← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

السماء ليُشهد الله على أنه بلَّغ الرسالة. ٩ - فيها الأمر بأخذ مناسك الحج، وغيرها عنه- ﷺ من أقواله وأفعاله، وتقريره، وفيها إشارة إلى وداعه لأصحابه. التحذير من القتال بين المسلمين، وهو من الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإِسلام، وهو كقوله في: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". (متفق عليه) الجمع بين الصلاتين في عرفة: ثم أذَّن بلال، ثم أقام فصلَّى الظُّهر ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (١). وجعل حبل المشاة (٢) بين يديه، واستقبل القبلة (٣)، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه. الإفاضة من عرفات: ودفع رسول الله ﷺ (وفي رواية أفاض وعليه السكينة)، وقد شنق للقصواء الزمام (٤)، حتى إن رأسها ليُصيب مَورك (٥) رحله ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى حبلًا من الحبال (٦) أرخى لها قليلًا حتى تصعد.

стр. 737

المبيت في المزدلفة: حتى اذا أتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبِّح (١) بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. الوقوف على المشعر الحرام: ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢) فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلَّله ووحده؛ فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا وقال: "وقفتُ ههنا، والمزدلفة كلها موقف". (رواه مسلم وغيره) الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة: فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظُعن (٣) يجرين، فطفق الفضل ينظر اليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه التي الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر (٤) ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا. رمي الجمرة الكبرى: ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي

стр. 738

عند الشجرة، فرماها [بسبع حصيات] يُكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف (١). رمى من بطن الوادي يقول: "لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". النحر والحلق: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين [بدنة] بيده؛ ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر [ما بقي] وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قِدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها. وفي رواية: نحر رسول الله ﷺ [فحلق] وجلس [بمنى يوم النحر] للناس، فما سئل عن شيء [قُدِّم قبل شيء] إلا قال: "لا حَرج لا حَرج" (٢). الإفاضة لطواف الإفاضة: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت أفطافوا، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يَسقُون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس لنزعتُ معكم" (٣) فناولوه دلوًا فشرب منه. (رواه مسلم وغيره عن جابر انظر حجة النبي ﷺ للمحدث الألباني)

стр. 739

خلاصة أعمال العمرة ١ - الإِحرام في إزار ورداء، ولبسهما على طهارة. ٢ - الإِحرام من الميقات بحج أو عمرة، أو بهما، ورفع الصوت بالتلبية. ٣ - فسخ الحج ممن نواه مُفردًا، أو قرن إليه عمرة ولم يَسقْ الهدي (الذبيحة). ٤ - طواف القدوم سبعة أشواط، والإضطباع فيها، والرمَل في الثلاثة الأُوَل منه (الرمَل: الإسراع، الإضطباع: كشف الكتف الإِيمن). ٥ - التكبير عند الحجر، وتقبيله، أو الإشارة إليه، ومسح الركن اليماني فقط. ٦ - صلاة ركعتين بعد الطواف خلف المقام إن تيسر له أو في أي مكان من المسجد يقرأ فيهما بـ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾. ٧ - الشرب من ماء زمزم، والصبّ منها على الرأس، والعود إلى استلام الحجر الأسود أو الإِشارة إليه. ٨ - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ويقول مثل هذا ثلاث مرات، ثم يدعو بين ذلك رافعًا كفيه إلى السماء. ٩ - المشي بين الصفا والمروة سبعا، والهرولة بين الميلين الأخضرين للرجال القادرين على الهرولة دون النساء، يحسب الذهاب مرة، والرجوع مرة، وينتهي عند المروة. ١٠ - الوقوف على المروة، والذكر والدعاء عليها كما فعل على الصفا. ١١ - ختم السعي على المروة، وتحلل المتمتع بقص الشعر لا الحلق إذا كان وقت الحج قريبًا وإلا فليحلق رأسه وليحذر حلق اللحية فهو حرام.

стр. 740

خلاصة أعمال الحج (١) الِإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة، من منزله لمن كان دون الميقات، والخارج عن الميقات يحرم من الميقات. (٢) الذهاب إلى منى يوم الثامن والمبيت فيها، وأداء الصلوات في أوقاتها مع قصر الرباعية. (٣) التوجه يوم التاسع إلى عرفات، والوقوف بها نهارًا أو ليلًا، والجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم مع القصر. (٤) الوقوف بعرفة مفطرا؛ وَاستقبال القبلة رافعًا يديه يدعو. (٥) الإِفاضة من عرفة بعد الغروب إلى المزدلفة، وعليه السكينة مُلبيًا. (٦) الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة، مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامتين بدون صلاة السنة. (٧) المبيت بمزدلفة بدون إحياء الليل، وعليه صلاة الفجر في وقتها. (٨) الوقوف عند المشعر الحرام -والمزدلفة كلها مَشْعَر- مستقبل القبلة داعيًا حامدًا مكبرًا مهللًا حتى ظهور نور الصباح. (٩) التوجه من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس. (١٠) الذهاب إلى الجمرة الكبرى ضحى، ورميها يوم النحر بسبع حصيات (قدر الحمصة) والتكبير مع كل حصاة ويمتد وقت الرمي إلى الليل. (١١) بعد رمي الجمرة الكبرى، والحلق أو التقصير يكون التحلل الأصغر. (١٢) رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الظهر. ويجوز التوكيل بالرمي عن الضعفاء. (١٣) الذبح للقارن (١) والمتمتع (٢)، فمن لم يجد من المتمتعين فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأهله.

стр. 741

١٤ - ذبح شاة عن واحد؛ أو جمل أو بقرة عن سبعة في مكة أو منى، والأكل منها؛ ومدة الذبح إلى رابع أيام العيد. ١٥ - طواف الإِفاضة بدون رمَل (إسراع)، ومن بقي في لباس الِإحرام فلا يكشف كتفه والإحلال بعده الحل كله. ١٦ - السعي للمتمتع، ولمن لم يسعَ من القارنين. ١٧ - الرجوع إلى منى، والمكث فيها أيام العيد الثلاثة الأخيرة. ١٨ - الطواف للوداع واجب، وفي تركه ذبح شاة.

