مِن فضائل الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]
٢ - قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إِلا رحمة للعالمين﴾. [الأنبياء: ١٠٧]
٤ - وقال ﷺ : "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أوَّلُ مَن يقرعُ باب الجنة" [رواه مسلم]
٥ - وقال ﷺ "أنا أول شفيع في الجنة، لم يُصدِّق نبي مِن الأنبياء ما صُدِّقتُ، وإن نبياً مِن الأنبياء ما صدقه من أمَّتِه إلا رجل واحد". [رواه مسلم]
٦ - وقال ﷺ سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين، ومنعتي واحدة: سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسنةِ (١) فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُهلك أُمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". [رواه مسلم]
وفي رواية: "فسألته أن لا يُسلَّط عليهم عدوًا مِن غيرهم فأعطانيها" [رواه الترمذي والنسائي وصحح الألباني سنده]
٧ - وقال أنس بن مالك في حديث الإِسراء وفيه: "والنبي ﷺ نائمة عيناه، ولا ينام قلبه" [رواه البخاري]
٨ - وقال رسول ﷺ : "أنا سيدُ ولدِ أدم يوم القيامة، وأول كان تنشَقُّ عنه الأرض، وأولُ شافع ومُشفَّع" [رواه مسلم]
стр. 317
٩ - وقال رسول الله ﷺ "فُضِّلت على الأنبياء بستٍّ: أعطيتُ جوامع الكلِم، وُنصرتُ بالرعب، وأحِلَّت في الغنائم، وجُعلت في الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيون" [رواه مسلم]
١٠ - وقال رسول الله ﷺ "بُعثتُ مِن خير قرون بني أدم قرناً فقرناً، حتى كنتُ من القرن الذي كنت منه" [أخرجه البخاري]
١١ - وقال رسول الله ﷺ : "إن مثلي ومَثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بُنياناً فأحسنَه وأجمله، إلا موضع لَبِنة مِن زاوية مِن زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضِعت هذه اللَّبنة؟ قال: فانا اللَّبِنة، وأنا خاتم النبيين". [أخرجه البخاري ومسلم]
١٢ - وقال رسول الله ﷺ "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وان أدم لَمُنْجدِلٌ في طينته، وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أُمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور أضاءت منه قصور الشام" [صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في المشكاة] (لمنجدلٌ: مُلقى على الأرض)
١٣ - جاء الملَك جبريل إِلى رسول الله ﷺ في غار حراء فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق ...﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يُخزيك الله
أبداً، إنك لَتصِل الوحِم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقَت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، فقالت له خديجة: يا ابن عم: اسمع مِن ابن أخيك .. فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَل الله على موسى، ياليتني فيها جَذعاً، ليتني أكون حَياً إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ أوَ مُخرجي هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومُك أنصرك نصراً مُوزراً .. ". [الناموس: صاحب السر جبريل] [رواه البخاري في كتاب بدء الوحى]
стр. 318
خاتم نبوة الرسول ﷺ -
١ - عن جابر بن سمرة قال: "رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ غُدة حمراء مِثلَ بيضة الحمامة يُشبه جسده". [رواه مسلم]
٢ - عن عبد الله بن سرجس قال: "رأيت النبي ﷺ ودخلت عليه وأكلت من طعامه وشربت من شرابه، ورأيت خاتم النبوة في نُغض كتفه اليسرى، كأنه جمعُ خيلان سود، كأنها ثآليل" [رواه مسلم]
٣ - عن الجعد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: "ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وَجِع فمسحَ رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت مِن وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زِرٍّ الحجَلة" [متفق عليه]
(زر الحَجَلة: بيضة حجل الطير) (الوضوء: الماء الذي توضأ به).
طِيبُ رائحة النبي ﷺ -
١ - عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أزهرَ اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفَّا، وما مسَسَتُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شَمَمت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبي الله ﷺ ". [متفق عليه]
٢ - عن أنس قال: "دخل علينا النبي ﷺ فقال عندنا فعرق، فجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "يا أمَّ سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو مِن أطيب الطيب" [رواه مسلم]
(قال: أي نام)
٣ - "كان النبي ﷺ يُعرف بريح الطيب إذا أقبل"
[رواه ابن سعد عن إبراهيم مرسلاً، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٤٨٦٤]
стр. 319
٤ - وعن أنس "أن النبي ﷺ كان لايردّ الطيب". [رواه البخاري]
صفة نوم الرسول ﷺ -
١ - " كان ينام أول الليل، ويُحيي آخره" [متفق عليه]
٢ - "كان النبي ﷺ إِذا أوى إِلى فراشه قال: "باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور" [رواه مسلم]
٣ - "كان ﷺ إذا أخذ مضجعه، وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن وقال: "رب قِني عذابَك يوم تبعث عِبادك" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
٤ - "كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما: قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يصنع ذلك كلاث مرات" [متفق عليه]
٥ - "كانت وسادته التي ينام عليها بالليل من أدَم (جلد) حشوها من لِيف". [صحيح رواه أحمد]
٦ - "كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه من أدَم (أي جلد) حشوه ليف". [رواه مسلم]
٧ - "قالت عائشة: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة: إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي" [متفق عليه]
قراءة الرسول وصلاته ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿ورَتِّل القرآن ترتيلا﴾. [سورة المزمل:٤]
٢ - كان لا يقرأ القرأن في أقل من ثلاثة (أيام). [صحيح رواه ابن سعد]
стр. 320
٣ - "كان يُقطَع قراءته آية آية: (الحمد لله رب العالمين)، ثم يقف (الرحمن الرحيم) ثم يقف .... " [صحيح رواه الترمذي]
٤ - كان ﷺ يقول: "زَيِّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن، يزيد القرآن حُسناً" [صحيح رواه أبو داود]
٥ - كان يمد صوته بالقرآن مدًا" [صحيح رواه أحمد]
٦ - " كان يقوم إذا سمع الصارخ". (الديك) [متفق عليه]
٧ - "كان يصلِّي في نعليه" [متفق عليه]
٨ - "كان يعقد التسبيح "بيمينه" [صحيح رواه الترمذي وأبو داود]
٩ - "كان إذا حزبه أمر صلى" [حسن رواه أحمد وأبو داود]
١٠ - "كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها" [رواه مسلم في صفة الجلوس في الصلاة ٥/ ٨٠]
١١ - "كان يُحرِّك أصبعه اليمني يدعو بها" [صحيح رواه النسائي]
(السبابة عند الجلوس في الصلاة)
ويقول: "لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد". (يعنى السبابة) [حسن رواه أحمد]
١٢ - "كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره" (في الصلاة) [رواه ابن خزيمة وغيره وحسنه الترمذي] (ذكره النووى في شرح مسلم، وضعَّف حديث وضع اليد تحت السرة)
١٣ - إن الأئمة الأربعة أجمعت على قول "إِذا صح الحديث فهو مذهبي" فيكون التحريك ووضع اليد على الصدر في الصلاة من مذهبهم وهو من سنن الصلاة.
١٤ - لقد أخذ بسنة تحريك الأصبع (السبابة) في الصلاة الإمام مالك وغيره ... وبعض الشافعية ﵏ كما في شرح المهذب للنووي ٣/ ٤٥٤.
وقد بين الرسول ﷺ الحكمة من تحريكها في الحديث المذكور أعلاه، لأن تحريك الإِصبع يشير إِلى توحيد الله، وهذا التحريك أشد على الشيطان من ضرب
стр. 321
الحديد، لأنه يكره التوحيد.
فعلى المسلم أن يتبع الرسول ﷺ ولا ينكر سنته فقد قال ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي". [رواه البخاري]
صوم النبي ﷺ -
١ - قال ﷺ "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه" [متفق عليه]
٢ - وقال الله ﷺ "من صام رمضان وأتبعه ستاً مِن شوال كان كصوم الدهر" [رواه مسلم]
٣ - وقال ﷺ : "ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة (١) أحتسبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء (٢) أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" [رواه مسلم]
٤ - وقال الله ﷺ لئن بقيت إلى قابل لأصومَنَّ التاسع (٣) ". [رواه مسلم]
٥ - سُئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الإثنين ويوم الخميس؟
قال: "يومان تُعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحبُّ أن يعرَض عملي وأنا صائم" [رواه النسائي وحسَّنه المنذري]
٦ - "نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الفطر والأضحى" [متفق عليه]
٧ - ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيامَ شهر قط إلا شهر رمضان [رواه البخاري ومسلم عن عائشة]
стр. 322
عبادة الرسول ﷺ -
١ - قال الله - تعالى: ﴿يا أيها المزَّمِّل قُمِ الليل إِلا قليلا﴾ [الزمل: ١، ٢]
٢ - قالت عائشة: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولافي غيره، على إحدى عشرة ركعة، يُصلي أربعاً، فلا تسأل عن حُسنِهن وطولهن، ثم يُصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً فقلت: أتنام قبل أن توتر؟ فقال يا عائشة: إن عينَي تنامان، ولا ينام قلبي". [متفق عليه]
٣ - عن الأسود بن يزيد قال: "سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل فقالت: "كان ينام أول الليل، ثم يقوم فإذا كان من السحَر أوتر، ثم أتى فراشه، فإذا كان له حاجة ... ألَمَّ بأهله فإذا سمع الأذان وَثَب، فإذا كان جنباً أفاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما]
٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقوم حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله. تفعل هذا وقد غفرَ الله لكً ما تقدم مِن ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟! " [متفق عليه]
٥ - قال رسول الله ﷺ : "حُبِّب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة" [صحيح رواه أحمد]
صفة كلام الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]
٢ - وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا الحق" [حسن رواه أبو داود]
٣ - قال رسول الله ﷺ "نُصرتُ بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجُعلت لي الأرض
стр. 323
مسجداً وطهوراً وبينما أنا نائم أتيت بمفاتح الأرض فَثُلَّت في يدي" [رواه البخاري] (جوامع الكلم: الكلام القليل ذو المعنى الكثير) (أتيت بمفاخّ خزائن الأرض: قال أبو هريرة: ذهب رسول الله وأنتم تستخرجونها) (ثُلت في يدي: أي أُلقيت في يدي).
٤ - عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يسردُ كسَردِكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بيِّن فصل يحفظه مَن جلس إليه". (فصل: ظاهر) [رواه مسلم]
٥ - "كان يُحدَّث حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه". [متفق عليه]
٦ - "كان رسول الله ﷺ طويل الصمت" [رواه أحمد بإسناد حسن]
٧ - "كان ﷺ يعيد الكلمة ثلاثا لِتُعقَل عنه". [رواه البخاري]
وفي رواية (حتى تُفهم عنه). (المراد: الكلمة المهمة التي تحتاج للإعادة)
٨ - "كان النبي ﷺ يحب الجوامع مِن الدعاء، ويدَع ما بين ذلك" [صحيح رواه أحمد]
٩ - "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم" [رواه مسلم]
صفة حوض النبي ﷺ -
قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكِيزانه كنجوم السماء، مَن شرب منه، فلا يظمأ أبداً" [رواه البخاري] (كيزان: جمع كوز: وهو إِناء كالإبريق لكنه أصغر منه)
من زهد الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه: ١٣١]
стр. 324
٢ - "عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء (١) رسول الله ﷺ مِن أزواجه، ألا يدخل عليهن شهراً، واعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية، فإذا ليس فيها سوى صُبرة (٢) من قرظ (٣)، وأهبة معلقة، وصبرة مِن شعير، وإذا هو مضطجع على رُمال حصير، قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: مالك؟ فقلت يا رسول الله أنت صفوة الله مِن خلقه، وكسرى وقيصر فيما فيه، فجلس محمَراً وجهه، فقال: أوَ في شك يا ابن الخطاب؟ كم قال: أولئك قوم عُخئت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا". [متفق عليه]
وفي رواية مسلم: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله ".
٣ - وعن علقمة عن ابن مسعود قال: "اضطجع رسول الله على حصير، فأثر
الحصير بجلده، فجعلت امسحه وأقول: بأبي أنت وأمي؛ إلا آذنتنا فنبسط لك شيئاً يقيك منه تنام عليه؟ قال: مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
٤ - وقال رسول الله ﷺ : "لو أن في مثل أُحُد ذهباً، ما سرني أن تأتي عليٌّ ثلاثٌ ليال، وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لديني" [رواه البخاري]
٥ - وعن عمرو بن الحارث ﵄ قال: "ما ترك رسول الله ﷺ عند موته ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمَة، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة" [رواه البخاري]
جوع الصحابة والرسول ﷺ -
" يخرج رسول الله ﷺ ذات ليلة، فإِذا هو بأبي بكر قاعد وعمر معه خارج بيوتهما".
стр. 325
الرسول ﷺ : ما أخرجكما مِن بيوتكما هذه الساعة؟!.
أبو بكر وعمر: الجوع يا رسول الله!!
الرسول ﷺ : وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما!.
"يأمرهم الرسول ﷺ أن يقوموا فقاموا معه، فذهبوا إِلى بيت رجل من الأنصار اسمه: (أبو الهيثم بن التيهان) فلم يجدوه في بيته".
المرأة: (تخاطب الرسول ﷺ ): مرحباً وأهلاً ...
الرسول ﷺ : أين فلان؟ (يعني أبا الهيثم)
المرأة: ذهب يستعذب لنا الماء (يأتي بالماء الحلو) ..
"يأتي أبو الهيثم فينظر إِلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ويلتزم النبي ويفدّيه بأبيه وأمه"
أبو الهيثم: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني!
"ينطلق أبو الهيثم فيأتي بغصن نخيل فيه بسرُ وتمر ورطب."
(أنواع التمر حين نضجه).
أبو الهيثم: كلوا مِن هذه ....
"ينطلق أبو الهيثم ومعه السكين ليذبح لهم شاة"
الرسول ﷺ إِياك والحلوب (احذر الشاة ذات اللبن)
"الرسول وصاحباه يأكلون التمر واللحم ويشربون الماء العذب، حتى شبعوا ورَوَوا".
الرسول ﷺ : (لأبي بكر وعمر) والذي نفسي بيده لتُسألُن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم مِن بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم! [الحديث رواه مسلم ومالك والترمذي]
стр. 326
يُستفاد من الحديث
١ - كان الرسول ﷺ وصحابته يشتد بهم الجوع، فيخرجون مِن بيوتهم، لعلهم يجدون طعاماً.
