الخوف والرجاء
قال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. [الأعراف: ٥٦]
يأمر الله عباده أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفًا من ناره وعذابه، وطمعًا في جنته ونعيمه، كما قال تعالى في سورة الحجر:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. [الحجر: ٤٩، ٥٠]
لأن الخوف من الله يحمل العبد على الابتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه.
ما تهدي إليه هذه الآيات:
١ - أن يدعو العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه.
٢ - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبيًا أو وليًا أو ملكًا؛ لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا يجوز إلا لله.
٣ - أن يدعو العبد ربه خائفًا من ناره، راغبًا فى جنته.
٤ - في الآية ردُّ على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفًا منه، أو رغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواع العبادة، وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. [الأنبياء: ٩٠]
٥ - في الآية رَدٌّ على كتاب (الأربعين النووية) عندما شرح النووي حديث:
"إنما الأعمال بالنيات"، حيث قال:
وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:
الأول: أن يفعل ذلك خوفًا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد.
الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار.
الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله وتأدية لحق العبودية، وتأدية للشكر. . وهذه عبادة الأحرار.
стр. 632
وقد علَّق السيد محمد رشيد رضا على هذا الكلام في (مجموعة الحديث النجدية) فقال:
هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث. والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا عبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار.
أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى هذه العقيدة في كتبه، بل زاد في شططه، وفسر بالتلفزيون قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. [الكهف: ١١٠] فقال: والجنة أحد. (يعني عبادة الله للجنة شرك).
стр. 633
ماذا تعرف عن: قصيدة البردة
هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين، ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن وسنة الرسول ﷺ فهو يقول في قصيدته:
١ - يا أكرم الخلق مالي مَن ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العَمِم
يستغيث الشاعر بالرسول ﷺ ويقول له: لا أجد من ألتجىء إليه عند نزول الشدائد العامة إلا أنت، وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلِّد صاحبه في النار إن لم يتب منه، لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [يونس: ١٠٦]
(أي المشركين) لأن الشرك ظلم عظيم.
وقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو من دون الله نِدًا دَخَلَ النَّار". [رواه البخاري]
(الند: المثيل).
٢ - فإن مِن جودك الدنيا وضرَتَها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا مخالف لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. [الليل: ١٣]
فالدنيا والآخرة هي من الله ومن خَلْقِه، وليست من جود الرسول ﷺ وخلقه، والرسول ﷺ لا يعلم ما في اللوح المحفوظ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله وحده، وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول ﷺ حتى جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح من علمه وقد نهانا الرسول ﷺ عن الإِطراء فقال: "لا تُطْرُوني كَما أَطْرَتْ النَّصارى ابْن مَرْيم، فَإِنَّمَا أنا عَبْدٌ، فقُولوا عَبْد الله وَرَسُولُهُ". [رواه البخاري]
٣ - ما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به ... إلا ونلت جوارًا منه لم يُضَم
يقول: ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي.
стр. 634
والقرآن يحكي عنِ إبراهيم ﵇ قوله عن الله :
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. [الشعراء: ٨٠]
والله تعالى يقول:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾. [الأنعام: ١٧]
والرسول ﷺ يقول: "إِذا سألْتَ فَاسألِ الله وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاستَعِنْ بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
٤ - فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا ... وهو أوفى الخلق بالذمم
يقول الشاعر: إن لي عهدًا عند الرسول أن يدخلني الجنة؛ لأن اسمي محمدًا، ومن أين له هذا العهد، ونحن نعلم أن كثيرًا من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد؟ فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة؟
والرسول ﷺ قال لبنته فاطمة ﵂:
"سليني من مالي ما شِئْتِ، لا أُغني عَنْكِ مِنَ الله شيئًا". . [رواه البخاري]
٥ - لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
وهذا غير صحيح، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ولأنه يخالف قول الله تعالى:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [الأعراف: ٥٦]
ومعنى ذلك أن رحمة الله بعيدة عن العاصين.
والله تعالى يقول:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. [الأعراف: ١٥٦]
٦ - وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
الشاعر يقول: لولا محمد ﷺ لما خُلقت الدنيا، والله يكذبه ويقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾. [الذاريات: ٥٦]
وإن محمدًا ﷺ خلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. [الحجر: ٩٩]
(اليقين: الموت).
стр. 635
٧ - أقسمت بالقمر المنشق إن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
الشاعر يقسم ويحلف بالقمر، والرسول ﷺ يقول:
"مَنْ حَلَفَ بَغَيْر الله فَقَدْ أشْرَك". [حديث صحيح رواه أحمد]
ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلًا:
٨ - لو ناسبت قدرَه آياتُه عِظَمًا ... أحيا اسمُه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ
ومعناه: لو ناسبتْ معجزات الرسول ﷺ قدره في العِظَم، لكان الميت الذي أصبح باليًا يحيا وينهض بذكر اسم الرسول ﷺ ، وبما أنه لم يحدث هذا فالته لم يُعط الرسول ﷺ حقه من المعجزات، فكانه اعتراض على الله حيث لم يعط الرسول الله ﷺ حقه!! وهذا كذب وافتراء على الله، فالته تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له، فمثلًا أعطى عيسى ﵇ معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموتى، وأعطى لسيدنا محمد ﷺ معجزة القرآن الكريم، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق القمر وغيرها.
ومن العجيب أن بعض الناس يقولون: إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة؛
لأن صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول ﷺ ، فأعطاه جبته فلبسها فبرىء من مرضه! -وهذا كذب وافتراء- حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة، إذ كيف يرضى الرسول ﷺ بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه ﷺ وفيه شرك صريح.
علمًا بأن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: مَا شَاءَ الله وشِئت، فقال له الرسول ﷺ : "أجَعَلْتني لله ندًّا؟ قُلْ مَا شَاءَ الله وَحْده". [رواه النسائي بسند حسن]
(الند: المثل والشريك).
فاحذر يا أخي المسلم قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن، وهدي الرسول ﵊. والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيِّع بها موتاهم إلى القبور، فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى حيث أمر بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 636
ماذا تعرف عن كتاب دلائل الخيرات ؟
أما بعد فإن كتاب (دلائل الخيرات) لمؤلفه محمد بن سليمان الجزولي منتشر في العالم الإِسلامي، ولا سيما في المساجد، يقرؤه المسلمون كثيرًا، بل ربما قدمو على قراءة القرآن، ولا سيما يوم الجمعة، وتتسابق المطابع في طبعه طمعًا في الربح المادي والدنيوي دون النظر إلى الخسارة الأخروية التي تلحق أصحاب المطابع، والنسخة التي بين يدي مكتوب على ظهرها:
(الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع سنغافورة جدة).
ولو تصفح المسلم العاقل المطلع على أحكام دينه الكتاب لوجد فيه مخالفات شرعية كبيرة، وأهم هذه المخالفات:
١ - يقول مؤلفه في المقدمة (ص ١٢) (مستمدًا من حضرته العالية).
ويقصد به الرسول ﷺ .
أقول هذا الكلام يخالف القرآن الذي لا يجيز طلب المدد إلا من الله قال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. [سورة آل عمران: ١٢٥]
وكلام (دلائل الخيرات) يخالف قول الرسول ﷺ :
"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
٢ - ثم يقول قي (حزب النصر لأبي الحسن الشاذلي) المكتوب على الهامش ص ٧: (يا هو، يا هو، يا هو، يا من بفضله لفضله نسألك العجل).
أقول: إن كلمه (هو) ليست من أسماء الله الحسنى، بل هي ضمير يعود على
الكلمة التي قبلها، ولذلك لا يجوز إدخال (يا) عليها كما يفعل الصوفية، وهي
من بدعهم يزيدون في أسماء الله ما ليس منها.
٣ - ثم يذكر المؤلف أسماء الرسول ﷺ ويعددها، ويصفها بأسماء وصفات لا تليق إلا بالله ، علمًا بأن أسماء الرسول ﷺ وردت في قوله ﷺ : "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا
стр. 637
الحاشر الذي يُحشر الناس على قَدَمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد وقد سماه الله رءوفًا رحيمًا". [رواه مسلم]
وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يُسمي لنا نفسه أسماء، فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". [رواه مسلم]
٤ - وأسماء الرسول التي ذكرها كتاب (دلائل الخيرات) هي بدءًا من ص ٣٧ - ٤٧.
(مُحيي، منج، ناصر، غوث، غياث، صاحب الفرج، كاشف الكرب، شاف). [ص ٣٨، ٤٠، ٤٣، ٤٧]
أقول هذه الأسماء والصفات لا تليق إلا بالله، فالمحيي، والمنجي، والناصر،
والمغيث، والشافي، وكاشف الكرب، وصاحب الفرج هو الله ، وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال إبراهيم ﵇:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. [الشعراء: ٧٨ - ٨١]
وقد أمر الله تعالى رسوله أن يقول للناس:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. [الجن: ٢١]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. [الكهف: ١١٠]
أقول: إن صاحب (دلائل الخيرات) خالف القرآن، وسوّى بين الله ورسوله في
أسمائه وصفاته، وهذا مما يتبرأ منه الرسول ﷺ ولو سمعه لحكم على قائله بالشرك الأكبر. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال له: "ما شاء الله وشئت"، فقال: "أجعَلتَني لله ندًّا، قل ما شاء الله وحده". [رواه النسائى بسند حسن]
(الند: المثيل والشريك).
وقال ﷺ : "لا تُطروني كما أطرَت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". [رواه البخاري]
(الإِطراء: المبالغة والزيادة في المدح، ويجوز مدحه بما ورد في الكتاب والسنة).
٥ - ثم ذكر بعض أسماء الرسول ﷺ : "مُهيمن، جبار، روح القدس". [ص ٤١، ٤٢]
والقرآن ينفي عن الرسول ﷺ هذه الصفات فيقول له في القرآن:
стр. 638
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. [الغاشية: ٢٢]
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾. [ق: ٤٥]
وروح القدس هو جبريل ﵇ لقوله تعالى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. [النحل: ١٠٢]
٦ - ثم ذكر صاحب الكتاب صفات لا تليق بمسلم فضلًا عن رسول هو من أفضل البشر فيقول عن الرسول ﷺ : (أحيد، أجير، جرثومة). [ص ٣٧، ١١٥]
وفي أول الكتاب رفع المؤلف الرسول ﷺ إلى درجة الِإله حينما قال: (مُحي، ناصر، شاف، مُنج. . .) إلى آخر الأوصاف التي مرت، وهنا يُنزل الرسول ﷺ إلى درجة (جرثومة، أجير) وهذا ما تقشعر له الأبدان، وتشمئز منه النفوس، فهي في عرف الناس الشيء الضار الذي يكافح كجرثومة السِّل مثلًا، وحاشاه ﷺ من ذلك، وهو الذي نفع الأمة، وبلَّغ الرسالة، وأنقذ بتعاليمه الناس من الظلم
والشرك والتفرقة إلى العدل والتوحيد وإن أراد بالجرثومة الأصل والسبب فهو غير صحيح أيضًا.
٧ - ثم بعد هذا الكلام الباطل يعود ليصف الرسول ﷺ بأوصاف كاذبة فيها الشرك الذي يحبط العمل كقوله في [صفحة ٩٠]:
(اللهم صلّ على مَن تفتقت من نوره الأزهار، واخضرت من بقية ماء وضوئه
الأشجار).
فالله الذي خلق الأشجار وهو الذي فتق أزهارها، وأعطاها لون الخضرة.
٨ - ثم يقول عن الرسول ﷺ [ص ١٠٠]: (والسبب في كل موجود).
إن كان قصده أن الموجودات خلقها الله لأجل محمد ﷺ فهذا كذب وضلال. لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾. [الذاريات: ٥٦]
٩ - ثم يقول المؤلف ص ١٩٨: (اللهم صل على محمد ما سجعت الحمائم، وحمت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم).
وهذا الكلام يخالف كلام الرسول ﷺ الذي نهى عن التمائم فقال:
"مَن علَّق تميمة فقد أشرك". [صحيح رواه أحمد]
(والتميمة: هي الخرزة أو الودعة أو غيرها تُعلَّق على الولد، أو السيارة، أو البيت
стр. 639
لرد العين) وهي من الشرك: وكلام المؤلف يخالف القرآن الذي يعتبر النفع والضر منِ الله فيقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [سورة الأنعام: ١٧]
١٠ - ثم يقول الجزولي: (اللهم صلّ على محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، وارحم محمدًا حتى لا يبقى من الرحمة شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، وسلم على محمد حتى لا يبقى من السلام شيء). [ص ٦٤]
هذا كلام باطل يخالف القرآن فإن صلاة الله، ورحمته، وبركته، وسلامه دائمة
لا تنفد ولا تفنى، قال الله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. [الكهف: ١٠٩]
١١ - ثم يذكر في آخر الكتاب (الصلاة المشيشية)، التي على الهامش، وهذا نصها: [ص ٢٥٩، ٢٦٠]
(اللهم صلِّ على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق. . ولا شيء إلا وهو به منوط. إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط). أقول: هذا كلام باطل. في أوله، وسخيف معقد في آخره يخالف الشرع والعقل. ثم يقول في تتمة هذا الدعاء [ص ٢٦]:
(وزُجَّ بي في بحار الأحدية، وانشلني مغ أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحر
الوحدة، حتى لا أرى، ولا أسمع، ولا أُحِس إلا بها).
لاحظ أخي المسلم أن في هذا الدعاء أمرين:
أ - قوله: (وانشلني من أوحال التوحيد).
والأوحال هي الطين والأوساخ، فهل للتوحيد أوساخ؟! ..
إن توحيد الله في العبادة والدعاء نظيف ليس فيه أوحال وأوساخ كما يزعم ابن مشيش، وإنما الأوحال والأوساخ في دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء، وهو من الشرك الأكبر الذي يُحبط العمل، ويُخلد صاحبه في النار.
ب - قوله: (وزُجّ بي في بحار الأحدية، وأغرقني في عين بحر الوحدة).
أقول: هذه وحدة الوجود عند بعض الصوفية التي عبر عنها زعيمهم ابن عربي
المدفون بدمشق حيث قال في الفتوحات المكية:
стр. 640
العبد رب، والرب عبد ... يا ليت شعري من المكلف؟
إن قلت عبد فذاك حق ... وإن قلت رَبٌ فأنى يكلف؟
فانظر كيف جعل العبد ربًا، والرب عبدًا، فهما مستويان عند ابن عربي وابن مشيش الذي ذكر كلامه (دلائل الخيرات).
١٢ - ثم ذكر المؤلف [ص ٨٣]:
(اللهم صل على كاشف الغُمة، ومُجلي الظلمة، ومُولي النعمة، ومُؤتي الرحمة).
أقول: هذا إطراء لا يرضاه الإِسلام وقد نهى الرسول ﷺ عنه.
١٣ - ثم يقول علي بن سلطان محمد القاري في ورده الذي سماه:
(الحزب الأعظم) المطبوع على هامش (دلائل الخيرات):
(اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نوره). [ص ١٣٨]
أقول: هذا كلام باطل يكذبه الحديث القائل: "إن أول ما خلق الله القلم".
[رواه أحمد وصححه الألباني]
أما حديث: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر".
فهو عند أهل الحديث مكذوب وموضوع وباطل.
١٤ - جاء في بعض النسخ من كتاب (دلائل الخيرات) وفي آخر قصيدة جاء فيها:
بأبي خليل شيخنا وملاذنا ... قطبُ الزمان هو المسمى محمد
يقول: إن شيخه محمد يلوذ به ويلتجىء إليه عند المصائب، وهذا شرك؛ لأن
المسلم لا يلوذ إلا بالله، ولا يلتجىء إلا إليه لأنه حي قادر، وشيخه ميت عاجز لا ينفع ولا يضر.
ويعتقد أن شيخه قطب الزمان، وهذا اعتقاد الصوفية القائلة: إن في الكون
أقطابًا يتصرفون في أمور الكون، حيث جعلوهم شركاء لله في تدبير الأمور، مع أن المشركين السابقين يعتقدون أن المدبر للكون هو الله وحده، قال الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. [يونس: ٣١]
стр. 641
١٥ - لقد ورد في كتاب (دلائل الخيرات) أدعية صحيحة، ولكن هذه الطامات الكبرى السابقة الموجودة فيه أفسدت عقيدة القارىء للكتاب إذا اعتقد بها، فلم تعد تنفع الأدعية الصحيحة.
وفي الكتاب أخطاء كثيرة، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب (كتب ليست من الإِسلام) لمؤلفه الأستاذ محمود مهدي استانبولي حيث تكلم عنه، وعن قصيدة البردة، ومولد العروس، وطبقات الأولياء للشعراني، وتائية ابن الفارض،
والأنوار القدسية، والتنوير في إسقاط التدبير، ومعراج ابن عباس، والحِكم لابن عطاء الله الإِسكندري، وغيرها من الكتب التي طالب المؤلف بإحراقها لما فيها من الضرر على عقيدة المسلمين.
١٦ - احذر يا أخي المسلم قراءة هذه الكتب، وعليك بقراءة كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ ) للشيخ إسماعيل القاضي تحقيق المحدث الألباني، كما أن هناك كتابًا جيدًا اسمه (دليل الخيرات) لمؤلفه (خير الدين وانلي) جمع فيه صلوات وأدعية صحيحة يغنيك عن (دلائل الخيرات) الذي يوقعك في الشرك والآثام.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وكرهنا فيه، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.
[انتهت المواضيع التي كتبها محمد بن جميل زينو].
стр. 642
علامات حسن الخاتمة
ثم إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة
-كتبها الله لنا بفضله ومَنه- فأيما امرىء مات بإحداها كانت بشارة له، ويالها
من بشارة!
الأولى: نطقهُ بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث.
١ - "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
[أخرجه الحاكم وغيره بسند حسن عن معاذ]
٢ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: "رأى عمر طلحة بن عبيد
الله ثقيلًا، فقال: ما لك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتك امرأة عمك يا أبا فلان؟ قال: لا، [وأثنى على أبي بكر] إلا أني سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفَّس الله عنه كربته، قال: فقال عمر إني لأعلم ما هي! قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمة أعظم من كلمة أمرَ بها عمَّه عند الموت: (لا إله إلا الله) قال طلحة: صدقت، هي والله هي". [أخرجه الإمام أحمد وغيره وإسناده صحيح]
الثانية: الموت برشح الجبين:
لحديث بريدة بن الحصيب ﵁: "أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له
وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"موت المؤمن بعرق الجبين". [أخرجه النسائي وغيره وهو صحيح على شرط البخاري]
الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها.
لقوله ﷺ : "ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر".
[أخرجه أحمد (٦٥٨٢ - ٦٦٤٦) من طريقين عن عبد الله بن عمرو، والترمذي من أحد الوجهين، وله شواهد عن أنس وجابر بن عبد الله وغيرهما]
стр. 643
الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]
وفي ذلك أحاديث عن الرسول ﷺ :
١ - "للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإِيمان، ويُزوَّج من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه".
[أخرجه الترمذي وصححه، وابن ماجه وأحمد وإسناده صحيح]
٢ - عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
"أن رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". [رواه النسائي وسنده صحيح]
(تنبيه): ترجى هذه الشهادة لمن سألها نحلصًا من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله ﷺ :
"من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".
[أخرجه مسلم]
الخامسة: الموت غازيًا في سبيل الله. وفيه حديثان:
١ - "ما تعدُّون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتل في سبيل الله فهو
شهيد، قال: إن شهداء أُمتي إذا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟
قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن (١) فهو شهيد، والغريق شهد". [أخرجه مسلم وأحمد عن أبي هريرة]
٢ - "مَن فصَل (أي خرج) في سبيل الله فات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامّة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهد وإن الجنة". [حسن أخرجه أبو داود]
стр. 644
السادسة: الموت بالطاعون. وفيه أحاديث عن النبي ﷺ :
١ - عن حفصة بنت سيرين: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي
عمرة؟ قلت: بالطاعون، فقال:
قال رسول الله ﷺ : "الطاعون شهادة لكل مسلم". [أخرجه البخاري]
٢ - عن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله ﷺ :
"أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس
من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب
الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد". [أخرجه البخاري]
٣ - "يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن
شهداء، فيقال انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا ريح
المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك". [رواه أحمد وغيره وحسنه الحافظ]
السابعة: الموت بداء البطن. وفيه حديثان:
١ - ". . ومن مات في البطن فهو شهيد" [رواه مسدم وغيره، وتقدم بتمامه في "الخامسة"]
٢ - عن عبد الله بن يسار قال: "كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن
عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا
شهداء جنازته فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : "مَن يقتله بطنه فلن يُعذب في قبره؟ ". فقال الآخر: بلى وفي رواية: "صدقت". [أخرجه النسائي وغيره وسنده صحيح]
الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم:
لقوله ﷺ : "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". [متفق عليه]
العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها:
لحديث عبادة بن الصامت: "أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوَّز (١) له عن فراشه، فقال: أتدري من شهداء أُمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: "إن شهداء أُمتي إذًا لقليل! قتل المسلم شهادة،
стр. 645
والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء (١) شهادة،
(يجرهما ولدهما بسرره (٢) إلى الجنة) ". [أخرجه أحمد وغيره وسنده صحيح]
الحادية عشر والثانية عشر: الموت بالحرق، وذات الجنب:
وفيه أحاديث، أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعاً:
"الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذى يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بُجُمع (٣) شهيدة".
[رواه أحمد وغيره والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي]
الثالثه عشر: الموت بداء السل.
لقوله ﷺ : "القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسِّل شهادة، والبطن شهادة". [رواه أحمد وغيره وحسنه المنذري]
الرابعة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه. وفيه أحاديث:
١ - "مَن قتل دون ماله، (وفي رواية: مَن أريد ماله بغير حق فقاتل، فقُتل)
فهو شهيد". [متفق عليه بالرواية الأولى]
الخامسة عشر والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس:
وفيه حديثان:
١ - "مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون أهله فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل. دون دمه فهو شهيد".
[صحيح رواه أبو داود وغيره]
٢ - "مَن قُتل دون مظلمته فهو شهيد". [رواه أحمد وسنده صحيح]
(والمظلمة: تشمل الأنواع الأربعة المذكورة في الحديث الأول).
السابعة عشر: الموت مرابطاً في سبيل الله. ونذكر فيه حديثين:
١ - "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقه، وأمِنَ الفَتان". [رواه مسلم وغيره]
стр. 646
٢ - "كل ميت يُختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله، فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر".
[أخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وصححه الترمذي]
الثامنة عشر: الموت على عمل صالح:
لقوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتِم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتِم له بها دخل الجنة".
[رواه الامام أحمد وغيره وإسناده صحيح]
[انظر أحكام الجنائز للمحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ص ٣٤ مع اختصار في التخريج وبعض الأحاديث]
стр. 647
باب لا يقال فلان شهيد
هذا ما ذكره البخاري في صحيحه في (كتاب الجهاد والسير).
١ - قال أبو هريرة عن النبي ﷺ :
"الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله".
٢ - ثم شرح ابن حجر في كتابه فتح الباري [جـ ٦/ ٩٠]:
قوله: (باب لا يقال فلان شهيد) أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: "تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيداً، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ :.
"من مات في سبيل الله، أو قُتل فهو شهيد". [حديث حسن أخرجه أحمد وغيره]
ثم قال ابن حجر: وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يقال ذلك على وجه الإجمال.
٣ - ثم شرح ابن حجر الحديث الأول فقاك: يُكلَم: يُجرَح، وهذا طرف من حديث تقدم .. ووجه أخذ الترجمة منه يظهر من حديث:
"مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". [متفق عليه]
ولا يطلع على ذلك إلا بالوحي، فمن ثبت أنه في سبيل الله أعطي حكم الشهادة. فقوله: "والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله": أي فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله، فلا ينبغي إطلاق كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله.
٤ - ثم ذكر المصنف حديث سهل بن سعد في قصة الذي بالغ في القتال حتى قال المسلمون:
ما أجزأ أحد، ما أجزأ، ثم كان آخر أمره أنه قتل نفسه، ووجه أخذ الترجمة أنهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة، وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله، وإنما قاتل غضباً لقومه، فلا يطلق على كل مقتول
стр. 648
في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة.
ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأُحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب والله أعلم. [انتهى].
٥ - الخلاصة: مما تقدم من الأحاديث وقول الصحابة والعلماء يدل على أنه لا يجوز إطلاق كلمة (شهيد) على كل من قتل، لأن هذه من الأمور الغيبية لا تثبت إلا بالوحي، وعلينا أن نقول كما علمنا رسول الله ﷺ :
"مَن قاتل في سبيل الله أو قتل فهو شهيد" وقد تقدم.
ومن أراد التفصيل فعليه بقراءة كتاب: (القول السديد في أنه لا يقال فلان شهيد).
стр. 649
موعظة الرسول عند دفن الميت
ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده، لحديث البراء بن عازب قال:
"خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحَد، فجلس رسول الله ﷺ [مستقبلاً القبلة] وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، [فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً]، فقال:
استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثاً.
[ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثاً]، ثم قال:
إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كان وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنوط (١) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملَك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، أُخرجُي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة مِن فِيِّ السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلَّى عليه كل مَلك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يُعرَج بروحه من قِبَلِهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. [سورة الأنعام، آيه ٦١]
ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون -يعني- بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن اسمائه التي كانوا يُسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى
стр. 650
السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيُشيِّعه مِن كل سماء مُقرَّبوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين:
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
[سورة المطففين ١٩ - ٢١]
فيكتب كتابه في عِليين ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني، [وعدتهم أنّي] منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أُخرى، قال: فـ[يُرِدُّ إلى الأرض] وتعاد روحه في جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا وَلَّوا عنه] [مدبرين]، فيأتيه مَلكان [شديدا الانتهار] فـ[ينتهرانه]، ويُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدَّقت، [فينتهره فيقول: مَن ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تُعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله :
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [سورة إبراهيم آية ٢٧]
فيقول ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيِّي محمد ﷺ ، فينادي منادٍ في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مدَّ بصره، قال: ويأتية (وفي رواية: يُمثل له) رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيه نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] مَن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في إطاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً]، ثم يُفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجِّل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن]، قال:
стр. 651
وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سود الوجوه، معهم المسوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أُخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتُفرق في جسده فيتزعها كما ينتزع السُّفود [الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب]، [فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه مِن قِبَلِهم]، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتَح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ :
﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢).
فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارة أخرى] فتُطرَح روحه [من السماء] طرحاً [حتى تقع في جسده] ثم قرأ:
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ، فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. [سورة الحج ٣١]
فتعاد روحه في جسده.
[قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابة إذا ولَّوا عنه].
ويأتيه ملَكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويُجلسانه]، فيقولان له: مَن ربك؟
стр. 652
[فيقول: هاه هاه (١) لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري]، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول: هاه هاه لا أدري [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت]، [ولا تلوت]، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تخلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت مشرك الله بالشر] مَن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتك إلاكنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله] [فجزاك الله شراً، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مِرْزَبة! لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة حتى يصير بها تراباً ثم يُعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أُخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تُقم الساعة".
[رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني وغيره انظر صحيح الجامع رقم ١٦٧٢]، [وانظر أحكام الجنائز للألباني ص ١٥٦]
стр. 653
ما يستفاد من هذا الحديث
١ - مشروعية الموعظة عند دفن الميت للحاضرين للعبرة، وعدم مشروعية الرثاء والمدح عند قبر الميت للنهي الوارد بهذا في غير هذا الحديث.
٢ - الاستعاذة من عذاب القبر.
كيف تخرج روح المؤمن:
١ - نزول ملائكة من السماء بيض الوجوه، ومعهم كفن من أكفان الجنة معطرة يجلسون أمام الميت.
٢ - جلوس ملك الموت عند رأس الميت قائلاً: أيتها النفس المطمئنة ..
٣ - خروج روح المؤمن بسهولة عند الموت.
٤ - صلاة الملائكة على المؤمن بعد خروج روحه.
٥ - فتح السماء لاستقبال روح المؤمن.
٦ - الملائكة تأخذ روح المؤمن، وتجعلها في كفن مُطيب.
٧ - خروج الرائحة الطيبة من روح المؤمن بعد موته.
٨ - صعود الملائكة بروح المؤمن إلى السماء، وندائه بأحسن أسمائه.
٩ - تشييع الملائكة لروح المؤمن في السموات.
١٠ - أمر الله للملائكة أن يكتبوا اسمه في عليين.
١١ - أمر الله للروح بالعودة إلى الأرض لتعاد إلى جسده.
١٢ - سؤال الملكين للميت بعد أن يجلساه: مَن ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟.
١٣ - ينادي مناد في السماء (وهو الله): صدق عبدي فأفرشوه في الجنة، وافتحوا له باباً فيها.
١٤ - عمل المؤمن يصور له بشكل رجل حسن الوجه، ويبشره بما يسره.
١٥ - يفتح للمؤمن باب من النار، ويقال له: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا (أي الجنة).
١٦ - المؤمن يقول عندما يرى الجنة: رب عَجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي.
стр. 654
كيف تخرج روح الكافر أو الفاجر ؟
١ - نزول ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه لقبض روح الكافر أو الفاجر.
٢ - جلوس ملك الموت عند رأسه قائلًا: أيتها النفس الخبيثة.
٣ - لعن الملائكة له، وإغلاق أبواب السماء، وخروج رائحة كريهة منتنة.
٤ - يقول الله : اكتبو كتابه في سجين في الأرض السفلى.
٥ - تُطرح روحه من السماء طرحاً حتى تقع في جسده.
٦ - هذا جزاء المشرك بالله، واستشهاد الرسول ﷺ بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾. [سورة الحج، آية ٣١]
المشرك: هو الذي يصرف العبادة لغير الله، كأن يدعو غير الله، أو يحتكم لغير شرع الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً جواز ذلك، أو غير ذلك من
العبادة.
٧ - ملائكة العذاب تنهر المشرك وتسأله عن ربه ودينه ونبيه، فيجيب بكلمة التوجع: هاه هاه.
٨ - يفتح له باب من النار في قبره، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره.
٩ - تصوير عمله برجل قبيح المنظر، منتن الرائحة قائلًا له: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد.
١٠ - يأتيه ملك أعمى أصم أبكم يضربه بمِرزَبّة لو ضُربَ جبل كان تراباً.
١١ - يفتح للمشرك باب من النار، فيقول: رب لا تُقم الساعة.
اللهم اجعلنا من المؤمنين، وارزقنا جنات النعيم ولا تجعلنا من الكافرين أو
الفاجرين، وجنبنا نار الجحيم. وصلى الله على عبدك ورسولك محمد ﷺ . [كتب هذه الإستفادة من الحديث محمد بن جميل زينو]
**
стр. 655
(٣)
توجيه المسلمين إلى طريق النصر والتمكين
стр. 656
موجز توجيه المسلمين رقم (٣)
* - نواقض الإسلام.
* - الكفر وأنواعه.
* - الحكم بغير ما أنزل الله.
* - كيف تعظم الذنوب.
* - أسباب الوقوع فى الذنوب.
* - الإبتلاء في القرآن والسنة.
* - أحاديث نبوية في الفتن.
* - كيف يخرج المسلمون في الفتن.
* - الجهاد في سبيل الله.
* - من أسباب النصر.
* - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* - التوبة في القرآن والسنة.
* - تحريم الظلم بأنواعه.
* - الأمر بالدعاء وفوائده وآدابه.
* - من دعاء الرسول ﷺ .
стр. 657
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..... أما بعد:
فإن ما حلَّ بالمسلمين اليوم من المصائب والفتن في جميع بلاد العالم الإِسلامي، كاحتلال اليهود لأرض فلسطين والقدس، والشيوعية لأفغانستان، والحروب الطائفية في لبنان، والغزو العراقي للكويت، وما أحدثه من تصدع واختلاف بين العرب والمسلمين، بل هز العالم بأسره، وما تعانيه الأقليات المسلمة من ظلم واضطهاد وغيرها من البلاد الإِسلامية التي تعاني الذل والهوان.
١ - ما أسباب هذه المصائب والمحن؟
٢ - ما سبب اختلاف المسلمين وتسلط بعضهم على بعض؟
٣ - كيف يتخلص المسلمون من هذه المصائب على اختلاف أنواعها؟
٤ - ما هي طرق الوقاية الشاملة من خطر الذنوب والمعاصي؟
٥ - ما هو طريق النصر الذي يعيد العزة للمسلمين؟
٦ - ما هو طريق النجاة من النار والفوز بالجنة؟
هذه الأسئلة سيجد القارىء أجوبة لها مع غيرها من البحوث المهمة في هذه الرسالة.
والله نسأل أن ينفع بها المسلمين وأن يعيد لهم مجدهم إنه سميع قريب. محمد بن جميل زينو
стр. 658
الإيمان بالقدَر خيره وشره
هذا هو الركن السادس من أركان الإيمان، ومعناه كما قال الإِمام النووي في شرحه لهذا الركن في كتاب (الأربعين النووية):
إن الله قدَّر الأشياء في القِدَم، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وفي أمكنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدَّره الله .
الأيمان بالقدَر على أنواع:
١ - التقدير في العلم: "وهو الإيمان بأن الله تعالى قد سبق في عِلمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومَن هو منهم مِن أهل الجنة، ومَن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهم الثواب والعِقاب جزاءٌ لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه". (نقلاً من كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص ٢٤)
٢ - التقدير في اللوح المحفوظ: ذكر ابن كثير في تفسيره نقلاً عن عبدالرحمن بن سلمان قوله: "ما من شيء قضى الله: القرآن فماقبله وما بعده إلا هو في اللوح المحفوظ". (ج ٤/ ٤٩٧)
٣ - التقدير في الرحم: وقد ورد في الحديث:
" ... ثم يُرسَل إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ... ". (رواه البخاري ومسلم)
٤ - التقدير في المواقيت: "وهو سوق المقادير إلى المواقيت، والله تعالى خلق الخير والشر، وقدَّر مجيئه إلى العبد في أوقات معلومة". (نقلاً من صرح الأربعين حديث للنووي)
стр. 659
من فوائد الإيمان بالقدر
١ - الرضا واليقين: قال الله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. [سورة التغابن ١١]
قال ابن عباس: (بأمر الله، يعني عن قدَره وقضائه).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. [سورة التغابن ١١]
قال ابن كثير في تفسيرها: (أي ومن أصابته مُصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوَّضه عما فاته من الدنيا هُدىً في قلبه، ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أُخذ منه أو خيراً منه. وقال ابن عباس: يَهدِ قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه.
وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله. فيرضى ويسلم
٢ - تكفير الذنوب: قال ﷺ : "ما يصيب المؤمن من وصَب، ولا نصَب، ولا سَقم، ولا حزَنٍ، حتى الهمّ يَهُمُّهُ إلا كفَّر الله به سيئاته". (متفق عليه)
٣ - إعطاء الأجر الكبير: قال الله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة ١٥٥ - ١٥٧]
٤ - غنى النفس: قال ﷺ : (... وارض بما قسمه الله لك تَكن أغنى الناس". (رواه أحمد والترمذي وحسنه محقق جامع الأصول)
وقال ﷺ : "ليس الغِنى عن كثرة العَرض، ولكن الغِنى غنى النفس" (متفق عليه) والمشاهد أن كثيراً ممن يملكون الأموال الطائلة، ولا يرضون بها، فيكونون فقراء النفوس، والذي يملك مالاً قليلاً، وهو راض بما قسمه الله بعد الأخذ بالأسباب، فيكون غنياً بنفسه.
٥ - عدم الفرح والحزن: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (سوره الحديد ٢٢)
стр. 660
(نبرأها: نخلقها، تأسوا: تحزنوا) (مختال فخور: متكبر في نفسه فخور على غيره) قال ابن كثير: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نِعم الله أشراً وبطراً.
وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً.
٦ - الشجاعة والإقدام: إن الذي يؤمن بالقدر يكون شجاعاً لا يهاب إلا الله، لأنه يعلم أن الأجل مُقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وما أصابه لم يكن لِيُخطئه، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرَج مع الكرب، وأن مع العُسر يُسرا.
٧ - عدم الخوف من ضرر البشر: قال ﷺ : " ... واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشىءٍ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفّت الصُحف".
(رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)
٨ - عدم الخوف من الموت: وقد نسب إلى علي ﵁ قوله:
أيّ يَومَيَّ مِن الموت أفِر ... يوم لم يُقدَر، أم يوم قُدِرْ
يوم لم يُقدَر لا أرهَبُهُ ... ومن المكتوب لا ينجو الحذِر
٩ - عدم الندم على ما فات: قال ﷺ : "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعِن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُل قدَّر الله وما شاء فعل، فإنّ لَوْ تفتح عمل الشيطان". (متفق عليه)
١٠ - الخير فيما اختاره الله: إذا أصيب المسلم بجرح في يده مثلًا فليحمد الله أنها لم تكسَر، وإذا كُسرت فليحمد الله أنها لم تُقطع، أو لم يكسر ظهره مما هو أخطر، وحدث أن رجلاً تاجراً كان ينتظر طائرة لعقد صفقة تجارية فأذّن المؤذن للصلاة، فدخل ليصلي، ولما خرج وجد الطائرة قدَ أقلعت، فجلس حزيناً على ما فاته، وبعد قليل علم أن الطائرة احترقت في الجو، فسجد شكراً لله على سلامته وتأخره بسبب الصلاة، وتذكر قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). (سورة البقرة ٢١٦)
стр. 661
الإحتجاج بالقدر
س ١: هل يجوز الاحتجاج بالقدَر؟
ج ١: يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، لأنها واقعة بقضاء الله وقدره،
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. (سورة التغابن: ١١)
قال ابن عباس: بأمر الله، يعني عن قدره وقضائه.
وقال ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُل قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لَوْ تفتح عمل الشيطان". (رواه مسلم)
وأما الاحتجاج بالقدر على المعاصي فهو من خصال المشركين الذين قال الله
فيهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ
شَيْءٍ ..﴾. (سورة الأنعام: ١٤٨)
والمحتج بالقدر إما جاهل مُقلِّد أو مُلحد معاند، وهو متناقض في دعواه لا يقبل أن يعتدي عليه أحد، ثم يقول: هذا قضاء الله وقدره!
لقد أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتب ليُبينوا للناس طريق السعادة والشقاء،
وتكرَّم على الإنسان بالعقل والتفكير، وعرَّفه الضلال والهدى. قال الله تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. (سورة الإنسان: ٣)
وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. (سورة الشمس ٨ - ١٠)
فإذا ترك الإنسان الصلاة، أو شرب الخمر استحق العقوبة لمخالفته أمر الله ورسوله وعندها يحتاجِ إلى التوبة، ولا ينفعه احتجاجه بالقدر.