стр. 742

المنافع العظيمة في الحج قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. (سورة الحج ٢٧) ١ - قال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال: منافع الدنيا والآخرة: أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدن والذبائح والتجارات. ٢ - وكذا قال مجاهد وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. (البقرة ١٩٨) وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (انظر تفسير ابن كثير ج ٣/ ٢١٦) ٣ - وقال العلامة محمد الأمين في تفسيره أضواء البيان: قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ﴾: هي لام التعليل: وهي متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر﴾. (سورة الحج ٢٧) أي إن تؤذِّن فيهم يأتوك مشاة وركبانًا، لأجل أن يشهدوا: أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم. وقوله: ﴿مَنَافِعَ﴾ جمع منفعة، ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي؟ وقدجاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أُخروي: أما الدنيوي فكأرباح التجارة إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنَّه يحصل له الربح غالبًا، وذلك نفع دنيوي. وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (سورة البقرة ١٩٨)

стр. 743

أنه ليس على الجاج إثم ولا حرج إذا ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج، إِن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه. وإيضاح المعنى: وأذِّن في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح. (انظر أضواء اليان ٥/ ٤٨٩)

стр. 744

منافع الحج في الدنيا الحج له منافع دنيوية كثيرة أهمها: ١ - التعارف بين المسلمين الوافدين من بلادهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم يتم في الحج، حيث تأتي الشعوب والقبائل من كل فج عميق، ومن بلاد مختلفة، وتجتمع في مكان واحد، فيتم التعارف بسهولة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. (الحجرات ١٣) وعن طريق التعارف في العمرة والحج يتم التآلف: قال رسول الله ﷺ : "الأرواح جنود مُجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". (متفق عليه) فعلى الوافدين إلى الحج أن يتعارفوا، ويُسلّموا على بعضهم حتى يحصل التحابب بينهم: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". (رواه مسلم) ٢ - الوحدة الإِسلامية: يقول الشيخ محمد الأمين: ومن تلك المنافع ... : تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإِسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحغ، لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير، والعلم عند الله تعالى. (أضواء البيان) ٣ - التعاون بين المسلمين: الحج مؤتمر عظيم للمسلمين، ليتعارفوا ويتحابوا، ويتعاونوا على حل مشاكلهم

стр. 745

الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، وغيرها من المشاكل التي يعانيها المسلمون في بلادهم، ولا سيما الأقليات المسلمة، وما تعانية من الإضطهاد، والتمييز العنصري في جنوب أفريقيا، والحرب الطائفية في لبنان وما تعانيه من التفرقة والإختلاف، والجهاد الأفغاني ضد الإستعمار الشيوعي الماكر، واليهود الذين احتلوا فلسطين والمسجد الأقصى، ومحاولتهم القضاء على الشعب الفلسطيني وإخراجه من أرضه بالقوة. كل ما تقدم من المشاكل التي يعانيها العالم الإِسلامي يمكن بحثها في الحج، عملَا بقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. (الحج ٢٨) وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. (المائدة ٢) وعملَا بقوله ﷺ : "أنصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: كيف أنصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره". (رواه البخاري) ٤ - الذبائح واللحوم: ومن المنافع الدنيوية ما يستفيد المسلمون من البُدن والذبائح التي ينحرونها ويأكلون منها، ولا سيما الفقراء الذين ينتظرون هذا اليوم العظيم، وقد أمكن الإستفادة من اللحوم عن طريق الثلاجات، ثم ترسل إلى فقراء المسلمين في البلاد النائية، عملاً بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. (الحج ٢٨) وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. (الحج ٣٢) ٥ - التجارة في الحلال: يمكن الإِستفادة من موسم الحج في تبادل السلع والمنتجات ولا سيما الإِسلامية، وبيعها للحجاج لتشجيع الاقتصاد في العالم العربي والِإسلامي، وقد اقترح بعض الدعاة إقامة معرض دولي تعرض فيه المنتوجات الصناعية والزراعية في موسم الحج للإستفادة منها وتشجيعها. إن الإِسلام يحيى للوافدين إلى الحج التجارة فيما أحله الله كالأطعمة والألبسة وغيرها من المباحات، ويُحرم التجارة في الأمور المحرمة كالمخدرات على اختلاف أنواعها مما يضر بعقول المسلمين وأجسامهم، فليتق الله هؤلاء الذين يتاجرون بالمخدرات، ويأخذون المال الحرام، وسيعاقبون على هذا يوم القيامة.

стр. 746

وقد توعدت الحكومة السعودية بإنزال أقصى العقوبات لمثل هؤلاء المجرمين، فجزاها الله خيرًا. وقد أفتى العلماء في السعودية وغيرها بتحريم الدخان، والتجارة فيه؛ لأنه يضر الجسم، ويؤذي الجالس، ويتلف المال. فعلى المسلم ألا يشربه، ولا يتاجر فيه، ولا يقدمه لضيوفه، ولا يأخذ منه لأصدقائه، عملاً بقوله. تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. (المائدة ٢) ٦ - يحسن بالوافدين أن يأخذوا السواك إلى بلادهم، فيبيعوه إلى إخوافهم أو يقدموه هدية لهم، فإن فيه منافع عظيمة أقرها الطِّيب الحديث، فهي خير من الفرشاة الاصطناعية والمعجون، فإن السواك فيه رائحة عطرية، تفيد الأسنان، وتعطي الفم رائحة طيبة، تفيد أكثر من المعجون، وقد استعمله بعض المدخنين، ومضغوا قشره فأغناهم عن الدخان وتركوه. وقد ورد في فضل السواك أحاديث، منها قوله ﷺ : أ - "لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". (صحيح رواه مالك والشافعي) ب - "لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". (متفق عليه) ج - السواك مطهرة للفم مَرضاة للرب. (صحيح رواه أَحْمد وغيره) د - السواك يُطيب الفم، وُيرضي الرب. (صحيح رواه الطبراني) يجب قطع رأس السواك بعد استعماله مدة لتوسخه، وليخرج قسم نظيف من السواك. ٧ - التمر: هو خير ما يتاجر به الحاج ويأخذ منه للهدايا. قال الرسول ﷺ : "مَن تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سُم ولا سحر". (متفق عليه)