٢ - لا بأس أن يذهب الرجل إِلى تناول الطعام في بيت أحد أصحابه.
٣ - التنبيه على فضل النعمة، وشكر خالقها، وعدم الإشتغال بها عن المنعم.
٤ - يجوز سؤال الرجل للمرأة من وراء حجاب.
٦ - صبر الرسول وصحابته على الجوع.
٧ - إكرام الضيف وتقديم ما عند الإِنسان من طعام وماء وغيرهما.
٨ - الخروج من البيوت عند الجوع طلباً للقوت والأخذ بالأسباب.
٩ - استحباب الإبتعاد عما يدر الخير كالغنم الحلوب وغيرها إِذا وجد ما يُستغنى به عنها.
عيش رسول الله ﷺ -
١ - قال الله - تعالى: ﴿وَوَجدك عائلاً فأغنى﴾ [سورة الضحى: ٨]
(أي كنت فقيراً ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه) [تفسير ابن كثير]
٢ - وعن عائشة أنها قالت: "إن كنا آل محمد، لَيَمر بنا الهلال، ما نوقد ناراً، إنما هما الأسودان: التمر والماء، إلا أنه كان حولنا أهل دور مِن الأنصار، يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم (١)، فيشرب ويسقينا مِن ذلك اللبن" [متفق عليه]
٣ - وعن أنس قال: "ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفاً مُرققاً، حتى لحق بالله، ولا شاة سميطاً (٢) بعينه قط" [رواه البخاري]
стр. 327
٤ - وقال عمر بن الخطاب: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يلتوي مِن الجوع، ما يجد ما يملأ مِن الدقل بطنه" [رواه مسلم] (الدقل: رديء التمر)
٥ - وعن أنس أنه مشى إِلى رسول الله ﷺ بخبز شعير وإِهالة سنخة (١)، ولقد رهن درعه عند يهودي، فأخذ لأهله شعيراً، ولقد سمعته ذات يوم يقول؛
"ما أمسى عند آل محمد صالح تمر ولا صاع حَب". [رواه البخاري]
٦ - "وكان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله، ولا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم الشعير" [حسن رواه أحمد وغيره]
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت:، ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدموا المدينة - أيام تباعاً- مِن خبز بُرٍّ، حتى مضى لسبيله". (أي مات) [متفق عليه]
٨ - وقال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً". (أي ما يسد الجوع) [متفق عليه]
بكاء الرسول ﷺ -
الحديث الأول: "الرسول جالس مع عبد الله بن مسعود"
الرسول ﷺ : اقرأ عليَّ ...
ابن مسعود: أقرأُ عليك، وعليك أُنزل؟!
الرسول ﷺ : أحب أن أسمعه مِن غيري ..
عبد الله بن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى أتى هذه الآية:
﴿فكيف إِذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنابك على هؤلاء شهيداً﴾. [النساء: ٤١] الرسول ﷺ : "حسبك الآن".
"يلتفت ابن مسعود إِلى الرسول فإِذا عيناه تذرفان" (أي تدمعان) [الحديث متفق عليه]
стр. 328
يُستفاد من الحديث
١ - أن الخشوع عند سماع القرآن يكون بالبكاء لا بالصياح.
٢ - قول الرسول ﷺ للقارئ:
"حسبك الآن" ولم يقل صدق الله العظيم.
٣ - كان الرسول ﷺ يحب سماع القرآن مِن غيره.
الحديث الثاني: "يدخل الصحابة مع رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم وهو عند مرضعته، فيأخذه ويقبله ويشمه. ثم يدخل الصحابة عليه بعد ذلك فيجدون إبراهيم يجود بنفسه (أي يموت) فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان (تدمعان) ".
عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله! (تبكي)؟ الرسول ﷺ : "إنها رحمة .. إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". [متفق عليه]
يُستفاد من الحديث
١ - جواز البكاء على الميت بدون صراخ ولا نواح.
٢ - جواز الحزن على الميت، مع الرضا بالقدر وتجنب الكلام الذي يدل على السخط.
رؤيا الرسول ﷺ -
١ - قال ﷺ : "من رأني في المنام، فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي" [رواه البخاري]
٢ - وقال ﷺ : "من رأني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتزيا بي". [متفق عليه]
٣ - وقال ﷺ : "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي" [متفق عليه]
стр. 329
يستفاد من هذه الأحاديث
١ - أن رؤيا الرسول ﷺ ممكنة، على الوجه الذي ورد في شمائله ﷺ من طوله، ولونه، وهيئته، ولحيته، وغير ذلك.
٢ - لقد ذكر المناوي في تفسير هذه الأحاديث أن الرؤيا الصحيحة: أن يراه بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فإن رآه بغيرها كطويل أو قصير، أو شديد السمرة. لم يكن رآه.
٣ - وذكر المناوي أن معنى قوله ﷺ : "فسيراني في اليقظة" رؤية خاصة بصفة القرب والشفاعة (يوم القيامة).
٤ - يدعي بعض الصوفية أنهم يرون الرسول ﷺ في الدنيا يقظة إستناداً للحديث الثالث، ورد عليهم ابن حجر بقوله: "يلزم عليه أن هؤلاء صحابة، وبقاء الصحبة إِلى يوم القيامة "! (وهذا لا يقوله مسلم).
٥ - قرأت في أحد كتب الصوفية قوله: قال أبو المواهب الشاذلي قال لي رسول الله ﷺ : " ... إِلى آخر الحديث المكذوب" ولما سألت المؤلف عن هذا الشخص، هل هو صحابي؟ قال: لا، بل بينه وبين أبي الحسن الشاذلي خمسة مشايخ وقد رأى الرسول يقظة!! قلت له: الصحابة لم يروا الرسول يقظة بعد موته، فلم يقتنع، فقلت في نفسي: هذا من الكذب على رسول الله ﷺ الذي حذر منه بقوله:
"مَن كذب عليَّ متعمدأ فليتبَوأ مقعدَه من النار" [متفق عليه]
٦ - سئل شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن رجل زعم أنه رأى النبي ﷺ يأمره بشيء، فقال: يُكره، بل يحرم. ونص العلماء على أن الرؤيا لا يؤخذ منها أحكام.
٧ - إِن أكبر رد على من يدعي رؤية الرسول يقظة بعد موته قوله تعالى:
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]
стр. 330
وفاة رسول الله ﷺ -
١ - قال الله - تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]
٢ - وقال ﷺ : "إن الله إذا أراد رحمة أُمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرَطاً وسلَفاً بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة، عذبها ونبيها حَيُّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه، وعصَوا أمره" [رواه مسلم]
٣ - وقال ﷺ :"إن الله خيرٌ عبداً بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ذلك العبد ما عند الله" فبكى أبو بكر [رواه البخاري]
٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "أخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة (١) يوم الاثنين فنظرت إلى وجهه كأنه ووقة مصحف- والناس خلف أبي بكر فكاد الناس أن يضطربوا، فأشار إلى الناس أن اثبتوا، وأبو بكر يؤمهم، وألقى السَّجفُ (الستر) وتُوفي رسول الله ﷺ مِن آخر ذلك اليوم". [رواه البخاري ومسلم بنحوه]
٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "قبضه الله، كان رأسه لبَين نحري
وسَحري". (أرادت أنه مات في حِضنها) [رواه البخاري]
٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما وَجَدَ رسول الله ﷺ من كَرب الموت ما وجد، قالت فاطمة ﵂: واكرباه، فقال النبي ﷺ : لا كربَ على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر مِن أبيك ما ليس بتارك منه أحداً (٢) الموافاة يوم القيامة (٣).
