← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثم ذكر السبب بطوله وخلاصته: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فقال له: "يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله"، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك". فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَكَ لَا تَهدِي مَن أحببَت﴾. [القصص] قوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة" المراد قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإِيمان. [انظر صحيح مسلم ج ١/ ٥٤] أقول: في هذه الآية، وهذا الحديث يثبت أن أبا طالب مات كافراً، وفيه رد صريح على القائلين بنجاة أبي طالب. ولا سيما ما رواه العباس بن عبدالمطلب أنه قال: يا رسول الله هل نفعتَ أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم. هو في ضحضاح من نار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". [رواه مسلم] وفي رواية: "فيُجعل في ضَخضاح من نار، يبلغ كعبيه، يَغلي منها دماغه". [رواه مسلم] ٤ - ومعنى الهداية الواردة في الآية: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ هي هداية التوفيق الخاصة بالله، أما الهداية بمعنى دعوة الناس إلى الإِسلام فهي عامة في حق الله والرسول ﷺ ، وكل داع، وقد قام الرسول ﷺ بدعاء أبي طالب لهدايته وإسلامه، فأبى الإِسلام ومات كافراً، فنزلت الآية. ونحن نقوم بدعوة الناس إلى هدايتهم، فإذا أعرضوا ندعوا لهم بهداية التوفيق، ولا يجوز أن نترك دعوتهم، ونحتج بهذه الآية إلا في حادثة شبيهة بحادثة أبي طالب، كأن ندعوَ كافراً إلى الإِسلام فيأبى ويموت كافراً.

стр. 492

أنواع الهداية في القرآن الكريم وهداية الله تعالى للِإنسان على أربعة أوجه ذكرها الراغب الأصفهاني: ١ - الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعم منها، كل شيء بقدر فيه حسب احتماله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] ٢ - الهداية التي جعل الناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] ٣ - هداية التوفيق الذي يختصَ به من اهتدى، وهو المعنى بقوله: ﴿وَالًذِينَ اهتَدَوا زَادَهُم هُدىً وَءَاتَاهُم تَقوَاهُم﴾. [محمد ١٧] ﴿وَمَن يؤمِن بالله يَهدِ قَلبه﴾. [التغابن ١١] ﴿إِن الذِينَءَامنُوا وَعَملوا الِصَالِحَاتِ يَهدِيهِم رَبهم بإِيمَانِهِم﴾. [يونس] ﴿وَالًذِينَ جَاهدوا فِينَا لَنَهدِينَهُم سبُلَنَا﴾. [العنكبوت ٦٩] ﴿وَيَزيدُ الله الًذِينَ اهتَدَوا هدى﴾. [مريم ٧٦] ﴿فهدَى الله الذِينَءَامَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِ بإِذنِهِ والله يَهدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾. [البقرة ٢١٣] ٤ - الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: ﴿سَيَهديهِم وَيُصلح بَالَهُم﴾. [محمد ٥] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. [الأعراف ٤٣] وهذه الهدايات الأربع مترتبة: أ - فإن لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه. ب - ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة.

стр. 493

ج - ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها. د - ومن حصل له الثالث، فقد حصل له اللذان قبله. هـ - ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحصل له الثاني، ولا يحصل له الثالث. والِإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات. ١ - وإلى الثانية (التي هي الدعاء وتعريف الطرق) أشار بقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهدِي إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيم﴾. [الشورى ٥٢] وقوله: ﴿وَلِكُلِ قَوم هادٍ﴾ (أي داع). [الرعد ٧] ٢ - وإلىِ سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَكَ لَا تَهدِي مَن أحبَبتَ ولكن الله يهدي من يشاء﴾. [القصص ٥٦] ٣ - وكل هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التوفيق الذي يختص به المهتدون. ٤ - والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة نحو قوله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ٥ - وكل هداية نفاها الله عن النبي ﷺ وعن البشر وذلك أنهم غير قادرين عليها - فهي ما عدا المختص من الدعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق وإدخال الجنة كقوله عز ذكره: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم وَلَكِنً الله يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾. [البقرة ٢٧٢] ﴿وَلَو شَاءَ الله لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى﴾. [الأنعام ٣٥] ﴿وَمَا أنتَ بهادِ العُمى عن ضَلاَلَتِهِم﴾. [الروم ٥٣] ﴿إنْ تَحرص عَلَى هُدَاهُم فَإِن الله لَا يَهدِي مَن يُضِل﴾. [النحل ٣٧] ﴿وَمَن يُضلِل الله فَما لَهُ مِن هادٍ﴾. [غافر ٣٣]

стр. 494

﴿وَمَن يَهدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍ﴾. [الزمر ٣٧] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. [القصص: ٥٦] وإِلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أفَأنتَ تُكرِهُ النًاس حَتى يَكُونُوا مُؤمِنِين﴾. [يونس ٩٩] ﴿مَن يَهدِ الله فَهُوَ المُهتَدِ ومن يُضلل فلن تجدَ له ولياً مُرشداً﴾. [الكهف ١٧] أي طالب الهدى ومُتحريه هو الذي يوفقه الله، ويهديه إلى طريق الجنة، لا من أضله فيتحرى طريق الضلال والكفر كقوله تعالى: ﴿وَالله لَا يَهدي القَومَ الكَافِرَيَن﴾. [البقرة ٢٦٤] ﴿إِن الله لَا يَهدِي منَ هُوَ كَاذبٌ كفًارٌ﴾. [سوره الزمر ٣] الكاذب الكفار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإن ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعاً لذلك، ومن لم يقبل هدايته لم يهده، كقولك: من لم يقبل هديتي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيتي لم أعطه، ومن رغب عني لم أرغب فيه. [انظر كتاب المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ٥٣٩]

стр. 495

المحافظة على أرواح المؤمنين قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] يستفاد من الآية ما يلي: ١ - أن المشركين من أهل مكة منعوا المسلمين من دخول مكة لأداء العمرة ومعهم الهدي محبوساً لم يبلغ مكانه المخصص له ليذبح. ٢ - لا يجوز قتال الكفار المعتدين، والمؤمنون مختلطون بينهم، خشية أن تقع الخسارة بالمؤمنين والمؤمنات بغير قصد، فيقع الإِثم والعار على المؤمنين المقاتلين وهذا يبين مدى حرص الإسلام على حياة المؤمنين والمؤمنات، ولو كانوا قلة، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره: أن عدد المؤمنين والمؤمنات الموجودين في مكة تسعة نفر سبعة رجال، وامرأتان، وهذا ما يفيده قوله تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم، فتُصيبكم منهم مَعَرًة بغير عِلم﴾. ٣ - تأخير عقوبة المشركين، حتى يُدخل الله منهم من شاء في الإِسلام، وهذا ما حصل فعلاً، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره عن حبيب بن سباع قال: (قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مؤمناً). وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ليُدخل الله في رحمته من يشاء﴾. ٤ - جواز قتال الكافرين إذا كان بينهم مؤمنون متميزون عنهم، لا يختلطون فيما بينهم وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا منه عذاباً أليم﴾. ٥ - أقول: ليت المسلمين عامة، والمجاهدين منهم خاصة أخذوا بتطبيق هذه الآية،

стр. 496

وراعَوا وجود إخوان لهم من المسلمين والمسلمات مختلطين بين الذين يريدون قتالهم، ولو أنهم أخروا قتالهم -كما آخر المسلمون الأولون قتالهم عندما منعهم المشركون دخول مكة- لحقنوا دماء إخوانهم المؤمنين والمؤمنات، ولم يقدموا رقابهم للمجرمين، وأعراضهم للفتك بها.

стр. 497

القرآن يأمر بما جاء به الرسول ﷺ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. [الحشر ٧] قال ابن كثير: أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنَمصات والمتفلجات للحسن المغَيرات خلق الله ". قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه، فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت. قال ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى، فقالت: إني لأقرأ بين لوحيه فما وجدته، فقال: "إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه. أما قرأت: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"، قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبَتْ فلم ترَ من حاجتها شيئاً، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئاً. قال: لو كان كذا لم تجامعنا". [متفق عليه] [٤/ ٣٣٦] وفي رواية "ما جامَعَتنا". [كما في البخاري نفسير سورة الحشر] (المراد: الإجتماع أي لم تجتمع بنا). [فتح الباري ج ٨/ ٦٣١] وقال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه". [متفق عليه] أقول: هذه الآية تنطبق على كل ما أمر به الرسول على من صدق وأمانة، ووفاء ووَعدٍ وإعفاء لحية، وغير ذلك من الأوامر، فقد كنت منذ سنين طويلة أدرس في الحرم المكي، وأنصح الحجاج أن يعفوا لحاهم، ويقصوا شواربهم كما أمر به الرسول ﷺ ، فقام رجل من الحاضرين وطلب مني الدليل من القرآن الكريم على وجوبها، فقلت له: اقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. [الحشر ٧] وقد أمرنا الرسول ﷺ بإعفاء اللحية، فقال: لي صدقت، وبعد أيام أعفى لحيته.

стр. 498

الذكر الكثير وأنواعه قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] إن دوام الذكر لما كان سببًا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والِإجلال كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد، فالذكر للقلب كالماء للزرع بل كالماء للسمك لا حياة له إلا به: وهو أنواع: ١ - ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها. ٢ - تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين. ٣ - ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه: وهو ذكر أهل العلم. بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لريهم. ٤ - ذكره بكلامه، وهو القرآن، ويعتبر من أفضل الذكر: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] فذكره هنا هو كلامه الذي أنزله على رسوله ﷺ . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ٥ - ذكره بدعائه، واستغفاره، والتضرع إليه. وذكر رسول الله ﷺ تبع لذكره فهذه خمسة أنواع من الذكر. [انظر جلاء الأفهام لابن القيم ص ٣٠٧] أقول: وذكر الله يكون بما شرعه الله، وعلمه رسوله لأمته، لا بالإبتداع كما يفعل الصوفية من الأذكار المختلفة المخترعة المبتدعة مثل قولهم، هو، هو، ويعتبرونه من أسماء الله، وهو غير صحيح، وكذلك الصلاة على النبي ﷺ لا تكون إلا بما ورد في السنة كالصلوات الإِبراهيمية وغيرها مما يوافق السنة.

стр. 499

ما هي فتنة داود ﵇ -؟ قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢١ - ٢٦] اختلف المفسرون في هذه الآيات إلى أقوال ١ - قال الطبري: هذا مثَل ضربه الخصم المتَسَوِّرون على داود محرابه، وذلك أن داود كانت له فيما قيل تسع وتسعون امرأة. وكان للرجل الذي أغزاه- حتى قتل- امرأة واحدة. فلما قتل نكح فيما ذكر داود امرأته. ثم لما قضى للخصمين بما قضى علم أنه ابتُلي، فسأل غفران ذنبه، وخر ساجدًا لله وأناب إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته. [انظر تفسير الطبري ٢٣/ ١٤٣] ثم أسند الطبري قصته مطولة، ويشبه سياق بعضها ما ذكر في التوراة المتداولة الآن. [انظر تفسير القاسمي ج ١٤/ ١٥٦] ٢ - قال السيوطي في الإِكليل: القصة التي يحكونها في شأن المرأة، وأنها أعجبته (داود) وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل، أخرجها ابن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعًا، وفي إسناده ابن لهيعة، وحاله معروف، عن أبي يزيد الرقاشي، وهو ضعيف، وأخرجها من حديث ابن عباس موقوفًا. انتهى.

