ - التوحيد مصدر لأمن الناس: لأنه يملأ نفس صاحبه أمنًا وطمأنينة، فلا يخاف غير الله، وقد سَدَّ منَافذ الخوف على الرزق والنفس والأهل، والخوف من الإِنس والجن والموت وغيرها من الخاوف، والمؤمن الموحد لا يخاف أحدًا إِلا الله، ولهذا تراه آمنًا إِذا خاف الناس، مطمئنًا إِذا قلق الناس؛ ولهذا المعنى أشار القرآن الكريم بقوله: ﴿الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إِيمانهم بِظلم أولئك لهم الأمنُ وهم مُهتدون﴾. [الأنعام: ٨٢]
وهذا الأمن ينبع من داخل النفس، لا مِن حراسة الشرطة وهذا أمن الدنيا، وأما أَمنُ الآخرة فهو أعظم وأبقى، لأنهم أخلصوا لله ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، لأن الشرك ظلم عظيم.
٤ - التوحيد مصدر لقوة النفس لأنه يمنح صاحبه قوةً نفسية هائلة لِما تمتلئ به نفسه من الرجاء في الله، والثقة به والتوكل عليه، والرضا بقضائه والصبر على بلائه، والاستغناء عن خلقه؛ فهو راسخ كالجبل، فإِذا نزلت به مصيبة سأل ربه كشفها، ولم يسأل الأموات ذلك، شعاره قوله ﷺ :"إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وقوله تعالى: ﴿وِإن يمسَسْكَ الله بضرٍّ فلا كاشفَ له إِلا هو﴾. [الأنعام: ١٧]
стр. 176
٥ - التوحيد أساس الإِخاء والمساواة. لأنه لا يسمح لأتباعه أن يتَّخِذَ بعضهُم بعضًا أربابًا من دون الله، فالأُلوهية لله وحده، والعبادة من الناس جميعًا وعلى رأسهم محمد رسوله ومصطفاه ﷺ (١).
أعداء التوحيد
قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لِكل نبى عَدُوًّا شياطينَ الأِنسِ والجِن يُوحي بعضهُم إِلى بعضٍ زُخرُفَ القولِ غُرورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]
اقتضت حكمة الله أن يجعل للأنبياء، ودعاة التوحيد أعداءً من شياطين الجن يوسوسون لشياطين الإِنس بالضلال والشر والأباطيل، ليضلوهم، ويصدوهم عن التوحيد الذي دعت إِليه الأنبياء أقوامهم إِليه أولًا، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه الدعوة الإِسلامية؛ والغريب أن بعض الناس يعتبرون الدعوة إلى التوحيد تفريق للامة، بينما هو توحيد لها، فإِن اسمه دال عليه.
أما المشركون الذين اعترفوا بتوحيد الربوبية، وأن الله خالقهم، قد أنكروا توحيد الألوهية في دعاء الله وحده، ولم يتركوا دعاء أوليائهم، وقالوا عن الرسول ﷺ الذي دعاهم إلى توحيد الله في العبادة والدعاء: ﴿أجعلَ الآلهة إِلهًا واحدًا إِن هذا لَشئٌ عُجاب﴾. [ص: ٥]
وقال تعالى عن الأم السابقة: ﴿كذلك ما أتى الذين مِن قَبلهم مِن رسول إِلا
قالوا ساحِرٌ أو مجنون (٥٢) أتواصَوْا به بل هم قوم طاغون﴾. [الذاريات: ٥٢ - ٥٣]
وصفات المشركين أنهم إِذا سمعوا دعاء الله وحده، اشمأزت قلوبهم ونفرت، فكفروا وأنكروا، وإذا سمعوا الشرك ودعاء غير الله فرحوا واستبشروا، وقد وصف
стр. 177
الله هؤلاء المشركين بقوله: ﴿وِإذا ذُكرَ الله وحدَه اشمأزت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة وإِذا ذُكرَ الذينَ من دونه إِذا هُم يَستَبْشِرون﴾. [الزمر: ٤٥]
وقال تعالى يصف المشركين الذين ينكرون التوحيد: ﴿ذلكم بأنه إِذا دُعِيَ الله وحده كفرتم وِإنْ يُشرَكْ به تُؤمنوا فالحكمُ لله العَلِيِّ الكبير﴾. [غافر: ١٢]
وهذه الآيات وإن كانت في حق الكفار، فإِنها تنطبق على كل من اتصف بصفاتهم ممن يدَّعون الإِسلام، ويحاربون دعاة التوحيد، ويفترون عليهم، ويلقبونهم بالأسماء المنفِّرة، ليصدوا الناس عنهم، ويُنفِّروهم من التوحيد الذي بعث الله الرسل من أجله، ومن هؤلاء من يسمع طلب الدعاء من الله فلا يخشع، وإذا سمع الدعاء من غير الله، كطلب المدد من الرسول أو الأولياء خشع واستبشر!! فبئس ما يفعلون.
موقف العلماء من التوحيد
إِن العلماء ورثة الأنبياء وأول ما دعى إِليه الأنبياء هو التوحيد الذي ذكره الله بقوله: ﴿ولقد بعثنا في كُل أمةٍ رَسولًا أنِ اعبدوا الله واجتَنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]
(والطاغوت: هو كل ما عُبد مِن دون الله برضاه)
ولذلك يجب على العلماء أن يبدؤوا بما بدأت به الرسل، فيدعوا الناس إِلى
توحيد الله في جميع أنواع العبادة، ولا سيما الدعاء الذي قال فيه ﷺ : "الدعاء هو العبادة". رواه الترمذي وفال حسن صحيح]
وأكثر المسلمين اليوم وقعوا في الشرك ودعاء غير الله، وهو سبب شقائهم، وشقاء الأمم السابقة الذين أهلكهم الله بسبب دعائهم لأوليائهم من دون الله.
إِن موقف العلماء من التوحيد ومحاربة الشرك على أقسام:
стр. 178
١ - القسم الأول فهموا التوحيد وأهميته وأنواعه، وعرفوا الشرك وأقسامه، فقاموا بواجبهم، وبينوا للناس التوحيد والشرك-، وحجتهم القرآن الكريم والسنة الثابتة، وقد تعرض هؤلاء العلماء -كما تعرض الأنبياء- إِلى اتهامات كاذبة، فصبروا ولم يتراجعوا، وشعارهم قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجُرهم هَجرًا جميلًا﴾. [المزمل: ١٠]
وقديمًا أوصى لقمان الحكيم ولده قائلًا: ﴿يا بُنيَّ أقمِ الصلاة وأمُر بالمعروف وانه عن المنكر واصبِرْ على ما أصابك إِنَّ ذلك مِن عَزْمِ الأمور﴾. [لقمان: ١٧]
٢ - والقسم الثاني من العلماء أهملوا الدعوة إِلى التوحيد الذي هو أساس الإِسلام، فراحوا يدعون الناس إِلى الصلاة والحكم والجهاد دون أن يصححوا عقائد المسلمين، وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿ولو أشركوا لَحبطَ عنهم ما كانوا يعملون﴾. [الأنعام: ٨٨]
ولو قدموا التوحيد قبل غيره كما فعلت الرسل لنجحت دعوتهم، ونصرهم الله، كما نصر الرسل والأنبياء، قال تعالى: ﴿وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنهم في الأرض كما استخلف الذينَ مِن قبلِهم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بعد خوفهم أمْنًا يعبدونني لا يُشركون بي شيئًا ومَن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. [النور: ٥٥]
فالشرط الأساسي للنصر هو التوحيد، وعدم الإِشراك بالله.
٣ - والقسم الثالث من العلماء والدعاة تركوا الدعوة إِلى التوحيد، ومحاربة الشرك خوفًا من مهاجمة الناس لهم، أو خوفًا على وظائفهم ومراكزهم، فكتموا العلم الذي أمرهم الله بتبليغه للناس، وحق عليهم قوله تعالى: ﴿إِن الذين يَكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾. [البقرة: ١٥٩]
стр. 179
وقال تعالى في حق الدعاة: ﴿الذين يبلِّغون رسالاتِ اللهِ ويخشونه ولا يخشون أحدًا إِلا الله﴾. [الأحزاب: ٣٩]
وقال ﷺ : "مَن كتم عِلمًا ألجمَه الله بلِجام من نار". [صحيح رواه أحمد]
٤ - القسم الرابع من العلماء والمشايخ مَن يعارض الدعوة إِلى توحيد الله في دعائه وحده، وعدم دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والأموات لأنهم يُجيزون ذلك، ويصرفون الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله، في حق المشركين، وإِنه لا يوجد أحد من السلمين داخلًا في الشرك، وكأنهم لم يسمعوا قوله - تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إِيمانهم بظُلم أولئك لهم الأمن وهم مُهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢]
والظلم معناه هنا الشرك، بدليل قوله تعالى: ﴿إِن الشِركَ لَظُلْمٌ عظيم﴾ [لقمان:١٣]
فالشرك حسب الآية قد يقع فيه المسلم والمؤمن كما هو واقع الآن في كثير من البلاد الإِسلامية، وهؤلاء الذين يبيحون للناس دعاء غير الله، والدفن في المساجد، والطواف حول القبور، والنذور للأولياء، وغيرها من البدع والمنكرات، قد حذر الرسول ﷺ منهم فقال: "إنما أخاف على أمَّتي الأئمة المضلين" [صحيح رواه الترمذي]
وأجاب أحد مشايخ الأزهر السابقين على سؤال حول جواز الصلاة إِلى القبر فقال: لماذا لا تجوز إِلى القبر، وهذا رسول الله في المسجد، والناس يُصلون إِلى قبره! انتهى.
بينما الرسول ﷺ لم يدفن في مسجده، بل دفن في بيت عائشة، وقد نهى عن الصلاة إِلى القبور؛ ومن دعاء الرسول ﷺ :
"اللهم إني اعوذ بك مِن عِلم لا ينفع" [رواه مسلم]
стр. 180
(أي لا أُعلّمه غيري، ولا أعمل به ولا يُبدل مِن أخلاقي السيئة) [فسره المناوى]
٥ - الناس الذين أخذوا بكلام مشايخهم وأطاعوهم في معصية الله خالفوا قول رسولهم ﷺ : "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف". [رواه البخاري]
وسوف يندمون يوم القيامة على طاعتهم، حيث لا ينفعهم الندم. قال تعالى يصف عذاب الكافرين ومَن سار على طريقتهم: ﴿يوم تُقلَّبُ وُجُوهُهُم في النار يقولون يا ليتَنا أطعنا الله وأطعْنا الرسولا (٦٦) وقالوا ربنا إِنا أطعنا سادَتنا وكَبُراءَنا
فأضلونا السبيلا (٦٧) ربنا آتِهم ضعفَينِ من العذابِ والْعَنْهم لَعْنًا كبيرًا﴾. [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨]
قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي اتبعنا الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء، فإِذا هم ليسوا على شيء)
ما معنى وهّابي ؟
اعتاد الناس أن يُطلقوا كلمة وهابي على كل من يخالف عاداتهم ومعتقداتهم وبدعهم، ولو كانت هذه المعتقدات فاسدة، تخالف القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، ولا سيما الدعوة إِلى التوحيد ودعاء الله وحده دون سواه:
كنت أقرأ على شيخ حديث ابن عباس في الأربعين النووية، وهو قوله ﷺ : "إذا سألتَ فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فأعجبني شَرح النووي حين قال: "ثم إِن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم .. وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك؛ وأما سؤال الخلق والاعتماد عليهم فمذموم" فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيد عدم جواز الاستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت