الملَك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت.
"يأتي المَلك الرجلَ الأعمى في صورة الأعمى".
الملَك: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رَدَّ عليك بصرك- شاة أتبلّغ بها في سفري.
الأعمى [شاكرًا معترفًا]: قد كنتُ أعمى فرَّد الله إليَّ بصري، فخُذْ ما شئتَ ودَعْ ما شئت؛ فوالله لا أجْهدك اليومَ (لا أعارضك) بشيء أخذته لله .
الملك: أمْسِكْ مالك، فإنما ابتُليتم (اختُبرتم)، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك. "البخاري ٤/ ١٤٦، مسلم رقم ٢٩٦٤"
стр. 772
من عبرة القصة وفوائدها
١ - اختبار الله لعبادة، سنة الله في أرضه، كما أخبر الله به في كتابه.
٢ - الإبتلاء يكون في الجسم والمال والأولاد وغيرها.
٣ - الملائكة تتصور أحيانًا على هيئة البشر، وتتكلم، وتمسح على المريض فيبرأ بإذن الله.
٤ - لا شيء أحب لِلمُبتَلى بالمرض من ذهاب مرضه ومعافاته.
٥ - الله هو الذي يُعطي ويمنع، وُيغني ويُفقر، بتقديره وحكمته.
٦ - من التوحيد والأدب أن تنسب الشفاء والغنى إلى الله وحده: "قد كنت أعمى فردَّ الله بصري".
٧ - الإِنسان الجاهل يبخل وقت الغنى، والعاقل يعطي بسخاء متذكرًا قول النبي ﷺ :
"ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدهما:
(اللهم أعطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسِكًا تلَفًا) ". "متفق عليه"
٨ - بعض الأغنياء ينسون ماضيهم ويغضبون ممن يذكرهم به.
٩ - مَن شكر النعمة، وأعطَى الفقراء زاده الله غنى، وبارك له؛ ومَن بخل فقد عرَّض نفسه لزوال النعمة وسخط الرب القائل:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. "إبراهيم ٧"
١٠ - إنكار النعمة يجلب النقمة، ويُسبب الشقاء.
١١ - الكرم يجلب النعمة ويذهب بالنقمة، ويُرضى الرب، والبخل يجلب السوء ويسخط الرب.
١٢ - المؤمن يفي بما وعد ولا يبخل، والمنافق يعاهد. ويعد، ولكن لا يفي بعهده ووعده، كما قال الله تعالى عن المنافقين:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. "التوبة ٧٥"
وقال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). "متفق عليه"
стр. 773
أصحاب الغار والصخرة
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكَم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدَرتْ صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجْيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالحِ أعمالكم).
قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغْبِق [أُقدّم] قبلهَما أهلًا ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يومًا [أبعدْتُ] فلم أُرِحْ عليهما [فلم أرجع] حتى ناما، فحلبتُ لهما غبَوقهما [حِصتهما] فوجدتُهما نائمين، فكرهت أن أوقظَهما وأن أغْبق قبلهما أهلًا أو مالًا؟ فلبثتُ - والقدحُ على يدي- أنتظرُ استيقاظهما حتى برَق الفجرُ، والصبية يتضاغون عند قدمَي [يصيحون] فاستيقظا فشربا غبوقهما [شربا اللبن]
اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة.
"فانفرَجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منها".
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عَمٍّ كانت أحبَّ الناس إليَّ، فأردتها على نفسها، فامتنعَتْ مني، حتى ألَمّتْ بها سَنة من السنين [أصابها جوع] فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تُخليَ بيني وبين نفسها، ففعلَتْ، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، [لا تقربني إلا بنكاح شرعي] , فتحرجت من الوقوع عليها.
стр. 774
فانصرفت عنها وهي أحبُّ الناس إليَّ؛ وتركتُ الذهب الذي أعطيتها!!
اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك فافرُجْ عنا ما نحن فيه.
"فانفرجَت الصخرةُ غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها".
وقال الثالث: اللهم استأجرت أجَراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فَثمَّرْت [كثرتُ] أجره حتى كَثُرتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يَا عبدَ الله أدِّ إليَّ أجري, فقلتُ: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يَا عبد الله لا تستهزىء بي. فقلت: إني لا أستهزىء بك؛ فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا!!!
اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
"فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون".
"والقصة في البخاري ٤/ ٣٦٩ ومسلم ٢٧٤٣".
стр. 775
من فوائد القصة
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ "المائدة ٣٥"
[قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه].
١ - الأعمال الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإِنسان وقت الشدة.
قال رسول الله ﷺ : (احفظ الله يَحفظك، احفظ الله تجده تجاهك [أمامك] تعرَّف إلى الله في الرخاء، يَعرِفك في الشدة). "صحيح رواه أحمد والترمذي"
٢ - يجب على المسلم أن يلجأ إلى الله وحده دائمًا بالدعاء وخاصة حين نزول الشدائد، ومن الشرك الأكبر دعاء الأموات الغائبين:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. "يونس ١٠٦"
[الظالمين: المشركين].
٣ - مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة, وهي نافعة ومفيدة، ولا سيما عند الشدة، وعدم مشروعية التوسل بالذوات والجاه.
٤ - حب الله مُقدَّم على حب ما تهوى النفوس من الشهوات.
٥ - مَن ترك الزنى والفجور خوفًا من المولى نجاه الله من البلوى.
٦ - من حفظ حقوق العمال حفظه الله وقت الشدة، ونجاه من المحنة.
٧ - الدعاء إلى الله مع التوسل بالعمل الصالح يُفتِّت الصخور، ويُفرِّج الكروب.
٨ - بر الوالدين وإكرامهما مقدم على الزوجة والأولاد.
٩ - حق الأجير يُحفَظ له، ولا يجوز تأخيره، قال رسول الله ﷺ : (أعطوا الأجير أجرَه قبل أن يجفّ عرقه). "صحيح رواه ابن ماجة"
١٠ - استحباب تنمية مال الأجير الذي ترك حقه، وهو عمل جليل، وهو من حق الأجير.
стр. 776
١١ - شَرْع مَن قبلنا هو شرعٌ لنا إذا أخبر الله تعالى أو رسوله ﷺ به على طريق المدح، ولم يثبت نسخه، وهذه القصة قصَّها علينا رسول الله ﷺ في مدح هؤلاء النفر الثلاثة لنقتدي بهم في عملهم.
١٢ - طلب الِإخلاص في العمل حيث قال كل واحد:
(اللهم إنْ كنْت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرجْ عنا ما نحن فيه).
١٣ - إثبات الوجه لله سبحانه من غير تشبيه:
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. "الشورى ١١"
стр. 777
وليمة جابر المباركة
عن جابر ﵁ قال:
إنَّا كنا يوم الخندق نَحْفر، فعرضتْ كُدْيةٌ شديدة [صخرة] فجاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كُدية عرضَتْ في الخندق.
الرسول ﷺ : أنا نازل.
"يقوم الرسول وبطنه معصوبة بحجر".
قال جابر: ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَوقًا.
"يأخذ النبي- ﷺ المعْول، فيضرب؛ فيعود كثيبًا أهْيَل [ترابًا ناعمًا] ".
جابر: يَا رسول الله اِئذن لي إلى البيت.
جابر لامرأته [متأثرًا]: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا [جوعًا] ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟
المرأة: عندي شعير وعَنَاق [الأنثى من ولد الماعز].
"يذبح جابر العنَاق، وتطحن امرأته الشعير، ثم يجيء إلى الرسول ﷺ ".
جابر [سرًا]: طُعَيِّمٌ لي [طعام قليل] فقم أَنْتَ يَا رسول الله ورجل أو رجلان.
الرسول ﷺ : كم هو؟
جابر: سخلة وقليل من شعير.
الرسول ﷺ : كثير طيب، قل لها لا تنزع القدِر ولا الخبز من التنور حتى آتي.
الرسول ﷺ [لصحبه]: قوموا.
"يقوم المهاجرون والأنصار".
стр. 778
جابر لامرأته [في حيرة]: ويْحكِ قد جاء النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار ومن معهم!!!
المرأة [في دهشة]: هل سألك!!!
جابر: نعم.
الرسول ﷺ : ادخلوا ولا تَضاغَطُوا [تزاحموا].
"يكسر الرسول الخبز ويجعل عليه اللحم، ويُغطي القِدرَ والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزِع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي منه".
الرسول للمرأة: كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة.
"أصل القصة في البخاري ٥/ ٤٦، ومسلم".
стр. 779
من فوائد القصة
١ - مشاركة الرسول القائد جنده في حفر الخندق، وعدم تميزه عليهم.
٢ - شكوى الصحابة لقائدهم من صخرة عجزوا عنها لما يعلمون من قوته، فاستجاب الرسول ﷺ لهم، وفتَّتَ الصخرة مع شدة جوعه.
٣ - حب الصحابة لقائدهم، وسعيهم لإطعامه وسَدِّ جوعه.
٤ - محافظة الصحابة على النظام، وعدم الذهاب بدون إذن من القائد.
٥ - نساء الصحابة يتصفن بالإيثار والكرم والحب للرسول ﷺ .
٦ - القائد المخلص لا يشبع وحده، بل يدعو أصحابه معه.
٧ - الرسول ﷺ يأمر أصحابه بالنظام: (أُدخلوا ولا تضاغطوا).
٨ - إكرام الله لرسوله ﷺ بالمعجزة، بتكثير الطعام حتى شبعوا جميعًا ومن حكمة الرسول ﷺ أنه كان يغطي القِدر والتنور إظهارًا للبركة لا للإيجاد والخلق وهما من الله وحده، محافظة على عقيدة التوحيد.
٩ - القائد العظيم في جنده أشبه بالأب في أسرته؛ يغرف لهم الطعام بيده، ويُقدمه بنفسه.
١٠ - اهتمام الرسول ﷺ بأفراد أمته كاهتمامه بجنده:
(كلي هذا واهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة).
стр. 780
جوع الصحابة والرسول ﷺ -
" يخرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، ويأتيه أبو بكر".
الرسول ﷺ : ما جاء بك يا أبا بكر؟
أبو بكر: خرجت أَلْقَى رسول الله ﷺ وانظر في وجهه، والتسليم عليه.
"فلم يلبث أن جاء عمر ﵁".
الرسول ﷺ : ما جاء بك يا عمر؟!
عمر: الجوع يا رسول الله.
الرسول ﷺ : وأنا قد وجدت بعضَ ذلك!!
"ينطلقون إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيِهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل والشاء [الغنم] ولم يكن له خَدَم فلم يجدوه".
الجماعة [لامرأته]: أين صاحبُك؟
المرأة: انطَلقَ يَسْتَعْذِب لنا الماء.
"فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة ماء عذب فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويُفدّيه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقِنو [عنقود البلح] فوضعه".
النبي ﷺ : أفلا تَنقَيْتَ لنا من رُطبه؟.
أبو الهيثم: يَا رسول الله إني أردت أن تختاروا من رُطَبه وبُسره [حلوه ومُرَّة].
"الرسول وصاحباه يأكلون منه ويشربون".
رسول الله ﷺ : هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه
стр. 781
يوم القيامة!! ظِلٌّ بارد، ورُطبٌ طيّب، وماءٌ بارد.
"ينطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامًا".
النبي ﷺ : لا تذبحنَّ لنا ذات دَرٍّ [حليب].
"يذبح لهم عناقًا أو جَديًا ويأتيهم بها فيأكلون".
[الجدي: ولد المعز]
النبي ﷺ : هل لك خادم؟.
أبو الهيثم: لا.
النبي ﷺ : فإذا أتانا سَبْيٌّ [أسْرىَ] فأتِنا.
"يأتي لرسول الله ﷺ [خادمان] ليس معهما ثالث، فيأتيه أبو الهيثم".
النبي ﷺ : اخترْ منهما.
أبو الهيثم: يَا رسول الله اختَر لي.
النبي ﷺ : إن المستشار مؤتمن، خذْ هذا فإنِّي رأيته يصلي واستَوصِ به معروفًا.
"ينطلق أبو الهيثم فيخبر زوجته بقول رسول الله ﷺ ".
المرأة: ما أَنْتَ ببالغٍ حَقٍّ ما قال فيه النبي ﷺ إلا بأن تُعتقه.
أبو الهيثم: فهو عتيق [حُر]!!
النبي ﷺ [وقد بلغه الخبر]: إن الله لم يبعَث نبيًا ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تَألُوه خَبالًا [لا تُقَصِّرُ في إفساده] ومن يُوقَ بطانةَ السوء فقد وُقِيَ: [أي حُفظ].
[البطانة: خاصة الرجل الذين يبطنون أمره]
"انظر القصة في شمائل الترمذي صحيحة، وانظر مختصر الشمائل للألباني ٧٩".
стр. 782
من فوائد القصة
١ - الرسول ﷺ وصاحباه يعانون الجوع، ويسعون لسده بطريقة مشروعة.
٢ - يجوز للرجل أن يذهب إلى بيت صاحبه لتناول الطعام بدون دعوة إن كان يعلم سعة حالة؟ وطيب نفسه: فالصحابي الجليل أبو الهيثم دخل السرورُ إلى قلبه حينما وجد الرسول ﷺ صاحبيه في بستانه.
٣ - التنبيه على فضل النعمة مهما كانت، والحذ على شكر خالقها، وعدم الإنشغال بها عن المنعم، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ "سورة إبراهيم ٧"
٤ - إذا رأى الضيف إكرامًا زائدًا من صاحب البيت، فخشي وقوعه في خطأ نصحه برفق كقوله ﷺ : (لا تذبحن لنا ذات دَرٍّ) [أي ذات لبن].
٥ - المكافأة على المعروف مطلوبة، فرسول الكرم يكافىء صاحب البيت ويَعِده بخادم.
٦ - لا يحتاج أبو الهيثم إلى وساطة لطلب الخادم، فعندما يلتقي الرسول به وقد جاءه خادمان، فسرعان ما يقول له: "اختر منهما".
وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتسليمُ
٧ - العاقل يستشير مَن هو أتم نظرًا: (يَا رسول الله اخْتَرْ لي).
٨ - الصلاة علامة التقوى: (خذ هذا فإني رأيته يصلي).
٩ - وصية الرسول ﷺ بالخدم لا سيما المصلين: (استوصِ به معروفًا).
١٠ - حب الصحابة لتحرير الأرقاء، وموافقته لزوجته الصالحة على إعتاقه.
١١ - على المسلم العاقل أن ينتقي أصحابه من أهل الصلاح ليذكروه بالخير، ويشجعوه عليه، وأن يبتعد عن قرناء السوء كيلا يذكروه بالشر ويحسِّنوه إليه، وكذلك شأن الزوجة الصالحة والشريرة لها تأثير على الزوج.
١٢ - جواز المعانقة لغير القادم من سفر.
стр. 783
جرة الذهب
عن رسول الله ﷺ أنه قال:
(اشترى رجل من رجل عقارًا له [أرضًا] فوجد الرجلُ الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهب!!)
المشترى [للبائع] خذ ذهبك مني، إنما اشتريتُ منك الأرض، ولم أشتر منك الذهب!!!
البائع [ممتنعًا] إنما بعتك الأرض وما فيها.
"يَحتكمان إلى رجل".
الحكم: ألكُما ولد؟
أحدهما: لي غلام.
الآخر: لي جارية.
الحكَم: أنكحوا [زوجوا] الغلام للجارية وأنفقوا على أنفسكما منه، وتصدقا.
"انظر القصة في البخاري ٦/ ٣٧٥، رقم الحديث ١٧٢١ في مسلم".
стр. 784
من فوائد القصة
١ - أداء الأمانة مطلوب لقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا﴾. [النساء ٥٨]
٢ - القناعة كنز لا يفنى تعود بالخير والبركة على صاحبها.
٣ - مشروعية الاحتكام إلى عالم بالكتاب والسنة، دون الذهاب إلى المحاكم المدنية التي تضيع الأموال والأوقات عملاً بقول الله تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾. "النساء ٥٩"
٤ - من رضي بما أعطاه الله كان من أغنى الناس لقوله ﷺ :
أ - (وارض بما قسمه الله لكَ تكن أغنى الناس). "صحيح رواه أحمد"
ب - (ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس). "متفق عليه"
٥ - الرزق مقسوم، لا بد أن يصل إليك في وقته ومقداره. قال رسول الله ﷺ : (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت).
"صححه ابن حبان وحسنه الألباني في الصحيحة"
٦ - على المسلم أن يقنع بالحلال، ويترك الحرام والطمع فيما ليس له، ويأخذ بالأسباب المشروعة للرزق، وأن العمل الصالح يكفل له السعادة في الدنيا والآخرة.
قال النبي ﷺ : (اتقوا الله وأجملوا في الطلب). "صححه الألباني في صحيح الجامع"
(أي خذوا الحلال، واتركوا الحرام).
٧ - الحُكم العادل يُرضي المحتكمين.
٨ - عدم الطمع فيما ليس للإِنسان.
стр. 785
الأمانة في الخشبة العجيبة
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ :
(أنه ذَكَرَ رجلَا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أنْ يُسْلِفه [يُقْرضه] أَلْف دينار.)
المقرض: ايتني بالشهداء أُشْهِدُهم.
المقترض: كفى بالله شهيدًا!
المقرض: فائتني بالكفيل.
كفى باللهِ كفيلًا!
المقرِض: صدقت!
"يدفع الرجل للمقترض الألف دينار إلى أجَلٍ مُسمًى، فيخرج بها في البحر، فإذا قضى حاجته، التمس مركبًا يركبها يَقْدمُ عليه للأجل الذي أجّلَه، فلم يجد مركبًا، فيأخذ خشبة فينقُرها، فيُدْخِل فيها أَلْف دينار!! وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم يُزَجِّج موضعها [يَسُدَّه] ثم يأتي بها إلى البحر".
المقترض [آسفًا]: اللهم إنك تعْلم أني كنت تسلَّفتُ فلانًا [اقترضتُ منه] أَلْف دينار، فسألني كفيلًا، فقلتُ: كفى باللهِ كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جَهَدْتُ [بذلت جهدي] أن أجد مركبًا أبعثُ إليه الذي له، فلم أقدر، وإني أسْتَودِعُكهَا؟ [أضعها أمانة عندك].
"يَرْمي المقترضُ بالخشبة في البحر حتى تلج فيه [تجري] ثم ينصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فيَخرُج الرجل الذي كان أسلفه ينظر، لعل مركبًا قد
стр. 786
جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال!!!
فيأخذها لأهله حَطَبًا!! فلما نشرها وجد المال والصحيفة!!! ثم يَقْدمُ الذي كان أسلفه، فيأتي بالألف دينار من جديد".
المقترض: والله ما زلتُ جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدتُ مركبًا قبل الذي أتيتُ فيه.
المقرِض: هل كنتَ بعثتَ إليَّ بشيء؟
المقترض: أخبرك أني لم أجدْ مركبًا قبل الذي جئتُ فيه.
المقرِض: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعثتَ في الخشبة.
"فانصرف بالألف الدينار راشدًا".
"انظر القصة في البخاري ٣/ ٥٦".
стр. 787
من فوائد القصة
١ - القرضُ الحسن مشروع والمقرض له أجر عظيم.
٢ - مشروعية كتابة الدَّين، ووقت أدائه، والإشهاد عليه حفظًا للحقوق.
٣ - للمقرض أن يأخذ رهنًا، أو كفيلًا من المستقرض ليحفظ حقه من الضياع.
٤ - لصاحب الدَّين أن يرَضى ممن عليه الدَّين بشهادة الله وكفالته، إذا لم يجد شهداء، أو كفيلًا.
٥ - على المسلم أن يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله عملاً بقول رسول الله ﷺ : (اعقلها وتوكل). "حسن رواه الترمذي"
فالمقترض ينقر الخشبة، ويضع الدنانير فيها، ويسدها، ثم يدعو الله متوكلًا عليه.
٦ - مَن رضي باللَه شهيدًا، أوكفيلًا كفاه، وحفظ له حقه. فالمقترض حينما رضي بالله شهيدًا وكفيلًا رَدَّ عليه ماله.
٧ - على المسلم العاقل ألا يكتفي بالأسباب الغيبية وحدها، بل يأخذ بالأسباب الحسية، فالمقترض لم يكتف بما أرسله للمقرض في الخشبة، بل أتى بالدنانير من جديد حينما وجد سفينة تحمله إلى صاحب الدين، ولكن المقرض أخبره بأن الله أدَّى عنه بما أرسله في الخشبة.
٨ - على المقترض أن يبذل جهده ويسلك كل السبل لوفاء دينه في وقته المحدد.
٩ - إذا أحسن المسلم النية وفقه الله لأداء دينه.
١٠ - أداء الحقوق، ووفاء الدين واجب، لا يجوز تأخيره، إذا لم يوفه في الدنيا، فسوف يدفعه يوم القيامة من حسناته، وربما كان سببًا في دخوله النار.
стр. 788
صوت في سحابة
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال:
"بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: (اسقِ حديقة فلان) فتنحَّى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حَرّة [أرض ذات حجارة سوداء] فإذا شَرْجة [ساقية] مِن تلك الشِراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبَّعَ الماءَ، فإذا رجل قائم في حديقته يُحوّل الماء بمسْحاته) [مجرفته].
الرجل [لصاحب الحديقة]: يا عبد الله، ما اسمك؟
صحب الحديقة: اسمي فلان، للاسم الذي سمع في السحابة.
فقال له: يا عبد الله لِم تسألني عن اسمي؟
الرجل: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه! يقول: اِسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟
صاحب الحديقة: أما إذ قلتَ هذا، فإني انظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرُدّ فيها ثلثه.
وفي رواية: أجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل.
"القصة في صحيح مسلم ٢٩٨٤".
стр. 789
من فوائد القصة
١ - تسخير الله الملائكة والمطر لعباده المتصدقين الذين يؤدون حقوق الفقراء من أموالهم.
٢ - التصدق على الفقراء يؤدي إلى زيادة الرزق، قال الله تعالى:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. "سورة ابراهيم ٧"
وقال رسول الله ﷺ :
"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". "روى الترمذي أوله وقال حديث حسن صحيح"
٣ - المؤمن العاقل يحفظ حق الفقراء، وحق عياله، وحق حديقته.
стр. 790
إبراهيم وإسماعيل ﵉ -
* إبراهيم يأتي بإسماعيل إلى مكة.
* أم إسماعيل تخاف على ولدها.
* أم إسماعيل تبحث عن ماء.
* ماء زمزم ينبع.
* إبراهيم والمرأة الأولى.
* إبراهيم والمرأة الثانية.
* الخليل يلتقي بإسماعيل.
* بنيان البيت العتيق.
* من عبر القصة وفوائدها.
стр. 791
هاجر وولدها إسماعيل
لما كان بين ابراهيم وبين أهله ما كان [من أمر الغيرة بين زوجته الحُرة سارة العقيم وبين هاجر أم ولده إسماعيل]، وأمر الله إبراهيم أن يسكن هاجر وابنها أرض الحجاز، جاء إبراهيم ﷺ بأم إسماعيل [هاجر] وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت تحت دَوْحَةٍ [شجرة] فوق زمزم من أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء ووضع عندهما جِرابًا [كيسًا] فيه تمر وسقاء [قربة] فيه ماء.
"يرجع إبراهيم منطلقًا، فتتبعه أم إسماعيل".
هاجر: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟!
"جعلت هاجر تقول ذلك لِإبراهيم مرارًا وهو لا يلتفت إليها!! ".
هاجر: آلله أمرك بهذا؟
إبراهيم: نعم.
هاجر: إذًا لا يضيعنا [الله]!!!
"ترجع هاجر وينطلق إبراهيم ﵊، حتى إذا كان عند الثّنِيّة [مكان بمكة] حيث لا يرونه يستقبل بوجهه البيت".
إبراهيم [داعيا]: " ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ "سورة إبراهيم ٣٧"
стр. 792
أم إسماعيل تبحث عن الماء:
"جعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ولدها، وجعلت تنظر إليه يتَلوَّى، فتنطلق كراهية أن تنظر إلى طفلها وهو يكاد يموت عطشًا. فتجد الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فتقوم عليه، ثم تستقبل الوادي، تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها [ثوبها] ثم تسعى سعي الإِنسان المجهود [المُتعَب] حتى تجاوزت الوادي، ثم تأتي المَروة فتقوم عليها علَّها ترى أحدًا؟ فلا ترى أحدًا؛ وفعلت ذلك سبع مرات".
قال ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
"فذلك سعيُ الناس بينهما".
ماء زمزم ينبع:
"تُشرف هاجر آخر مرَّة على المروة فتَسْمع صوتًا، فتقول: صَهٍ!! [تريد نفسها] ثم تسمّعت فسمعت أيضًا".
هاجر [لنفسها]: قد أسمعتَ إن كان عندك غُواث [إغاثةَ فأغِثْ] فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، يبحث بعقبه [بجناحه] حتى ظهر الماء؛ فجعلت تُحوِّضُه [تجعله حوضًا]، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، [فتشرب وتُرضْع ولدها].
стр. 793
قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ :
"يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا"
[تجري على وجه الأرض].
الملَك: لا تخافوا ضَيعةً [هلاكًا]، فإن ههنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضيع أهله.
"وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله".
نزول جُرْهُم قرب الماء:
"تبقى هاجر وحدها حتى تَمرَّ بها رِفقة مِن جُرْهُم ينزلون أسفل مكة فيرون طائرًا عائقًا [يحوم]، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَريًّا [رائدًا] فإذا هم بالماء؟ فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء.
جُرْهُم: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟
هاجر: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم بالماء.
جُرْهُم: نعم.
"تنزل جُرْهُم عند هاجر ويرسلون إلى أهليهم فينزلون معهم".
قال ابن عباس ﵁ قال النبي ﷺ :
"فألفى [وجد] ذلك الحيُّ أمَّ إسماعيل تحب الأنس).
стр. 794
إبراهيم وامرأة إسماعيل الأولى:
"بعد نزول جرهم عند هاجر، شبَّ اساعيل بينهم، وتعلم العربية منهم وأنفَسَهُمْ [سبقهم]، وأعجبهم حين شبَّ، فلما بلغ أشُده زوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل".
"يجيء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته [يتفقد أسرته] فلا يجد إسماعيل في البيت بل يجد زوجته".
إبراهيم: أين إسماعيل؟
المرأة: خرج يبتغي لنا [يطلب الرزق].
إبراهيم: كيف عيشكم وحالكم؟
المرأة [في اشمئزاز]: نحن بِشرٍّ!!! نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه!!
إبراهيم: إذا جَاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يُغيِّر عتبة بابه (١) [زوجته].
"يأتي إسماعيل كأنه آنس شيئًا".
إسماعيل [مستغربًا]: هل جاءكم أحد؟
زوجته [في احتقار]: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألَنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنَّا في جَهد، وشدة!
إسماعيل: فهل أوصاك بشيء؟
زوجته: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام،
ويقول: غَيّرْ عتبة بابك!
إسماعيل: ذاك أبي، وقد أمرني أن أُفارقكِ، الحقي بأهلكِ؛ وطلقها.
стр. 795
إبراهيم والمرأة الثانية:
"يتزوج إسماعيل من جُرْهُمْ امرأة أُخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بَعْدُ فلم يجده، فيدخل على امرأته فيسأل عنه".
إبراهيم: أين إسماعيل؟
المرأة: ذهب يبتغي لنا [الطعام من صيد وغيره].
إبراهيم: كيف عيشكم؟
المرأة: نحن بخير وسعة.
إبراهيم: وما طعامكم وشرابكم؟
المرأة: طعامنا اللحم وشرابنا الماء.
إبراهيم: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومُريه [يُثَبِت عتبة بابه].
الرسول ﷺ : بركة بدعوة إبراهيم صلى الله عليهما وسلم.