стр. 500

أقول: والعجيب أن يقول هذا القول الطبري وغيره من المفسرين مع ضعف أدلته النقلية والعقلية. ٣ - وقال ابن حزم في (الفصل): ما حكاه تعالى عن داود ﵇ قول صادق صحيح، لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود. وإنما كان ذلك الخصم قومًا من بني آدم بلا شك مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم. بغى أحدهما على الآخر (على نص الآية). ومن قال إنهم كانوا ملائكة مُعَرِّضين بأمر النساء، فقد كذب على الله ، وقوَّله ما لم يقل، وزاد في القرآن ما ليس فيه. . تالله إن كل امرىء منا ليصون نفسه وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره، ثم يعرض زوجها للقتل عمدًا ليتزوجها. ٤ - وقال البقاعي في تفسيره: وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود. وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود ﵇، لأن عيسى ﵇ من ذريته، ليجدوا سبيلًا إلى الطعن فيه، انتهى. ثم قال: وقوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع لكلامه. وهذه الدعوى تدريب لداود ﵇ في الأحكام. وذكرها للنبي ﷺ تدريب له في الأناة في جميع أموره على الدوام. ولما ذكر هذا ربما أوهم شيئًا في مقامه ﷺ فدفعه بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فالقصة لم يجر ذكرها إلا للترقية في رتب الكمال. وأول دليل على ما ذكرته، أن هذه الفتنة إنما هي تدريبًا في الحكم، لا بامرأة ولا غيرها، وأن ما ذكره من قصة المرأة باطل وإن اشتهر، فكم من باطل مشهور ومذكور، وهو عين الزور. انتهى. [انظر تفسير القاسمي ج ١٤ - ١٥٩]

стр. 501

النبي سليمان يمسح الخيل حبًا لها قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٠ - ٣٣] ذكر كثير من المفسرين أن سليمان ﵇ شغلته الخيل عن صلاة العصر، حتى غابت الشمس فأمر بقطع سوقها وذبحها تقربًا إلى الله، وقد اختلفت عباراتهم، وكلها تدور على هذا المعنى، وهذا التفسير عليه ملاحظات: ١ - قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: صلاة العصر، لا دليل عليه، لأن كلمة (عن) تأتي بمعنى (لأن) كما نقل الشوكاني في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يقول: مِن ذكر ربي. [ج٤/ ٤٣٢] فالخيل هي من ذكر الله، لأن فيها الإِعانة على الجهاد، ولذلك أمر الله تعالى برباطها فقال عز من قائل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقد حل مكانها الآن الدبابات، والطائرات والمصفحات، والصواريخ، وغيرها من المخترعات. فإعداد الخيل للجهاد من العبادات المطلوبة، بل هو من أفضلها، لذلك جاء مدحها في كثير من الأحاديث الصحيحة. ٢ - قول المفسرين ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ أي الشمس: لا دليل عليه أيضًا لأن الشمس ليس لها ذكر من قريب أو بعيد، والأقرب هو ذكر الخيل، فيكون المعنى: حتى توارت الخيل واختفت عن نظر سليمان ﵇.

стр. 502

٣ - والأهم من ذلك قول المفسرين: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قطع سوقها وأعناقها حيث فسروا المسح بالقطع: وهذا لا دليل عليه، ولا سيما أن فيه تعذيبًا للحيوان وإتلافًا للمال. والأولى أن نحمل الآية على ظاهرها، فقد نقل الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾: يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها. وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبي الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويُهلك مالاً من ماله بغير سبب. (العرقبة: قطع أرجل الخيل). [انظر تفسير الطبري ج ٢٣/ ١٥٦] ٤ - أقول: هذا التفسير لابن عباس هو الصحيح، ويمكن القول بأن سليمان ﵇ كان يُجري استعراضًا عسكريًا للخيل لمحبته لها فلما مرت أمامه، وغابت عن نظره أمر بإعادتها وردها، فجعل يمسح التراب والعرَق عن سوقِها وأعناقها مِن أثر الغبار الذي لحقها، كما يفعل الآن من عنده الخيل. ٥ - وقال ابن حزم: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة. قد جمعت أفانين من القول، لأن فيها معاقبة خيل لا ذَنب لها، والتمثيل بها، وإتلاف مال منتفع به بلا معنى؛ ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها!! وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حُب الخير من أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس، أو تلك الصافنات بحجابها، ثم أمر بردها فطفق مسحًا بسوقها وأعناقها بيده برًا بها وإكرامًا لها، وهذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره، وليس فيها إشارة أصلًا إلى ما ذكره من قتل الخيل وتعطيل الصلاة، وكل هذا قد قاله ثقات المسلمين. فكيف ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ . ٦ - وقال الفخر الرازي في الآية: إن رباط الخيل كان مندوبًا إليه في دينهم، كما أنه كذلك في دين الإِسلام. ثم إن سليمان ﵇ احتاج إلى الغزو، فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله:

стр. 503

﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ ثم أنه ﵇ أمر بإعادتها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها. والغرض من ذلك المسح أمور: ١ - تشريفًا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. ٢ - أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك وأنه يباشر أكثر الأمور بنفسه. ٣ - أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.

стр. 504

التفسير الصحيح لفتنة سليمان ﵇ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] هذه الآية الكريمة يفسرها قوله ﷺ : "قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلِد كلُ امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملَك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان". وفي رواية: "فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشِق رَجل". قال النبي ﷺ : لو قال: "إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته"، وفي رواية: "ولو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله". [متفق عليه] [معنى: بشِق رجَل: أي نصفه]. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان: فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بيَّن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله (إن شاء الله) وأنه لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي أُلقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآية. فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ الآية. من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان من ملكه، حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له مَن كان يعمل عنده بأجر مطرودًا عن ملكه، إلى آخر القصة!! لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة، فهو من الإِسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة، والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجملة، واختاره بعض المحققين والعلم عند الله تعالى. [ج٤/ ٧٧]

стр. 505

السحر من عمل الشياطين قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٣] لما جاء محمد ﷺ مصدقًا للتوراة التي مع اليهود كذبوه، ونبذوا القرآن والتوراة وراء ظهورهم ولم بعملوا بهما، واتبع اليهود ما تفتري الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان، حيث أخرجت الشياطين السحر، وزعموا أن سليمان ﵇ كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم، فكذبهم الله تعالى وبرأ النبي سليمان من السحر الذي فيه الكفر والضرر، وأسند السحر والكفر إلى الشياطين الذين علموه لليهود، وأن هذا السحر لم ينزله الله على الملَكَين هاروت وماروت. ١ - قال الألوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ عطف على السحر، وفائدة العطف التنصيص بأنهم يعلمون ما هو جامع ما بين كونه سحرًا وبين كونه مُنزَّلاً للإبتلاء، فيفيد ذمهم بارتكابهم النبي بوجهين، فكأنه قيل اتبعوا السحر المدوَّن في الكتب وغيره، وهذان الملَكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من اللهِ تعالى للنَّاس؛ فمن تعلَّم وعمل به كفر ومن تعلَّم وتوقَّى عملَه ثبت على الإيمان؛ ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وتمييزًا بين السحر وبين المُعجزة، حيث إنَّه كثُر في ذلك الزمان وأظهر السحرةُ أمورًا غريبة وقع الشك بها في النبوة، فبعث الله تعالى الملَكين لتعليم أبواب السحر