стр. 747

منافع الحج. والعمرة في الآخرة العمرة والحج لهما فوائد عظيمة في الآخرة، منها: ١ - غفران الذنوب: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ذكر الطبري في تفسير الآية أقوالًا لأهل العلم ثم قال: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: فمن تعجل من أيام مني الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه يحط الله عنه ذنوبه، إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بادائه على ما كلفه من حدوده، ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلا إثم عليه لتكفير الله ما سلف من آثامه وإجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده، وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: أ - "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". (متفق عليه) ب - "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة". (صحيح رواه أحمد) وقد نقل العلامة الشنقيطي في (أضواء البيان) قول الطبري ورجحه. (ذكرنا قول الطبري مختصرًا) ٢ - فضل الصلوات في مكة بمائة ألف، وفي مسجد الرسول ﷺ بألف صلاة: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أَلْف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة". (رواه مسلم)

стр. 748

وقال رسول الله يك: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة". (صحيح رواه أَحْمد) ٣ - مباهاة الله بأهل عرفة الملائكة: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول فم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعثًا غُبرا" (صحيح رواه البيهقي وغيره) ٤ - فضل الدعاء في يوم عرفة: قال رسول ﷺ : "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (حسن رواه مالك) ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله. فعلى المسلم أن يكثر من قول هذه الكلمة الطيبة، وأن يكثر من الدعاء في يوم عرفة؛ وليحذر دعاء غير الله من الأموات والغائبين؛ لأنه من الشرك الذي يبطل الحج والأعمال كلها. ٥ - يستحب للحاج رفع الصوت بالتلبية، وإراقة دم الذبائح لقوله ﷺ : "أفضل الحج العَجُّ والثجُّ". (حسن رواه الترمذي) [العَج: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: الذبائح].

стр. 749

أنواع الصبر في الحج من منافع الحج الصبر: وهو حبس النفس على ما تكره، وهو أنواع: ١ - الصبر على طاعة الله: بأداء مناسك الحج والعمرة - من إحرام، ومبيت بمنى، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي، وذبح، وحلق، وطواف، وسعي، وتحلل - على الوجه المشروع والمطلوب. ٢ - الصبر عن معاصي الله: باجتناب الرفَث، والفسوق، والجدال بالباطل، وغيرها من المعاصي: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة ١٩٧) (الرفث: الجماع والتقبيل) (الفسوق: المعاصي). ٣ - الصبر على مفارقة الأهل، والأحباب، والأوطان وذلك بذكر الله وشكره، وطلب الأجر من الله. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. (البقرة ٢٠٠) ٤ - الصبر على تكاليف العمرة والحج، فأجر النفقة لا يضيع عند الكريم، بل يضاعفه له، ويخلفه عليه، ويزيده من فضله: قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. (سبأ ٣٩) قال ﷺ لعائشة ﵂ في عمرتها: "إن لك من الأجر على قدر نصَبك ونفقتك". (صحيح رواه الحاكم) (النصَب: التعب). ٥ - الصبر على المتاعب البدنية في الحل والزحال، والإنتقال من بلد إلى بلد، ومن

стр. 750

مشعر إلى مشعر، ومن مكان لآخر. وليعلم الحاج أن هذا من الجهاد الذي يؤجر عليه لقوله ﷺ "الحج جهاد كل ضعيف". (حسن رواه ابن ماجه) ٦ - الصبر على ضياع مال أو أصحاب، وعلى المسلم أن يدعو الله بما ورد ويأخذ بالأسباب بالتفتيش عن ضالته: سُئل ابن عمر ﵄ عن الضالة، فقال: "يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: "اللهمَّ رادَّ الضالة، هادي الضلالة، تهدي من الضلال، رُدَّ عليَّ ضالتي بقدرتك وسلطانك، فإنَّها من فضلك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن) ٧ - الصبر على جميع المشاكل التي تصيب الحاج، وذلك بالإلتجاء إلى الله، ودعائه وحده، ولا سيما في الليل: قال ﷺ : "مَن تعارّ من الليل، فقال: لا إله إلا إله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهمَّ اغفر لي أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلى قبلتْ صلاته". (رواه البخاري وغيره) وقال ﷺ : "الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم". (حسن رواه البزار) ٨ - استعن بالصبر والصلاة على مصائب الدنيا: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥) ٩ - واعلم أن ما يصيبك من مرض، أو تعب، أو أذى، أو غير ذلك، فهو تكفير عن سيئاتك: قال رسول الله ﷺ : "ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وَصب، ولا هَمّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غَمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه". (متفق عليه) [النصب: التعب، الوَصَب: المرض]

стр. 751

١٠ - عليك بالصبر حتى تكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧)

