← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بالنساء من غير المحارم، ولو من الأقارب كابن العم والخالة وأخي الزوج وغيره، وتعليق الصور أو التماثيل ذات الأرواح على الجدران، أو جعلها على المناضد، ولو لنفسه أو أبيه، والإِسراف في الطعام والشراب واللباس والأثاث، وتقديم الدخان لضرره للجسم والمال والجار، واللعب بالنرْد، وعقوق الوالدين، واقتناء المجلات الخليعة، وتعليق التمائم للأطفال أو على أبواب الدور، أو في السيارات كالخرز الأزرق، والكف، ونضوة الفرس، واعتقاد أنها ترد العين، وتدفع البلاء، وانتقاص أحد الصحابة. ومن الكفر الإستهزاء بطاعة الله كالصلاة والحجاب واللحية وغيرها مما جاء به الإِسلام (١). الصبر وأنواعه الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو أنواع: ١ - الصبر على طاعة الله: كأداء مناسك الحج والعمرة -من إحرام، ومبيت بمنى، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي، وذبح، وحلق، وطواف، وسعي، وتحلل- على الوجه المشروع والمطلوب، وغير ذلك من العبادات. ٢ - الصبر عن معاصي الله: باجتناب الرفَث، والفسوق، والجدال بالباطل، وغيرها من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. [الرفث: الجماع والتقبيل]، [الفسوق: المعاصي]. ٣ - الصبر على مفارقة الأهل، والأحباب، والأوطان: وذلك بذكر الله وشكره، وطلب الأجر من الله، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. [البقرة: ٢٠٠] ٤ - الصبر على تكاليف الحج والصدقات وغيرها: فأجر النفقة لا يضيع عند الكريم، بل يضاعفه له، ويخلفه عليه، ويزيده من فضله، قال الله تعالى:

стр. 702

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. [سبأ: ٣٩] قال ﷺ لعائشة ﵂ في عمرتها: "إن لكِ من الأجر على قدر نصبَك ونفقَتك". (صحيح رواه الحاكم) [النصب: التعب]. ٥ - الصبر على المتاعب البدنية: في الحل والترحال: والإنتقال من بلد إلى بلد. ٦ - الصبر على ضياع مال أو أصحاب: وعلى المسلم أن يدعو الله بما ورد ويأخذ بالأسباب وبالتفتيش عن ضالته: سئل ابن عمر ﵄ عن الضالة، فقال: يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: "اللهم رادَّ الضالة، هادي الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عليَّ ضالَّتي بقدرتك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن) ٧ - الصبر على جميع المشاكل التي تصيب المسلم: وذلك بالإلتجاء إلى الله، ودعائه وحده، ولا سيما في الليل قال ﷺ : "مَن تعارَّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته". (رواه البخاري وغيره) ٨ - استعن بالصبر والصلاة على مصائب الدنيا: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. [البقرة: ٤٥] ٩ - واعلم أن ما يصيبك من مرض، أو تعب، أو أذى، أو غير ذلك، فهو تكفير عن سيئاتك قال رسول الله ﷺ : "ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وَصَب، ولا هَمّ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غَمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا غفر الله بها من خطاياه". (متفق عليه) [النصب: التعب]، [الوَصَب: المرض]. ١٠ - عليك بالصبر: حتى تكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]

стр. 703

طرق الوقاية من الذنوب أولًا: تقوى الله : على الإِنسان أن يتقي الله ، فإن التقوى هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. [النساء: ١٣١] فما مِن خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن، إلا وتقوى الله سبيلٌ موصلٌ إليه ووسيلة مبلِّغة له، وما من شرٍّ عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن، إلا وتقوى الله حِرز متين وحصين للسلامة منه والنجاة من ضرره. وقد علَّق الله العظيم في كتابه الكريم على التقوى من خيرات عظيمة من ذلك: ١ - المعية الخاصة: والمقتضية للحفظ والعناية والتأييد: قال الله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾. [البقرة: ١٩٤] ٢ - المحبة لمن اتقى الله، قال تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين﴾. [التوبة: ٧] ٣ - التوفيق للعلم، قال سبحانه: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾. [البقرة: ٢٨٢] ٤ - نفي الخوف والحزن عن المتقي المصلح، قال سبحانه: ﴿فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. [الأعراف: ٣٥] وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقِ الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحُها وخالقِ الناسَ بخلُق حسَن". (حديث صحيح) والتقوى: هي أن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله، على نور من الله، يخشى عقاب الله. وقال ابن رجب الحنبلي: تقوى العبد لربه، أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه

стр. 704

من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. لذا كان على المسلم أن يلتزم بها فيعمل بطاعة ربه ويبتعد عن سخطه في كل مكان وعلى أي حال: قال الشاعر: خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى واصنع كماشٍ فوق أرضِ ... الشوك يحذر ما يرى لا تحقِرَن صغيرة ... إن الجبال من الحصى قيل لأبي الدرداء: يقولون الشعر وأنت ما حُفظ عنك شيء؟ فقال: يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أولى ما استفادا وقال ابن السماك الواعظ: يا مُدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا أغرّك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا ثانيًا: التوبة: تعريف التوبة: هي العلم بعظم الذنب، والندم عليه، والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال. منزلة التوبة: إن التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله. فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وإنما يحب الله مَن فَعَل ما أمر به وتَرَكَ ما نهى عنه. والتوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا. ويدخل في مسماها الإسلام، والإيمان، والإحسان، وتتناول جميع المقامات. ولهذا كانت غاية كل مؤمن. وبداية الأمر وخاتمته. وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا. ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه.

