ويحرم أن تخرج المرأة متعطرة، قال ﷺ :
"المرأة إذا استعطرت فمرت بقوم ليَجدوا ريحها فهي زانية". [حسن رواه أبو داود]
ولا يجوز أن يكون الثوب زينة في نفسه ولا ثوب شهرة يلفت الأنظار لمنافاة ذلك لقصود التستر - ويجب علينا أن ننبه هنا على حُرمة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية من غير ذي محرم معها لقوله ﷺ : "لا يخلُون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". [رواه البخاري]
وكذا حرمة سفر المرأة بلا محرم لقوله ﷺ :
"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم". [متفق عليه]
وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. [إعداد لفيف من العلماء]
انتهت المواضيع التي وجدتها على أوراق كتب عليها: [إعداد لفيف من العلماء]
стр. 597
حجاب المرأة المسلمة
أ - يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. [الأحزاب: ٥٩]
ب - وتحدث القرآن عن غطاء رأس المرأة بصيغة الأمر فقال:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. [النور: ٣١]
وقد نهى عن التبرج بشتى صوره فقال:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]
وذلك أن نساء الجاهلية كن يلبسن غطاء الرأس ويضربنه على ظهورهن، فتظهر أعناقهن ونحورهن وآذانهن بالحلي والأقراط، فنهى الله ﷻ عن ذلك، وأمر المؤمنات بسترها.
من هذه الآيات ومن غيرها يتبين حجاب المرأة المسلمة ويتحقق بما يلي:
١ - استيعاب الحجاب لجميع البدن حتى الوجه.
٢ - أن لا يكون الحجاب ضيقًا بحيث يصف ما تحته، من سِمن، وظهور ثدي.
٣ - أن لا يشِفَّ أو يصف ما تحته؛ لأنه رقيق أو شفاف.
٤ - أن لا يشبه ملابس الرجال للنهي الوارد في الحديث.
٥ - أن لا يكون زاهيًا أو مشجرًا أو ملونًا، أو بشكل يجذب الأنظار ويجلب الانتباه أو للشهرة.
٦ - أن لا يشبه ملابس الكافرات فمن تشبه بقوم فهو منهم.
стр. 598
عادات وتقاليد يجب تركها
لقد أصبح كثير من المسلمين يقلدون الكفرة في أزيائهم وعاداتهم باعتبارها على حد زعمهم حضارة وتقدمًا، وظنوا أنهم مثلهم في القوة إذا تشبهوا بهم في أزيائهم.
ولو رجع المسلمون إلى دينهم، وطبقوا تعاليمه لوجدوا فيه الحضارة والتقدم والقوة والسعادة في الدنيا والآخرة.
ويوم ترك المسلمون تعاليم الإِسلام وآدابه، وتشبهوا بالكفرة أصابهم الله بالذل والتفرق جزاء وفاقًا.
ولو أن المسلمين قاموا بالاختراعات المفيدة وقلدوا الكفرة فيها لكان خيرًا من التشبه بهم في العادات التي تضرهم ولا تنفعهم.
فهذا رسول الله ﷺ ينهى المسلمين عن التشبه بالكفرة قائلًا: "من تشبه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
وفي غزوة الخندق يستشير أصحابه في مواجهة الأحزاب المهاجمين على المدينة، فيشير عليه الصحابي الجليل (سلمان الفارسي) أن يحفر الخندق ليمنع المشركين من دخول المدينة -كما كان يفعله الفرس- فيأخذ الرسول ﷺ برأيه، ويشارك أصحابه في حفر الخندق؛ لأنه يفيد المسلمين في حمايتهم من عدوهم.
أما التشبه بالكفرة في عاداتهم وتقاليدهم الضارة، فتعود على المسلمين بالخسارة المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية.
стр. 599
بدع المواسم والأعياد
لقد ظهرت احتفالات في المواسم، وأطلقوا عليها أعيادًا، ولم تكن موجودة في زمن الرسول ﷺ ، وصحابته، والتابعين، والسلف الصالح، وهي من البدع المحدثة في الدين؛ لأنها ليس لها أصل في الكتاب والسنة، وأهمها:
١ - بدعة الإحتفال بعيد المولد النبوي: فلم يثبت عن الرسول ﷺ وصحابته هذا الإحتفال السنوي، ولا سيما ما ابتدع فيه من إقامة السرادقات، ونحر الذبائح، واختلاط الرجال بالنساء، وغير ذلك من الاستغاثات بغير الله، مما يتبرأ منه الرسول ﷺ ، والمطلوب من المسلم الإتباع لا الإبتداع، فمحبة الرسول ﷺ تكون بطاعته والصلاة عليه، وصيام الإثنين لأنه يوم مولده، فقد سئل الرسول ﷺ عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: "ذاك يوم وُلدتُ فيه". [رواه مسلم]
٢ - الإحتفال بليلة النصف من شعبان، وليلة الإِسراء والمعراج، وعيد رأس السنة الهجرية والميلادية، وعيد ميلاد المسيح، وغيرها من الأعياد التي ينكرها الإِسلام.
٣ - ذكر الدكتور (ناصر بن عبد الكريم العقل) في مقدمة تحقيق كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ما نصه: "فقد تبين أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين: هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وأن الرسول ﷺ نهى عن اتخاذ الأعياد سواء كانت أعيادًا جديدة أو أعيادًا قديمة تحيا.
كما بين أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية التي لا يجوز الإبتداع فيها، ولا الزيادة ولا النقص، فلا يجوز إحداث أعياد غير ما شرعه الله ورسوله. إذا فعل المسلمون القليل من الأعياد المبتدعة، فسيؤدي إلى فعل المكثير؛ لأن هذا أمر لا ضابط له إلا الشرع، ومن ثم تكثر الأعياد وتشغل المسلمين عن عبادتهم وأمور معاشهم ومصالحهم، وهذا ما حدث فعلًا الآن، فكل بلد من بلاد المسلمين له أعياد واحتفالات: فعيد لميلاد الرسول ﷺ ، وآخر لميلاد الرئيس، وثالث للوطن، ورابع للإستقلال، وخامس للإعتلاء، وسادس للمرأة، وسابع
стр. 600
للطفل، وثامن للأم، وتاسع للربيع، وعاشر للنصر. . الخ مما لا يحصى من الأعياد التي أولها قطر وآخرها طوفان.
ويضاف إلى ذلك ما تستنزفه هذه الأعياد من الأموال والجهود والطاقات والأوقات التي تضيع هدرًا على المسلمين في سبيل الشيطان، وتشغلهم عن ذكر الله والصلاة وعن كثير من الفروض والواجبات، كما أنها مفتاح اللهو والعبث والمجون والإنحلال في حياة الفرد والمجتمع".
стр. 601
منكرات منتشرة في البيوت
١ - سائق السيارة في البيوت: اعتادت الزوجة والبنات التساهل في الحجاب أمام السائق، وهو أجنبي طبعًا مسلمًا كان أو غير مسلم؛ لأنه أصبح في نظر البعض أن السائق وهو رجل، ليس كالرجال الآخرين حسب رأي بعض الرجال أو النساء، فهو يدخل البيت بلا إذن، والنساء أمامه بلا حجاب ويركبن السيارة معه للجامعة أو للنزهة أو غيرها، ولا تسأل عما يجري بين السائق والنساء من مزاح وضحك قد يؤدي إلى الفاحشة والعياذ بالله.
ومثل السائق الخدم من الرجال والنساء، فليحذر المسلم العاقبة الوخيمة، وهو مسؤول أمام الله عن سائقه وخادمه وخادمته وليحذر دخولها على الرجال.
٢ - الفديو، والتلفزيون، والمسجل، والراديو: سلاح ذو حدين فإن كان ما نسمعه ونراه فيه فائدة لتعليم الدين والأخلاق والعلم النافع فلا بأس، وإن كان الذي نسمعه أو نراه فيه الموسيقى، والرقص، والخلاعة، والغناء الفاسد، و. . . .، فهذا رأس البلاء، وقَلَّ من يتحكم في الفديو والتلفزيون وغيرهما، لذا كان الخير في اجتنابهما.