стр. 752

شروط الإحتفاظ بمنافع الحج إذا أردت الإحتفاظ بمنافع الحج المتقدمة فاجتنب مايلي: ١ - الإِلحاد في الحرم: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. (الحج ٢٥) أ - قال ابن كثير: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾: أي يَهُم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار. ب - وقوله: (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول كما قال ابن جريج عن ابن عباس: هو التعمد. ج - وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم: بشرك. د - وقال مجاهد: أن يُعبَد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد. هـ - وقال العوفي عن ابن عباس: (بظلم) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة، أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم. و- وقال مجاهد: (بظلم) يعمل فيه عملاً سيئًا، وهذا من خصوصيات الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازمًا عليه وإن لم يوقعه. (انظر نفسير ابن كثير ج ٣/ ٢١٤) أقول: ومن الإِلحاد في الحرم ما يفعله المجرمون مِن قتل الأبرياء، وترويع الآمنين، وينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. (المائدة ٣٣) علمًا بأن المشرك كان يلقى قاتل أَبيه، فيُعرض عنه احترامًا للحرم، والمسلم أحق باحترام البيت وتعظيمه من المشرك، والله تعالى يقول:

стр. 753

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾. (البقرة ١٢٥) والحكومة السعودية -وفقها الله- قامت بواجبها بإنزال العقوبة العادلة على هؤلاء المجرمين الذين يسعون في الأرض فسادًا ويلحدون في الحرم، وقد توعدهم الله يوم القيامة بالعذاب. ٢ - الشرك بالله: وهو صرف العبادة لغير الله كدعاء الأموات والغائبين لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. (يونس ١٠٦) [الظالمين: المشركين] وإذا وقع المسلم في الشِّرك بَطَل حَجه وعمله لقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الزمر ٦٥) ٣ - الرياء: وهو العمل الذي يراد به السمعة، فيحج ليقول عنه الناس: الحاج، علمًا بأن كلمة (الحاج) التي يطلقونها على من حج البيت لم يعرفها السلف الصالح، فلم نسمع عن واحد منهم قال في أخيه: (الحاج عمر) مثلًا؛ لأنها من بدع المتأخرين. فأخلص حجك لله يَا أخي المسلم وقل كما قال النَّبِيّ ﷺ : "اللهمَّ حَجة لا رياء فيها ولا سُمعة" (صحيح رواه ابن ماجه)

стр. 754

وصايا مهمة للحاج إذا أردت المزيد من فوائد الحج فاعمل بهذه الوصايا: ١ - رافق أهل الصلاح والعلم واستفد منهم. ٢ - تحمّل أذى جيرانك، ولا تؤذ أحدًا من إخوانك، وادفع بالتي هي أحسن. ٣ - استعمل السواك، وخذ هدايا منه مع زمزم والتمر لأهلك، فقيد وردت أحاديث في فضلها. ٤ - احذر لمس النساء والنظر إليهن، واحجب نساءك عن الرجال. ٥ - تلطف بمن حولك أثناء الطواف وتقبيل الحجر والسعي، والرمي، فهو من الرفق المطلوب، لقوله ﷺ : "من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله". (روه مسلم) ٦ - احذر الرفث والفسوق والمخاصمة، حتى يكون حجك مقبولًا. ٧ - احذر شرب الدخان، وسوء الأخلاق، والشتم والسباب، وحلق اللحية، فهي محرمة، ولا سيما أثناء أداء مناسك العمرة والحج. ٨ - كن سمحًا في بيعك وشرائك حتى يرحمك الله، وحسِّن أخلاقك ولا تواجه أحدًا بما يكره، قال الرسول ﷺ : "رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى". (رواه البخاري) ٩ - لا تضيع أوقاتك في الأسواق، والبيع والشراء والقيل والقال. ١٠ - أكثر من قراءة القرآن، والطواف بالكعبة، والصلاة على النبي ﷺ . ١١ - لا ترفع صوتك بالدعاء عند الطواف ففيه تشويش على الطائفين، وقد قال الرسول ﷺ لأصحابه: "اربَعوا على أنفسكم فإنكم ليس تدعون أصَمَّ، ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". (رواه مسلم) [اربَعوا: ارفقوا بأنفسكم، ولا ترفعوا أصواتكم فالله يسمعكم]

стр. 755

من آداب المسجد النبوي ١ - زيارة مسجد الرسول ﷺ مستحبة لمن استطاع، ولا يتوقف عليها صحة الحج، وليس لها وقت مُحدد. ٢ - احرص على صلاة الجماعة، ولا سيما في المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة. ٣ - إذا دخلت المسجد، فقدم رجلك اليمنى وقيل: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ثم صل ركعتين تحية المسجد، ثم سلم على الرسول ﷺ قائلًا: السلام عليك يَا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، وإن أردت الدعاء فاستقبل القبلة، وأسأل الله بمحبتك لرسوله ﷺ . ٤ - اذهب إلى مسجد قباء وصل فيه لقوله ﷺ "من تطهير في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة كان له أجر عمرة تامة". (صحيح رواه أَحْمد) ٥ - تستحب زيارة البقيع، وشهداء أُحد، دون المساجد السبعة في المدينة المنورة لعدم وجود دليل عليها. ٦ - احذر لمس أو تقبيل الشباك أو الجدار وغيرهما. ٧ - الرجوع إلى الوراء عند مغادرة المسجد بدعة لا دليل عليه. ٨ - السفر إلى المدينة يكون بنية زيارة المسجد النبوي، ثم السلام على النبي ﷺ عند الدخول، لقوله ﷺ : (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) "متفق عليه"

стр. 756

ذكريات مفيدة ١ - اقرأ كتابًا عن مناسك الحج، لتتعلم أحكامه، وأسأل العلماء، واسمع المحاضرات. ٢ - لا تنس أن تأخذ لأهلك بعض الهدايا النافعة كالكتب المفيدة، ومجلة التوعية الإِسلامية التي توزعها مجانًا مراكز التوعية الإِسلامية في مكة والمدينة وغيرهما. ٣ - تذكر وأنت في مكة أو المدينة أن الرسول ﷺ بقي في مكة ١٣ عامًا يدعو إلى كلمة التوحيد، فاقتد به، وذكر الناس بكلمة "لا إله إلا الله" ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وذكرهم بقوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح) ومن التوحيد أن تسال أهلك وإخوانك: أين الله؟ وتعطيهم الجواب: في السماء، فقد سأل الرسول ﷺ جارية: "أين الله؟ قالت في السماء، قال لها من أنا؟ قالت رسول الله، فقال لصاحبها: أعتقها فإنها مؤمنة". (رواه مسلم) الخلاصة الحج ركن من أركان الإِسلام له منافعِ دنيوية وأخروية، فبادر إليه عند الإستطاعة قبل أن تمرض أو تفتقر، أو تموت عاصيًا؛ واحذر الإِشراك باللهِ، والرياء، والإِلحاد في الحرم، والرفث والفسق والجدال الباطل في الحج ... ومن علامة الحج المقبول أن تكون أحسن حالًا في عقيدتك وعبادتك ومعاملاتك وأخلاقك، و ... وعليك بالدعاء قائلًا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

стр. 757

مشهد الحجيج ١ - أما والذي حج المحبون بيته ... ولَبّوا له عند المهَلِّ وأحرموا ٢ - وقد كشفوا تلك الرءوسَ تواضعًا ... لِعزة مَن تعنو الوجوه وتُسلِمُ ٣ - يُهلون بالبيداء لبيك ربَّنا ... لك الملك والحمد الذي أَنْتَ تعلمُ ٤ - دعاهم فلَبَّوه رضًا ومحبَّة ... فلما دعوه كان أقربَ منهمُ ٥ - وراحوا إلى التعريف يرجون رحمة ... ومغفرة ممن يجود ويُكِرمُ ٦ - فلله ذاك الموقف الأعظم الذي ... كموقف يومِ العَرض بل ذاك أعظمُ ٧ - ويدنو به الجبار ﷻ ... يُباهي بهم أملاكه لهو أكرمُ ٨ - يقول عبادي قد أتوني محبّة ... وإني بهم بَرٌّ أجُودُ وأرحمُ ٩ - فأشهدكم أني غفرت ذنوبهم ... وأعطيتهم ما أمَّلوه وأُنعِمُ العلامة ابن قيم الجوزية

стр. 758

مناجاة وتوجع ١ - إليك إلهي قد أتيت مُلبيا ... فبارك إلهي حجتي ودعائيا ٢ - قصدتك مضطرًا وجئتك باكيًا ... وحاشاك ربي أن ترد بكائيا ٣ - كفاني فخرًا أنني لك عابد ... فيا فرحتي إذا صرتُ عبدًا مواليا ٤ - إلهي فأنت الله لا شيء مثله ... فأفعم فؤادي حكمة ومعانيا ٥ - أتيتُ بلا زاد، وجودُك مطمعي ... وما خاب من يهفو لجودك ساعيًا ٦ - إليك إلهي قد حضرتُ مُؤمِّلًا ... خلاصَ فؤادي من ذنوبي مُلَبِّيا ٧ - وكيف يرى الإنسان في الأرض مُتعة ... وقد أصبح القدسُ الشريف ملاهيا ٨ - يجوس به الأنذال مِن كل جانب ... وقد كان للأطهار قدسًا وناديا ٩ - معالم إسراء، ومهبطُ حكمة ... وروضة قرآن تعطر واديا

стр. 759

(٥) من بدائع القصص النبوي الصحيح

стр. 760

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها, لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص. وكان من حكمة الرسول ﷺ أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح، والبيان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعى وليس بخيالي. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى , إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾. "النجم ٣ - ٤" وإن بعض شبابنا قد مالوا إلى القصص الأجنبي الضار، إذ أكثره جنسي مائع أو بوليسي مجرم، يوقعهم في الفاحشة والإنحراف كما يريده أعداء الإِسلام. لذلك كان واجبًا على الكاتب الإِسلامي أن يقدم نماذج من القصص الديني الصحيح، فإن فيها تهذيب الأخلاق، وتقريب الشباب من الدين. وإني أقدم نموذجًا من بدائع القصص النبوي، وهي مختارة من الأحاديث الصحيحة، وجعلتها على شكل حِوار، ومشاهد، حتى كأنك ترى وقائع القصة أمامك، وجعلت لكل قصة عبرة في آخرها للاستفادة منها، فالله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. "يوسف آية ١١١" وأحب أن أنبه إلى أمور مهمة: ١ - شرحت بعض الكلمات التي تساعد القارئ على فهم القصة. مثل: (فلقيه)، فقنت: (فلقي ضماد محمدًا ﷺ ). ٢ - نقلت الفعل الماضي إلى الفعل المضارع ليرى القارئ القصة وكأنها أمامه ٣ - حذفت كلمة (قال) من النص استغناء عنها بذكر القائل أول السطر. ٤ - الكلام الذي بين المعقوفين [] وهو وصف لحالة القائل وهو من كلام المؤلِّف. ٥ - لا يفهم من هذا الحِوار وَالمشاهد جواز عملية التمثيل ولا سيما تمثيل الرسول ﷺ وصحابته، وهو حرام. والله أسال أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لله تعالى.

стр. 761

الغلام المؤمن والساحر * الملِك والساحر. *الراهب والغلام. * الغلام والأفعى. * الغلام والأعمى. * تعذيب من آمن. * الغلام يُعذب. * الغلام يُضحِّي بنفسه. * احتراق الكفار. * من عبرة القصة وفوائدها.

стр. 762

الغلام المؤمن والساحر عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كان مَلِك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر؛ فلما كبر الساحرُ، قال للملِك: إني قد كبِرتُ فابعث إليَّ غلامًا أُعلِّمه السحر؛ فبعث إليه غلَامًا يُعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهبٌ، فقعد إليه وسمع كلامَه فأعجبه؛ فكان إذا أتى الساحر مَرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيتَ الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر). الغلام والأفعى "بينما الغلام سائر إذ رأى دابة عظيمة (أفعى) قد حبست الناس". الغلام [يخاطب نفسه]: اليوم أعلم، الساحر أفضل أم الراهب؟ الغلام [يأخذ حجرًا]: اللهمَّ إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. "يرمي الغلام الدابة فيقتلها ويمضي الناس". الراهب [متعجبًا]: "يأتي الغلام الراهب فيُخبره". أي بُني أنتَ اليوم أفضل مني، قد بلغ مِن أمرِك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليتَ فلا تدل عليَّ. "الغلام يُبرىء الأكمه (الأعمى) والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء (الأمراض) ".

