٢٤ - القول بانفصال الدين عن الدولة، وأنه ليس في الإسلام سياسة حكم لأنه تكذيب للقرآن والحديث والسيرة النبوية.
٢٥ - قول بعض الصوفية: إن الله سلَّم مقالد الأمور لبعض الأولياء من الأقطاب وهذا شرك في أفعال الرب سبحانه، يخالف قوله تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. (الزمر ٦٣)
إن هذه المبطلات أشبه بنواقض الوضوء، فإذا فعل المُسلم واحداً منها، فليجدد إسلامه، وليترك المبطل وليتب إلى الله قبل أن يموت فيحبط عمله، ويُخلَّد في نار جهنم. قال الله تعالى:
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. (سورة الزمر ٦٥)
وعلمنا رسول الله ﷺ أن نقول: "اللهم إنا نعوذُ بك مِن أن نُشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم". (رواه أحمد بسند حسن)
стр. 667
الذنوب
تعريف الذنوب:
هي ترك المأمورات، وفعل المحذورات، أو ترك ما أوجب الله وفرض من كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وارتكاب ما نهى الله عنه، أو رسوله ﷺ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. (النساء ١٤)
أقسام الذنوب:
الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف:
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. (النساء ٣١)
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾. (النجم ٣٢)
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". (رواه مسلم)
والصغائر كما عرّفها العلماء: ما خرج عن حَد أقل الكبائر أو هو ما دون الحدَّين (حد الدنيا، ووعيد الآخرة) ولم يقترن بالنهي عنه وعيد، أو لعن، أو غضب، أو عقوبة، أو نفي الإِيمان عن فاعله.
стр. 668
اجتنبوا الكبائر
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. (سورة النساء ٣١)
٢ - وقال ﷺ : "أكبر الكبائر: الإِشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور". (متفق عليه)
٣ - الكبيرة: هي كل معصية فيها عقوبة حَدِّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة من عذاب أو غضب، أو لعن من الله أو رسوله.
٤ - عدد الكبائر: قال ابن عباس ﵄:
هي إلى السبعمائة أقربُ منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإِصرار، والكبائر متفاوته في درجاتها. (انظر تفسير ابن كثير)
أنواع الكبائر
١ - الكبائر في العقيدة: الشرك بالله وهو العبادة أو الدعاء لغير الله، لقوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
والتعليم الشرعي للدنيا فقط، وكتمان العلم، والخيانة، وتصديق الكاهن أو الساحر أو المنجم، والذبح، والنذر لغير الله، وتعليم السحر وتعاطيه، والحلف بغير الله، (كالشرف، والولد والنبي والكعبة وغيرها) ولعن المسلم، أو تكفيره بلا دليل. وعدم تكفير الكافرين، والكذب على الله ورسوله (كالأحاديث الوضوعة لمن يعرف أنها موضوعة)، والأمن من عذاب الله، واللطم والنياحة على الميت، والتكذيب بالقدَر وتعليق التميمة
(كالخرز أو النضوة، أو الكف على الولد أو السيارة أو الدار تُعلَّق من العين).
стр. 669
٢ - الكبائر في النفس والعقل: قتل النفس بغير حق، وإحراق الإِنسان أو الحيوان بالنار، والاستطالة على الضعيف أو الزوجة، أو التلميذ، أو الخادم، أو الدابة، والغيبة، والنميمة (نقل الكلام السيء للفتنة) والمشروبات المسكرة بأنواعها: (كالخمر والنبيذ والوسكي والبيرة وغيرها) وتناول السموم، وأكل لحم الخنزير والميتة بلا ضرورة، والأشربة الضارة: (كالحشيش والدخان لضررهما)، وقتل الإِنسان نفسه ولو ببطء كالتدخين، والجدال بالباطل، وظلم الناس والاعتداء عليهم، ورد الحق، أو الغضب منه، والسخرية، ولعن المسلم، أو سب أحد الصحابة، والتكبر والعُجب، والتجسُّسُ (التسمع على الناس بما يخفون)، والوشاية عند الحاكم للإِيذاء، والكذب في غالب أقواله، والتماثيل والتصوير لذات الروح من غير ضرورة، كالهوية أو الرخصة أو جواز السفر.
٣ - الكبائر في المال: أكل مال اليتيم، والقمار، واليانصيب، والسرقة، وقطع الطريق، وأخذ المال غصباً، والرشوة، ونقص الكيل والميزان، واليمين الغموس (الحلف بالله كذباً لأخذ المال)، والخديعة في البيع والشراء، وعدم الوفاء بالعهد، وشهادة الزور، والغش، والتبذير، والإِضرار بالوصية، (أن يوصي بدين ليس عليه ليمنع الورثة من حقهم)، وكتمان الشهادة، وعدم الرضا بما قسمه الله، ولبس الذهب للرجال، وإطالة الثوب أو البنطال تحت الكعبين.
٤ - الكبائر في العبادات: ترك الصلاة، أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، والإِفطار في رمضان بلا عذر، وترك الحج مع القدرة عليه، والفرار من الجهاد في سبيل الله، وترك الجهاد بالنفس أو المال أو اللسان على من وجب عليه، وترك صلاة الجمعة أو الجماعة من غير عذر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستطيع، وعدم التنزه من البول (عدم التطهر من البول بالورق أو الحجر أو الماء)، وعدم العمل بالعلم.
٥ - الكبائر في الأسرة والنسب: الزنا، واللواط (إتيان الذكور)، وقذف المحصنات المؤمنات (الطعن في أعراضهن)، وتبرج المرأة، وإظهار شعرها، وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء، (كحلق اللحية)، وعقوق الوالدين (عدم إطاعتهما في غير معصية)، وهجر الأقارب من غير سبب مشروع، وعصيان المرأة زوجها في
стр. 670
الفراش بلا عذر كالحيض والنفاس، وما يعمله المحلِّل والمحلَّل له من حيل (المحلِّل: هو الذي ينكح زوجة مطلقة ليردها لزوجها الأول وهو المحلَّلُ له). وإنكار المرأة إحسان زوجها، والإنتساب إلى غير الأب مع العلم به، والراضى لأهله بالزنا، وأذى الجار، ونتف الشعر من الوجه أو الحاجب للمرأة أو الرجل. (انظر توجيهات إسلامية لمحمد زينو)
الكفر وأنواعه
الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار.
والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
ومنه قوله ﷺ : "اثنتان في أُمتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت". (رواه مسلم)
وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". (رواه البخاري ومسلم)
وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.
١ - فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به المعذرة، قال الله تعالى عن فرعون وقومه:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. (سورة النمل الآية ١٤)
وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. (سورة الأنعام الآية ٣٣)
وإن سُمي هذا كفر تكذيب أيضاً فصحيح: إذ هو تكذيب باللسان.
٢ - وأما كفر الإِباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس - فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإِنكار. وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار.
