ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية:
يدل على أن الشيطان يُلقي عليهم: أنه الذي يقرؤه النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه.
فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة، والعلم عند الله تعالى. وعلى هذا القول، فمعنى نَسخُ ما يلقي الشيطان: إزلته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم.
ومعنى يُحكم آياته: يُتقنها بالإحكام، فيُظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صدَّ النَاس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم. بذلك الامتحان، جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا كقوله:
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي لأنها فتنة، كما قال:
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ الآية [الصافات: ٦٢ - ٦٣ - ٦٤]
لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد ﷺ لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مرارًا، والعلم عند الله تعالى.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ الآية.
стр. 527
الأظهر أنها متعلقة بألقى أي ألقى الشيطان في أمنيَّة الرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الِإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، خلافًا للحوفي القائل: إنها متعلقة بـ (يُحكِم)، وابن عطيه القائل: إنها متعلقة بـ (ينسخ).
ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر.
وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣]
أي كفر وشك. [انظر أضواء البيان ج ٥/ ٧٣٢]
من فوائد الآية
١ - إلقاء الشيطان في قراءة النبي ﷺ الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه على الكفرة أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله، كما ذكر القرآن ذلك كله، ورَدَّ هذه الشبهات كلها.
٢ - الأنبياء ﵈ كلهم يتمنون إيمان قومهم، ولكن الشياطين تضع العراقيل والعقبات والوساوس في صدور الناس، وهذه الوساوس جعلها الله اختبارًا للذين في قلوبهم مرض وشك، فيجازيهم على أعمالهم، وليعلم الله في هذا الاختبار المؤمنين بالحق، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
٣ - بيان سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول ﷺ أو النبي للفتنة.
٤ - بيان أن الفتنة يهلك فيها مرضى القلوب وقساتها، ويخرج منها المؤمنون أكثر يقينًا وأعظم هدىً.
٥ - بيان حكم الله تعالى بين عباده يوم القيامة بإكرام أهل الإِيمان والتقوى وإهانة أهل الشرك والمعاصي. [الفوائد الأخيرة مأخوذة من كتاب أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج ٣/ ١٧١]
стр. 528
الفسق وأثره في هلاك الأمة
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]
١ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به.
﴿فَفَسَقُوا﴾ أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم وعصوه وكذبوا رسله:
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي وجب عليها الوعيد.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أي أهلكناهم إهلاكًا مستأصلًا.
وهذا القول الذي هو الحق تشهد له آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ..﴾ الآية [الأعراف: ٢٨]
فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله:
﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أي أمرناهم بالطاعة فعصوا.
وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا، لأن الله لا يأمر بالفحشاء.
وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف من قولهم: أمرته فعصاني: أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى أمرته بالعصيان كما لا يخفى.
٢ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أي أكثرنا جبابرتها وأُمراءها، قاله الكسائي.
[انظر أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٤٤١]
٣ - ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ يقول: سلطنا أشرارها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]
قاله علي بن طلحة عن ابن عباس، وهو قول أبي العالية ومجاهد والربيع بن أنس.
٤ - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا عددهم.
قاله العوفي عن ابن عباس. [انظر تفسير ابن كثير ج ٣/ ٣٣]
стр. 529
من فوائد الآية
١ - أن غير المترفين تبع لهم، فهلكوا معهم.
٢ - أن الهلاك يعم الجميع: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]
ولما سئل الرسول عنه: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبَث).
[الخبث: المعاصي والفسق والفجور]. [رواه البخاري]
أما إذا كان في البلد مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلن يهلكوا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. [لأن المصلحين يريدون إصلاح الناس بخلاف الصالحين].
٣ - عدالة الله في إهلاك الأمم، وأنها لا تهلك إلا بعد الإِنذار بالرسل لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
٤ - التحذير من الترف، فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة، ثم يؤدي إلى الهلاك والدمار.
٥ - تقرير عقيدة الإِيمان بالقضاء والقدر والعدالة الإِلهية.
стр. 530
معنى قوله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطى في دفع إيهام الإضطراب:
هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي ﷺ كان ضالاً قبل الوحي، مع أن قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]
يدل على أنه ﷺ فُطرَ على هَذا الدين الحنيف، ومعلوم أنه لم يهوده أبواه، ولم ينصراه، ولم يمجساه؛ بل لم يزل باقيًا على الفطرة حتى بعثه الله رسولاً، ويدل على ذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي عليه كان وهو يتعبد في غار حراء، فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على البقاء على الفطرة.
والجواب: أن معنى قوله ﴿ضَالًّا فَهَدَى﴾ أي غافلاً عما تعلمه الآن من الشرائع
وأسرار علوم الدين التي لا تُعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما تُعلم بالوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك، فمعنى الضلال على هذا القول: الذهاب عن العلم. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]
وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]
وقوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] لأن المراد بالإِيمان شرائع دين الإِسلام.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]
وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]
وقيل: المراد بقوله: ضالًا: ذهابه وهو صغير في شعاب مكة، وقيل ذهابه في سفره إلى الشام، والقول الأول هو الصحيح، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إلى الله أسلم. انتهى [أضواء البيان ج٩/ ٣٣٤]
стр. 531
النهي عن التشبه بالكفار
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:
نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما- يقصدونه من التنقيص- عليهم لعائن الله -. فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولوا راعنا، وُيوَرّون بالرعونة كما قال تعالى:
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]
وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلَّموا إنما يقولون:
(السامُ عليكم)، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا الله أن نرد عليهم بـ (وعليكم)، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكفار قولاً وفعلًا، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وذكر بسند صحيح عن الرسول ﷺ أنه قال:
"بُعثتُ بين يدَيِ الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظِل رمحي، وجُعل الذل والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أحمد وغيره]
ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تُشرَع لنا، ولا نُقَرُّ عليها.