[رواه البخاري]
٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مكث النبي ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشراً، وتوفيَ وهو ابن ثلاث وستين [رواه البخاري]
стр. 331
٨ - وعن عائشة ﵄ قالت: "إن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح (تعني بالعالية بالمدينة) فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله!! فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله ﷺ فقَبلَه وقال: بابي أنت، طِبتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده، لا يُذيقنك الله الموتتين أبداً (١)، ثم خرج أبو بكر فقال: أيها الحالف على رسلِك "أي لا تعجل يا عمر" فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا مَن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنك ميت، وإِنهم ميتون﴾ [سورة الزمر: ١٤٤]
وقال: ﴿وما محمد إِلا رسول قد خلت مِن قبله الرسل أفإن مات أو قُتلَ انقلبتم على أعقابكم ومَن ينقلِب على عقبَيه فلن يَضرَّ الله شيئاً وسيَجزي الله الشاكرين﴾ [سورة آل عمران: ١٤٤]
قال فنشج الناس يبكون [رواه البخاري]
٩ - وعن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: "إنه لم يُقبَض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُخير بين الدنيا والآخرة" قالت عائشة: فلما نزل به" ورأسه على فخذي" غُشيَ عليه كم أفاق فاشخص بصرَه إلى السقف، ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى" قلت: إذاً لا يختارنا قالت: وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح". [متفق عليه]
١٠ - والمعروف أن الرسول ﷺ توفي يوم الإثنين سنة ١١ هـ بعد أن بلَّغ رسالته، وأكمل الله به الدين.
* * *
стр. 332
من الأخلاق النبوية
بنيتَ لهم من الأخلاق رُكناً ... فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابُهم فيها مَهيباً ... وللأخلاقُ أجدرُ أن تُهابا
стр. 333
من أخلاق الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وإِنك لَعلى خُلُقٍ عظيم﴾ [القلم: ٤]
٣ - "كان ﷺ خلُقه القرآن" [رواه مسلم]
٤ - "كان أبغضَ الخلُق إليه الكذب" [صحيح رواه البيهقي]
٥ - لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: "إن مِن خياركم أحسَنِكم أخلاقاً". [متفق عليه]
٦ - وعن أنس قال: "لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، وكان يقول عند المعتبة: (المعاتبة) ماله تربت يمينه، وفي رواية ترِب جبينه" [رواه البخاري]
٧ - "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً" [رواه البخاري]
٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قيل يا رسول الله ادعُ على المشركين، قال: "إني لم أبعَث لَعاناً، وإنما بُعثتُ رحمة" [رواه مسلم]
٩ - "كان يتفاعل ولا يتطير (لا يتشاءم) ويُعجبه الإسم الحسَن" [صحيح رواه أحمد]
١٠ - عن عمرو بن العاص قال: "كان رسول الله يُقبِلُ بوجهه على أمر القوم يتألفهم بذلك، فكان يُقبِلُ بوجهه وحديثه عَلَيَّ، حتى ظننت أني خير القوم".
عمرو بن العاص: يا رسول الله، أنا خير أم أبو بكر؟
الرسول ﷺ : أبو بكر!
стр. 334
عمرو بن العاص: يا رسول الله، أنا خير، أم عمر؟
الرسول ﷺ : عُمَر!
عمرو بن العاص: يا رسول الله أنا خير، أم عثمان؟
الرسول ﷺ : عثمان!
عمرو بن العاص: فلما سألت رسول الله فصَدَقني، فلوَدِدت أني لم أكن سألته". [حسن رواه الترمذي]
١١ - وعن عطاء بن يسار قال: "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فقلت: أخبِرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: "أجل، والله إِنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحِرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سَميتك المتوَكل، ليس بفَظٍّ ولا غليظ ولا سَخاب في الأسواق". (لا يرفع صوته ولا يصيح).
ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يُقيم به المِلَّة العوجاء، بأن يقولوا:"لا إله إلا الله" ويفتح به أعيناً عُمياً، وآذانا صُماً، وقلوباً غُلفا". [رواه البخاري]
١٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حُرمة الله، فينتقم لله بها" [متفق عليه]
١٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: "ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء مِن محارم الله فينتقم لله". [رواه مسلم]
١٤ - وكان ﷺ إِذا أتاه السائل، أو صاحب الحاجة فال؛ "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" [متفق عليه]
стр. 335
١٥ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ مِن أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلَني يوماً لحاجة، فقلت: واللهِ لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ . فخرجت حتى أَمُر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول
الله ﷺ قد قبض بِقفاي مِن ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك.
الرسول ﷺ : يا أُنَيْس ذهبت حيث أمرتك؟
أنس ﵁: أنا أذهب يا رسول الله!
قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمتُه قال لشيء صنعتُه: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا عابَ عَلَيَّ شيئاً قط والله ما قال لي أُفٍّ قط [رواه مسلم]
١٦ - أسَر الصحابة سيداً اسمه "ثُمامة" وربطوه بسارية المسجد، فخرج إِليه رسول الله ﷺ فقال:"ماذا عندك يا ثُمامة؟ " فقال عندي يا محمد خير، إن تَقتُل تَقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسَل تُعطَ منه ما شئت فقال رسول الله ﷺ : "أَطلِقوا ثمامة".
فانطلق ثُمامة فاغتسل كم دخل المسجد فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ مِن وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، وما كان من دينٍ أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان مِن بلد أبغض إليَّ مِن بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، ولما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ قال: لا ولكني أسلمت. [متفق عليه واللفظ لمسلم باختصار]
أحاديث في الأخلاق
١ - قال ﷺ : "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً". [متفق عليه]
٢ - "إن من أحبكم إليَّ أحسنَكم أخلاقاً". [رواه البخاري]
стр. 336
٣ - "أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنُهم خُلقاً، وخيارُكم: خيارُكم لنسائهم خلُقاً". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
٤ - "إن لكل دين خلقاً، وإن خلُق الإسلام الحياء". [حسن رواه ابن ماجه]
٥ - "إن المؤمن ليُدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" [صحيح رواه أبو داود]
٦ - "إن مِن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً، وألطفهم بأهله" [رواه الترمذي وحسنه]
٧ - "ما مِن شيء [أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن خلُق حسن، وإن الله يُبغض الفاحش البذيء" رواه أبو داود والترمذي، وقال حسن صحيح]
٨ - "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدَّقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله ما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون". [رواه الترمذي وحسنه محقق جامع الأصول بشواهده]
(الثرثارون: المكثرون من الكلام تكلفاً) (المتشدقون: المتكلمون تفاصحاً وتعظيماً لنطقهم)
٩ - "البرُّ حسنُ الخلق" [رواه مسلم]
١٠ - "اتِق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة تمحُها، وخالق الناس بخلُق حَسن".
[رواه الترمذي وحسنه]
١١ - "إنما بُعثت لِأُتمم صالح الأخلاق" [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
١٢ - "ألا أخبركم بمَن يَحرم على النار، أو بمَن تحرم عليه النار؟ على كل قريب سهل ليّن" [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني بشواهده]
١٣ - "أحَب عباد الله إلى الله، أحسنهُم خلُقا" [رواه الحاكم وصححه الألباني]
١٤ - " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلُقا، الموَطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون، ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" [رواه الطبراني وحسنه الألباني]
١٥ - "سئل ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخُلق" [رواه الترمذي وهو صحيح بشواهده عند محقق جامع الأصول]
стр. 337
١٦ - وقال ﷺ : "المؤمن غِز كَرِيم، والفاجر خَب لئيم". [رواه أحمد وغيره وحسنه الألبانى]
١٧ - "المؤمنون هيِّنون ليِّنون كالجمل الأنِف، إن قيد انقادَ، وإن أُنيخ على صخرة، استناخ". (الأنِف: الذلول) [حسنه الألباني بشواهده]
١٨ - "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" [رواه أحمد، وحسنه الحافظ في الفتح]
١٩ - "ألا أُنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: "خياركم أطولكم أعماراً وأحسنكم أخلاقاً". [رواه أحمد، وقال الألباني حسن لغيره]
٢٠ - "أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا، صِدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحُسن الخلق، وعفة مطعم" [رواه أحمد وغيره وصححه الألباني في السلسلة]
٢١ - "إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا مُتعنِّتاً، ولكن بعثني مُعَلماً ومُيسِّراً". [رواه مسلم]
٢٢ - " أنا زعيمُ بيتٍ في ربَض الجنة لمن تَرك المِراءَ وان كان مُحِقاً، وبيت في وسط الجنة لِمن ترك الكذب وإن كان مازحاً. وبيت في أعلى الجنة لمن حسُن خلُقه". (ربَض: أسفل، المراء: الجدال) [رواه أبو داود وحسنه الألباني في السلسلة وهو في رياض الصالحين]
من دعاء الرسول ﷺ في الأخلاق
١ - " اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يِهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيِّئ الأعمال، وسيِّئ الأخلاق، لا يقي سَيِّئها إلا أنت" [أخرجه النسائي، وصححه الأرناؤوط في جامع الأصول]
٢ - "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء"
[رواه الترمذي وصححه الألباني]
стр. 338
٣ - "اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذاتَ بيننا". [رواه البخاري]
٤ - "اللهم إنما أنا بَشرٌ، فأيُّ المسلمين سببتُه أو لعنته، فاجعلها له زكاة وأجرا". [رواه مسلم]
٥ - "اللهم مَن ولِيَ مِن أمرِ أمتي شيئاً فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومَن ولي مِن أمر أُمتي شيئاً، فرفق بهم، فارفق به" [رواه مسلم]
٦ - "اللهم إني أعوذ بك مِن علم لا ينفع". [رواه مسلم] (لا أعمل به، ولا أبلِّغه غيري، ولا يُبدِّل من أخلاقي السيئة)
٧ - "اللهم كما حسَّنت خَلقي، فأحسِن خُلقي" [رواه أحمد، وصححه الألباني في المشكاة رقم ٥٠٩٩]
العفو عند الخصام
١ - " عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً شتم أبا بكر، والنبي ﷺ جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر رَدَّ عليه بعضَ قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر.
أبو بكر: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما ردَدتُ عليه بعضَ قوله غضبتَ وقُمتَ!!
الرسول ﷺ : كان معك مَلَكُ يَرُدُّ عليه، فلما رددتَ عليه وقع الشيطان (أي حضر)، يا أبا بكر: ثلاث كلُّهُن حَق: ما مِن عبد ظُلِم بمظلمةٍ فيُغضي (١) عنها لله إلا أعز الله بها نصرَه، وما فتح رجل بابَ عطية (٢) يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة (٣) يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قِلة" [رواه أحمد، وحسنه الألباني في المشكاة رقم ٥١٠٢]
стр. 339
٢ - وقال ﷺ : "المستَبَّان ما قالا، فعلى البادئ مالَم يَعتدِ المظلوم". [رواه مسلم]
دل الحديث على جواز مجازاة من ابتدأ الإِنسان بالأذية أو السبَّ بمثله، وأن إِثم ذلك عائد على البادئ، لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب، إِلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام، فيختص به إِثم عدوانه لأنه إِنما أُذن له في مثل ما عوقب به. قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]
وعدم المكافأة والصبر والاحتمال أفضل، كما في حديث أبي بكر الأول.
٣ - وقال ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِم" [متفق عليه]
ومعناه "أن الله يبغض مَن كان شديد المراء الذي يحج صاحبه، وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلَل فيه، لغير غرض سوى تحقير قائله وإِظهار مزيتك عليه" هذا شرح الصنعاني.
من تواضع الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]
٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلُقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير وهو فطيم - كان إذا جاءنا، قال: يا أبا عمير، ما فعل النغَيْر؟ لِنُغَرٍ كانْ يلعب به". (أي عصفور) [رواه البخاري ومسلم]
٣ - وعن الأسود بن يزيد النخعي ﵀ قال: سألت عائشة ﵂ "ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة (١) أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ، ويخرج إلى الصلاة" [رواه البخاري]
٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن كانت الأمَة (٢) لَتأخذ بيد رسول
стр. 340
الله ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت" [رواه البخاري]
٥ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما كان شخص أحب إليهم مِن رسول الله ﷺ وكانوا إذا راوه لم يقوموا له، لما يعلمون مِن كراهيته لذلك". [رواه أحمد والترمذي بسند صحيح]
٦ - وقال رسول الله ﷺ : "لا تُطروني كما أطرتِ النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله، ورسوله. (الإطراء: الزيادة في المدح) [رواه البخاري]
٧ - "كان يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم. ويمسح رؤوسَهم" [صحيح رواه النسائي]
٨ - "كان لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، أو سكت". [صحيح رواه الحاكم]
٩ - "كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم". [صحيح رواه أبو يعلى]
١٠ - "كان يتخلف في المسير، فيُزجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم"
(يُزجي: يسوق الضعيف ليلحق بأهله) [صحيح رواه أبو داود]
١١ - "كان يُكثر الذكر، ويُقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته" [صحيح رواه النسائي]
١٢ - كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبر الشعير" [صحيح رواه الطبراني]
١٣ - "كان لا يُدفع عنه الناس ولا يُضرَبوا عنه" [صحيح رواه الطبراني]
١٤ - "كان لا يَرُدُّ الطيب" [رواه البخاري]
١٥ - "كان يُلاعب زينب بنت أم سلمة، ويقول: يا زُوينب، يا زوينب مِراراً".