"يجيء إسماعيل"
إسماعيل [مستغربًا]: هل أتاكم من أحد؟
الزوجة [في فرح]: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير.
إسماعيل: فأوصاكِ بشيء؟
الزوجة: نعم: يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثبّتَ عتبة بابك.
إسماعيل: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أُمسِكَكِ.
стр. 796
الخليل يلتقي بإسماعيل:
"يلبث إبراهيم عنهم ما شاء الله، ثم يجيء بعد ذلك وإسماعيل يَبري نبلًا له تحت دوحة [شجرة] قريبة من زمزم يراه إسماعيل فيقوم إليه ويتعانقان".
بنيان البيت
إبراهيم: يا إسماعيل إن الله يأمرني بأمر.
إسماعيل: فاصنع ما أمرك الله.
إبراهيم: وتعينني؟
إسماعيل: وأعينك.
إبراهيم: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا، وأشار إلى أكمَة [تَلَّة] مرتفعة على ما حولها.
"عند ذلك رفعا القواعد من البيت وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر [المقام] فوضعه له، فقام وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة".
إبراهيم واسماعيل: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
"انظر القصة في صحيح البخاري ٤/ ١١٣".
стр. 797
من فوائد القصة
١ - المؤمن يستسلم لأوامر الله، وُيؤثر طاعتَه ومحبتَه على كل شيء، ولو كان الزوجة الصالحة أو الولد الوحيد:
فإبراهيم يُنفذ أمر الله تعالى حينما أمره أن يحمل زوجته [هاجر] وولدها الرضيع [إسماعيل] إلى واد غير ذي زرع، ولا ماء ولا أنيس.
٢ - المرأة الصالحة تستجيب لأمر الله، وطاعة زوجها مع الصبر والإِيمان بالله قائله: (إذن لا يضيعنا الله).
٣ - إبراهيم يترك زوجته الوفية، وولده الصغير في الوادي بعد أن زودهم بكيس من التمر، وسقاء فيه ماء، ثم دعا لهم:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. "إبراهيم ٣٦"
وبذلك يعلمنا إبراهيم ﵇ أن نجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب.
٤ - أم إسماعيل تبحث عن الماء عندما نفد من عندها، وتأخذ بالأسباب وتسعى بين الصفا والمروة عدة مرات حتى وجدت الماء [زمزم].
٥ - يجوز للإِنسان إذا سمع صوتًا أن يطلب الغوث والعون كما فعلت أم إسماعيل وهذا من مقدور المخلوق أن يفعل ذلك، بخلاف الميت والغائب.
٦ - إن الله اصطفى آل إبراهيم، وجعل من ذريته الأنبياء والمرسلين، فكيف يَرضى إبراهيم لولده إسماعيل بزوجة لا تحيا بروحها، بل تعيش لجسدها، ولا يهمها إلا الطعام والشراب، فتزدري ضيفها أبا زوجها، فتجحد نعمة ربها، وتشكو سوء معيشتها، لذلك أشار ابراهيم على ولده إسماعيل بفراقها، والتخلص منها.
٧ - الزوجة الثانية لإسماعيل صالحة، تحترم ضيفها، وتشكر نعمة ربها، فلذلك يشير إبراهيم على ولده إسماعيل بإمساكها ورعايتها.
٨ - الطاعة والصبر عاقبة محمودة، وذكرى خالدة، فالمكان الموحش الذي نزلت فيه هاجر أم إسماعيل، وهو مجدب يصبح فيما بعد حرمًا آمنًا، وبلدًا مسكونًا، فيه ماء مبارك [زمزم] تهوي إليه أفئدة الناس، وتأتيه الثمرات، وتقصده الوفود للحج من كل فج عميق، ليستفيدوا في حل مشاكلهم، ويشهدوا المنافع الدنيوية والأخروية.
стр. 798
أرض التوبة
عن رسول الله ﷺ أنه قال
"كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على راهب، فأتاه).
القاتل [نادمًا]: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟
الراهب [في غباوة وجهل]: لا.
"الرجل يقتل الراهب فيكمل به المائة".
"ثم يسأل عن أعلم أهل الأرض، فيدلونه على رجل عالم".
القاتل: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟
العلم [في ثقة]: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم؛ ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوءْ.
"ينطلق الرجل حتى إذا نَصَفَ الطريق [وصل نصفه] أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب".
ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إِلى الله تعالى.
ملائة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط.
"يأتيهم ملَك في صورة آدمي فجعلوه بينهم".
المَلك [يحكم]: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. "الملائكة تقيس ما بين الأرضين فتجد التائب أقرب إلى الأرض التي أراد بشبر، فتقبضه ملائكة الرحمة".
"انظر القصة في البخاري ٤/ ١٤٩، ومسلم رقم ٢٧٦٦".
стр. 799
من فوائد القصة
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. "الزمر ٥٣"
١ - المذنب لا ييأس من رحمة الله، ولو ملأ الأرض ذنوبًا، بل يجب عليه أن يتوب إلى ربه حالًا، قال الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. (الشورى ٢٥]
٢ - لا بد للجاهل من سؤال عالم بالكتاب والسنة حتى يحل مشكلاته.
٣ - لا يجوز للعابد أن يفتي الناس إذا كان جاهلًا، ولو تزيا بزي العلماء، فإن ضرره أكثر من نفعه، وقد يعود الوبال عليه كما في هذه القصة؛ ولو كان هذا الراهب عالمًا لما سد باب التوبة على من سأله، ولما عرَّض نفسه للقتل.
٤ - العالم: هو الذي يفتح للناس باب التوبة، ويُغلق باب القنوط من الرحمة، فهو كالطبيب يأخذ بيد المريض نحو الشفاء، ويفتح له باب الرجاء.