стр. 506

حتى يزيلا الشُبه، ويميطا الأذى عن الطريق. (ج ١/ ٣٠٦) روح المعاني للألوسي. ٢ - قال الطبري: ". . . معنى "ما" التي في قوله ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ بمعنى "الذي" وأن هاروت وماروت، مُترجَم، بهما عن الملكين، فإن التبس ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لملائكة الله أن تُعلِّم الناس التفريق بين المرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله إنزال ذلك على الملائكة؟ قيل له: إن الله عرَّف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه، فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علَّمهُ الملَكين اللذين سماهما وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه، وعن السحر، فيُمحِّصَ المؤمن بتركه التعلم منهما ويُخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما". [الطبري باختصار جـ ٢/ ٤٢٦ تحقيق محمود شاكر] أقول: تفسير الطبري هو المعتمد، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن (١) ما يستفاد من الآية ١ - الإِعراض عن الكتاب والسنة يوقع الشر والفساد والظلم والسحر. ٢ - كفر الساحر، وتحريم تعلم السحر، وتحريم استعماله. ٣ - السحر له ضرر، ويُدفع بقراءة المعوذتين ودعاء الله وحده. ٤ - يحرم تصديق الكاهن والعراف والساحر لقوله ﷺ : أ - "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد". [صحيح رواه أحمد] ب - "مَن أتى عَرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا". [رواه مسلم] [العراف والكاهن: اللذان يدعيان علم الغيب كذبًا]. ٥ - باب التوبة مفتوح للساحر وغيره ولو كان كافرًا. ٦ - ابتلاء الله لعباده بالشر والخير ليعلم العاصي من المطيع قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].

стр. 507

حكم تعدد الزوجات في الإسلام قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] يفهم بعض الناس من هذه الآية أنها تبيح تعدد الزوجات للرجل في الحالات الضيقة ومشروط بمرض أو عقم ولو رجع هؤلاء إلى تفسير العلماء لهذه الآية لزال عنهم هذا الفهم الخاطىء. ١ - قال ابن الجوزي في تفسيره: اختلفوا في تنزيلها وتأويلها. أ - أن القوم كانوا يتزوجون عددًا كثيرًا من النساء في الجاهلية لا يتحرجون من ترك العدل بينهن وكانوا يتحرجون في شأن اليتامى، فقيل لهم في هذه الآية: احذروا من ترك العدل بين النساء كما تحذرون من تركه في اليتامى. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، ومقاتل. ب - أن معناها وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في صدقات اليتامى (أي المهور) إذا نكحتموهن، فانكحوا سِواهن من الغرائب اللواتي أحل الله لكم، وهذا المعنى مروي عن عائشة ﵂: روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا عن ذلك إلا أن يُقسطوا لهن، ويبلغوا أعلى سنتهن في

стр. 508

الصداق، فأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. [انظر زاد المسير ج ٢/ ٦] ٢ - قال القرطبي: واتفق كل من يعاني علوم القرآن على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ الآية. ليس له مفهوم، (يخالفه) إذ قد أجمع المسلمون على أنه من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، كمَن خاف. [ج٥/ ١٣] فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك. ٣ - أما معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ الآية. فقال الشوكاني في تفسيرها: والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القَسْم ونحوه، فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يجوز للرجل نكاح ما ملكت يمينه بدون تحديد. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ والمعنى: وإن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أُمرتم بها أقرب إلى عدم الجور. (أي الظلم). [انظر فتح القدير ج١/ ٤٢١] ومفهوم العدل في القرآن هو العدل في النفقة والمبيت، بحيث ينفق على كل واحدة مثل ما ينفق على الأخرى، وأن يعدل في المبيت بحيث يبيت عند كل واحدة ليلة أو أكثر حسب الاتفاق. أما الحب القلبي، والجماع فلا يملكه الإِنسان، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] قال الإِمام الشوكاني في تفسير هذه الآية: أخبرنا سبحانه بنفي استطاعة الرجال للعدل بين النساء، على الوجه الذي لا ميل فيه البتة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة، ونقصان هذه، وذلك بحكم الخِلقة، بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا قالت عائشة: كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما تملك ولا أملك".

стр. 509

(يعنى القلب) وإسناده صحيح [أقول: لكن ضعفه الألباني في الإِرواء]. ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه نهاهم الله أن يميلوا كل الميل، لأن ترك ذلك وتجنب الجَور كل الجَور في وُسعهم وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل الميل، حتى يذروا الأخرى كالمعلقة التي ليست ذات زوج ولا مطلقة تشبيهًا بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ أي ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم فيها عِشرة النساء والعدل بينهن ﴿وَتَتَّقُوا﴾ كل الميل الذي نُهيتم عنه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لا يؤاخذكم بما فرط منكم. [انظر فتح القدير ج١/ ٥٢١] ٤ - وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القَسْم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع،. ٥ - تقول الزعيمة العالمية (أني بيزانت): (متى وزنا الأمور بقسطاس العدل المستقيم ظهر لنا تعدد الزوجات الإِسلامي الذي يحفظ ويغذي ويكسو النساء أرجح وزنًا من البغاء الغربي الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحضِ إشباع شهواته، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها أوطاره). أقول: هذه شهادة امرأة كافرة، والفضل ما شهدت به الأعداء.

стр. 510

الخلاصة ١ - إن الإسلام الحكيم الذي أباح تعدد الزوجات، فهو في مصلحة النساء قبل الرجال، حتى يكفل للبنات والأرامل العيش العزيز في بيوت أزواجهن بدلاً من أن يكن عالة في بيوت من يعولهن. ٢ - إن الدعوة إلى عدم تعدد الزوجات تسبب قلة النسل الذي يسعى إليه أعداء الإسلام لتقليل عددهم وإذلالهم، كما أنه يسبب كثرة العوانس من البنات والأرامل في البيوت مما يُعرضهن للفتنة والفساد لأن النساء أكثر عددًا من الرجال حسب الإحصاء ولا سيما حينما يتعرض الرجال للقتل في الحروب والمعارك، وقد قامت مظاهرة نسائية في ألمانيا بعد الحرب العالمية يطالبن بتعدد الزوجات! ٣ - إن تعدد الزوجات يوافق هذا الزمن لأن الأمم يُنظر إليها بعدد نفوسها، وكلما ازداد عددهم قويت شوكتهم، وبما أن الحروب في أفغانستان وإيران، وفلسطين، ولبنان، والعراق وغيرها من البلاد الإسلامية سببت قلة الرجال، وكثرة النساء الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن، فإن الإسلام يريد من المسلمين ألا يتركوا هؤلاء الأرامل للجوع والفتنة والفساد.

стр. 511

خطر اختلاط الرجال بالنساء قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] اختلف المفسرون في هَمِّ يوسف بها على أقوال: الأول: أنه كان من جنس همها، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل. الثاني: أنها همَّت به أن يفترشها، وهمَّ بها، أي: تمناها أن تكون له زوجة. الثالث: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا: ولقد همَّت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها فلما رأى البرهان لم يقع منه الهم، فقدم جواب (لولا) عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانًا خلَّصك. الرابع: أنه هَمَّ أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إن ضربها كان ضربه إياها حجة عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني. (ذكره ابن الأنباري). [انظر زاد المسير لابن الجوزي ج ٤/ ٢٠٣] أقول: اختار هذا القول الأخير الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار، واختاره أبو بكر الجزائري حين قال: (ولقد همَّت به. وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه) أي همَّت بضربه لامتناعه عن إجابتها لطلبها بعد مراودات طالت مدتها، وهمَّ هو بضربها دفعًا لها عن نفسه، إلا أنه أراه الله برهانًا في نفسه، فلم يضربها (١)، وآثر الفرار إلى خارج البيت، ولحقته تجرى وراءه لترده. [انظر أيسر التفاسير ج ٢/ ٣٩١] أقول ١ - : هذا القول هو الذي دل عليه السياق وهو الآية التي قبلها، قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]

стр. 512

فالمراودة: وهي طلب المرأة من يوسف أن يواقعها بعد تغليق الأبواب قد حصلت، وقد قالت له: أقبل إليَّ فإني أُحب مضاجعتك! فكان جواب يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] فكان هذا الرد الحاسم من يوسف صفعًا لها، ومخيبًا لآمالها، ومخالفًا لأمرها، ولا سيما وأنها السيدة امرأة العزيز، ويوسف فتى عندها وخادم لها، فلذلك همَّت به أن تضربه تأديبًا له، لعله يستجيب بهذا الضرب إلى طلبها، بعد أن امتنع عن طلبها بالقول اللين، والعبارات المغرية. ٢ - أما اللحاق: وهي الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤] فالله قد صرف عنه السوء وهو الضرب الذي لو فعله للحق به ما يُسيء إليه، وهو إلصاق التهمة به، وقد صرف الله عنه الفحشاء: وهو الزنى بامرأة العزيز، وعلل ذلك قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فيوسف ﵇ من عباد الله الذين استخلصهم، واصطفاهم لرسالته، وعصمهم من السوء والفحشاء، فلا يمكن أن يقع يوسف في السوء والفحشاء، لأن الله صرف عنه ذلك، فلذلك جاء التعبير بقوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ ولم يقل لنصرفه عن السوء والفحشاء، وهذا يرد على القائلين بأن يوسف وقع منه همٌّ بامرأة العزيز. ٣ - ودليل آخر على تفسير الهمِّ بالضرب: هو همُّ يوسف بالهرب منها تخلصًا منها حينما حاولت ضربه، وقد لحقته لتمسك به وتأخذه بقوة، وأمسكت بقميصه من الخلف فشقته، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥]

стр. 513

ما يستفاد من هذه القصة ١ - التحذير من اختلاط الخدم والسواقين وغيرهم من الرجال بالنساء، وعدم الدخول عليهن، والخلوة معهن، لئلا يقع من النساء ما وقع لامرأة العزيز، ولا سيما عند غياب صاحب البيت، ومنع النساء من الاختلاط بالأجانب وخاصة العمال في البيوت والسواقين. . الخ. ٢ - السواقون والخدم والمدرسون لا يقاسون بيوسف الذي عصمه الله، فقد يقعون بالفاحشة إلا من رحم ربك. ٣ - تحذير النساء مما وقعت فيه امرأة العزيز من الخيانة الزوجية، وقد وصل خبرها إلى النساء، ورأوها في ضلال مبين. ٤ - الاقتداء بيوسف ﵇، والإبتعاد عن الزنا ومقدماته، ولا سيما للمسلم الذي يحرم عليه دينه ذلك.

стр. 514

عيسى ﵇ حي في السماء قال الله تعالى بشأن عيسى ﵇: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] قد يتوهم بعض الناس من ظاهر هذه الآية الكريمة وفاة عيسى وموته، ولو رجعوا إلى أقوال المفسرين المعتمدين لهذه الآية لزال عنهم الوهم. وقد اختلف المفسرون فيها على أقوال: ١ - إن التوهم جاء من كلمة (مُتَوفيك) على أن التوفي بمعنى الإماتة، وأنه قد حصل قبل الرفع، والجواب على هذا ما يلي: أن قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على أن التوفي قد مضى، والله تعالى متوفيه يومًا ما، ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه ﴿وَرَافِعُكَ﴾ على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ فلا دليل فيه، لأن الجمهور من علماء اللغة يرون أن الواو لا تفيد الترتيب ولا الجمع، وإنما تفيد مطلق التشريك، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فدلت الآية على أن الواو لا تفيد الترتيب، لأن المعطوف وهو الحياة سابق في الوجود على المعطوف عليه، وهو الموت. وعليه فيكون معنى الآية: (إني رافعك إِليَّ ومُتوفيك) وقد ثبت بالأدلة على أن عيسى حي في السماء، وأنه سينزل ويقتل الدجال ويكسر الصليب، وغير ذلك كما سيأتي، ثم يتوفاه الله بعد ذلك. [انظر أضواء البيان، وزاد المسير وغيرهما] ٢ - التفسير الثاني: أنها وفاة نوم للرفع إلى السماء فيكون معنى الآية: (إني مُنيمك، ورافعك إليَّ). وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]