[صحيح رواه الضياء]
١٦ - عن جابر ﵁ قال: "أتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يمشيان". [رواه البخاري]
стр. 341
١٧ - "وعن أنس أن رسول الله ﷺ مرَّ على صبيان يلعبون فسلَّم عليهم" [رواه مسلم]
١٨ - وعن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته، كما يعمل أحدكم في بيته. وقالت: كان بشراً مِن البشر يُفلِّي ثوبه، ويَحلب شاته ويخدم نفسه" [رواه الترمذي وصححه الألباني]
١٩ - وعن أنس قال: "خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء قط أُتيَ فيه، (أي أهلك وأُتلف) فإن لامني لائم مِن أهله قال: دعوه، فإنه لو قُضي شيء كان" [رواه البيهقي وصححه الألباني]
أحاديث في التواضع
١ - قال ﷺ : "إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد ولا يبغي أحد على أحد". [رواه مسلم]
٢ - وقال ﷺ : "ما نقصت صدقة مِن مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزًا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه". [رواه مسلم]
٣ - وقال ﷺ : "لو دُعيتُ إلى كُراعٍ, أو ذراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلتُ" [رواه البخاري]
٤ - وعن أنس ﵁ قال: كانت ناقة رسول الله ﷺ (العضباء) لا تُسبق، أو لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له (جمل) فسبقها، فشقَّ ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال الرسول ﷺ "حقٌّ على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" [رواه البخاري]
٥ - وقال ﷺ : "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، قال أصحابه: وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" [رواه البخاري]
٦ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إِذا أكل طعاماً لعق أصابعه
стр. 342
الثلاث قال: وقال (الرسول ﷺ ):
"إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدَعها للشيطان" وأمر أن تُسلَت القصعة قال: "فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة". [رواه مسلم]
أقول: إذا كان الرسول ﷺ يأمرنا أن لا نترك اللقمة الساقطة، فكيف بمن يلقي الطعام الباقي في أماكن القمامة، ولا يوزعه على الفقراء المحتاجين إِليه؟
عاقبة المتكبرين
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [سورة الإسراء]
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨، ١٩]
٣ - وقال ﷺ : يقول الله : "العزّ إزاري، والكِبرياء ردائي، فمن نازعني شيئاً منهما عذبته". [رواه مسلم]
(إزاري وردائي): شبه العزَّ والكبرياء بالإِزار والرداء، لأن المتصف بهما يشملانه، كما يشمل الإِنسان الإِزار والرداء وأنه لا يشاركه في إِزاره وردائه، فلا ينبغي أن يشركه فيهما أحد، فضربه مثلاً لذلك، ولله المثل الأعلى [ذكره ابن الأثير في جامع الأصول]
٤ - وقال: ﷺ "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يُحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بَطَرُ الحق، وغمطُ الناس" [رواه مسلم]
وفي رواية: "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل مِن إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل مِن كِبر". [رواه مسلم]
стр. 343
معنى الحديث
١ - (بطرُ الحق: رَدُّ الحق، غَمطُ الناس: احتقارهم)
٢ - ذكر الإمام النووي في شرح صحيح مسلم هذا الحديث:
"لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة مِن كبر"
(أي لا يدخلها مع المتقين أولاً، حتى ينظر الله فيه، فإما أن يجازيه، وإما أن يعفو عنه)
٣ - وقوله: "لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"
(يعني به دخول تخليد وتأبيد) [ذكره ابن الأثير في جامع الأصول]
٤ - وقال ﷺ : "يُحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صوَر الرجال يغشاهم الذُّل مِن كل مكان، يساقون إلى سجن جهنم يُقال له: (بُولَس) تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار طينة الخبال". (طينة الخبال: صديد أهل النار) [رواه الترمذي وحسنه، ووافقه محقق جامع الأصول]
٥ - وقال ﷺ : "قد أذهب الله عنكم عِبِّيَّة الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلِق مِن تراب"
(عبَيًة الجاهلية: كبرها) [رواه الترمذي وحسنه، ووافقه محقق جامع الأصول]
٦ - وقال ﷺ : "بينما رجل يمشي في حُلَّة تُعجبه نفسهُ، مُرَجَل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" [متفق عليه] (مُرجَّل: أي مُسرح. يتجلجل: يسوخ في الأرض)
من حلم النبي ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه بُردٌ
стр. 344
نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جَبذة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثَّرت بها حاشية البُردِ مِن شدة جبذتِه، قال: يا محمد، مُرْ لِي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله ﷺ ثم ضحك، كم أمرَ له بعطاء". [متفق عليه]
٣ - وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" [رواه مسلم]
٤ - نزل النبي ﷺ تحت شجرة فعلَّق بها سيفه، ثم نام، فاستيفظ وعنده رجل وهو لا يشعر به فقال النبي ﷺ :
"إن هذا اخترط سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه" [متفق عليه واللفظ للبخاري مختصراً]
(اخترط سيفي: سَلَه بن غْمده. فشام السيف: أعاده لغمده)
الغضب وعلاجه
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]
٢ - وقال الله - تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]
٣ - وعن عائشة قالت: "وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهكَ حرمة الله، فينتقم لله بها" [متفق عليه]
وقال ﷺ : "مَن كظم غيظاً وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخيِّره في أي الحور شاء" [رواه الترمذي وأبو داود وقال الألباني في المشكاة حسن]
٤ - وقال ﷺ "ليس الشديدٌ مَن غلَب الناس ولكن الشديد مَن غلب نفسه" [صحيح رواه ابن حبان وصححه]
стр. 345
٥ - وقال ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" [متفق عليه]
٦ - جاء رجل إِلى النبي ﷺ فقال: أوصني ولا تكثر عَليَّ، لَعلِّي أحفظ فقال رسول الله ﷺ : "لا تغضب" [رواه البخاري]
٧ - وعن سلمان بن صُرد، قال: استبَ رجلان عند النبي ﷺ ، ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مُغضَباً، قد احمرَّ وجهه.
النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"
الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟
الرجل الغاضب: إِني لست بمجنون [متفق عليه]
٨ - وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]
قال: (الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله، وخضع لهم عدَّوهم كأنه وَلِيٌّ حميم) [رواه البخاري تعليقا]
٩ - وقال ﷺ : "إن الغضب مِن الشيطان، وإن الشيطان خُلِق مِن النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليَتوضأ".
[أخرجه أبو داود وحسنه شعيب الأرناؤوط في شرح السنة]
١٠ - وقال ﷺ : "إِذا غضب أحدكم وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع". [رواه أبو داود وحسَن إِسناده شعيب الأرناؤوط في شرح السنة]
ذكر الخطابي في هذا الحديث فقال ما نصه:
القاثم متَهيِّئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى والمضطجع ممنوع منهما.
فيشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا تبدر منه في حال
стр. 346
قيامه وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد - والله أعلم.
[نقلا من سنن أبي داود وشرح معالم السنن للخطابي جـ ٧/ ١١٦]
من معجزات الرسول ﷺ -
١ - عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نعُد الآيات بَركةً وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر فقلَّ الماء.
الرسول ﷺ : "اطلبوا لي فضلة مِن ماء".
"الصحابة يجيؤون بإِناء فيه ماء قليل، فيُدخل الرسول ﷺ يده في الإِناء".
الرسول ﷺ :"حَي على الطهور المبارك، والبركة مِن الله".
ابن مسعود: لقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع الرسول ﷺ -ولقد كنا نسمع تسبيح الطعاء وهو يؤكل (الآيات: المعجزات) [رواه البخاري]
٢ - وعن عمران بن حصين قال: سرى رسول الله ﷺ في سفر هو وأصحابه، فأصابهم عطش شديد، فأرسل النبي ﷺ رجلين من أصحابه: أحسبه علياً والزبير، أو غيرهما ...
الرسول ﷺ : "إنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا، معها بعير عليه مُزادتان، فأتياني بها"
"الصحابيان يأتيان المرأة، فيجدانها قد ركبت بين مُزادتين على البعير"
(مزادتين: قربتان من جلد).