стр. 671
ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول. وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءً واستكباراً وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. (سوره المؤمنون الآيه ٤٧)
وقول الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. (سورة إبراهيم الآية ١٠)
وقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. (سوره الشمس الآية ١١)
وهو كفرُ اليهود كما قال تعالى عنهم:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. (سورة البقرة الآية ٨٩)
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. (سوره البقرة الآية ١٤٦)
وهو كفر أبي طالب أيضاً. فإنه صدقه ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحمية، وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم، ويشهد عليهم بالكفر.
٣ - وأما كفر الإعراض: كأن يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يُصدقه ولا
يكذبه. ولا يواليه ولا يعاديه. ولا يُصغي إلى ما جاء به البتة.
(وهو كفر الملحدين اليوم من المتسمَّين بأسماء مختلفة: بالعلمانية، والشيوعية، والماسونية، المقلدين للأفرنج من اليهود والنصارى، المنحلين في كل خلق وفضيلة، زاعمين بجاهليتهم وسفههم: أن هذا هو سبيل الرقي والمدنية).
٤ - وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره. وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإِعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة. فلا يسمعها ولا يلتفت إليها. وأما مع التفاته إليها، ونظره فيها: فإنه لا يبقى معه شك، لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.
٥ - وأما كفر النفاق: فهو أن يظهر بلسانه الإِيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب. فهذا هو النفاق الأكبر. فنعوذ بالله منه.
стр. 672
الحكم بغير ما أنزل الله كفر
قال ابن القيم ﵀: الصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم. فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة. فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مُخيَّر فيه. مع تيقنه أنه حكم الله. فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطىء، له حكم المخطئين.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في رسالته القيمة (تحكيم القوانين):
"من الممتنع أن يُسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً، بل هو كافر مطلقاً: إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة ٤٤) ومن رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة، أما الأول، وهو كفر الأعتقاد فهو أنواع:
أحدها: أن يجحد الحاكم -بغير ما أنزل الله- أحَقيَّةَ حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول ﷺ قطعياً، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.
الثاني: أن لايجحد الحاكم -بغير ما أنزل الله- كون حكم الله ورسوله حقاً، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث، التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب أنه كفر، لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصرف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد.
стр. 673
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، نصاً وظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، عَلم ذلك من عَلمه وجَهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من تَغَيُّر الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه مَن قَلَّ نصيبهم أو عُدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية وتصوراتهم، الخاطئة الوبيئة، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها منقادة إليها، مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه، وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مراد العلماء منه: ما كان مستصحبه فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد الله تعالى، ورسوله ﷺ ، ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم، كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد.
الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، وفي كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ونحوها من الآيات الكريمة الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين، في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله. فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه. لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه: لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، وتشكيلًا وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة،
стр. 674
كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة.
وذكرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومه معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع، فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء أُولى النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله، نصاً أو استنباطاً، تدَعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم، وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دونه حكم المخلوق، الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهمٍ، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط، والأخطاء، فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. (المائدة ٤٤)
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحضون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 675
وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس ﵄ لقول الله :
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: (كفر دون كفر) وقوله أيضاً: (ليس بالكفر الذي تذهبون اليه) إ هـ. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية، بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق مع اعترافه على نفسه بالخطأ.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه: كفراً، أعظم من معصية لم يسمها كفراً، نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم الى كتابه، انقياداً ورضاءً، إنه ولي ذلك والقادر عليه" (انظر تحكيم القوانين)
كيف تعظم الذنوب
اعلم أن الذنوب تكبر بأسباب:
١ - منها الإصرار والمواظبة: ولذلك قيل لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
٢ - ومنها أن يستصغر الذنب: فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه، وكراهيته له. وذلك النفور يمنع من شدة أثره به واستصغاره يصدر عن الأُلف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات، وقد جاء في الأثر"المؤمن يرى ذنبهُ كالجبل فوقه يخاف أن يقعَ عليه، والمنافق يرى ذنبه كَذُبابٍ مرَّ على أنفه فأطاره" (رواه البخاري)
٣ - ومنها السرور بالذنب والفرح والتبجح (١): واعتداد التمكن من ذلك نعمة، والغفلة عن كونه سبب الشقاوة، فكلما غلبت حلاوة الذنوب عند العبد كبرت المعاصي وعظم أثرها في تسويد قلبه، حتى إن من المذنبين من يمتدح بذنبه ويتبجح به، لشدة فرحه بمقارفته (٢) إياه، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقتُ
стр. 676
عرضه؟ وكيف ذكرتُ مساويه حتى أخجلتهُ؟ وكيف استخففت به؟ وكيف لبَّست عليه؟ ويقول المعامل في التجارة: أما رأيت كيف روّجت عليه الزائف؟ وكيف خدعته؟ وكيف غبنته في ماله؟ وكيف استحمقته؟ فهذا وأمثاله تكبر به الذنوب، فإن الذنوب مهلكات، وإذا دُفع العبد إليها، وظفر الشيطان به في الحمل عليها، فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدو عليه، وبسبب بعده من الله تعالى. فالمريض الذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الذي فيه دواؤه حتى يتخلص من ألم شربه، لا يُرجى شفاؤه.
٤ - ومنها أن يتهاون بستر الله عليه: وحلمه عنه، وإمهاله إياه، ولا يدرى أنه إنما يُمهل مقتاً ليزداد بالإِمهال إثماً. فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من الله تعالى به. فيكون ذلك لأمنه من مكر الله، وجهله بمكامن الغرور بالله:
كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. (المجادلة ٨)
٥ - ومنها أن يأتى الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه: أو يأتيه في مشهد غيره، فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه، أو أشهده فعله. فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته، فغلظت به، فإن أضيف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه، وتهيئة الأسباب له، صارت جناية رابعة، وتفاحش الأمر. وفي الحديث: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين". (متفق عليه)
المسلم إذا أذنب ذنباً ولم يجهر به ستره الله عليه وأمره إلى الله تعالى، وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر القبيح، ولا يهتك الستر، فالإِظهار كفران لهذه النعمة.
وقال بعضهم: لا تذنب، فإن كان ولا بد فلا تُرغّب غيرك فيه فتذنب ذنبين: ولذلك قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾. (التوبة ٦١)
وقال بعض السلف: ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية، ثم يُهونها عليه.
٦ - ومنها أن يكون المذنب عالماً يُقتدى به: فإذا فعله بحيث يُرى ذلك منه كبر ذنبه،
стр. 677
كإطلاق اللسان في الأعراض وتعديه باللسان في المناظرة، وقصده الاستخفاف، واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه، كعلم الجدل والمناظرة. فهذه ذنوب يُتَّبَعُ العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شرُّه مستطيراً في العالم آماداً متطاولة. فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه.
قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. (سورة يس١٢)
والآثار ما يلحق من الأعمال بعد انقضاء العمل والعامل.
