﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
* منزلة الصلاة في الإسلام:
للصلاة في الإِسلام منزلة لا تعدلها منزلة أي عبادة أُخرى فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به: قال ﷺ :
"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله".
[رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وتولى إيجابها بمخاطبة النبي ﷺ بلا واسطة ليلة المعراج، قال أنس: "فُرضَتْ الصلاة على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسين، ثم نقصَت حتى جُعلِتْ خمساً، ثم نودي يا محمد: إنه لا يُبَدَّلُ القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين". [رواه البخاري]
وهي أول ما يحاسب عليه العبد.
قال ﷺ : "أولُ ما يحاسَبُ عليه العبدُ يوم القيامة الصلاة، فإن صلَحتْ صلح سائر عمله، وإن فسدَتْ فسد سائر عمله". [صحيح رواه الطبراني]
وهي آخر وصية وصى بها رسول الله ﷺ أُمته عند مفارقة الدنيا، جعل يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم". [صحيح رواه أحمد]
وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله.
قال ﷺ : "لتُنقضَنَّ عُرى الإِسلام عُروة عُروة؛ فكلما انتقضت عُروة تشبث الناس بالتي تليها فأوَّلهن نقضاً الحُكم، وآخرهن الصلاة". [صحيح رواه أحمد]
وقد ذكرها الله تعالى من الأشراط الأساسية للهداية والتقوى فقال تعالى:
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. [سورة البقرة، الآيات ١ - ٣]
وقد استثنى ﵎ المحافظين على الصلوات مِن أصحاب الأخلاقِ الذميمة فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. [المعارج: ١٩ - ٢٣]
стр. 562
وقال وهو يحكي عن أهل النار:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر، الآيات ٤٢ - ٤٣]
* دوام التكليف بالصلاة:
وهي فريضة دائمة مطلقة على كل عبد وحر، غني وفقير، صحيح ومريض، مقيم ومسافر، رجل وامرأة، لا تسقط عمن بلغ الحلم في حال من الأحوال، حتى أمر بها في ساحة القتال وشرعت صلاة الخوف. قال الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة، الآيات ٢٣٨، ٢٣٩]
ولا تسقط هذه الفريضة عن نبى مرسل فضلاً عن صالح أو عارف، أو مجاهد، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. [سورة الحجر، آية ٩٩]
(اليقين: الموت).
فمن ترك الصلاة واستغنى عنها، اعتماداً على وصوله إلى الغايات، والنتائج التي يعتقد أن الصلاة شرعت لها، أو بسبب شدة اشتغاله بعمل مثمر، يعود على الأُمة بالفائدة والخير الكثير شأن كثير من العاملين في حقل الإجتماع والسياسة والتعليم وغير ذلك فإنهم يستهينون بأمر الصلاة ومواقيتها؛ ويعتذرون بأنهم في شغل شاغل في خدمة الأمة، وفي جهاد مُتصل لا يترك لهم وقتاً لأداء الصلوات المكررة في اليوم والليلة، فهؤلاء قد عرضوا أنفسهم للهلاك، وأعمالهم للحبوط، وإيمانهم للضياع:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء، آية ١٠٣] (أي مفروضاً ووقتاً مُحدداً).
* حكم حكم تارك الصلاة:
ترك الصلاة جحوداً بها وإنكاراً لها كفر وخروج عن ملة الإِسلام، بإجماع المسلمين. أما من تركها مع إيمانه بها واعتقاده بفرضيتها، ولكن تركها تكاسلاً أو تشاغلًا عنها:
стр. 563
فقد قال ﷺ : "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". [رواه مسلم]
وقال ﷺ : "أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله تعالى". [متفق عليه]
* الجماعة وأهميتها وفضلها:
وقد أوجب الله الصلاة المفروضة في الجماعة وهي طبيعة الصلاة المفروضة المشروعة في الإِسلام، ووضعها الصحيح.
قال تعالى: ﴿وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. [سوره البقرة، آية ٤٣]
ولذلك داوم عليها الرسول ﷺ وأصحابه مداومة شديدة، حتى كأنها جزء من الصلاة ولم يتركها في السلم ولا في الحرب ولا في مرضه الذي مات فيه، وقد كان الرسول ﷺ شديد الإِنكار على من يتغيب عن الجماعة ولا يشهد الصلاة مع المسلمين.
فقد قال ﷺ : "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف إلى رجال يتخلفون عن الجماعة فآمر بهم فيحرقون عليهم رحالهم بحزم من الحطب" [رواه مسلم]
كما أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (الفرد) أضعافاً مضاعفة: قال ﷺ : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". [متفق عليه]
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "مَن أحبَّ أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن (في المساجد)، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صلّيتم في رحالكم (بيوتكم) كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سُنة نبيكم، ولو تركتم سُنة نبيكم لضللتم، وإنه كان يُؤتى بالرجل على عهد رسول الله ﷺ يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف خلف رسول الله ﷺ ". (يُهادى: يتكىء). [رواه مسلم]
стр. 564
الولاء والبراء والحكم
أخي المسلم في هذه السلسلة نستكمل معرفة أصول التوحيد الذي من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وبه قامت السماوات والأرض وهو غاية وجودنا في هذه الحياة وعلمنا في اللقاء الأول أن الله خلقنا لعبادته وعلمنا معنى العبادة الشامل لحياة الإِنسان وعرفنا معنى الطاغوت وضرورة الكفر به واتضح لنا معنى الشرك وبعض مظاهره؛ ونتابع هنا بإذن الله أركان التوحيد أول حقوق الله على العبيد.
الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإِيمان
الولاء والبراء ركن ركين من أركان التوحيد، هل يُتَصَوَّر مؤمن يحب الله وفي نفس الوقت يحب أعداءه ومن يكذبه ويكذب رسله ولا يتبرأ منهم؟ هل يُتَصَوَّر مؤمن يحب الله ويعبده وفي نفس الوقت يكرهُ المؤمنين بالله ولا يحبهم ولا يَنصرهم؟ لا يتصور هذا إلا من لا يعرف حقيقة الإِيمان:
قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [سورة المجادلة، آية ٢٢]
وقال سُبحانهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة، آية ٥١]
وقال ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. [سورة الممتحنة، آية ٤]
ومعنى الوَلاء: الحب وَالنصرة والطاعة والمتابعة والنصح والصداقة وتولي الأمور بالإِصلاح ويستلزم ذلك إظهار المودة والتشبه بمن تواليهم واستئمانهم على الأسرار ونحو ذلك، والبراء عكس ذلك، فكل هذه الأمور يجب أن تكون للمؤمنين، ولا يجوز أن تكون للكافرين.
стр. 565
واعلم يا أخي أن الله لم يرض لعباده أن يجتمعوا على راية إلا راية العقيدة والدين، فالناس إما مؤمن تقي وإما كافر شقي، لا فرق بين عربي وعجمي، أبيض وأسود، إلا بالتقوى وأما كل الدعاوي الأُخرى التي يتعصب لها الناس كانتمائهم إلى قبيلة واحدة، أو إلى وطن واحد، أو إلى قومية واحدة، بحيث يصير الإِنسان يحب ويبغض ويوالي ويعادي بناء عليها، فإنها من دعوى الجاهلية قال النبي ﷺ لما تشاجر بعض المهاجرين والأنصار، فقال المهاجرون: يا للمهاجرين، وقال الأنصار: يا للأنصار، قال ﷺ :
"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها مُنتنة". (متفق عليه)
فإذا كان هذا في أشرف الأسماء، فكيف إذا كان التحزب على ما ليس فيه شرف، بل على تقليد شخص معين، فكيف إذا كان الإِجتماع على مبادىء تناقض الإِسلام كالعلمانية والشيوعية والماسونية وسائر المبادىء الوضعية يميناً ويساراً شرقاً وغرباً؟ قال تعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم، الآيات ٣٥ - ٣٦]
فراجع يا أخي حبك وبغضك وانتماءك ومودتك وصداقتك في نور كتاب ربك.
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. [سورة المائدة، الآيات ٥٥ - ٥٦]
стр. 566
إن الحكم إلا لله
ومن أصول عقيدة التوحيد إفراد الله بالحكم والتشريع، فليس هذا الحق لفرد أو طائفة أو شعب. قال تعالى عن اليهود والنصارى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا
لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. [سورة التوبة، آية ٣١]
وفسرها النبي ﷺ -فقال: "ألم يُحلوا لكم الحرام ويُحرموا عليكم الحلال فاتبعتموهم -قيل: بلى- قال: "فتلك عبادتهم". [حسنه الألباني بشواهده]
وقال تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى، آية ٢١]
فمن استجاز أن يُحكَم البشر في دمائهم وأموالهَم وأعراضهم وسائر معاملاتهم بغير حكم الله فقد أشرك بالله العظيم:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة، آية ٥٠]
والواجب على كل مسلم أن لا يتحاكم إلى القوانين الوضعية المخالفة للشريعة وأن يقبل حكم الله في كل نزاعِ بينه وبين غيره فِي الناس، وأن يدعو الناس إلى ذلك. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء، آية ٦٥]
стр. 567
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها
أول واجب على العبد معرفة ربه ومولاه، وذلك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه أووصفه بها رسوله ﷺ في سنته من غير تحريف ولا تأويل، وكذلك من غير إدخال للعقل في تصور الكيفية أو محاولة التشبيه والتمثيل بالمخلوقات فهو كما وصف نفسه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى، آية ١١]
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص، الآيات ٣ - ٤]
ثم القيام بحقوق كل اسم وصفه لله سبحانه بالتعبد له بهذه الأسماء والصفات ودعائه بها وتأثر القلب بها، فأسماء الله العظيم المجيد المتكبر المتعال ذو الجلال والإِكرام وأنه فوق عباده على العرش استوى تملأ القلب تعظيماً له وإجلالًا وخوفاً منه ورهبة، وأنه لا ملجا منه إلا إليه وأسماء الخبير السميع البصير العليم الشهيد تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات وأسماء الرحمغ الرحيم البرَّ الكريم الجواد الرزاق تملأ القلب محبة له وشوقاً إليه وطمعاً في رزقه ورحمته وحمداً له وشكراً.
وكلما ازداد الإِنسان معرفة باسماء الله وصفاته إزداد عبودية لله.
قال النبي ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة". [رواه البخاري]
[أحصاها: حفظها وقام بحقوقها].
فهلا قمت أخي المسلم ففتحت هذا الباب العظيم فهو من أعظم أسباب سعادة الإنسان ولعلك لم تسمع به من قبل!!
стр. 568
كيف نؤمن بالقدر خيره وشره
في هذه السطور لقاؤنا مع أصول الإِيمان والتوحيد نتعلم فيه أصلين عظيمين
من أصول الإِيمان لا تقبل عبادة من العبادات إلا ممن أتى بهما: القضاء
والقدر، واليوم الآخر:
س١: كيف نؤمن بالقدر؟
جـ ١: أن تعلم أن ما أصابك لمِ يكن ليُخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن توقن أن الخلق جميعاً لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَت الصحف، وأن تؤمن بأن ما شاء الله كان وما لم يثا لم يكن، وأن كل ما فى الكون من حركة وسكون وحياة وموت وخير وشر وطاعة ومعصية إنما هو بتقدير الله ومشيئته وعلمه وحكمته لم يكن شيء من ذلك قهراً عليه عن ذلك ولا عبثاً منه .
س٢ ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [سورة محمد، آية ٣١]
ألم يكنَ الله يعلم ذلك قبل وجوده؟
جـ ٢: بلَى فالله بكل شيء عليم، علِمَ ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كما قال:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق، آية ١٢]
وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا
تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ
إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام، آية ٥٩]
وقال النبي ﷺ : "أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة". [رواه البخاري]
ولكن من عدله سبحانه وحكمته لا يظلم العباد فهو لا يحاسبهم إلا على ما صدر منهم من أعمال عملوها هم بإرادتهم التي خلقها الله لهم، فلا
стр. 569
يحاسبهم إلا بعلمه بما صدر منهم لا على مجرد العلم السابق والكتابة في اللوح الحفوظ، فمعنى الآية: أن الله يبتلي عباده -أي يختبرهم ليعلم المجاهدين الصابرين من المنافقين- علماً يحاسبهم عليه وإن كان قد علمه قبل ذلك.
س ٣: هل الإِنسان مُسيّر أم مخيّر؟
جـ ٣: هذا السؤال خطأ من أصله فالِإنسان في أفعاله الاختيارية -كالطاعة والخير، والمعصية والشر- له قدرة واختيار لا ينكره إلا معاند، لأن كل إنسان يشعر بذلك في نفسه، وأثبت الله ذلك في القرآن فقال:
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. [سورة الكهف، آية ٢٩]
ولكن هذه المشيئة ليست مطلقةً بلا حدود، بل هي مقيدة بمشيئة الله لأن الله
هو الذي خلق الإنسان وخلق له القدرة والإِرادة كما قال سبحانه:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. [سورة الإنسان، آية ٣٠]
وهذا التقييد لا يعني إلغاء إرادته وأنه مُسَير أو مجبور بلا اختيار، بل لا يحاسب الله أحداً فقد إرادته كالمكره والمجنون والنائم، ولكن مشيئة الله تجري على العباد من خلال ما يعلمونه هم بأنفسهم وقدرتهم، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم وأفعالهِم، أما الأفعال غير الاختيارية كنبض القلب والانجذاب إلى الأرض مثلًا فلا خلاف أن العبد لا قدرة له عليها ولا اختيار. س ٤: إذا كان الله هو الذي شاء وجود الخير والشر وهو الذي خلقهما فهل يرضى عن الشر ويُحب أن يُعْصَى؟.
جـ ٤: الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، بل رضي لهم الإِسلام ديناً، وهو يحب المؤمنين والمتقين والمحسنين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، فالمحبة والرضى تابعة لتنفيذ أمر الله الشرعي المنزل على رسله -لا لمجرد المشيئة في وجود الشيء،- فالله خلق إبليس ولا يحبه، وكذلك هو الذي خلق الشر ولا يرضى عنه، ولا يأمر عباده به، ولكنه خلقه لِحكَم يعلمها فهو العليم الحكيم: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. [سورة الأنبياء، آية ٢٣]
لأن العباد يعجزون عن الإِحاطة بعلم الله وحكمته.
стр. 570
س ٥: إذا كان كل شيء مُقدَّراً ومكتوباً فما فائدة العمل؟ وكيف يعذب الله العصاة على أمر هو الذي كتبه وخلقه؟
جـ ٥: (اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِق له) فالشقاوة والسعادة خلقها الله مرتبطة بأسبابها من المعصية والطاعة، ولم يخلقها مجردة عن الأسباب، فلا يصير أحد إلى النار إلا بعمل أهل النار، ويدخل المؤمنون الجنة جزاءً بما كانوا يعملون، وكما سبق فالعمل وإن كان بمشيئة الله وقدرته فهو مقدور للإِنسان، وهو سبب سعادته أو شقائه وهو يكون بمشيئة العبد:
﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة فصلت، آية ٤٠]
والله يعذب من يستحق العذاب من عباده على عملهم هم وإن كان هو كتبه فهو لم يأمرهم به:
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [سورة الأعراف، آية ٢٨]
كما أن الكتابة في اللوح اَلمحفوظ لا يعلمها العباد وإنما يعلمون شرع الله:
الأمر والنهي والحلال والحرام وعندهم العقل والاختيار، ولذا رد الله على
المشركين القائلين:
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. [سورة الأنعام، آية ١٤٨]
بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام، آية ١٤٨]
والسؤال يوم القيامة يكون عن ماذا أجبتم المرسلين؟؟. و (ماذا كنتم تعملون؟؟) لا عن ماذا كتب عليكم في اللوح المحفوظ.
س ٦: ما حكم من يفعل المحرمات ويترك الواجبات ويقول: "لو أراد الله أن يهديني لهداني".
جـ٦: هذا من أتباع إبليس الذي قال لربه: ﴿رب بما أغويتني﴾ فأول من احتج
بالقدر إبليس فلم تنفعه هذه الحجة، وأما آدم وحواء فقالا:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
[سورة الأعراف، آية ٢٣]
فاختر لنفسك مع مَن تريد أن تكون فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس
أنفسهم يظلمون.
стр. 571
س ٧ ما حكم من لم يؤمن بالقدر؟
جـ ٧: لو أنفق مثل أحُد ذهباً ما تُقبل منه حتى يؤمن بالقَدر، ولو مات على غير ذلك لكان من أهل النار. هكذا روى أُبيّ وحذيفة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ عن النبي ﷺ ، وقال تعالى:
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. [سورة القمر، آية ٤٨]
س ٨: أين نقرأ في هذا الموضوع؟
جـ: في كتاب القضاء والقدر لأبي بكر الجزائري، ومعارج القبول لأحمد حكمي، وشفاء العليل لابن القيم، والعقيدة الواسطية لابن تيمية، وأركان الإِسلام والإِيمان للمؤلف.
стр. 572
فريق في الجنة وفريق في السعير
هذه نهاية المطاف وآخر الأجوبة على الأسئلة الثلاثة: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ فهذا اليوم العظيم يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة لا يعلم وقته إلا الله، لكن تسبقه علامات كبرى كظهور المسيح الدجال، ونزول المسيح ابن مريم ﵇ ليقتله ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وخروج يأجوج ومأجوج كما ذكر الله في القرآن، فبعد هذه العلامات الكبرى يقوم الناس من قبورهم بعد عذاب أو نعيم فيها، ويحشر الله الخلق جميعاً في حَرِّ شمس دانية من الرؤوس قدر ميل فيعرق الناس عرقاً شديداً حسب أعمالهم في أهوال عظيمة أخرى، فيحاسب الله عباده على الصغيرة والكبيرة بميزان عدل لا يضيع مثقال ذرة، ويمر الناس على صراط على ظهر جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف، عليه خطاطيف تأخذ الناس بأعمالهم، فناج مسلم، ومخدوش، ثم ينجو، ومكدوس في نار جهنم، ويتميز الناس إلى فريقين في حياة أبدية لا تنتهي: فريق في الجنة وفريق في السعير. فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واتبعهبم فهم السعداء أهل الجنة:
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. [سورة الصافات، الآيات ٤١ - ٤٩]
لباسهم فيها حرير وحليهم فيها الذهب والفضة وغاية نعيمهم النظر إلى وجه الله الكريم.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة، الآيات ٢٢، ٢٣]
والفريق الآخر من أعرض عن ذكر الله وأشرك به وكفر برسله وارتكب ما حرم الله عليه - فهم الأشقياء أهل النار خالدين فيها أبدأ طعامهم نار، وشرابهم حميم، وفرشهم وغطاؤهم من جهنم:
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. [سورة الحج, الآيات٢١،٢٠،١٩]
стр. 573
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ
عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. [سورة فاطر، الآيتين ٣٦ - ٣٧]
﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. [سورة الزخرف، آية ٧٧]
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. [سورة الكهف، آية ٢٩]
فهذه يا أخي النهاية فاختر لنفسك أحد الطريقين تكن في إحدى الدارين، قد بينا لك في هذه السلسلة مفتاح دار السعادة. التوحيد حق الله على العبيد، فراجع كل مسألة فيها، وزن نفسك بالكتاب والسنة، هل أديت حق الله عليك بالتمسك بالعروة الوثقى لا إله إلا الله فهي كلمة النجاة وهي منهاج الحياة، ألا هل بلغنا اللهم اشهد. [إعداد لفيف من العلماء]
стр. 574
أسباب الإنحراف عن المسيرة الإسلامية
وبعد فإنه على الرغم من قوة تيار الكفر والضلال الذي يحاول أن يسوق أمتنا بعصاه، ويلقي بها في مهاوي الضياع والفناء، وعلى الرغم من محاولة أنصار الجاهلية الحديثة جهدهم وتجميعهم جندهم ليقطعوا هذه الأمة الإِسلامية العريقة عن عقيدتها، ويجتثوا إسلامها من حياتها فإن هناك بصيصاً من النور، ورفيفاً من الأمل يلمحه المراقب للأحداث متمثلاً في ذاك التيار الوليد الذي يحبو ويحاول الحركة، ويتلمس الطريق كي يصدَّ ذاك التيار الأهوج المدمر، ويرده على أعقابه وينقذ البلاد والعباد من آثاره وأخطاره. وما ذاك التيار الحبيب إلا هذه البراعم الندية، والزهرات المتفتحة هنا وهناك من الشباب المسلم المؤمن الذي فتح عينيه على الحياة، واستيقظ على صيحات بعض الدعاة والمصلحين الذين حركوا فيه الغيرة والحمية وأثاروا فيه العاطفة الدينية والنفس الأبية، ويحاول هؤلاء الشباب أن ينهضوا بالأمة بعد طول تأخر، وينقذوها من الأعداء والأخطار، فيسعون جادين مخلصين، ويدأبون غير هيابين ولا وجلين، لكنهم سرعان ما يُفاجاون بأنهم ما يزالون في مكانهم، وأنهم قد رجعوا بعد طول سير وشدة نصَب إلى موضعهم الذي كانوا قد انطلقوا منه وغادروه، فيأسفون لذلك ويحزنون، وييأس بعضهم فيقعد، ويعيد الكرة ويسعى من جديد آخرون ويجرب هؤلاء ويعملون.
* إن نجاح المسيرة الإسلامية يتحقق بأمرين:
الأول: الهداية إلى الصراط المستقيم، وذلك بالتعرف عليه ومعرفة حدوده
وأبعاده. وقد شرع الله لنا أن ندعوه دائماً كي يهدينا إلى الصراط المستقيم، فنحن دائماً نردد في صلاتنا وفي خارج صلاتنا.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة، آية ٦، ٧]
стр. 575
وكان المعصوم ﷺ عندما يقوم من الليل يسأل ربه الهداية قائلاً: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه مِن الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". [رواه مسلم من حديث عائشة]
الثاني: إتباع هذا الصراط المستقيم وعدم الميل عنه يميناً أو شمالًا.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[سورة الأنعام، آية ١٥٣]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كلل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. [رواه أحمد والحاكم وصححه وأقرَّة الذهبي]
ووضح هذا بمثال فقال ﷺ : "ضرب الله تعالى مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتعرجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط المستقيم كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم".
[رواه أحمد والحاكم بسند صحيح من حديث النواس بن سمعان]
والإستقامة على الطريق أمر في غاية المشقة والصعوبة، ذلك أن النفس البشرية أمارة بالسوء، والدنيا مليئة بالمغريات وشياطين الإِنس والجن، كل ذلك يحاول أن يحرف المسيرة ويحرف العاملين بها عن الدرب القويم.
لذلك كانت أشق آية أنزلت على النبي ﷺ كما يقول ابن عباس: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود، آية ١١٢]
стр. 576
فانحراف المسيرة يأتي من أحد هذين الأصلين، إما من جهل الصراط وعدم العلم به وهذا هو الضلال، ومن هنا أتى النصارى الذين سماهم الله بـ (الضالين) إذ عبدوا الله على جهل، وإما أن يأتي من عدم الاستقامة عليه واتباعه مع العلم به، وهذا حال اليهود الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه؛ ولذلك سماهم الله (المغضوب عليهم)
وأما حال الذين أنعم الله عليهم فهو معرفة الحق واتباعه:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة، الآيتين ٦، ٧]
عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "قل اللهم اهدني وسدِّدْني واذكر (١) بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم". [رواه مسلم]
أيها الأخوة: إن من نعمة الله علينا أن الصراط المستقيم الذي ينبغي لنا أن نسلكه واضحة معالمه معروفة حدوده محفوظ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يرِدا عليَّ الحوض". [رواه الحاكم بسند صحيح]
وهذا الدرب لم ولن يخلو من السالكين مصداقاً لقول الرسول ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". [رواه مسلم والترمذي]
فالصراط المستقيم محفوظة تعاليمه في الكتب وفي الصدور، فإذا طلبنا في هذا الطريق القويم فإننا سنهتدي بحول الله وقوته وسنصل إلى الهدف المنشود إن شاء الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت، آية ٦٩]
* فمن أسباب الإنحراف:
أ - اعتماد أصول غير إسلامية
فمن ذلك اعتماد كثير من الكتاب ورجال الدعوة والفكر على الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
стр. 577
وقد أمرنا الرسول ﷺ بالتثبت فيما نروي فقال: "مَن حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". [رواه مسلم]
"كفى بالمرء إثماً أن يُحدَّث بكل ما سمع". [رواه أبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث أبي هريرة]
وعليه: كفى بالمرء إثماً أن يعمل بكل ما سمع.
فالحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح بلا خلاف بين العلماء.
وإذا كان كذلك فكيف يقال يجوز العمل به والله قد ذمه في غير ما آية من كتابه:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة النجم، آية ٢٨]
"إياكم وَالظن فإن الظن أكذب الحديث". [متفق عليه من حديث أبي هريرة]
ب - اعتماد المنهج الفلسفي الكلامي في إرساء العقيدة
وعمدة المنهج الفلسفي الكلامي نظريات عقلية وأصول فلسفية.
وهذا المنهج يختلف مع المنهج الرباني القرآني في طريقة الإستدلال.
فالإستدلال القرآني أساسه الوحي والإِيمان بالرسالة، والغاية التي يدعو إليها المنهج القرآني عبادة الله، وعبادته متضمنة لمعرفته وتوحيده، أما عمدة المنهج الفلسفي فهي تلك النظريات والأقيسة التي جعلوها أصولًا للعقائد، وهذه الأدلة سبيلها وعر لا يسهل الإرتقاء إليه وقد ينقطع السالك قبل الوصول إلى مراده.
قد اقتضت الأقيسة الباطلة رفض الكتاب والسُّنَّة فردّوا كثيراً من الأسماء والصفات. وأكثر الكتب التي الفت بعد القرون الثلاثة كلها تسير على هذا المنهج الكلامي والفلسفي، ولا تزال هذه الكتب تُدرَّس إلى يومنا هذا ويتخرج عليها رجال في الجامعات فتؤثر فيهم أثراً كبيراً.
جـ - الإشتغال بالبدع:
قال رسول الله ﷺ : "وكُل بدعة ضَلالة وكل ضلالة في النار". [رواه مسلم]
"مَن أحدث في أمرنا هذا ما لَيس منه فهو رَد". [متفق عليه من حديث عائشة]
стр. 578
قال بعض السلف: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله فلا تتعبدوها. وقال حسان بن عطية المحاربي: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة". [رواه الدارمي بسند صحيح]
وقال ابن مسعود: "كم من مريد للخير لم يبلغه". [رواه الدارمى بسند صحيح]
فهذا معناه أن النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل، بل لابد أن يضاف إلى ذلك التقيد بالمشروع.
وقد يقول قائل: هل معرفة البدع التي أُدخلت في الدين أمر هام؟
والجواب:
نعم لأنه لا يتم للمسلم التقرب إلى الله إلا باجتنابها، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفتها وإلا وقع في البدع وهو لا يشعر.
ومثل ذلك معرفة الشرك وأنواعه، فإن من لا يعرف ذلك وقع فيه كما هو مثاهد من كثير من المسلمين الذين يتقربون إلى الله بما هو شرك: كالنذر للأولياء والصالحين والحلف بهم والطواف بقبورهم وبناء المساجد عليها وغير ذلك مما هو معلوم شركه عند أهل العلم.
لذلك فلا يكفي في التعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط بل لابد من معرفة ما يناقضها من البدع، كما لا يكفي في الإِيمان التوحيد، دون معرفة ما يناقضه من الشركيات، وإلى هذه الحقيقة أشار رسول الله ﷺ بقوله:
"مَن قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد مِن دون الله، حرُم ماله ودمه وحسابه على الله". [رواه مسلم]
فلم يكتف ﵇ بالتوحيد، بل ضم إليه الكفر بما سواه، وذلك يستلزم معرفة الكفر، وإلا وقع فيه وهو لا يشعر، وكذلك القول في السنة والبدعة ولا فرق، ذلك لأن الإِسلام قام على أصلين عظيمين:
١ - أن لا نعبد إلا الله.
٢ - وأن لا نعبده إلا بما شرع.
فثبت مما تقدم أن معرفة البدع أمر لابد منه، لتسلم عبادة المؤمن من البدع التي تنافي التعبد الخالص لله تعالى، فالبدع من الشر الذي يجب معرفته لا لِإتيانه، بل
стр. 579
لاجتنابه على حد قول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر ... ولكن لِتوَقيه
ومن لا يعرف الشر ... من الخير يقع فيه
وهذا المعنى مستقى من السنة:
فقد قال حذيفة بن اليمان: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؛ قال: نعم. قلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". [متفق عليه]
[دخن: فساد واختلاف] [إعداد لفيف من العلماء]
стр. 580
أسباب وقوع العذاب والبلاء في الدنيا
١ - الفتنة والامتحان:
قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. [سورة العنكبوت، الآيات ١ - ٣]
ويأتي هذا الِإمتحان في شدته على قدر الإِيمان.
عن سعد ﵁ قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال: "أشدُ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
[رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي والطحاوي وابن حبان والحاكم وأحمد بسند صحيح]
عن عبد الله بن يزيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياها". [رواه الطبراني بسند صحيح]
٢ - تكفير الذنوب ورفع الدرجات:
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال:
"ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وصَب، ولا هَم، ولا حزن، ولا أذى، ولا
غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه ". أمتفق عليه،
[النصَب: التعب]. [الوَصَب: المرض].
وكذلك فقد تصيب المؤمن المصيبة فترفع درجته في الآخرة إذا صبر واحتسب.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبلغه إياها". [رواه ابن حبان والحاكم بسند صحيح]
стр. 581
ومن هذا الباب المرض فقد يكفر الله ذنوب عبد بمرض يصيبه.
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إذا اشتكى المؤمن أخلصه من الذنوب كما يُخلص الكير خبث الحديد".