стр. 532
ثم ذكر بسند أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهدْ إليَّ، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأوعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وقال ابن جرير: والصواب عندنا أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ (راعنا)، لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر النبي ﷺ أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا الحبَلَة، ولا تقولوا عبدي، ولكن
قولوا فتاي". [أول الجزء من الحديث رواه مسلم، والثاني رواه أحمد وهو صحيح ج ١/ ١٤٨] [الحبَلة: أصل شجرة العنب، وقضيبها].
من فوائد الآية
١ - النهي عن التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم، وعاداتهم، وأعيادهم، وعبادتهم، ويجوز، بل يجب العمل على مجاراتهم في الإختراعات الحديثة كالطائرات والدبابات والغواصات، وغيرها مما يساعد على تقوية المسلمين لقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]
٢ - الأدب مع رسول الله ﷺ ، وعدم مخاطبته بكلمات لا تناسب قدره، كقول اليهود للرسول ﷺ : ﴿رَاعِنَا﴾ ويريدون بها التنقيص.
٣ - هناك ألفاظ ورد النهي عنها: كقولك للعنب: الكرْم، بل قل: الحَبَلَة، ولا تقل: عبدي، بل قل: فتاي.
стр. 533
صفات عباد الرحمن
١ - قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] من صفاتهم أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضعٍ، لا يضربون بأقدامهم تكبرًا، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]
قال ابن كثير: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾:
أي متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين، فلن تقطع الأرض بمشيك.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك؛ بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده. [والمتكبرون. يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر].
٢ - ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]
أي إذا خاطبهم السفهاء بالقول السيّء لم يقابلوهم بمثله، بل قالوا كلامًا فيه سلام من الإِيذاء والإِثم، سواء كان بصيغة السلام كقولهم: (سلام عليكم) أو غيرها مما فيه لطف في القول، أو عفو أو صفح، وكظم للغيظ، دفعًا بالتي هي أحسن. [أنظر تفسير القاسمي]
٣ - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]
يكون لهم في الليل صلاة وقيام ودعاء كما قال تعالى في وصفهم:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]
قال رسول الله ﷺ : "مَن تعارَّ من الليل فقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته". [رواه البخاري وغيره]
стр. 534
(تعارَّ: استيقظ وقال بصوت) وقد قرأت هذا الدعاء فكانت الإِجابة.
٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥ - ٦٦]
ومن صفاتهم أنهم يدعون ربهم أن يصرف عنهم عذاب النار، لأن عذابها هلاك دائم، وبئس المقام والمستَقَر فيها، وفي الآية ردٌ على الصوفية القائلين بأنهم لا يعبدون الله خوفًا من ناره.
٥ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وصفهم الله بالقصد، فهم لا يُسرفون في الإِنفاق، ولم يُضيقوا على أنفسهم وأهليهم بالبخل، بل كانوا متوسطين:
وقال الطبري في تفسير الآية:
"الإِسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه.
والِإقتار: ما قصرَّ عما أمر الله به. والقَوام بين ذلك".
أقول: ويوضح معنى هذه الآية قوله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]
يقول تعالى: آمرًا بالاقتصاد ذامًا للبخل ناهيًا عن السرف، لا تكن بخيلاً مَنوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، ولا تسرف في الإِنفاق، فتعطي فوق طاقتك، وتُخرج أكثر من دخلك، فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس ويذمونك، ويستغنون عنك، ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير، وهو كالدابة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفًا وعجزًا فإنها تسمى الحسير، هكذا فسَّر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرَف: ابن عباس والحسن. . [انظر تفسير ابن كثير ج ٣/ ٣٧]
٦ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]
هذه صفة مهمة جدًا، وهي أنهم يوحدون الله، ولا يشركون به أحدًا في جميع عباداتهم، ولا سيما الدعاء لأنه من العبادة، ولأن دعاء غير الله من الأموات - ولو كانوا أنبياء أو أولياء- هو من الشرك الذي يحبط العمل، "ولما سُئل رسول الله
стр. 535
- ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تدعو لله نِدًّا وهو خلقك". [متفق عليه]
(النِدُّ: المثيل، ومعناه) ن تدعو غير الله، وتجعله مماثلًا له].
٧ - ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]
ومن صفاتهم أنهم لا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها، ومنها الوأد وغيره، إلا
بالحق المزيل لحرمتها: كالردة، والقاتل لغيره، والساعي في الأرض فسادًا،
فيُقتلون بحق.
- ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ فعباد الرحمن لا يقربون الزنا، لأنه فاحشة وساء سبيلًا، وفيه
ضرر على الفرد والجماعة، حيث يورث الأمراض، ويضيع الأنساب، ويُدمر
الأسرة وغير ذلك من المخاطر.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]
ومن يفعل ما تقدم من الكبائر كدعاء غير الله، وقتل النفس، والزنا، فإنه يلقى جزاءً يوم القيامة بأن يكرر عليه العذاب، ويخلد فيه ذليلًا حقيرًا.
﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ إلى الله في الدنيا من جميع ما فعل، فإن الله يتوب عليه إذا قام بشروط التوبة.
٩ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]
قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال:
والذين لا يشهدون شيئًا من الباطل، لا شِركًا، ولا غِناء، ولا كذبًا، ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور، لأن الله عَمَّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو فعل، وقد قال رسول الله ﷺ :
"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور؛ ألا وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. [متفق عليه]
١٠ - ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]
جاوزوه علماء معرضين عنه. قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبرنا عن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا
стр. 536
باللغو مروا كرامًا، واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يُستقبح، فسَبُّ الإِنسانِ الإِنسانَ بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو، وذِكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن، فهو من اللغو، وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء هو مما يستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه- إذا كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو- أن يقال: عنى به بعض ذلك دون بعض، إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل.
١١ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]
قال ابن كثير: وهذه أيضًا من صفات المؤمنين:
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]
بخلافِ الكافر فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يتغير عما كان عليه. بل يبقى مستمرًا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله.
فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
سئل الشعبي عن الرجل يرى القوم سجودًا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا. . .﴾.
يعني أنه لا يسجد معهم، لأنه لم يتدبر أمر السجود، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمَّعة، بل يكون على بصيرة من أمره، ويقين واضح بين.
وقال قتادة في تفسير قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
يقول: لم يَصُمّوا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق، وانتفعوا بما سمعوا من كتابه. [ج ٣/ ٣٢٩]
١٢ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]
قال ابن كثير: يعني الذين يسألون الله أن يُخرج من أصلابهم ومن ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.
١ - قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتَقرُّ به أعينهم في الدنيا والآخرة.
٢ - قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالًا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين.
стр. 537
٣ - وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يُريَ الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله. لا والله لا شيء أقَرُّ لعين المسلم من أن يرى ولدًا أو ولدَ ولدٍ أو أخًا أو حميمًا مطيعًا لله .
١٣ - ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ اجعلنا أئمة يُهتدى بنا.
قال ابن كثير: قال ابن عباس والحسن والسدي:
اجعلنا أئمة يُقتدى بنا إلى الخير.
وقال غيرهم: اجعلنا هداة مهتدين دعاة إلى الخير.
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦]
قال ابن كثير: لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال الجميلة، قال بعد ذلك (أولئك) المتصفون بهذه (يُجزِون) يوم القيامة (الغرفة) وهي الجنة (بما صبروا) أي على القيام بذلك (ويُلَقَّون فيها) أي في الجنة (تحية وسلامًا) أي يُبتدرون فيها بالتحية والإِكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون
عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
(أي مقيمين ولا يحولون، ولا يموتون ولا يزالون عنها)
وقوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
أي حسنت منظرًا، وطابت مقيلًا ومنزلًا. [ج ٣/ ٣٣٠]
стр. 538
من فوائد الآيات
١ - فضيلة التواضع والسكينة في المشي، وتحريم التكبر.
٢ - فضيلة رَدّ السيئة بالحسنة.
٣ - فضل قيام الليل والدعاء.
٤ - فضيلة الاعتدال في النفقة.
٥ - تحريم الشرك والقتل والزنى.
٦ - التوبة تمحو الذنوب بشروطها.
٧ - تحريم شهود الزور وشهادته.
٨ - فضيلة الإعراض عن اللغو.
٩ - فضل تدبر القرآن والعمل به.
١٠ - من اتصف بصفات عباد الوحمن فله الجنة والتكريم.
стр. 539
كيفية الدعوة إلى الله
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]
١ - قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
يقول الله تعالى آمرًا رسوله محمدًا ﷺ أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة.
قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة: أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.
وقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال،
فليكن بالوجه الحسن برفق ولين، وحسن خطاب، كقوله تعالى:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]
فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون بقوله:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. [ج ٢/ ٥٩١]
٢ - وقال ابن القيم في تفسير الآية السابقة:
جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق:
أ - فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يُدعى بطريق الحكمة.
ب - والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
ج - والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.
هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية، لا ما يزعم أسير منطق اليونان: أن الحكمة: قياس البرهان، وهي دعوة الخواص، والموعظة الحسنة: قياس
стр. 540
الخطابة، وهي دعوة العوام، وبالمجادلة بالتي هي أحسن: القياس الجدلي، وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلَّم المقدمات. وهذا باطل، وهو مبني على أصول الفلسفة، وهو مناف لأصول المسلمين، وقواعد الدين من وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. [مفتاح دار السعادة ج ١/ ١٩٣]
من فوائد الآية
١ - وجوب الدعوة إلى الإِسلام والبدأ بالتوحيد، وهو واجب كفائي إذا قام به البعض أجزأ ذلك عنهم.
٢ - بيان أسلوب الدعوة: وهو أن يكون بالكتاب والسنة.
٣ - دعوة الناس تكون بالرفق واللين، والإبتعاد عن الغلظة والشدة:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. . .﴾ [آل عمران: ١٥٩]
стр. 541
الدعوة تقوم على العلم
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]
قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية:
يقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين الجن والإِنس آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، يدعو الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي.
وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي وأُنزِّه الله وأُجله وأُعظمه وأُقدسه عن أن يكون له شريك، أو نظير أو عديل، أو نديد، أو ولد، أو والدة، أو صاحبة، أو وزير، أو مشير تبارك وتقدس وتنزه عن ذلك كله عُلوًا كبيرًا. [ج ٢/ ٤٩٥]
٢ - وقال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد: هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والإنتهاء إلى طاعته، وترك معصيته (سبيلي) وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله وحده لا شريك له.
(على بصيرة) بذلك ويقين وعلم مني به أنا، ويدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني وآمن بي.
(وسبحان الله) يقول تعالى ذكره: وقل تنزيهًا لله، وتعظيمًا له من أن يكون له
شريك في ملكه، أو معبود سواه في سلطانه.
(وما أنا من المشركين) يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم، ولا
هم مني. [تفسير الطبري تحقيق محمود شاكر ج ١٦/ ٢٩٠]
стр. 542
من فوائد الآية وتفسيرها
١ - الأمر بالدعوة إلى توحيد الله، وتقديمه على غيره.
٢ - التوحيد يتمثل في كلمة لا إله إلا الله: (لا معبود بحق إلا الله).
٣ - الداعية يجب أن يدعو على علم وبصيرة في أمور دينه، فينفع الناس، والجاهل يضر أكثر مما ينفع.
٤ - تنزيه الله تعالى عن الشريك في الذات والصفات.
٥ - البراءة من الشرك: وهو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله: كدعاء الأموات، أو الغائبين، أو الحكم بغير الإسلام. .
٦ - العلم قبل القول والعمل، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وقال البخاري في كتابه: (باب العلم قبل القول والعمل).