стр. 705

ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإِسلام، وحقائق الإِيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم، فجميع ما تكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها. (مدارج السالكين لابن القيم ١/ ١٧٨) حقيقة التوبة: إن حقيقة التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فِعل ما يحب، وترك ما يَكره. فهي رجوع من مكروه إلى محبوب. فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها. والرجوع عن المكروه الجزء الآخر. ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها. فقال: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعَلكم تفلحون﴾. [النور: ٣١] فكل تائب مفلح. ولا يكون مفلحًا إلا من فعل ما أُمر به وتَرَكَ ما نُهي عنه. وقال الله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾. [الحجرات: ١١] وتارك المأمور ظالم، كما أن فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم "الظلم" عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين. فالناس قسمان: تائب، وظالم، ليس إلا. فالتائبون هم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. [التوبة: ١١٢] فحفظ حدود الله: جزء التوبة، والتوبة هي مجموع هذه الأمور. وإنما سُمي تائبًا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه، وإلى طاعته من معصيته. (مدارج السالكين ١/ ١٨١) حكم التوبة: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإذا تاب من بعضها صحَّت عما تاب منه. التوبة في القرآن الكريم ورد ذكر التوبة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. [البقرة: ١٢٨] ٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. [البقرة: ٢٢٢]

стр. 706

٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. [النساء: ١٧، ١٨] ٤ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [الأنعام: ٥٤] ٥ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. [طه: ٨٢] ٦ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلى اللَّهِ مَتَابًا﴾. [الفرقان: ٦٨ - ٧١] التوبة في السنة المطهرة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". (رواه مسلم) وعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو يقول: "ربِّ أعِنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصُر عليَّ وامكُر لي ولا تمكُر علَيَّ، واهدني ويَسِّر الهدى لي، وانصُرني على مَن بغى عليَّ، ربِّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهّابًا، لك مِطواعًا، لك مُخبِتًا، إليك أوّاهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسَدّد لساني، واهدِ قلبي، واسلُل سخيمة صدري". (رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح)

стр. 707

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا. فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله. فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم. فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملَك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة". (رواه البخاري ومسلم) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلًا وبه مهلَكُه ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحرّ والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده". (رواه البخاري ومسلم) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أخطأتم حتى تبلغ خطايكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم" (رواه ابن ماجه وإسناده حسن) وعن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (رواه مسلم) وعن ابن عمر ﵄ قال: كان يُعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة من قبل أن يقوم: "رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح) شروط التوبة: ١ - الإِقلاع عن الذنب. ٢ - الندم على فعله.

стр. 708

٣ - العزم على أن لا يعود إليه أبدًا. فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تصح توبته ويزاد شرط رابع: إذا كان الذنب يتعلق بحق آدمي، فعليه إذًا أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالاً أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان حدَّ قذف مكّنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحلّه منها. وزاد ابن المبارك على ما سبق من الشروط للتوبة فقال: الندم، والعزم على عدم العود، ورد المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض، وأن يعمد إلى البدن الذي ربّاه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذة المعصية. (الفتح ١١/ ١٠٣) التوبة النصوح: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. [التحريم: ٨] قال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. وقال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادمًا على ما مضى، مجمعًا على أن لا يعود فيه. وقال ابن القيم ﵀: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناولته. الثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوُّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرًا بها. الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده. لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته، ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حَمدِ الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإِفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله . (مدارج السالكين ١/ ١٧٨)

стр. 709

علامات قبول التوبة: قال ابن القيم ﵀: للتوبة المقبولة علامات منها: ١ - أن يكون بعد التوبة خيرًا مما قبلها. ٢ - ومنها أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين. ٣ - ومنها انخلاع القلب ندمًا وخوفًا. ٤ - ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يُشبهها شيء تُكَسِّر القلب بين يدى الربّ كَسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدى ربه طريحًا ذليلًا خاشعًا. وقال ﵀: إذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له أبواب التوبة والندم والإنكسار والذل والافتقار والاستعانة به. وصدق الإلتجاء إليه، ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه. ثمرة التوبة: للتوبة ثمرتان: إحداهما: تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له. والثانية: نيل الدّرجات حتى يصير حبيبًا. وللتكفير أيضًا درجات: فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية، وبعضه تخفيف له، ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة. قال ابن القيم ﵀: لأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا، فإن لم تفِ بطهرهم طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة: ١ - نهر التوبة النصوح. ٢ - ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها. ٣ - ونهر المصائب العظيمة المكفرة. فإذا أراد الله بعبده خيرًا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة. فورد القيامة طيبًا طاهرًا، فلم يحتج إلى التطهير الرابع. (مدارج السالكين ١/ ١٧٨) تأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه: إن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير. فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى. وهي توبة تأخير التوبة،