٥ - على المذنب اذا أراد توبة صادقة أن يهجر أصحابه الذين اشترك معهم في الذنب، وأن يهجر الأماكن التي يرتادها للمعصية.
٦ - على التائب أن يرافق الصالحين ليعتاد فعل الطاعات وترك السيئات قال رسول الله ﷺ : "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يُخالل". "حسن رواه أبو داود والترمذي"
٧ - التحاكم إلى عالم بالكتاب والسنة مشروع عند الإختصام.
٨ - لا تحتقر مذنبًا مهما فعل، لأنك لا تدري بم يُختم له: ففي الحديث:
"إن الرجل ليعمل عمل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة". "متفق عليه"
زاد البخاري: (وإنما الأعمال بخواتيمها).
стр. 800
أهمية خطبة الحاجة وتأثيرها على النفوس
" يقدم رجل من (أزد شَنوءه) يُدعى (ضِماد بن ثعلبة الأزدي) وكان يرقي من هذه الريح [مَس الجن] فسمع إشاعة".
سفهاء مكة [يشيعون]: إن محمدًا مجنون!
ضماد [في نفسه]: لو أني أتيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يديَّ.
"يلقى ضماد محمدًا ﷺ ".
ضِماد [ناصحًا]: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح [الجنون]، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ [أي هل لك رغبة في رقيتي؟].
رسول الله ﷺ : إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
ضِماد [متأثرًا]: أعِد عليَّ كلماتك هؤلاء.
"يعيد الرسول ﷺ خطبته ثلاث مرات".
ضماد: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلَغْنَ قاموس البحر! [وسطه، ولُجَّتهَ] هاتِ يدَك أبايعك على الإِسلام.
"يبايع ضِماد الرسول ﷺ "
الرسول ﷺ [مستفهمًا]: وعلى قومك؟
ضِماد: وعلى قومي (أبايعك على قومي).
"يبعث رسول الله ﷺ سرية فيمرون على قومه".
стр. 801
صاحب السرية [للجيش]: هل أصبتم من هؤلاءشيئًا؟
رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة [وعاء للوضوء].
صاحب السرية: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضِماد.
"رواه مسلم رقم ٨٦٨".
стр. 802
من فوائد الحديث والقصة
١ - العرب قبل الإِسلام كانت تعتقد بمس الجن، ويسمونه [الريح]، وجاء
الإِسلام، فأقره، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. "البقرة ٢٧٥"
٢ - من العرب مَن كان يرقي من مَس الجن، وربما استعانوا بالجن، فأبطل الإِسلام هذه الاستعانة، وقال الله تعالى عنهم:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] [زاد الكفار خوفًا وإثمًا وطغيانًا].
وبعض المسلمين يستعينون بالجن لمداواة المرضى، أو لِفَكّ السحر، وهذا من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، ويزيدهم طغيانًا وكفرًا، وعلى المسلم أن يتداوى بقراءة المعوذتين.
أ - كان رسول ﷺ يتعوذ من أعين الجان، وأعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. "رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح"
ب - وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها. "رواه البخاري وغيره"
٣ - من الجرب في الجاهلية مَن يعتقد أن الشافي هو الله وحده، وبعض المسلمين- مع الأسف الشديد - يعتقدون أن الرسول ﷺ وغيره يشفي من الأمراض المختلفة:
فقد قال الأخ (أحمد محمد جمال) في جريدة المدينة:
وفي روايات متعددة يصف الرسول ﷺ نفسه بأنه "رحمة مهداة" إلى الإِنسانية، ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها وأبصارها وأبدانها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا، والدليل على رَد كلامه ما جاء في القرآن والحديث:
أ - قال الله تعالى على لسان إبراهيم:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. "الشعراء ٨٠"
стр. 803
ب - وقال الرسول ﷺ : "اللهم رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ... شفاء لا يغادر سَقمًا". "متفق عليه"
٤ - خطبة الحاجة يسمعها (ضماد) فيتأثر بها ويطلب من الرسول ﷺ إعادتها، ويبايعه على الإِسلام مع قومه، لأنها تحتوي على حمد الله، والإستعانة به، وأن المعبود بحق هو الله وحده.
стр. 804
النص الكامل لخطبة الحاجة
إن الحمد لله، نحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "آل عمران ١٠٢"
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. "النساء ١"
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. "الأحزاب ٧٠، ٧١"
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. "رواه مسلم والنسائي وغيرهما"
стр. 805
من فوائد هذه الخطبة العظيمة
١ - هذه الخطبة وردت من حديث لجابر ﵁ قال فيه:
إن النبي ﷺ يقول ذلك إذا خطب، كما رواها مسلم والنسائي وغيرهما، وذلك يشمل الخطيب كلها، وبصورة خاصة خطبة الجمعة، فقد جاء التنصيص عليها عند مسلم في رواية له؛ فعلى الخطباء أن يُحيوا هذه السنة. "ذكره الألباني"
٢ - يستفاد من الخطبة عدم الاستعاذة عند قراءة الآيات أثناء الخطبة، أو الكلامٍ، أو المحاضرات، أو غيرها لأن الرسول ﷺ لم يستعذ عند قراءتها، والإستعاذة شرعت عند قراءة القرآن فقط.
٣ - قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ فيه دليل على جواز السؤال بالله تعالى، وأما حديث: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" فضعيف، وعلى فرض صحته، فهو محمول على سؤال الأمور الحقيرة. "ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة ١/ ٥ "
٤ - يجوز الاقتصار على جزء من أول الخطبة كما فعل الرسول ﷺ في أول القصة التي أسلم فيها الصحابي (ضماد).