(انظر إحياء علوم الدين للغزالي) "بتصرف بسيط"
تنبيه مهم
أقول: إن ما ذكره الغزالي صحيح، ولكن هل وقع الغزالي في كتابه فيما حذرمنه؟ الجواب: نعم، فقد قال في كتابه كلاماً خطيراً سيتحمل وزره؛ من ذلك ما ذكره تحت عنوان: (باب حكاية المحبين ومكاشفاتهم) حيث ذكر هذه القصة: قال أبو تراب يوماً: لو رأيت أبا يزيد: فقال له صديقه: إني عنه مشغول، قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد! قال أبو تراب: ويلك تغتر بالله ! لو رأيت أبا يزيد (البسطامي) مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة!!
ثم قال الغزالي: فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن.
"انظر إحياء علوم الدين ج ٤/ ٣٦٥"
أقول للغزالي: بل يجب على المؤمن أن ينكرها لأنها كذب، وكفر، فالله تعالى لم يره أحد في الدنيا لقول رسول الله ﷺ :
(إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) "رواه مسلم"
والقول: بأن رؤية أبا يزيد البسطامي أنفع من رؤية الله زندقة وكفر؛ فكيف يجوز للغزالي أن يذكر هذه الخرافات، وكيف يجوز أن يلقب الغزالي بحجة الإِسلام، والإِسلام بريء من أقواله السابقة، وقد أمر الخليفة ابن تشفين بإِحراق كتاب إحياء علوم الدين لوجود أباطيل كثيرة فيه، فليحذر القارىء هذا الكتاب، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الكتاب والسنة.
стр. 678
الإبتلاء في القرآن الكريم
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
(سورة الملك ٢)
خلق الله الموت، وخلق الحياة وما فيها من ابتلاء ومصائب ليختبرنا أينا أحسن عملاً من غيره
٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. (البلد ٤)
(تعب ومشقة وبلاء ومشاكل).
٣ - وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. (العنكبوت ١ - ٣)
فالفتنة: هي اختبار الله للمؤمنين ليعلم الله الصادقين ويعلم الكاذبين عند الشدائد.
٤ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. (البقرة ٢١٤)
لا تحسبوا دخول الجنة سهلاً بدون جهاد؛ فقد أصاب من قبلكم الحرب والمرض .. وزُلزلوا حتى قال الرسول والذين معه حين تأخر النصر عنهم: (متى نصر الله؟ ... ألا إن نصر الله قريب).
٥ - وقال رسول الله ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن وجَنة الكافر".
"صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق (١٨/ ٩٣) شرح النووى"
فالمؤمن الصادق يصبر على ما يصيبه في الدنيا ليكون له النعيم المقيم، والكافر منعم في الدنيا كأنها جنته، ويكون له العذاب المقيم يوم الجزاء.
стр. 679
الإبتلاء في السنة المطهرة
وكما تحدث القرآن الكريم عن الإبتلاء. تحدثت السنة المطهرة عنه، فقال ﷺ عندما سُئل عن أي الناس أشدُّ بلاءاً، قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة". (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". (أخرجه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح)
وعن عبدالرحمن بن عوف ﵁ قال: "ابتُلينا مع رسول الله ﷺ بالضراء فصبرنا، ثم ابتُلِينا بالسرَّاء بعده فلم نصبر". (رواه الترمذي وقال حديث حسن)
وتعوذ رسول الله ﷺ الفتن فقال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاة خيراً لي. اللهم وأسالك خشيتك في الغيب والشهادة وأسالك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسالك نعيماً لا ينفدُ. وأسالك قرَّة عين لا تنقطع. وأسألك الرضاء بعد القضاء. وأسالك بَردَ العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مُضلّة. اللهم زيِّنا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين". (صحيح سنن النسائي ١٢٣٧)
стр. 680
أنواع الإبتلاء والصبر عليه
١ - الخوف والجوع والقتل: قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. (البقرة ١٥٥)
٢ - الحرب والجهاد: قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. (محمد ٣١)
فالإبتلاء بالحرب ليعلم الله المجاهدين والصابرين.
٣ - المرض: قد يكون الإبتلاء بالمرض ليختبر الله صبر الإِنسان ويسمع دعاءه، قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. (الأنبياء ٨٣)
٤ - السجن: نوع من الاختبار ليعلم الله الصابر من غيره كما حصل ليوسف ﵇ حيث بقي في السجن ثمان سنوات بتهمة تمس شرفه، وقد خرج بريئاً مكرماً وصار وزيراً.
٥ - فتنة المال والولد: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. (التغابن ١٥)
المال والأولاد اختبار من الله لعبده ليعلم قدرته على تربية أولاده، وأداء زكاة ماله، قال رسول الله ﷺ : "نعم المال الصالح للمرء الصالح". (رواه أحمد وهو صحيح)
وقال ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". (رواه مسلم) شرح النووى (١١/ ٨٥)
٦ - الإيذاء من الناس: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". (رواه ابن ماجه والترمذي وهو صحيح)
فالأنبياء جميعاً آذاهم قومهم وجادلوهم، وكذبوهم، وحاولوا قتلهم، وأخرجوهم من وطنهم، ولكنهم صبروا فكان النصر حليفهم، قال الله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾. (سورة يوسف ١١٠)
وقال عن لقمان الحكيم وهو يوصي ولده: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. (لقمان ١٧)
стр. 681
أسباب الوقوع في الذنوب
١ - الإبتلاء بالخير والشر
قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. (الانبياء٣٥)
وقال سبحانه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. (العنكبوت ١ - ٣)
وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. (الأعراف ١٦٨)
قال العلامة ابن القيم ﵀: لا بُد من الإبتلاء بما يؤذى الإِنسان، فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة. ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه أنه لا بد أن يُبتلى الناس. والإبتلاء يكون بالسّراءِ والضرّاء، ولا بد أن يُبتلى الإِنسان بما يسّره وما يسوؤه. فهو محتاج إلى أن يكون صابراً شكوراً.
سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيما أفضل للرجل، أن يُمَكن أويُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكّن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فلما صبروا مكّنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة. (مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٢٨٣)
٢ - ضعف الإيمان واليقين بالله وعدم الخوف منه سبحانه
إن ضعف إيمان العبد بخالقه ورازقه ومدبر أمره، الذي لا يخفى عليه من خلقه خافية، أمر عظيم خطير، حيث أن عدم الخوف من الله تعالى وعدم خشيته ومراقبته تجعل الانسان يستخف بوعد الله ووعيده. فأما وعد الله في الدنيا فبالنصر والسعادة والسيادة. وأما في الآخرة فجنته التي عرضها السموات والأرض. أعدها الله لمن
стр. 682
اتقاه. وأما وعيده في الدنيا فبالشقاء والذل والمهانة وعدم الطمأنينة وأما في الآخرة فبالأنكال والأغلال والسلاسل يُسحبون إلى النار وبئس القرار.
لهذا كان لزاماً على كل عبد مؤمن موفق أن يتقي الله ويخشاه حق خشيته فيأتمر بأمره وينتهي عن نواهيه.
ولقد كان أخوف الناس وأشدهم خشية لله تعالى رسول الله ﷺ الذي قال: "والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له". (رواه مسلم)
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عُرضت عليّ الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر. ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشدّ منه. قال: غَطوا رؤوسهم ولهم خنين".
(الخنين: صوت البكاء).
وعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وملَك واضع جبهته لله ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وماتلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله" قال أبو ذر: لَوَدِدتُ أني كنتُ شجرة تُعضَد.
(رواه الترمذي وابن ماجه وعنده حسن)
وكذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ من أشد الناس خشية لله وأخوفهم منه.
قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو نادى مناد من السماء أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفت، أن أكون أنا هو).
وروى عنه أنه لما طُعن قال: (لو أن لي طِلاعَ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه).
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضع رأسي. قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وَوَيل أمي إن لم يرحمني ربي). (شرح السنة للبغوى ١٤/ ٣٧٣)
стр. 683
٣ - الجهل بالله تعالى
لقد ذمَّ الله تعالى الجهل وأهله وبين قبح أثره ووخيم عاقبته.
فقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. (المائدة ٥٠)
وقال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. (الأعراف ١٩٩)
وصف سبحانه عباد الرحمن بقوله تعالى:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. (الفرقان ٦٣)
وتتحدث السنة المطهرة عن الجهل، فيقول ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير عِلم فضلّوا وأضلوا". (رواه البخاري)
قال العلامه ابن القيم ﵀:
والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب فذاك العالم الرباني
ولما كان الجهل داءاً دويًّا، ومرضاً مستحكماً قوياً كان دواؤه الذي هو العلم أصعب شيء على النفس وأشقه، وكلما كانت الغاية غالية، اقتضت همة عالية ونفس سامية، لذا أخبر النبي ﷺ أن حماية الأمة من الضلال والإِضلال إنما هو بالعلم، وقد امتدح الله العلم وأهله العاملين به وأثنى عليهم بقوله:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. (فاطر ٢٨)
وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. (آل عمران ١٨)
فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله ويخشاه في أي مكان وفي أي زمان كما أن عليه أن يخرج من عداد الجاهلين بالله وبأسمائه وصفاته إلى عِداد العالمين به، وبما يجب له سبحانه من إخلاص العبادة. وما يجوز وما يستحيل في حقه سبحانه، وهذا هو التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
стр. 684
٤ - حب الدنيا والركون إلى الشهوات
قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. (آل عمران ١٤)
عدّد الله في هذه الآية جملة من الشهوات التي يرغبها ويحبها البشر ويطمأنون إليها، ثم بيَّن سبحانه أن ذلك كله متاع زائل عاجل، وعند الله أفضل المرجع والمنقلب والثواب، فالواجب على الإنسان أن يكون على حذر من الدنيا، وأن يتذكر ما ذهب من عُمرِه، هل كان في طاعة الله أم في معصيته، وأن يتذكر ما جاء في القرآن الكريم من عِبر وعظات وآيات محكمات تزهِّد في الدنيا. وتُرغِّب في طلب الآخرة. قال الله :
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. (يونس ٢٤)
وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. (آل عمران ١٨٥)
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. (لقمان ٣٣)
وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. (العنكبوت ٦٤)
ولقد حذَّر الرسول ﷺ من الإفتتان بالدنيا والركون إلى شهواتها فقال ﷺ : "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككلم كما أهلكتهم". (رواه البخاري ومسلم)
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دُلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: "ازهد في الدنيا يحبك
стр. 685
الله، وازهد فيما عند الناس يُحبك الناس". (حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره)
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك الأُمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومِن قِلَّة نحن يومئذ؟
قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليَنزِعَن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليَقذِفَن في قلوبكم الوهن" فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت". (رواه أبو داود، وذكره الألباني في الصحيحة ٩٥٨)
٥ - الغفلة وعدم الاعتبار
لقد غرَّت الأماني أكثر خلق الله فتركوا سبيل الهدى وأعرضوا عن دار التهاني والقرار، فوقعوا في شرَكِ الردى، وظنوا أن يتركوا سدى، وغفلوا عن قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. (القلم ٤٥)
وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر ٣)
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. (المؤمنون ٥٥ - ٥٦)
إن الواجب على الإنسان أن لا يغفل عن هذه الآيات البينات وأن يعتبر ويتعظ مما آل إليه حال كثير من الشعوب والبلاد.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. (سوره ق ٣٦)
(نقبوا: ساروا).
قال الشاعر:
ياغافلاً عمَّا خُلقت له انتبه ... جَدَّ الرحيلُ ولستَ باليقظان
سار الرفاقُ وخلَّفُوكَ مع الأوُلى ... قَنِعُوا بذا الحظِّ الخسيس الفانِ
ورأيت أكثرَ مَن تَرى مُتخلِّفاً ... فتبعتَهُم ورضيتَ بالحَرمانِ
منَّتك نفسُك باللحاق مع القعودِ ... عن المسير وراحةِ الأبدانِ
ولسوفَ تعلمُ حينَ يَنكشِفُ الغِطا ... ماذا صَنعْتَ وكُنتَ ذا أمكَانِ
стр. 686
أحاديث نبوية في الفتن
١ - قال رسول الله ﷺ : "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تسشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليَعُذ به". (رواه البخاري ومسلم)
[من تشرف لها تستشوفه: أي من تعرض لها أتته ووقعٍ فيها].
٢ - قال ﷺ : "تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشرِبَها نُكِتَ فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة، ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مُربادَّاً كالكوز مُجخِّياً لا يعرف معروفاً ولا يُنكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه". (رواه مسلم في الإيمان)
[مرباداً: مُغبراً، مُجخِّياً: مائلًا].
٣ - قال ﷺ : "بادروا بالأعمال: فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويسمي كافراً، ويسمى مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا". (رواه مسلم)
٤ - قال ﷺ : "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة". (رواه أحمد وغيره وحسنه الحافظ)
زاد قي رواية: "وإنه سيخرج من أُمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى
الكلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخلَه". (رواه أحمد وغيره وإسناده صحيح)
[يتجارى الكلَب: هو الوقوع في الأهواء الفاسدة، والكلَب: داء معروف يعرض للكلب إذا عض حيواناً].
٥ - قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم، لا يدري
стр. 687
القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل؟ فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهَرجُ القاتل والمقتول في النار". (رواه مسلم)
[الَهرج: القتل]
كيف يخرج المسلمون من الفتن ؟
اذا أراد المسلمون الخلاص من الفتن على اختلافها، فعليهم أن يرجعوا الى كتاب ربهم، ويعملوا به، ويطبقوا حدوده، ويحكموا به، كما فعل أسلافهم، وقد رُوي حديث مرفوع وموقوف على علي ﵁، وفي سنده ضعف، إلا أن معناه صحيح، وهو قول الرسول ﷺ :
"ألا إنها ستكون فتن، قلتُ وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي مَن تركه مِن جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهُدى بغيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخلَق عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم بنته الجن إذ سمعته أن قالوا:
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (سوره الجن ١)
هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي الى صراط مستقيم".
أقول: هذا هو الدواء الناجع الذي وصفه رسول الله ﷺ للخلاص من الفتن، فما على العرب والمسلمين إلا أن يأخذوا هذا الدواء المفيد والمجرب، ليتخلصوا من هذه الفتن التي يعيشون فيها، وأورثت العداوة والبغضاء بينهم، وطمع العدو فيهم ولا عز للعرب والمسلمين إلا بالرجوع إلى الإسلام الذي فيه عزهم ونصرهم، وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ كلمة خالدة تكتب وترفع على الرؤوس للعمل بها، وهي قوله: (إننا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله). (صححه الحاكم ووافقه الذهبي)
فهذا الذل والهوان الذي أصاب المسلمين هو محاولتهم طلب العزة من غير الإسلام كالإشتراكية، والرأسمالية، والقومية العربية، والعلمانية، وغيرها من المبادىء الهدامة
стр. 688
المخالفة لتعاليم الإسلام، والتي هي من وضع البشر، وقد فشلت كل هذه المبادىء، ولم يبق إلا تطبيق كتاب رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد وهو أعلم بمصالح عباده الذين خلقهم.
اللهم وفق المسلمين للعمل بكتاب ربهم، ليعود لهم عزهم ونصرهم، فقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر فقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. (سورة الروم ٤٧)
* * *
آثار المعاصي والذنوب
١ - حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفىء ذلك النور. قال الشافعي:
شَكوتُ إلى وكيع سوء حفظى ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي
٢ - حرمان الرزق، فكما أن التقوى مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر. وما أستُجلب رزق بمثل ترك المعاصي.
٣ - حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن الطاعة لكانت كافية.
٤ - إن المعاصي تُوهن القلب والبدن، أما وهنها للقلب فأمر ظاهر. بل لا تزال تُضعفه حتى تزيل حياته بالكلية.
٥ - إن المعاصي تُقصِّر العمر، وتمحق البركة، فإن البرَّ كما يزيدُ من العمر فالفجور يُقصّر العمر.
٦ - إن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها.
٧ - إن الذنوب تضعف القلب عن إرادته، فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ من القلب إرادة التوبة بالكلية.
٨ - إن كل معصية من المعاصي هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله ، فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم
стр. 689
شعيب، والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء الله.
٩ - إن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، قال الحسن البصري ﵀: هانوا عليه فعصوه، ولو عَزُّوا عليه لعصمهم، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. (الحج ٢٨)
١٠ - إن غير المذنب من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنب المذنب فيحترق هو وغيره، بشؤم الذنوب والظلم.
١١ - إن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك. فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عَظُم عند الله، قال ابن مسعود ﵁: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب ودع على أنفه فقال به هكذا، فطار". (رواه البخاري)
١٢ - إن المعصية تورث الذل، فإن العز كل العز في طاعة الله.
قال عبد الله بن المبارك ﵀:
رأيت الذنوب تُميت القلوب ... وقد يوث الذُّل إدمانُها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
١٣ - إن المعاصي تُفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفىء نور العقل، وإذا طُفىء نوره ضعف ونقص.
١٤ - إن الذنوب إذا تكاثرت طُبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. (المطففين ١٤)
١٥ - إن الذنوب تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. (الروم ٤١)
١٦ - إن الذنوب تذهب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه، وقد صح عن النبي ﷺ قال: "الحياء خير كله". (رواه البخاري ومسلم)
стр. 690
قال الشاعر:
فما والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
١٧ - إن الذنوب تُضعف في القلب تعظيم الرب ﷻ ، وتضعف وقاره في قلب العبد شاء أم أبَى ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه.
١٨ - إن الذنوب تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهناك الهلاك الذي لا يُرجى معه نجاة.
١٩ - إن الذنوب تخرج العبد من دائرة الإِحسان وتمنعه ثواب المحسنين، فإن الإِحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي.
٢٠ - إن الذنوب تزيل النعم وتحُل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب، قال علي بن أبي طالب ﵁:
(ما نزل بلاء إلا بذنب وما دُفع إلا بتوبة).
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
(الشورى ٣٠)
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ﴾. (الأنفال ٥٣)
ولقد أحسن القائل:
إذاكنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم
وحُطها بطاعة ربِّ العباد ... فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت ... فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم ... شهود عليهم، ولا تتهم
وما كان شيء عليهم أَضر ... من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومن ... قصور، وأُخرى عليهم أَطم
صَلُوا بالجحيم وفات النعيم ... وكان الذي نالهم كالحلم
[نظر: الجواب الكافي لابن القيم [ص ٦٠: ١١٠] بتصرف
стр. 691
الجهاد في سبيل الله
الجهاد واجب على كل مسلم، ويكون بالمال وهو الإِنفاق، ويكون بالنفس وهو القتال، ويكون باللسان والقلم وهو الدعوة إليه، والدفاع عنه، والجهاد على أنواع:
١ - فرض عين: وهو ضد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين؛ فالمسلمون المستطيعون آثمون حتى يخرجوا اليهود منها بالمال أو النفس.
٢ - فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقي، وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإِسلامية إلى سائر البلاد، حتى يحكمها الإِسلام، فمن استسلم من أهلها فبها، ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا، فهذا الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة فضلاً عن الأول.
وحين ترك المسلمون الجهاد وغَرَّتْهم الدنيا والزراعة والتجارة أصابهم الذل، وصدق فيهم قوله ﷺ : "إذا تبايعتم بالعِينة (١)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعهُ عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". (صحيح رواه أحمد)
٣ - جهاد حكام المسلمين: ويكون بتقديم النصيحة لهم ولأعوانهم:
لقوله ﷺ : "الدِّين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". (رواه مسلم)
ولقوله ﷺ : "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (حسن رواه أبو داود والترمذي)
وبيان طريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا هو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، وُيصححوا عقيدتهم، ويُربُّوا أنفسهم وأهليهم
стр. 692
على الإسلام الصحيح، تحقيقاً لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. (سورة الرعد ١١)
وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله:
أقيموا دولة الإِسلام في قلوبكم، تُقَم لكم على أرضكم.
وكذلك فلا بد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها، ألا وهو المجتمع:
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). (سورة النور ٥٥)
٤ - جهاد الكفار والشيوعيين والمحاربين من أهل الكتاب: ويكون بالمال والنفس واللسان حسب الاستطاعة:
لقوله ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". (صحيح رواه أحمد)
٥ - جهاد الفساق وأهل المعاصي: ويكون باليد، واللسان، والقلب لقوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فلْيُغيِّره بيده، فإن لمْ يستطع فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان. (رواه مسلم)
٦ - جهاد الشيطان: ويكون بَمخالفته وعدمٍ اتباع وساوسه. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. (سوره فاطر ٦)
٧ - جهاد النفس: ويكون بمخالفتها، وحملها على طاعة الله، واجتناب معاصيه. قال تعالى على لسان امرأة العزيز التي اعترفت بمراودتها ليوسف:
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (سورة يوسف ٥٣)
وقال الشاعر:
وخالِف النفسَ والشيطانَ واعصهما ... وإنْ هما محَّضاك النُصح فاتهم
اللهم وفقنا لأن نكون من المجاهدين العاملين المخلصين
стр. 693
واجب الإصلاح بين المتقاتلين
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].
يقول الله تعالى آمرًا عباده بالإِصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإِيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقول الخوارج ومَن تابعهم من المعتزلة ونحوهم.
وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن بن علي ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى ويقول:
"إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". (رواه البخاري)
فكان كما قال ﷺ أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه.
قال رسول الله ﷺ "انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قلت: يا رسول الله هذا نصرتُه مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال ﷺ : تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه". (رواه البخاري ومسلم)
وقول الله :
﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. [الحجرات: ٩].
أي اعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل.
стр. 694
قال رسول الله ﷺ : "إن المقسطين عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا". (رواه مسلم)
وقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾: أي الجميع إخوة في الدين كما قال ﷺ :
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه". (رواه مسلم)
وفي الصحيح: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (انظر تفسير ابن كثير ج ٤/ ٢١١)
شروط تحقيق النصر
إن القارىء لسيرة الرسول ﷺ وجهاده يرى المراحل التالية:
١ - مرحلة التوحيد: بقي الرسول ﷺ ثلاثة عشر عامًا في مكة المكرمة، وهو يدعو قومه إلى توحيد الله في العبادة والدعاء والحكم ومحاربة الشرك، حتى ثبتتْ هذه العقيدة في نفوس أصحابه وأصبحوا شجعانًا لا يخافون إلا الله.
فيجب على الدعاة أن يبدأوا بالتوحيد، ويُحذروا من الشرك ليكونوا برسول الله من المقتدين.
٢ - مرحلة الأخوة: لقد هاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة لِيكوِّن المجتمع المسلم القائم على التحابب، فأول ما بدأ به هو بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون لعبادة ربهم، ويتاح لهم الإجتماع كل يوم خمس مرات، لينظموا حياتهم، وقد بادر الرسول ﷺ إلى المؤاخاة بين الأنصار سكان المدينة، وبين المهاجرين من مكة الذين تركوا أموالهم، فعرض الأنصار أموالهم للمهاجرين وقدَّموا لهم كل ما يحتاجون إليه.
ولقد وجد الرسول ﷺ سكان المدينة، وهم من الأوس والخزرج بينهم عداوة قديمة، فأصلح بينهم، وأزال الحقد والعداوة من صدورهم، وجعلهم إخوة متحابين في الإِيمان والتوحيد كما جاء في الحديث: "المسلم أخو المسلم" [رواه مسلم]
٣ - الإستعداد: لقد أمر القرآن الكريم بالإستعداد للأعداء فقال:
﴿وأعِدوا لهم ما أستطَعْتُم مِن قُوَّة﴾. [سورة الأنفال: ٦٠]
стр. 695
وفسرها الرسول ﷺ بقوله: "ألا إن القوة الرمي". (رواه مسلم)
والرمي تعليمه واجب على المسلمين حسب استطاعتهم، فالمدفع والدبابة والطائرة وغيرها من الأسلحة تحتاج إلى تعليم الرمي عند استعمالها، وليت طلاب المدارس تعلموا الرماية، وأجروا المباريات والمسابقات لاستفادوا في الدفاع عن دينهم ومقدساتهم؛ ولكن الأولاد يضيعون أوقاتهم في لعب الكرة، وإجراء المباريات، فيكشفون الأفخاذ التي أمرنا الإِسلام بسترها ويضيعون الصلوات التي أمرنا الله بالمحافظة عليها.
٤ - وعندما نعود إلى عقيدة التوحيد، ونكون إخوانًا متحابين، ونستعد للأعداء بالسلاح سيتحقق النصر إن شاء الله للمسلمين كما تحقق النصر للرسول ﷺ وصحابته من بعده ..
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنْ تنصروا الله ينصُركم ويُثبتْ أقدامكم﴾.
﴿سورة محمد: ٧]
٥ - ليس هذا معناه أن هذه المراحل منفصلة، بمعنى أن مرحلة الأخوة لا تكون مع مرحلة التوحيد، فهذه المراحل يمكن أن تتداخل (١).
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
هذه الآية الكريمة تبين أن الله تعهد للمؤمنين بالنصر على أعدائهم، وهو وعد لا يُخلَف، فقد نصر الله رسوله في غزوة بدر والأحزاب وغيرهما من الغزوات، ونصر أصحاب رسول الله بعده على أعدائهم، وانتشر الإِسلام وفتحت البلاد، وانتصر المسلمون، رغم الأحداث والمصائب، وكانت العاقبة للمؤمنين الذين صدقوا الله في إيمانهم وتوحيدهم وعبادتهم ودعائهم لربهم في وقت الشدة والرخاء، وهذا القرآن يحكي حال المؤمنين في غزوة بدر، وهم قليل في العدد والعدة، فيدعون ربهم: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. [سورة الأنفال: ٩]
стр. 696
فاستجاب الله دعاءهم، وأمدهم بالملائكة يقاتلون معهم فيضربون أعناق
الكفار، ويضربون أطرافهم، وذلك حين قال:
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. [الأنفال: ١٢].
وتم النصر للمؤمنين الموحدين، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [آل عمران: ١٢٣].
واستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه (داعيًا مستغيثًا):
"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني به، اللهم إن تُهلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". (رواه مسلم)
ونرى المسلمين اليوم يخوضون المعارك ضد أعدائهم في أكثر البلاد ولا ينتصرون فما هو سبب ذلك؟ هل يختلف وعد الله بالنسبة للمؤمنين؟ لا أبدًا لا يختلف ولكن أين المؤمنون حتى يأتيهم النصر المذكور في الآية؟ نسأل المجاهدين:
١ - هل استعدوا بالإِيمان والتوحيد اللذين بدأ بهما الرسول دعوته في مكة قبل القتال؟
٢ - هل أخذوا بالسبب الذي أمرهم به ربهم بقوله:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]
وقد فسرها الرسول ﷺ بالرمي.
٣ - هل دعوا ربهم وأفردوه بالدعاء عند القتال، أم أشركوا معه غيره فراحوا يسألون النصر من غيره ممن يعتقدون فيهم الولاية، وهم عبيد الله، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولماذا لا يقتدون بالرسول في دعائه لربه وحده؟ قال تعالى: ﴿أليسَ الله بكافٍ عبده﴾ [سورة الزمر: ٣٦]
٤ - وأخيرًا هل هُم مجتمعون ومتحابون فيما بينهم شعارهم قول ربهم:
﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتَذهبَ ريحكُم﴾ [سورة الأنفال ٤٦]
إذا حققتم الإِيمان المطلوب، فسيأتيكم النصر الموعود قال الله تعالى:
﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾ [سورة الروم ٤٧]
стр. 697
من أسباب النصر
أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ جيشًا بقيادة سعد بن أبي وقاص ﵁ لفتح بلاد فارس وكتب إليه عهدًا هذا نصه:
١ - (تقوى الله): أما بعد فإني آمرك ومَن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العُدة على العدُو، وأقوى المكيدة في الحرب.
٢ - (ترك المعاصي): وآمرك ومَن معك أن تكونوا أشدَّ احتراسًا من المعاصي مِنكم مِن عدوكم، فإن ذنوبَ الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، وعُدتنا ليست كَعُدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم علينا الفضل في القوة، وإنْ لم نُنصَرْ عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.
واعلموا أنَّ عليكم في سَيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يُسلط علينا وإنْ أسأنا، فَرُبِّ قوم سُلِّطَ عليهم مَن هو شرٌّ منهم كما سُلِّط علي بني إسرائيل كفار المجوس لما عملوا بالمعاصي، (وكما سلطت اليهود على العرب المسلمين).
٣ - (الإستعانة بالله): وسَلوا الله النصرَ على أنفسكم كما تسألونه النصرَ على عدوكم، وأسألُ الله ذلك لنا ولكم. (ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية)
стр. 698
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هما الدعامتان الأساسيتان اللتان يقوم عليهما صلاح المجتمع، وهما من خصائص هذه الأمة الإِسلامية، قال الله تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٠]
وحين تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسد المجتمع، وانحطت الأخلاق، وساءت المعاملة، و ...
ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفرد دون آخر، بل هو واجب على كل مسلم رجلاً أو امرأة، عالمًا أو عاميًّا كل حسب قدرته وعمله قال ﷺ :
"مَن رأى منكم مُنكرًا فلْيُغَيِّره بيده. فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإِيمان". (رواه مسلم)
[والمنكر: ما أنكره الشرع].
وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
١ - الخطبة: يوم الجمعة والعيدين، يُبين فيها أنواع المنكرات.
٢ - المحاضرة أو المقالة: في مجلة أو صحيفة لبيان أمراض المجتمع وإعطاء العلاج الشافي.
٣ - الكتاب: يعرض المؤلف ما يريد بيانه للناس من أفكار لإِصلاح الناس.
٤ - الموعظة: تكون في مجلس فيتكلم أحد الحاضرين مثلًا عن أضرار الدخان الجسمية والمالية.
٥ - النصيحة: تكون بين الأخ وأخيه سِرًّا لترك خاتم الذهب، أو تحذيره من ترك الصلاة، أو تحذيره من دعاء غير الله.
٦ - الرسالة: من أفيد الوسائل، فكل إنسان يستطيع أن يقرأ صفحات قليلة عن الصلاة أو الجهاد، أو الزكاة، أو عن الكبائر. كدعاء الأموات وطلب المدد منهم وغير ذلك.
٧ - الشريط الإِسلامي: مفيد جدًّا، ولا سيما لمن لا يقرأ.
стр. 699
شروط الآمر
١ - أن يكون أمرهُ ونهيه برفق حتى تقبله النفوس قال تعالى مخاطبًا موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤].
فإذا رأيت إنسانًا يشتم ويكفر، فانصحه برفق، واطلب منه أن يستعيذ بالله من
الشيطان الرجيم الذي كان سببًا في هذا الشتم، وأن الله الذي خلقنا وأنعم علينا بنعم كثيرة يستحق الشكر، وأن هذا الكفر لا يُجدي نفعًا، بل يكون سببًا في شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، ثم تأمره بالتوبة والاستغفار.
٢ - أن يعرف الحلال والحرام فيما يأمر به، حتى ينفع ولا يضر بجهله.
٣ - يحسن بالآمر أن يكون مُطبِّقًا لما يأمر به، ومبتعدًا عما ينهى عنه، حتى تكون الفائدة أتم وأنفع، قال تعالى مخاطبًا من يأمر ولا يعمل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
وعلى المبتلى أن يُحذر مما هو واقع فيه معترفًا بخطئه.
٤ - أن نخلص في العمل، وندعو للمخالفين بالهداية، ويكون لنا العذر عند الله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
٥ - أن يكون الآمِر شجاعًا لا يخاف في الله لومة لائم، ويصبر على ما قد يُصيبه.
عملاً بوصية لقمان لولده حين قال له:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]
стр. 700
أنواع المنكرات
١ - من منكرات المساجد: زخرفتها وتلوينها، وتعداد مآذنها، ووضع اللوحات المكتوبة أمام المصلي، إذ فيها إشغاله عن الخشوع وخاصة القصائد الشعرية التي فيها استغاثات بغير الله، والمرور أمام المصلي، وتخطي الرقاب بين الجالسين، ورفع الصوت بالدعاء أو القرآن أو الكلام، أو الصلاة على النبي ﷺ فيشوشون على المصلين إذ الإِسرار بها هو الوارد، قال ﷺ :
"لا يَجهَرْ بعضُكم على بعض في القرآن". (صحيح رواه أبو داود)
والبَصْق والسُعال بصوتٍ مرتفع، وإيراد بعض الواعظين والخطباء الأحاديث
الموضوعة والضعيفة وعدم ذكر درجتها، رغم وجود الأحاديث الصحيحة وكثرتها التي تغني عنها، وطلب المدد والعون من غير الله تعالى في المساجد والمآذن، وعند إنشاد القصائد بمناسبة الإحتفال، وظهور رائحة الدخان من بعض المصلين، والصلاة بثوب وسخ له رائحة كريهة، ورفع الصوت بشدة، والرقص والتصفيق أثناء الذكر، والبيع والشراء، وإنشادُ الضائع، وعدم إلصاق الكتف بالكتف والقدم بالقدم عند صلاة الجماعة.
٢ - من منكرات الشوارع: خروج النساء سافرات أو متكشفات، أو يتكلمن
ويضحكن بصوت مرتفع، وإمساك الرجل بيد المرأة ومحادثتها بلا خجل، وبيع أوراق اليانصيب، وبيع الخمر في الحانات، وصور الرجال أو النساء بأوضاع مخزية تفسد الأخلاق، وطرح الأوساخ في الشوارع، ووقوف بعض الشبان للتفرج على النساء، ومزاحمة النساء للرجال في الشوارع والأسواق والسيارات.
٣ - من منكرات الأسواق: الحلف بغير الله كالشرف والذمة وغيره، والغش،
والكذب في الربح والمشترى، ووضع البسطات في الطريق، والكفر والشتم،
ونقص الكيل والميزان، والمناداة بصوت مرتفع.
٤ - من المنكرات العامة: الاستماع إلى الموسيقا أو الأغاني الخليعة، واختلاط الرجال
стр. 701
بالنساء من غير المحارم، ولو من الأقارب كابن العم والخالة وأخي الزوج وغيره، وتعليق الصور أو التماثيل ذات الأرواح على الجدران، أو جعلها على المناضد، ولو لنفسه أو أبيه، والإِسراف في الطعام والشراب واللباس والأثاث، وتقديم الدخان لضرره للجسم والمال والجار، واللعب بالنرْد، وعقوق الوالدين، واقتناء المجلات الخليعة، وتعليق التمائم للأطفال أو على أبواب الدور، أو في السيارات كالخرز الأزرق، والكف، ونضوة الفرس، واعتقاد أنها ترد العين، وتدفع البلاء، وانتقاص أحد الصحابة.
ومن الكفر الإستهزاء بطاعة الله كالصلاة والحجاب واللحية وغيرها مما جاء به الإِسلام (١).
الصبر وأنواعه
الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو أنواع:
١ - الصبر على طاعة الله: كأداء مناسك الحج والعمرة -من إحرام، ومبيت بمنى، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي، وذبح، وحلق، وطواف، وسعي،
وتحلل- على الوجه المشروع والمطلوب، وغير ذلك من العبادات.
٢ - الصبر عن معاصي الله: باجتناب الرفَث، والفسوق، والجدال بالباطل، وغيرها من المعاصي، قال الله تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
[الرفث: الجماع والتقبيل]، [الفسوق: المعاصي].
٣ - الصبر على مفارقة الأهل، والأحباب، والأوطان: وذلك بذكر الله وشكره، وطلب الأجر من الله، قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. [البقرة: ٢٠٠]
٤ - الصبر على تكاليف الحج والصدقات وغيرها: فأجر النفقة لا يضيع عند الكريم، بل يضاعفه له، ويخلفه عليه، ويزيده من فضله، قال الله تعالى:
стр. 702
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. [سبأ: ٣٩]
قال ﷺ لعائشة ﵂ في عمرتها:
"إن لكِ من الأجر على قدر نصبَك ونفقَتك". (صحيح رواه الحاكم)
[النصب: التعب].
٥ - الصبر على المتاعب البدنية: في الحل والترحال: والإنتقال من بلد إلى بلد.
٦ - الصبر على ضياع مال أو أصحاب: وعلى المسلم أن يدعو الله بما ورد ويأخذ بالأسباب وبالتفتيش عن ضالته:
سئل ابن عمر ﵄ عن الضالة، فقال:
يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول:
"اللهم رادَّ الضالة، هادي الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عليَّ ضالَّتي
بقدرتك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن)
٧ - الصبر على جميع المشاكل التي تصيب المسلم: وذلك بالإلتجاء إلى الله، ودعائه وحده، ولا سيما في الليل قال ﷺ : "مَن تعارَّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته". (رواه البخاري وغيره)
٨ - استعن بالصبر والصلاة على مصائب الدنيا: قال الله تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. [البقرة: ٤٥]
٩ - واعلم أن ما يصيبك من مرض، أو تعب، أو أذى، أو غير ذلك، فهو تكفير عن سيئاتك قال رسول الله ﷺ :
"ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وَصَب، ولا هَمّ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا
غَمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا غفر الله بها من خطاياه". (متفق عليه)
[النصب: التعب]، [الوَصَب: المرض].
١٠ - عليك بالصبر: حتى تكون ممن قال الله تعالى فيهم:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]
стр. 703
طرق الوقاية من الذنوب
أولًا: تقوى الله :
على الإِنسان أن يتقي الله ، فإن التقوى هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. [النساء: ١٣١]
فما مِن خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن، إلا وتقوى الله سبيلٌ موصلٌ إليه ووسيلة مبلِّغة له، وما من شرٍّ عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن، إلا وتقوى الله حِرز متين وحصين للسلامة منه والنجاة من ضرره.
وقد علَّق الله العظيم في كتابه الكريم على التقوى من خيرات عظيمة من ذلك:
١ - المعية الخاصة: والمقتضية للحفظ والعناية والتأييد:
قال الله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾. [البقرة: ١٩٤]
٢ - المحبة لمن اتقى الله، قال تعالى:
﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين﴾. [التوبة: ٧]
٣ - التوفيق للعلم، قال سبحانه:
﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾. [البقرة: ٢٨٢]
٤ - نفي الخوف والحزن عن المتقي المصلح، قال سبحانه:
﴿فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. [الأعراف: ٣٥]
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"اتقِ الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحُها وخالقِ الناسَ بخلُق حسَن".
(حديث صحيح)
والتقوى: هي أن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، وأن
يترك معصية الله، على نور من الله، يخشى عقاب الله.
وقال ابن رجب الحنبلي: تقوى العبد لربه، أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه
стр. 704
من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
لذا كان على المسلم أن يلتزم بها فيعمل بطاعة ربه ويبتعد عن سخطه في كل مكان وعلى أي حال:
قال الشاعر:
خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى
واصنع كماشٍ فوق أرضِ ... الشوك يحذر ما يرى
لا تحقِرَن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
قيل لأبي الدرداء: يقولون الشعر وأنت ما حُفظ عنك شيء؟ فقال:
يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أولى ما استفادا
وقال ابن السماك الواعظ:
يا مُدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا
أغرّك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا
ثانيًا: التوبة:
تعريف التوبة: هي العلم بعظم الذنب، والندم عليه، والقصد المتعلق بالترك
في الحال والاستقبال.
منزلة التوبة:
إن التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا
استحق التائب أن يكون حبيب الله. فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وإنما يحب الله مَن فَعَل ما أمر به وتَرَكَ ما نهى عنه.
والتوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا. ويدخل في مسماها الإسلام، والإيمان، والإحسان، وتتناول جميع المقامات. ولهذا كانت غاية كل مؤمن. وبداية الأمر وخاتمته.
وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا. ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه.
стр. 705
ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإِسلام، وحقائق الإِيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم، فجميع ما تكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها. (مدارج السالكين لابن القيم ١/ ١٧٨)
حقيقة التوبة:
إن حقيقة التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فِعل ما يحب، وترك ما يَكره.
فهي رجوع من مكروه إلى محبوب. فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها. والرجوع عن المكروه الجزء الآخر. ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها. فقال: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعَلكم تفلحون﴾. [النور: ٣١]
فكل تائب مفلح. ولا يكون مفلحًا إلا من فعل ما أُمر به وتَرَكَ ما نُهي عنه.
وقال الله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾. [الحجرات: ١١]
وتارك المأمور ظالم، كما أن فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم "الظلم" عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين.
فالناس قسمان: تائب، وظالم، ليس إلا.
فالتائبون هم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. [التوبة: ١١٢]
فحفظ حدود الله: جزء التوبة، والتوبة هي مجموع هذه الأمور. وإنما سُمي تائبًا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه، وإلى طاعته من معصيته. (مدارج السالكين ١/ ١٨١)
حكم التوبة:
قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإذا تاب من بعضها صحَّت عما تاب منه.
التوبة في القرآن الكريم
ورد ذكر التوبة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها:
١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. [البقرة: ١٢٨]
٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. [البقرة: ٢٢٢]