стр. 515

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وكان ﷺ إذا قام من النوم يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". [رواه البخاري] فقد ثبت في الكتاب والسنة صحة إطلاق الوفاة على النوم، ويكون رفع عيسى ﵇ وهو نائم رفقًا به كما قال الحسن البصري. ٣ - التفسير الثالث: أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هذا من المقدم والمؤخر: أي رافعك ومتوفيك بعد ذلك في الأرض بعد أن تعود إليها قبل يوم القيامة، لتكون علمًا من أعلام الساعة. وهذا قول الفراء والزجاج، وتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعه إلى السماء لا يمنع من موته. ٤ - الوجه الرابع: أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ اسم فاعل من توفاه إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: (توفى فلان دينه) إذا قبضه. قال ابن قتيبة في غريب القرآن: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من الأرض من غير موت (١) قال الإِمام ابن جرير الطبري: ومعلوم أنه لوكان أماته الله لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين .. فتأويل الآية: يا عيسى إني قابضك من الأرض، ورافعك إليَّ ومُطهرك من الذين كفروا فجحدوا نبوتك. [انظر تفسير الطبري تحقيق محمود شاكر ٦/ ٤٦٠] أقول: كل التفاسير التي مرت يصح تفسير الآية بها، إلا أن الراجح هو التفسير الرابع: وهو أن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي متوفي شخصك حيًا من الأرض من غير موت ولا نوم، وأن قوله: ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ هو تعيين لنوع التوفي، وهو اختيار الطبري وابن قتيبة كما تقدم، وهو الرواية الصحيحة عن ابن عباس كما قال الألوسي في روح المعاني. وعلى هذا فلا يمكن تفسير قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مميتك، ومن قوله تعالى ﴿رَافِعُكَ﴾ رافع روحك كما زعم البعض وذلك لما تقدم من أوجه التفسير في معنى التوفي. والله أعلم.

стр. 516

الآيات الدالة على عدم قتل عيسى ١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨] فقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، بل رفعه الله إليه رَدٌّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه ﵇. وهذا النص قطعي الدلالة في رفع المسيح ﵇ حَيًا إلى السماء، ولا يحتمل التأويل، لأن كلمة (بل) بعد النفي يجب أن يكون ما بعدها إثباتًا للنفي المتقدم. ولو حمل الرفع على رفع الروح فقط، فهذا لا يضاد القتل والصلب المنفيين قبل، لاجتماع القتل مع رفع الروح، كما أنه يلغي النفي السابق. ولهذا فإن الآية صريحة في رفع عيسى ﵇ حيًا إلى السماء بروحه وجسده. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] فقوله: (قبل موته) أي موت عيسى ﵇ في آخر الزمان، كما هو مروي عن ابن عباس وعبدالرحمن بن زيد وأبي هريرة، والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير الطبري، وقال ابن كثير: وهذا القول هو الحق، وأفاد بأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى ﵇ وصلبه، وتسليم من سَلَّم لهم ذلك من النصارى الجهلة. فالمراد تقرير وجود عيسى ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة. [ج ١/ ٥٧٧] ٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]

стр. 517

عن ابن عباس مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. قال: نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة. [أخرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه ووفقه الذهبي] قال ابن كثير: ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي أمارة ودليل على وقوع الساعة. وقال مجاهد: وإنه لعَلَم للساعة أي آية للساعة خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة. أقول: فهذه الآيات تدل على بقاء عيسى ﵇ حيًا، وأنه علَم من أعلام الساعة، وأن أهل الكتاب سوف يؤمنون به، على أنه عبد الله ورسوله، ويدخلون في شرع الإسلام.

стр. 518

الأحاديث التي تثبت نزول عيسى ١ - قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لَيوشِكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها، ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ". [رواه البخاري] فهذا الحديث يدل على أن عيسى ﵇ حي في السماء، وأنه ينزل آخر الزمان، ويحكم بشريعة الإِسلام عند نزوله: قال ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم". [رواه البخاري/ كتاب الأنبياء/ باب نزول عيسى ٤/ ١٤٢]

стр. 519

الكافي هو الله وحده قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] ذكر ابن القيم ﵀ في تفسيرها أقوال: ١ - أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد. ٢ - إن ﴿حَسْبُكَ﴾ في معنى كافيك، أي: الله يكفيك، ويكفي من اتبعك كما تقول العرب: "حسبك وزيدًا درهم" وهذا أصح التقديرين: أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. ٣ - المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا إن قاله بعض الناس فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل، والتقوى، والعبادة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] ففرَّق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب لله وحده، وجعل التأييد له بنصره، وبعباده. وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفرده، بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله. فإذا كان قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأفراده قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] والحسب هو الكافي، فأخبره أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل أكثر من أن نذكرها هنا. [ويقصد المعنى الثالث]. [انظر زاد المعاد لابن القيم ج ١/ ٣]

стр. 520

ترك الحكم بكتاب الله يسبب البلاء قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال رسول الله ﷺ : "أعوذ بوجهك". ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال رسول الله ﷺ : "هاتان أهون أو أيسر". [رواه البخاري وغيره] وقال ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أُمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأُعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يُهلكها بسنة عامَّة، وأن لا يُسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يُرَد، وإني أعطيتك لأُمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أُسلّط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها أو قال: مَن بين أقطارها حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويُسبي بعضهم بعضًا". [رواه مسلم وغيره] وقال ﷺ : "سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني من واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أُمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أُمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". [بسنة عامة: بجدب وشدة] [يستبيح بيضتهم: يأخذهم أسرًا وقتلًا]. [رواه مسلم] هذا البأس الذي يحل بالمسلمين مقيد بقوله ﷺ : "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم". [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]

