← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٥ - التوحيد أساس الإِخاء والمساواة. لأنه لا يسمح لأتباعه أن يتَّخِذَ بعضهُم بعضًا أربابًا من دون الله، فالأُلوهية لله وحده، والعبادة من الناس جميعًا وعلى رأسهم محمد رسوله ومصطفاه ﷺ (١). أعداء التوحيد قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لِكل نبى عَدُوًّا شياطينَ الأِنسِ والجِن يُوحي بعضهُم إِلى بعضٍ زُخرُفَ القولِ غُرورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] اقتضت حكمة الله أن يجعل للأنبياء، ودعاة التوحيد أعداءً من شياطين الجن يوسوسون لشياطين الإِنس بالضلال والشر والأباطيل، ليضلوهم، ويصدوهم عن التوحيد الذي دعت إِليه الأنبياء أقوامهم إِليه أولًا، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه الدعوة الإِسلامية؛ والغريب أن بعض الناس يعتبرون الدعوة إلى التوحيد تفريق للامة، بينما هو توحيد لها، فإِن اسمه دال عليه. أما المشركون الذين اعترفوا بتوحيد الربوبية، وأن الله خالقهم، قد أنكروا توحيد الألوهية في دعاء الله وحده، ولم يتركوا دعاء أوليائهم، وقالوا عن الرسول ﷺ الذي دعاهم إلى توحيد الله في العبادة والدعاء: ﴿أجعلَ الآلهة إِلهًا واحدًا إِن هذا لَشئٌ عُجاب﴾. [ص: ٥] وقال تعالى عن الأم السابقة: ﴿كذلك ما أتى الذين مِن قَبلهم مِن رسول إِلا قالوا ساحِرٌ أو مجنون (٥٢) أتواصَوْا به بل هم قوم طاغون﴾. [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] وصفات المشركين أنهم إِذا سمعوا دعاء الله وحده، اشمأزت قلوبهم ونفرت، فكفروا وأنكروا، وإذا سمعوا الشرك ودعاء غير الله فرحوا واستبشروا، وقد وصف

стр. 177

الله هؤلاء المشركين بقوله: ﴿وِإذا ذُكرَ الله وحدَه اشمأزت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة وإِذا ذُكرَ الذينَ من دونه إِذا هُم يَستَبْشِرون﴾. [الزمر: ٤٥] وقال تعالى يصف المشركين الذين ينكرون التوحيد: ﴿ذلكم بأنه إِذا دُعِيَ الله وحده كفرتم وِإنْ يُشرَكْ به تُؤمنوا فالحكمُ لله العَلِيِّ الكبير﴾. [غافر: ١٢] وهذه الآيات وإن كانت في حق الكفار، فإِنها تنطبق على كل من اتصف بصفاتهم ممن يدَّعون الإِسلام، ويحاربون دعاة التوحيد، ويفترون عليهم، ويلقبونهم بالأسماء المنفِّرة، ليصدوا الناس عنهم، ويُنفِّروهم من التوحيد الذي بعث الله الرسل من أجله، ومن هؤلاء من يسمع طلب الدعاء من الله فلا يخشع، وإذا سمع الدعاء من غير الله، كطلب المدد من الرسول أو الأولياء خشع واستبشر!! فبئس ما يفعلون. موقف العلماء من التوحيد إِن العلماء ورثة الأنبياء وأول ما دعى إِليه الأنبياء هو التوحيد الذي ذكره الله بقوله: ﴿ولقد بعثنا في كُل أمةٍ رَسولًا أنِ اعبدوا الله واجتَنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦] (والطاغوت: هو كل ما عُبد مِن دون الله برضاه) ولذلك يجب على العلماء أن يبدؤوا بما بدأت به الرسل، فيدعوا الناس إِلى توحيد الله في جميع أنواع العبادة، ولا سيما الدعاء الذي قال فيه ﷺ : "الدعاء هو العبادة". رواه الترمذي وفال حسن صحيح] وأكثر المسلمين اليوم وقعوا في الشرك ودعاء غير الله، وهو سبب شقائهم، وشقاء الأمم السابقة الذين أهلكهم الله بسبب دعائهم لأوليائهم من دون الله. إِن موقف العلماء من التوحيد ومحاربة الشرك على أقسام:

стр. 178

١ - القسم الأول فهموا التوحيد وأهميته وأنواعه، وعرفوا الشرك وأقسامه، فقاموا بواجبهم، وبينوا للناس التوحيد والشرك-، وحجتهم القرآن الكريم والسنة الثابتة، وقد تعرض هؤلاء العلماء -كما تعرض الأنبياء- إِلى اتهامات كاذبة، فصبروا ولم يتراجعوا، وشعارهم قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجُرهم هَجرًا جميلًا﴾. [المزمل: ١٠] وقديمًا أوصى لقمان الحكيم ولده قائلًا: ﴿يا بُنيَّ أقمِ الصلاة وأمُر بالمعروف وانه عن المنكر واصبِرْ على ما أصابك إِنَّ ذلك مِن عَزْمِ الأمور﴾. [لقمان: ١٧] ٢ - والقسم الثاني من العلماء أهملوا الدعوة إِلى التوحيد الذي هو أساس الإِسلام، فراحوا يدعون الناس إِلى الصلاة والحكم والجهاد دون أن يصححوا عقائد المسلمين، وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿ولو أشركوا لَحبطَ عنهم ما كانوا يعملون﴾. [الأنعام: ٨٨] ولو قدموا التوحيد قبل غيره كما فعلت الرسل لنجحت دعوتهم، ونصرهم الله، كما نصر الرسل والأنبياء، قال تعالى: ﴿وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنهم في الأرض كما استخلف الذينَ مِن قبلِهم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بعد خوفهم أمْنًا يعبدونني لا يُشركون بي شيئًا ومَن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. [النور: ٥٥] فالشرط الأساسي للنصر هو التوحيد، وعدم الإِشراك بالله. ٣ - والقسم الثالث من العلماء والدعاة تركوا الدعوة إِلى التوحيد، ومحاربة الشرك خوفًا من مهاجمة الناس لهم، أو خوفًا على وظائفهم ومراكزهم، فكتموا العلم الذي أمرهم الله بتبليغه للناس، وحق عليهم قوله تعالى: ﴿إِن الذين يَكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾. [البقرة: ١٥٩]

стр. 179

وقال تعالى في حق الدعاة: ﴿الذين يبلِّغون رسالاتِ اللهِ ويخشونه ولا يخشون أحدًا إِلا الله﴾. [الأحزاب: ٣٩] وقال ﷺ : "مَن كتم عِلمًا ألجمَه الله بلِجام من نار". [صحيح رواه أحمد] ٤ - القسم الرابع من العلماء والمشايخ مَن يعارض الدعوة إِلى توحيد الله في دعائه وحده، وعدم دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والأموات لأنهم يُجيزون ذلك، ويصرفون الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله، في حق المشركين، وإِنه لا يوجد أحد من السلمين داخلًا في الشرك، وكأنهم لم يسمعوا قوله - تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إِيمانهم بظُلم أولئك لهم الأمن وهم مُهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] والظلم معناه هنا الشرك، بدليل قوله تعالى: ﴿إِن الشِركَ لَظُلْمٌ عظيم﴾ [لقمان:١٣] فالشرك حسب الآية قد يقع فيه المسلم والمؤمن كما هو واقع الآن في كثير من البلاد الإِسلامية، وهؤلاء الذين يبيحون للناس دعاء غير الله، والدفن في المساجد، والطواف حول القبور، والنذور للأولياء، وغيرها من البدع والمنكرات، قد حذر الرسول ﷺ منهم فقال: "إنما أخاف على أمَّتي الأئمة المضلين" [صحيح رواه الترمذي] وأجاب أحد مشايخ الأزهر السابقين على سؤال حول جواز الصلاة إِلى القبر فقال: لماذا لا تجوز إِلى القبر، وهذا رسول الله في المسجد، والناس يُصلون إِلى قبره! انتهى. بينما الرسول ﷺ لم يدفن في مسجده، بل دفن في بيت عائشة، وقد نهى عن الصلاة إِلى القبور؛ ومن دعاء الرسول ﷺ : "اللهم إني اعوذ بك مِن عِلم لا ينفع" [رواه مسلم]

стр. 180

(أي لا أُعلّمه غيري، ولا أعمل به ولا يُبدل مِن أخلاقي السيئة) [فسره المناوى] ٥ - الناس الذين أخذوا بكلام مشايخهم وأطاعوهم في معصية الله خالفوا قول رسولهم ﷺ : "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف". [رواه البخاري] وسوف يندمون يوم القيامة على طاعتهم، حيث لا ينفعهم الندم. قال تعالى يصف عذاب الكافرين ومَن سار على طريقتهم: ﴿يوم تُقلَّبُ وُجُوهُهُم في النار يقولون يا ليتَنا أطعنا الله وأطعْنا الرسولا (٦٦) وقالوا ربنا إِنا أطعنا سادَتنا وكَبُراءَنا فأضلونا السبيلا (٦٧) ربنا آتِهم ضعفَينِ من العذابِ والْعَنْهم لَعْنًا كبيرًا﴾. [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨] قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي اتبعنا الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء، فإِذا هم ليسوا على شيء) ما معنى وهّابي ؟ اعتاد الناس أن يُطلقوا كلمة وهابي على كل من يخالف عاداتهم ومعتقداتهم وبدعهم، ولو كانت هذه المعتقدات فاسدة، تخالف القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، ولا سيما الدعوة إِلى التوحيد ودعاء الله وحده دون سواه: كنت أقرأ على شيخ حديث ابن عباس في الأربعين النووية، وهو قوله ﷺ : "إذا سألتَ فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح] فأعجبني شَرح النووي حين قال: "ثم إِن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم .. وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك؛ وأما سؤال الخلق والاعتماد عليهم فمذموم" فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيد عدم جواز الاستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت

стр. 181

وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إِن عمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجده تستعين به)، فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!! مع أنه ميت!! قلت له: إِنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية، أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!! وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إِلا ما أسمعه من المشايخ: فيقولون عنهم: الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا يحبون الرسول، وغيرها من الاتهامات الكاذبة! فقلت في نفسي: إِن كانت الوهابية تؤمن بالاستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها، سألت عن جماعتها فقالوا لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لإِلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إِليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلَّم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي هذا شيخ متواضع لا يحب القيام. بدأ الشيخ الدرس بقوله: إِن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. إِلى آخر الخطبة التي كان الرسول ﷺ يفتتح بها خطبه ودروسه، ثم بدأ يتكلم باللغة العربية، ويورد الأحاديث، ويبين صحتها وراويها، ويصلي علي النبي ﷺ كلما ذكر اسمه؛ وأخيرًا وجهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون (١)، وبعض الناس يقولون إننا

стр. 182

وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾. [الحجرات: ١١] وقديمًا اتهموا الإِمام الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا: إِن كان رَفضًا حُبُّ آل محمدٍ ... فليشهد الثقلان أني رافضيِ ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء: إِن كان تابعُ أحمدٍ مُتوهبًا ... فأنا المِقرُّ بأنني وهَّابي ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه، وسمعت. أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!! معنى وهابي أطلق أعداء التوحيد على الموحد كلمة (وهابي) نسبة إِلى محمد بن عبد الوهاب ، ولو صدقوا لقالوا (محمدي) نسبة إِلى اسمه (محمد)، وشاء الله أن تكون (وهابي) نسبة إِلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الحسنى. فإِذا كان الصوفي ينتسب إِلى جماعة يلبسون الصوف، فإِن الوهابي ينتسب إِلى الوهاب، وهو الله الذي وهب له التوحيد، ومكنه من الدعوة إِليه. محمد بن عبد الوهاب ولد في بلدة (العُيَينة) في نجد سنة ١١١٥ هـ حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة، وتعلم على والده الفقه الحنبلي، وقرأ الحديث والتفسير على شيوخ من مختلف البلاد، ولا سيما في المدينة المنورة، وفهم التوحيد من الكتاب والسنة، وراعه ما رأى في بلده (نجد) والبلاد التي زارها من الشرك والخرافات والبدع، وتقديس القبور التي تتنافى مع الإِسلام الصحيح؛ فقد سمع النساء في بلده يتوسلن بفحل

стр. 183

النخل ويقلن (يا فحل الفحول أريد زوجًا قبل الحول)! ورأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة، وأهل البيت والرسول ما لا يسوغ إِلا لله فقد سمع في المدينة استغاثات بالرسول ودعائه من دون الله، مما يخالف القرآن وكلام الرسول ﷺ ، فالقرآن يقول: ﴿ولا تدعُ مِن دونِ الله ما لا يَنفعُك ولا يَضرك فإِنْ فعلتَ فإِنك إِذًا من الظالمين﴾ [أي المشركين] [يونس: ١٠٦] والرسول ﷺ يقول لابن عمه عبد الله بن عباس: "إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعِن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح] قام الشيخ يدعو قومه للتوحيد ودعاء الله وحده، لأنه هو القادر والخالق، وغيره عاجز عن دفع الضر عن نفسه وغيره، وأن محبة الصالحين تكون باتباعهم لا باتخاذهم وسائط بينهم وبين الله، ودعائهم من دون الله!! ١ - وقوف المبطلين ضده: وقف المبتدعون ضد دعوة التوحيد التي تبناها الشيخ، ولا غرابة فقد وقف أعداء التوحيد في زمن الرسول وقالوا مستغربين: ﴿أجعلَ الآلهة إِلهًا واحدًا إِن هذا لشيءٌ عُجاب﴾. [ص: ٥] وبدأ أعداء الشيخ يحاربونه، ويشيعون عنه الأكاذيب، ويتآمرون على قتله، والخلاص من دعوته؛ ولكن الله حفظه، وهيَّأَ من يساعده حتى انتشرت دعوة التوحيد في الحجاز والبلاد الإِسلامية، وما زال بعض الناس إِلى يومنا هذا يشيعون الأكاذيب، ويقولون إِن إِنه ابتدع مذهبًا خامسًا، مع أن مذهبهُ حنبلي؛ ويقولون: الوهابيون لا يُحبون الرسول، ولا يُصلون عليه! مع أن الشيخ ﵀ له كتاب (مختصر سيرة الرسول ﷺ ) وهذا دليل على حبه للرسول ﷺ ، وقد افترَوا عليه الأكاذيب التي سيحاسبون عليها يوم القيامة؛ ولو درسوا كتبه بإِنصاف لوجدوا فيها القرآن والحديث وأقوال الصحابة؛ حدثني رجل صادق أن أحد العلماء كان يُحذر في دروسه من الوهابية، فأعطاه أحد الحاضرين كتابًا بعد أن نزع اسم المؤلف

стр. 184

محمد بن عبد الوهاب، فقرأه وأعجبه ولما علم بمؤلفه بدأ يمدحه. ٢ - ورد في الحديث: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، قالوا وفي نجدنا، قال: هنالك الزلازل والفِتَن وبها يطلعُ قرن الشيطان" [رواه البخاري ومسلم] (ذكر ابن حجر العسقلاني وغيره من العلماء أن نجد الواردة في الحديث هي نجد العراق) فقد ظهرت الفتن هناك حيث قتل الحسين بن علي ﵁ خلافًا لما يظنه بعض الناس أن المراد نجد الحجاز، حيث لم يظهر فيها شيء من الفتن التي ظهرت في العراق، بل ظهر من نجد الحجاز التوحيد الذي خلق الله العالم لأجله، والذي من أجل أرسل الله الرسل. ٣ - ذكر بعض العلماء المنصفين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو من مُجددي القرن الثاني عشر الهجري، ولقد ألفوا كتبًا عنه، ومن هؤلاء المؤلفين الشيخ علي الطنطاوي أخرج سلسلة من أعلام التاريخ، ذكر منهم الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، وأحمد بن عرفان، ذكر فيه أن عقيدة التوحيد وصلت إِلى الهند وغيرها بواسطة الحجاج المسلمين الذين تأثروا بها في مكة، فقام (الإنكليز) وأعداء الإسلام يحاربونها لأنها توحد المسلمين ضدهم وأوعزوا إِلى المرتزقة أن يُشوِّهوا سُمعتها، فأطلقوا على كل موحد يدعو للتوحيد كلمة (وهابي)، وأرادو به المبتدع، لِيصرفوا المسلمين عن عقيدة التوحيد التي تدعو إِلى دعاء الله وحده، ولم يعلم هؤلاء الجهلة أن كلمة (وهابي) نسبة إِلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الذي وهب له التوحيد، ووعده بالجنة. معركة التوحيد والشرك ١ - إِن معركة التوحيد مع الشرك قديمة منذ زمن الرسول نوح ﵇ حينما دعا قومه إِلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وبقي فيهم ألف سنة

стр. 185

إِلا خمسين عامًا، وهو يدعوهم إِلى التوحيد، فكان ردهم كما ذكر القرآن، (وقالوا لا تَذَرُنَّ آلهتَكم ولا تَذرُنَّ ودًّا ولا سواعًا ولا يغوثَ ويَعوقَ ونَسْرًا (٢٣) وقد أضَلّوا كثيرًا﴾ [نوح:٢٣، ٢٤] روى البخاري عن ابن عباس-﵄ في تفسير هذه الآية قال: ١ - هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إِلى قومهم أن انصِبوا إِلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابًا وسموها باسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إِذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبِدَت. (أي الأحجار والأنصاب التي هي التماثيل) ٢ - ثم جاء الرسل بعد نوح يدعون قومهم إِلى عبادة الله وحده، وترك ما يعبدون من دونه من الآلهة التي لا تستحق العبادة، فاسمع إِلى القرآن وهو يُحدثك عنهم فيقول: ﴿وِإلى عادٍ أخاهم هُودًا قال يا قوم اعبُدوا الله ما لكم مِن إِله غَيره أفلا تتقون﴾. [الأعراف: ٦٥] ﴿وإِلى ثمودَ أخاهم صالحًا فال يا قوم اعبدوا الله ما لكم مِن إِله غيره﴾ [هود: ٦١] ﴿وإِلى مَدين أخاهم شُعيبًا قال يا قَوم اعبدوا الله ما لكم من إِله غيره﴾ [هود: ٨٤] ﴿وإِذ قال إِبراهيم لأبيه وقومَه إِنني بَراءٌ مما تَعبدون (٢٦) إِلا الذي فطرَني فإِنه سيهدين﴾ [الزخرف:٢٧،٢٦] وكان رَدُّ المشركين على جميع الأنبياء بالمعارضة والاستنكار لما جاءوا به، ومحاربتهم بكل ما يستطيعون من قوة. ٣ - وهذا رسول الله ﷺ وهو الذي كان معروفًا عند العرب قبل البعثة بالصادق الأمين، لما دعاهم الى عبادة الله وتوحيده، وترك ما كان يعبد آباؤهم نسوا صدقه