[رواه البخاري في الأدب وابن حبان والطبراني في الأوسط بسند صحيح]
لذلك علمنا رسول الله ﷺ أن ندعو بالطهور للمريض تيَمناً أن يُطهره الله من ذنوبه. إذن فتعجيل العقوبة في الدنيا للعبد الصالح إنما هو من باب الخير لذلك العبد فعليه ألا يقنط أو ينحرف عن الطريق لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى بينما عذاب الدنيا مهما كانت شدته إلا أن أكثره يزول بعد فترة.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". [رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح]
стр. 582
أمثلة ونماذج من عذاب الدنيا
١ - المعاصي تورث الهزائم العسكرية:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. [سورة آل عمران، الآيات ١٥٢ - ١٥٣]
هكذا تصف الآيات كيف كانت رحى المعركة تدور لصالح المؤمنين حتى تنازعوا وعصوا الرسول لأن منهم من كان يريد الدنيا أي الغنائم فكانت النتيجة أنهم مُنوا بالهزيمة كجزاء لهذه المعصية.
وفي غزوة حُنين أصاب الغرور بعض المسلمين لما أعجبتهم كثرتهم وهذه معصية اخرى فلحقت بهم الهزيمة أيضاً ويقول تعالى في وصف هذه الغزوة: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ
عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
[سورة التوبة، آية ٢٥]
يتبين لنا مما سبق بأن نصر الله للمسلمين قد يستبدله بالهزيمة إذا عصَوا وخالفوا أمره، ومما هو جدير بالملاحظة في القصص السابقة أن صفوف المسلمين في ذلك الوقت كانت تضم الرسول ﷺ وخير الأنام على وجه الأرض إلا أن هذا لم يمنع عقاب الله وما فيه من تحذير وتقويم أن يقع، فكيف بصفوف المسلمين اليوم وقد كثر الخبث وأخذ الربا وترك الجهاد وظهرت ألوان لا حصر لها عن الفساد.
стр. 583
التحذير من التمادي في المعصية:
تأتي مصائب الدنيا بمثابة إشارات وتنبيهات من الله تعالى للعبد إلى أنه غارق في معصية ويجب عليه الرجوع قبلِ فوات الأوان كما قال تعالى:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
[سورة السجدة، آية ٢١]
عن أبي بن كعب ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]. قال: "مصائب الدنيا". [رواه مسلم]
وأخبرنا الرسول ﷺ أن بعض الذنوب أجدر بوقوع عذاب الدنيا فقال: "ما من ذنب أجدر أن يُعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يَدخره له في الآخرة، مِن قطيعة الرحم، والخيانة، والكذب، وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا". [رواه الطبراني بسند صحيح من حديث أبي بكرة]
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". [رواه أبو داود بسند صحيح]
(العِينة: أن يبيع الرجل شيثاً من غيره بثمن مؤجل، ويُسلمه للمشتري، ثم يشتريه منه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقداً).
٣ - المعاصي تذهب الخيرات وتزيل النعم:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
[سورة الرعد، آية ١١]
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. [سورة الأنفال، آية ٥٣]
فَالله تعالى لا يزيل نعمته عن قوم ولا يسلبهم إياها إلا إذا بدلوا أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة، وهذه سنن الله الإِجتماعية أنه تعالى لا يبدل ما بقوم من عافية ونعمة، وأمن وعزة إلا إذا ارتكبوا المعاصي كما حدث في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف.
стр. 584
ولابد من الإِشارة إلى أن النجاة من عقوبة الدنيا رغم المعاصي لا تعني رضى الله وغفرانه، كما جاء في الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحب فإنما هو استدراج ثمِ تلا:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
[سورة الأنعام، آية ٤٤] [رواه أحمد والطبراني بسند صحيح من حديث عقبة بن عامر]
وقال بعض السلف: "رُب مستدرَج بنعم الله وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورُب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم".
وبناء على فهم السلف لهذه القواعد كان بعضهم يقول: "إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلُق دابتي وامرأتي".
٤ - الختم على القلوب.
قال بعض السلف: "جزاء الحسنة الحسنة بعدها وجزاء السيئة السيئة بعدها".
وقولهم هذا يعد قاعدة عظيمة يجدر بكل مسلم أن يقف عندها ويتدبرها، ولا شك أن من أعظم الآثار الدنيوية المترتبة على المعاصي هي أن تتعود نفس المخطىء على اجتراحِ السيئات الواحدة تلو الأخرى حتى يصبح لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتَت في قلبه "نكتة سوداء، فإن هو نزع واستقر وتاب صُقِل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو علىِ قلبه، وهو الرّان الذي ذكره الله تعالى:
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين، آية ١٤]
[رَواَه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي بسند حسن]
وقال عبد الله بن المبارك ﵀:
رأيت الذنوب تُميت القلوب .... وقد يورث الذُل إدمانُها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخَير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوء ورُهبانها
стр. 585
وهذا مثال لأحد الذنوب يضربه الرسول ﷺ فيقول: "لَينتَهِيَن أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليَختِمَن الله على قلوبهم، ثم ليكونُّن مِن الغافلين". [رواه أحمد ومسلم]
(ودعهم الجمعات: تركها)
٥ - رد الدعاء:
يحصل العبد المطيع على نعمة عظيمة وهي استجابة الله سبحانه لدعائه إذا سأله أمراً من أمور الدنيا أو الآخرة كما قال رسول الله ﷺ : "إن الله حَيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردها صفراً خائبتين". [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح من حديث سلمان]
وهي نعمة أخرى يُحرمها العاصي فلا يُستجاب لرجائه مهما طال دعاؤه وذلك لقول رسول الله ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه". [رواه الترمذي والحاكم بسند من حديث أيى هريرة]
وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسىِ بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهَوُن عن المنكر أو ليَوشِكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتَدعُنه فلا يستجيب لكم". [رواه أحمد والترمذي بسند حسن]
٦ - الفضيحة:
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشِر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإِيمان في قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تُعيَروهم، ولا تتَبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". [رواه الترمذي بسند صحيح]
٧ - الأمراض والأوبئة:
عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما اختلج عِرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر". [رواه الطبراني في الأوسط والضياء المقدسي بسند صحيح]
(أي لو عاقب الله المذنب بالمرض لما بقي أحد مُعافى ولكنه سبحانه يدفع ويغفر الكثير).
стр. 586
٨ - إتيان الجدل:
عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ضَل قوم بعد هُدىً كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل". [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بسند حسن]
٩ - الخلاف:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما توادَّ اثنان في الله فيُفرَّق بينهما إلا بذنب يُحدثه أحدهما". [رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح]
وقد يظن بعض الناس أن بعض الجزئيات من العبادة أو السنة الواجبة أو
الشكليات كما يسمونها لا تستوجب مثل هذه العقوبة، ولكن تعالوا نتأمل
الأحاديث التالية:
أ - عن أنس ﵁ قال: "أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم مِن وراء ظهري. قال: وكان أحدنا يُلزق، منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه". [رواه البخاري وأحمد]
وهي عند المخلص بلفظ:
"قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يُلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، فلو
ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شموس".
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب إلزاق المنكب، والقدم بالقدم في الصف".
ب - وعن النعمان بن بشير-﵁ قال: "أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثاً، والله لتَقيمُن صفوفكم أو لَيُخالِفن الله بين قلوبكم. قال فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه". [رواه أبو داود وابن حبان وأحمد بسند صحيح]
فهذه عقوبة شديدة يحذرنا الرسول الكريم منها نتيجة لعدم إقامة الصف في الصلاة.