وإني أنصح كل مسلم أن يفتح إذاعة القرآن الكريم السعودية، فإن فيها القرآن الكريم وتفسيره، والأحاديث النبوية والمحاضرات القيمة والأخبار. . وكذا المسجل فاستمع منه إلى أشرطة القرآن ودروس الدين.
٣ - الإختلاط: إن بعض المسلمين يتساهلون في الجلوس مع أقاربهم رجالًا ونساءً بلا حجاب، بحجة أنهم أقارب، ولم يعلموا أن ابن العم والعمة وابن الخال والخالة حتى الأخ لا يحل له الجلوس والنظر إلى زوجة أخيه، فقد قال ﷺ : "إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ فقال: الحمو: الموت". [متفق عيه] [الحمو: قريب الزوج]
стр. 602
٤ - الصور: بعض المسلمين يضعون في بيوتهم صورة له، أو لزوجته وأولاده وبناته، فإذا كانت الصورة للرجل لا يجوز تعليقها وصنعها، فكيف بالنساء؟
والتماثيل أشد حرمة من التصاوير، فقد قال ﷺ :
"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو صورة". [صحيح رواه أحمد]
٥ - عيد الميلاد: اعتاد بعض المسلمين أن يقيموا حفلة عيد الميلاد لهم ولأزواجهم وأولادهم، ويعملون الحلاوة، ويشعلون الشمع، ثم يطفئون الشمع على عدد سنين العمر، وهذا العمل تشبه بالنصارى حذر منه ومن غيره الرسول ﷺ حين قال: "لتتبعُن سُنن من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضَبِ لتبعتموهم" قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟ ". [أي هم اليهود والنصارى]. [متفق عليه]
٦ - السفر: بعض الناس يسافر بعائلاتهم في إجازة الصيف إلى أوربا، وسويسرا، وفرنسا وغيرها لمجرد النزهة، وربما دخلوا بعائلاتهم وبناتهم إلى أماكن اللهو والفساد، ويكون الرجل سببًا في وقوعهم في الفساد الأخلاقي أو غير ذلك.
стр. 603
منكرات الأزياء والزينة
١ - الأزياء: تذهب المرأة إلى الخياط لتفصيل (الفستان) فيأخذ طولها وعرضها، وعدة مواقع من جسمها، ويطلع على المفاتن التي لا تحل إلا لزوجها، ولماذا لا تذهب إلى الخياطة المسلمة لتفصيل الفستان؟ إن المسؤول الأول زوجها وأبوها وأخوها. لقوله ﷺ : "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". [متفق عليه]
٢ - الكوفيرا: صالون التجميل كما يسمى الآن، وفي هذا يدخل تحويل الشعر إلى أنواع: تسريحة فرنسية، وأمريكية، أو هوليود، إلى أنواع متنوعة. وقد أخبر الرسول: عن هؤلاء فقال: "صنفان من أهل النار لم أرهما. . . . ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يجدن ريح الجنة. .". [رواه مسلم]
(البخت: الإبل).
٣ - المناكير: ما يوضع من ألوان مختلفة على الأظافر تمنع وصول الماء إلى ما تحتها ولا يصح الوضوء بعد استعمالها، والذين يستعملون المناكير يطيلون أظافرهم فتدخل فيها الأوساخ، بالِإضافة إلى سوء منظرها، ومخالفتها للفطرة التي قال الرسول ﷺ : "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر. . . الحديث". [متفق عليه]
ولم يخرج البخاري إلا حديث خمس من الفطرة.
٤ - نتف الحواجب والخدود: اعتادت النساء أن ينتفن الحواجب أو الوجه لتظهر رقيقة، وفي هذا تشويه لخلق الله بالِإضافة إلى منظرها البشع، وقد قال فيهن ﷺ : "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله". [متفق عليه]
(الوشم: خرز الجلد بحديدة لوضع مادة فيه للتجميل، وهو معروف عند العرب).
стр. 604
(النامصة: التي تأخذ شعر الوجه أو الحاجب بالمنقاش).
(المتفلجات: يأخذن من أطراف الأسنان).
فإذا كان هذا التغيير لخلق الله حرام للنساء، فالرجال من باب أولى.
стр. 605
بدع الخطبة والزواج
١ - الشبكة للعروسة: ما يسمى بالملكة، وبدخل الزوج قبل العقد ليلبسها الخاتم، وهي مأخوذة عن النصارى والكفرة الذين لا يجدون حرَجًا في مس المرأة والدخول على النساء، والِإسلام لا يقر هذا.
٢ - الدبلة للعريس: ما يلبسه الرجل في أصابع اليد اليسرى، وهي بدعة أيضًا فيها تقليد للنصارى والكفرة، وأما إذا كان الخاتم للرجل من ذهب فهو حرام من الكبائر.
رأى رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، فقال:
"يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده؟! "، فقيلِ للرجل بعدما ذهب الرسول: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ . [رواه مسلم]
٣ - حفلات الزواج تقام في الفنادق: ويطوف موظفو الفندق من الرجال على النساء بالعصير والضيافة، وقد يتم تصوير اجتماع النساء بكاميرات الفديو للزفاف وحفلة النساء والزفة بواسطة الرجال، وربما أخذوا هذه الأفلام وعرضوها في البيوت، ويطلع عليها كثير من الأجانب ليشاهدوا النساء والزفاف والعروسة، وقد يصورون العروسة مع زوجها ليضعوها في البيوت ويشاهدها الضيوف، وهذا كله منكر لا يرضاه الإِسلام، وفيه تقليد لغير المسلمين.
والطعام الذي يقدم في الأعراس يبقى منه الكثير، ويُلقى في الزبالة، وهو من نعم الله، وكان الواجب أن يوزع على الفقراء والجائعين.
وبعد الإنتهاء من العرس في قصر الأفراح، تخرج النساء والبنات فلا يجدن المحرم من الرجال، فيذهبن مع الشباب الأجانب، وهُن في زينتهن، وهذه فتنة كبيرة، وفي الحديث: "ما تركتُ بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء". [متفق عليه]
٤ - شهر العسل: وهو سفر الزوجين لبعض البلاد، وقد يكون لبلد الكفر كفرنسا وغيرها وهناك الفتن وقلة الحياء، وبهذه الفتنة تبدأ الحياة الزوجية، وقد تنتهي بالطلاق.
стр. 606
بدع البناء في البيوت والمساجد
١ - إن كثيرًا من المسلمين يبنون القصور والمساكن، وُيسرفون في بنائها، ويوسعونها زيادة على حاجتهم، كما أنهم يسرفون في الحدائق وعمل المسابح بالِإضافة إلى الإِسراف في الفرش بأغلى التكاليف، ولا سيما الستائر للجدران لأن هذا منهي عنه في الحديث.
ولو اتبع المسلم طريق الهدى والإعتدال في مسكنه ومأكله وحياته، ولم يُسرف؛ لأن الله لا يحب المسرفين، لكان هذا خيرًا له في دنياه وآخرته. فلو اقتصر على اللازم في حدود المعقول، ووجَّه بقية المبلغ في أوجه الخير والِإحسان، وصرفه على الفقراء والمحتاجين من الشعوب التي تعاني الجوع والمرض والجهل وقلة السكن كما حدث في أفريقيا كالصومال والحبشة والسودان وغيرها من بلاد المسلمين، وهناك المجاهدون الأفغان لهم الحق على الأغنياء أن يقدموا لهم المساعدة ليتخلصوا من الكفرة الشيوعيين.
٢ - نرى كثيرًا من المسلمين يبنون المساجد، ويصرفون عليها مصاريف ليست ضرورية كالزخرفة والديكور من الداخل والخارج وتعداد المآذن وغيرها من البدع التي ينكرها الإِسلام، وفيها تشبه بالكنائس، وحدثني زميل لي وهو مدرس بأنه دخل مسجدًا فخمًا فيه زخرفة ونقوش متنوعة، فلم يشعر أنه في مسجد، ولم يخشع في صلاته.