قلت: إن المسلم لا يستطيع أن يقول ويعمل عملاً صحيحًا مقبولًا قبل أن يعلم.
стр. 543
استجيبوا لله وللرسول
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]
١ - قال البخاري: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم.
٢ - وقال مجاهد: في قوله: ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ قال للحق.
٣ - وقال قتادة: قال هذا هو القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة.
٤ - وقال السدي: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإِسلام أحياؤهم بعد موتهم بالكفر.
٥ - وقال عروة بن الزبير: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. [انظر ابن كثير ٢/ ٢٩٧]
وإنما سمي الجهاد حياة، لأن في وهن عدوهم بسببه حياة لهم وقوة، أو لأنه سبب الشهادة الموجبة للحياة الدائمة، أو سبب المثوبة الأخروية التي هي مَعدِن للحياة كما قال تعالى:
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]
(أي الحياة الدائمة). [ذكره القاسمي في محاسن التأويل ج ٨/ ٣٤]
٦ - وقال الفراء: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إحياء أمورهم.
فيُخرَّج في إحيائهم خمسة أقوال:
الأول: أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة.
الثاني: بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة.
الثالث: أنه دوام نعيمهم في الأخرة.
الرابع: أنه كونهم مؤمنين، لأن الكافر كالميت.
الخامس: أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال: هو الجهاد، لأن الشهداء
стр. 544
أحياء، ولأن الجهاد يُعزهم بعد ذلهم: فكأنما صاروا به أحياء. [انظر زاد المسير ج ٣/ ٣٣٩]
قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾
أولًا: قال القاسمي: يحتمل وجوهًا من المعاني:
أحدهما: أنه تعالى يملك على المرء قلبه، فيصرفه كيف يشاء فيحول بينه وبين الكفر إن أراد هدايته، وبينه وبين الإِيمان إن أراد ضلالته.
وهذا المعنى رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس وصححه.
ويؤيده ما روي أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول:
"يا مُقلِّب القلوب ثبتْ قلبي على دينك". [رواه أحمد والترمذي وحسنه]
"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها كيف يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ :
"اللهم مُصرِّف القلوب، صرّف قلوبنا إلى طاعتك". [رواه مسلم]
ثانيهما: أنه حث على المبادرة إلى الطاعة قبل حلول المنية.
فمعنى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليمًا كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوها لطاعة الله ورسوله، فشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه الذي به يعقل في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه. [انظر تفسير القاسمي محاسن التأويل ٨/ ٣٥]
أقول: وفي الحديث دلالة على إثبات الأصابع للرحمن على ما يليق به تعالى من غير تشبيه ولا تمثيل، ومثلها اليدان، والساق، والقدم، والوجه، وغيرها من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة.
١ - ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر والإِيمان. [مروي عن ابن عباس]
٢ - يحول بين المؤمن وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته. [رواه العرفي عن ابن عباس]
٣ - يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل. [قاله مجاهد]
قال ابن الأنباري: المعنى: يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، فإنكم لا
تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم.
стр. 545
٤ - أن المعنى: هو قريب من المرء لا يخفى عليه شيء من سره. [قاله قتادة]
٥ - يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيمانًا ولا كفرًا إلا بإذنه. [قاله السدي]
٦ - يحول بين المرء وقلبه: يحول بين المرء وبين هواه [ذكره ابن قتيبة]
٧ - يحول بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر وغيره.
٨ - يحول بين المرء وقلبه بالموت، فبادروا بالأعمال قبل وقوعه.
٩ - يحول بين المرء وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئًا في مفسدة إلا والله عالم به لا يقدر على تغيبه عنه.
١٠ - يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ويخاف بعد أمنه. [زاد المسير ٣/ ٣٣٩]
ثانيًا: وقال الطبري بعد أن ذكر أقوالًا شبيهة بما تقدم:
إن الله عمً بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ هو الخبر عن أنه
يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء،
والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب
التسليم له.
من فوائد الآية
١ - وجوب الاستجابة لنداء الله تعالى، ورسوله ﷺ ، بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه، لما فيه حياة الفرد المسلم، وحياة المجتمع.
٢ - ومما يساعد على الحياة السعيدة للفرد والمجتمع الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد يعزهم فكأنما صاروا به أحياء.
٣ - على المسلم العاقل أن يبادر إلى العمل الصالح قبل مرضه أو موته.
стр. 546
ضعف الخلق وقوة الخالق
قال الله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]
١ - "أي لا تستطيعون هربًا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أُحيط بكم، وهذا في مقام الحشر: الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب.
﴿إِلا بِسُلْطَانٍ﴾: أي إلا بأمر الله:
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧]
ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥]
والمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لِترجعوا، ولهذا قال:
﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. [انظر تفسير ابن كثير ج ٤/ ٢٧٤]
٢ - وقال القاسمي في تفسير الآية:
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أي تجوزوا أطراف السموات والأرض فتُعجزوا ربكم، أي بخروجكم عن قهره، ومحل سلطانه ومملكته، حتى لا يقدر عليكم.
(فانفذوا) أي فجُوزوا واخرجوا.
стр. 547
﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾: أي بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك؟
ونحوه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]
٣ - ويقال معنى الآية: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، يعني البينة من الله تعالى.
والأول أظهر، لأنه لما ذكر في الآية الأولى أنه لا محالة مجازٍ للعباد عَقَّبه بقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ. . .﴾ إلخ لبيان أنهم لا يقدرون على الخلاص من جزائه وعقابه إذا أراده.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]
١ - قال ابن جرير: أي من التسوية بين جميعكم، بأن جميعكم لا يقدرون على خلاف أمر أراده بكم.
٢ - وقال القاضي: فإن التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والإنتقام من الكفار من عِداد الآلاء (النِعم). [تفسير القاسمي ج ١٥/ ٢٩٢ - ٢٩٥]
من فوائد الآية
١ - بيان جلال الله وقدرته وسلطانه.
٢ - بيان عجز الخلق أمام خالقه في الدنيا والآخرة.
٣ - جميع الخلق لا يقدرون على خلاف أمر أراده الله بهم.
٤ - تقرير عقيدة الإِيمان بالبعث والجزاء.
стр. 548
معاني فواتح السور
قال الله تعالى: ﴿الم﴾ ﴿الر﴾ ﴿المص﴾ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿ن﴾.
اختلف المفسرون في معنى هذه الحروف، فمنهم من قال:
١ - هي مما استأثر الله بعلمه ولم يفسرها.
٢ - هي أسماء للسور، واستدلوا على ذلك بالحديث:
أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة و ﴿هل أتى على الإِنسان﴾. [متفق عليه]
وقال مجاهد: ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ ﴿المص﴾ ﴿ص﴾:
فواتح افتتح الله بها القرآن (أي أسماء سوره).
٣ - وقال آخرون: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور بياناً لإِعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وحكى هذا القول جمع من المحققين منهم: الرازي، والقرطبي، وإليه ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، والحافظ المزي.
قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن؛ وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن، وجاء منها على حرف واحد كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ وحرفين
مثل: ﴿حم﴾، وثلاثة مثل: ﴿الم﴾، وأربعة مثل: ﴿المر﴾ ﴿المص﴾، وخمسة مثل: ﴿كهيعص﴾ ﴿حم عسق﴾ لأن أساليبهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة، لا أكثر من ذلك. [انظر تفسير ابن كثير ج ١/ ٣٦]
قال ابن كثير: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلابد أن يذكر فيها الإنتصار
стр. 549
للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالإستقراء، وهو الواقع في تسع
وعشرين سورة.
ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١]
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة فصلت: ٢]
﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [أول سورة الأعراف]
٤ - وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدَدَ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات. الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره.
٥ - لا شك أن الله لم ينزلها عبثاً ولا سُدى؛ ومن قال من الجهلة أن في القرآن ما هوتعبد لا معنى له، فقد أخطا خطاً كبيراً، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا عن المعصوم لشيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران]
ولم يُجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام. [تفسير ابن كثير ج/٣٦١]
стр. 550
كيف نلفظ هذه الحروف
يجب أن نلفظ الحروف التي في أوائل السورة مقطعة حرفاً حرفاً .. لقول رسول الله ﷺ : "مَن قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". [صحيح رواه الترمذي وغيره]
١ - قوله تعالى: ﴿الم﴾ ألف، لام، ميم. [أول سورة البقرة]
٢ - قوله تعالى: ﴿المر﴾ ألف، لام، ميم، را. [سورة الرعد]
٣ - قوله تعالى: ﴿المص﴾ ألف، لام، ميم، صاد. [الأعراف]
٤ - قوله تعالى:- ﴿الر﴾ ألف، لام، را. [سورة يوسف]
٥ - قوله تعالى: ﴿حم﴾ ﴿طس﴾ حا، ميم، طا، سين. [غافر والنمل]
٦ - قوله تعالى: ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ ﴿ص﴾ نون، قاف، صاد. [أسماؤها]
٧ - قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ كاف، ها، يا، عين، صاد. [مريم]
٨ - قوله تعالى: ﴿حم. عسق﴾ حا، ميم، عين، سين، قاف. [الشورى]
٩ - بعض هذه الحروف تمد حركتين مثل: حا، ها، يا، را.
١٠ - وبعض الحروف تُمد أكثر مثل: نون، قاف، صاد، ميم، عين.
١١ - يُعرف التلفظ بالحروف بالسماع من القراء والمشايخ.
стр. 551
الخسارة للكافرين والفوز للمؤمنين
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]
العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر.
وقال مالك عن زيد بن أسلم هو العصر، والمشهور الأول.
فأقسم تعالى بذلك على أن الإِنسان لفي خسر أي في خسارة وهلاك.
﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا﴾ فاستثنى من جنس الإِنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ وهو أداء الطاعات وترك المحرمات.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهون عن المنكر. [انظر تفسير ابن كثير ج ٤/ ٥٤٧]
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم.
وذلك لما فيها من المراتب العالية التي باستكمالها يحصل للمسلم غاية كماله:
الأولى: معرفة الحق، والثانية: عمله به، والثالثة: تعليمه من لا يحسنه،
والرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
стр. 552
من فوائد السورة
١ - فضل سورة العصر لاشتمالها على طريق النجاة.
٢ - لله أن يقسم بما شاء لأنه الخالق له.
٣ - لا يجوز الحلف بغير الله للعباد لقوله ﷺ :
أ - "من حلف بغير الله فقد أشرك". [صحيح رواه أحمد]
ب - "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فلْيَصدق، ومن خلِف له فلْيرضَ، ومن لم يرض بالله فليس من الله". [صحيح رواه ابن ماجه]
ج - وقال عبد الله بن مسعود:
"لأن أحلف بالله كاذباً خير من أن أحلف بغيره صادقاً". [أخرحه الطبراني وصححه الألباني في الإرواء جـ ٨]
٤ - بيان مصير الإِنسان الكافر، وأنه في خسران.
٥ - بيان فوز أهل إلإِيمان والعمل الصالح الموافق للشرع.
٦ - الإيمان: قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.
٧ - وجوب التواصي بالحق، والتواصي بالصبر بين المسلمين.
٨ - وجوب الصلاة مع الجماعة، ولا سيما صلاة العصر، لقول الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]
[والصلاة الوسطى: هي صلاة العصر].
٩ - الزمن له قيمة عند المسلم، فيقضيه بطاعة الله.
стр. 553
(٢)
معلومات مهمة من الدين لا يعلمها كثير من المسلمين
стр. 554
موجز معلومات مهمة من الدين رقم (٢)
* - ما هو الشرك وأنواعه؟
* - الولاء والبراء والحكم.
* - كيف نؤمن بالقدر خيره وشره؟
* - أسباب الإنحراف عن المسيرة الإسلامية.
* - أسباب وقوع العذاب والبلاء في الدنيا.
* - حجاب المرأة المسلمة وشروطه.
* - عادات وتقاليد يجب تركها.
* - بدع المواسم والأعياد.
* - منكرات البيوت والأزياء والزواج.
* - الصوفية في ميزان الكتاب والسنة.
* - أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
* - ماذا تعرف عن قصيدة البردة ودلائل الخيرات.
стр. 555
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضِل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه معلومات مهمة من الدين تهم جميع المسلمين، ولا يعلمها كثيرمن المسلمات والمسلمين، قمت بجمعها من بعض الكتب والمجلات والنثرات الإسلامية لمؤلفين معروفين بعقيدتهم السليمة، ومنهجهم القويم، وكتاباتهم المستقيمة، وقد رقمت الآيات وخرجت الأحاديث الواردة فيها إذا لم يكن هناك ترقيم أو تخريج، وعزوت كل مقال لصاحبه إذا عُرف.
وهناك بحوث هامة كتبتها بقلمي، وسجلتها باسمي، ورتبت مواضيع الكتاب كلها حسب الأهم، وهي تعالج أموراً هامة واقعة في المجتمع، قد اعتادها الناس في حياتهم، وهي في الواقع بعيدة عن الدين.
وأملي كبير في أن يتنبه المسلمون لها، ويرجعوا عنها، حتى يحققوا تعاليم الإِسلام، ولعل الله ينصرهم، ويمكن لهم في الأرض.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
محمد بن جميل زينو
стр. 556
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾
هل فكرت يا أخي في معنى حياتنا على هذه الأرض: من أين جئنا؟ ومَن جاء بنا؟ ولماذا جاء بنا؟ وأين يُذهَب بنا بعد هذه الحياة؟
هذه الأسئلة لا بُدَّ وأن تكون قد خطرت ببالك، بل وعلى بال كل إنسان، وأكثر الناس لم يُتعبوا أنفسهم في البحث عن الجواب فصار همهم في الحياة الطعام والشراب والشهوات، وكثير منهم ضل في بحثه عن الإِجابة حيث لم يتجه الِإتجاه الصحيح إلى من يملك الِإجابة، وكلا الفريقين أموات يتحركون على الأرض كما وصفهم خالقهم-:
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]
فلنحاول إذاً معاً في هذه السطور أن نخرج من هذه الغفلة لنسير في حياتنا على هُدى ونور على صراط مستقيم بَيَّنه لنا خالق السموات والأرض وهو دينه الذي لا يقبل من أحدٍ من خلقه ديناً سواه وهو وحده الذي يعطيك الجواب الشافي على هذه الأسئلة لأنه وحده الدين الخالص من عند الله: قال الله تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [سورة الطور، آية ٣٥]
﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه، آية ٥٠]
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾
[يونس، آية ٣١]
بهذا الوضوح أجاب القرآن عن السؤال الأول من أين جئنا؟ ومَن جاء بنا؟.
حقيقة لا يمكن لِإنسان أن يهرب منها أقر بها المشركون لعجزهم عن الفرار، ولكن هل الإِقرار وحده يكفي؛.
стр. 557
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، آية ٥٦] إذا علمت أن الله وحده هو المنفرد بالخلق والتدبير والإِحياء والإِماتة والملك التام لكل ما في هذا الكون، فلا بُدَّ أن يثمر ذلك في قلبك إفراده بحق العبادة لا شريك له في شيء منها، ومن أجل هذا قامت السموات والأرض، ومن أجل هذا خُلقنا في هذا العالم وجئنا إليه، ومن أجل هذا بُعثت الرسل وأُنزلت الكتب، وعلى هذا يكون الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار.
فهل معنى هذا أن نقضي حياتنا كلها في المسجد راكعين ساجدين. ونترك الحياة تسير كما شاء أهلها أن يسيروها؟.
المفهوم الصحيح للعبادة:
ليس هذا هو المفهوم الصحيح للعبادة، ولكن العبادة هي فعل كل ما يحبه الله
ويرضاه، وترك ما ينهى عنه ويأباه، وهي أن تكون في دراستك وعملك وبيتك
وطريقك ومسجدك وعلاقتك مع الناس تبتغي وجه الله، وتتبع رسول الله ﷺ ، فبهذين الشرطين تصبح كل حياتك عبادة لله، فالعبادة طاعة وخضوع واستسلام لأوامر الله، وهي صلاة وصوم وحج وزكاة، وهي حُب وخوف ورجاء وإخلاص لله وحده، وهىِ شكر وصبر ورضى وشوق لله وحده، وهي دعاء وتضرع وتذلل وخشوع لله وحده، وهي أكل حلال وترك حرام، وهي بر لوالدين، وحسن خلق، واحترام للكبير، ورحمة للصغير والمسكين، وتبسم في وجه أخيك المسلم، وهي صدق في الحديث ووفاء بالعهد والوعد وأداء للأمانة وترك للغش واجتناب للربا والرشوة وسائر المحرمات، وهي غض بصر وحفظ فرج وحجاب وعفة، وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الله وجهاد في سبيل الله:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية ١٦٢]
[نسكي: ذبحي للحيوانات قربة لله].
стр. 558
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾
[سورة البقرة، الآية ٢٥٦].
ولا تتحقق هذه العبادة إلا بالكفر بالطاغوت كما أخبر الله وبهذا بعث الله كل
الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[سورة النحل، الآية ٣٦]
والطاغوت هو كل من جاوز حَد العبودية، ونسب لنفسه حقاً أو صفة لا تجوز إلا لله؛ فالشيطان رأس الطواغيت حيث دعا الناس إلى عبادة غير الله وطاعته قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة يس، آية ٦٠]
وعبادة الشيطان طاعته فيما يأمر به من الكفر بالله.
والطاغوت أيضاً كل متبوع أو مطاع أو حاكم على غير بصيرة من الله وشرع الله، وكذا كل من ادعى معرفة الغيب كالعرافين والمنجمين والكهان: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [سورة النمل، آية ٦٥]
وكذلك كل من زعم معه الضر والنفع من دون الله.
ومعنى الكفر بالطاغوت أن تعتقد بقلبك بطلان عبادة هؤلاء الطواغيت وبطلان ما نازعوا فيه ربهم من حقوق الِإلهية وتُفْرِد ربك وحده بها، ثم تسعى لإزالة عبادتهم مِن على ظهر الأرض بكل طريق.
стр. 559
ما هو الشرك وأنواعه ؟
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: وهو ذنب لا يغفره الله، فما هو الشرك؟
الشرك أن يصرف الإِنسان أيَّ عبادة من العبادات لغير الله كائناً مَن كان ملَكاً مُقَرباً أو نبياً مرسلاً، أو ولياً صالحاً، أو عالماً أو عابداً أو زعيماً أو حجراً أو شجراً أو شمساً أو قمراً أو درهماً أوديناراً أو هوىً مُتَّبَعاً، فكل هذه الأشياء يشرك كثير من الناس بريهم بسببها، فمن دعا غير الله واستغاث به -وهو غائب أوْ مَيْت- وطلب منه المدد واعتقدَ أنهُ ينفع ويضر ويشفي المريض ويرد الغائب وينتصر لِلمظلوم فقد أشرك بالله العظيم. قال الله تعالى:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا
فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ، الآية ٢٢]
ولا ينفع هذا أن يُسمّى ما يفعله شفاعة أو توسلًا، فهذه حجة المشركين حيث
قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر، آية ٣]
وقال عنهم:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ
اللَّهِ﴾ [سورة يونس، آية ١٨]
ومن الشرك ما يفعله كثير من الناس منِ النذر لغير الله والذبح لهم كما يُفعل عند قبور الصالحين وغيرهم قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر، آية ٢]
فكما أن من صلى وسجد لغير الله فقد أشرك، فكذلك من نحر وذبح لغير النّه فقد أشرك، ومن هنا حذر رسول الله ﷺ أمته من اتخاذ القبور مساجد حتى لا يقع الناس في الشرك بسبب الغلو في الصالحين.
قال ﷺ : "ألا لا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك". [رواه مسلم]
стр. 560
ومن الشرك الأصغر الحلف بغير الله قال ﷺ :
"مَن حلف بغير الله فقد أشرك". [صحيح رواه الإمام أحمد]
عن ابن مسعود ﵁ قال:
"لأن أحلف بالله كاذباً أحَبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً".
فلا تحلف يا أخي بحياة الأب أو بالشرف أو النبي أو الكعبة؛ بل لا تحلف إلا بالله.
ومن الشرك الأصغر الرياء: هو أن يطلب الإِنسان مدح الناس بعمله فيتعلم ليقال عالم، وينفق ليقال كريم.
قال رسول الله ﷺ :
"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء". [صحيح رواه أحمد]
ومن الشرك ما ينتشر بين كثير من الناس من تعليق الأحجبة والتمائم لدفع العين والحسد وجلب الحظ.
قال ﷺ : "من علَّق تميمة فقد أشرك" (١) [صحيح رواه أحمد]
وأعلم يا أخي أن العلم بهذه الأشياء وحرمتها واجب على كل مسلم حتى يتجنب الوقوع في الشرك الأكبر والأصغر، فالشرك الأكبر هو الذي يُخلد صاحبه في النار. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، آية ١١٦]
والشرك الأصغر هو الذريعة والوسيلة التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وهو أكبر من الكبائر الأخرى.
стр. 561
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
* منزلة الصلاة في الإسلام:
للصلاة في الإِسلام منزلة لا تعدلها منزلة أي عبادة أُخرى فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به: قال ﷺ :
"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله".
[رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وتولى إيجابها بمخاطبة النبي ﷺ بلا واسطة ليلة المعراج، قال أنس: "فُرضَتْ الصلاة على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسين، ثم نقصَت حتى جُعلِتْ خمساً، ثم نودي يا محمد: إنه لا يُبَدَّلُ القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين". [رواه البخاري]
وهي أول ما يحاسب عليه العبد.
قال ﷺ : "أولُ ما يحاسَبُ عليه العبدُ يوم القيامة الصلاة، فإن صلَحتْ صلح سائر عمله، وإن فسدَتْ فسد سائر عمله". [صحيح رواه الطبراني]
وهي آخر وصية وصى بها رسول الله ﷺ أُمته عند مفارقة الدنيا، جعل يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم". [صحيح رواه أحمد]
وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله.
قال ﷺ : "لتُنقضَنَّ عُرى الإِسلام عُروة عُروة؛ فكلما انتقضت عُروة تشبث الناس بالتي تليها فأوَّلهن نقضاً الحُكم، وآخرهن الصلاة". [صحيح رواه أحمد]
وقد ذكرها الله تعالى من الأشراط الأساسية للهداية والتقوى فقال تعالى:
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. [سورة البقرة، الآيات ١ - ٣]
وقد استثنى ﵎ المحافظين على الصلوات مِن أصحاب الأخلاقِ الذميمة فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. [المعارج: ١٩ - ٢٣]
стр. 562
وقال وهو يحكي عن أهل النار:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر، الآيات ٤٢ - ٤٣]
* دوام التكليف بالصلاة:
وهي فريضة دائمة مطلقة على كل عبد وحر، غني وفقير، صحيح ومريض، مقيم ومسافر، رجل وامرأة، لا تسقط عمن بلغ الحلم في حال من الأحوال، حتى أمر بها في ساحة القتال وشرعت صلاة الخوف. قال الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة، الآيات ٢٣٨، ٢٣٩]
ولا تسقط هذه الفريضة عن نبى مرسل فضلاً عن صالح أو عارف، أو مجاهد، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. [سورة الحجر، آية ٩٩]
(اليقين: الموت).
فمن ترك الصلاة واستغنى عنها، اعتماداً على وصوله إلى الغايات، والنتائج التي يعتقد أن الصلاة شرعت لها، أو بسبب شدة اشتغاله بعمل مثمر، يعود على الأُمة بالفائدة والخير الكثير شأن كثير من العاملين في حقل الإجتماع والسياسة والتعليم وغير ذلك فإنهم يستهينون بأمر الصلاة ومواقيتها؛ ويعتذرون بأنهم في شغل شاغل في خدمة الأمة، وفي جهاد مُتصل لا يترك لهم وقتاً لأداء الصلوات المكررة في اليوم والليلة، فهؤلاء قد عرضوا أنفسهم للهلاك، وأعمالهم للحبوط، وإيمانهم للضياع:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء، آية ١٠٣] (أي مفروضاً ووقتاً مُحدداً).
* حكم حكم تارك الصلاة:
ترك الصلاة جحوداً بها وإنكاراً لها كفر وخروج عن ملة الإِسلام، بإجماع المسلمين. أما من تركها مع إيمانه بها واعتقاده بفرضيتها، ولكن تركها تكاسلاً أو تشاغلًا عنها:
стр. 563
فقد قال ﷺ : "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". [رواه مسلم]
وقال ﷺ : "أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله تعالى". [متفق عليه]
* الجماعة وأهميتها وفضلها:
وقد أوجب الله الصلاة المفروضة في الجماعة وهي طبيعة الصلاة المفروضة المشروعة في الإِسلام، ووضعها الصحيح.
قال تعالى: ﴿وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. [سوره البقرة، آية ٤٣]
ولذلك داوم عليها الرسول ﷺ وأصحابه مداومة شديدة، حتى كأنها جزء من الصلاة ولم يتركها في السلم ولا في الحرب ولا في مرضه الذي مات فيه، وقد كان الرسول ﷺ شديد الإِنكار على من يتغيب عن الجماعة ولا يشهد الصلاة مع المسلمين.
فقد قال ﷺ : "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف إلى رجال يتخلفون عن الجماعة فآمر بهم فيحرقون عليهم رحالهم بحزم من الحطب" [رواه مسلم]
كما أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (الفرد) أضعافاً مضاعفة: قال ﷺ : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". [متفق عليه]
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "مَن أحبَّ أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن (في المساجد)، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صلّيتم في رحالكم (بيوتكم) كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سُنة نبيكم، ولو تركتم سُنة نبيكم لضللتم، وإنه كان يُؤتى بالرجل على عهد رسول الله ﷺ يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف خلف رسول الله ﷺ ". (يُهادى: يتكىء). [رواه مسلم]
стр. 564
الولاء والبراء والحكم
أخي المسلم في هذه السلسلة نستكمل معرفة أصول التوحيد الذي من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وبه قامت السماوات والأرض وهو غاية وجودنا في هذه الحياة وعلمنا في اللقاء الأول أن الله خلقنا لعبادته وعلمنا معنى العبادة الشامل لحياة الإِنسان وعرفنا معنى الطاغوت وضرورة الكفر به واتضح لنا معنى الشرك وبعض مظاهره؛ ونتابع هنا بإذن الله أركان التوحيد أول حقوق الله على العبيد.
الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإِيمان
الولاء والبراء ركن ركين من أركان التوحيد، هل يُتَصَوَّر مؤمن يحب الله وفي نفس الوقت يحب أعداءه ومن يكذبه ويكذب رسله ولا يتبرأ منهم؟ هل يُتَصَوَّر مؤمن يحب الله ويعبده وفي نفس الوقت يكرهُ المؤمنين بالله ولا يحبهم ولا يَنصرهم؟ لا يتصور هذا إلا من لا يعرف حقيقة الإِيمان:
قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [سورة المجادلة، آية ٢٢]
وقال سُبحانهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة، آية ٥١]
وقال ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. [سورة الممتحنة، آية ٤]
ومعنى الوَلاء: الحب وَالنصرة والطاعة والمتابعة والنصح والصداقة وتولي الأمور بالإِصلاح ويستلزم ذلك إظهار المودة والتشبه بمن تواليهم واستئمانهم على الأسرار ونحو ذلك، والبراء عكس ذلك، فكل هذه الأمور يجب أن تكون للمؤمنين، ولا يجوز أن تكون للكافرين.
стр. 565
واعلم يا أخي أن الله لم يرض لعباده أن يجتمعوا على راية إلا راية العقيدة والدين، فالناس إما مؤمن تقي وإما كافر شقي، لا فرق بين عربي وعجمي، أبيض وأسود، إلا بالتقوى وأما كل الدعاوي الأُخرى التي يتعصب لها الناس كانتمائهم إلى قبيلة واحدة، أو إلى وطن واحد، أو إلى قومية واحدة، بحيث يصير الإِنسان يحب ويبغض ويوالي ويعادي بناء عليها، فإنها من دعوى الجاهلية قال النبي ﷺ لما تشاجر بعض المهاجرين والأنصار، فقال المهاجرون: يا للمهاجرين، وقال الأنصار: يا للأنصار، قال ﷺ :
"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها مُنتنة". (متفق عليه)
فإذا كان هذا في أشرف الأسماء، فكيف إذا كان التحزب على ما ليس فيه شرف، بل على تقليد شخص معين، فكيف إذا كان الإِجتماع على مبادىء تناقض الإِسلام كالعلمانية والشيوعية والماسونية وسائر المبادىء الوضعية يميناً ويساراً شرقاً وغرباً؟ قال تعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم، الآيات ٣٥ - ٣٦]
فراجع يا أخي حبك وبغضك وانتماءك ومودتك وصداقتك في نور كتاب ربك.
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. [سورة المائدة، الآيات ٥٥ - ٥٦]