стр. 763

الغلام والأعمى "يسمع جليس للملك كان قد عمي، فيُقدِّم للغلام هدايا كثير". الأعمى [راجيًا]: كل هذه الهدايا لك إن أَنْتَ شفيتني! الغلام [مرشدًا]: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى، فإن أنت آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك. "يؤمن الأعمى فيشفيه الله تعالى". "يأتي الجليس الملِك، فيجلس إليه كما كان يجلس". الملك [متعجبًا]: من رَدَّ عليك بصركَ؟!! الجليس [في فرح]: ربي! الملك [منكرًا] أوَ لك رَبٌّ غيري؟!! الجليس [في شجاعة وإيمان]: ربي وربك الله. "يأخذه الملك فلم يزل يعذبه حتى يَدُل على الغلام فيُؤتى بالغلام". الملك [مهددًا]: أيْ بُنيَّ قد بلَغ مِن سحرك ما تُبرىء الأكْمَهَ والأبرص، وتفعل وتفعل!! الغلام: إني لا أشفي أحدًا، إنما يَشفي الله تعالى. تعذيب من آمن "يأخذ الملك الغلام، فلا يزال يُعذبه حتى دَل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فيأبى، فيدعو الملِك بالمنشار، فيضع المنشار في مفرق رأسه فيشقه به حتى يقع شقاه على الأرض!! ". "ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فيأبى، فيضع المنشار في مفرق رأسه، فيشقه به حتى وقع شقاه".

стр. 764

الغلام يُعذب "يؤتى بالغلام، فيقال له: ارجع عن دينك، فيأبى، فيدفعه الملك إلى نفر من أصحابه". الملك [غاضبًا]:اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذِروْته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه. "يذهبون بالغلام، ويصعدون به الجبل". الغلام [داعيًا عليهم]: اللهم اكفِنيهم بما شئت. "يَرْجف بهم الجبل فيسقطون ويجيء الغلام يمشي إلى الملك". الملك [في حيرة ودهشة]: ما فعل أصحابك؟! الغلام [في شجاعة وإيمان]: كفانيهم الله تعالى. "يدفعه الملك إلى نفر من أصحابه". الملك: اذهبوا فاحملوه في قُرقُور (زَوْرَق) وتوسّطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه. "يذهبون بالغلام". الغلام [داعيًا]:اللهم اكفنيهم بما شئت. "تنكفىء بهم السفينة فيغرقون!! ويجيء الغلام إلى الملك يمشي!! ". الملك [في قهر وخذلان]: ما فعل أصحابك؟ الغلام [في طمأنينة وثبات]:كفانيهم الله تعالى.

стр. 765

الغلام يضحي بنفسه الغلام [للملك]: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به!!! الملك [في عجز ويأس]: ما هو؟ الغلام [آمرًا]: تجمعُ الناسَ في صعيد واحد، وتصلبني على جذْع، ثم خذ سهمًا مِن كِنانتي، ثم ضع السهم في كَبِد القوس، ثم قل: (بسم الله رب الغلام)!! ثم ارمني، فإنك إذا فعلتَ ذلك تقتلني. "يَجمعُ النَّاسَ في صعيد واحد، ويَصلبُ الغلامَ على حذع، ثم يأخذ الملك سهمًا من كنانة الغلام، ثم يَضع السهم في كبد القوس ثم يقول: (بسم الله رب الغلام) ثم يرميه، فيقع السهم في صُدْغه، فيضع يده في صدغه في موضع السهم ويموت". الناس [يهتفون]: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. "يجيء الجند إلى الملك". الجند [في أسف]: أرأيتَ ما كنتَ تحذر، قد والله نزل بكَ حَذَرُك، قد آمن الناس. الملك [فِي غيظ]: احفِروا الأخدود (الخنادق) بأفواه السكك واضْرِموا فيها النيران، ومَن لم يرجع عن دينه فاقحِموه فيها (اطرحوه). "الجند على أطراف الأخدود، يَعْرضون الشعب المؤمن على النَّار، ويَعْرضون عليهم أن يرجعوا عن دينهم، فمن لم يرجِع أوقْعوه في النَّار". "على حافَّة النَّار امرأة معها رضيع تخشى عليه فتترد، وتتقاعس أن تقع في النَّار". الرضيع [يقول]: يَا أُمَّهْ اصبري فإنك على حق. "ذكر قصة أصحاب الأخد والإِمام مسلم ٤/ رقم ٣٠٠٥"

стр. 766

احتراق الكفار قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ "البروج ١٠" ١ - قال ابن جرير بعد ذكره قصة أصحاب الأخدود: وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع في العلة: وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم؛ ولو لم يكونوا أُحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ معنى مفهوم مع أخباره أن لهم عذاب جهنم؛ لأن عذاب جهنم من عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة. "ج ٣٠ ص ١٣٥" ٢ - قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. أي حرَّقوهم بالنار، فلهم عذاب جهنم لكفرهم، ولهم الحريق في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار. وقيل: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين. ٣ - ذكر المفسر الألوسي نقلاً عن ابن جرير وغيره: أن الله بعث على المُؤْمنين ريحًا تقبض أرواحهم قبل الوصول إلى النار، وأن النار خرجت فأحرقت هؤلاء الكفار الذين كانوا على حافتي الأخدود. ويدل عل هذا قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.