الصحابيان (للمرأة) أجيبي رسول الله ﷺ المرأة تسأل ومن هو رسول الله؟ هذا الصابئ .. (أي التارك لدين آبائه)
الصحابيان: هو الذي تعنين هو رسول الله حقاً.
"تأتي المرأة إِلى رسول الله، فيأمر أن يُؤخذ من مُزادتيها، ويوضع في الإِناء، ثم
стр. 347
يقول في الماء ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء في المزادتين، ثم أمر بفتح المزادتين فَفُتحتا، ثم أمر الناس فملؤوا آنيتهم، وأسقيتهم، فلم يدَعوا (يتركوا) إِناء ولا سِقاء إِلا ملؤوه"
قال عمران: حتى كان يُخيلُ إِلي أنها لم تزدَد إِلا امتلاءً.
"يأمر الرسول ﷺ أن يُبسط ثوب المرأة، ثم أمر أصحابه أن يُحضروا شيئاً من زادهم، حتى ملأ لها ثوبها".
الرسول ﷺ (للمرأة): "اذهبي فإنا لم نأخذ مِن مائك شيئاً، ولكن الله سقانا" "تأخذ المرأة الزاد والمزادتين وتأتي أهلها"
المرأة لأهلها: جئتكم مِن عند أسحر الناس، أو إِنه لرسول الله حقاً.
"يأتي أهل ذلك الحِواء (الحي) إِلى الرسول ﷺ فيُسلموا كلهم" [متفق عليه]
يستفاد من هذه المعجزة
١ - يلفت الرسول ﷺ نظر أصحابه إِلى الماء المبارك الذي ينبع من بين أصابعه - إِنما بركته من الله وحده الذي خلق هذه المعجزة، وهذا حرص من الرسول ﷺ على توجيه أمته إِلى التوحيد، وتعلُّقهم بالله ولذا قال: "والبركه من الله"
٢ - قد يُطلعُ الله رسولَه على بعض المغيبات عندما يريد، وعند اللزوم، ولذلك أخبر الرسول ﷺ أصحابه عن مكان المرأة التي تحمل الماء.
٣ - كان المشركون يقولون لمن أسلم (صابئ) (أي تارك دين آبائه الذين لِدعون الأولياء من دون الله) ليصرفوا الناس عنه ويذمونه، وفي عصرنا من دعا إِلى التوحيد، وأمر بدعاء الله وحده، وحذر من دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء، حسب أمر الله ورسوله- قال الناس عنه (وهابي) ليصرفوا الناس عن دعوته، لأنه في نظرهم كالصابئ في نظر المشركين، وشاء الله أن تكون كلمة (وهابي) نسبة إِلى (الوهَّاب) وهو اسم من
стр. 348
أسماء الله الذي وهب له التوحيد.
٤ - المكافأة على الإحسان: أمر الرسول ﷺ أن يكافئ المرأة التي أعطتهم قليلاً من الماء، فملأ ثوبها زاداً بعد أن أعاد لها الماء، ولم ينقص منه شيء وقال لها: "ولكن الله سقانا".
٥ - لقد تأثرت المرأة بهذه الأخلاق والمعاملة الطيبة التي لقيتها من الرسول ﷺ وصحابته، فعادت إِلى قومها تقول لهم: إِنه لرسول الله حقاً، وتكون النتيجة أن يُسلم أهلها ومن معهم جميعاً.
٦ - بهذا الحرص على التوحيد، وبهذه الأخلاق الحسنة، نصر الله المسلمين، وانتشر الإسلام في المعمورة، ويوم ترك المسلمون التوحيد والأخلاق الفاضلة أصابهم الذل والهوان، ولا عزَّ لهم إِلا بالرجوع إِلى التوحيد والأخلاق. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ [الحج: ٤٠]
مِن صَبر النبي ﷺ -
١ - قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٧، ١٢٨]
الحديث الأول:
عائشة للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشدَّ مِن يوم أحُد؟ الرسول ﷺ : لقد لقيتُ مِن قومِك، وكان أشدّ مالقيتُ منهم يومُ العقبة، إذ عَرضتُ نفسي على ابن عبدِ ياليل بن عبد كلال، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا
وأنا بقرنِ الثعالب (١)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت، فإذا فيها جبريل.
стр. 349
جبريل (ينادي): إن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَكَ الجبال لِتأمر بما شئت فيهم.
ملَك الجبال: (يُسلِّم على الرسول ويقول): يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أُطبق علمهم الأخشبَين" (جبلان بمكة).
الرسول ﷺ : بل أرجو أن يُخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً. [متفق عليه]
الحديث الثاني:
"وعن ابن مسعود قال: قسم رسول الله ﷺ قسْماً"
رجل يقول: ما أُريد بهذا وجه الله ..
"ابن مسعود يذكر كلام الرجل للرسول ﷺ فيتمعَّرُ وجهه" (أي يتغير)
الرسول ﷺ : يرحم الله موسى قد أوذيَ بما هو أشد مِن هذا فصبر". [متفق عليه]
الحديث الثالث:
"الرسول ﷺ في غزوة أحد تُكسرُ رباعيته، ويشُجُّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول الرسول ﷺ : كيِف يُفلح قوم شجُّوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟ ".
القرآن ينزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
الحديث الرابع:
عن خَبَّاب قال: شكونا إِلى رسول الله ﷺ وهو مُتوسِّد بردهْ له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟ إِلا تستنصر لنا؟ فجلس محمَرًّا لونه أو وجهه، فقال لنا: "لقد كان مَن قبلكم يؤخذ الرجل، فيُحفَر له في الأرض، ثم يجاء بالمنشار، فيُجعَل فوق رأسه، ثم يُجعُل بفرقتين ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه مِن عظم
стр. 350
وعصَب ما يصرفه عن دينه، ولَيُتِمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري]
مِن رفق الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
الحديث الأول: عن أنس ﵁ قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد.
أصحاب الرسول: (يصيحون به) مَه مَه (أي أترك)
الرسول ﷺ : لا تُزرموه دعوه (لا تقطعوا بوله)
"يترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله ثم يدعو الرسول الأعرابي"
الرسول (للأعرابي): "إن المساجد لا تصلح لشيء مِن هذا البول والقذر، إنما هي بذكر والصلاة، وقراءة القرآن"
الرسول لأصحابه: "إنما بُعثتم مُبَشِّرين، ولم تُبعثوا مُعَسّرين، صُبُّوا عليه دَلواً من الماء"
الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً.
الرسول ﷺ : "لقد تحجَّرتَ واسعاً". أي ضيقت واسعاً. [متفق عليه]
الحديث الثاني: وعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا
أُصلي مع رسول الله ﷺ إِذ عطس رجل من القوم (أي المصلين).
معاوية للعاطس: يرحمك الله:
"المصلون ينظرون لي منكرين"
معاوية يخاطبهم: وا ثُكل أُماه. ما شأنكم تنظرون إِليَّ؟
стр. 351
"المصَلون يضربون بأيديهم على أفخاذهم لِيَسكت، فسكت عندما رأهم يُصمّتونه حتى انتهت الصلاة".
معاوية يمدح الرسول: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني, ولا شتمني (كهرني: قهرني)
الرسول ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن ... " معاوية: يا رسول الله إِني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإِسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان (الذين يدعون علم الغيب).
الرسول ﷺ : " فلا تأتهم".