стр. 710

وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب. بل عنده: أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة. ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة، مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه. (مدارج السالكين لابن القيم ص ١/ ١٧٨) ثالثًا: الاستغفار: حقيقة الاستغفار: تغطية الذنب بالعفو عنه. والاستغفار نوعان: مفرد، ومقرون بالتوبة. فالمفرد: كقول نوح ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. [نوح: ١٠، ١١] وكقول صالح ﵇ لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. [النمل: ٤٦] وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [البقرة: ١٩٩] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. [الأنفال: ٣٣] والمقرون: كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. [هود: ٣] فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شرّه. والغفّار: اسم من أسماء الله تعالى، وهو الذي أظهر الجميل وستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح التي سترها الله بإسبال ستره عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة. (المقصد الأسنى ص ٨٠) وقد حث النبي ﷺ على الاستغفار بقوله: "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك". (رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 711

"من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومِن كل هَمٍ فرَجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب". (رواه أحمد في المسند وقال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح وأبو داود وابن ماجه) سيد الإستغفار: عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ : سيد الاستغفار أن يقول: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك علَيَّ، وأبوء لك بذنبي اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يُصبح فهو من أهل الجنة". (رواه البخاري) رابعًا: ذكر الله تعالى: لقد أمر الله تعالى بالإِكثار من ذكره، وذلك لسهولته وأهميته، لذلك كان أفضل الذكر "لا إله إلا الله"، ومعناها: (لا معبود بحق إلا الله). عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه". (متفق عليه) ومن قال: "سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حُطَّت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر". (رواه البخاري ومسلم) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سبَّح الله في دبُر كُلِ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". (رواه مسلم)

стр. 712

خامسًا: الأعمال الصالحة: ١ - أداء الفرائض والنوافل: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردُّدِي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته". (رواه البخاري) وأفضل صلاة النافلة صلاة الليل، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. [الإسراء: ٧٩] ٢ - صدقة التطوع: وهي من أفضل القربات وخير الطاعات وهي كفارة للذنوب والخطايا، وفي حديث حذيفة ﵁ عندما سأل عمر: مَن يحفظ حديثًا عن النبي ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا سمعته، يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تُكفرها الصلاة والصيام والصدقة". (رواه البخاري ومسلم) وفي حديث معاذ الطويل: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنة، والصدقة تُطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار". (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح) ٣ - صوم النفل: إن الصوم جُنّة ووقاية لصاحبه عن الآثام والمعاصي فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صام يومًا في سبيل الله بَعّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا". (رواه البخاري ومسلم) وعن أبي هريرة ﵁، في النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه". (رواه البخاري ومسلم) ٤ - الحج والعمرة: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن حج فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أُمه". (رواه البخاري ومسلم)

стр. 713

وعن أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". (رواه البخاري ومسلم) وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة". (رواه البخاري ومسلم) ٥ - الصلاة على النبي ﷺ : قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. [الأحزاب: ٥٦] وعن عبد الله بن عمرو ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا". (رواه مسلم) تحريم الظلم بأنواعه قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٣] وقال رسول الله ﷺ : فيما روى عن ربه ﵎: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. ". (حديث قدسي رواه مسلم) ظلم العبد لربه: ١ - مِن ظلم العبد لربه دعاؤه غيره، وهو من الشرك: وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [الظالمين: المشركين]. [يونس: ١٠٦] ٢ - ومن الظلم الإِلحاد في أسماء الله: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [الأعراف: ١٨٠]

стр. 714

أ - عن ابن عباس في قوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. قال: إلحاد الملحدين أن دعَوا الَّلات في أسماء الله. ب - وقال قتادة: يلحدون: يشركون في أسمائه. (ذكره ابن كثير في تفسيره) ج - أقول: ومن الإِلحاد زيادة بعض الصوفية اسم "هو" ويعتبرونه من أسماء الله، ولا دليل عليه. ٣ - ومن الظلم تحريف صفات الله وعدم إثباتها كقولهم: استوى: بمعنى استولى! وقد ورد في البخاري عن مجاهد وأبي العالية معنى استوى: علا وارتفع. (كتاب التوحيد ٨/ ١٧٥) ظلم العبد لغيره: ١ - أن يقتل أخاه، أو يضر به، أو يشتمه، أو يأكل ماله بغير حق. ٢ - أن يغتاب المسلم أخاه، أو ينقل الكلام السيء للآخرين، وهو ما يسمى بالنميمة. ٣ - أن يؤخر المسلم دينه الذي عليه وهو قادر على وفائه لقوله ﷺ : "مطل الغني ظلم". (صحيح رواه أحمد وغيره) ٤ - أن يغتصب المسلم أرض غيره. لقوله ﷺ : "من ظلم قِيدَ شِبر من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين". (متفق عليه) وفي رواية البخاري: "خسف به إلى سبع أرضين". وقد وقع الاغتصاب من قبل العراق على أرض الكويت، فشرَّدوا أهلها، وسيتحملون أوزارهم كما وقع الإغتصاب من اليهود على أرض فلسطين، وشردوا أهلها، واحتلوا المسجد الأقصى والمسؤولية تقع على المسلمين القادرين على الجهاد لإِخراج الظالمين من الأراضي المغتصبة، ورفع الظلم عن المظلوم، والأخذ على يد الظالم عملاً بقول الرسول ﷺ : "أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قلت: يا رسول الله أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه". (متفق علمه) ٥ - ومن الظلم أن يحتقر المسلم أخاه، أو يكذب عليه، أو يغشه، أو يسلمه لأعدائه لإِلحاق الضرر به:

стр. 715

وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله". (رواه البخاري ومسلم) ظلم العبد لنفسه: قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. [الطلاق: ١] أي شرائعه ومحارمه، ومن يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها فقد ظلم نفسه بفعل ذلك. (انظر تفسير ابن كثير) ظلم العبد للحيوان: ١ - من ظلم العبد للحيوان تعذيبه وقت الذبح: قال الرسول ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته، ولْيرح ذبيحته". (رواه مسلم) ٢ - من ظلم العبد للحيوان منعه من الطعام: قال رسول الله ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت". (رواه مسلم) [الخشاش: الحشرات].