س ٢: هل نترك العمل ونتَّكل على القدر؟
ج ٢: لا نترك العمل لقول الله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (سورة الليل ٥ - ٧)
وقال ﷺ : "اعملوا فكلٌ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له". (رواه البخاري ومسلم)
стр. 662
يستفاد من الحديث
إن المؤمن الذي يحبه الله هو المؤمن القوي الذي يعمل ويحرص على نفعه،
ويستعين بالله وحده، ويأخذ بالأسباب؛ فإن أصابه بعد ذلك أمر يكرهه، فلا
يندم، بل يرضى بما قدَّره الله: متذكراً قول الله تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (سورة البقرة ٢١٦)
س ٣: ما هي الحكمة من نزول المصائب والكروب؟
ج ٣: إن الإنسان عندما يَحس بالقوة يطغى ويستكبر، فيعتقد أنه لن يهزم أمام شيء، فإذا رأى قوته تتضاءل حتى يدركها العجز ورأى الكرب يشتد حتى لم تعد له قوة، وعندها يرى نفسه على حقيقتها ويزول الكبر والطغيان والتجبر، ويلجأ إلى الله موقناً أنه وحده الذي ينقذه، وكل ما عداه هباء. قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ
عَرِيضٍ﴾. (سورة فصلت ٥١) "الأجوبة المفيدة للدوسري"
стр. 663
نواقض الإسلام
إن للإسلام نواقض إذا فعل المسلم واحداً منها فقد فعل الشرك الذي يحبط
العمل، ويُخلِّد في النار، ولا يغفره الله إلا بتوية.
١ - دعاء غير الله: كدعاء الأنبياء أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. (سورة يونس ١٠٦)
(أي المشركين)
وقوله ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار". (رواه البخاري) (النِد: المثيل والشريك).
٢ - اشمِئزاز القلب من توحيد الله، ونفوره من دعائه والاستغاثة به وحده، وانشراح القلب عند دعاء الرسل أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين، وطلب المعونة منهم لقوله تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. (سورة الزمر ٤٥)
وتنطبق الآية على الذين يحاربون من يستعين بالله وحده، ويقولون عنه وهابي، إذا علموا أن الوهابية تدعو للتوحيد.
٣ - الذبح لرسول الله أو ولي لقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (سورة الكوثر) (أي صَل لربك واذبح له).
وقوله ﷺ : "لَعن الله من ذبح لغير الله". (رواه مسلم)
٤ - النذر لمخلوق على سبيل التقرب والعبادة له، وهي لله وحده.
قال تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. (سورة آل عمران ٣٥)
٥ - الطواف حول القبر بنية التقرب والعبادة له، وهو خاص بالكعبة.
لقول الله تعال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (سورة الحج ٢٩)
стр. 664
٦ - الاعتماد والتوكل على غير الله، لقول الله تعالى:
﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. (سورة يونس ٨٤)
٧ - الركوعٍ أو السجود بنية العبادة للملوك أو العظماء الأحياء أو الأموات إلا أن يكون جاهلاً لأن الركوع والسجود عبادة لله وحده.
٨ - إنكار ركن من أركان الإِسلام المعروفة كالصلاة والزكاة والصوم والحج، أو إنكار ركن من أركان الإيمان: وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخر وبالقدَر خيره وشره، وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
٩ - كراهية الإسلام، أو كراهية شيء مجمع عليه في العبادات أو المعاملات، أو الاقتصاد، أو الأخلاق لقوله تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. (سورة محمد ٩)
١٠ - الاستهزاء بشيء من القرآن، أو الحديث الصحيح المتفق على صحته وأدلته، أو بحكم مجمع عليه من أحكام الإسلام. لقوله تعالى:
﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. (سورة التوبة ٦٥ - ٦٦)
١١ - إنكار شيء من القرآن الكريم، أو الأحاديث الصحيحة مما يوجب الرّدة عن الدين إذا تعمد ذلك عن علم.
١٢ - شتمُ الربِّ أو لعنُ الدين أو سَبّ الرسول ﷺ ، أو الإستهزاء بحاله، أو نقدِ ما جاء به مما يوجب الكفر.
١٣ - إنكار شيء من أسماء الله، أو صفاته، أو أفعاله الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة من غير جهل ولا تأويل.
١٤ - عدم الإيمان بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية الناس، أو انتقاص أحدهم لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. (سورة البقرة ٢٨٥)
١٥ - الحكم بغير ما أنزل الله إذا اعتقد عدم صلاحيةِ حكم الإسلام أو أجاز الحكم بغيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة المائدة ٤٤)
١٦ - التحاكم لغير الاسلام، وعدم الرضا بحكم الإِسلام، أو يرى في نفسه ضيقاً
стр. 665
وحرَجاً من حكمه لقوله تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. (سورة النساء ٦٥)
١٧ - إعطاء غير الله حق التشريع كالديكتاتورية، أو الديمقراطية، أو غيرها ممن يسمحون بالتشريع المخالف لشرع الله. لقوله تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. (سورة الشورى ٢١)
١٨ - تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، كتحليل الزنى أو الخمر أو الربا غير مُتأول، لقوله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. (سورة البقرة ٢٧٥)
١٩ - الإِيمان بالمبادىء الهدامة: كالشيوعية الملحدة، أو الماسونية اليهودية، أو الإشتراكية الماركسية، أو العلمانية الخالية من الدين، أو القومية التي تفضل غير المسلم العربي على المسلم الأعجمي لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
(سورة آل عمران ٨٥)
٢٠ - تبديل الدين والانتقال من الإِسلام لغيره لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ...﴾. (سورة البقرة ٢١٧)
ولقوله ﷺ : "من بَدَّل دينه فاقتلوه". (رواه البخاري)
٢١ - مناصرة اليهود والنصارى والشيوعيين ومعاونتهم على المسلمين لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. (سورة آل عمران ٢٨)
٢٢ - عدم تكفير الشيوعيين المنكرين لوجود الله، أو اليهود والنصارى الذين لا يؤمنون بمحمد ﷺ ، لأن الله كفرهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. (سورة البينة ٦)
٢٣ - قول بعض الصوفيين بوحدة الوجود: وهو ما في الكون إلا الله، حتى قال زعيمهم:
وما الكَلبُ والخنزيرُ إلا إلهنا ... وما الله إلاراهب في كنيسةِ
وقال زعيمهم الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم العلماء عليه بالقتل فأُعدِم.
стр. 666
٢٤ - القول بانفصال الدين عن الدولة، وأنه ليس في الإسلام سياسة حكم لأنه تكذيب للقرآن والحديث والسيرة النبوية.