علمًا بأن الإسلام ينهى عن الإِسراف، ولا سيما إذا كان فيه تشبه بغير المسلمين، والواجب على الذين يبنون المساجد أن يقتصدوا في بناء المسجد على الشيء الضروري، ويصرفون المبلغ الزائد على بناء مدرسة لتعليم القرآن وغيره أو بناء مساجد في بعض الدول الإِسلامية الفقيرة، أو بناء سكن للفقراء، وغيرها من أعمال الخير والإحسان.
٣ - على المسلمين أن يتذكروا دائمًا قول الله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦، ٢٧]
стр. 607
منكرات التشبه بغير المسلمين
١ - بعض المسلمين لا يلتزمُ بالتحية الإِسلامية وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ويقول بدلاً منها: صباح الخير، مساء الخير، مرحبًا، عالعافية، وغيرها من الكلمات التي يستعملها غير المسلمين، فيتشبهون بهم، ويحرمون أنفسهم من أجر وثواب السلام الشرعي، وهو ثلاثون حسنة كما ورد في الحديث الصحيح.
٢ - إن بعض المسلمين إذا قلت له: السلام عليكم ورحمة الله، أجابك قائلًا: مرحبًا، هلا، أهلًا، وغير ذلك من الأجوبة المخالفة لقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. [النساء: ٨٦]
٣ - إذا فتحت هاتفًا لأحد، فسرعان ما يجيبك (ألو) ومعناها في الإِنجليزي (مرحبًا) فهذه الكلمة فيها خطئان: خطأ تقليد الكفرة، وخطأ ترك السلام واستبداله بمرحبًا، وكثير من الناس يقولون (تليفون) أو يكتبون اختصارًا (ت) واللفظ العربي (هاتف) أو (ها) اختصارًا.
٤ - بعض المسلمين يُعلمون أولادهم أن يقولوا عند الوداع: (باي، باي) وهي كلمات أجنبية لينشأ الولد على حب تقليد الكفرة، وكان الواجب على الآباء أن يعلموهم لفظ التحية الوارد في القرآن والسنة وهو: السلام عليكم. . .
٥ - بعض المسلمين يُعلمون بناتهم أن يصافحوا الرجال، حتى إذا كبرت تعودتها، وهي عادة الكفرة، وهي محرمة في الإِسلام؛ لأن الرسول ﷺ قال:
"إني لا أصافح النساء". [صحيح رواه الترمذي]
وقال ﷺ : "لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يَمَسَّ امرأة لا تحل له". [صحيح رواه الطبراني]
والمحرم: هو مصافحة المرأة لمن يحل له زواجها من الرجال كابن العم والخال والخالة وغيرهم.
٦ - بعض المسلمين يقول: سأفعل كذا وكذا، ولا يقول إن شاء الله، ألم يسمعوا قول الله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. [الكهف: ٢٣، ٢٤]
стр. 608
٧ - يقول بعض الناس: سأزورك غدًا يا صديقي، فيقول له: وعد إنكليزي، فيرُد عليه (أوكي) يعني وعدًا مؤكدًا.
هذا التعبير فيه أخطاء:
أ - لقد استهان المسلمون بوعودهم ولم يفوا بها، مخالفين تعاليم دينهم: فالله يأمرهم بالوفاء بالوعد قائلًا: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. [الإسراء: ٣٤]
والرسول ﷺ يقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان". [متفق عليه]
ولذلك لم يقولوا (وعد مسلم) لأنه تعود خلف الوعد، فعدلوا عنه إلى (وعد إنكليزي) يُعني لا يتخلف، وكلمة (أوكي) زيادة في التأكيد، أليس هذا عارًا على المسلمين الذين يسيئون بخلف وعدهم إلى أنفسهم ودينهم حتى أصبحوا مضرب المثل، ولذلك قال أحد الدعاة الذين عاشروا المسلمين في بلادهم، والكفرة في وطنهم: يوجد في بلاد المسلمين مسلمون بلا إسلام، وفي بلاد الكفر توجد أخلاق الإِسلام، ولا يوجد مسلمون! بمعنى أن الكفار يطبقون شيئًا أمر به الإِسلام وهو الوفاء بالوعد، والمسلمون لا يطبقون تعاليم دينهم فيخلفون الوعد.
ب - إستعمال كلمة (وعد انكليزي، أوكي) ينبغي استبدالها بكلمات عربية فتقول: (وعد مسلم لا يخلف وعده، وعد مؤكد)، وأن نطبق الفعل، والقول.
٨ - بعض المسلمين يقول لك: أزورك بعد العصر، فتنتظره طويلًا ولا يأتي إلا قبل المغرب، ويلحق الضرر بأخيه الذي فوَّت عليه مصالحه بانتظاره طويلًا. إن بعض التجار يريدون الدعاية والترويج لبضائعهم، فيكتب على متجره أسماء أجنبية مثل: هولدن، أو أزياء باريس، أو سيدتي الجميلة، سيدتي الأنيقة، ولا يرضى اسمًا عربيًا من الأسماء التي لها دلالة على تاريخنا الإِسلامي مثل: تبوك، اليرموك وغيرها. .
وبعض التجار يريد إغراء المشتري فيقول له: حاجة مودرن، أو آخر ما أنتجته أمريكا وأوربا، أو آخر صيحة في عالم الأزياء، أو عالم كذا وكذا، وقد يكذب.
стр. 609
٩ - إن بعض المسلمين إذا رزق بصبي أو بنت راح يبحث عن اسم غريب مثل: سوسن، وسوزان، وسوسو، عبير، هويدا، كيتي، ناهد، ولو نصحته أن يختار اسمًا لولده مثل: محمد، أحمد، عمر، عبد الله، عبد الرحمن، أو لبنته مثل: حسانة، سمية، خديجة، عائشة، حليمة، لقال لك إنها أسماء قديمة أنا أرغب في أسماء مودرن (جديدة).
ولم يعلم هذا الأب المسلم أن الرسول ﷺ يقول:
"خير أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن، والحارث".
[صحيح رواه الطبراني صحيح الجامع ٣٢٦٩]
وأن اسم (سمية) أول شهيدة في الإِسلام، واسم (رُفيدة) كانت تضمد الجرحى. أليس من العار أن نترك أسماء الرسول ﷺ والصحابة والصحابيات، ثم نسمي بأسماء المغنيات والفنانات، وهن الفاسقات؟ ثم لا ترى من اليهود والنصارى والكفرة من يُسمي بأسماء الصحابة والصحابيات أو المسلمات!!
١٠ - كثير من الناس يقولون عن الجسر وهو اسم عربي، يقولون: كوبري (غير عربي)، نحن مسلمون وقرآننا عربي، فعلينا أن نتكلم العربية ونفخر بها، لا أن نقلد الأعاجم.
١١ - اعتاد كثير من المسلمين حتى في البلاد العربية أن يكتبوا التاريخ بالميلادي بدلاً من التاريخ الهجري في السنة والأشهر، وهذا خطأ كبير، فإن الكفرة والنصارى يؤرخون بميلاد عيسى، ثم تبعهم المسلمون، وتركوا تاريخ هجرة نبيهم محمد ﷺ التي ترمز لعزهم ونصرهم، فعلى المسلمين أن يؤرخوا بالهجري وإذا احتاجوا إلى الميلادي، فليجعلوه بعد الهجري.
١٢ - ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم فقال: الوجه الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي يتميزون بها [١/ ٤٦٣].
стр. 610
مشروعية التكني وعدم التشبه بالأعاجم
قال رسول الله ﷺ لعائشة: "اكتني أنت أم عبد الله".
[صحيح رواه أحمد انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة]
١ - سبب الحديث: أن عائشة قالت للنبي ﷺ : يا رسول الله كل نسائك لها كُنية غيري، فقال لها رسول الله ﷺ : فذكره.
قال: "فكان يقال لها أم عبد الله حتى ماتت ولم تلد قط".
٢ - يستفاد من الحديث: مشروعية التكني ولو لم يكن له ولد، (والصبي والبنت سواء)، وهذا أدب إسلامي ليس له نظير عند الأمم الأخرى فيما أعلم.
فعلى المسلمين جميعًا أن يتمسكوا به رجالًا ونساءً، ويتركوا ما تسرب إليهم من عادات الأعاجم مثل: (البيك) و (الأفندي) و (الباشا) ونحو ذلك (المسيو) أو (السيد) و (السيدة) و (الآنسة) إذ كل ذلك دخيل على الإِسلام، وقد نص فقهاء الحنفية على كراهة (الأفندي) لما فيه من التزكية كما في حاشية ابن عابدين.
أقول: ومثله: (الشنته) فهي تركية، ولفظها العربي: (محفظة) أو (حقيبة). أما السيد فإنما يطلق على من كان له نوع ولاية ورياسة، وفي ذلك جاء في الحديث: "قوموا إلى سيدكم". [رواه البخاري]
ولا يطلق على كل أحد؛ لأنه من باب تزكية النفس:
وفي الحديث: "لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم ". [صحيح رواه أحمد]
[انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني]
стр. 611
(من تشبه بقوم فهو منهم)
يحذرنا الرسول الكريم في هذا الحديث الصحيح من التشبه بالكفار فيما يخالف تعاليم الإِسلام، حتى لا نكون منهم، ولا نحشر معهم يوم القيامة، ويَحضنا هذا الحديث على التشبه بالمؤمنين والصالحين في أخلاقهم وزيهم وعقيدتهم، حتى نكون منهم، ونُحشر معهم، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. [النساء: ٦٩]
إن المسلمين اليوم تركوا أمور دينهم، وتركوا الزيَّ الإِسلامي المخصص لهم والذي يميزهم عن غيرهم من اليهود والنصارى، وراحوا يتشبهون بأعدائهم فيما يضرهم، ويفسد أخلاقهم، وتركوا تقليد الأجانب فيما ينفعهم من الإختراعات الحديثة كالطائرات والمدافع، وغيرها مما يفيدهم في الدفاع عن دينهم ومقدساتهم، وحق عليهم قول الشاعر:
قلَّدوا الغربي، لكن بالفجور ... وعن اللُّب استعاروا بالقشور
أهم التقاليد الأجنبية التي عمت الرجال والنساء:
١ - السفور: لقد تركت المرأة المسلمة الحجاب الذي فرضه الله عليها، ليحفظ شرفها، وراحت تتشبه بالمرأة اليهودية والنصرانية، فأفسدت أخلاق الشباب، عندما كشفت وجهها ونحرها وذراعها، وشعرها، وأصبحت رخيصة في الأسواق.
٢ - لباس البنطال: الكثير من شباب المسلمين اليوم يلبسون البنطال الضيق الذي يُجسم عورتهم الأمامية والخلفية، ويحكي حجم أفخاذهم، مقلِّدين الكفار، ولا أدل على ذلك من تسميته بأسماء أجنبية (شلستو، كوبوي) وقد لبسه النساء أيضًا، ليُسهلوا عملية الاختلاط بالرجال في خطة يهودية خبيثة، فكثيرًا ما يصعب عليك أن تفرق بين الرجل والمرأة، وقد سئل رجل عالم عن لبس البنطال الضيق فقال: يحرم لبسه في الصلاة وخارجها، وإذا أردت أن تعرف تجسيم البنطال
стр. 612
للعورة، فانظر إلى رجل يلبس البنطال، كيف يبدو حجم عورته من الأمام، وانظر إلى تجسيم مقعده وخاصة عند السجود، وهو من أبشع المناظر المخزية، ويمكن للمضطرين لباس البنطال العريض جدًا عند العمل، ولبس الثوب في غير وقته، ولا سيما عند الصلاة.
٣ - كثير من المسلمين يلبسون الثوب، ولكنهم يطيلونه إلى أسفل الكعبين مخالفين قوله ﷺ : "إرفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإِزار، فإنها من المخيلة". (أي الكبر والاختيال). [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وقال الرسول ﷺ : "ما أسفل الكعبين من الإِزار ففي النار". [رواه البخاري]
ويُفهم من هذه الأحاديث تحريم تطويل الثياب أسفل الكعبين لأنه من التكبر.
٤ - لباس البرنيطة: يحرم لباسها لأنها شعار الكفرة، يضعونها على رؤوسهم، وتسمى (كاسك) ومن سيئاتها تمنع المسلم من السجود، والقلنسوة (الطاقية) العربية أو فوقها العمامة، هو شعار الإِسلام، وهو يقي حر الشمس، والبرد، ولا يمنع المسلم من السجود، وبه يتميز المسلم عن غيره.
٥ - لباس خاتم الذهب والأساور في اليد والرقبة للرجال: كما يحرم حلق اللحية لأنه تشبه بالكفار والنساء، قال ﷺ :
"لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء".
[صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي انظر صحيح الجامع رقم ٤٩٧٦]
стр. 613
منكرات المآتم والقبور
١ - الِإعلان في المآذن عن موت شخص، ولا سيما إذا كان في الإِعلان أذان وتمطيط لألفاظه.
٢ - تقديم الأكاليل والزهور لوضعها على الميت؛ لأن فيها تشبهًا بالنصارى، وضياعًا للأموال.
٣ - رفع الصوت بالبكاء على الميت، أو النياحة، أو لطم الخدود، أو شق الثياب، أو لبس السواد.
٤ - ذهاب النساء مع الرجال إلى المقبرة لدفن الميت، أو عزف موسيقى حزينة في المقبرة.
٥ - رثاء الميت عند القبر، ومدحه بالنثر والشعر؛ لأن هذا مَنْهي عنه، والوارد هو إلقاء كلمة فيها موعظة للحاضرين كما فعل الرسول ﷺ .
٦ - قراءة القرآن عند القبر، أو الذكر أو المولد لعدم فعل الرسول ﷺ لذلك، بل الثابت عنه أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال:
"استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل". [صحيح رواه الحاكم]
٧ - تقديم الطعام من أهل الميت للمجتمعين لقول جرير ﵁:
"كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه لغيرهم من النياحة". (النياحة محرمة في الإِسلام). [صحيح رواه أحمد]
٨ - الاجتماع إلى أهل الميت في مكان معين للتعزية، إذ يمكن تعزيتهم في كل وقت، ولا سيما إذا كان الاجتماع فيه قراءة القرآن لعدم فعل الرسول ﷺ وصحابته ذلك.
٩ - يحرم البناء على القبر، والأحجار العالية، وتدهينه والكتابة عليه، ففي الحديث: "نهى ﷺ أن يُجَصَّصَ القبر، وأن يُبنى عليه". [رواه مسلم]
"ونهى أن يُكتب على القبر شيء". [رواه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي]
لأن في البناء والكتابة ضياعًا للأموال، ولو صرفت على الفقراء لاستفاد الميت.
١٠ - القيام بعمل حفلة الأربعين والحول للميت، وتوزيع المأكولات.
стр. 614
١١ - زيارة القبور في يوم مخصوص: كيوم الجمعة، أو العيد، أو نصف شعبان؛ لأن زيارة القبور تكون للموعظة وللدعاء للأموات، وليس لها وقت معين.
١٢ - يقول أحد الدعاة: أعطوني ما تنفقونه من الأموال التي تبلغ بضعة ملايين يوميًا على المآتم وتشييد القبور. . وأنا كفيل لكم بأن أُغيّر لكم وجه العالم الإِسلامي، فيصبح من دول الدنيا الكبيرة.
١٣ - المشروع والمطلوب من المسلمين أن يصنعوا الطعام لأهل الميت لقول رسول الله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم". [حسن رواه أبو داود والترمذي]
стр. 615
الصوفية في ميزان الكتاب والسنة
لقد انتشرت الصوفية في بلاد العالم الإِسلامي، وانقسم الناس فيها إلى فريقين: مؤيد ومعارض، فكيف يعرف المسلم الحق؟ هل هو مع المؤيدين للصوفية، فيسير معهم؟ أم هو من المعارضين للصوفية فيجتنبهم؟
لابدّ من الرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة لمعرفة ذلك عملاً بقوله تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. [النساء: ٥٩]
لم يعرف الِإسلام اسم الصوفية في زمن الرسول وصحابته والتابعين، ثم جاء جماعة من الزهاد لبسوا الصوف، فأطلقوا هذا الأسم عليهم، وقيل مأخوذ من كلمة (صوفيا) ومعناها الحكمة، حينما ترجمت كتب الفلسفة اليونانية، وليست مأخوذة من الصفاء كما يدعي بعضهم لأن النسبة إلى الصفاء (صفائي) وليست (صوفي)
يقول أبو الحسن الندوي في كتابه (ربانية لا رهبانية): ليتهم ما قالوا صوفية، بل سموها تزكية، كما قال الله تعالى:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. [البقرة: ١٢٩]
فظهور هذا الاسم الجديد فرَّق المسلمين.
وقد تختلف الصوفية الأوائل عن الصوفية المتأخرة التي انتشرت فيها البدع أكثر من سالفتها، وقد حذر منها الرسول ﷺ بقوله:
"إياكم ومُحدثات الأمور، فإن كل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
[رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
ومن الإنصاف أن نضع تعاليم الصوفية في ميزان الإسلام لنرى قربها أو بعدها
عنه:
١ - الصوفية لها طرق متعددة كالتيجانية، والقادرية، والنقشبندية، والشاذلية، والرفاعية وغيرها من الطرق التي يدعي كل منها أنه على حق، وغيرها على باطل، والإِسلام ينهي عن التفرق ويقول الله تعالى في كتابه المجيد:
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. [الروم: ٣١، ٣٢]
стр. 616
٢ - الصوفية تدعو غير الله من الأنبياء والأولياء الأحياء والأموات، فهم يقولون: (يا جيلاني ويا رفاعي ويا رسول الله غوثًا ومددًا ويا رسول الله عليك المعتمد). والله ينهى عن دعاء غيره، ويعتبره شركًا إذ يقول:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [يونس: ١٠٦]
(الظالمين: أي المشركين).
والرسول ﷺ يقول: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
فالدعاء عبادة كالصلاة لا يجوز لغير الله ولو كان رسولًا أو وليًا، وهو من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، ويخلد صاحبه في النار.
٣ - الصوفية تعتقد أن هناك أبدالًا وأقطابًا وأولياء سلَّم الله لهم تصريف الأمور وتدبيرها والله يحكي جواب المشركين حين يسألهم:
﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]
والصوفية يلجأون لغير الله عند نزول المصائب والله يقول:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [الأنعام: ١٧]
والله يحكي عن المشركين في الجاهلية حين تنزل بهم المصائب:
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]
٤ - بعض الصوفية يعتقد بوحدة الوجود، فليس عندهم خالق ومخلوق، فالكل خلق، والكل إله، وزعيمهم ابن عربي المدفون بدمشق يقول:
العبد رَب، والربُّ عبد ... يا ليت شعري مَن المكلف؟
إن قلت عبد فذاك حَق ... أو قلت رب أنَّى يُكلَّف؟
[الفتوحات المكية لابن عربي]
٥ - الصوفية تدعو إلى الزهد في الحياة، وترك الأسباب والجهاد والله تعالى يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. [القصص: ٧٧]
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. [الأنفال: ٦٠]
стр. 617
٦ - الصوفية تعطي مرتبة الإِحسان إلى شيوخهم وتطلب منهم أن يتصوروا شيخهم عندما يذكرون الله، حتى في صلاتهم، وكان لي قريب رأيته يضع صورة شيخه أمامه في الصلاة، والرسول ﷺ يقول:
"الِإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". [رواه مسلم]
٧ - الصوفية تدعي أن عبادة الله لا تكون خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، ويستشهدون بقول رابعة العدوية: [اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني فيها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها].
ولقد سمعتهم ينشدون قول عبد الغني النابلسي: من كان يعبد الله خوفًا من ناره فقد عبد النار، ومن عبد الله طلبًا للجنة فقد عبد الوثن.
والله يمدح الأنبياء الذين يدعونه طلبًا لجنته وخوفًا من عذابه فيقول: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. [الأنبياء: ٩٠] أي (راغبين في جنته، خائفين من عذابه).
والله يخاطب رسوله الكريم قائلًا:
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. [الأنعام: ١٥]
٨ - الصِوفية تُبيح الرقص والدف ورفع الصوت بالذكر والله تعالى يقول:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. [الأنفال: ٢]
ثم تراهم يذكرون بلفظ (الله) حتى يصلوا إلى التلفظ بكلمة (أه، آه) والرسول ﷺ يقول: "أفضل الذكر: لا إله إلا الله". [حديث حسن رواه الترمذي]
ورفع الصوت في الذكر والدعاء منهي عنه بقول الله تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. [الأعراف: ٥٥]
(لا يُحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت). [ذكره تفسير الجلالين]
والرسول ﷺ يسمع أصحابه يرفعون أصواتهم فيقول لهم:
"أيها الناس اربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون
سميعًا قريبًا، وهو معكم". (وهو معكم: بسمعه وعلمه). [رواه مسلم]
٩ - الصوفية تذكر اسم الخمر والسكر، فيقول شاعرهم وهو ابن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مُدامة ... سكرنا بها من قبل أن يُخلَق الكَرْم
стр. 618
وسمعتهم ينشدون في المسجد:
هات كاس الراح ... واسقنا الأقداح
(والمدامة والراح: من أسماء الخمر).
أقول: لا يستحي الصوفية من ذكر أسماء الخمر في بيت الله الذي أُنشىء لذكر الله لا لذكر أسماء الخمر المحرمة، والله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. [المائدة: ٩٠]
١٠ - الصوفية تتغزل باسم النساء والصبيان في مجالس الذكر، فيرددون اسم الحب، والعشق والهوى، وليلى، وسعاد، وغيرها، وكأنهم في مجلس طرب، فيه الرقص، وذكر الخمر، مع التصفيق والصياح، والتصفيق من عادة المشركين وعبادتهم، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. [الأنفال: ٣٥]
(المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق).
١١ - الصوفية تستعمل الدف المسمى (بالمزهر) في ذكرها، وهو مزمار الشيطان، فقد دخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها جاريتين تضربان بالدف، فقال أبو بكر:
مِزمار الشيطان (مرتين)، فقال له الرسول ﷺ :
"دعهما يا أبا بكر، فإنهما في يوم عيد". [رواه البخاري بألفاظ مختلفة]
فقد أقر الرسول أبا بكر على قوله، ولكنه أخبره أنه في يوم عيد مسموح به للبنات، ولم يثبت عن الصحابة والتابعين أنهم استعملوا الدف عند ذكرهم بل هو من بدع الصوفية التي حذر منها الرسول ﷺ بقوله:
"مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ". [رواه مسلم]
(رد: غير مقبول).