стр. 716

الأمر بالدعاء ١ - قال الله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾. (غافر ٦٠) ٢ - وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [الأعراف: ٥٥، ٥٦] يأمرنا الله تعالى في هذه الآيات أن ندعوه ليستجيب لنا، وطلب أن يكون الدعاء سرًّا في حالة التذلل له فإن الله لا يحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت، وأمرنا أن ندعوه خوفًا من عقابه وطمعًا في رحمته. (انظر تفسير الجلالين) قلت: هذه الآيات صريحة في الرد على فريقين: ١ - الفريق القائل: بأن إبراهيم ﵇ حينما أُلقي في النار، فقال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسَلْ ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي. (ذكره المفسر إسماعيل حقي وأقره الصابوني حينما حقق هذا الأثر وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشيعة الموضوعة وقال: (١/ ٢٥٠)، قال ابن تيمية موضوع) انتهى. هذا الأثر يخالف القرآن الذي أثبت الدعاء لجميع الأنبياء، ومنهم إبراهيم ﵇، الذي ورد دعاؤه في القرآن. وقد قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". (صحيح رواه الترمذي وغيره) وقال ﷺ : "مَن لا يدع الله يغضب عليه". (صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني) وقال ﷺ : "سلوا الله كل شيء حتى الشِّسع، فإن الله تعالى إن لم يُيَسِّره لم يَتَيسَّر". (حسنه الألباني بشواهده في الضعيفة ١/ ٢٩) ٢ - الفريق الثاني: الصوفية التي تقول: إنهم لا يعبدون الله خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، فالقرآن يرد عليهم بأن الله يأمركم أن تدعوه خوفًا من ناره وطمعًا في جنته، كما فعلت الأنبياء: قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. [الأنبياء: ٩٠]

стр. 717

من فوائد الدعاء ١ - الدعاء يرد القضاء: قال رسول الله ﷺ : "لا يَرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر". (رواه الترمذي وحسنه بشواهده كما في السلسلة الصحيحة رقم ١٥٤) ٢ - وقال ﷺ : "إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء". (رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني في المشكاة) معنى الحديث الأول: الدعاء من قدر الله ، فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مقيدًا، فإن دعاه اندفع عنه ما قضاه عليه، وفيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قضاه على عبده. وإن البر وصلة الأرحام تزيد في العمر. قوله: (القضاء): أراد به الأمر المقدَّر لولا دعاؤه. وقوله: (ولا يزيد في العمر): يعني في العمر الذي كان يقصر لولا بِرُّه. ٣ - الدعاء له فوائد ثلاثة: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر. قال: الله أكثر". (صحيح رواه أحمد انظر المشكاة ج ٢/ رقم ٢٢٥٩) من شروط الدعاء وآدابه ١ - الإِخلاص: من أهم الشروط، قال الله تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون﴾. (غافر: ١٤) ٢ - تجنب الحرام في الأكل والمشرب والملبس: وفي الحديث قول الرسول ﷺ : "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبرَ يمدُ يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له؟ ". (رواه مسلم) ٣ - عدم العجلة في الإستجابة: قال رسول الله ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي". (متفق عليه) ٤ - السؤال بعزم ورغبة: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم المسألة، وليُعَظِّم الرغبة، فإن الله تعالى لا يعظمُ عليه شيء أعطاه". (رواه مسلم)

стр. 718

٥ - رفع اليدين عند الدعاء للسماء: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى حَييٌّ كريم، يحب إذا رفع الرجل إليه يديه أن لا يردهما صِفرًا خائبتين". (رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع ١٧٥٧) ٦ - استقبال القبلة عند الدعاء: لقد استقبل النبي ﷺ في حجة الوداع القبلة في المواطن الآتية: "على الصفا والمروة، وفي وقوف عرفة، وعند المشعَر الحرام، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى". (رواه البخاري ومسلم) ٧ - البدء بالدعاء لنفسه: "كان رسول الله ﷺ إذ ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه". (صححه الألباني في الجامع ٤٧٢٠) ٨ - تكرار الدعاء ثلاثًا: "كان رسول الله ﷺ إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا" (متفق عليه) ٩ - السؤال بأسماء الله الحسنى: قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. [الأعراف: ١٨٠] ١٠ - الدعاء بالعافية، والاستكثار من السؤال: أ - قال الرسول ﷺ : "يا عباس يا عم رسول الله أكثر الدعاء بالعافية". (صححه الألباني في الصحيحة ١٥٢٣) ب - وقال ﷺ : "إذا سأل أحدكم فليُكثر، فإنما يسأل ربه". (صحيح على شرط الشيخين) ١١ - الصلاة على النبي ﷺ عند الدعاء: قال رسول الله ﷺ : "كل دعاء محجوب حتى يُصلَّى على النبي ﷺ ". (حسن رواه البيهقي) أوقات إجابة الدعاء ١ - في الليل والثلث الأخير منه: قال رسول الله ﷺ : "إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة". (رواه مسلم ج ٢/ ١٧٥) وقال ﷺ : "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ". (رواه البخاري ومسلم)

стр. 719

[ينزل ربنا: نزولًا يليق بجلاله ليس كمثله شيء، وهو دليل على أن الله فوق العرش على السماء]. ٢ - الدعاء عند نزول الكرب والمصائب: قال رسول الله ﷺ : دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين". لمْ يَدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. (صحيح رواه أحمد) ٣ - الدعاء بين الأذان والإِقامة: قال رسول الله ﷺ : "الدعوة لا تُرَد بين الأذان والإِقامة". (رواه أحمد وإسناده صحيح) ٤ - الدعاء عند الأذان وجهاد الأعداء: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان لا تُردَّان -أو قلَّما تُردَّان- عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا". (رواه أبو داود، وقال الحافظ حسن صحيح) ٥ - الدعاء عند السجود في الصلاة: قال رسول الله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه ، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". (رواه مسلم رقم ٤٨٢) ٦ - تحري الدعاء يوم الجمعة: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه الله إياه". (متفق عليه) الذين يستجاب دعاؤهم ١ - دعاء المضطر: قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ٢ - دعاء المظلوم مطلقا ولو كان كافرًا أو فاجرًا: أ - قال رسول الله ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين". (صحيح كما في الصحيحة ٨٦٨) ب - وقال ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة". (صحيح كما في الصحيحة ٨٧١)

стр. 720

ج - وقال ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب". (حسن رواه أحمد) د - وقال ﷺ : "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه". (حسنه الألباني في الجامع) ٣ - دعوة الصائم والمسافر والوالد: أ - قال رسول الله ﷺ : "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر". (صحيح انظر الصحيحة ١٧٩٧) ب - وقال ﷺ : "ثلاث دعوات مستجابات ولا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم". (حسنه الألباني في الصحيحة ٥٩٦) ٤ - دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب: قال رسول الله ﷺ : "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك مُوكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك: آمين ولك بمثل ذلك". (رواه مسلم) ٥ - الدعاء وقت الرخاء: قال رسول الله ﷺ : "مَن سَرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فلْيُكثِر الدعاء في الرخاء". (صححه الحاكم ووافقه الذهبي) المحرم من الدعاء ١ - دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء الأموات: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [الظالمين: المشركين]. [يونس: ١٠٦] وقال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح) فالدعاء عبادة كالصلاة يحرم صرفه لغير الله من الأموات أو الغائبين، وهو من الشرك الأكبر المحبط للأعمال. ٢ - الدعاء على النفس بالموت أو الشر: قال الرسول ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت لِضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بُدَّ متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". (متفق عليه)

стр. 721

وقال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على مما تقولون". (رواه مسلم وغيره) ٣ - الدعاء على الأولاد والخدم والأموال بالشر: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءٌ، فيستجاب لكم". (صحيح رواه أبو داود) ٤ - تمني الحرب ولقاء العدو: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". (رواه مسلم) الدعاء المستجاب إذا أردت النجاح في اختبار أو أي عمل فاقرأ الدعاء الآتي: ١ - سمع الرسول ﷺ رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهدُ أنكَ أنتَ الله لا إله إلا أنتَ الأحدُ الصمَدُ الذي لم يَلِد ولم يولَد ولم يَكن - له كُفُوًا أحد، فقال ﷺ : والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئِلَ به أعطى". (صحيح رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما) ٢ - دعوة في النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: "لا اله إلا أنت سُبحانك إني كُنت من الظالمين". لمْ يَدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجابَ الله له. (صحيح رواه أحمد) ٣ - يجب أن تأخذ بأسباب النجاح وهو العمل والاجتهاد مع الدعاء. دعاء الضائع سُئل ابنُ عمر ﵄ عن الضَّالةِ فقال: يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: "اللهم رادَّ الضَّالَّة، هادِيَ الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عليَّ ضالَّتي بِقُدْرتِك وسُلطانِك، فإنها من فضلِك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن)

стр. 722

دعاء الليل مستجاب قال رسول الله ﷺ : "مَن تعارَّ من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله كبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن قام فتوضأ ثم صلَّى قُبلت صلاته". (رواه البخاري وغيره) [تعارَّ: استيقظ]. نصائح وتوجيهات ١ - قرأت الدعاء المستجاب من أجل شفائي من الأمراض التي أصابتني فشفاني الله، وقرأته من أجل تيسر بعض الأعمال المتعبة، فسهل الله لي وأراحني من معاناتها. بفضل الله، ثم بقراءة هذا الدعاء. ٢ - إنى أنصح كل مسلم إذا وقع في أي مشكلة، لا سيما إخواننا في الكويت، وفلسطين، وأفغانستان، وغيرها من البلاد الإِسلامية أن يلجأوا إلى الله وحده، ويقرأوا هذا الدعاء مع الأخذ بالأسباب التي أمر الإِسلام بها كالاستعداد للجهاد، وأخذ الدواء للمريض ولا سيما الأدوية الواردة في الطب النبوي كالعسل، والحبة السوداء، وماء زمزم، وغيرها من العلاجات المفيدة. ٣ - إني أنصح إخواني المسلمين في جميع بلاد العالم أن يدعوا لإِخوانهم بالنصر والتأييد، وأن يعيد الله المهاجرين إلى بلادهم، والفلسطينيين إلى أوطانهم، وغيرهم من المسلمين المشردين، لأن دعاء المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجاب، ولا سيما هذا الدعاء المبارك الذي استفاد منه الكثيرون لحل مشاكلهم، مهما كانت هذه المشاكل.

стр. 723

دعاء من القرآن الكريم ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. [الكهف: ١٠] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. [البقرة: ٢٠١] ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. [آل عمران: ٨] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. [الحشر: ١٠] ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. [البقرة: ٢٨٦] ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. [الأعراف: ٨٩] ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. [يونس: ٨٥، ٨٦] ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. [الدخان: ١٢] ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. [الأعراف: ١٢٦] من دعاء الرسول ﷺ - - " اللهم احفظني بالإِسلام قائمًا، واحفظني بالإِسلام قاعدًا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تُشمت بي عدوًا ولا حاسدًا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك". (حسن رواه الحاكم) - "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومَتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا

стр. 724

على مَن عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا مَن لا يرحمنا". (حسن رواه الترمذي) ٣ - "اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى". (رواه مسلم) ٤ - "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك". (رواه مسلم) ٥ - "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرَق والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لَديغًا". (صحيح روه النسائي) ٦ - "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجأة نِقمتك، وجميع سخطك". (رواه مسلم) ٧ - "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء". (صحيح رواه النسائي والحاكم) ٨ - "اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وخذ منه بثأري". (حسن روه الترمذي) ٩ - "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحُب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". (رواه مسلم) ١٠ - "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرَم، والقسوة، والغفلة، والعيلة والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر، والكفر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصُّم، والبُكم، والجنون، والجذام، والبرَص، وسَيِّء الأسقام". (روه مسلم) ١١ - "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". (رواه مسلم)

стр. 725

إلهي أنت المغيثُ وحدَك يا مَن يرى ما في الضمير ويَسمعُ ... أنت المعَدُّ لكل ما يتوقَعُ يا من يُرجَّى لِلشدائد كُلِها ... يا من إليه المشتكى والمفزَعُ يا من خزائِنُ رِزقهِ في قول كن ... امنُن فإن الخيرَ عندك أجمعُ ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالإفتقار إليك فقري أدفعُ ما لي سوى قَرعي لبابك حيلةٌ ... فلئِن رُدِدتُ فأيُّ باب أقرَعُ وَمن الذي أدعو وأهتِفُ باسمِه ... إن كانَ فضلُك عن فقيرك يُمنَعُ حاشا لجودِك أن تُقنِّطَ عاصيًا ... الفضل أجزلُ وَالمواهبُ أوسعُ ثم الصلاةُ على النبي وآله ... (مَن جاء بالقرآن نورًا يسطَعُ) ﷺ -

стр. 726

(٤) صفة حجة النبي ﷺ مسائل مهمة عن العمرة والحج

стр. 727

موجز لمحتويات كتاب صفة حجة النبي ﷺ رقم (٤) * - صفة حجة النبي ﷺ في السنة. * - الرسول ﷺ يخطب في عرفات. * - خلاصة أعمال العمرة والحج. * - بدأ أعمال الحج والمنافع العظيمة فيه. * - منافع الحج الدنيا والآخرة. * - أنواع الصبر في الحج. * - شروط الإحتفاظ بمنافع الحج. * - وصايا مهمة للحجاج. * - من آداب المسجد النبوي. * - مشهد الحجيج (شعر ابن القيم). * - مناجاة وتوجع (شعر).

стр. 728

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فهذه رسالة في صفة حجة النبي ﷺ ، وخطبة حجة الوداع، وأعمال العمرة والحج، والمنافع العظيمة في الحج، لمعرفة أداء مناسك الحج على الوجه المطلوب بأسلوب سهل، مع بعض الوصايا المهمة للحاج والمعتمر، وبحث مهم من آداب زيارة مسجد رسول الله ﷺ . والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم. محمد بن جميل زينو

стр. 729

صفة حجة النبي ﷺ - قال جابر ﵁: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن (١) في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاجٌّ [هذا العام]، فقدم المدينة بَشَرٌ كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة (٢)، فولدت أسماء بنت عُميس محمد بن أبي بكر ﵁، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري (٣) بثوب وأحرمي"؛ فصلَّى رسول الله ﷺ في المسجد [وهو صامت] (٤). الإحرام: (٥) ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء [أهل بالحج] (٦) قال جابر: فنظرتُ إلى مَد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا

стр. 730

وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويلَه، وما عمل به من شيء عملنا به (١) فأهلَّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهلّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج. دخول مكة والطواف: (للعمرة) حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن (وفي رواية: الحجر الأسود) (٢). فرمل (٣) ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه ويين البيت [فصلى ركعتين]. فكان يقرأ في الركعتين: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾. [ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع إلى الركن فاستلمه.

стр. 731

الوقوف على الصفا والمروة: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبره وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت (٢) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدَتا (٣) مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا. الأمر بفسخ الحج إلى العمرة: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: "لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهَديَ وجعلتها عمرة، فمَن كان منكم ليس معه هَدي فليَحل وليجعلها عمرة". وفي رواية: فقال: "أحِلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلّوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة". (متفق عليه) فقام سراقة بن مالك بن جعشُم فقال: يا رسول الله [أرأيت عُمرتنا (وفي لفظ: مُتْعتنا)، ألِعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبك رسول الله أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلتِ العمرة في الحج "مرتين" [إلى يوم القيامة]، لا بل لأبدٍ أبَد.

стр. 732

خطبته ﷺ بتأكيد الفسخ: فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: "أبالله تعلموني أيها الناس!؟ قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم اِفعلوا ما آمركم به فإني لولا هَديي لحلَلت كما تَحِلون، ولكن لا يَحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محِله، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لم أسُقِ الهَدي". فحلَّ الناس كلهم وقصَّروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هَدي، وليس مع أحدٍ منهم هَدي إلا النبي ﷺ وطلحة. قدوم علي من اليمن: وقدم علي ببُدن (١) النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂ ممن حَلَّ، ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي بالعراق يقول: فذهبتُ إلى رسول الله ﷺ مُحرِّشا (٢) على فاطمة للذي صنعَت مُستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرَتْ عنه، فأخبرته أني أنكرتُ ذلك عليها، فقال: "صدَقتْ، صدَقتْ"، ماذا قلتَ حين فرضتَ الحج؟ (أي نويت). قال علي: قلتُ: اللهم إني أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولك. قال ﷺ : "فإن معي الهدي فلا تَحِلُّ". قال جابر: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة [بدنة]. قال جابر: فَحَلَّ الناس كلهم وقصَّروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هَدي.

стр. 733

التوجه إلى منى محرمين: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهَلّوا بالحج. [قال: ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حِضتُ، وقد حَلَّ الناس، ولم أَحلِل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلِّي بالحج، ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلِّي" [ففعلَت]. "عزا الشيخ الألباني هذه الرواية إلى الإمام أحمد وغيره في كتابه حجة النبي ﷺ " وركب رسول الله ﷺ وصلَّى بها (يعني منى) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبةٍ مِن شعر تُضرَب له بنمرة. التوجه إلى عرفات: فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز (١) رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلت له (٢).

стр. 734

الرسول يخطب في حجة الوداع خطب رسول الله ﷺ في عرفات وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمَيَّ هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث -كان مسترضعًا في بني سعد فقتلَته هُذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانِ الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطِئن فُرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبرِّح، ولهن عليكم رزقهن، وكِسوتهن بالمعروف. وإني قد تركت فيكم ما -لن تضلوا بعد - إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت وأدَّيت ونصحت. فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، ويُنكتُها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد (ثلاث مرات) (ينكتها: يميلها). وقال ﷺ عند الرمي يوم النحر: لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه. وقال أيضًا: ويحكم أو قال ويلكم -لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" [أخرج الخطبة مسلم عن جابر]

стр. 735

يستفاد من خطبة الرسول ﷺ ١ - تحريم سفك الدماء البريئة، وأخذ الأموال بغير حق، وهذا تأكيد لصيانة النفوس، والملكية الفردية، والقضاء على الإشتراكية الفاشلة، وهي فرع من الشيوعية الملحدة، وقد عرف الناس بطلانها فثاروا عليها ليتخلصوا منها. ٢ - تحريم أخذ الربا، وهو الزائد على رأس المال قَلَّ أو كَثُر. قال تعالى: ﴿وإن تُبتم فلكم رؤوسُ أموالِكم﴾. [البقرة: ٢٧٩] ٣ - فيها الحث على مراعاة حق النساء، والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بالنساء، وبيان حقوقهن، والتحذير من التقصير في ذلك. ٤ - استحلال فروج النساء بالزواج الشرعي، كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾. [النساء: ٣] ٥ - لا يجوز للزوجة إدخال أحد يكرهه الزوج في بيته، سواء كان رجلاً أجنبيًّا، أو امرأة، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك كما ذكره النووي. ٦ - يجوز للرجل أن يضرب زوجته -إذا خالفته فيما تقدم- ضربًا ليس بشديد ولا شاق، ولا سيما الإبتعاد عن ضرب الوجه، أو تقبيحه، فإنه من المحرمات، وقد ورد النهي عن ذلك؛ وهذا من قوامة الرجال على النساء كما قال الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾. [سورة النساء: ٣٤] ٧ - فيها الحث على التمسك بكتاب الله الذي فيه عز المسلمين ونصرهم، والتمسك بسنة الرسول ﷺ المبينة للقرآن، وأن سبب ضعف المسلمين اليوم هو تركهم الحكم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ولا نصر لهم إلا بالرجوع إليهما. ٨ - فيها الدليل الواضح على علُو الله على عرشه، حيث رفع الرسول ﷺ أصبعه إلى

стр. 736

السماء ليُشهد الله على أنه بلَّغ الرسالة. ٩ - فيها الأمر بأخذ مناسك الحج، وغيرها عنه- ﷺ من أقواله وأفعاله، وتقريره، وفيها إشارة إلى وداعه لأصحابه. التحذير من القتال بين المسلمين، وهو من الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإِسلام، وهو كقوله في: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". (متفق عليه) الجمع بين الصلاتين في عرفة: ثم أذَّن بلال، ثم أقام فصلَّى الظُّهر ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (١). وجعل حبل المشاة (٢) بين يديه، واستقبل القبلة (٣)، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه. الإفاضة من عرفات: ودفع رسول الله ﷺ (وفي رواية أفاض وعليه السكينة)، وقد شنق للقصواء الزمام (٤)، حتى إن رأسها ليُصيب مَورك (٥) رحله ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى حبلًا من الحبال (٦) أرخى لها قليلًا حتى تصعد.