стр. 186

وأمانته، وقالوا: ﴿ساحر كذاب﴾ وهذا القرآن يحكي ردهم فيقول: ﴿وعجبوا أنْ جاءَهم مُنذِرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحِرٌ كذَّاب (٤) أجعل الآلهة إِلهًا واحد إِن هذا لشيءٌ عجاب﴾ [ص: ٤، ٥] ﴿كذلك ما أتى الذين مِن قَبلهم مِن رسول إِلا قالوا ساحِرٌ أو مجنون (٥٢) أتواصَوا به بل هم قومٌ طاغون﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] هذا موقف الرسل جميعًا من الدعوة إِلى التوحيد، وهذا هو موقف أقوامهم المكذبين المفترين. ٤ - وفي عصرنا الحاضر حينما يدعو المسلم إِخوانه إِلى الأخلاق والصدق والأمانة لا تجد معارضًا له، فإِذا قام يدعو إِلى التوحيد الذي دعت إِليه الرسل وهو دعاء الله وحده، وعدم دعاء من سواه من الأنبياء والأولياء الذين هم عباد الله - قام الناس يعارضونه ويتهمونه بتهم كاذبة، ويقولون عنه (وهابي)! ليصدوا الناس عن دعوته، وإِذا جاءهم بآية فيها توحيد قال قائلهم: (هذه آية وهابية)!! وإِذا جاءهم بحديث: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعِن بالله" قال بعضهم: (هذا حديث وهابي)!. وإِذا وضع المصلي يديه على صدره، أو حرَّك إِصبعه في التشهد، كما فعل الرسول ﷺ ، قال الناس عنه وهابي!! فأصبح الوهابي رمزًا للموحد الذي يدعو ربه وحده، ويتبع سنة نبيه، والوهابي منسوب للوهَّاب، وهو اسم من أسماء الله - الذي وهب له التوحيد، وهو أكبر نعمة من الله على الموحدين. ٥ - على دعاة التوحيد أن يصبروا، ويتأسوا برسول الله ﷺ الذي قال له ربه: (واصبِر على ما يقولون واهجُرهم هَجرًا جميلًا﴾ [المزمل: ١٠] ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفورًا﴾ [الإِنسان:٢٤] على المسلمين أن يقبلوا دعوة التوحيد، ويحبوا دعاته، لأن التوحيد دعوة

стр. 187

الرسل عامة، ودعوة رسولنا محمد ﷺ ، فمن أحب الرسول ﷺ أحب دعوة التوحيد، ومن أبغض التوحيد فقد أبغض الرسول ﷺ . إنِ الحكم إلا لله خلق الله العالم لعبادته وحده، وأرسل لهم الرسل لتعليمهم وأنزل مع الرسل الكتب، ليحكم بالحق والعدل بينهم، وهذا الحكم يتمثل في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ويشمل الحكم في العبادات، والمعاملات، والعقائد، والتشريع، والسياسة، وغيرها من أمور البشر. ١ - الحكم في العقيدة: أول ما بدأ به الرسل دعوتهم هو تصحيح العقائد، ودعوة الناس إِلى التوحيد، فهذا يوسف ﵇ في السجن يدعو صاحبيه إِلى التوحيد عندما سألاه تعبير الرؤيا، وقبل أن يجيبهما قال لهما: ﴿يا صاحِبَي السجن أَأربابٌ مُتَفَرِّقون خير أم الله الواحدُ القهار (٣٩) ما تعبدون مِن دونه إِلا أسماءً سمَّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها مِن سلطان إِنِ الحكمُ إِلا لِلّه أمرَ ألا تعبدوا إِلا إِياه ذلك الدين القيِّم ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون﴾. [يوسف: ٣٩ - ٤٠] ٢ - الحكم في العبادات: يجب أن تأخذ أحكام العبادة من صلاة وزكاة وحج وغير ذلك من القرآن والحديث الصحيح عملاً بقوله ﷺ : "صَلّوا كما رأيتموني أصلي" [متفق عليه] وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككُم" [رواه مسلم] وعملًا بقول الأئمة المجتهدين: إِذا صح الحديث فهو مذهبي. فإِذا اختلف الأئمة في أمر من الأمور، فلا نتعصب لقول أحد، إِلا لمن كان معه الدليل الصحيح الذي له أصل من الكتاب والسنة. ٣ - الحكم في المعاملات من بيع وشراء وقرض وإجارة وغيرها يكون الحكم فيها

стр. 188

لله ولرسوله، لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وقد ذكر المفسِّرون سبب نزولها، وهو أن رجلين اختلفا في السقاية، فحكم الرسول ﷺ للزبير أن يسقي، فقال رجل حكمتَ له لأنه ابن عمتك! فنزلت الآية. [رواه البخارى] ٤ - الحكم في الحدود والقصاص لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ إِلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ٥ - الحكم لله في التشريع لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] وقد أنكر الله على المشركين إِعطاء حق التشريع لغير الله فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] الخلاصة يجب على المسلمين أن يحكموا بالكتاب والسنة الثابتة، ويتحاكموا إِليهما في كل شيء، عملاً بقول الله - تعالى: ﴿وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة:٤٩] وقوله ﷺ : "وما لم تحكُم أئِمتُهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسَهم بينهم" [حسن رواه ابن ماجه وغيره] وعلى المسلمين أن يُلغوا القوانين الأجنبية من بلادهم كالقوانين الفرنسية والإِنجليزية وغيرها مما يخالف حكم الإِسلام وأن لا يلجؤوا إِلى المحاكم التي تحكم بقوانين تخالف الإِسلام وأن يحتكموا إِلى الإِسلام عند مَن يثقون به من أهل العلم، فذلك خير لهم، لأن الإِسلام ينصفهم، ويعدل بينهم، ويوفر عليهم المال والوقت

стр. 189

الذي يضيع في المحاكم المدنية بلا فائدة تُذكر، إِضافة إِلى العذاب الأكبر يوم القيامة، لأنه أعرض عن حكم الله العادل، ولجأ إِلى حكم المخلوق الظالم. العقيدة أولًا أم الحاكمية ؟ أجاب الداعية الكبير محمد قطب على هذا في محاضرة ألقاها في دار الحديث بمكة المكرمة، وهذا نص السؤال: س- البعض يقول إِن الإِسلام سيعود من قِبَل الحاكمية، والبعض الآخر يقول: سيعود الإِسلام عن طريق تصحيح العقيدة، والتربية الجماعية، فأيهما أصح؟ ج- من أين تأتي حاكمية هذا الدين في الأرض، إِن لم يكن دعاة يصححون العقيدة ويؤمنون إِيمانًا صحيحًا ويُبتَلون في دينهم فيصبرون، ويجاهدون في سبيل الله، فَيُحكَّم دِين الله في الأرض، قضية واضحة جدًا، ما يأتي الحكم من السماء، ما يتنزل من السماء؟ وكل شيء يأتي من السماء، لكن بجهد من البشر، فرضه الله على البشر: ﴿ولو يشاء الله لانتصرَ منهم ولكن لِيَبلُوَ بعضكم ببعض﴾ [محمد: ٤] لابد أن نبدأ بتصحيح العقيدة، وتربية جيل على العقيدة الصحيحة، جيل يُبتلى فيصبر على البلاء، كما صبر الجيل الأول. انتهى. الشرك الأكبر وأنواعه الشرك الأكبر أن تجعل لله نِدًا (شريكًا) تدعوه كما تدعو الله، أو تصرف له نوعًا من أنواع العبادة، كالاستغاثة أو الذبح أو النذر أو غيرها، وفي الصحيحين عن ابن مسعود سألت النبي ﷺ أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعلَ لله نِدًا وهو خلقك". [رواه البخاري ومسلم]