١٢ - بعض الصوفية يضرب نفسه بسيخ حديد قائلًا: (يا جداه) فتأتيه الشياطين ليساعدوه على فعله؛ لأنه استغاث بغير الله، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. (يَعشُ: يُعرض). [الزخرف: ٣٦]
стр. 619
وبعض الجهال يظن أن هذا العمل من الكرامات، مع أن الفاعل لها قد يكون فاسقًا وتاركًا للصلاة، وكيف نعتبره كرامة، وصاحبه استغاث بغير الله عندما قال: (يا جداه) بل هذا من الشرك والضلال الذي قال الله فيه:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. [الأحقاف: ٥]
وهو استدراج في طريق الضلال لفاعله بعد أن اختار الطريق لنفسه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. [مريم: ٧٥]
١٣ - الصوفية لها طرق كثيرة كالتيجانية، والشاذلية، والنقشبندية، وغيرها، والِإسلام له طريق واحد فقط، والدليل حديث ابن مسعود ﵁ حين قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السُّبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. [الأنعام: ١٥٣] [صحيح رواه أحمد والنسائي]
١٤ - الصوفية تدعي الكشف وعلم الغيب، والقرآن يكذبهم قائلًا:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾. [النمل: ٦٥]
وقال ﷺ : "لا يعلم الغيب إلا الله". [حسن رواه الطبراني]
١٥ - الصوفية تزعم أن الله خلق محمدًا من نوره، وخلق من نوره جميع الأشياء، والقرآن يكذبهم قائلًا:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ. . .﴾. [الكهف: ١١٠]
وقوله تعالى عن خلق آدم:
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾. [ص: ٧١]
وأما حديث: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر". [فهو موضوع وباطل]
١٦ - الصوفية تزعم أن الله خلق الدنيا لأجل محمد ﷺ والقرآن يكذبهم قائلًا:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾. [الذاريات: ٥٦]
وخاطب القرآن الرسول ﷺ بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. (اليقين: الموت). [سورة الحجر: ٩٩]
стр. 620
١٧ - الصوفية تزعم رؤية الله في الدنيا، والقرآن يكذبهم حين قال على لسان موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. [الأعراف: ١٤٣]
وقد ذكر الغزالي في كتابة إحياء علوم الدين (باب حكاية المحبين ومكاشفاتهم)، هذه القصة: قال أبو تراب يومًا: لو رأيت أبا يزيد!، فقال له صديقه: إني عنه مشغول، قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد، قال أبو تراب: ويلك تغتر بالله لو رأيت أبا يزيد (البسطامي) مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة.
ثم قال الغزالي: فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن.
أقول للغزالي: بل يجب على المؤمن أن ينكرها لأنها كذب وكفر تخالف القرآن والحديث والعقل.
١٨ - الصوفية تدعي وتزعم رؤية الرسول ﷺ في الدنيا يقظة، والقرآن يكذبهم قائلًا:
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. [المؤمنون: ١٠٠]
(أي من أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا إلى يوم القيامة). [ذكره الطبري]
ولم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة رأى الرسول ﷺ يقظة، فهل هم أفضل من الصحابة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
١٩ - الصوفية تزعم أنها تأخذ العلم من الله مباشرة بدون واسطة الرسول ﷺ فيقولون: (حدثني قلبي عن ربي)، قال ابن عربي المدفون بدمشق في كتابه الفصوص: (فمنا الخليفة عن الرسول الذي يأخذ الحكم عنه- ﷺ أو بالاجتهاد الذي أصَّلَه أيضًا، وفينا من يأخذه عن الله فيكون خليفة الله!).
أقول: هذا الكلام باطل يخالف القرآن الذي ينص على أن الله أرسل محمدًا ﷺ ليبلغ الناس أوامر الله، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. [المائدة: ٦٧]
ولا يمكن لأحد أن يأخذ عن الله مباشرة، وهو كذب وافتراء، ثم إن الإِنسان لا يكون خليفة عن الله؛ لأن الله لم يغب عنا حتى يخلفه الإِنسان، فالله هو الذي يخلفنا حينما نغيب ونسافر، لذلك جاء في الحديث:
"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل". [رواه مسلم]
стр. 621
٢٠ - الصوفية تقيم المولد والاجتماع باسم مجلس الصلاة على النبي ﷺ ، وهم يخالفون تعاليمه، ولذلك حينما يرفعون أصواتهم في الذكر والأناشيد والقصائد التي فيها الشرك الصريح، فسمعتهم يقولون مخاطبين الرسول ﷺ :
المدد يا عريض الجاه المدَد ... ويا مفيض النور على الوجود المدد
يا رسول الله فرِّج كربنا ... ما رآك الكرب إلا وشرَد
أقول: الإِسلام يوجب علينا الاعتقاد بأن مفيض النور على الوجود، والمفرج
للكروب هو الله وحده.
٢١ - الصوفية تشد الرحال إلى القبور للتبرك بأهلها أو الطواف حولها، أو الذبح عندها مخالفين قول الرسول ﷺ :
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى". [متفق عليه]
٢٢ - الصوفية تتعصب لشيوخها، ولو خالفت قول الله ورسوله، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. [الحجرات: ١]
والرسول ﷺ يقول: "لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف". [متفق عليه]
٢٣ - الصوفية تستعمل الطلاسم والحروف والأرقام لعمل الإستخارة، والتمائم والحجب، وغير ذلك.
أقول: لماذا يلجأون إلى الخرافات من حساب اسم الزوجين في الإستخارة،
وغيرها من البدع والمنكرات، ويتركون دعاء الإستخارة الوارد في صحيح البخاري الذي كان يُعلِّمه الرسول ﷺ أصحابه كالسورة من القرآن يقول:
"إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدِرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدِر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. . الخ". [رواه البخاري]
٢ - الصوفية لا تتقيد بالصلوات الواردة عن الرسول ﷺ ، بل يبتدعون صلوات فيها الشرك الصريح الذي لا يرضاه الذي يُصلون عليه، فقد قرأت في كتاب (أفضل الصلوات) لشيخ لبناني صوفي يقول فيه:
(اللهم صلى على محمد حتى تجعل منه الأحدية القيومية).
стр. 622
أقول: الأحدية، والقيومية: من صفات الله وأسمائه.
وفي كتاب (دلائل الخيرات) صلوات مبتدعة لا يرضاها الله ورسوله ﷺ .
لقد رأيت يا أخي المسلم أن الصوفية بعيدة عن الإسلام جدًا بعد أن رأيت اعتقادها وأعمالها في ميزان الإسلام، وأن العقل السليم يرفض هذه البدع والضلالات والمنكرات التي توقع في الشرك والكفر.
اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 623
من أقوال الصوفية
إن كثيرًا من الناس يظن أن الصوفية من الإِسلام، وأن فيهم الأولياء، وأريد
لكل أخ مسلم أن يطلع على أقوالهم ليرى بعدهم عن الإسلام وتعاليم القرآن:
١ - يقول الشيخ مُحيي الدين بن عربي الدفون بدمشق وهو كبير الصوفية في كتابه الفتوحات المكية: "ورُب حديث يكون صحيحًا عن طريق رواته حصل لهذا المكاشف الذي عاين هذا المظهر، فسأل النبي ﷺ عن هذا الحديث فأنكره وقال له: "لم أقله ولا حكمت به فيعلم ضعفه، فيترك العمل به، على بينة من ربه، وإن كان عمل به أهل النقل لصحة طريقه، وهو في نفس الأمر ليس كذلك" وهذا الكلام موجود في مقدمة كتاب الأحاديث المشتهرة للعجلوني.
هذا الكلام خطير وضَربٌ للحديث النبوي، وطعن في علماء الحديث كالبخاري ومسلم وغيره.
٢ - ويقول ابن عربي عن وحدة الأديان كاليهودية والنصرانية والوثنية والإِسلام:
وقد كنتُ قبل اليوم أُنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فأصبح قلبي قابلًا كل حالة ... فمرعىً لِغزلان، وَدَير لرُهبان
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةِ طائف ... وألواح توراةٍ ومُصحف قرآن
والقرآن يَرد كلامَ ابن عربي ويقول:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. [آل عمران: ٨٥]
٣ - وابن عربي يعتقد أن الله هو المخلوق، والمخلوق هو الله، وكل منهما يعبد الآخر، ويُعبِّر عن ذلك بقوله:
فَيحمدُني وأحمَدُه ... ويَعبدنُي وأعبدُه؟
٤ - ويقول ابن عربي في كتابه الفصوص:
"إن الرجل حينما يضاجع زوجته، إنما يضاجع الحق"!.
٥ - ويشرح النابلسي ذلك بقوله: "إنما ينكح الحق".
стр. 624
٦ - ويقول أبو يزيد البسطامي يخاطب الله: فزيِّني بوحدانيتك، وألبِسْني رَبَّانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقُك قالوا رأيناك ويقول عن نفسه: سبحاني سبحاني، ما أعظم شأني، الجنة لعبة صبيان!!
٧ - ويقول جلال الدين الرومي: مسلم أنا ولكني نصراني، وبرهامي، وزرادشتي، ليس لي سوى معبد واحد. . . مسجد، أو كنيسة، أو بيت أصنام!!