стр. 737

المبيت في المزدلفة: حتى اذا أتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبِّح (١) بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. الوقوف على المشعر الحرام: ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢) فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلَّله ووحده؛ فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا وقال: "وقفتُ ههنا، والمزدلفة كلها موقف". (رواه مسلم وغيره) الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة: فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظُعن (٣) يجرين، فطفق الفضل ينظر اليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه التي الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر (٤) ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا. رمي الجمرة الكبرى: ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي

стр. 738

عند الشجرة، فرماها [بسبع حصيات] يُكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف (١). رمى من بطن الوادي يقول: "لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". النحر والحلق: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين [بدنة] بيده؛ ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر [ما بقي] وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قِدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها. وفي رواية: نحر رسول الله ﷺ [فحلق] وجلس [بمنى يوم النحر] للناس، فما سئل عن شيء [قُدِّم قبل شيء] إلا قال: "لا حَرج لا حَرج" (٢). الإفاضة لطواف الإفاضة: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت أفطافوا، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يَسقُون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس لنزعتُ معكم" (٣) فناولوه دلوًا فشرب منه. (رواه مسلم وغيره عن جابر انظر حجة النبي ﷺ للمحدث الألباني)

стр. 739

خلاصة أعمال العمرة ١ - الإِحرام في إزار ورداء، ولبسهما على طهارة. ٢ - الإِحرام من الميقات بحج أو عمرة، أو بهما، ورفع الصوت بالتلبية. ٣ - فسخ الحج ممن نواه مُفردًا، أو قرن إليه عمرة ولم يَسقْ الهدي (الذبيحة). ٤ - طواف القدوم سبعة أشواط، والإضطباع فيها، والرمَل في الثلاثة الأُوَل منه (الرمَل: الإسراع، الإضطباع: كشف الكتف الإِيمن). ٥ - التكبير عند الحجر، وتقبيله، أو الإشارة إليه، ومسح الركن اليماني فقط. ٦ - صلاة ركعتين بعد الطواف خلف المقام إن تيسر له أو في أي مكان من المسجد يقرأ فيهما بـ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾. ٧ - الشرب من ماء زمزم، والصبّ منها على الرأس، والعود إلى استلام الحجر الأسود أو الإِشارة إليه. ٨ - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ويقول مثل هذا ثلاث مرات، ثم يدعو بين ذلك رافعًا كفيه إلى السماء. ٩ - المشي بين الصفا والمروة سبعا، والهرولة بين الميلين الأخضرين للرجال القادرين على الهرولة دون النساء، يحسب الذهاب مرة، والرجوع مرة، وينتهي عند المروة. ١٠ - الوقوف على المروة، والذكر والدعاء عليها كما فعل على الصفا. ١١ - ختم السعي على المروة، وتحلل المتمتع بقص الشعر لا الحلق إذا كان وقت الحج قريبًا وإلا فليحلق رأسه وليحذر حلق اللحية فهو حرام.

стр. 740

خلاصة أعمال الحج (١) الِإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة، من منزله لمن كان دون الميقات، والخارج عن الميقات يحرم من الميقات. (٢) الذهاب إلى منى يوم الثامن والمبيت فيها، وأداء الصلوات في أوقاتها مع قصر الرباعية. (٣) التوجه يوم التاسع إلى عرفات، والوقوف بها نهارًا أو ليلًا، والجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم مع القصر. (٤) الوقوف بعرفة مفطرا؛ وَاستقبال القبلة رافعًا يديه يدعو. (٥) الإِفاضة من عرفة بعد الغروب إلى المزدلفة، وعليه السكينة مُلبيًا. (٦) الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة، مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامتين بدون صلاة السنة. (٧) المبيت بمزدلفة بدون إحياء الليل، وعليه صلاة الفجر في وقتها. (٨) الوقوف عند المشعر الحرام -والمزدلفة كلها مَشْعَر- مستقبل القبلة داعيًا حامدًا مكبرًا مهللًا حتى ظهور نور الصباح. (٩) التوجه من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس. (١٠) الذهاب إلى الجمرة الكبرى ضحى، ورميها يوم النحر بسبع حصيات (قدر الحمصة) والتكبير مع كل حصاة ويمتد وقت الرمي إلى الليل. (١١) بعد رمي الجمرة الكبرى، والحلق أو التقصير يكون التحلل الأصغر. (١٢) رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الظهر. ويجوز التوكيل بالرمي عن الضعفاء. (١٣) الذبح للقارن (١) والمتمتع (٢)، فمن لم يجد من المتمتعين فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأهله.
следующие страницы →