стр. 521

وزاد أبو داود في الحديث الثاني: "وإنما أخاف على أُمتي الأئمة المضلين، وإذا وُضِعَ السيف في أُمتي لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أُمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أُمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". [زوى: جمع] [الكنزين الأحمر والأبيض: الذهب والفضة]. قال الطبري: وأما الذين تأولوا (فسروا) أنه عنى بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة فإني أراهم تأولوا -فسروا- أن في هذه الأمة مَن سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله، نحو الذي ركب مَن قبلهم مِن الأمم السالفة، مِن خلافه والكفر به، فيحل بهم مثل الذي حل بمن قبلهم من المثُلات والنقمات. [انظر تفسير الطبرى تحقيق محمو شاكر ج ١١/ ٤٣١] من فوائد الآية والحديث ١ - قدرة الله تعالى على إرسال العذاب على الأمم من فوقهم أو من تحت أرجلهم فيبيدهم ويهلكهم، وقد استعاذ الرسول ﷺ بوجه ربه أن ينزل بأمته مثل هذا العذاب كالغرق وغيره. ٢ - وفي الحديث إثبات الوجه لله تعالى على ما يليق به من غير تشبيه: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ٣ - قدرة الله تعالى أن يجعل الأُمة تتفرق شيعًا وأحزابًا، ويُسلط بعضها على بعض حينما يتركون الحكم بشريعة الله، ويأخذون بالقوانين المخالفة لها، كما هو واقع الآن، مع الأسف الشديد. ٤ - قدرة الله تعالى أن يجمع الأرض لرسوله محمد ﷺ ، ليرى مشارقها ومغاربها، وأن أُمته سيبلغ ملكها مقدار ما جُمع له فيها. ٥ - رحمة الله بالأمة الإِسلامية، وعدم إرسال عذاب عام يستأصلها، فإن وقع عليهم القحط لم يكن عامًا، بل يكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإِسلام. [ذكره النووي في شرح مسلم]

стр. 522

٦ ﵀ بالأمة الإِسلامية، وأنه لم يسلط عليهم عدوًا خارجيًا يقضي عليهم، بل سلط بعضهم على بعض، وهذا أسهل مما قبله. ٧ - خوف الرسول ﷺ على أُمته من الأئمة المضلين الذين لا يأخذون بالكتاب والسنة، والتحذير منهم. ٨ - إذا وُضع السيف في هذه الأُمة، فلن يُرفع عنها إلى يوم القيامة، كما هو واقع الآن. ٩ - وجود الشرك في هذه الأمة: وهو صرف العبادة لغير الله: كالدعاء، والحكم بغير ما أنزل الله، وغيرهما. ١٠ - الإخبار عن وجود من يدعي أنه نبي وهو كذاب: كمسيلمة الكذاب في العصور الأولى، وغلام ميرزا أحمد في العصر الحاضر، مع أنه لا نبي بعد النبي ﷺ . ١١ - لا تزال طائفة من هذه الأمة متمسكين بالحق والإِسلام والتوحيد إلى يوم القيامة.

стр. 523

تنزيه القرآن عن دسائس الشيطان قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤] ١ - ذكر بعض المفسرين، ومنهم (المحلي) في الجلالين تفسيرًا باطلًا فقال: (ألقى الشيطان في أُمنيته) قراءته ما ليس من القرآن مما يرضاه المرسَل إليهم، وقد قرأ النبي ﷺ في سورة النجم بمجلس من قريش بعد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه ﷺ : "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" ففرحوا بذلك؛ ثم أخبره جبريل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك، فحزن، فسُلِّيَ بهذه الآية. ٢ - إن كلامه هذا باطل، فلقد اتفق العلماء على أن قصة الغرانيق التي ذكرها باطلة متنًا وسندًا، وهي من وضع الزنادقة، وردها القاضي عياض في الشفاء، وأبو بكر ابن العربي وابن كثير، وغيرهم فيجب التحذير منها، لأن أعداء الإِسلام والمستشرقين يتخذونها مطعنًا في القرآن، وأن الشيطان يستطيع أن يُدخل في القرآن ما ليس منه، وقد ألف المحدث الألباني رسالة قيمة لردها سماها: "نصب المنجنيق لنسف قصة الغرانيق" وهي مطبوعة.

стр. 524

التفسير الصحيح للآية إن أحسن ما قيل في تفسيرها هو ما اختصره الدكتور أبو شهبة في كتابه: (الموضوعات والإِسرائيليات في التفسير) حيث قال في تفسير الآية: وللِإجابة عن ذلك أذكر خلاصة ما ذكره الأستاذ الإِمام (محمد عبده) في تفسيرها، وفي تفسيرها وجهان: الأول: أن التمني بمعنى القراءة إلا أن الإِلقاء لا بالمعنى الذي ذكره المبطلون. بل بمعنى إلقاء الأباطيل والشبه مما يحتمله الكلام، ولا يكون مرادًا للمتكلم، أو لا يحتمله، ولكن يدعى أن ذلك يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين، الذين دأبهم محاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، ونسبة الإِلقاء إلى الشيطان حينئذ لأنه مثير الشبهات بوساوسه، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدَّث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل الله فيه هداية لهم، قام في وجهه مشاغبون يتقوَّلون عليه ما لم يقله، ويُحرفون الكلم عن مواضعه، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجادلونهم ويجاهدون في سبيل الحق، حتى ينتصر، فينسخ الله ما يُلقي الشيطان مِن شُبَه، وُيثبت الحق، وقد وضع الله هذه السُنة في الخلق ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن ضعفاء الإِيمان الذين في قلويهم مرض، ثم يتمحص الحق عند أهله، وهم الذين أوتوا العلم، فيعلمون أنه الحق من ربهم، وتخبت له قلوبهم. الثاني: أن التمني: المراد به: تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون، والأمنية من هذا المعنى: وما أرسل الله من رسول، ولا نبي ليدعو قومه إلى هُدى جديد، أو شرح سابق إلا وغاية مقصوده، وَجُلَّ أمانيه، أن يؤمن قومه، وكان نبينا من ذلك في المقام الأعلى: قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]

стр. 525

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ويكون المعنى: وَما أرسلنا من رسول ولا نبي، إِلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات ووسوس في صدور الناس، فثاروا في وجهه، وجادلوه بالسلاح حينًا وبالقول حينًا آخر، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها. ونالوا منه وهو قليل الأتباع، ظنوا أن الحق في جانبهم، وقد يستدرجهم الله جريًا على سنته، يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سِجالاً، فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق، ولكن سرعان ما يمحق الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات، وينشىء من ضعف أنصار الحق قوة، ومِن ذُلهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى ليعلم الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق، فتُخبت له قلويهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. هذا هو الحق: وما عدا ذلك فهو باطل. تفسير رائع للعلامة الشنقيطي لقد فسر العلامة محمد الأمين الشنقيطي الآية تفسيرًا رائعًا فقد ذكر في تفسيره: ونحن وإن ذكرنا أن قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] يُستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها، لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الِإبطال والِإزالة من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي، فالذي يظهر لنا أنه الصواب وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينتبه له من تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده. والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإِلقاء المذكور امتحان الخلق، لأنه قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣]

стр. 526

ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية: يدل على أن الشيطان يُلقي عليهم: أنه الذي يقرؤه النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه. فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة، والعلم عند الله تعالى. وعلى هذا القول، فمعنى نَسخُ ما يلقي الشيطان: إزلته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم. ومعنى يُحكم آياته: يُتقنها بالإحكام، فيُظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صدَّ النَاس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم. بذلك الامتحان، جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي لأنها فتنة، كما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ الآية [الصافات: ٦٢ - ٦٣ - ٦٤] لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد ﷺ لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مرارًا، والعلم عند الله تعالى. واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ الآية.

стр. 527

الأظهر أنها متعلقة بألقى أي ألقى الشيطان في أمنيَّة الرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الِإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، خلافًا للحوفي القائل: إنها متعلقة بـ (يُحكِم)، وابن عطيه القائل: إنها متعلقة بـ (ينسخ). ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر. وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] أي كفر وشك. [انظر أضواء البيان ج ٥/ ٧٣٢] من فوائد الآية ١ - إلقاء الشيطان في قراءة النبي ﷺ الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه على الكفرة أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله، كما ذكر القرآن ذلك كله، ورَدَّ هذه الشبهات كلها. ٢ - الأنبياء ﵈ كلهم يتمنون إيمان قومهم، ولكن الشياطين تضع العراقيل والعقبات والوساوس في صدور الناس، وهذه الوساوس جعلها الله اختبارًا للذين في قلوبهم مرض وشك، فيجازيهم على أعمالهم، وليعلم الله في هذا الاختبار المؤمنين بالحق، ويهديهم إلى صراط مستقيم. ٣ - بيان سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول ﷺ أو النبي للفتنة. ٤ - بيان أن الفتنة يهلك فيها مرضى القلوب وقساتها، ويخرج منها المؤمنون أكثر يقينًا وأعظم هدىً. ٥ - بيان حكم الله تعالى بين عباده يوم القيامة بإكرام أهل الإِيمان والتقوى وإهانة أهل الشرك والمعاصي. [الفوائد الأخيرة مأخوذة من كتاب أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج ٣/ ١٧١]

стр. 528

الفسق وأثره في هلاك الأمة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] ١ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به. ﴿فَفَسَقُوا﴾ أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم وعصوه وكذبوا رسله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي وجب عليها الوعيد. ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أي أهلكناهم إهلاكًا مستأصلًا. وهذا القول الذي هو الحق تشهد له آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ..﴾ الآية [الأعراف: ٢٨] فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أي أمرناهم بالطاعة فعصوا. وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا، لأن الله لا يأمر بالفحشاء. وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف من قولهم: أمرته فعصاني: أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى أمرته بالعصيان كما لا يخفى. ٢ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أي أكثرنا جبابرتها وأُمراءها، قاله الكسائي. [انظر أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٤٤١] ٣ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ يقول: سلطنا أشرارها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] قاله علي بن طلحة عن ابن عباس، وهو قول أبي العالية ومجاهد والربيع بن أنس. ٤ - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا عددهم. قاله العوفي عن ابن عباس. [انظر تفسير ابن كثير ج ٣/ ٣٣]

стр. 529

من فوائد الآية ١ - أن غير المترفين تبع لهم، فهلكوا معهم. ٢ - أن الهلاك يعم الجميع: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] ولما سئل الرسول عنه: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبَث). [الخبث: المعاصي والفسق والفجور]. [رواه البخاري] أما إذا كان في البلد مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلن يهلكوا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. [لأن المصلحين يريدون إصلاح الناس بخلاف الصالحين]. ٣ - عدالة الله في إهلاك الأمم، وأنها لا تهلك إلا بعد الإِنذار بالرسل لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ٤ - التحذير من الترف، فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة، ثم يؤدي إلى الهلاك والدمار. ٥ - تقرير عقيدة الإِيمان بالقضاء والقدر والعدالة الإِلهية.

стр. 530

معنى قوله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ قال العلامة محمد الأمين الشنقيطى في دفع إيهام الإضطراب: هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي ﷺ كان ضالاً قبل الوحي، مع أن قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] يدل على أنه ﷺ فُطرَ على هَذا الدين الحنيف، ومعلوم أنه لم يهوده أبواه، ولم ينصراه، ولم يمجساه؛ بل لم يزل باقيًا على الفطرة حتى بعثه الله رسولاً، ويدل على ذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي عليه كان وهو يتعبد في غار حراء، فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على البقاء على الفطرة. والجواب: أن معنى قوله ﴿ضَالًّا فَهَدَى﴾ أي غافلاً عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين التي لا تُعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما تُعلم بالوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك، فمعنى الضلال على هذا القول: الذهاب عن العلم. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] وقوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] لأن المراد بالإِيمان شرائع دين الإِسلام. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] وقيل: المراد بقوله: ضالًا: ذهابه وهو صغير في شعاب مكة، وقيل ذهابه في سفره إلى الشام، والقول الأول هو الصحيح، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إلى الله أسلم. انتهى [أضواء البيان ج٩/ ٣٣٤]
следующие страницы →