٨ - يقول ابن الفارض: إن الله تجلَّى لقيس بصورة ليلى، وتجلى لكُثير بصورة عَزة، وتجلّى لجميل بصورة بُثينة في قصيدته التائيّة المعروفة، فهو يعتبر أن هذا من تجليات الحق.
٩ - سُئلت رابعة العدوية: هل تكرهين الشيطان؟ فقالت: "إن حبي لله لم يترك في قلبي كراهية لأحد"، وتقول مخاطبة لله تعالى: "إن كنتُ أعبدُك خوفًا مِن نارك فأحرقني بها!! " والله يُحذرنا من النار فيقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا. . .﴾. [التحريم: ٦]
وقالوا عن رابعة: إنها كانت مُغنِّية أو راقصة، فكيف يجوز الأخذ بقولها، وهي
تخالف القرآن؟
١٠ - ألَّف الشيخ عثمان (١) البرهاني وهو صوفي معاصر من السودان كتابًا سماه: (انتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان): (ويقصد الوهابيين والإِخوان المسلمين).
стр. 625
كرامات الصوفية
تزعم الصوفية أن لها رجالًا من الأولياء لهم كرامات وسأذكر للقارىء الكريم شيئًا من كراماتهم الصادرة عن أوليائهم ليرى أنها خرافات وضلالات وكفريات. يقول الشعراني في كتابه "الطبقات الكبرى" يُعدد كرامات أولياء الصوفية:
١ - وكان ﵁ يلبس الشاش المخطط كعمامة النصارى، وكان دكانه مُنتنًا قذرًا لأن كل كلب وجده ميتًا أو خروفًا يأتي به فيضعه داخل الدكان، فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده، وأنه توجه إلى المسجد فوجد في الطريق مسقاة كلاب فتطهر فيها، ثم وقع في مشخة حمير.
٢ - وكان ﵁ إذا رأى امرأة أو أمردًا (شابًا بلا لحية) راوده عن نفسه، وحسَّس على مِقعدته، سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس! ..
٣ - ويتحدث الشعراني عن سيده (علي وحيش) فيقول: وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره، يُنزله من على الحمارة ويقول له إمسك رأسها حتى أفعل بها، فإن أبى شيخ البلد، تسمَّر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوة.
٤ - يقول الشعراني عن سيده محمد الخضري: "أخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي، أنه جاءهم يوم الجمعة، فسألوه الخطبة، فطلع على المنبر، وحمد الله وأثنى عليه وحده ثم قال: "وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس ﵊"، فقال الناس: كفر، فسل السيف ونزل وهرب الناس كلهم من الجامع، فجلس على المنبر إلى أذان العصر، وما تجرأ أحد أن يدخل الجامع، ثم جاء بعض أهالي البلاد المجاورة، فأخبر أهل كل بلدة أنه خطب عندهم وصلى فيهم، فعددنا له ذلك اليوم ثلاثين خطبة، هذا ونحن نراه جالسًا عندنا في الخطبة".
стр. 626
الجهاد عند الصوفية
الجهاد الصحيح عند الصوفية قليل جدًا فهم مشغولون بجهاد أنفسهم على زعمهم ويروون حديثًا كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وهو قوله ﷺ :
"رجعنا من الجهاد الأصفر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس".
فهذا لم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ ، بل الواضح من القرآن والسنة أن جهاد الكفار من أعظم القربات إلى الله تعالى، وهذه أقوال الصوفية في الجهاد:
١ - يقول الشعراني: لقد أُخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيفما دار، ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم، ولو كان في أمور الدنيا وولايتها.
٢ - ويقول ابن عربي: إن الله إذا سلَّط ظالمًا على قوم: فلا يجب أن يقاوموه؛ لأنه عقاب لهم من الله.
٣ - وابن عربي وابن الفارض الزعيمان الصوفيان الكبيران عاشا في عهد الحروب الصليبية، فلم نسمع أن واحدًا منهما شارك في قتال، أو دعا إلى قتال، أو سجل في شعره أو نثره آهة على الفواجع التي نزلت بالمسلمين، لقد كانا يقرران للناس: أن الله هو عين كل شيء، فليدع المسلمون الصليبيين، فما هم إلا الذات الآلهية مُتجسدة بتلك الصور.
٤ - ويذكر الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) عند بحث طريقة التصوف، أنه كان خلال الحروب الصليبية مشغولًا في خلوته تارة في مغارة دمشق، وتارة في صخرة بيت المقدس، يغلق بابهما عليه في مدة تزيد على السنتين.
ولما سقط بيت المقدس في يد الصليبيين عام ٤٩٢ هـ لم يُحرِّك الغزالي ساكنًا، ولا دعا للجهاد لإِعادته، مع أنه عاش (١٢) سنة بعد سقوطه.
وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، لم يذكر فيه شيئًا عن الجهاد أبدًا، بل ذكر فيه كثيرًا من الكرامات التي هي خرافات وكفريات، وهي في الجزء الرابع صحيفة ٤٥٦.
٥ - ويذكر صاحب كتاب (تاريخ العرب الحديث والمعاصر) أن أصحاب الطرق
стр. 627
الصوفية أشاعوا الخرافات والبدع، وبثُّوا روح الإنهزامية والسلبية في النضال،
فاستخدمهم، الإستعمار كجواسيس.
٦ - ومن كتاب "في التصوف" لمحمد فهر شقفه السوري ص ٢١٧ يقول:
(نرى من واجبنا خدمة للحقيقة والتاريخ أن نذكر أن الحكومة الفرنسية في زمن الإنتداب على سورية حاولت نشر هذه الطريقة (التيجانية) واستأجرت بعض الشيوخ لهذه المهمة، فقدمت لهم المال والمكان لتنشئة جيل يميل إلى فرنسا، لكن مجاهدي المغرب لفتوا انتباه المخلصين من أهل البلاد إلى خطر الطريقة التيجانية، وأنها فرنسية استعمارية تتستر بالدين، فهبت دمشق عن بكرة أبيها في مظاهرات صاخبة).
стр. 628
مفهوم الولي عند الناس
إن مفهوم الولي عند كثير من الناس هو الذي يكون على قبره قبة كبيرة أو الذي دفن في المسجد، وينسب السَّدنة لهذا الولي بعض الكرامات، وقد تكون غير صحيحة، لكي يأخذوا من الناس أموالهم ويأكلوها بالباطل.
وفكرة القباب، والمشاهد بدعة اخترعها الدروز وسَمُّوا أنفسهم بالفاطميين ليصرفوا الناس عن المساجد، وأكثرها مفتعلة لا أصل لها، حتى قبر الحسين ﵁ ليس في مصر، وقد استشهد في العراق.
والدفن في المسجد من عمل اليهود والنصارى حذر منه الرسول ﷺ بقوله: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [متفق عليه]
ويظن بعض الناس أن الرسول ﷺ دفن في مسجده، وهذا خطأ كبير؛ لأن الرسول ﷺ دفن في بيته، ثم بقي على حاله حتى جاء الأمويوق بعد (٨٠) عامًا ووسَّعوا المسجد، وأدخلوا القبر إليه.
إن كثيرًا من المسلمين يدفنون الموتى في المساجد ولا سيما إذا كان شيخًا، وبعد مدة يبنون عليه القُبة ويطوفون حوله، ويسألونه من دون الله، ويقعون في الشرك، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. [الجن: ١٨]
فالمساجد في الإسلام ليست مقابر لدفن الموتى، بل، هي للصلاة ولعبادة الله وحده، والرسول ﷺ يقول: "لا تُصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها". [رواه مسلم]
"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم، وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك". [رواه مسلم]
стр. 629
أولياء الرحمن
١ - قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. [يونس: ٦٢]
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾. [الأنفال: ٣٤]
٣ - الولي في القرآن هو المسلم الذي يتقي الله ولا يعصيه ويدعوه ولا يشرك به وهو الذي حذر الله من إيذائه ومعاداته وأكل ماله، فقال الله في الحديث القدسي:
"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. . .". [رواه البخاري]
وقد تظهر لهذا الولي المسلم الموحد الطائع كرامة يكرمه الله بها عند الحاجة، فالولاية ثابتة والكرامة ثابتة في القرآن الكريم، والدليل على ذلك قصة مريم ﵍ حينما كانت تجد الرزق والطعام في بيتها، حيث قال الله في حقها:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. [آل عمران: ٣٧] فالولاية ثابتة، والكرامة ثابتة ولكن لا تكون إلا لمؤمن طائع موحد، ولا يُمكن أن تكون لرجل فاسق يترك الصلاة أو يُصر على الذنوب، ولا يشترط ظهور الكرامة على يديه حتى يكون وليًا، فالقرآن الكريم لم يشترطها، بل اشترط الإِيمان والتقوى فقط.