هذه هي خطبة الحاجة التي كان الرسول ﷺ يعلم أصحابه أن يقولوها بين يدي كلامهم في أمور دينهم سواء كانت خطبة نكاح، أو جمعة، أو محاضرة، وللشيخ الألباني رسالة مطبوعة اسمها: (خطبة الحاجة).
стр. 806
معجزة نبوية مباركة
عن أبي هريرة ﵁ قال:
والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع!! وإنْ كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني من الجوع!! ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه.
فمرَّ أَبو بكر، فسألته عن آية في كتاب الله، ما سألته إلا لِيُشبعني، فمرَّ ولم يفعل.
ثم مَرَّ بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا لِيُشبعني، فمرَّ ولم يفعل.
ثم مرَّ بي النبي ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي.
رسول الله ﷺ : أبا هرّ [لقب الصحابي أَبو هريرة].
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : إِلحق.
"يمضى الرسول إلى بيته فيتبعه أبو هريرة، يدخل الرسول فيستأذن له فيجد لبنًا في قَدَح".
رسول الله ﷺ : من أين هذا اللبن؟
أهل البيت: أهداه لك فلان، أو فلانه ..
رسول الله ﷺ : أبا هِرّ.
أبو هريرة: لبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : إِلحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي.
وأهل الصفة أضياف الإِسلام؛ لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث الرسول بها إليهم ولم
стр. 807
يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل اليهم وأصاب منها وأشركهم فيها.
"يسْتاء أَبو هريرة من ذلك".
أبو هريرة [يخاطب نفسه]: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! كنت أحقّ أن
أُصيبَ مِن هذا اللبن شَربة أتقوَّى بها، فإذا جاء، وأمرني [رسول الله] فكنتُ أنا أعطيهم!!!
وما عسى أن يبلُغني مِن هذا اللبن؟! ولم يكن من طاعِة الله وطاعةِ رسوله بُدٌّ.
"يدعوهم أَبو هريرة فيُقبلون ويستأذنون فأذن لهم ويأخذون مجالسهم من البيت".
رسول الله ﷺ : يا أبا هِرّ!.
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : خذْ فأعطهم!
"يأخذ القدحَ أَبو هريرة، فيُعطيه الرجلَ فيشربُ حتى يَروى، ثم يُعطيه الآخر فشرب حتى يَروى، حتى ينتهي إلى النبي ﷺ وقد رَوِيَ القومُ كلهم!! فيأخذ الرسول القدحَ فيضعُه على يده وهو ينظر إلى أبي هريرة ويبتسم!! ".
رسول الله ﷺ : أبا هِر.
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : بقيتُ أنا وأنت.
أبو هريرة: صدقتَ يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : اقعُدْ فاشرب.
"يقعد أبو هريرة ويشرب".
رسول الله ﷺ : اشرب.
"يشرب ثانيًا أَبو هريرة والرسول لا يزال يقول اشرب اشرب".
стр. 808
أَبو هريرة: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مَسلَكًا.
رسول الله ﷺ : فأرِني!.
"يناوله أَبو هريرة القدح، فيحمد الله ويسمي ويشرب الفضلة".
"انظر القصة في صحيح البخاري ٧/ ١٧٩".
стр. 809
من فوائد القصة
قال الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. "سورة الحشر ٩"
١ - الصحابة الذين تعودوا الجوع، ولم يذوقوا حلاوة الرفاهية، مكتفين بحلاوة الإِيمان، هم الذين فتحوا القلوب بالقرآن والأخلاق قبل أن يفتحوا البلاد بالسنان.
٢ - صدق فراسة النبي، وذكاؤه فيما يراه في وجوه أصحابه، وتعهده إياهم:
(فتبسم حين رآني، وعرف ما بي).
٣ - تكريم الرسول للفقراء، ودعوتهم إلى بيته، دليل على اهتمامه بهم.
٤ - الرسول المربي الحكيم يُربي أبا هريرة على الكرم والإِيثار، وينتزع من نفسه حب الذات: (اِلحقْ بأهل الصفة فادعُهم لي).
وُيعلمه أن يبدأ بغيره قبل نفسه: (خذ فأعطهم).
٥ - ملاطفة الرسول ﷺ لأبي هريرة الذي ساءه كثرة الشاربين مع قلة اللبن تتجلَّى في مناداته مرارًا: (أبا هر - أبا هِر).
٦ - الرسول المربي كما علَّم الإِبهار لأبي هريرة على غيره يُحققه بذاته، بل يقدم أبا هريرة على نفسه قائلًا: (اِشرَب اِشرَب) وما زال أَبو هريرة يَشرب، حتى امتلأ لبنًا، بعد أن امتلأ قناعة وايثارًا، والطبيب الناجح يكرر الدواء لمريضه حتى يحصل له الشفاء بإذن الله.
٧ - من السنة أن يشرب المسلم قاعدًا كما علم الرسول ﷺ أبا هريرة: (اقعد فاشرب).
- ومن السنة التسمية عند الشرب والحمد على نعم الله، وصاحب البيت آخر القوم شرابًا.
стр. 810
المتخلفون عن الجهاد
* تخلُّف كَعب.
* كعب يتردَّد في الجهاد.
*الرسول يتفقد الغزاة.
* الرسول يعود مِن تبوك.
* كعب يعترف بالذنب.
* الهَجر جزاء المتخلّفين.
* كعب يتسوَّر على ابن عمه البستان.
* ملِك غسان يطمع في كعب.
* أمر المتخلفين باعتزال النساء.
* البشارة بالتوبة.
* كعب يهتزّ للبشرى.
* الرسول يبرق وجهه بالسرور.
* كعب يتصدق بماله.
* كعب يعاهد الرسول على الصدق.
* من عبرة القصة وفوائدها.