стр. 767

من فوائد القصة ١ - كل مولود يولد على الفطرة، فاقتضت الفطرة السليمة أن تكون مع الحق والخير دائمًا وترفض الشر، فوجَّهتِ الغلام نحو الخير حين سمع الحق من الراهب ونبذت الشر المتمثل في الساحر الكافر. ٢ - لا بأس بالكذب للنجاة من كيد الكافرين عند الضرورة. ٣ - علم الغلامُ بفطرته أن الحق مع الراهب ولكن أراد أن يقيم الحجة (مثل إبراهيم ﵇) حين أقام الحجة على قومه. ٤ - الدعاء إلى الله أن يظهر له الحق وُيبين له وجه الصواب ويقطع الشك باليقين، وهذا شأن المؤمن يلجأ إلى الله دائمًا لحل مشكلاته. ٥ - إماطة الأذى عن الطريق وتخليص الناس مِن كرب وقعوا فيه، مشروع ومطلوب يؤجَر المسلم عليه، كما صرحت بذلك الأحاديث. ٦ - المؤمن الصادق هو الذي ينسِبُ فعل الكرامة إلى الله وليس إلى نفسه. ٧ - الاعتراف بالفضل ولو إلى غلام صغير: (أي بُني أنت اليوم أفضل مني). ٨ - كل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدع بالحق لا بُدَّ من أن يُبْتَلى، فعليه بالصبر، وله الأجر الكبير عند الله. قال الله تعالى على لسان لقمان يوصي ولده: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ "لقمان ١٧" ٩ - كل من أخطأ في تعبيره لا يُترك في خطئه، بل يُبين كله وجه الصواب، لا سيما في عقيدة التوحيد، فالغلام يقول للوزير: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى. وهذا مطابق لقول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. ١٠ - إن لله رجالًا أقوياء بإيمانهم، فمهما عُذِّبوا لا يرجعون عن دينهم، ولا يُرضون الطغاة بكلمة فيها ضعف أو كفر، ولو حُرِّقوا، أو نُشِروا أو أُغرقوا وهو الأفضل

стр. 768

وقد أشار إليهم الله سبحانه بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ "آل عمران: ١٤٦" وقد سمح الله للمؤمن أن ينطق بالكفر إذا أُكره عليه فقال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. "النحل ١٠٦" ١١ - لا بُدَّ لكلمة الحق أن تنتصر، فالملك يعجز عن قتل الغلام، ولا يتم له ذلك إلا بطريقة يرسمها الغلام للملك، يعقبها إيمان الشعب واندحارُ الملك، ويتحقق قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. "التوبة ٤٠" ١٢ - الغلام المؤمن يُضحِّي بنفسه ليؤمن الناس، وهذا شأن المؤمنين المخلصين يسعون لإنقاذ أُمتهم، ولو أدَّى ذلك إلى استشهادهم، فهم إلى الجنة ذاهبون: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. "آل عمران ١٦٩" ١٣ - يُثبت الله المؤمنين بالحُجَج البيَّنات، وُيؤيد دينهم بالكرامات، فهذا هو الرضيع ينطق: (يَا أُمَّه اصبري فإنك على الحق). والأم تستجيب لهذا الأمر، وتُلقي بنفسها مع طفلها صابرة محتسبة. ١٤ - مصير المؤمنين إلى الجنة بعد موتهم، ومصير الكفار الحرق في الدنيا، وعذاب جهنم في الآخرة.

стр. 769

أبرص وأقرع وأعمى عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي- ﷺ يقول: (إن ثلاثة في بني إسرائيل: (أبرص وَأقرع وأعمى) أراد الله أن يبتليهم (يختبرهم)، فبعث إليهم ملَكًا:) "يأتي الملَك الرجل الأبرص". الملك: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ الأبرص: لَون حسن، وجلْد حَسَن، ويذهبُ عني الذي قد قذرني الناس! "يمسحه الملَك، فيذهب عنه قذرُه، ويُعْطَى لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا! ". الملك: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟ الأبرص: الإِبل. "يُعطَى ناقة عُشرَاء (حاملًا) ". الملك: بارك الله لك فيها. "يأتي الملَك الرجل الأقرع". الملك: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ الأقرع: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذِرني الناس. "يمسحه الملَك فيذهب عنه داؤه ويعطى شعرًا حسنًا". الملك: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ الأقرع: البقَرَ. "يُعطى بقرة حاملًا". الملك: بارك الله لك فيها. "يأتي الملَكُ الرجلَ الأعمى". الملك: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟

стр. 770

الأعمى: أن يَرد الله إليَّ بصَري، فأُبصِر به الناس. "يمسحه الملَك، فيردَّ الله إليه بصره". الملَك: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ الأعمى: الغنم. "يُعطى شاة والدًا (حاملًا) ". "كان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم". "يأتي الملَك الرجلَ الأبرص في صورة الأبرص" الملَك: رجلٌ مسكين قد انقطعتْ بي الحِبالُ في سفري، فلا بَلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلَّغ عليه في سفري (أصل به إلى أهلي). الأبرص [في ضيق]: الحقوق كثيرة!! الملَك [في استغراب]: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يقْذَرُكَ الناس؟ فقيرًا فأعطاك الله؟! الأبرص [في إنكار]: إنما ورِثْتُ هذا المال كابِرًا عن كابِر! (أبًا عن جَد)!! الملَك: إن كنتَ كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت. "ثم يأتي الملَكُ الرجلَ الأقرع في صُورة الأقرع". الملَك: رجلٌ مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن والمنظر الحسن والمال، بقرةً أتَبَلّغ بها في سفري. الأقرع [في ضجر]: الحقوق كثيرة!!! الملَك [متعجبًا]:كأني أعرفك، ألم تكن أقرع يَقْذَرُك الناس؟! فقيرًا فأعطاك الله؟! الأقرع [في استكبار]: إنما ورثْتُ هذا المال كابِراً عن كابر! (أبًا عن جَد).