стр. 630
أولياء الشيطان
ولا يمكن أن تظهر الكرامة على يد فاسق يجاهر بالمعاصي أو يستغيث بغير الله وهو من عمل المشركين، فكيف يكون من الأولياء المكرمين؟.
كما أن الكرامة لا تكون بالوراثة عن الأجداد، بل تكون بالإِيمان والعمل الصالح، وما يظهر على يد بعض المبتدعين من ضرب السيف لأنفسهم، أو أكل النار، فهو من عمل الشياطين والمجوس، وهو استدراج لهم ليسيروا في ضلالهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. [الزخرف: ٣٦]
ومثل هذا العمل لا يُقرُّه الإِسلام؛ لأنه لم يعملهُ رسول الله وصحابته من بعده،
وهو من البدع المحدثة التي قال عنها الرسول ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكُل بدعة ضلالة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
والكفار في الهند يفعلون أكثر من ذلك، كما نقل ذلك ابن بطوطة في رحلته وحكى عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، فهل نقول عنهم أولياء لهم كرامات؟!!
بل هذا من عمل الشياطين وهو استدراج لصاحبه ليزيد في الضلالة كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. [سورة مريم: ٧٥]
стр. 631
الخوف والرجاء
قال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. [الأعراف: ٥٦]
يأمر الله عباده أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفًا من ناره وعذابه، وطمعًا في جنته ونعيمه، كما قال تعالى في سورة الحجر:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. [الحجر: ٤٩، ٥٠]
لأن الخوف من الله يحمل العبد على الابتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه.
ما تهدي إليه هذه الآيات:
١ - أن يدعو العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه.
٢ - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبيًا أو وليًا أو ملكًا؛ لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا يجوز إلا لله.
٣ - أن يدعو العبد ربه خائفًا من ناره، راغبًا فى جنته.
٤ - في الآية ردُّ على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفًا منه، أو رغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواع العبادة، وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. [الأنبياء: ٩٠]
٥ - في الآية رَدٌّ على كتاب (الأربعين النووية) عندما شرح النووي حديث:
"إنما الأعمال بالنيات"، حيث قال:
وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:
الأول: أن يفعل ذلك خوفًا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد.
الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار.
الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله وتأدية لحق العبودية، وتأدية للشكر. . وهذه عبادة الأحرار.
стр. 632
وقد علَّق السيد محمد رشيد رضا على هذا الكلام في (مجموعة الحديث النجدية) فقال:
هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث. والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا عبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار.
أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى هذه العقيدة في كتبه، بل زاد في شططه، وفسر بالتلفزيون قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. [الكهف: ١١٠] فقال: والجنة أحد. (يعني عبادة الله للجنة شرك).
стр. 633
ماذا تعرف عن: قصيدة البردة
هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين، ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن وسنة الرسول ﷺ فهو يقول في قصيدته:
١ - يا أكرم الخلق مالي مَن ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العَمِم
يستغيث الشاعر بالرسول ﷺ ويقول له: لا أجد من ألتجىء إليه عند نزول الشدائد العامة إلا أنت، وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلِّد صاحبه في النار إن لم يتب منه، لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [يونس: ١٠٦]
(أي المشركين) لأن الشرك ظلم عظيم.
وقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو من دون الله نِدًا دَخَلَ النَّار". [رواه البخاري]
(الند: المثيل).
٢ - فإن مِن جودك الدنيا وضرَتَها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا مخالف لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. [الليل: ١٣]
فالدنيا والآخرة هي من الله ومن خَلْقِه، وليست من جود الرسول ﷺ وخلقه، والرسول ﷺ لا يعلم ما في اللوح المحفوظ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله وحده، وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول ﷺ حتى جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح من علمه وقد نهانا الرسول ﷺ عن الإِطراء فقال: "لا تُطْرُوني كَما أَطْرَتْ النَّصارى ابْن مَرْيم، فَإِنَّمَا أنا عَبْدٌ، فقُولوا عَبْد الله وَرَسُولُهُ". [رواه البخاري]
٣ - ما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به ... إلا ونلت جوارًا منه لم يُضَم
يقول: ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي.
стр. 634
والقرآن يحكي عنِ إبراهيم ﵇ قوله عن الله :
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. [الشعراء: ٨٠]
والله تعالى يقول:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾. [الأنعام: ١٧]
والرسول ﷺ يقول: "إِذا سألْتَ فَاسألِ الله وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاستَعِنْ بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
٤ - فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا ... وهو أوفى الخلق بالذمم
يقول الشاعر: إن لي عهدًا عند الرسول أن يدخلني الجنة؛ لأن اسمي محمدًا، ومن أين له هذا العهد، ونحن نعلم أن كثيرًا من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد؟ فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة؟
والرسول ﷺ قال لبنته فاطمة ﵂:
"سليني من مالي ما شِئْتِ، لا أُغني عَنْكِ مِنَ الله شيئًا". . [رواه البخاري]
٥ - لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
وهذا غير صحيح، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ولأنه يخالف قول الله تعالى:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [الأعراف: ٥٦]
ومعنى ذلك أن رحمة الله بعيدة عن العاصين.
والله تعالى يقول:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. [الأعراف: ١٥٦]
٦ - وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
الشاعر يقول: لولا محمد ﷺ لما خُلقت الدنيا، والله يكذبه ويقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾. [الذاريات: ٥٦]
وإن محمدًا ﷺ خلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. [الحجر: ٩٩]
(اليقين: الموت).
стр. 635
٧ - أقسمت بالقمر المنشق إن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
الشاعر يقسم ويحلف بالقمر، والرسول ﷺ يقول:
"مَنْ حَلَفَ بَغَيْر الله فَقَدْ أشْرَك". [حديث صحيح رواه أحمد]
ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلًا:
٨ - لو ناسبت قدرَه آياتُه عِظَمًا ... أحيا اسمُه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ
ومعناه: لو ناسبتْ معجزات الرسول ﷺ قدره في العِظَم، لكان الميت الذي أصبح باليًا يحيا وينهض بذكر اسم الرسول ﷺ ، وبما أنه لم يحدث هذا فالته لم يُعط الرسول ﷺ حقه من المعجزات، فكانه اعتراض على الله حيث لم يعط الرسول الله ﷺ حقه!! وهذا كذب وافتراء على الله، فالته تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له، فمثلًا أعطى عيسى ﵇ معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموتى، وأعطى لسيدنا محمد ﷺ معجزة القرآن الكريم، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق القمر وغيرها.
ومن العجيب أن بعض الناس يقولون: إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة؛
لأن صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول ﷺ ، فأعطاه جبته فلبسها فبرىء من مرضه! -وهذا كذب وافتراء- حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة، إذ كيف يرضى الرسول ﷺ بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه ﷺ وفيه شرك صريح.
علمًا بأن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: مَا شَاءَ الله وشِئت، فقال له الرسول ﷺ : "أجَعَلْتني لله ندًّا؟ قُلْ مَا شَاءَ الله وَحْده". [رواه النسائي بسند حسن]
(الند: المثل والشريك).
فاحذر يا أخي المسلم قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن، وهدي الرسول ﵊. والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيِّع بها موتاهم إلى القبور، فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى حيث أمر بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.