١٠ - الخسف والدمار:
عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في هذه الأُمة خَسفٌ، ومسخ، وقذف، إذا ظهرت القيان والمعازف، وشُربت الخمور". [رواه الترمذي بسند صحيح]
стр. 587
١ - الذكر السيء:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد إلا له صيت في السماء، فإن كان صيته في السماء حسناً، وُضِع في الأرض، وإن كان صيته في السماء سيئاً وُضع في الأرض". [رواه البزار بسند صحيح]
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحب الله عبداً نادي جبريل إني أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [سورة مريم، آية ٩٦]
وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل إني أبغضت فلاناً، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض". [رواه الترمذي بسند صحيح]
١٢ - خسران الدنيا والآخرة:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له". [رواه الترمذي بسند صحيح]
وهكذا يلهث العاصي وراء سراب لا حقيقة له، وتحيط به وحشة المعصية وظلمة القلب ويبتعد عنه أهل الخير وتوسوس له الشياطين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. [سورة الزخرف، آية ٣٦ - ٣٧]
تتشعب بالعصَاة همَوم الدنيا ويتخلى الله عنهم كما قال ﷺ :
"من جعل الهموم هماً واحداً، هَمُّ المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك".
[رواه ابن ماجه بسند حسن من حديث ابن مسعود]
وهؤلاء العصاة يكلهم إلى الناس كما جاء في الحديث:
"من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس". [رواه الترمذي بسند صحيح من حديث عائشة] [وكله: تركه].
стр. 588
١٣ - فقدان بركة الأموال والأعمال:
هناك أمثلة كثيرة من أحاديث المصطفى ﷺ التي تدل على إعانة الله للعبد المطيع ومباركته لأعماله وتخليه سبحانه عن العصاة ومحق البركة من أعمالهم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلَفاً". [متفق عليه]
وعن أسماء ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا توكىء فيوكأ عليك". [رواه البخاري]
(والوكاء هنا هو الإِغلاق وهو كناية عن الشح وعدم الإِنفاق أي لا ينفق الله على البخيل).
وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا المال خَضِر حلو، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارَك له فيه، وكان كالذي جمل ولا يشبع؛ واليد العليا خير من اليد السفلى". [رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي]
١٤ - حديث جامع:
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تُدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلَا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطرَوا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً مِن غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخَيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم". [رواه ابن ماجه والحاكم بسند صحيح]
ولكن هل يصيب عذاب الدنيا العاصي فقط دون غيره من الناس؟
стр. 589
١٥ - العذاب يعم إذا كثر الخبث:
قالت عائشة ﵂: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". [رواه مسلم]
(الخبث: أي الفسق والفجور).
وفي الختام نوصيكم بتقوى الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. [سورة النساء، آية ١٣١]
ونحذركم من المعاصى، قال رسول الله ﷺ : "إياك والمعصية، فإن بالمعصية حلّ سخط الله". [رواه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث معاذ]
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إياك ومُحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً". [رواه الدارمي وابن ماجه وابن حبان وأحمد بسند صحيح]
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنا مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطنَ وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تُهلِكه". [رواه أحمد والطبراني بسند صحيح]
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ارحموا، واغفروا يُغفر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصِرين الذين يُصرون على ما فعلوا وهم يعلمون". [رواه البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد بسند صحيح]
وإن في الأحاديث السابقة دعوة صريحة للعاملين للإِسلام إلى تنقية صفوفهم من المعصية إذا أرادوا التوفيق والنصر إلا أن الكثير منهم غابت عنهم هذه الحقيقة فتفشت فيهم المعاصي مثل: التوسل بالقبور ودعائها، وتأويل صفات الرب جل وعلا، ورد الأحاديث الصحيحة بحجة التقليد، أو عدم قبول حديث الآحاد، والكثير من البدع التي تعسكر في بلاد المسلمين اليوم وتحول بينهم وبين ما يريدون من العزة والنصر وتطبيق شرع الله تعالى على أرضه.
وفي نهاية المطاف لا تنسنا يا أخي من دعائك بظهر الغيب: "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملَك مُوَكل به، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك: آمين ولك بمثل ذلك". [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث أبي الدرداء]
[إعداد لفيف من العلماء]
стр. 590
وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون
* وجوب التوبة وفضلها:
التوبة واجبة على الدوام فإن الإِنسان لا يخلو في معصية ولا يسلم من نقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وقد أمر الله بالتوبة فقال:
﴿وَتُوبُوا إِلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾. [سورة النور، آية ٣١]
وقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة". [رواه مسلم]
فهذا الرسول ﷺ الذي أكرمه الله يقول له:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. [سورة الفتح، آية ٢]
يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة فكيف يكون حال غيره؟
شروط التوبة:
١ - الندم:
التوبة عبارة عن ندم يورث عزماً وقصداً وعلماً بأن المعاصي حائل بين الإِنسان وربه وعلامته طول الحزن، فإن من أخبر بأن عقوبة أو مصيبة ستنزل بولده أو من يعز عليه طال حزنه واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز عليه من نفسه؟ وأي عقوبة ومصيبة أشد من النار؟، وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصي؟ وأي مخبر أصدق من الله ورسوله ﷺ .
٢ - العزم:
على أن لا يعود في المستقبل إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها، وهذا العزم لابد أن يكون مؤكداً في الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة بعد ذلك، لكن لا يكون تائباً حتى يتأكد عزمه في الحال.
стр. 591
٣ - الإقلاع عن المعصية:
فإن المستغفر بلسانه وهو مصر على معصيته كالمستهزىء بدينه، واستغفاره يحتاج إِلى استغفار، فاحذر يا أخي أن تغفل عن معاصيك وأنت تستغفر الله منها، خاصة تلك التي يقع فيها أكثر الناس وهم لا يشعرون: وأخطرها الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره حتى وإن كان فيه ما تقول، والنميمة، والكذب، والشتم، واللعن، وبذاءة اللسان، وإيذاء المسلم بقول أو فعل، وسوء الظن، والحسد، والتباغض، والتحاسد، والتقاطع، والتجسس، واحتقار الناس، والِإفتخار عليهم، والمن بما يعطي، والرياء، وأكل الربا (مثل الفوائد الربوية) والرشوة (أخذاً أو عطاء) والغش في البيوع وغيرها، والخداع، والغدر، والزنا بالعين والأذن واللسان واليد والرجل والفرج، والخلوة بالأجنبية، والتبرج، وسماع الموسيقى، والغناء المحرم، وحلق اللحية، وتغيير خلق الله، وشرب الخمر، والدخان، ونحوه مما يضر، ولبس الذهب والحرير للرجال، وتصوير ما فيه روح سواء برسم أم نحت ونحو ذلك، والتحاكم إلى غير شرع الله ولمن يحكم بالقوانين الوضعية الباطلة، والتشاؤم، وإتيان العرافين وتصديقهم ولو مزاحاً.
فراجع نفسك يا أخي في هذه الأمور وزن نفسك بميزان الإِسلام.
٤ - رد المظالم إلى أهلها إن كان الذنب متعلقاً بمخلوق:
وينبغي للتائب أن يأتي بحسنات تمحو ما عمل من السيئات وتكفرها مثل: حب الله ورسوله وحب المؤمنين ومعاداة من عاداهم، والخوف من الله، والبكاء من خشيته، ورجاء رحمته، والتوكل عليه، والإفتقار والتذلل إليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر على نعمته، والانقياد لحكمه، والحرص على سنة نبيه ﷺ ، والحذر من البدع، والزهد في الدنيا، والقناعة منها بالقليل، والتنافس في أمور الآخرة، ومجاهدة النفس على الطاعة مع دوام المراقبة لله سبحانه، وترك الشبهات، والورع، والتواضع، والحلم، والعفو، والإِعراض عن الجاهلين، والغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والمحافظة على الصلوات الخمس في جماعة في المسجد في أول الوقت خاصة الفجو والعشاء مع الحرص على
стр. 592
الخشوع فيها، وذكر الله في الصباح والمساء وفي كل وقت، وقراءة القرآن وحفظه، والاستغفار، وقيام الليل، وحضور مجالس العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وزيارة القبور، وغض البصر، والحذر من لمس المرأة الأجنبية والحديث معها فيما لا حاجة فيه، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتفكر في خلق السموات والأرض، وقلة الكلام إلا في الخير، وكثرة الصدقة والصوم، واعتزال قرناء السوء، وقراءة كتب العلم الشرعي، والمشاركة في أعمال البر والتقوى.
فحاسب نفسك يا أخي على هذه الطاعات وَلُمْها إذا تركتها.
٥ - المبادرة إلى العمل والحذر من التأخير:
قال النبي ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ". [صحيح رواه أحمد]
- أي لا يغتنمهما ولا يعرف قدرهما إلا بعد زوالهما، وسبب التسويف حب الدنيا والجهل، فالِإنسان إذا أَنِسَ بالدنيا ولذاتها وما يحتاجه فيها من مال وأهل ومسكن صار قلبه عاكفاً على ذلك، فينسى ذكر الموت، ويسوِّف التوبة إذا خطرت له وقال: الأيام بين يديك طويلة إلى أن تكبر، ثم تتوب إلى أن تصير شيخاً، فلا يزال يُسوِّف ويؤخر ويشتغل بشغل بعد شغل إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه ولا يظنه لأن الموت يأتي فجأة ليس له وقت مخصوص من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، ولا مقيد بسن مخصوص بل قد يكون في الشباب أكثر، فتطول عند الموت حسرته وتعظم مصيبته ويندم حين لا ينفع الندم.
فالمبادرة إلى التوية والاستغفار فإنما هي الأنفاس لو حبست عنكم لانقطعت عنكم الأعمال التي تتقربون بها إلى الله :
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. [سورة الزمر، آيتين ١٧ - ١٨]
стр. 593
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [ الأحزاب: ٣٣]
هذه رسالة إلى كل أخت مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر.
إلى كل من رضيت بالله رباً وبالِإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولًا.
إلى كل من استرعاه الله أُماً أو أختاً أو زوجة أو بنتاً وهو سائله عن رعيته يوم القيامة. إلى كل من وعى قول الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [سورة الأحزاب، آية ٣٦]
فالمسلم والمسلمة لا يرون لأنفسهم رأياً ولا حريةَ ولا اختياراً بعد حكم الله ورسوله لأنه لا يثبت للِإنسان الإِسلام إلا مع القبول والإِذعان، وهذا في كل أمور الحياة وليس فيما يسمى بالشعائر فحسب، بل دين الله سبحانه إنما جاء لينظم للناس كل شئونهم في كل زمان ومكان وإليك أختي المسلمة بعض نعم الله عليك حيث خصك بالخطاب في كتابه الكريم وأنزل على نبيه آيات بينات ليحفظك بما فيها من تشريعات ويطهرك من أرجاس الجاهلية التي تردت إليها المرأة والتي يسعى اليوم أعداؤها بل أعداء الِإنسانية جمعاء أن يركسوها فيها مرة أخرى تحت ستار المدنية والعصرية والحرية، وقد غاب عنهم أن المسلمة لا تقبل التحرر من عبوديتها لريها لتقع فريسة لعبودية جنود
إبليس، ولا تغتر بمدنية صارت فيها المرأة سلعة تباع لمن يريد، فاحذري أختي
المسلمة أن تبدلي نعمة الله عليك كفراً: قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة الأحزاب، آية ٣٢، ٣٣]
стр. 594
ينهى الله المؤمنات في هذه الآية الكريمة عن مخاطبة الرجال الأجانب بترقيق الصوت والليونة في القول فيطمع فيها الذي في قلبه مرض الشهوة المحرمة، وذلك سداً لذريعة الفساد، كما قالوا: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء .. ، ثم يبين تعالى وجوب أن يكون موضوع الحديث الكلام الحسن المعروف الذي فيه مصلحة شرعية دون لغوِ الكلام الذي لا فائدة فيه فضلا عما فيه إثارة للشهوة وإيقاظ للفتنة- ومن المنكرات الظاهرة أن نجد الشبان والفتيات وقد وقفوا يتبادلون أطراف الحديث، ويتصافحون ويتلاعبون بدعوى الصداقة البريئة أو الزمالة، أو أنهم مثل الإِخوة، ونحو هذا مما ينافي نص القرآن وروح الشريعة التي سعت دائماً للفصل بين الرجال والنساء حتى في الصلاة حين يقفون بين يدي ربهم أبعد ما يكونون عن الشهوة - وذلك لما للإختلاط من أعظم المفاسد على الجنسين جميعاً فالرجل يميل بطبعه إلى المرأة، والمرأة تميل بفطرتها إلى الرجل، ويحدث عند التقائهما ما لا يقدرون على منعه. وادعاء البراءة والأخوة في هذه الحالة إنما هي من مكر الشيطان ليتدرج بها إلى الفاحشة، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وكم من علاقة محرمة نشأت بسبب الحديث والنظر، ولقد بين الله سبحانه وهو العليم بما فطر عليه عباده حرمة نظر الرجل إلى المرأة وبالعكس، فقال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. [سورة النور، آية ٣١]
وقال النبي ﷺ : "العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الإستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش". [رواه مسلم]
وقال ﷺ لمن سأل عن نظر الفجأة: "اصرف بصرك". [رواه مسلم]
وقال ﷺ : "لأنْ يُطعَن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". [صحيح رواه الطبراني]
وهذا يدل على حرمة لمس المرأة الأجنبية ومصافحتها، وإذا كان النبي ﷺ لم يأمن الفتنة على صحابي جليل هو ابن عمه الفضل بن العباس ﵄ وعلى صحابية جليلة هي المرأة الخثعمية التي سألته عن الحج عن أبيها ولوى عنق الفضل حتى لا ينظر إليها وقال: "رأيت شاباً وشابة فلم آمن عليهما الفتنة". [كما في البخاري]
стр. 595
فهل تأمنون أنتم يا شباب على أنفسكم من هذه الفتنة؟ فاتقوا الله ولا تخدعوا أنفسكم.
واعلمي أختي المسلمة أن التبرج الذي نهاك الله عنه في القرآن هو إبداء المرأة زينتها لغير زوجها ومحارمها المنصوص عليهم في القرآن وهم الأب والابن وأبو الزوج وابنه وابن الأخ وابن الأخت وكذا العم والخال والنساء المؤمنات لا الكافرات والرجال الذين لا رغبة لهم في النساء لكبر السن مثلًا؟ والأطفال الذين لا يميزون عورات النساء - وقد كانت المرأة في الجاهلية لا تشد خمارها (غطاء رأسها) فيبدو بعض شعرها وأذنها وعنقها فحذر الله المؤمنات من ذلك فقال:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب, آية ٣٣]
فكيف حالنا اليوم وقد تردت كثير من النساء إلى أجهل من الجاهلية الأولى. وقد اتفق العلماء في كل عصر على أنه لا يجوز للمرأة المسلمة البالغة أن تكشف ما زاد على الوجه والكفين بل المشروع سترهم - خاصة عند كثرة الفساق وخوف الفتنة وِذلك امتثالًا لأمره تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. [الأحزاب: ٥٩]
والجلباب هو ما يغطي البدن كله. واقتداءً بأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين حيث كن يغطين وجوههن بالإجماع.
وتنبهي أختي المسلمة إلى أن غطاء الرأس لابد أن يكون سابغًا على الصدر والعنق لقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
ولا يجوز أن تلبس المرأةَ الثياب الضيقة ولا الشفافة (كالجوارب الشفافة). لقوله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما" الحديث، وفيه "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت (الِإبل) لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها". [رواه مسلم]
والكاسية العارية هي التي تستر بعض جسمها وتعري البعض، أو تستره بما لا يستر كالملابس الضيقة والشفافة، وهذا الحديث من معجزات النبوة حيث وقع كما أخبر ﷺ ، ولا يجوز أيضًا أن تتشبه المسلمة بالكافرات كمن تتبع (الموضة) لقوله ﷺ : "ومن تشبه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
стр. 596
ويحرم أن تخرج المرأة متعطرة، قال ﷺ :
"المرأة إذا استعطرت فمرت بقوم ليَجدوا ريحها فهي زانية". [حسن رواه أبو داود]
ولا يجوز أن يكون الثوب زينة في نفسه ولا ثوب شهرة يلفت الأنظار لمنافاة ذلك لقصود التستر - ويجب علينا أن ننبه هنا على حُرمة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية من غير ذي محرم معها لقوله ﷺ : "لا يخلُون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". [رواه البخاري]
وكذا حرمة سفر المرأة بلا محرم لقوله ﷺ :
"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم". [متفق عليه]
وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. [إعداد لفيف من العلماء]
انتهت المواضيع التي وجدتها على أوراق كتب عليها: [إعداد لفيف من العلماء]
стр. 597
حجاب المرأة المسلمة
أ - يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. [الأحزاب: ٥٩]
ب - وتحدث القرآن عن غطاء رأس المرأة بصيغة الأمر فقال:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. [النور: ٣١]
وقد نهى عن التبرج بشتى صوره فقال:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]
وذلك أن نساء الجاهلية كن يلبسن غطاء الرأس ويضربنه على ظهورهن، فتظهر أعناقهن ونحورهن وآذانهن بالحلي والأقراط، فنهى الله ﷻ عن ذلك، وأمر المؤمنات بسترها.
من هذه الآيات ومن غيرها يتبين حجاب المرأة المسلمة ويتحقق بما يلي:
١ - استيعاب الحجاب لجميع البدن حتى الوجه.
٢ - أن لا يكون الحجاب ضيقًا بحيث يصف ما تحته، من سِمن، وظهور ثدي.
٣ - أن لا يشِفَّ أو يصف ما تحته؛ لأنه رقيق أو شفاف.
٤ - أن لا يشبه ملابس الرجال للنهي الوارد في الحديث.
٥ - أن لا يكون زاهيًا أو مشجرًا أو ملونًا، أو بشكل يجذب الأنظار ويجلب الانتباه أو للشهرة.
٦ - أن لا يشبه ملابس الكافرات فمن تشبه بقوم فهو منهم.
стр. 598
عادات وتقاليد يجب تركها
لقد أصبح كثير من المسلمين يقلدون الكفرة في أزيائهم وعاداتهم باعتبارها على حد زعمهم حضارة وتقدمًا، وظنوا أنهم مثلهم في القوة إذا تشبهوا بهم في أزيائهم.
ولو رجع المسلمون إلى دينهم، وطبقوا تعاليمه لوجدوا فيه الحضارة والتقدم والقوة والسعادة في الدنيا والآخرة.
ويوم ترك المسلمون تعاليم الإِسلام وآدابه، وتشبهوا بالكفرة أصابهم الله بالذل والتفرق جزاء وفاقًا.
ولو أن المسلمين قاموا بالاختراعات المفيدة وقلدوا الكفرة فيها لكان خيرًا من التشبه بهم في العادات التي تضرهم ولا تنفعهم.
فهذا رسول الله ﷺ ينهى المسلمين عن التشبه بالكفرة قائلًا: "من تشبه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
وفي غزوة الخندق يستشير أصحابه في مواجهة الأحزاب المهاجمين على المدينة، فيشير عليه الصحابي الجليل (سلمان الفارسي) أن يحفر الخندق ليمنع المشركين من دخول المدينة -كما كان يفعله الفرس- فيأخذ الرسول ﷺ برأيه، ويشارك أصحابه في حفر الخندق؛ لأنه يفيد المسلمين في حمايتهم من عدوهم.
أما التشبه بالكفرة في عاداتهم وتقاليدهم الضارة، فتعود على المسلمين بالخسارة المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية.
стр. 599
بدع المواسم والأعياد
لقد ظهرت احتفالات في المواسم، وأطلقوا عليها أعيادًا، ولم تكن موجودة في زمن الرسول ﷺ ، وصحابته، والتابعين، والسلف الصالح، وهي من البدع المحدثة في الدين؛ لأنها ليس لها أصل في الكتاب والسنة، وأهمها:
١ - بدعة الإحتفال بعيد المولد النبوي: فلم يثبت عن الرسول ﷺ وصحابته هذا الإحتفال السنوي، ولا سيما ما ابتدع فيه من إقامة السرادقات، ونحر الذبائح، واختلاط الرجال بالنساء، وغير ذلك من الاستغاثات بغير الله، مما يتبرأ منه الرسول ﷺ ، والمطلوب من المسلم الإتباع لا الإبتداع، فمحبة الرسول ﷺ تكون بطاعته والصلاة عليه، وصيام الإثنين لأنه يوم مولده، فقد سئل الرسول ﷺ عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: "ذاك يوم وُلدتُ فيه". [رواه مسلم]
٢ - الإحتفال بليلة النصف من شعبان، وليلة الإِسراء والمعراج، وعيد رأس السنة الهجرية والميلادية، وعيد ميلاد المسيح، وغيرها من الأعياد التي ينكرها الإِسلام.
٣ - ذكر الدكتور (ناصر بن عبد الكريم العقل) في مقدمة تحقيق كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ما نصه: "فقد تبين أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين: هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وأن الرسول ﷺ نهى عن اتخاذ الأعياد سواء كانت أعيادًا جديدة أو أعيادًا قديمة تحيا.
كما بين أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية التي لا يجوز الإبتداع فيها، ولا الزيادة ولا النقص، فلا يجوز إحداث أعياد غير ما شرعه الله ورسوله. إذا فعل المسلمون القليل من الأعياد المبتدعة، فسيؤدي إلى فعل المكثير؛ لأن هذا أمر لا ضابط له إلا الشرع، ومن ثم تكثر الأعياد وتشغل المسلمين عن عبادتهم وأمور معاشهم ومصالحهم، وهذا ما حدث فعلًا الآن، فكل بلد من بلاد المسلمين له أعياد واحتفالات: فعيد لميلاد الرسول ﷺ ، وآخر لميلاد الرئيس، وثالث للوطن، ورابع للإستقلال، وخامس للإعتلاء، وسادس للمرأة، وسابع
стр. 600
للطفل، وثامن للأم، وتاسع للربيع، وعاشر للنصر. . الخ مما لا يحصى من الأعياد التي أولها قطر وآخرها طوفان.
ويضاف إلى ذلك ما تستنزفه هذه الأعياد من الأموال والجهود والطاقات والأوقات التي تضيع هدرًا على المسلمين في سبيل الشيطان، وتشغلهم عن ذكر الله والصلاة وعن كثير من الفروض والواجبات، كما أنها مفتاح اللهو والعبث والمجون والإنحلال في حياة الفرد والمجتمع".