стр. 771

الملَك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت. "يأتي المَلك الرجلَ الأعمى في صورة الأعمى". الملَك: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رَدَّ عليك بصرك- شاة أتبلّغ بها في سفري. الأعمى [شاكرًا معترفًا]: قد كنتُ أعمى فرَّد الله إليَّ بصري، فخُذْ ما شئتَ ودَعْ ما شئت؛ فوالله لا أجْهدك اليومَ (لا أعارضك) بشيء أخذته لله . الملك: أمْسِكْ مالك، فإنما ابتُليتم (اختُبرتم)، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك. "البخاري ٤/ ١٤٦، مسلم رقم ٢٩٦٤"

стр. 772

من عبرة القصة وفوائدها ١ - اختبار الله لعبادة، سنة الله في أرضه، كما أخبر الله به في كتابه. ٢ - الإبتلاء يكون في الجسم والمال والأولاد وغيرها. ٣ - الملائكة تتصور أحيانًا على هيئة البشر، وتتكلم، وتمسح على المريض فيبرأ بإذن الله. ٤ - لا شيء أحب لِلمُبتَلى بالمرض من ذهاب مرضه ومعافاته. ٥ - الله هو الذي يُعطي ويمنع، وُيغني ويُفقر، بتقديره وحكمته. ٦ - من التوحيد والأدب أن تنسب الشفاء والغنى إلى الله وحده: "قد كنت أعمى فردَّ الله بصري". ٧ - الإِنسان الجاهل يبخل وقت الغنى، والعاقل يعطي بسخاء متذكرًا قول النبي ﷺ : "ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدهما: (اللهم أعطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسِكًا تلَفًا) ". "متفق عليه" ٨ - بعض الأغنياء ينسون ماضيهم ويغضبون ممن يذكرهم به. ٩ - مَن شكر النعمة، وأعطَى الفقراء زاده الله غنى، وبارك له؛ ومَن بخل فقد عرَّض نفسه لزوال النعمة وسخط الرب القائل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. "إبراهيم ٧" ١٠ - إنكار النعمة يجلب النقمة، ويُسبب الشقاء. ١١ - الكرم يجلب النعمة ويذهب بالنقمة، ويُرضى الرب، والبخل يجلب السوء ويسخط الرب. ١٢ - المؤمن يفي بما وعد ولا يبخل، والمنافق يعاهد. ويعد، ولكن لا يفي بعهده ووعده، كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. "التوبة ٧٥" وقال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). "متفق عليه"

стр. 773

أصحاب الغار والصخرة عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكَم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدَرتْ صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجْيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالحِ أعمالكم). قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغْبِق [أُقدّم] قبلهَما أهلًا ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يومًا [أبعدْتُ] فلم أُرِحْ عليهما [فلم أرجع] حتى ناما، فحلبتُ لهما غبَوقهما [حِصتهما] فوجدتُهما نائمين، فكرهت أن أوقظَهما وأن أغْبق قبلهما أهلًا أو مالًا؟ فلبثتُ - والقدحُ على يدي- أنتظرُ استيقاظهما حتى برَق الفجرُ، والصبية يتضاغون عند قدمَي [يصيحون] فاستيقظا فشربا غبوقهما [شربا اللبن] اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. "فانفرَجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منها". وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عَمٍّ كانت أحبَّ الناس إليَّ، فأردتها على نفسها، فامتنعَتْ مني، حتى ألَمّتْ بها سَنة من السنين [أصابها جوع] فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تُخليَ بيني وبين نفسها، ففعلَتْ، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، [لا تقربني إلا بنكاح شرعي] , فتحرجت من الوقوع عليها.

стр. 774

فانصرفت عنها وهي أحبُّ الناس إليَّ؛ وتركتُ الذهب الذي أعطيتها!! اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك فافرُجْ عنا ما نحن فيه. "فانفرجَت الصخرةُ غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها". وقال الثالث: اللهم استأجرت أجَراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فَثمَّرْت [كثرتُ] أجره حتى كَثُرتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يَا عبدَ الله أدِّ إليَّ أجري, فقلتُ: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يَا عبد الله لا تستهزىء بي. فقلت: إني لا أستهزىء بك؛ فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا!!! اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. "فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون". "والقصة في البخاري ٤/ ٣٦٩ ومسلم ٢٧٤٣".

стр. 775

من فوائد القصة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "المائدة ٣٥" [قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه]. ١ - الأعمال الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإِنسان وقت الشدة. قال رسول الله ﷺ : (احفظ الله يَحفظك، احفظ الله تجده تجاهك [أمامك] تعرَّف إلى الله في الرخاء، يَعرِفك في الشدة). "صحيح رواه أحمد والترمذي" ٢ - يجب على المسلم أن يلجأ إلى الله وحده دائمًا بالدعاء وخاصة حين نزول الشدائد، ومن الشرك الأكبر دعاء الأموات الغائبين: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. "يونس ١٠٦" [الظالمين: المشركين]. ٣ - مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة, وهي نافعة ومفيدة، ولا سيما عند الشدة، وعدم مشروعية التوسل بالذوات والجاه. ٤ - حب الله مُقدَّم على حب ما تهوى النفوس من الشهوات. ٥ - مَن ترك الزنى والفجور خوفًا من المولى نجاه الله من البلوى. ٦ - من حفظ حقوق العمال حفظه الله وقت الشدة، ونجاه من المحنة. ٧ - الدعاء إلى الله مع التوسل بالعمل الصالح يُفتِّت الصخور، ويُفرِّج الكروب. ٨ - بر الوالدين وإكرامهما مقدم على الزوجة والأولاد. ٩ - حق الأجير يُحفَظ له، ولا يجوز تأخيره، قال رسول الله ﷺ : (أعطوا الأجير أجرَه قبل أن يجفّ عرقه). "صحيح رواه ابن ماجة" ١٠ - استحباب تنمية مال الأجير الذي ترك حقه، وهو عمل جليل، وهو من حق الأجير.
следующие страницы →