معاوية: ومنا رجال يتطيرون (يتشَاءمون).
الرسول ﷺ : "ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يَصدَّنهم". (أي لا يمنعهم ذلك عن وجهتهم، فإن ذلك لا يؤثر نفعًا ولا ضرًا). [الحديث رواه مسلم]
الحديث الثالث:
وعن عائشة قالت: إِن اليهود أتَوا النبي ﷺ
اليهود: السَّام عليك (الموت عليك)
الرسول: وعليكم.
عائشة: السام عليكم. ولعنكم الله وغضب عليكم.
الرسول: "مهلاً يا عائشة عليكِ بالرفق، وإياكِ والعُنف والفُحش".
عائشة: أو لم تسمع ما قالوا؟
الرسول: "أو لم تسمعي ما قلت: رددتُ عليهم، فيستجاب لي، ولا يستجاب لهم فِيَّ" [رواه البخاري]
وفي رواية لمسلم: "لا تكوني فاحشة، فإن الله لا يحب الفُحشَ والتفحشَ".
стр. 352
أحاديث في الرفق
١ - قال ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق مالا يُعطي على العُنف، وما لا يُعطي على سواه" [رواه مسلم]
٢ - وقال ﷺ لعائشة: " عليكِ بالرفق، وإياكِ والعُنف والفحش، إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزَع مِن شيء إلا شانه". (أي عابه) [رواه مسلم]
٣ - وقال ﷺ : "يا عائشة ارفقي، فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق" [صحيح رواه أحمد]
٤ - وقال ﷺ : "مَن يُحرَم الرفق، يُحرَم الخير كله". [رواه مسلم]
٥ - وقال ﷺ : "مَن أعطي حظَّه مِن الرفق، فقد أعطي حظَّه مِن الخير، ومَن حُرِم حظَّه مِن الرفق، فقد حُرِمَ حظَّه مِن الخير". [رواه أحمد والترمذي وحسنه الأرناؤوط]
٦ - "كان رسول الله ﷺ وإذا بعث أحدًا مِن أصحابه في بعض أمره قال: بَشروا ولا تُنفِّروا ولا تُعسِّروا". [متفق عليه]
٧ - وقال ﷺ : "إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها فاسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي مما أعلم من شدة وَجدِ أُمه مِن بكائه". [متفق عليه] (أتجوَّز: لا أُطيل، وَجدُ أُمه: حُزن أمه)
مِن شجاعة الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]
٢ - "كان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس وَجهًا، وكان أجودَ الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناسٌ مِن قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، -وفي رواية-: وقد استبرأ الخبر - وهو على فرس
стр. 353
عُرْي لأبي طلحة، في عنقه السيف، وهو يقول: لن تُراعوا، قال: وجدناه بحرًا، أو إنه لبحر، قال: وكان فرسًا يبُطَّأ". [متفق عليه] (وجدناه بحرًا: وجدنا الفرس سريعًا)
٣ - "جاء رجل إلى البراء، فقال: أكنتم وليتم يوم حُنَين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهدُ على نبي اللهِ ﷺ ما ولَّى، ولكنه انطلق أخِفَّاءُ مِن الناس، وحُسْرٌ إلى هذا الحَي مِن هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل، كأنها رِجلُ من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول:
" أنا النبي لا كذب أنا ابنُ عبدِ المطلب "
"اللهم أنزل نصرَك". [متفق عليه]
" قال البراء كُنا والله إِذا احمرَّ البأس نتقي به وإن الشجاع منا الذي يحاذي به" (يعني النبي ﷺ ). [رواه البخاري ومسلم]
٤ - وعن علي ﵁ قال: " لقد رأيتُني يوم بدر. ونحن نلوذ (أي نحتمي) بالنبي ﵇ وهو أقربنا إلى العدوِّ، وكان مِن أشدِّ الناس يومئذ بأسًا" [حسن سنده محقق شرح السنة]
٥ - وعن جابر ﵁ قال: إِنا كنا نحفر، فعرضت كُدية شديدة (صخرة قوية) فجاؤوا إِلى النبي ﷺ .
الصحابة للرسول ﷺ : هذه كُدية عرضت لنا.
الرسول ﷺ : "أنا نازل"
"يقوم الرسول وبطنه معصوب بحجر مِن الجوع فيأخذ المعوَل فيضرب الصخرة، فتعود كثيبًا أهيَل (ترابًا ناعمًا). [أصل القصة في البخاري ومسلم]
стр. 354
الرحمة عند الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
٢ - وقال ﷺ : "بُعثتُ بالرحمة". [رواه مسلم]
٣ - وقال ﷺ : "إنما أنا رحمة مُهداة". [رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي]
٤ - وقال ﷺ : "لا يرحم الله من لا يرحم الناس". [متفق عليه]
٥ - وقال ﷺ : "لا تُنزَع الرحمة إلا مِن شقي". [رواه الترمذي وغيره وحسنه الأرناؤوط]
٦ - وقال ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء". (أي على السماء وهو الله). [رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني والأرناؤوط]
٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال:"قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال مَن لا يَرحَم لا يُرحَم". [متفق عليه]
٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: إنكم تُقبِّلون الصبيان، ولا نُقبِّلهم، فقال رسول الله ﷺ : أوَ أملكُ لك أن نزع الله الرحمة من قلبك". [متفق عليه]
٩ - "كان ﷺ رحيمًا، لا يأتيه أحدٌ إلا وعده وأنجز له إن كان عنده" (أي كان لا يرد سائلًا). [حسن رواه البخاري في الأدب المفرد]
١٠ - وعن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال مِن رسول الله ﷺ [رواه مسلم]
رحمة الرسول ﷺ بالحيوان
١ - وعن سهيل بن الحنظلية قال: "مَرَّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمَة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة". (المعجمة التي لا تنطق) [أخرجه أبو داود وحسن إسناده الأرناؤوط]
стр. 355
٢ - وعن عبد الله، عن أبيه قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا (حُمّرة) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة، فجعلت تُعرِّشُ، فلما جاء رسول الله ﷺ قال: مَن فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: مَن أحرق هذه؟ قلنا: نحن قال: لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلا رب النار". [رواه أحمد وغيره وصحح إسناده الأرناؤوط] (الحمَّرة: طائر يشبه العصفور) (تُعرِّش: ترفرف)
٣ - "كان ﷺ يُصغي للهرة الإناء، فتشرب ثم يتوضأ، بفضلها" (يُصغي: يميل) [صحيح رواه الطبراني]
٤ - وقال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته، ولْيُرح ذبيحته". [رواه مسلم]
٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "مَرّ رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يُحِدُّ شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: أتريد أن تُميتها مَوتتين؟! هلا حدَدتَ شفرتك قبل أن تضجعها؟ "
(تلحظ: تنظر). [رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي]
٦ - وقال ﷺ : "عُذَبت امرأة في هِرة سجَنتها حتى ماتت ... ، فدخلت فيها النار, لا هي أطعمَتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل مِن خشاش الأرض" [رواه البخاري] (خشاش الأرض: حشراتها)
مِن عدل الرسول ﷺ -
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...﴾ [النحل: ٩٠]
٢ - وقال تعالى آمراً نبيه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]
٣ - وعن عائشة قالت: "إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا مَن يُكلم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا ومُن يجترئ عليه إلا أُسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله