← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها ؟ ١ - لا تنظري إلى المال والجاه والجمال، واختاري صاحب الدين لقول الرسول ﷺ : (إذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينَه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فِتنة في الأرض وفساد عريض). "حسن رواه الترمذي وغيره" ٢ - إذا أحبك الزوج صاحب الدين فسيكون لك عونًا على أمور دينك ودنياك. ٣ - إذا لم يحبك فهو على الأقل لا يكرهك، ولا يظلمك ويحتقرك، فهو يعمل بقوله ﷺ : (لا يَفرك مؤمن مؤمنة، إن كَرِهَ منها خلقًا، رضيَ منها غيره). "رواه مسلم" ٤ - الزوج المتدين يكون لك عونًا على تربية أولادك التربية الإِسلامية الصحيحة. ٥ - سيكون الإِسلام هو المرجع الأساسي لحياتكما ترضيان الحكم به، فيحقق لكما سعادة الدنيا والآخرة. ٦ - الزوج المتدين ينصحك إذا أخطأت، ويبين لكِ الصواب، فاقبلي منه. ٧ - على الزوج المسلم أن يختار الزوجة الصالحة المتمسكة بالدين، المحجبة التي تحفظ بيتها وأسرتها من الفساد، وتراعي حق الزوج عليها امتثالًا لقول الرسول ﷺ : (تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسَبها، ولجمالها، ولدِينها، فاظفَر بذاتِ الدين ترِبَتْ يداك). "متفق عليه" والهدي النبوي يبين للزوجين أن العبرة للعمل لا للشكل: قال: ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامِكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) "مسلم"

стр. 1262

حرية المرأة في اختيار زوجها لقد كرم الإِسلام المرأة، وحفظ لها حقها في اختيار الزوج، واحترم إرادتها وهذا الموقف من أدق المواقف في حياتها، وأمسها بمستقبلها ويتجلى هذا التكريم وهذه الحرية للمرأة فيما يلي: إذن البنت في الزواج: لقد أعطى الإِسلام حق المرأة البكر في اختيار الزوج. عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية يُنكحها أهلها، أتُستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : (نغم تُستأمَر) فقالت: فقلت له: إنها تستحي، فقال رسول الله ﷺ : (فذلك إذنها، إذا هي سكتت). "أخرجه البخاري في النكاح" ١ - البكر الصغيرة: يجوز للأب أن يزوج بنته الصغيرة بدون إذنها، قال الحافظ ابن حجر إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإِذن؟ ومن يستوي سخطها وسكوتها. "فتح الباري ٩/ ١٩٣" والدليل من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] والأيِّم: الأنثى التي ليس لها زوج صغيرة كانت أو كبيرة. والدليل من السنة أن أبا بكر زوج عائشة رسول الله ﷺ وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين. "متفق عليه" ٢ - المرأة البالغة الثيب: وهي التي تزوجت ثم فارقت زوجها فلا يجوز تزويجها بغير إِذنها ورضاها، وإذنها كلامها. قال رسول الله ﷺ : (لا تُنكَح الأيِّم: حتى تُستأمَر). "رواه البخاري" قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الحديث أن الأيِّم: هي الثيِّب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل. والمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، وتأمر بذلك. "فتح الباري" قال البغوي: فإن زوجها وليها بغير إذنها فالنكاح مردود. وعن خنساء بنت خدام الأنصارية ﵂: "أن أباها زوجها وهي ثيِّب، فَكرهَت ذلك، فأتَت رسول الله ﷺ ، فردَّ نكاحها". "أخرجه البخاري"

стр. 1263

٣ - البكر البالغة: لا يجوز لوليها أن يزوجها حتى يأخذ رأيها قال رسول الله ﷺ : (لا تُنكَح البكر حتى تُستأذن، ولا الثيب حتى تُستَأمر، فقيل له: إن البكر تستحي، فقال: إذنها صماتها وفي رواية البِكر يَستأذنها أبوها). "رواه البخاري" وهذا الإستئذان يشمل الأب وغيره، ممن هو ولي عليها. وأيضًا فإن الأب ليس له في أن يتصرف في مالها إذا كانت بالغة إلا بإذنها، قال ابن القيم ﵀: ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها. "انظر زاد المعاد ج ٥/ ٩٩" "انظر هذا البحث في كتاب: (المرأة بين تكريم الإِسلام وإهانة الجاهلية) للأخ محمد إسماعيل المقدم"

стр. 1264

الرسول ﷺ يكرم البنات لقد أمر الرسول ﷺ الآباء والمربين بحسن صحبة البنات، والعناية بهن، ورغب في الإِحسان إليهن، ورحمتهن: ١ - قال رسول الله ﷺ : (مَن عال (١) جاريتين حتى تبلُغا (٢) جاء يوم القيامة أنا وهو -وضم أصابعه- أي معًا). "رواه مسلم" ٢ - وقال ﷺ : (من عال جاريتين حتى يُدركا، دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين). "رواه مسلم" ٣ - وقال ﷺ : (مَن كان له ثلاث بنات فصبرَ عليهن، وأطعمَهن، وسقاهن وكساهن مِن جدَته - (يعني ماله) - كُن له حِجابًا من النار) "صححه الألباني في صحيح الجامع" ٤ - (منَ ابتُليَ مِن هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كُن له سِترًا من النار) "متفق عليه" قوله ﷺ : (بشيء) يصدق على البنت الواحدة. ٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: (جاءت مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعَمتها ثلاثَ تمرات، فأعطت كل واحدة تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لِتأكلها فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صَنعَت لرسول الله ﷺ فقال: إن الله قد أوجبَ لها بها الجنة، أو أعتقها من النار". "متفق عليه" ٦ - وقال محمد بن سليمان: البنون نِعَم، والبنات حسنات، والله يحاسب على النِعم، ويجازي على الحسنات.

стр. 1265

القرآن يكرم الإناث جاء الإِسلام يكرم الِإناث، وينهى عن كراهية البنات والحزن لولادتهن، وأن هذا التشاؤم من عمل الجاهلية. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] إن هذا العمل مِن ضعف الإِيمان وزعزعة اليقين، لكونهم لم يرضوا بما قسم الله لهم من الِإناث، ومن الغريب أن بعض المسلمين والمسلمات يكرهون ولادة البنات، ويحبون ولادة البنين، كانهم لم يسمعوا قول الله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠] وما سماه الله هبة فهو أولى بالشكر، وبحسن القبول أحرى، قال واثلة بن الأسقع: إن مِن يُمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن تعالى يقول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. فبدأ بالِإناث. "انظر: الجامع لأحكام القرآن" أقول: والأُم تستفيد مِن بنتها في مساعدتها أكثر من البنين ولا سيما في البيت. ٣ - وعن ابن عمر ﵄: "أن رجلاً كان عنده، وله بنات، فتمنى موتهن، فغضب ابن عمر، فقال "أنت ترزقهن؟ ". "رواه البخاري في الأدب المفرد" ٤ - قال الإِمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: فقسم حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من، الولد، فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تعرضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه (الله تعالى) وبدأ بذكر الإِناث، فقيل: جبرًا لهن لاستثقال الوالدين لمكانهن، وقيل- وهو أحسن- إنما قدمهن للسياق لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاء الأبوان, فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبًا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر النصف الذي يشاء، ولا يريده الأبوان. وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات، حتى كانوا يئدوهن، أي هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي على الذكر، وتأمل

стр. 1266

كيف نكر سبحانه الِإناث، وعرَّف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم وجبر نقص التأخير بالتعريف. "انظر: تحفة المؤود بأحكام المولود ص ٢٠ - ٢١" ٥ - وقال ابن القيم: وقد قال الله تعالى في حق النساء: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وهكذا البنات أيضًا قد يكون للعبد فيهن خيرًا في الدنيا والآخرة، ويكفي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله، واعطاه عبده. (انظر تحفة المودود ص ١٢٦" ولعله من أجل هذا نهي النبي ﷺ عن تهنئة المتزوج بعبارة: (بالرفاء والبنين)، لأن فيها الدعاء له بالبنين دون البنات، فعن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جُشم، فدخل عليه القوم، فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تفعلوا فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، قالوا: فما نقول يا أبا زيد؟. قال: قولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر. "رواه أحمد وغيره، وهو قوي بمجموع طرقه" "انظر آداب الزفاف للشيخ الألباني ص ١٧٦"

стр. 1267

كرامة المرأة المسلمة لقد بلغ من كرامة المرأة المسلمة أنها كانت تجير الخائف، وتفك الأسير، وهذا يدل على احترام المرأة المسلمة غاية الإحترام: ١ - فقد أجازت أم هانىء بنت أبي طالب رجلين مِن أحمائها (١) كُتب عليهما القتل قالت ﵂: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فسلّمتُ عليه، فقال: "مَن هذه؟ " فقلت: "أنا أُم هانىء بنت أبي طالب" فقال: "مرحبًا بأم هانىء" فلما فرغ مِن غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: "يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتلٌ رجلاً قد أجرتُه (٢) فلان بن هبيرة .. فقال رسول الله ﷺ : (قد أجَرنا من أجرتِ يا أم هانىء) قالت أم هانىء: وذلك ضُحى. "رواه البخاري" ٢ - ولما أسر المسلمون أبا العاص بن الربيع، وغنموا ماله فيما أسروا وغنموا وكان زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، إلا أن الإِسلام فرَّق بينهما، استجار أبو العاص بزينب ﵂، فوعدته خيرًا وانتظرت حتى صلى رسول الله ﷺ الفجر بالمسلمين، ثم وقفت على بابها -في المسجد- فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع .. ، فمال رسول الله ﷺ : (أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟) قالوا: نعم. قال: (فو الذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعتم الذي سمعتم: المؤمنون يدٌ على مَن سِواهم، يُجير عليهم أدناهم، وقد أجَرنا من أجارت). "جاء معنى هذا الحديث في البخاري" فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أُخذ منه، ففعل. وقد عاد أبو العاص بعد ذلك إلى مكة، فأدى الحقوق إلى أهلها، ثم آب إلى المدينة مسلمًا، فرد عليه الرسول ﷺ زوجه زينب). "انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٣٣٢، والإصابة ٧/ ٤٨"

стр. 1268

تحريم قتل النساء في الحرب لقد بلغ من تكريم الإِسلام للمرأة أنه حرم قتلها، وقتل الأطفال والشيوخ في الجهاد إلا أن يقاتلوا، فيدفعوا بالقتل: ١ - فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول ﷺ كان إذا بعث جيشًا قال: "انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلُّوا، وضُموا غنائمكم، وأصلِحوا وأحسِنوا إن الله يحب المحسنين". "حسنه محقق جامع الأصول بشواهده" ٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: وُجدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان، وفي رواية: (فأنكر). "متفق عليه" ٣ - وعن رباح بن الربيع ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: اُنظر علامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: "ما كانت هذه لِتقاتِل" قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، قال: فبعث رجلاً، فقال: "قل لخالد: لا تقتلَن امرأة ولا عسيفًا". (العسيف: الأجير). "حسنه الألباني في الإرواء ج ٥/ ٣٥" ٤ - وصدق المستشرق الفرنسي حين قال: ما عرف التاريخ فاتحًا أرحمَ مِن العرب.

стр. 1269

محافظة الإِسلام على سمعة المرأة ١ - لقد بلغ من محافظة الله تعالى على سمعة المرأة المسلمة أنه أنزل في هذا المعنى قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، يحذر فيه من إشاعة السوء عن المرأة المسلمة، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فجعل الله سبحانه في هذه الآية عقوبة القاذف المتهم للمرأة المسلمة بالزنا جلد ثمانين جلدة، إذا لم يأت بأربعة شهداء، ثم دعَّم هذه العقوبة بعدم قبول شهادته أبدًا، ثم وصفه بالفسق الذي يستحقه. ٢ - لم يكتف بهذا العقوبات، بل هددهم بما هو أشد، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥] ٣ - وفي حديث الِإفك بالنسبة لعائشة أُم المؤمنين أنزل الله تبرأتها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]

стр. 1270

الوحي ينتصر للمرأة كان الوحي ينتصر للمرأة إنصافًا لها، وانتصارًا لحقها، بل أنزل سورة خاصة بها تدعى سورة المجادلة: عن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علَيَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: (يا رسول الله، أكلَ مالي، وأفنى شبابي، ونثَرت له بَطني، حتى إذا كبِرتْ سِني، وانقطع ولدي ظاهر مني (١)!!! "اللهم إني أشكو إليك". قالت: فما برَحتْ حتى جاء جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ "المجادلة: آية ١" "رواه البخاري تعليقا، وغيره" لقد نزل الوحي مؤيدًا لهذه المرأة الصالحة التي شكت أمرها إلى الله وجادلت النبي ﷺ في زوجها، وما جرى معها، فاستجاب الله شكواها حالًا؛ وهذه عادة المرأة المسلمة إذا أصابها شيء شكت أمرها إلى الله، ودعت الله وحده، ولم تدعُ غيره، ولم تذهب إلى الكهنة والعرافين، كما يفعل بعض النساء في عصرنا الحاضر، إذا أصابها شيِء لجأت إلى الأولياء تدعوهم، مع أنهم أموات لا يسمعون، ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، فهم بحاجة إلى الدعاء. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠، ٢١] ودعاء غير الله من الأموات أو الغائبين من الشرك الذي يحبط العمل: قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] وقوله تعالى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] وبعض النساء يذهبن إلى السحرة والكهنة والعرافين الذين قال الرسول ﷺ فيهم: (من أتى كاهنًا أو عَرافًا فصدَّقه فيما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد). "رواه أحمد وصححه الألباني" وقال ﷺ : (مَن أتى عرافًا، فسأله عن شيء لم تُقبَل له صلاة أربعين ليلة). "رواه مسلم"

стр. 1271

العمل بمشورة النساء الصالحات ١ - جاء الملك جبريل إلى الرسول ﷺ في غار حراء فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، وأخبرها الخبر: (لقد خشيتُ على نفسي) (١) فقالت خديجة: كلا والله ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتصِل الرحم، وتحمِل الكَلَّ (٢)، وتكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وُتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل (٣) فقالت له خديجة يا ابن عم: اسمع مِن ابن أخيك، فأخبره رسول الله ﷺ خبرَ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (٤) الذي نزَل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذعًا ليتني أكون حَيًا إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أوَ مخرجِيَّ هم؟ " قال: نعمٍ، لم يأتِ رَجل قط بمِثل ما جئتَ إلا عوديَ، وإن يُدركني يومك أنصرك نَصرًا مؤزرًا). "رواه البخاري في كتاب بدء الوحي" فأنت ترى أن خديجة شجعت الرسول ﷺ على الإستمرار في الدعوة، وأن الله لا يتخلَّى عنه لما تعلم من الصفات الحسنة التي كان يتصف الرسول ﷺ مثل مساعدة الضعيف، والفقير وإكرام الضيف، ومعاونة أصحاب النوازل والمصائب. قال ابن حجر: وفي هذه القصة من الفوائد: أ - استحباب تأنيس مَن نزل به أمر بذكر تيَسيره عليه، وتَهوينه لَدَيه. ب - أن مَن نزل به أمرٌ استحب له أن يُطلِع عليه مَن يثق بنصيحته، وصِحة رأيه. "فتح الباري ١/ ١٢٥ " أقول: حتى ولو كانت امرأة كخديجة، هذا من تكريم الإِسلام للمرأة. ٢ - الشروط في عمرة القضاء: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (قوموا فانحروا، ثم احلِقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث، مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سَلمَة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر

стр. 1272

بُدْنك، وتدعوا حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا غمًا. "رواه البخاري" أ - والقصة دليل على أن المرأة الصالحة تُستشار في شؤون الأمة، ويُعمل برأيها في القضايا المهمة، وتدل على وفور عقل أم المؤمنين أم سلمة وصواب رأيها، حيث نفذ الرسول ﷺ اقتراحها، وانتهت المشكلة. ب - والقصتان السابقتان: خديجة وأم سلمة، ومشورة الرسول ﷺ لهما في أمور حصلت له يدل على احترام الإِسلام للمرأة، ويُبطل القول المنسوب إلى الخليفة عمر: "شاوروهن وخالفوهن" ومعاذ الله أن يخالف عمر عمَلَ رسول ﷺ ، ويخالف القرآن القائل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] موقف المرأة المسلمة من الدين ١ - إن المسلم رجلاً كان أو امرأة، حينما أعلن كل واحد منهما ولاءه لله ورضي بالله ربًا، وبالاسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا كان على كل واحد منهما أن يعطى الثقة التامة والكاملة للتعاليم الإسلامية، لأنها ربانية جاءت لسعادة الرجل والمرأة في الدنيا والآخرة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] ٢ - فلا بُدَّ للمرأة المسلمة أن تذعن لتعاليم الإِسلام وأحكامه التي جاءت لعزتها وكرامتها، وإنصافها في جميع حقوقها مع الرجل وما يتناسب مع فطرتها، وطبيعتها التي فطرها الله عليها، وهو أعلم بخلقها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] وقد أشار القرآن من موقف المرأة المسلمة من الدين فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقد توعد الله تعالى من خالف أمر رسوله ﷺ فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]

стр. 1273

وصية امرأة لابنتها في زفافها قالت امرأة تزف ابنتها إلى الملك الحارث بن عمرو الكندي: أي بُنية إن الوصية لو كانت تترك لفضل أدب أو مكرمة نسب لتركت ذلك معك، ولكنها تذكرة للعاقل، ومُنبهة للغافل. أي بُنية: لو استغنت ابنة عن زوج لِغنى أبويها، لكنتِ أغنى الناس عنه، لكنا خُلقنا للرجال، كما خُلق الرجال لنا. أي بُنية: إنك فارقت الوطن الذي منه خرجت، والعش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، أصبح بملكه إياكِ مَلِكًا عليك، فكوني له أمةً يكن لك عبدًا واحفظي له عشر خصال يَكُنَّ لك ذُخرًا. ١ - الصحبة بالقناعة: فإن في القناعة راحة القلب. ٢ - المعاشرة بحسن السمع والطاعة: فإن فيهما رضا الرب. ٣ - التعهد لموضع عينيه والتفقد لموضع أنفه: فلا تقع عينيه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا أطيب ريح. ٤ - الكحل والماء: واعلمي أن الكحل أحسن الموجود، وأن الماء أطيب المفقود. ٥ - التعهد لوقت طعامه: فإن حرارة الجوع ملهبة. ٦ - الهدوء عند منامه: فإن تنغيص النوم مغضبة. ٧ - الإحتفاظ ببيته وماله: فإن حفظ المال من حسن التقدير. ٨ - الرعاية لحشمه وعياله: فإن الرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير. ٩ - ألا تفشي له سرًا: فإن أفشيت له سرًا لم تأمني غدره. ١٠ - ألا تعصي له أمرًا: فإن عصيت أمره أوغرت صدره. وأشد ما تكونين له إعظامًا أشد ما يكون لك إكرامًا، وأكثر ما تكونين له موافقة أحسن ما يكون لك مرافقة؛ واعلمي أنك لا تقدرين على ذلك حتى تؤثري هواه على هواك ورضاه على رضاك فيما أحببت أو كرهت.

стр. 1274

شرط الولي لنكاح المرأة لقد اشترط الإِسلام موافقة ولي أمر المرأة على نكاحها تكريمًا لها وحفاظًا على مستقبلها، وهو أدرى بها من نفسها. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ٢ - قال تعالى حكاية عن قول والد المرأتين اللتين وجدهما موسى على البئر: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] فالخطاب في الآيتين للرجال، ولو كان للنساء لذكر ذلك، وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] ٣ - وقال الرسول ﷺ : (لا نكاح إلا بولي، والسلطان وَلي مَن لا وَلي له)."صحيح رواه أحمد" وقال ﷺ : (لا نكاح إلا بولي، وشاهدَي عدل). "صححه الألباني في الإرواء" قال الصنعاني: والحديث دل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي، لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا الكمال. "انظر: سبل السلام ٣/ ١١٧" ٤ - وقال ﷺ : (أيما امرأة نُكحِت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فإن السلطان وَلي مَن لا ولي له). "صححه الحاكم ووافقه الذهبي" ٥ - وقال ﷺ : (لا تُزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تُزوج المرأةُ نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها). "قال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله ثقات، وصحح الألباني الجملة الأولى. وصحح وقف الجملة الأخيرة على أبي هريرة" إن الشرع الحكيم لما اشترط للزواج موافقة الولي، كان له أهداف عظيمة، وفوائد كثيرة، وهي في مصلحة المرأة: ١ - قال الشيخ ولي الله الدهلوي ﵀ في حجة الله البالغة: وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم، واستبداد النساء بالنكاج وقاحة منهن، منشؤه قلة الحياء، والتعدي على الأولياء، وعدم الإكتراث بهم. ٢ - يجب أن يُميز النكاح من السفاح بالتشهير، وأحق التشهير أن يحضر أولياؤها. ٣ - أقول: ويشهد لهذا المعنى قول الرسول ﷺ :

стр. 1275

"فصلُ ما بين الحلال والحرام ضرب الدف، والصوت في النكاح". "صحيح رواه أحمد" فهذا الحديث يدل على أن الفرق بين الحلال وهو الزواج الشرعي، وبين الزنا وهو الحرام ضرب الدف للبنات لِإعلانه، وكذلك الغناء النزيه للبنات أيضًا. ٤ - كما أن المرأة لقلة تجربتها في المجتمع، وعدم معرفتها شؤون الرجال وخفايا أمورهم غير مأمونة حين تستبد لسرعة انخداعها، وسهولة اغزارها بالمظاهر البراقة دون تفكير في العواقب وقد اشترط إذن الولي مراعاة لمصالحها، لأنه أبعد نظرًا، وأوسع خبرة، وحكمه موضوعي لا دخل فيه للعاطفة أو الهوى، بل يبنيه على اختيار من يكون أحسن عشرة. ٥ - وكيف لا يكون لوليها في زواجها إذن، وهو الذي سيكون شاءت أم أبت بل شاء أو أبي المرجع في حالة الاختلاف، وفي حالة فشل الزواج يبوء هو بآثار هذا الفشل. "انظر: كتاب المرأة بين تكريم الإِسلام وإهانة الجاهلية"

стр. 1276

واجب ولي المرأة قال رسول الله ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون خُلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض) "حسن رواه الترمذي" ١ - يجب على الولي أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وأن يراعي خصال الزوج الصالح، فلا يزوجها ممن ساء خلقه، أو ضعف دينه. قال بعض السلف: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها. وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعة، فَمِمَّن أزوجها؟ قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أِبغضها لم يظلمها. ٢ - قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وإذا رضيتْ رجلاً، وكان كفؤًا لها، وجب على وليها كالأب، ثم الأخ، ثم العم أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤًا لها باتفاق العلماء. وإنما يعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك، أو يخجلونها حتى تفعل ذلك ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤًا لها لعداوة أو غرض، وهو ممن حرمه الله ورسوله، واتفق المسلمون على تحريمه. وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحة المرأة لا في أهوائهم، فإن هذا من الأمانة التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] "انظر: مجموع الفتاوى ٣٢/ ٣٩ - ٥٢" ٣ - ويجوز للرجل أن يعرض بنته أو أخته على من يرى فيه الصلاح فقد عرض عمر بن الخطاب حفصة على عثمان، ثم على أبي بكر، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحه إياها.

стр. 1277

الخنساء قبل الإِسلام وبعده ١ - لقد أصيبت الخنساء بفقد أخيها واسمه (صخر) فجزعت عليه، وحزنت حزنًا شديدًا وقالت فيه الشعر، وذلك قبل الإِسلام. أما بعد الإِسلام، فرزقها الله أربعة أولاد خرجوا إلى معركة القادسية فكان مما أوصتهم به قولها: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنوا رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنت حسبكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية: اصبروا، وصابروا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرت عن ساقها، وجلَّلت نارًا على أوراقها، فيمِّموا وطيسها (١) وجالدوا رسيسها (٢) تظفروا بالغنيمة والكرامة في دار الخلد والمقامة. فلما كشرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم حتى قتلوا واحدًا بعد واحد. ولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله يجمعني بهم في مستقر الرحمة. "انظر: الإصابة والإستيعاب" فما أعظم الفرق في سلوك الخنساء قبل الإِسلام وبعده، وهذا من فضل الإِسلام وتكريمه.

стр. 1278

إهانة المرأة في بلاد الكفر إن وضع المرأة في البلاد التي يزعمون أنها متقدمة في الحضارة وضعٌ حرج، فيه الإِذلال والمهانة، والمجَون والخلاعة، والقسوة والإستغلال في أقسى صورها، وأبشع مظاهرها، لا يقبلها إلا ممسوخ الفطرة، منتكس السريرة، خبيث الطوية: ١ - إن القانون الإِنكليزي حتى عام ١٨٠٥ م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته. ٢ - جاء في مجلة حضارة الإِسلام، السنة الثانية (ص ١٠٧٨): حدث في العام الماضي أن باع إيطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط قتله الزوج البائع. ٣ - وقال الأستاذ محمد رشيد رضا ﵀: من الغرائب التي نقلت عن بعض صحف إنكلترا في هذه الأيام أنه لا يزال يوجد في بلاد الأرياف الإِنكليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جدًّا كثلاثين شلنًا، وقد ذكرت - أي الصحف الإنكليزية- أسماء بعضهم. ٤ - أما في أمريكا التي تتربع على قمة العالم الغربي، فإن المرأة وصلت إلى انحطاط أخلاقي، وانهيار اجتماعي، وتفكك في الأسرة: يقول الدكتور مصطفى السباعي: وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن أصبحت تُطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكي تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما أجبرتها الظروف في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إيجار غرفتها، وثمن طعامها، وغسيل ملابسها، بل تدفع رسمًا معينًا لقاء اتصالاتها الهاتفية. "انظر: المرأة بين الفقه والقانون ص ٣٠٠" أقول: هذه المعاملة للبنت موجودة حتى الآن في جميع بلاد الكفر، وحدثني ولدي الذي يقيم في فرنسا أن هذا موجود. ٥ - أما عن قلة الزواج، وشيوع البغاء، وانتشار الزنا واللواط، وكثرة اللقطاء، وارتفاع نسبة الطلاق، وتغلغل الأمراض التناسلية الفتاكة، ولا سيما مرض الإِيدز المنتشر، والذي لم يُعرف له دواء فحدث عنه ولا حرج، بل لقد وصلت المرأة الغربية إلى درجة من الإنحلال والمهانة ما لا يتصوره عاقل. يقول الدكتور "نور الدين عتر": حدثني صديق أنهى تخصصه العالي في أمريكا حديثًا: أن في الأمريكيين أقوامًا يتبادلون زوجاتهم لمدة معلومة ثم يسترجع كل واحد

стр. 1279

زوجته المعارة، تمامًا كما يعير القروي دابته، أو الحضري شيئًا من متاع بيته. "انظر: كتابه ماذا عن المرأة ص ١٥ - ١٦" وكان أحد القادمين من فرنسا يحدث عن إعارة الزوجة هناك أَيضًا. ٦ - فعلى المرأة المسلمة أن تعرف أنها مكرمة، وألا تنخدع في الحضارة الزائفة، حضارة مساواة الرجل بالمرأة، وإنما هي حضارة الإنسان بمساواة الحيوان. فتاة أمريكية تعتنق الإِسلام الإِسلام هو السبيل الوحيد لِإنقاذ وخلاص البشرية. ١ - "هاجر" الاسم الجديد "لياميلا" فتاة أمريكية في الثامنة والعشرين من عمرها، طالبة في قسم علم الإجتماع في جامعة ميزوري -كولومبيا-. ٢ - بدأت قبل سنتين بدراسة الإِسلام دراسة جادة متعمقة بحثًا عن الحقيقة التي كانت شغلها الشاغل، والتي لم تجدها كما تقول في الثقافة المادية الأمريكية، وبعد سنتين من الدراسة والبحث والتأمل أعلنت "ياميلا" الإِسلام، وغيرت اسمها إلى "هاجر" حيث تقول: إن اسم "هاجر" مُحبَّب إلى نفسي لكونه مرتبطًا بالإِسلام. ٣ - تتحدث هاجر عن تجربتها قائلة: منذ مدة طويلة كانت تدور في ذهني تساؤلات عن الكون، والوجود والحياة، وقد أضناني البحث والتفكير عن أجوبة لهذه التساؤلات الفلسفية، ولكن عبثًا لم أجد لها تفسيرًا مقنعًا من خلال دراستي في الثقافة الأمريكية المادية، وكنت أسمع بالإِسلام، ولكن صورته غامضة في ذهني بل مُشوهة، فهو دين يفرق بين الرجل والمرأة، وقائم على العنف والقسوة، وبقيت جاهلة بحقيقة الإِسلام، حتى بدأت أدرك نقاء الإِسلام وتحديه للقوى المادية، فبدأت من حينها أدرس وأبحث عن الإِسلام، وكان البحث في البداية شاقًا جدًا، فليس هناك كتب أمينة عن الإِسلام في اللغة الإنكليزية، ولكني منذ البداية شعرت بحب للإسلام، فهو دين عدل وإنصاف، يعطي الفرد حريته، ويحمله مسؤولية أعماله وأفعاله، وهكذا وبمرور الوقت ازددت وعيًا وفهمًا بالإِسلام، وكان أن هداني الله لاعتناق الإِسلام.

стр. 1280

هاجر تدعو للإسلام ١ - ومنذ أن أعلنت "هاجر" إسلامها، وهي تعمل بجد ونشاط لنشر الإِسلام، فهي ترى أن رسالتها الآن أن تجاهد في سبيل الإِسلام، وإبلاع دعوته للأمريكيين الذين يجهلون حقيقة الإِسلام بفعل الصورة المشوهة التي صُور الإِسلام بها من خلال أعدائه الحاقدين عليه. ٢ - لقد غير الإِسلام هاجر تغييرًا شاملًا، فبعد أن كانت تعيش كأية فتاة أمريكية حياة لاهية أصبحت الآن ملتزمة بقواعد ومبادىء الإِسلام كما تقول: إن هدفي الأسمى أن أجاهد في سبيل الإِسلام، وأن أحارب الرأسمالية، والطغيان والشر، فبعد تجربتي وجدت أن الإِسلام هو الطريق الوحيد لخلاص الِإنسانية من خطر الحروب والمجاعة والفناء. ٣ - وعندما سئلت "هاجر" ولماذا الإِسلام بالذات هو السبيل إلى خلاص البشرية؟ أجابت قائلة: إن الإِسلام هو الدين الوحيد الذي يُقدم حلولًا لقضايانا الإجتماعية، والسياسية المعاصرة، إنه نظام حياة شامل يوازن بين مطالب الروح، وحاجات الجسد دونما إخلال، لقد وجدت فيه أجوبة شافية على تساؤلات فلسفية كانت تقلقني وتقض مضجعي. ٤ - وحين تتحدث هاجر عن الإِسلام تشعر بالصدق في كلامها، فهي تعي ما تقول، وأحيانًا تنطق بالعبارات الإِسلامية باللغة العربية ولكنها في كل الحالات تفهم جيدًا أن الإِسلام نظام شامل للحياة وليس دين عبادات فقط. الجهاد في نظرها أهم ما في الإِسلام، أو أهم ما يحتاج إليه المسلمون في الوقت الحاضر. ٥ - ومنذ إسلام هاجر، غيَّرت أسلوب حياتها، فارتدت اللباس الشرعي، وبدأت تصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، وبذلت جهدًا كبيرًا في حفظ الآيات من القرآن، لتستطيع تأدية الصلوات. ٦ - وطبيعي أن تواجه صعوبات كبيرة من زميلاتها وعائلتها, ولكن "هاجر" المسلمة كما تقول: أستطيب المصاعب في سبيل عقيدتي، وهذا جدير بالنسبة للمسلمين والمسلمات، ولقد سبق أن عُذب الكثير منهم، لكنهم لم يتحولوا، وأنا لن أبالي إلا بالإِسلام. ٧ - ولا يقتصر نشاط "هاجر" على الجانب الديني، فهي نشطة سياسيًا، ومؤمنة بالحقوق

стр. 1281

العادلة للشعب الفلسطيني المسلم، لذلك فهي تحاضر وتتحدث عن الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني. إنها حقًا ظاهرة فريدة: فتاة أمريكية بيضاء تتجول إلى داعية إسلامية تذب وتدافع عن قضايا الشعب الإِسلامي في مجتمع لا يُصغي، ولكنها لا تمل ولا تتعب. ورسالتها إلى الشعوب الإِسلامية عامة والعربية خاصة: أنتم الذين أنرتم الدرب للبشرية، فلا تضعفوا أمام غزاة أرضكم المقدسة أمام إسرائيل وحلفائها. الخليفة ينقذ المرأة الضعيفة ١ - لما خرج ملك الروم وفعل في بلاد الإِسلام ما فعل فقتل مَن بها من الرجال، وسبى الذرية والنساء، ومثَّل بمن صار في يده من المسلمين. وسمل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، وبلغ المعتصم أن امرأة هاشمية صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم "وامعتصماه" فأجابها وهو جالس على سرير لبيكِ، لبيكِ، ونهض من ساعته، وصاح في قصره النفير، النفير، ثم ركب دابته، ومعه حقيبة فيها زاده، وجمع العساكر، وأحضر قاضي بغداد، وهو عبد الرحمن بن إسحق، وشعبة بن سهل ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضِياع: فجعل ثلثًا لولده، وثلثًا لله تعالى، وثلثًا لمواليه، ثم سار فعسكر في غربي "دجلة" ومعه جماعة من القواد، حتى انتصر على الروم، بعد قتالهم مدة طويلة. "انظر: الكامل لابن الأثير ٥/ ٢٤٧" ٢ - أقول لقد بلغ من تكريم الإِسلام للمرأة أن سار الخليفة "المعتصم" بجيشه، حينما سمع من امرأة أسيرة في بلاد الروم تنادي لينقذها من الكقار، فلبى نداءها، وسار بنفسه مع جنده حتى يقاتل الكفرة، وينصر المرأة الضعيفة، وهذا يدل على عزة المسلمين، والدفاع عن النساء. ٣ - لقد أكبر المسلمون هذا العمل من الخليفة "المعتصم" ولا سيما بعد فتحه "عمورية" وقال فيه الشعراء قصائد تشيد بذلك العمل الطيب والإنتصار الباهر.

стр. 1282

أهمية تربية النساء ١ - مَن لي بتربية النساء فإنها ... في الشرق علَّة ذلك الإِخفاق (١) ٢ - الأم مدرسة إذا أعددَتها ... أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراق (٢) ٣ - الأم رَوض إن تعهده الحيا (٣) ... بالرِي أورَق أيَّما إيراق! ٤ - الأم أستاذ الأساتذة الأولى ... شغلتْ مآثرهم مدى الآفاق ٥ - أنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا (٤) ... بين الرجال يَجلن في الأسواق ٦ - يدرجن (٥) حيث أردن لا مِن وازع ... يحذرن رقبته ولا مِن واقي ٧ - يفعلن أفعال الرجال لواهيًا ... عن واجبات نواعس الأحداق ٨ - في دورهن شؤونهن كثيرة ... كشؤون رَب السيف والمزراق (٦) ٩ - كلا ولا أدعوكم أن تُسرِفوا ... في الحجب والتضييق والإِرهاق (٧) ١٠ - ليست نساؤكم أثاثًا يُقتنى ... في الدين بين مخادع وطباق ١١ - تتشكل الأزمان في أدوارها ... دوَلًا وفن على الجمود بواقى ١٢ - فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا ... فالشّر في التقييد والإِطلاق ١٣ - رَبوا البنات على الفضيلة إنها ... في الموقفَين لهن خيرُ وَثاق ١٤ - وعليكم أن تستبين بناتكم ... نورَ الهدى وعلى الحياء الباقي "للشاعر حافظ إبراهيم"

стр. 1283

(٨) تحفة الأبرار في الأدعية والآداب والأذكار

стр. 1284

موجز تحفة الأبرار * - الأمر بالدعاء * - من فوائد الدعاء * - أوقات إجابة الدعاء * - الذين يستجاب دعاؤهم * - المحرم مِن الدعاء * - آداب الأكل والشرب * - آداب السفر * - دعاء الركوب والسفر * - آداب السلام * - فضيلة الذكر * - مِن فوائد الذكر * - الذكر في الصباح والمساء * - الذكر عند النوم والإستيقاظ * - الذكر عند الأذان * - الذكر عند الغضب

стр. 1285

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضللْ فلا هادِيَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فإن الدعاء مهم جدًا، ولا سيما في هذه الأيام التي يرى فيها المسلم إخوانًا له يُذبحون، وئقتلون ويُشردون، فالواجب على كل مسلم أن يدعو لإخوانه المشردين بالنصر والتأييد، وأن يستعين المسلم بدعاء ربه إذا وقع في مصيبة، أو كرْب، أو أي مشكلة، فالدعاء له منزلة عظيمة في الإِسلام، حيث ورد الأمر به في القرآن: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ "غافر: ٦٠" وقال الرسول ﷺ : (الدعاءُ هو العبادة). صحيح رواه الترمذي" وقد جمعت في هذا الكتاب بعض الأذكار والأدعية والآداب من الكتاب والسنة، ولا سيما الأدعية التي ورد فيها نص عن الرسول ﷺ بأنها مستجابة وقد استعملتها فوجدت فيها الإجابة. والله أسألُ أن ينفع به المسلمين. ويجعله خالصًا لوجهه الكريم. محمد بن جيل زينو

стр. 1286

أسباب نشر الأدعية ١ - استيقظت مرة في منتصف الليل، فرأيت النور مضاءً، فعرفت أن ولدي المريض قد اشتد مرضه، ثم دخلت الغرفة فإذا بوالدته تبكي على ولدها الذي غاب عن وعيه، وحين رأتني ذهبَت إلى غرفة أخرى لِتَستريح، عند ذلك توضأتُ، وصليتُ ركعتين بخشوع، وبعد الإنتهاء قرأت "دعاء الحاجة" وغيره وجعلتُ أقول: يا رَبُّ يا رَبُّ اِرحمْ هذا الطفل المريض حيث لم ينفعه الدواء والأطباء، ومازلت أُلحُّ في الدعاء وأبكي حتى شعرت بحركة مِن خلفي، وإذا بولدي المريض الذي لا يستطيع الحركة ينهض بنفسه قائلَا: أريد ماءً، فأعطيته الشراب ثم قلت في نفسي: لقد استجيب الدعاء، ونزل الشفاء. وعند الصباح خرج الولد بنفسه إلى السوق سليمًا مُعافى. يَا ألله! لقد مضى على مرض ولدي أكثر من سنة وهو ينتقل من طبيب لآخر، ويشرب الأدوية دون فائدة، وحينما قرأت هذه الأدعية نزل الشفاء بسرعة، ليتني قرأت الدعاء منذ زمن بعيد. ٢ - دخلت مرة إلى عيادة طبيب، فرأيت رجلًا يضع يده على ظهره متألِّمًا، فأعطيته "دعاء الشفاء" فأخذه وجعل يقرؤه واضعًا يده مكان الألم، وبعد دقائق همس الرجل في أذني قائلًا: لقد ذهب الألم ولا حاجة لطبيب. ٣ - قرأت "دعاء الليل المستجاب" الذي سيأتي ذكره في الكتاب، فتحقق طلبي بفضل الله، وقرأه ولدي من أَجل أمر عظيم، فسهَّل الله أمره، وقرأه كثير من الناس فاستفادوا منه في جميع حاجاتهم على اختلاف أنواعها. وأنصح كل مسلم أن يعود إلى هذه الأدعية التي سيأتي ذكرها في كل أموره لفائدتها العظيمة.

стр. 1287

الأخذ بالأسباب المشروعة على المسلم أن يجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب المشروعة: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ "سورة الأنفال" وقد فسر الرسول ﷺ القوة بقوله: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). "رواه مسلم" - وقال ﷺ : (يا عبادَ الله تداوُوا، فإن الله لم يضع داء إلا وضعَ له دواء غير داء واحد: الهرَم [الهرَم: كِبر السِّن والعجز] "صحيح رواه أحمد" ٣ - وقال ﷺ لصاحب الناقة: (اعقلها وتوكل). "حسن رواه الترمذي" ٤ - وقال ﷺ : (لو أنكمِ تتوكلون على الله حَق توكُّله، لززقكم كما هي زق الطير، تغدو جماصًا، وتروح بطانا). "صحيح رواه أحمد" [فأثبت النبي الذهاب والإِياب للطير، وهي من الأسباب المشروعة]. ٥ - يحرم تصديق المنجم، والكاهن، والعراف، والساحر، والرمَّال وغيرهم: لقوله ﷺ : (مَن أتى عَرافًا أو كلاهنًا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفرَ بما أنزل على محمد). "صحيح رواه أحمد" وما يقع من الدجالين إنما هو التخمين والمصادفة، وأكثره كذب من الشيطان لا يغتر به إلا ناقص عقل ودين، ومن صدقه فقد كفر بالإِسلام؟ ولو كانوا صادقين لاستخرجوا كنوز الأرض، وأخبرونا عن أسرار اليهود لإحباطها, ولما أصبحوا فقراء يحتالون على الناس لأكل أموالهم بالباطل.

стр. 1288

الأمر بالدعاء ١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ "غافر: ٦٠ " ٢ - وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ "الأعراف: ٥٥، ٥٦" ٣ - يأمرنا الله تعالى في هذه الآيات أن ندعوه ليستجيب لنا وطلب أن يكون الدعاء سرًّا في حالة التذللِ له فإن الله لا يحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت، وأمرنا أن ندعوه خوفًا من عقابه وطمعًا في رحمته. "انظر تفسير الجلالين" قلت: هذه الآيات صريحة في الرد على فريقين: أ - الفريق القائل: بأن إبراهيم ﵇ حينما أُلقيَ في النار، فقال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسَلْ ربك، فقال إبراهيم: (حسبي مِن سؤالي عِلْمُه بحالي) (١). هذا الأثر يخالف القرآن الذي أثبت الدعاء لجميع الأنبياء، ومنهم إبراهيم ﵇، وقد قال رسول الله ﷺ : (الدعاءُ هو العِبَادَة). "صحيح رواه الترمذى وغيره" وقال ﷺ : (مَن لَمْ يَدْعُ الله يَعضَبْ عليه) "صححه الحاكم وواففه الذهبي، وحسنه الألباني" وقال ﷺ : (سَلُوا الله كُلَّ شيء حتى الشَّسْعَ، فإن الله تعالى إنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيسَّر). "حسنه الألباني بشواهده" ب. الفريق الثاني: الصوفية التي تقول: إنهم يعبدون الله لا خوفًا مِن ناره، ولا طمَعًا في جنته، فالقرآن يرد عليهم بأن الله يأمركم أن تدعوه خوفًا من ناره وطمَعًا في جنته، كما فعلت الأنبياء.

стр. 1289

من فضائل الدعاء ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ "سورة البقرة، الآية: ١٨٦" ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ "غافر: ٦٠". ٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ "سورة الفرقان: ٧٧". ٤ - وقال الرسول ﷺ : (الدعاءُ هو العِبَادَة). ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. "صحيح رواه أبو داود" ٥ - وقال الرسِول ﷺ : (لَيْسَ شَيءٌ أكرمَ على الله مِن الدُّعاءِ). "حسن رواه الترمذي" ٦ - وقال الرسول ﷺ : (أفضلُ العبادةِ الدعاءُ). "صحيح رواه الحاكم"

стр. 1290

من آداب الدعاء ١ - الإِخلاص: من أهم الآداب، قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. "سورة غافر: الآية: ١٤" ٢ - أن يدعو الله وهو طاهر: وفي الصحيحين: عن أبي موسى ﵁ قال: (قال أبو عامر: قل لرسول الله ﷺ يستغفر لي، فدعا الرسول ﷺ بماء فتوضأ ورفع يديه ... الحديث). ٣ - عدم العجلة في الإستجابة والسؤال ببطون الأكف: أ - قال رسول الله ﷺ : (يُستجاب لأحَدِكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي). "متفق عليه" ب - وقال رسول الله ﷺ : (إذا سألتم الله تعالى فاسْألُوهُ ببُطُونِ أكُفِّكُمْ ولا تسْألُوهُ بظُهُورهَا). "صحيح رواه أبو داود" أقول: رفع اليدين إلى السماء دليل على أن الله تعالى فوق العرش على السماء السابعة. ٤ - استقبال القبلة عند الدعاء: لقد استقبل النبي ﷺ في حجة الوداع القبلة، واستقبل القِبلة في المواطن الآتية: (على الصفا والمروة، وفي وقوف عرفة، وعند المَشعَر الحرام، وبعد رَمي الجَمرة الصغرى والوسطى). "رواه البخاري ومسلم" ٥ - البدء بالدعاء لنفسه: (كانَ رسُولُ الله ﷺ إذَا ذَكَرَ أحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بنَفْسِهِ). "صححه الألباني في الجامع ٤٧٢٠" لكن لا يخص نفسه إذا كان إمامًا وذلك في القنوت، والمصَلون يؤمّنون خلفه، ويجوز أن يخص نفسه في السجود وأول الصلاة لثبوت ذلك بالأحاديث الصحيحة. ٦ - السؤال بعزم ورغبة: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعا أحدكم فلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزم المَسْألَةَ، ولْيُعَظِّمِ الرّغْبَةَ، فإنً الله تعالى لا يَعْظُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أعْطاهُ). "رواه مسلم" ٧ - تكرار الدعاء ثلاثًا: (كان رسولُ الله ﷺ إذا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وإذا سألَ سألَ ثَلاثًا). "متفق عليه"

стр. 1291

٨ - السؤال بأسماء الله الحسنى: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. "الأعراف: ١٨٠" ٩ - البدء بالحمد أو الثناء: (إذ دخلَ رخل فَصلَّى فقال: اللهُمَّ اغفر لي وارحمني، فقال النبي ﷺ : عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فاحْمدِ الله بما هو أهله، وصَلَّ علَيَّ ثم ادعُه). "رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح" ١٠ - الدعاء بالعافية، والإستكثار مِن السؤال: أ - قال الرسول ﷺ : (يَا عباس يَا عَمَّ رسول الله: أكثِر الدعاء بالعَافية). "صححه الألباني في الصحيحة ١٥٢٣" ب - وقال ﷺ : (إذا سأل أحدُكُم فليُكْثِر، فإنما يَسْألُ رَبّه). "صحيح على شرط الشيخين" ١١ - الصلاة على النبي ﷺ عند الدعاء: قال رسول الله ﷺ : "كلَّ دُعاءٍ مَحجُوبٌ حَتَّى يُصلَّى على النبي ﷺ ). "حسن رواه البيهقي" مِن فوائد الدعاء أ - الدعاء يرد القضاء: قال رسول الله ﷺ : "لا يَردُّ القضاء إلا الدعاء ولا يزِيد في العمر إلَّا البرّ) "رواه الترمذي وحسنه الألباني بشواهده" ٢ - وقال ﷺ : (إن الدعاء ينفع مما نزَلَ ومما لم يَنْزلْ، فعليكم عبَادَ الله بالدعاءِ). "رواه أحمد والترَمذي وحسنَه الألباني في المشكاة" معنى الحديث الأول: الدعاء مِن قدر الله ، فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مُقيدًا، فإن دعاه اندفع عنه ما قضاه عليه، وفيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قضاه على عبده، وإن البر وصلة الأرحام تزيد في العمر. ٣ - ومن فوائد الدعاء أَيضًا: قال رسول الله ﷺ : (ما مِن مسلم يدعو بدَعْوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّلَ له دَعْوَتَهُ، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصْرف عنه مِن السُّوء مِثْلَهَا، قالوا: إذن نكْثِر. قال الله أكثَرُ). "صحيح رواه أحمد. انظر المشكاة ج ٢/ رقم ٢٢٥٩"

стр. 1292

أوقات إجابة الدعاء ١ - في الليل والثلث الأخير منه: قال رسول الله ﷺ : (إنّ في الليل ساعة لا يُوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا مِن أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كلَّ ليلة). "رواه مسلم ج ٢/ ١٧٥" وقال ﷺ : (يَنزل ربُّنا كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثُلث الليل الآخر، فيقولُ مَن يدعُوني فأسْتَجيبَ لَهُ؟ مَن يَسْأَلُني فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَه؟). "رواه البخاري ومسلم" [ينزل ربنا: نزولًا يليق بجلاله ليس كمثله شيء، وهو دليل على عُلُو الله تعالى]. ٢ - الدعاء عند نزول الكرب والمصائب: قال ﷺ : (دَعوةُ ذي النُّون إذْ دَعَا بها وهو في بَطْنَ الحُوت: "لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنتُ من الظالمين". لم يَدع بها رَجلٌ مسلم في شيء قطُّ إلَّا استجاب الله له). "صحيح رواه أحمد" ٣ - الدعاء بين الأذان والإِقامة: قال رسول الله ﷺ : (الدَّعوة لا تُرَدُّ بين الأذان والإقامة) "رواه أحمد وإسناده صحيح" ٤ - الدعاء عند الأذان وجهاد الأعداء: قال رسول ﷺ : (اثْنَتَانِ لا تُردِّان: -أو قلَّما تُردِّانِ- عند النِّداءِ، وعند البَأْسِ حينَ يَلْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا). "رواه أبو داود، وقال الحافظ: حسن صحيح" ٥ - الدعاء في السجود في الصلاة: قال رسول الله ﷺ : (أقرَبُ ما يكون العبدُ مِن ربه وهُوَ ساجِد، فأكثرُوا الدعاء). "رواه مسلم رقم ٤٨٢" ٦ - تحري الدعاء يوم الجمعة: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجمعة لساعة (١) لا يُوَافقُها مسلِم يسْألُ الله فيها خيرًا إلا أعْطَاهُ الله إيَّاه). [(١) رجح الحافظ في الفتح أنها بعد العصر للآثار الواردة فيها] "متفق عليه"

стр. 1293

٧ - الدعاء عند صياح الدِّيَكةِ: قال رسول الله ﷺ : (إذا سَمِعتم صياحَ الدِّيَكة فاسْألوا الله مِن فَضْلهِ فإنها رأتْ مَلَكًا، وإذا سمعتم نَهيقَ الحِمَار فَتَعَوّذوا بالله مِن الشَّيطان فإنه رأى شيطانًا). "رواه البخاري ومسلم" ٨ - الدعاء عند نزول المطر: كان ﷺ رأى المطر قال: (اللهم صَيِّبًا نافعًا). [صَيبًا: مطرًا]. "رواه البخاري" الذين يستجاب دعاؤهم ١ - دعاء المضطر: قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. "النمل: ٦٢" ٢ - دعاء المظَلوم مطلقًا ولو كان كافرًا أو فاجرًا: أ - قال رسول الله ﷺ : (اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمَل على الغَمَامِ، يقول الله تعالى: وعِزَّتي وجَلالي لأنصُرنَّكِ ولو بعد حين). "صحيح كما في الصحيحة ٨٦٨" ب - وقال ﷺ : (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تَصْعدُ إلى السماء كأنّها شَرَارَة). "صحيح كما في الصحيحة ٨٧١" جـ - وقال ﷺ : (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها، حجاب). "حسن رواه أحمد" د - وقال ﷺ : (دعوة المظلوم مُستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه). "حسنه الألباني في الجامع" ٣ - دعوة الصائم والمسافر والوالد: أ - قال ﷺ : (ثِلاثُ دعَوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر). "صحيح انظر الصحيحة ١٧٩٧" ب - وقال ﷺ : (ثلاث دعوات مستجابات لا شَك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم). "حسنه الألباني في الصحيحة ٥٩٦"

стр. 1294

٤ - دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب: قال رسول الله ﷺ : (دعاء المرِءِ المسلم مُستجابٌ لأخيه بِظَهْر الغيب، عند رأسه مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّما دَعَا لأخيه بخيْرِ قال الملَكُ: آمين ولك بمِثل ذلك). "رواه مسلم" ٥ - الدعاء وقت الرخاء: قال رسول الله ﷺ : (مَن سَرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكَرْب، فليُكْثِر الدُّعاء في الرخاء). "صححه الحاكم ووافقه الذهبي" ٦ - دعاء الذاكر الله كثيرًا والإِمام العادل: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يَردُّ الله دعاءَهم: الذاكرُ الله كثيرًا، والمظلوم والإِمامُ المُقسِطُ). "حسن رواه البيهقي" [المقسِط: العادل]. دعاء المسلم على الكافر: قال رسول الله ﷺ : (يُستجاب لنا فيهم ولا يُستجاب لهم فينا). "متفق عليه"

стр. 1295

المحَرم مِن الدعاء ١ - دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء وغيرهم: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. "سورة يونس: الآية: ١٠٦" [الظالمين: المشركين]. وقال رسول الله ﷺ : (الدعاءُ هو العبادةُ). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" فالدعاء عبادة كالصلاة يحرم صرفه لغير الله من الأموات أو الغائبين وغيرهم، وهو من الشرك الأكبر المحيط للأعمال. ٢ - الدعاء على نفسه بالموت أو الشر: أ - قال الرسول ﷺ : (لا يَتَمَنَّينَّ أَحدُكُمٍ الموتَ لِضُرٍ نَزَلَ بهِ، فإن كان لا بُدَّ مُتَمَنيًا فليقل: اللهم أحْيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وَتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي). "متفق عليه" ب - وقال رسول الله ﷺ : (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُونَ على ما تقولون). "رواه مسلم وغيره" ٣ - الدعاء على الأولاد والخدم والأموال بالشر: قال رسول الله ﷺ : (لا تدعوا على أنفسِكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خَدَمِكُم، ولا تدعوا على أموالِكم، لا توافقوا مِن الله ساعة يُسأل فيها عطاءٌ فيُستجاب لكم). "رواه مسلم" ٤ - تمني الحرب ولقاء العدُوِّ: قال رسول الله ﷺ : (يَا أيها الناس لا تَتَمَنَّوا لقاء العدُو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف). "رواه مسلم"

стр. 1296

٥ - الدعاء بالإِثم والمعصية: قال رسول الله ﷺ : (ما مِن مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه مِن السُّوء مثلها. قالوا. إذًا نُكثِر. قال: الله أكثر). "صحيح رواه أحمد" ٦ - الإعتداء في الدعاء: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ "الأعراف: ٥٥" قال ابن القيم ﵀: أ - قيل: المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء. كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك، وقد روى أبو داود في سننه من حديث حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال يا بُني، سَلِ الله الجنة وتعَوذ من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يَعْتَدُون في الطُّهُور والدُّعاء. "صحيح رواه أبو داود وأحمد" وعلى هذا فالإعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإِعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدًا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء. فكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أويتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله. ب - وفُسِّر الإعتداء برفع الصوت أَيضًا في الدعاء. قال ابن جُرَيج: مِن الإعتداء رفيع الصوت في الدعاء، والنداء في الدعاء والصياح. "انظر بدائع التفسير ٢/ ٢٣٢"

стр. 1297

شروط الدعاء ١ - أن لا يكون له فيما سأل غرض فاسد؛ كسؤال المال والجاه والولد والعافية، وطول العمر للتفاخر والتكاثر، والإستعانة بها على الشهوات والمعاصي. ٢ - أن لا يكون الدعاء على وجه الإختبار لربه تعالى، بل يكون سؤالًا محضًا خالصًا لله، إذ العَبد ليس له أن يختبر ربه. ٣ - أن لا يشغله الدعاء عن فريضة حاضرة كصلاة الجماعة فيفوتها فيكون عاصيًا. ٤ - أن يسأل الله تعالى حاجته صغيرة كانت أو كبيرة، ولا يستعظمها على الله: قال الرسول ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفِردوسَ فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة). "رواه البخاري". [أوسطُ الجنة: أي في وسَطِها]. وقال ﷺ : (لِيَسأل أحدُكم رَبه حاجتَه كلها، حتى يسأله شِسْع نعلِه إذا انقطع). [الشِّسْعُ: سَير النعل وشراكه]. "حسنه الترمذي وهو كما قال" ٥ - أن لا يسأل الله بألفاظ لا يُفهم معناها: كأن يقول: (اللهم إني أسألك بمعاقد العِزِّ مِن عرشك). لأنه لا يَعرف معناها كل أحد. ٦ - أن لا يُسيء الأدب في الدعاء مع الله تعالى. ٧ - أن يدعوا الله بأسمائه الحسنى، ولا يدعوه بما لا يتضمن ثناء وإن كان حقًا: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. "الأعراف: ١٨٠" فلا يقال: يا ضار ويا خالق العقَارب والحيات؛ لأنها مؤذية. ٨ - أن يدعوه مع إظهار الفقر والمسكنة والتضرع والخشوع: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. "الأعراف: ٥٥"

стр. 1298

٩ - أن يتجنب الحرام في المأكل والمشرب والملْبس، وفي الحديث: (ثم ذكرَ الرجلَ يُطيل السفرَ أشْعَث أي، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربُّ يا ربُّ، ومطعَمه حرام، ومَشربه حرام، وغُذِيَ بالحرام فأنَّى يُستجاب له) "رواه مسلم" ١٠ - أن يدعو الله بقلبٍ خاشع موقن بالإِجابة لقول الرسول ﷺ : (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً مِن قلب غافل لاهٍ). "حسن رواه الطبراني" ١١ - أن يدعوا الله خوفًا من عذابه، وطمعًا في رحمته: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. "الأعراف: ٥٦"

стр. 1299

الخوف والرجاء قال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ "الأعراف: ٥٦" يأمر الله عبادة أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفًا من ناره وعذابه، وطمعًا في جنته ونعيمه. قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. "الحجر: ٤٩ - ٥٠" لأن الخوف من الله يحمل العبد على الإِبتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه. ما تهدي إليه هذه الآيات: ١ - أن يدعوَ العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه. ٢ - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبيًا أو وليًا أو ملكًا؛ لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا تجوز إلا لله. ٣ - أن يدعوَ العبد ربه خائفًا من ناره، راغبًا في جنته. ٤ - في الآية رَد على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفًا منه، أورغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواعِ العبادة وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. "الأنبياء:٩٠" ٥ - في الآية ردٌّ على النووي في كتابه "الأربعين النووية" عندما شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) حيث قال: وإذا وُجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال: الأول: أن يفعل ذلك خوفًا من الله تعالى: وهذه عبادة العبيد. الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار. الثالث: أن يفعل ذلك حياءً من الله وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر .. وهذه عبادة الأحرار.

стр. 1300

وقد علق الشيخ محمد رشيد رضا على هذا الكلام في "مجموعة الحديث النجدية" فقال: هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث. والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا عبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار. أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى عقيدة الصوفية في كتبه، حيث ذكر هذا التقسيم السابق، بل زاد في شططه حينما فسر في التلفاز (الرائي): قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشرِك بعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدَا﴾. "الكهف: ١١٠" فقال: والجنة أحد. (كأنه يعني: عبادة الله تعالى طلبًا لجنته شرك). قال الشعراوي في كتابه "المختار من تفسير القرآن العظيم": النوع الثالث: أنه يعبده لأنه يستحق أن يُعبد واستدل بحديث قدسي (لو لم أخلُق جنة أو نارًا أما كنتُ أهلًا لأن أُعبد). "ج ٢/ ٢٥" "لم أجده في كتب الحديث" وهذا الحديث لم يذكر درجته والظاهر عليه الكذب؛ لأنه يخالف القرآن، وهذا الكلام الذي ذكره في كتابه يؤيد ما قاله في الرائي عندما فسرَ الآية بقوله: (والجنة أحد). فإن قال قائل: أراد الشعرواي أن مَن عبد الجنة فقد أشرك نقول له: لا يوجد في الدنيا فن يقول: إنه يعبد الجنة، ولكن هذا التفسير من الشعرواي تدليس وإخفاء لعقيدة الصوفية التي يتبناها في كتبه. والصوفية تقول: إنما يعبدون الله لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره! ويستدلون بقول رابعة العدوية: إن كنتُ أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني فيها.
следующие страницы →