стр. 190

أنواع الشرك الأكبر ١ - شرِك الدعاء: وهو دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء لطلب الرزق أو شفاء المرض، لقول الله - تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [أي المشركين بالله] [يونس: ١٠٦] ولقوله ﷺ : "مَن ماتَ وهو يدعو من دون الله نِدًا دخل النار" [رواه البخاري] والدليل على أن دعاء غير الله من الأموات أو الغائبين شرك قول الله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. [فاطر: ١٣، ١٤] ٢ - الشرك في صفات الله: كالاعتقاد بأن الأنبياء أو الأولياء يعلمون الغيب قال الله - تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيبِ لا يَعلَمُها إِلا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] ٣ - شرِك المحبة: وهو محبة أحد الأولياء أو غيرهم كمحبة الله لقوله - تعالى: ﴿ومِنَ الناسِ مَن يتخذُ مِن دون الله أندادًا يحبونهم كحُبّ الله والذين آمنوا أشَدُّ حُبًا لله﴾. [البقرة: ١٦٥] ٤ - شِرك الطاعة: وهو طاعة العلماء والمشايخ في المعصية مع اعتقادهم جواز ذلك لقوله تعالى: ﴿اِتخَذوا أحبارَهم ورُهبانهم أربابًا مِن دونِ الله﴾ [التوبة: ٣١] وقد فسرت العبادة بطاعتهم في المعصية بتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله. قال ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". [صحيح رواه أحمد] ٥ - شِرك الحُلول: وهو الإعتقاد بأن الله حل في مخلوقاته، وهذه عقيدة ابن عربي الصوفي المدفون بدمشق حتى قال: الربُّ عبدٌ، والعبد رَبٌّ ... يا ليتَ شِعري مَن المكلفُ؟

стр. 191

وقال شاعر آخر صوفي يعتقد الحلول: وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهبٌ في كنيسةٍ ٦ - شرِك التصرف: وهو اعتقاد أن بعض الأولياء لهم تصرفات في الكون يُدبرون أموره، يُسمونهم الأقطاب مع أن الله -تعالى- يسأل المشركين الأقدمين قائلًا: ﴿ومَن يُدبِّرُ الأمرَ فسيقولون الله﴾ [يونس: ٣١] ٧ - شِرك الخوف: وهو الاعتقاد بأن لبعض الأولياء الأموات أو الغائبين تصرفًا وضررًا يسبب الخوف منهم لذلك تجد بعض الناس يحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بالولي كاذبًا خوفًا منه وهذا اعتقاد المشركين الذي حذر منه القرآن بقوله: ﴿ألَيسَ الله بكافٍ عبده ويُخوفونك بالذين مِن دونه﴾. [الزمر: ٣٦] أما الخوف من الحيوان المفترس، والظالم الحي فجائز، وليس بشرك. ٨ - شِرك الحاكمية: وهو الذي يصدر القوانين المخالفة للإِسلام ويجيزها، أو يرى عدم صلاحية حكم الاسلام، ويشمل الحاكم والمحكوم، وذلك إِذا اعتقدها المحكوم ورضيَ بها. ٩ - الشرك الأكبر يحبط العمل: لقوله - تعالى: ﴿ولقد أوحيَ إِليكَ وإِلى الذينَ مِن قبلِكَ لئن أشركتَ ليَحبطَنَّ عملُكَ ولتَكوننَّ مِن الخاسرين﴾. [الزمر: ٦٥] ١٠ - الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة: وترك الشرك كله: قال تعالى: ﴿إِن الله لا يغفرُ أن يُشرَكَ به ويَغفرُ ما دون ذلك لِمَن يشاء ومَن يُشرِكْ بالله فقد ضَلَّ ضَلالًا بعيدًا﴾. [النساء: ١١٦] ١١ - وللشرك أنواع كثيرة: منها الأكبر والأصغر .. يجب الحذر منها، وقد علمنا الرسول ﷺ أن نقول: "اللهم إنا نعوذُ بك مِن أن نُشرِك بك شيئًا نعلَمه، ونستغفرك لما لا نعلمه". [رواه أحمد بسند حسن]

стр. 192

مَثل مَن يدعو غير الله ١ - قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضُرِبَ مَثلٌ فاستمِعوا له ان الذين تدعون مِن دون الله لن يَخلُقوا ذُبابًا ولو اجتمعوا له وِإن يَسلُبْهم الذبابُ شيئًا لا يَستنقِذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب﴾. [الحج: ٧٣] يخاطب الله الناس جميعًا أن يستمعوا لهذا المثل العظيم قائلًا لهم: إن هؤلاء الأولياء والصالحين وغيرهم الذين تدعونهم عند الشدائد ليساعدوكم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، بل هم عاجزون أن يخلقوا شيئًا من المخلوقات، كالذباب، وإذا ما أخذه منهم، وهذا دليل على ضعفهم، وضعف الذباب، فكيف تدعوهم من دون الله؟! وهذا المثل فيه إنكار شديد على مَن يدعو غير الله من الأنبياء والأولياء!! ٢ - قال الله تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون مِن دونه لا يَستَجيبون لهم بشيء إلا كباسطِ كفَّيهِ إِلى الماء لِيبلُغَ فاهُ وما هو ببالغه وما دعاءُ الكافرين إِلا في ضلال﴾ [الرعد: ١٤] تفيد هذه الآية أن الدعاء الذى هو العبادة يجب أن يكون لله وحده، وهؤلاء الذين يدعون غير الله لا ينتفعون منهم، ولا يستجيبون لهم بشيء مَثلُهم هي ذلك مثل الذي يقف على طرف البئر ليتناول الماء منه بيده، فلا يستطيع. قال مجاهد: "يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدًا". [ذكره ابن كثير] ثم حكم الله على الذين يدعون غير الله بالكفر، وأن دعاءهم ضلال في قوله - تعالى: ﴿وما دعاءُ الكافرينَ إِلا في ضلال﴾. [الرعد: ١٤] فاحذر يا أخي المسلم أن تدعو غير الله فتكفر وتضل، وادع الله وحده القادر، حتى تكون من المؤمنين الموحدين.

стр. 193

كيف ننفي الشرك بالله ؟ إِن نفي الشرك بالله تعالى لا يتم إِلا بنفي ثلاثة أنواع من الشرك: ١ - الشرك في أفعال الرب: وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقًا أو مدبرًا آخر، كاعتقاد بعض الصوفية بأن الله سلَّم بعض مقاليد الأمور إِلى بعض أوليائه من الأقطاب لتدبيرها! وهذا الاعتقاد لم يقله المشركون قبل الإِسلام حين سألهم القرآن: ﴿ومَن يُدبرُ الأمرَ فسيقولون الله﴾ [يونس: ٣١] قرأت في كتاب (الكافي في الرد على الوهابي) ومؤلفه صوفي قال فيه: "إِن لله عبادًا يقولون للشيء كن فيكون" والقرآن يكذبه قائلًا: ﴿إنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له كنْ فيكون﴾. [يس: ٨٢] وقال الله تعالى: ﴿ألا لَه الخلقُ والأمر﴾. [الأعراف: ٥٤] ٢ - الشرك في العبادة والدعاء: وهو أن يعبد ويدعو مع الله غيره من الأنبياء والصالحين كالاستغاثة بهم ودعائهم عند الشدائد أو الرخاء، وهذا مع الأسف كثير في هذه الأمة، ويحمل وزره الأكبر بعض المشايخ الذين يؤيدون هذا النوع من الشرك باسم التوسل، يُسمونه بغير اسمه، لأن التوسل طلب من الله بواسطة مشروعة. وهذا الذي يفعلونه طلب من غير الله كقولهم: (المدد يا رسول الله، يا جيلاني يا بدوي ... إلخ) وهذا الطلب عبادة لغير الله، لأنه دعاء، لقوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". [حديث رواه الترمذي وقال حسن صحيح] والمدد لا يطلب إِلا من الله لقوله تعالى: ﴿ويُمدِدكم بأموال وبنين﴾ [نوح:١٢] ومن الشرك في العبادة شرك الحاكمية إِذا اعتقد الحاكم أو المحكوم عدم صلاحية حكم الله، أو أجاز الحكم بغيره. ٣ - الشرك في الصفات: وذلك بأن يصف بعض خلقه من الأنبياء والأولياء وغيرهم

стр. 194

ببعض الصفات الخاصة بالله كعلم الغيب مثلًا، وهذا النوع منتشر بين الصوفية، ومن تأثر بهم، كقول البوصيرى يمدح النبي ﷺ : فإِن من جودك الدنيا وضَرَّتها ... ومِن علومك عِلمُ اللوح والقلم ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين الذين يزعمون رؤية الرسول ﷺ يقظة، ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس مَن يخالطونهم، ويُريدون تأميرهم في بعض شؤونهم ورسول الله ﷺ ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته كما حكى القرآن عنه بقوله: ﴿ولو كنتُ أعلَمُ الغيبَ لا ستكثرتُ مِن الخير وما مسَّنيَ السوء﴾ [الأعراف: ١٨٨] فكيف يعلم ذلك الغيب بعد وفاته وانتقاله إِلى الرفيق الأعلى؟ وحين سمع الرسول ﷺ إِحدى الجواري تقول: "وفينا نبي يعلم ما في غد" قال لها: "دعي هذا وقولي بالذي كنتِ تقولين" [رواه البخاري] والرسل قد يطلعهم الله على بعض المغيبات، لقول الله - تعالى: ﴿عالِمُ الغيبِ فلا يُظهِرُ على غيبه أحدًا إِلا مَن ارتضى مِن رسول﴾ [الجن: ٢٧،٢٦] مَن هو المُوحِّد ؟ هذه الأنواع الثلاثة من الشرك مَن نفاها عن الله، فوحَّده في ذاته وفي عبادته ودعائه، وفي صفاته، فهو الموحِّد الذي تشمله كل الفضائل الخاصة بالموحدين، ومن أثبت نوعًا منها فلا يكون مُوحِّدًا، بل ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿ولو أشركوا لَحبِط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ٨٨] ﴿لَئن أشركتَ لَيحْبَطن عملُك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] وإذا تاب ونفى الشريك عن الله فيكون من الموحِّدين. اللهم اجعلنا من الموحِّدين، ولا تجعلنا من المشركين.

стр. 195

الشرك الأصغر وأنواعه كل وسيلة يمكن أن تؤدي إِلى الشرك الأكبر، ولم تبلغ رتبة العبادة، ولا يخرج فاعله من الإِسلام، ولكنه من الكبائر: ١ - الرياء اليسير: والتصنُّع للمخلوق، كالمسلم الذي يعمل لله، ويُصلي لله ولكنه يحسن صلاته وعمله لِيمدَحَه الناس، قال تعالى: ﴿فمَن كان يرجوا لِقاء رَبه فليعْملْ عملاً صالحًا ولا يُشْرِك بعبادة ربه أحدًا﴾. [الكهف: ١١٠] وقال ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ". [صحيح رواه أحمد] ٢ - الحلف بغير الله لقوله ﷺ : "مَن حَلفَ بغير الله فقد أشرك" [صحيح رواه أحمد] وقد يكون الحلف بغير الله من الشرك الأكبر، وذلك إِذا اعتقد الحالف أن الولي له تصرفات يضره إِذا حلف به كاذبًا. ٣ - الشرك الخفِي: وفسره ابن عباس بقول الرجل لصاحبه: (ما شاء الله وشئت ........) ومثله: لولا الله وفلان، ويجوز أن نقول: (لولا الله ثم فلان) قال ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان" [صحيح رواه أحمد وغيره] مِن مظاهر الشرك إِن مظاهر الشرك المنتشرة في العالم الإِسلامي هي السبب الرئيسي في مصائب المسلمين، وما يلاقونه من الفتن والزلازل والحروب، وغيرها من أنواع العذاب الذي

стр. 196

صبَّه الله على المسلمين، بسبب إِعراضهم عن التوحيد، وظهور الشرك في عقيدتهم وسلوكهم، والدليل على ذلك ما نراه في أكثر بلاد المسلمين من مظاهر الشرك المتنوعة التي حسبها الكثير من المسلمين أنها من الإِسلام، ولذلك لم ينكروها، علمًا بأن الإِسلام جاء ليحطم مظاهر الشرك، أو المظاهر التي تؤدي إِليه، وأهم هذه المظاهر: ١ - دعاء غير الله: ويظهر ذلك في الأناشيد والقصائد التي تقال بمناسبة الإحتفال بالمولد أو بذكرى تاريخية، فقد سمعتهم ينشدون: يا إِمام الرسل يا سنَدي ... أنتَ بابُ الله ومُعتمدي وفي دنياي وآخرتي ... يا رسول الله خُذ بيدي ما يُبدِلُني عسر يُسرا ... إِلَّاكَ يا تاج الحضره ولو سمع الرسول مثل هذا لتبرأ منه، إِذ لا يبدل العسر باليسر إِلا الله وحده، ومثلها قصائد الشعر التي تكتب في الجرائد والمجلات والكتب، وفيها طلب المدد والعون والنصر من الرسول والأولياء والصالحين العاجزين عن تحقيقها .. ٢ - دفن الأولياء والصالحين في المساجد: فترى في أكثر بلاد المسلمين القبور في بعض المساجد، وقد بُنيت عليها القباب، وبعض الناس يسألونها من دون الله، وقد نهى الرسول ﷺ عن ذلك بقوله: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [متفق عليه] فإِذا كان دفن الأنبياء في المساجد ليس مشروعًا، فكيف يجوز دفن المشايخ والعلماء؟ عِلمًا بأن هذا المدفون قد يُدعى مِن دون الله، فيكون سببًا لحصول الشرك، والإسلام يُحرم الشرك، ويُحرم وسائله المؤدية إِليه. ٣ - النذر للأولياء: بعض الناس ينذرون ذبيحة أو مالًا أو غير ذلك للولي الفلاني، وهذا النذر شرك يجب عدم تنفيذه، لأن النذر عبادة وهي لله وحده. قالت امرأة

стр. 197

عمران: ﴿رب إني نذرتُ لكَ ما في بطني مُحرَّرًا﴾. [آل عمران:٣٥] ٤ - الذبح عند قبور الأنبياء والأولياء: ولو كانَتِ النية أن الذبيحة لله، فهو من عمل المشركين الذين كانو يذبحون عند تماثيل أصنامهم الممثلَة لأوليائهم لقول الرسول ﷺ : "لعن الله مَن ذبح لغير الله". [رواه مسلم] ٥ - الطواف حول قبور الأنبياء والأولياء: كالجيلاني والرفاعي والبدوي والحسين وغيرهم، لأن الطواف عبادة لا يجوز إِلا حول الكعبة لقوله تعالى: ﴿ولْيطَّوَّفُوا بالبيتِ العتيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ٦ - الصلاة إلى القبور: وهي غير جائزة لقوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها". [رواه مسلم] ٧ - شد الرحال إلى القبور: للتبرك بها، أو للصلاة عندها لا يجوز، لقوله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرِحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" [متفق عليه] وإذا أردنا الذهاب إِلى المدينة المنورة فنقول: ذهبنا لزيارة المسجد النبوي ثم السلام على صاحبه ﷺ . ٨ - الحكم بغير ما أنزل الله: كالحكم بالقوانين الوضعية المخالفة للقرآن الكريم، والسنة الصحيحة إِذا اعتقد جواز العمل بتلك القوانين، ومثلها الفتاوى التي تصدر عن بعض المشايخ، وهي تتعارض مع النصوص الإِسلامية، كتحليل الربا (١) الذي أعلن الله الحرب على فاعله. ٩ - طاعة الحكام، أو العلماء والمشايخ: في أمر يخالف نص القرآن أو السنة الثابتة، وهذا يُسمى شرك الطاعة (٢)، لقوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" [صحيح رواه أحمد]

стр. 198

وقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارَهم ورُهبانهم أربابًا مِن دون الله والمسيحَ ابنَ مريم وما أُمِروا إِلا ليَعبدوا إِلهًا واحدًا لا إِله إِلا هو سبحانه عما يُشركون﴾ [التوبة: ٣١] وقد فسر حذيفة العبادة بالطاعة فيما أحل لهم علماء اليهود وحرَّموا. المشاهد والمزارات إِن المشاهد التي نراها في البلاد الإِسلامية، كبلاد الشام والعراق ومصر وغيرها من البلاد لا توافق تعاليم الإِسلام، فقد نهى الرسول ﷺ عن البناء على القبور، ففي الحديث الصحيح: "نهى رسول الله ﷺ أن يُجصَّصَ القبر وان يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه". [رواه مسلم] والتجصيص: (يشمل الدهان بالكلس وغيره) وفي رواية صحيحة للترمذي: "وأن يُكتب عليه" (القرآن والشعر وغيره). ١ - إِن هذه المزارات أكثرها غير صحيح: فالحسين بن علي-﵁ استشهد في العراق، ولم يصل إِلى مصر فقبره في مصر غير صحيح، وأكبر دليل على ذلك أن له قبرًا في العراق ومصر والشام؛ ودليل آخر، وهو أن الصحابة لا يدفنون الموتى في المسجد لقوله ﷺ : "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [منفق عليه] والحكمة في ذلك حتى تبقى المساجد خالية من الشرك، قال تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ [الجن: ١٨] والثابت أن الرسول ﷺ دُفن في بيته، ولم يدفن في مسجده، وقد وسع الأمويون المسجد فأدخلوه فيه، وليتهم لم يفعلوا؛ وقبر الحسين الآن في المسجد يطوف بعض الناس حوله، ويطلبون حاجاتهم التي لا تطلب إِلا من الله، كشفاء

стр. 199

المرضى، وتفريج الكربات وديننا يأمرنا أن نطلبها من الله وحده، وأن لا نطوف إِلا حول الكعبة، وقال تعالى: ﴿وليَطوَّفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] ٢ - إِن مشهد السيدة زينب بنت علي، في مصر ودمشق غير صحيح، لأنها لم تمت في مصر، ولا في الشام، والدليل على ذلك وجود مشهد لها في كل منهما!! ٣ - إِن الإِسلام ينكر بناء القباب على القبور، وجَعلَها في المساجد ولو كانت حقيقة، كقبر الحسين في العراق، وعبد القادر الجيلاني في بغداد والإمام الشافعي في مصر وغيرهم، للنهي العام الوارد المتقدم؛ وحَدثني شيخ صادق أنه رأى رجلًا يصلي إلى قبر الجيلاني، ويترك القبلة، وقدم النصيحة له فرفضها، وقال له: أنت وهابي!! وكأنه لم يسمع قوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلّوا إليها". [رواه مسلم] ٤ - إِن أكثر المشاهد في مصر بنتها ما تسمى بالدولة الفاطمية (١)، وقد ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) ج ١١ / ص ٣٤٦ قائلًا عنهم: (كفار، فساق، فجار، مُلحدون، زنادقة، مُعطلون، للإِسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية مُعتقدون). هؤلاء الكفار، راعهم لما رأوا المساجد تمتلئ بالمصلين، وهم لا يُصلون ولا يَحجون ويحقدون على المسلمين، ففكروا في صرف الناس عن المساجد، فأنشؤوا القباب والمزارات الكاذبة، وزعموا أن فيها الحسين بن علي، وزينب بنت علي، وأقاموا احتفالات ليجذبوا الناس إِليها، وسَمُّوا أنفسهم بالفاطميين تَسَتُّرًا ليميل الناس إِليهم، ثم أخذ المسلمون عنهم هذه البدع التي أوقعتهم في الشرك، وصرفوا لها الأموال الطائلة، وهم في أمس الحاجة إِليها لشراء الأسلحة للدفاع عن دينهم وكرامتهم. ٥ - إِن المسلمين الذين صرفوا الأموال على بناء القباب والمزارات والجدران والشواهد

стр. 200

على القبور، لا تفيد الميت شيئًا، ولو أعطوا هذه الأموال للفقراء لنفعت الأحياء والأموات؛ علمًا بأن الإسلام يُحرم البناء على القبور كما تقدم. وقال ﷺ لعلي ﵁: "لا تَدَعْ تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سوَّيته" [رواه مسلم] (أي لا تترك قبرًا مرتفعًا إِلا كسرته، وجعلته قريبًا من الأرض). وقد سمح الإِسلام أن يرفع القبر قدر شبر حتى يُعرف. ٦ - وهذه النذور التي تُقدم للأموات، هي من الشرك الأكبر، يأخذها الخدام بالحرام،. وقد يصرفونها في المعاصي والشهوات فيكون صاحب النذر والمعطَى شريكه في ذلك. ولو أُعطي هذا المال باسم الصدقة للفقراء لاستفاد الأحياء والأموات وتحقق للمتصدق ما يحتاجه في قضاء حوائجه. اللهم أرِنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وحببنا فيه وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وكَرهنا فيه. مفاسد الشرك وأضراره إِن للشرك مفاسدَ وأضرارًا كثيرة في حياة الفرد والمجتمع أهمها: ١ - الشرك مهانة للإنسانية: إِنه إِهانة لكرامة الإِنسان، وانحطاط لقَدره، ومنزلته، فقد استخلفه الله في الأرض وكرَّمه وعلَّمه الأسماء كلها, وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وجعل له السيادة على كل ما في هذا الكون، ولكنه جهل قدر نفسه، وجعل بعض عناصر هذا الكون إِلهًا معبودًا يخضع له ويذل؛ وأي إِهانة للإِنسان أكثر من أن يرى -إِلى يومنا هذا- مئات الملايين من البشر في الهند يعبدون البقر التي خلقها الله للإِنسان، لتخدمه وهي صحيحة، ويأكلها وهي ذبيحة، ثم ترى

стр. 201

بعض المسلمين يعكفون على قبور الموتى، ويسألونهم حاجتهم، وهم عبيد مثلهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فالحسين ﵁ لم يستطع أن يمنع عن نفسه القتل، فكيف يدفع عن غيره البلاء، ويجلب النفع؟ والأموات يحتاجون إلى دعاء الأحياء، فنحن ندعو لهم، ولا ندعوهم من دون الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. ٢ - الشرك وَكرُ الخرافات والأباطيل: لأن الذي يعتقد بوجود مُؤَثر غير الله في الكون من الكواكب أو الجن أو الأشباح أو الأرواح، يصبح عقله مستعدًا لكل خرافة، وتصديق كل دجال، وبهذا يروج في المجتمع المشرك بضاعة الكهنة والعرافين والسحرة والمنجمين وأشباههم ممن يدعون علم الغيب الذي لا يعلمه إِلا الله، كما يشيع في مثل هذا المجتمع إِهمال الأسباب والسنن الكونية. ٣ - الشرك ظلم عظيم: ظلم للحقيقة، لأن أعظم الحقائق أن لا إِله إِلا الله، ولا رَبَّ غيره، ولا حَكَمَ سواه، ولكن المشرك اتخذ غير الله إِلهًا، وابتغى غيره حَكَمًا، والشرك ظلم للنفس، لأن المشرك جعل نفسه عبدًا لخلوق مثله، أو دونه، وقد خلقه الله حُرًا، والشرك ظلم للغير، لأن من أشرك بالله غيره فقد ظلمه حيث أعطاه من الحق ما ليس له. ٤ - الشرك مصدر المخاوف والأوهام: فإِن الذي يقبل عقله الخرافات، ويُصدق الأباطيل يصبح خائفًا من جهات شتى، لأنه اعتمد على عِدة آلهة، وكلها عاجزة عن جلب النفع، ودفع الضر عن نفسها، ولهذا ينتشر في جو الشرك التشاؤم والرعب من غير سبب ظاهر، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا

стр. 202

أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١]. ٥ - الشرك يعطل العمل النافع: لأنه يُعلِّم أتباعه الاعتماد على الوسطاء والشفعاء، فيتركون العمل الصالح، ويرتكبون الذنوب، معتقدين أن هؤلاء سيشفعون لهم عند الله، وهذا اعتقاد العَرب قبل الإسلام الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] وهؤلاء النصارى الذين يعملون المنكرات معتقدين أن المسيح قد كفَّر عنهم الخطايا حين صُلِبَ بزعمهم، وبعض المسلمين يتركون الواجبات، ويفعلون المحرمات، ويعتمدون على شفاعة رسولهم لدخولهم الجنَّة، مع أن رسولهم الكريم يقول لبنته فاطمة: "يافاطمةُ بنت محمّد، سَليني مِن مالي ما شئتِ لا أُغني عنكِ مِن الله شيئًا" [رواه البخاري] ٦ - الشرك سبب الخلود في النار: والشرك سبب للضياع في الدنيا والعذاب المؤبد في الآخرَة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. وقال ﷺ : "من مات وهو يدعو مِن دون الله نِدًا دخل النّار" (النِّدُّ: المثيل والشريك) [رواه البخاري] ٧ - الشرك يُفرق الأُمة: قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١) [الروم: ٣١، ٣٢].

стр. 203

الخلاصة الخلاصة: إن كل الفصول المتقدمة توضح وضوحًا تامًا أن الشرك أعظم أمر يجب الاحتراز منه، والترفع عنه، والخوف من التورط فيه لأنه أعظم الذنوب، ولأنه يحبط كل ما يعمله العبد من أعمال صالحة قد يكون منها نفع للأمة، وخدمة للإنسانية، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (نقلاً من كتاب دليل المسلم في الاعتقاد) للشيخ عبد الله عبد الغني خياط. التوسل المشروع قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (قال قتادة تقربوا إِليه بطاعته والعمل بما يرضيه) والتوسل المشروع هو الذي أمر به القرآن، وحكاه الرسول ﷺ وعمل به الصّحابة، وله أنواع عديدة أهمها: ١ - التوسل بالإيمان: قال تعالى يحكي توسل عباده بإِيمانهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ٢ - التوسل بتوحيد الله: كدعاء يونس ﵇ حين ابتلعه الحوت: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]. ٣ - التوسل بأسماء الله؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ومن دعاء الرسول ﷺ بأسمائه قوله: - "أسألك بكل اسم هُوَ لك ... " [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]

стр. 204

٤ - التوسل بصفات الله: كقوله ﷺ : "يا حَيٌّ يا قيوم برَحمَتِكَ أستَغيث" [حسن رواه الترمذي] ٥ - التوسل بالأعمال الصالحة: كَالصلاة، وبر الوالدين، وحفظ الحقوق والأمانة والصدقة، والذكر، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ ، وحُبنا له ولأصحابه، وغيرها من الأعمال الصالحة، فقد ثبت في صحيح مسلم قصة أصحاب الغار الذين حُبسوا فيه، فتوسلوا إِلى الله بحفظ حَق الأجير، والإِحسان للوالدين، ومخافة الله فَفَرَّجَ الله عنهم. ٦ - التوسل إلى الله بترك المعاصي: كالخمر والزنا وغيرها من المحرمات، وقد توسل أحد أصحاب الغار الذين حُبسوا فيه بتركه الزِّنا فَفَرَّجَ الله عنه. ٧ - والمسلمون اليوم تركوا العمل الصالح والتوسل به: ولجؤوا إِلى التوسل بأعمال غيرهم من الأموات، مخالفين هَديَ الرسول ﷺ وصحابته. ٨ - التوسل بطلب الدُّعاء مِن الأنبياء والصالحين الأحياء: فقد ورد أن رجلًا ضريرَ البَصرِ آتى النبي ﷺ ، فقال: ادعُ الله أن يُعافيني. قال: إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئتَ صبرتَ فهو خَيرٌ لك، فقال: ادعُه: فأمره أن يتوضأ، فيُحسِن وضوئه فيصَلي ركعتين يدعو بهذا الدُّعاء: اللهم إني أسالك، وأتوجَّهُ إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمدُ إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، لِتُقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ، وشفِّعني فيه. قال: ففعل الرجل فبرئ [صحيح رواه أحمد] يفيد هذا الحديث: أن الرسول ﷺ دعا للأعمى وهو حَي، فاستجاب الله دعاءه وأمره يدعو لنفسه، ويتوجه إِلى الله يسَأله أن يقبل فيه شفاعة نبيه ﷺ فقبل الله منه، وهذا الدُّعاء خاص في حياته ﷺ ، ولا يمكن الدعاء به بعد الوفاة، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولم يستفد منه العميان بعد هذه الحادثة.

стр. 205

التوسل الممنوع التوسل الممنوع هو الذي لا أصل له في الدين، وهو أنواع: ١ - التوسل بالأموات، وطلب الحاجات منهم، والاستعانة بهم، كما هو واقع اليوم، ويُسمونه توسلًا، وليس كذلك، لأن التوسل هو الطلب من الله بواسطة مشروعة كالإِيمان والعمل الصالح وأسماء الله الحسنى؛ ودعاء الأموات إِعراض عن الله، وهو من الشرك الأكبر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]. (الظالمين: المشركين). ٢ - أما التوسل بجاه الرسول كقولك: (يارَب بجاه محمّد اشفني) فهو بدعة، لأن الصّحابة لم يفعلوه، ولأن عمر الخليفة، توسل بالعباس حَيًّا بدعائه، ولم يتوسل بالرسول ﷺ بعد موته عندما طلب نزول المطر، وحديث "توسَّلوا بجاهي" لا أصل له، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا التوسل البدعي قد يؤدي للشرك، وذلك إِذا اعتقد أن الله محتاج لواسطة، كالأمير والحاكم، لأنه شبه الخالق بانحلوق. وقاك أبو حنيفة: "أكره أن أسأل الله بغير الله" كما في الدر الختار ٣ - وأما طلب الدعاء من الرسول بعد موته، كقولك: (يا رسول الله ادع لي) فغير جائز، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولقوله ﷺ : "إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إِلا مِن ثلاث: صَدقةٍ جاريةٍ أَوْ عِلم يُنتَفَع به، أَوْ ولدٍ صالح يدعو له". [رواه مسلم] شروط تحقيق النصر إِن القاريء لسيرة الرسول ﷺ وجهاده يرى المراحل التالية: ١ - مرحلة التوحيد: بقي الرسول ﷺ ثلاثة عشر عامًا في مكة المكرمة، وهو

стр. 206

يدعو قومه إِلى توحيد الله في العبادة والدعاء والحكم ومحاربة الشرك، حتى ثبتت هذه العقيدة في نفوس أصحابه وأصبحوا شجعانًا لا يخافون إِلا الله. فيجب على الدعاة أن يبدؤوا بالتوحيد، ويُحذروا من الشرك ليكونوا برسول الله ﷺ من المقتدين. ٢ - مرحلة الأُخُوة: لقد هاجر الرسول ﷺ مِن مكة إِلى المدينة ليكوَّن المجتمع المسلم القائم على التحابب، فأول ما بدأ به هو بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون لعبادة ربهم، ويُتاح لهم الاجتماع كل يوم خصكمرات، ليُنظموا حياتهم، وقد بادر الرسول ﷺ إِلى المؤاخاة بين الأنصار سكان المدينة، وبين المهاجرين من مكة الذين تركوا أموالهم، فعرض الأنصار أموالهم للمهاجرين وقدَّموا لهم كل ما يحتاجون إِليه. ولقد وجد الرسول ﷺ سكان المدينة، وهم من الأوس والخزرج بينهم عداوة قديمة، فأصلح بينهم، وأزال الله الحقد والعداوة من صدورهم، وجعلهم إِخوة متحابين في الإِيمان والتوحيد. وكما جاء في الحديث: المسلم أخو المسلم .. إِلخ. ٣ - الاستعداد: لقد أمر القرآن الكريم بالاستعداد للأعداء فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] وفسرها الرسول ﷺ بقوله: "ألَّا إن القوة الرمي". [رواه مسلم] والرمي وتعليمه واجب على كل المسلمين حسب استطاعتهم، فالمدفع والدبابة والطائرة وغيرها من الأسلحة تحتاج إِلى تعلم الرمي عند استعمالها، وليت طلاب المدارس تعلموا الرماية، وأجرَوا المباريات والمسابقات ليتأهلوا للدفاع عن دينهم ومقدساتهم؛ ولكن الأولاد يضيعون أوقاتهم في لعب الكرة، وإجراء المباريات، فيكشفون الأفخاذ التي أمرنا الإسلام بسترها ويضيعون الصلوات التي أمرنا الله بالمحافظة عليها. ٤ - وعندما نعود إِلى عقيدة التوحيد، ونكون إِخوانًا متحابين، ونستعد للاعداء بالسلاح سيتحقق -إِن شاء الله- النصر للمسلمين كما تحقق النصر للرسول ﷺ -

стр. 207

وصحابته من بعده .. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ٥ - ليس هذا معناه أن هذه المراحل منفصلة، بمعنى أن مرحلة الأخُوة لا تكون مع مرحلة التّوحيد، فهذه المراحل يمكن أن تتداخل. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه الآية الكريمة تُبين أن الله تعهد للمؤمنين بالنصر على أعدائهم، وهو وعد لا يُخلَف، فقد نصر الله رسوله في غزوة بدر، والأحزاب وغيرهما من الغزوات، ونصر أصحاب رسول الله بعده على أعدائهم، وانتشر الإسلام وفُتحت البلاد، وانتصر المسلمون، رغم الأحداث والمصائب، وكانت العاقبة للمؤمنين الله مِن صدقوا الله في إِيمانهم وتوحيدهم وعبادتهم ودعائهم لربهم في وقت الشدة والرخاء وهذا القرآن يحكي حال المؤمنين في غزوة بدر، وهم قليلون في العَدد والعُدة، فيدعون ربهم: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فاستجاب الله دعاءهم، وأمدّهم بالملائكة يقاتلون معهم فيضربون أعناق الكفار، ويضربون أطرافهم، وذلك حين قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وتم النصر للمؤمنين الموحدين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وكان مِن دعاء الرسول ﷺ في معركة بدر: "اللَّهُمَّ آتني ما وعدتني به، اللَّهُمَّ إن تَهلِك هذه العِصابة من أهل الإسلام لا تُعبدُ في الأرض" [رواه مسلم] ونرى المسلمين اليوم يخوضون المعارك ضد أعدائهم في أكثر البلاد ولا ينتصرون فما هو سبب ذلك؟ هل يتخلف وعد الله بالنسبة للمؤمنين؟ لا أبدًا لا يتخلف ولكن أين المؤمنين حتى يأتيهم النصر المذكور في الآية؟ نسأل المجاهدين:

стр. 208

١ - هل استعدوا بالإِيمان والتوحيد اللَّذيْن بدأ بهما الرسول دعوته في مكة قبل القتال؟ ٢ - هل أخذوا بالسبب الذي أمرهم به ربهم بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾؟ [الأنفال: ٦٠] وقد فسرها الرسول ﷺ بالرمي. ٣ - هل دعَوا ربهم وأفردوه بالدعاء عند القتال؟ أم أشركوا معه غيره فراحوا يسألون النصر من غيره ممّن يعتقدون فيهم الولاية، وهم عبيد لله لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؟ ولماذا لا يقتدون بالرسول في دعائه لربه وحده؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟﴾ [الزمر: ٤٦] ٤ - وأيضًا هل هُم مجتمعون ومتحابون فيما بينهم شعارهم قول ربهم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ٥ - وأخيرًا. لما ترك المسلمون عقيدتهم وأوامر دينهم التي تأمر بالتقدم العلّمي والحضاري تخلفوا عن سائر الأمم وحين يعودون لدينهم يعود لهم تقدمهم وعزتهم. إذا حققتم الإِيمان المطلوب، فسيأتيكم النصر الموعود: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] الكفر الأكبر وأنواعه الكفر الأكبر يُخرج صاحبه من الإسلام وهو الكفر الاعتقادي وأنواعه كثيرة منها: ١ - كفر التكذيب: وهو تكذيب القرآن أو الحديث، أو بعض ما جاء فيهما، والدليل قوله - تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]

стр. 209

وقوله - تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] ٢ - كفر الإباء والاستكبار مع التصديق: وهو عدم الانقياد للحق مع الإِقرار به كَكُفر إِبليس، والدليل قو تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٣ - كفر الظن والشك بيوم القيامة: والغيبيات أو إِنكارها وعدم التصديق بها قال تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٦، ٣٧]. ٤ - كفر الإعراض: وهو الإِعراض عن مطاب الإسلام غير مؤمن بها، والدليل قوله - تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] ٥ - كفر النفاق: وهو إِظهار الإسلام باللسان، ومخالفته في القلب والأعمال، لقوله - تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] وقوله - تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] ٦ - كفر الجحود: وهو الذى ينكر شيئًا معلومًا من الدين مثل أركان الإسلام أو الإِيمان، كالذي يترك الصّلاة غير معتقد وجوبها، فهو كافر مُرتَد عن الإسلام. وكذلك الحاكم إِذا جحد حكم الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال ابن عباس: مَنْ جحد ما أنزل الله فقد كفر.

стр. 210

الكفر الأصغر وأنواعه الكفر الأصغر: هو الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام مثل: ١ - كفر النعمة: والدليل قوله - تعالى - يخاطب المؤمنين مِن قوم موسى ﵇ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] ٢ - الكفر العملي: وهو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر، مع بقاء اسم الإِيمان على فاعله، مثل قوله ﷺ : "سِبابُ المسلم فسوق، وقتالُه كفر". [رواه البخاري] وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". [رواه مسلم] فهذا كفر لا يخرج صاحبه من الإسلام، لكنه من كبائر الذنوب. ٣ الحاكم بغير ما أنزل الله: وهو مُعترِف بحكم الله قال ابن عباس: من أقرَّ به فهو ظالم فاسق واختاره ابن جرير. وقال عطاء: كفر دون كفر. احذروا الطواغيت الطاغوت: هو كل ما عُبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله. ولقد أرسل الله الرسل ليأمروا أقوامهم بعبادة الله، واجتناب الطاغوت. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] والطواغيت كثيرة: ورؤوسهم خمسة: ١ - الشيطان الداعي إِلى عبادة غير الله والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا

стр. 211

بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] ٢ - الحاكم الظالم المغيرِّ لأحكام الله -تعالى- كواضع الدستور الذي يخالف الإسلام، والدليل قوله -تعالى- منكرًا على المشركين المشرّعين بما لم يرض به الله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ٣ - الحاكم بغير ما أنزل الله، إِذا اعتقد عدم صلاحية ما أنزل الله، أو أجاز الحكم بغيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ٤ - الذي يدعي علم الغيب من دون الله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ٥ - الذي يعبده الناس ويدعونه من دون الله، وهو راض بذلك والدليل قوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] واعلم أنه يجب على المؤمن أن يكفر بالطاغوت حتى يكون مؤمنًا مستقيمًا، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وهذه الآية دليل على أن عبادة الله لا تنفع إِلا باجتناب عبادة ما سواه، وورد في هذا المعنى قوله ﷺ : "مَن قال لا إله إِلَّا الله، وكفر بما يُعبَد مِن دون الله حَرُمَ مالُه ودمه". [رواه مسلم] النفاق الأكبر النفاق الأكبر هو إِظهار الإسلام باللسان واعتقاد الكفر في القلب والجنان وهو على أنواع:

стр. 212

١ - تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به. ٢ - بُغض الرسول ﷺ ، أو بُغضُ بعضِ ماجاء به. ٣ - الفرح بهزيمة الإسلام، أو كراهية انتصار دينه. وصاحب النفاق عذابه أشد من الكفار وخطره أعظم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ولهذا وصف الله الكافرين بآيتين، ووصف المنافقين بثلاث عشرة آية في أول سورة البقرة. ونرى الصوفية مسلمين يُصلون ويصومون ولكن خطرهم عظيم حيث يفسدون عقائد المسلمين، فُيبيحون دعاء غير الله الذي هو من الشرك الأكبر، ويعتقدون أن الله في كل مكان، وينفون علُوَّ الله على عرشه مخالفين القرآن والحديث. النفاق الأصغر هو النفاق العملي كالمسلم المتصف بصفة المنافقبن التي أخبر عنها الرسول ﷺ بقوله: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذب، واذا وعَدَ أخلَفَ، واذا اؤتُمِن خان". [متفق عليه] وقال رسول الله ﷺ : "أربَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعدَ أخلَف، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجَر". [متفق عليه] وهذا النفاق لا يخرج صاحبه من الإسلام، إِلا أنه من الكبائر. قال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد الرسول ﷺ . [نقلاً من جامع الأصول - ج ١١/ ٥٦٩] هذه الفصول الأربعة المتقدمة مأخوذة من كتاب (مقرر التوحيد) بتصرُّف.

стр. 213

أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قال الله - تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] تفيد هذه الآية أن الولي هو المؤمن التقي الذي يجتنب المعاصي، ويدعو ربه ولا يُشرك به أحدًا؛ وقد تظهر له كرامة عند الحاجة مثل كرامة مريم حينما كانت تجد رزقًا في بيتها. فالولاية ثابتة، ولا تكون إِلا لمؤمن طامُع مْوَحِّد، ولا يشترط ظهور الكرامة للولي حتى يكون وليًا، لأن القرآن لم يشترطها. ولا يمكن أن تظهر الولاية على يَدِ فاسق أو مشرك يدعو غير الله، لأن ذلك من عمل الشركين، فكيف يكون الأولياء المكرمين؟ والولاية لا تكون بالوراثة من الأجداد، بل تكون بالإِيمان والعمل الصالح، وما يظهر على بعض المبتدعين من ضرب الحديد في بطونهم، أو أكل النار، فهو من عمل الشّياطين وهو استدراج لهم ليسيروا في ضلالهم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] والذين ذهبوا إِلى الهند شاهدوا من المجوس أكثر من هذا كضرب السيف لبعضهم البعض وغير ذلك رغم كفرهم! والإِسلام لا يُقِر هذه الأعمال التي لم يعملها الرسول ﷺ وصحابته. ولو كان فيها خير لسبقونا إِليها. إن الولي عند كثير من الناس هو الذي يعلم الغيب، وهذا ممّا اختص به الله وحده، وقد يُطلع بعض رسله عندما يُريد لقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ...﴾ [الجن: ٢٦] فالآية خصصت الرسول، ولم تذكر غيره. وبعض الناس يرى قبرًا بُني عليه قبة فيظن أنه ولي، وقد يكون هذا القبر لفاسق أو

стр. 214

ليس فيه أحد، والبناء على القبور قد حَرمه الإسلام ففي الحديث: "نهي ﷺ أن يُجصَّصَ القبر وأن يُبنى عليه". [رواه مسلم] فليس الولي مَنْ دُفِن في مسجد، أو أقيم له ضريح، أو نُصبت له قبة، فهذا مخالف لتعاليم الإسلام، كما أن رؤيا الميت في المنام لا تعتبر دليلًا شرعيًّا على ولايته، فقد تكون أضغاث أحلام من الشيطان. خرافات وليست كرامات نشرت مجلة التوحيد تحت عنوان: "خرافات حول الدسوقي". جاء في حاشية الصاوي: أنه كان يتكلم بجميع اللغات: عجمي، وسرياني، ولغات الوحش والطير، وأنه صام في المهد، ورأى اللوحَ المحفوظ، وأن قدَمه لم تسعها الدنيا، وأنه ينقل اسمَ مُريده مِن الشقاوة إِلى السعادة، وأن الدنيا جعِلَت في يده كالخاتم، وأنه جاوز سدرة المنتهى. وهذا كلام باطل لا يصدقه إِلا غبي جاهل، بل هو كفر صراح، فكيف اطلع على اللوح المحفوظ الذي لم يطلع عليه سيد الخلق ﷺ ؟ وكيف ينقل دراويشه من الشقاوة إِلى السعادة؟ .. كل هذه خرافات يحكيها المتصوفة فخورين، وما دَرَوا أنهم في ضلال مبين. احذر قراءة الكتب التي تحوي مثل هذه الخرافات: منها الطبقات الكبرى للشعراني، وخزينة الأسرار، ونزهة المجالس، والروض الفائق، ومكاشفة القلوب للغزالي، والعرائس للثعالبي، فكلها كتب يحرم طبعها وبيعها.

стр. 215

أنواعُ شُعَب الإيمان قال رسول الله ﷺ : "الإيمانُ بِضعٌ وسِتون شعبة فأفضلُها قولُ لا إله إِلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [رواه مسلم] وقد لخَّص الحافظ في الفتح ما أورده ابن حبّان يقوله: إِن هذه الشُعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن: ١ - فأعمال القلب: المعتقدات والنيات، وهي أربع وعشرون خصلة: الإِيمان بالله: ويدخُل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] واعتقاد حدوث ما دونه، والإِيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبالقدَر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر: ويدخل فيه السؤال في القبر ونعيمه وعذابه، والبعث والنشور، والحساب والميزان والصراط والجنة والنار؛ ومحبةُ الله، والحبُ والبغضُ فيه، ومحبةُ النبيِّ ﷺ واعتقاد تعظيمه: ويدخل فيه الصلاة عليه ﷺ واتباع سنته؛ والإِخلاص: ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق؛ والتوبة والخوف، والرجاء والشكر والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء والقدر، والتوكل والرّحمة والتواضع: ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكِبر والعُجب، وترك الحسد، والحقد، والغضب. ٢ - وأعمال اللسان: وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد (شهادة أن لا إِله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله) وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، والتسبيح ... واجتناب اللغو. ٣ - وأعمال البدن: وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: (أ) منها ما يتعلق بالأعيان، وهي خص عشرة خصلة: التطهر حِسًّا وحُكمًا: ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا والزكاة كذلك،
следующие страницы →