٢٥ - قول بعض الصوفية: إن الله سلَّم مقالد الأمور لبعض الأولياء من الأقطاب وهذا شرك في أفعال الرب سبحانه، يخالف قوله تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. (الزمر ٦٣)
إن هذه المبطلات أشبه بنواقض الوضوء، فإذا فعل المُسلم واحداً منها، فليجدد إسلامه، وليترك المبطل وليتب إلى الله قبل أن يموت فيحبط عمله، ويُخلَّد في نار جهنم. قال الله تعالى:
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. (سورة الزمر ٦٥)
وعلمنا رسول الله ﷺ أن نقول: "اللهم إنا نعوذُ بك مِن أن نُشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم". (رواه أحمد بسند حسن)
стр. 667
الذنوب
تعريف الذنوب:
هي ترك المأمورات، وفعل المحذورات، أو ترك ما أوجب الله وفرض من كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وارتكاب ما نهى الله عنه، أو رسوله ﷺ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. (النساء ١٤)
أقسام الذنوب:
الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف:
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. (النساء ٣١)
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾. (النجم ٣٢)
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". (رواه مسلم)
والصغائر كما عرّفها العلماء: ما خرج عن حَد أقل الكبائر أو هو ما دون الحدَّين (حد الدنيا، ووعيد الآخرة) ولم يقترن بالنهي عنه وعيد، أو لعن، أو غضب، أو عقوبة، أو نفي الإِيمان عن فاعله.
стр. 668
اجتنبوا الكبائر
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. (سورة النساء ٣١)
٢ - وقال ﷺ : "أكبر الكبائر: الإِشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور". (متفق عليه)
٣ - الكبيرة: هي كل معصية فيها عقوبة حَدِّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة من عذاب أو غضب، أو لعن من الله أو رسوله.
٤ - عدد الكبائر: قال ابن عباس ﵄:
هي إلى السبعمائة أقربُ منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإِصرار، والكبائر متفاوته في درجاتها. (انظر تفسير ابن كثير)
أنواع الكبائر
١ - الكبائر في العقيدة: الشرك بالله وهو العبادة أو الدعاء لغير الله، لقوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
والتعليم الشرعي للدنيا فقط، وكتمان العلم، والخيانة، وتصديق الكاهن أو الساحر أو المنجم، والذبح، والنذر لغير الله، وتعليم السحر وتعاطيه، والحلف بغير الله، (كالشرف، والولد والنبي والكعبة وغيرها) ولعن المسلم، أو تكفيره بلا دليل. وعدم تكفير الكافرين، والكذب على الله ورسوله (كالأحاديث الوضوعة لمن يعرف أنها موضوعة)، والأمن من عذاب الله، واللطم والنياحة على الميت، والتكذيب بالقدَر وتعليق التميمة
(كالخرز أو النضوة، أو الكف على الولد أو السيارة أو الدار تُعلَّق من العين).
стр. 669
٢ - الكبائر في النفس والعقل: قتل النفس بغير حق، وإحراق الإِنسان أو الحيوان بالنار، والاستطالة على الضعيف أو الزوجة، أو التلميذ، أو الخادم، أو الدابة، والغيبة، والنميمة (نقل الكلام السيء للفتنة) والمشروبات المسكرة بأنواعها: (كالخمر والنبيذ والوسكي والبيرة وغيرها) وتناول السموم، وأكل لحم الخنزير والميتة بلا ضرورة، والأشربة الضارة: (كالحشيش والدخان لضررهما)، وقتل الإِنسان نفسه ولو ببطء كالتدخين، والجدال بالباطل، وظلم الناس والاعتداء عليهم، ورد الحق، أو الغضب منه، والسخرية، ولعن المسلم، أو سب أحد الصحابة، والتكبر والعُجب، والتجسُّسُ (التسمع على الناس بما يخفون)، والوشاية عند الحاكم للإِيذاء، والكذب في غالب أقواله، والتماثيل والتصوير لذات الروح من غير ضرورة، كالهوية أو الرخصة أو جواز السفر.
٣ - الكبائر في المال: أكل مال اليتيم، والقمار، واليانصيب، والسرقة، وقطع الطريق، وأخذ المال غصباً، والرشوة، ونقص الكيل والميزان، واليمين الغموس (الحلف بالله كذباً لأخذ المال)، والخديعة في البيع والشراء، وعدم الوفاء بالعهد، وشهادة الزور، والغش، والتبذير، والإِضرار بالوصية، (أن يوصي بدين ليس عليه ليمنع الورثة من حقهم)، وكتمان الشهادة، وعدم الرضا بما قسمه الله، ولبس الذهب للرجال، وإطالة الثوب أو البنطال تحت الكعبين.
٤ - الكبائر في العبادات: ترك الصلاة، أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، والإِفطار في رمضان بلا عذر، وترك الحج مع القدرة عليه، والفرار من الجهاد في سبيل الله، وترك الجهاد بالنفس أو المال أو اللسان على من وجب عليه، وترك صلاة الجمعة أو الجماعة من غير عذر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستطيع، وعدم التنزه من البول (عدم التطهر من البول بالورق أو الحجر أو الماء)، وعدم العمل بالعلم.
٥ - الكبائر في الأسرة والنسب: الزنا، واللواط (إتيان الذكور)، وقذف المحصنات المؤمنات (الطعن في أعراضهن)، وتبرج المرأة، وإظهار شعرها، وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء، (كحلق اللحية)، وعقوق الوالدين (عدم إطاعتهما في غير معصية)، وهجر الأقارب من غير سبب مشروع، وعصيان المرأة زوجها في
стр. 670
الفراش بلا عذر كالحيض والنفاس، وما يعمله المحلِّل والمحلَّل له من حيل (المحلِّل: هو الذي ينكح زوجة مطلقة ليردها لزوجها الأول وهو المحلَّلُ له). وإنكار المرأة إحسان زوجها، والإنتساب إلى غير الأب مع العلم به، والراضى لأهله بالزنا، وأذى الجار، ونتف الشعر من الوجه أو الحاجب للمرأة أو الرجل. (انظر توجيهات إسلامية لمحمد زينو)
الكفر وأنواعه
الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار.
والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
ومنه قوله ﷺ : "اثنتان في أُمتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت". (رواه مسلم)
وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". (رواه البخاري ومسلم)
وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.
١ - فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به المعذرة، قال الله تعالى عن فرعون وقومه:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. (سورة النمل الآية ١٤)
وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. (سورة الأنعام الآية ٣٣)
وإن سُمي هذا كفر تكذيب أيضاً فصحيح: إذ هو تكذيب باللسان.
٢ - وأما كفر الإِباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس - فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإِنكار. وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار.