معجزة نبوية مباركة
عن أبي هريرة ﵁ قال:
والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع!! وإنْ كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني من الجوع!! ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه.
فمرَّ أَبو بكر، فسألته عن آية في كتاب الله، ما سألته إلا لِيُشبعني، فمرَّ ولم يفعل.
ثم مَرَّ بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا لِيُشبعني، فمرَّ ولم يفعل.
ثم مرَّ بي النبي ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي.
رسول الله ﷺ : أبا هرّ [لقب الصحابي أَبو هريرة].
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : إِلحق.
"يمضى الرسول إلى بيته فيتبعه أبو هريرة، يدخل الرسول فيستأذن له فيجد لبنًا في قَدَح".
رسول الله ﷺ : من أين هذا اللبن؟
أهل البيت: أهداه لك فلان، أو فلانه ..
رسول الله ﷺ : أبا هِرّ.
أبو هريرة: لبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : إِلحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي.
وأهل الصفة أضياف الإِسلام؛ لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث الرسول بها إليهم ولم
стр. 807
يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل اليهم وأصاب منها وأشركهم فيها.
"يسْتاء أَبو هريرة من ذلك".
أبو هريرة [يخاطب نفسه]: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! كنت أحقّ أن
أُصيبَ مِن هذا اللبن شَربة أتقوَّى بها، فإذا جاء، وأمرني [رسول الله] فكنتُ أنا أعطيهم!!!
وما عسى أن يبلُغني مِن هذا اللبن؟! ولم يكن من طاعِة الله وطاعةِ رسوله بُدٌّ.
"يدعوهم أَبو هريرة فيُقبلون ويستأذنون فأذن لهم ويأخذون مجالسهم من البيت".
رسول الله ﷺ : يا أبا هِرّ!.
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : خذْ فأعطهم!
"يأخذ القدحَ أَبو هريرة، فيُعطيه الرجلَ فيشربُ حتى يَروى، ثم يُعطيه الآخر فشرب حتى يَروى، حتى ينتهي إلى النبي ﷺ وقد رَوِيَ القومُ كلهم!! فيأخذ الرسول القدحَ فيضعُه على يده وهو ينظر إلى أبي هريرة ويبتسم!! ".
رسول الله ﷺ : أبا هِر.
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : بقيتُ أنا وأنت.
أبو هريرة: صدقتَ يا رسول الله.
رسول الله ﷺ : اقعُدْ فاشرب.
"يقعد أبو هريرة ويشرب".
رسول الله ﷺ : اشرب.
"يشرب ثانيًا أَبو هريرة والرسول لا يزال يقول اشرب اشرب".
стр. 808
أَبو هريرة: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مَسلَكًا.
رسول الله ﷺ : فأرِني!.
"يناوله أَبو هريرة القدح، فيحمد الله ويسمي ويشرب الفضلة".
"انظر القصة في صحيح البخاري ٧/ ١٧٩".
стр. 809
من فوائد القصة
قال الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. "سورة الحشر ٩"
١ - الصحابة الذين تعودوا الجوع، ولم يذوقوا حلاوة الرفاهية، مكتفين بحلاوة الإِيمان، هم الذين فتحوا القلوب بالقرآن والأخلاق قبل أن يفتحوا البلاد بالسنان.
٢ - صدق فراسة النبي، وذكاؤه فيما يراه في وجوه أصحابه، وتعهده إياهم:
(فتبسم حين رآني، وعرف ما بي).
٣ - تكريم الرسول للفقراء، ودعوتهم إلى بيته، دليل على اهتمامه بهم.
٤ - الرسول المربي الحكيم يُربي أبا هريرة على الكرم والإِيثار، وينتزع من نفسه حب الذات: (اِلحقْ بأهل الصفة فادعُهم لي).
وُيعلمه أن يبدأ بغيره قبل نفسه: (خذ فأعطهم).
٥ - ملاطفة الرسول ﷺ لأبي هريرة الذي ساءه كثرة الشاربين مع قلة اللبن تتجلَّى في مناداته مرارًا: (أبا هر - أبا هِر).
٦ - الرسول المربي كما علَّم الإِبهار لأبي هريرة على غيره يُحققه بذاته، بل يقدم أبا هريرة على نفسه قائلًا: (اِشرَب اِشرَب) وما زال أَبو هريرة يَشرب، حتى امتلأ لبنًا، بعد أن امتلأ قناعة وايثارًا، والطبيب الناجح يكرر الدواء لمريضه حتى يحصل له الشفاء بإذن الله.
٧ - من السنة أن يشرب المسلم قاعدًا كما علم الرسول ﷺ أبا هريرة: (اقعد فاشرب).
- ومن السنة التسمية عند الشرب والحمد على نعم الله، وصاحب البيت آخر القوم شرابًا.
стр. 810
المتخلفون عن الجهاد
* تخلُّف كَعب.
* كعب يتردَّد في الجهاد.
*الرسول يتفقد الغزاة.
* الرسول يعود مِن تبوك.
* كعب يعترف بالذنب.
* الهَجر جزاء المتخلّفين.
* كعب يتسوَّر على ابن عمه البستان.
* ملِك غسان يطمع في كعب.
* أمر المتخلفين باعتزال النساء.
* البشارة بالتوبة.
* كعب يهتزّ للبشرى.
* الرسول يبرق وجهه بالسرور.
* كعب يتصدق بماله.
* كعب يعاهد الرسول على الصدق.
* من عبرة القصة وفوائدها.
стр. 811
المتخلفون عن الجهاد
" كعب بن مالك يتحدث عن تخلفه في غزوة تبوك":
لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلَّفت في بدر ولم يعاتِب أحدًا تخلَّف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش [قافلتهم] حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
ولقد شهدتُ مع رسول الله ليلة العقبة (١) حين تواثقنا (٢) على الإِسلام، وما أُحِبُّ أنَ لي بها مَشهدَ بدر، وإنْ كانت بَدرٌ أذكْرَ في الناس منها [أكثر شهوة، وأعظم ذكرًا].
تخلف كعب:
وكان من خبري حين تخلفتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة
تبوك أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أَيسر مني [أغنى] حين تخلفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يُريد غزوة إلا ورّى [أوهم غيرها] بغيرها.
حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا [فلاة لا ماء فيها]
стр. 812
واستقبل عدوًا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم [وضَّح] ليتأهبوا أهبة غزوهم [ليستعدوا] فأخبرهم بوجهه الذي يريد [بمقصده]، والمسلمون مع رسول الله كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ: يريد الديوان [سجل الجندية].
قال كعب: فقلَّ رجل يُريد أن يتغيّب إلا ظنَّ أن ذلك سيخفى (لكثرة الجيش) ما لم ينزل فيه وحي الله.
وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصْعَرُ [أميلُ].
كعب يتردد في الجهاد:
فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطَفقتُ أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسني: أنا قادر على ذلك إذا أردت؛ فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد [سافروا]، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، ثم غَدوتُ فرجعت ولم أقض شيئًا.
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارطَ الغزوُ [سبقوا] فهممت أن أرتحل فأُدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقَدَّرْ لي ذلك.
فطفقتُ إذا خرجتُ في الناسِ بعد خروج رسول الله ﷺ يَحْزُنني أني لا أرى لي أُسْوَةَ إلا رجلاً مغموصًا عليه [مطعونًا] في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء.
стр. 813
الرسول يتفقد الغزاة:
"ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك".
رسول الله [وهو جالس في القوم]: ما فعل كعب؟
رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرداهُ والنظر في عِطْفيه!
[إعجابه بشبابه وثيابه].
معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا.
فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مُبيِّضًا [لابس البياض] يزول به السراب [يتحرك]، فقال رسول الله ﷺ : كُنْ أبا خيثمة [اللهم اجعله أبا خيثمة]، فإذا هو أَبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون [عابوه].
رجوع الرسول من تبوك:
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا [راجعًا] من تبوك، حضرني هَمّي فطفقتُ أتذكر الكذب وأقول: بمَ أخرج مِن سخطه غدًا؟ واستعنتُ على ذلك بكل ذي رَأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أظلَّ قادمًا [دنا قدومه]؛ زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت [عزمت] صِدقَه.
وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم ووكَلَ سرائرهم إلى الله تعالى.
стр. 814
كعب يعترف بالذنب:
قال كعب: حتى جئتُ [رسول الله] فلما سلَّمتُ تبسم تَبسُّمَ المُغْضَب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه.
رسول الله ﷺ [في عتب وغضب]: ما خلَّفكَ؟ الم تكلن قد ابتعتَ ظهرك؟
[اشتريت ركابك]؟
كعب [في صدق واعتراف]: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني ساخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعْطيتُ جَدَلًا لكنني والله لقد علمتُ لئن حدثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني لَيوشِكنَّ الله أن يُسْخِطك علَيّ.
ولئن حدثتُك حديثَ صدقٍ تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفوَ الله، والله ما كان لي عذر!
واللُه ماكنتُ قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفتُ عنك!!
رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق؛ فقُمْ حتى يقضي الله فيك.
"يَثبُ رجال من بني سلمة يتبعون كعبًا".
قوم كعب: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفارُ رسول الله ﷺ لك.
كعب: فوالله ما زالوا يؤنّبونني [يلوموني] حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأُكذِّب نفسي.
كعب لقومه: هل لقي هذا معي من أحد؟
قوم كعب: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك.
стр. 815
كعب: من هُما؟
قومه: مرارة بن الربيع العَمْري، وهلال بن أُمية الواقفي.
قال كعب: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أُسوة، فمضيتُ حين ذكروهما لي.
الهجر جزاء المتخافين:
قال كعب: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة مِن بين مَنْ تخلف عنه، فاجتنبَنا الناسُ وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض [تغيرت] فما هي بالأرض التي أعرف.
ولبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فأما صاحباي فاستكانا [ضعُفَا] وقعدا في بيوتهما يبكيان!، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم [أقواهم]؛ أخرجُ فأشهدُ الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يُكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي:
هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟!
ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني (١).
стр. 816
كعب يتسور على ابن عمه:
قال كعب: حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة [بستانه] وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلمتُ عليه فوالله ما رَدَّ عليَّ السلام.
فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تَعْلَمُنى أحب الله ورسوله ﷺ ؟ فسكت، فعدتُ فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليتُ حتى تسورتُ الجدار.
ملك غسان يطمع في كعب:
قال كعب: فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي [فلاح] من نبَط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يُشيرون له إليَّ!!! حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان
[وكان نصرانيًا] وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه:
"أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضيعة فالحقْ بنا نُواسِكْ"!!
فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممتُ [فقصدت] بها التنور فسجَرتها بها [حرقت الكتاب].
стр. 817
أمر المتخلفين باعتزال النساء:
قال كعب: حتى إذا مضت أربعون -ليلة- من الخمسين، واستلبت [أبطأ] الوحي إذا رسولُ رسولِ الله يأتيني.
رسول النبي ﷺ : إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك!
كعب: أُطلقها أم ماذا أفعل؟
رسول النبي ﷺ : لا بل اعتزلها ولا تقربها.
كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في الأمر
"يُرسل النبي إلى (هلال ومرارة) بإعتزال نسائهما، فتجيء امرأة هلال بن أمية رسولَ الله ﷺ ".
امرأة هلال: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟
رسول الله ﷺ : لا، ولكن لا يقربك!
امرأة هلال: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
أهل كعب: لو استأذنتَ رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أُمية أن تخدمه.
كعب: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنتُه فيها وأنا رجل شاب؟
"يلبث كعب بذلك عشر ليال، فيكمل له الخمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا".
стр. 818
البشارة بالتوبة:
قال كعب: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله: قد ضاقت علَي نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبَت، سَمعْتُ صوت صارخ أو فى [صعد] على سلع [جبل] يقول بأعلى صوته: يا كعبُ بن مالك أبشرْ، فخررتُ ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فَرَجٌ، وآذن رسولُ الله ﷺ جميع الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يُبشروننا: فذهب قِبلَ صاحبَيَّ، مُبشرون وركض إليَّ رجل فرسًا [استحثه للِإسراع]، وسعى ساع من "أسلم" قِبَلَي وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس.
كعب يتصدق للبشرى:
قال كعب: فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشرني نزعت له ثَوبيَّ فكسوتهم إياه ببشارته -والله ما أملك غيرَهما يومئذٍ- واستعرتُ ثوبين ولبستهما؛ وانطلقتُ أتأمم [أقصد] رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يُهنئوني بالتوبة ويقولون: لِتَهنِكَ توبة الله عليك، حتى إذا دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره إ! فكان كَعب لا ينساها لطلحة.
стр. 819
الرسول ييرق وجهه من السرور:
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ ، قال وهو يبرقُ وجهه من السرور:
(أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك مُذ ولدتك أمك).
كعب: أمِن عندك يا رسول الله أم مِن عند الله؟
رسول الله ﷺ : لا بل من عند الله.
"وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه الشريف حتى كأنَّ وجهه قطعةُ قمر، وكنا نعرف ذلك منه".
كعب يتصدق بماله كله:
"كعب يجلس بين يدي الرسول".
كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله.
رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.
كعب: إني أُمسك سهمي الذي بخيبر.
كعب يعاهد الرسول ﷺ على الصدق:
قال كعب: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أُحدِّث إلا صدقًا ما بقيت.
فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى [وفقه] في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى [وفقني].
والله ما تعمدتُ كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي.
стр. 820
وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
"التوبة ١١٧ - ١١٩"
قال كعب: والله ما أنعم الله علَيَّ من نعمةٍ قَط، بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلَك كما هلك الذين كذبوا.
إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد:
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ "التوبة ٩٥ - ٩٦"
قال كعب: وكنا تخلَّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله :
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨"
وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا [تخلفنا] عن الغزو وإنما هو تخليفُه إيانا، وإرجاؤه أمرَنا [أي تأخيره] عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه.
"انظر القصة في البخاري ٥/ ص ١٣٠ ومسلم ٤/ رقم ٢٧٦٩".
стр. 821
من فوائد القصة
قال الله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾.
"التوبة ١٢٠"
١ - يجوز للمسلم أن يتحدث بذنبه بعد توبته -كما فعل كعب- ليشجع على التوبة من الذنب، لا سيما إذا كان ذنبه مكشوفًا معروفًا للناس.
أما الذنب السري الذي ارتكبه المسلم، أو الذنب الجهري الذي لم يتب منه، فلا يجوز له أن يتحدث عنه لئلا يشجع غيره عليه، ويكون فيه المجاهرة التي حذر منها الرسول ﷺ بقوله:
"كل أُمتي معافًى إلا المجاهرين". "متفق عليه"
ومَثل كعب ﵁ مثل رجل أُصيب بعلَّة خطيرة فأجرى له الطبيب عملية جراحية ناجحة، وحرم عليه بعض الأطعمة، فاستجاب، وصبر، وقاسى من حرمانه ما قاسى، حتى تم شفاؤه، فهل في حديث هذا المريض -إذا حدث- إغراء بالعلة، أم وصية بالصبر والطاعة؟!
٢ - قد يتوفر للإِنسان المال والأسباب لقيامه بواجب الجهاد، ومع هذا كله يرتكب الذنب الكبير، والخذلان، والتقصير لو استجاب لدواعي الكسل والتسويف، وحب اللذة العاجلة كما حصل لكعب، وقد لا تتوفر للإِنسان الأسباب للقيام بواجب الجهاد، ومع هذا تراه يحب الجهاد ويحرص عليه، كما جرى للفقراء الذين جاءوا رسول الله ﷺ طالبين أن يحملهم، فلم يجد ما يحملهم عليه للذهاب للجهاد، فتولَّوا وهم يبكون، ولكن لنيتهم الطيبة يسَّرَ الله لهم مطايا، فحملهم عليها رسول الله ﷺ .
٣ - إن المؤمن يتألم فيما لو أهمل واجبه، يقول كعب:
(يُحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا منافقًا، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء).
٤ - المؤمن لا يخذل أخاه، بل يدافع عنه، فمعاذ بن جبل يقول للرجل:
(بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا).
стр. 822
٥ - المقاطعة والهجر هو علاج ناجح لرد المخطئين إلى جادة الصواب، وما ورد من النهي عن الهجر فمحمول على التقاطع من أجل الدنيا، والتشفي.
٦ - الصحابة كلهم يُطيعون قائدهم، ويُنفذون وصيته، فابن عم كعب لا يَرد ﵇، ولما جاءت بطاقة من ملك غسان، وجاء حاملها يسأل عن كعب، لم يجبه أحد باللسان، بل بالإشارة وإن كان الرسول ﷺ لا يراهم.
٧ - المؤمن الكامل لا يبيع دينه ولو بملك الدنيا، فلما جاء كتاب الملك النصراني يعرض على (كعب) اللحاق به عدَّ هذا من البلاء، وحرق كتابه.
٨ - العلاج بالهجر لا يقتصر تنفيذه على الناس، بل يشمل البيت، فيؤمر المتخلَّفون بإعتزال نسائهم، فربما كان من المثبطات عن الجهاد حب البقاء بجانب الزوجة والشهوات.
٩ - السجود لله، والشكر له حين مجيء الفرح، وهذا ما فعله كعب ﵁: وكان رسول الله ﷺ :
(إذا جاء أمر يُسَرُّ به، خرَّ ساجدًا، شكرًا لله تعالى). "صحيح رواه أحمد"
стр. 823
قصة إسلام سيد أهل اليمامة
" بعث رسول الله ﷺ خيلًا قِبَل نجدٍ، فجاءت برجل من
بني حنيفة يقال له: (ثُمامة بن أُثال) سيد أهل اليمامة، فر بطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ ".
الرسول ﷺ : ماذا عندك يا ثمامة؟ [ما تظن أني فاعل بك]؟
ثمامة: عندي خير يا محمد إن تقتلْ تقتلْ ذا دَمٍ:
[تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه، فَلا عتب عليك في قتله]،
وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت.
"فتركه رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان يوم الغد".
الرسول ﷺ : ما عندك يا ثمامة؟
ثمامة: عندي خير يا محمد ...
"فتركه رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان يوم الغد".
الرسول ﷺ : ماذا عندك يا ثمامة؟
ثمامة: عندي ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر.
الرسول ﷺ : أطلقوا ثمامة.
"يطلق الصحابة ثمامة، فينطلق إلى نخل قريب من المسجد فيغتسل، ثم يدخل المسجد.
ثمامة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهُكَ أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما
стр. 824
كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فقد أصبح بلدُك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟
"يبشره الرسول ﷺ ، ويأمره أن يعتمر".
"يقدم ثمامة إلى مكة".
المشركون [لثمامة]: أصَبأت؟ [أتركت دين آبائك]؟
ثمامة: لا
[ما خرجت من الدين، لأن عبادة الأوثان ليست بدين حق]، ولكن أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
"هذا لفظ مسلم رقم ١٧٦٤ في الجهاد، وأورده البخاري مختصرًا".
стр. 825
من فوائد هذا الحديث والقصة
١ - ربط الكافر في المسجد ليطلع على عبادة المسلمين وأخلاقهم.
٢ - المنَّ على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو على المسيء: لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًا في ساعة واحدة لما أسداه النبي ﷺ من العفو والمن بغير مقابل.
٣ - مشروعية الاغتسال عند الإِسلام.
٤ - تستحب الملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه (مثل ثامة فهو زعيم قومه).
٥ - مشروعية بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر مَن وُجد منهم، والتخيير بعد ذلك في قتله أو الإِبقاء عليه. "انظر فتح الباري ج ٨/ ٨٨"
٦ - كان المشركون يقولون لمن أسلم منهم (صابىء) أي تارك دينه، ودين آبائه الذين يدعون الأولياء من دون الله، ليصرفوا الناس عنه ويذموه.
وفي عصرنا من دعا إلى التوحيد، وأمر بدعاء الله وحده، وحذر من دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء وغيرهم قال عنه بعض الناس المنحرفين (وهابي) ليصرفوا الناس عن دعوته، وهي في الحقيقة دعوة الأنبياء جميعًا، وعلى رأسهم خاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ .
٧ - إن عبادة الأوثان لا تسمى دينًا حقًا، لأنها من وسوسة الشياطين، تخالف الفطرة والدين والعقل.
стр. 826
صحابي جليل يتحدث عن إسلامه
عمرو بن عبَسة السلمي
يقول: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل في مكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا حِراءٌ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة.
[حراء: غضاب مغمومون من دعوته].
عمرو [يسأل الرسول]:ما أنت؟
الرسول ﷺ : أنا نبي.
عَمرو بن عبسة: وما نبي؟
الرسول ﷺ : أرسلني الله.
عَمرو: فبأي شيء [أرسلك]؟
الرسول ﷺ : أرسلني بصلة الرحم، وكسر الأوثان، وأن يُوحَّدَ الله ولا يُشرَك به شيء.
عَمرو: فمنَ معك على هذا؟ [أي على الدين؟].
الرسول ﷺ : حُرٌ وعَبدٌ، [أبو بكر وبلال].
عَمرو: إني مُتَّبِعك. [مؤمن بك وبدينك].
الرسول ﷺ :إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني.
"يذهب عمرو إلى أهله، ويقدم رسول الله ﷺ المدينة وكان عمرو في أهله، فجعل يتخبر الأخبار ويسأل الناس حتى قدم عليه نفر من أهل المدينة".
стр. 827
عمرو: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟
النفر من أهل المدينة: الناس إليه سِرَاعٌ، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك. [سِراع: يسارعون في دخول دينه].
"يقدم عَمرو المدينة، ويدخل على رسول الله ﷺ ".
عَمرو: يا رسول الله أتعرفني؟
الرسول ﷺ : نعم، أنت الذي لقيتني بمكة.
عَمرو: يا رسول الله أخبرني عما علُّمك الله، وأجهلُه، أخبرني عن الصلاة؟ الرسول ﷺ : "صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قَرْنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ، فإن الصلاة مشهودة [تشهدها الملائكة] محضورة حتى يستقل الظل [كناية عن وقت صلاة الظهر] بالرمح، ثم أقصر
عن الصلاة، فإنه حينئذ تُسْجَر [توقد] جهنم، فإذا فاء [رجع من الغرب إلى الشرق] الفيء فَصَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تُصلِّيَ العصر، ثم أقصر عنِ الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قَرْنيَ شيطان [كناية عن جنبي رأسه] وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ ما بدا لك).
عَمرو: يا نبيَّ الله فالوضوء حدثني عنه.
الرسول ﷺ : "ما منكم من رجل يُقرِّب وضوءه، فيُمضمض ويستنشق ويستنثر إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله تعالى إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرَّت خطايا
стр. 828
رأسه من أطراف شعره ومن أُذنيه مع الماء، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه مع الماء، فإن هو قام فصلَّى، فحمد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هُوَ له أهل، وفرَّغ قلبه لله في صلاته، إلا انصرت من خطيئته كهيئته يوم وَلدَته أُمه".
"أخرجه مسلم في صلاة المسافرين رقم ٨٣٢".
стр. 829
من فوائد هذا الحديث والقصة
١ - من العرب قبل الإِسلام من كان ينكر عبادة الأوثان، لأنها تخالف العقل والفطرة.
٢ - بدأ الرسول ﷺ دعوته سرًا، ومع ذلك كان قومه يتسلطون عليه، وهو صابر، وفي هذا درس مفيد للدعاة أن يصبروا على الأذى.
٣ - الإِسلام يأمر بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وعبادة الله وحده، وعدم الإشراك به.
٤ - الدعوة كانت ضعيفة في بادىء الأمر، فلم يؤمن به من الأحرار إلا أبا بكر، ومن العبيد إلا بلال.
٥ - وثوق الرسول ﷺ من ظهور دعوته، ونصيحته لعَمرو أن يأتيه عند ذلك.
٦ - إسراع الناس إلى الدخول في الإِسلام رغم التهديدات، ودخول عمرو على الرسول ﷺ ، ليتعرف عليه، ويذكره الرسول ﷺ بلقياه في مكة.
٧ - أهمية العلم والتعليم والسؤال عما يجهله الإِنسان، ولا سيما في الأمور المهمة من الدين كالوضوء والصلاة، وغيرها، وذلك بعد معرفة توحيد الله، وعدم الإِشراك به.
٨ - فضل الوضوء والصلاة الخاشعة، وأنها سبب في خروج المصلي من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه.
٩ - تعليم الرسول ﷺ للصحابي أوقات الصلاة الخمس، والأوقات التي تمنع فيها الصلاة.
стр. 830
(٦)
معجزة الإسراء والمعراج
стр. 831
موجز لمحتويات كتاب معجزة الإسراء والمعراج رقم (٦)
* - المعجزات النبوية المحمدية.
* - ما هو الإسراء والمعراج؟
* - متى كان الإسراء والمعراج؟
* - حديث الإسراء والمعراج الصحيح.
* - خلاصة معجزة الإسراء والمعراج.
* - من عبرة الإسراء والمعراج.
* - هل رأى محمد ﷺ ربه ليلة المعراج؟
* - عقوبة العصاة كما رآها الرسول ﷺ .
* - من فضائل الإسراء والمعراج.
* - الآيات الكبرى التي رآها الرسول ﷺ .
* - من بدع الإسراء والمعراج.
стр. 832
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الله تعالى أيَّد نبيه محمدًا ﷺ بمعجزات كثيرة ومتنوعة:
أ - المعجزة الدائمة: لقد كانت معجزات الأنبياء السابقين حسية تنقضي في زمانها، وهي لمن شاهدها، أما معجزة نبينا الكبرى وهي القرآن الكريم فهي معنوية دائمة تحدى فيها الناس جميعًا إلى يومنا هذا.
ب - المعجزات المؤقتة: وقد أعطى الله لنبينا محمد ﷺ معجزات حسية كثيرة: كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنها ما وقع التحدي به، ومنها ما وقع دالًا على صدقه من غير سبق تحد.
وكان هذه المعجزات المؤقتة: الإِسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم العروج به إلى السموات العلى حتى انتهى إلى سدرة المنتهى.
وقد سميت الرسالة:
"معجزة الإِسراء والمعراج"
وأحب أن أنبه إلى أمور مهمة:
١ - استغنيت عن كلمة (قال) من النص بذكر اسم القائل أول السطر.
٢ - الكلام الذي بين المعقوفتين []، هو وصف لحالة القائل من كلام المؤلف.
٣ - لقد جعلت الأحاديث على شكل حوار ومشهد: كأنك ترى الحادث أمامك.
٤ - لا يجوز تمثيل الأحاديث، لا سيما الملائكة والرسول ﷺ وصحابته.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
стр. 833
معجزة الإسراء والمعراج
١ - المعجزة:
هي أمر خارق للعادة قد يكون مقرونًا بالتحدي صراحة أو ضمنًا، يجري الله هذا الأمر على يد أنبيائه. والمعجزة دالة على صدق النبي، فمتى ظهرت المعجزة على يد إنسان وقارن ظهورها دعوى النبوة علمنا بالضرورة صدقه، لأنه من المستحيل أن يؤيده الله وهو كاذب.
٢ - المعجزات ليست من صنع الأنبياء:
المعجزات التي يجريها الله على يد أنبيائه هي من صنع الله وتأييده لهذا النبي، وليس من صنعه، والدليل أن موسى ﵇ لما أراه الله معجزته الكبرى، وهي العصا ليأنس بها، فانقلبت حية ولَّى خائفًا، ولو كانت من صنع موسى لما خاف منها.
٣ - المعجزة ليست من المستحيلات:
المعجزة ليست من قبيل المتسحيل العقلي، فإن مخالفة السنن الكونية المعروفة داخلة في نطاق الممكنات العقلية، وإذا كان سبحانه ربط الأسباب بالمسببات، فليس من المحال أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات يعرفها هو سبحانه، غير أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضل منه ورحمة، وإذا اعتقدنا أن الله قادر مختار لا يعجزه شيء سهل علينا الإِيمان بأنه لا يمتنع عليه أن يحدث الحادث على أي هيئة.
أقول: إن الله الذي خلق الأسباب والمسببات قادر على تغييرها:
أ - خلق الله آدم بدون أم ولا أب، لأنه خلقه من تراب.
ب - خلق الله عيسى من أم بدون أب كما قال عنه:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
"آل عمران ٥٩"
стр. 834
يقول جل وعلا: (إن مثل عيسى عند الله) في قدرة الله حيث خلقه من غير أب (كمثل آدم) حيث خلقه من غير أب، ولا أم، بل:
(خلقه من تراب، ثم قال له كُن فيكون). "ذكره ابن كثير ج ١/ ٣٦٧"
الفرق بين المعجزة والمخترعات:
إن المعجزة ليست معروفة السبب من الخلق، بخلاف المخترعات فهي معروفة السبب ولا تدخل في نطاق المعجزات ولا تقاربها، إذ هي مبنية على تجارب ونظريات داخلة تحت طاقة الإِنسان وعمله وقدرته وهي جارية على السنن الكونية المعروفة، وليست خارجة عنها، وما سمعنا بمخترع يدعي النبوة. "انظر كتاب الإسراء والمعراج للشيخ محمد أبو شهبه ص ١١"
الفرق بين المعجزة والسحر:
إن المعجزة غير معروفة السبب العادي لنا، بخلاف السحر، فهو وإن خفي في الظاهر على كثير من الناس مما يعلمه بعضهم، وله قواعد وأسباب يتوصل بها إليه، وكثير مما نظن أنه سحر لا يعدو أن يكون خيالًا وخفة يد، وشعوذة، فكن على بيّنة من ذلك، ولا يشكل عليك الأمر فيلتبس الباطل بالحق المبين، فشتان ما بين صنع الله رب العالمين، وأعمال الدجالين المشعوذين.
"المصدر نفسه السابق".
الفرق بين المعجزة والكرامة:
الأمر الخارق للعادة إن ظهر على يد رجل أوتي النبوة فهو المعجزة، وإن ظهر على يد رجل صالح، فهو الكرامة، وهي ثابتة للأولياء المؤمنين المتقين. وأما ما يظهر على يد الفساق من الغرائب، فهو من الدَجل والشعوذة.
стр. 835
المعجزات النبوية المحمدية
١ - المعجزة الدائمة:
لقد كانت معجزات الأنبياء حسية تنقضي في وقتها، وهي لمن شاهدها، أما
معجزة نبينا محمد ﷺ ، فهي دائمة كبرى، لأن رسالته عامة لكل الناس، ومستمرة إلى يوم القيامة، وصالحة لكل زمان ومكان:
قال الله تعالى:
(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً). "سبأ ٢٨"
وقال الرسول ﷺ :
(وكان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة). "متفق عليه"
إن المعجزة الكبرى الدائمة لسيدنا محمد ﷺ هي القرآن الكريم الباقي إلى يوم القيامة.
٢ - المعجزات الحسية:
لقد أعطى الله نيه محمداً ﷺ معجزات حسية كثيرة فاقت الأنبياء قبله:
نقل عن الإِمام الشافعي أنه كان يقول:
ما أعطى الله نبياً إلا وأعطى محمداً ﷺ ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى بن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ، لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الموتى؛ ولو قيل: كان لموسى فَلْقُ البحر عارضناه بفلْقِ القمر، وذلك أعجب، لأنه آية سماوية؛ وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه و ﷺ ، لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب؛ ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج. "انظر مناقب الإمام الشافعي ص ٣٨"
٣ - المنكرون للمعجزات الحسية:
قد يقول بعض المنكرين للمعجزات الحسية: إن القرآن وحده يكفي معجزة دالة
стр. 836
على صدق النبي محمد ﷺ ، ولا حاجة لهذه المعجزات الحسية التي يستبعدها العقل!
فنقول لهم: إن تحكيم العقل في الغيبيات، وخوارق العادات ليس من الحكمة، لأن العقل له منطقة لا يتجاوزها، وقد قال الإِمام الشافعي ﵁:
كما أن للبصر مجالاً لا يعدوه، فكذلك للعقل مجال لا يتجاوزه، ولو أن كل شيء لا يقع تحت الحس، أو لا يستسيغه العقل، أو يخالف المألوف والعادة ننكره لوقعنا في متاهات من الضلال والغي والجحود والإِنكار.
الخلاصة: إن كل شيء أخبر الشارع بوقوعه، فهو في دائرة الإِمكان، ومن يدَّع
الإستحالة فعليه البيان. "انظر كتاب الإسراء والمعراج للدكتور محمد أبو شهبة"
стр. 837
ما هو الإسراء والمعراج ؟
الإِسراء: هو ذهاب الله بنبيه محمد ﷺ راكباً على البراق من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى في القدس في جزء من الليل، ثم رجوعه من ليلته.
المعراج: هو صعود الرسول ﷺ من المسجد الأقصى في تلك الليلة بعد إسرائه إلى السموات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رجوعه إلى بيت المقدس من تلك الليلة.
أ - ثبوت الإِسراء والمعراج:
الإِسراء ثابت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة الكثيرة:
أما القرآن ففي قول الله تعالى:
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لِنرِيَه من آياتنا إنه هو السميع البصير" "الإِسراء ١"
يستفاد من هذه الآية فوائد ومعان سامية:
١ - بدأ الآية بلفظ ﴿سبحان﴾ لأن من قدر على هذا، فهو مستحق للتنزيه والتقديس، وفيها معنى التعجب، وما أجدر الإِسراء أن يُتعجب منه!
٢ - وفي ذكر العبد في هذا المقام تشريف، وتحذير أن يُتَّخذَ الإِسراء وسيلة لرفع الرسول ﷺ من مقام العبودية إلى مقام الألوهية.
٣ - وذكر لفظ وليلاً هو مع أن الإِسراء لا يكون إلا ليلًا، للِإشارة إلى أنه في جزء من الليل.
٤ - والمسجد الحرام بمكة: وسمي حراماً لحرمته، والمسجد الأقصى: وسمي بالأقصى لبعده من المسجد الحرام.
٥ - والمراد بقوله: ﴿باركنا حوله﴾ البركات الدينية، والدنيوية:
أ - أما بركاته الدينية، فلكونه مقر الأنبياء، ومهاجر الكثير منهم، وقبلتهم، ومهبط الملائكة، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَد إليها الرحال: مسجد مكة،
стр. 838
ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، والتي يضاعف فيها ثواب الصلاة.
ب - وأما الدنيوية فلما يحيط بها من الأنهار الجارية، والزروع والبساتين النفرة.
٦ - (لنُريه من آياتنا) المراد بها ما أراه الله لنبيه في هذه الليلة من مخلوقات الله وآلائه، وجلاله، وعجائب صنعه، والتعبير بـ (مِن) هنا غاية البلاغة، لأن الله أرى نبيه بعض آياته لا كلها، إذ آيات الله لا تنتهي، ولا يتسع لها قلب بشر.
٧ - وما أبلغ أن يختم الآية بقوله: (إنه هو السميع البصير) فهو وعد للمؤمنين بالِإسراء بالجميل، والثواب الجزيل، ووعيد للمكذبين المرجفين للصدر السابق نفسه"
وأما أحاديث الإِسراء فستأتي فيما بعد إن شاء الله.
وأما المعراج: فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم
وغيرهما.
ب - الإِسراء والمعراج بالروح والجسد:
جمهور السلف والخلف من العلماء على أن الإِسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، وبروح الرسول ﷺ وجسده، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى في أول سورة الإِسراء (بعبده) ولا يكون إلا بالروح والجسد.
وهناك أحاديث صحيحة تشير إلى أن الإِسراء والمعراج كانا بالروح والجسد: منها أنه شُق صدره الشريف، وركب البراق، وعُرج به إلى السماء، ولاقى الأنبياء، وفُرضت عليه الصلوات الخمس، وأن الله كلمه، وأنه كان يرجع بين موسى ﵇ وبين ربه .
стр. 839
الإسراء ووحدة الوجود
لقد وقع بعض الكتاب المعاصرين في وحدة الوجود حين كتبوا عن الإسراء،
فقال الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه: (حياة محمد ﷺ ):
فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها، .. تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد، واجتمع الكون كله في روحه فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل.
بطلان فكرة وحدة الوجود:
وفكرة وحدة الوجود فكرة خاطئة وافدة إلى الإِسلام فيما وفد إليه من آراء فاسدة، وهي من مخلفات الفلسفات القديمة، وقد انتصر وتشيع لها بعض المتصوفة الذين ينتسبون إلى الإِسلام، وكتب فيها، فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصفاته.
وقد أبان بطلانها كثير من علماء الأمة الراسخين في العلم المتثبتين في العقيدة؛ والقول بها يؤدي إلى القول بالطبيعة، وقدم العالم، وإنكار الألوهية، وهدم الشرائع السماوية، التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والمخلوق، وبين وجود الرب، ووجود العبد، ومقتضى هذا المذهب أن الوجود واحد، فليس هناك خالق ومخلوق، ولا عابد ومعبود، ولا قديم وحادث، وعابدوا الأصنام والكواكب، والحيوانات حين عبدوها إنما عبدوا الحق، لأن وجودها وجود الحق، إلى آخر خرافاتهم التي ضلوا بسببها، وأضلوا غيرهم، والتي أضرت بالمسلمين، وجعلتهم شيعاً وأحزاباً.
ولقد بلغ من بعضهم أنه قال: إن النصارى ضلوا لأنهم اقتصروا على عبادة ثلاثة، ولو أنهم عبدوا الوجود كله لكانوا راشدين.
وتفسير الإِسراء والمعراج بهذه الفكرة يقتضي إنكارهما على حسب ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة المشهورة، فليس هناك إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبي ﷺ ، وليس هناك عروج بالنبي من بيت المقدس إلى السماوات السبع .. ، وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي كما قال
стр. 840
صاحب هذا الرأي، فالمسجد الحرام، والمسجد الأقصى في روحه، والسموات وما فيهن في روحه، ثم ما الداعي إلى كل هذا التكلف والإغراب من الدكتور هيكل -يرحمه الله- في فهم نصوص صريحة جاءت بلسان عربي مبين؟!
"انظر الإسراء والمعراج للشيخ محمد أبو شهبة ص ٣٢ - ٣٤"
стр. 841
متى كان الإسراء والمعراج ؟
١ - يكاد يجمع المحققون من العلماء على أن الإِسراء والمعراج كانا بعد البعثة المحمدية، وأنهما كانا في اليقظة والمنام: [كما سيأتي في بحث عقوبة العصاة].
٢ - وقد اختلف العلماء في أي سنة كان؟ وفي أي شهر؟
أ - قال البعض: إنهما كانا قبل الهجرة بسنة، وإلى هذا ذهب الزهري، وعروة بن الزبير، وابن سعد وادعى ابن حزم الِإجماع على هذا.
ب - والذي عليه أكثر المحققين أنهما كانا في شهر ربيع الأول، وقيل في شهر ربيع الآخر، وقيل في شهر رجب وهو المشهور بين الناس.
ج - والذي ترجح عند العلماء أن الإِسراء والمعراج كانا في ليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول فقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أثراً عن جابر وابن عباس يشهد لذلك:
قال جابر وابن عباس: (وُلد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرِج به إلى السماء، وفيه هاجر).
أقول: يشهد لبعض هذا الأثر الحديث الآتي:
"سُئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدتُ فيه، وفيه بُعثت، وفيه أنزل عليَّ" (أي القرآن). "رواه مسلم"
٣ - الإِسراء والمعراج والعلم الحديث:
الإِسراء والمعراج حق أخبر بهما القرآن والسنة، فوجب التصديق بهما، وأنهما من المعجزات، وهما أمران ممكنان للعقل، ومن ادعى استحالتهما فعليه البيان.
إن العلم الحديث يطالعنا الآن باكتشافات جديدة: فالطائرة النفاثة تسبق سرعة الصوت، وأمكن الصعود إلى القمر، إلى غير ذلك من المخترعات؛ فإذا كان الإِنسان مع ضعفه قد استطاع أن يقوم بمثل هذه الاختراعات التي جعلت من المسافات البعيدة قريبة ضمن قوانين دقيقة، أفلا يقدر خالق هذا الإِنسان والكون أن ينقل رسوله محمداً ﷺ إلى حيث أراد بقدرة فائقة وسرعة عجيبة؟ إنه على كل شيء قدير.
стр. 842
الحوادث التي سبقت الإسراء
إن القارىء لسيرة الرسول الكريم ﷺ يرى أن حادثة الإِسراء والمعراج قد سبقتها أحوال قاسية، وحوادث أليمة، أحاطت بالرسول من كل جانب واعترضت سبيل دعوته وسببت له مشاكل كثيرة، لو حصلت لغيره من الدعاة والمصلحين لأوهنت قواهم وأعاقتهم عن دعوتهم، ولكن ما في الرسول ﷺ من شجاعة وصبر، وإيمان بصدق دعوته جعله يستهين بكل ما يحصل له ويعترض طريقه، ولعل في هذا درساً عملياً مفيداً للدعاة والمصلحين من حملة رسالته ليقتدوا به، ويستهينوا بالصعاب التي تعترض سبيلهم.
وأهم هذه الحوادث الأليمة التي سبقت إسراءه ﷺ ثلاث:
١ - موت عمه أبي طالب:
لا شك أن أبا طالب كان نصيراً لابن أخيه محمد ﷺ وحامياً له، حيث لم يجرؤ أحد أن يُلحِق بالنبي أذىً شديداً إلا بعد موت عمه، إذ وجد الكفار فرصة سانحة للإستخفاف بشأنه والإِمعان في إيذائه ﷺ .
٢ - خروجه إلى الطائف:
لقد ضاق الرسول ﷺ بالمشركين في مكة ذَرْعاً بعد كل هذا التكذيب والإِيذاء الذي صدر منهم له، فكان لا بد له من الإِنتقال إلى بلد آخر لنشر الدعوة فيه.
وخرج الرسول ﷺ إلى الطائف أقرب بلد إلى مكة، وله فيها أقارب وأرحام لعله يستعين بهم على المشركين في بلده، وعسى أن يجد منهم عطفاً عليه؛ وتصديقاً لدعوته، وتسلية لمصابه، وإكراماً لضيافته؛ ولكن الأمر كان على العكس تماماً؛ إذ ما كاد يعرض الرسول ﷺ عليهم دعوته حتى خفّوا لتكذيبه وإخراجه من بلدهم، ولم يكتفوا بذلك حتى سلَّطوا عليه عبيدهم وسفهاءهم يقذفونه بالحجارة مما أدمى قدميه، ولم يعد يستطيع متابعة السير عليهما، فجلس قرب بستان لأحد أعدائه؛ وقد أسند ظهره إلى حائط، يمسح الدم بيده بعد أن أنهكه التعب والجوع والجراح؛ وإذا بملَك الجبال يهبط من السماء وَيعْرِض عليه أن يطبق عليهم
стр. 843
الجبلين فيهلكهم، فلا يكون جواب الرسول الكريم الرحيم إلا أن يقول:
(بَلْ أرْجُوا أنْ يُخْرجَ الله مِنْ أصلابهم مَنْ يَعْبُد اللهَ وحدَه؛ لا يشرِك به شيئاً).
"متفق عليه"
جلس الرسول ﷺ يفكر كيف يستطيع أن يدخل مكة بعد هذا كله، فأرسل إلى الأخنس بن شريق أن يدخل مكة في حمايته وجواره، فأبى، ثم أرسل إلى المطعم بن عدي بطلبه هذا، فرضي، وكان يذكرها له.
٣ - موت خديجة:
لقد زاد في مرارة هاتين الحادثتين (موت عمه وخروجه إلى الطائف) موت زوجته الوفية "خديجة" ﵂ التي كانت تخفف آلامه، وتشجعه في دعوته، وتمده بأموالها؛ فخلا الميدان من العم الشفيق الناصر، وانطفأ سراج البيت بموت الزوج الحبيب المؤنس، فسمى بعضهم ذاك العام "عام الحزن".
بعد كل هذه الحوادث الأليمة، والهزات النفسية التي زادت من هموم الرسول ﷺ وأتعابه، أراد الله أن يكرمه بِالِإسراء والمعراج ليريه من آياته وليلتقي بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الذين وجدوا في دعوتهم من الصعاب مثل ما وجده في دعوته ها هم الأنبياء يقتدون به في بيت المقدس، وها هي الملائكة ترحب به في السماوات، وكأنه قيل له:
يا محمد لئن كان يؤذيك شتم السفهاء في الأرض أما يُرضيك ترحيب الملائكة والمرسلين بك في السماوات؛
لئن اصطف حولك الجاهلون المجرمون يرشقونك بالحجارة، فهاهم الأنبياء
يصطفون خلفك لتؤمهم في صلاتهم.
стр. 844
حديث الإسراء والمعراج
١ - الإسراء:
قال رسول الله ﷺ :
(أتيتُ بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة). "رواه مسلم: انظر جامع الأصول ج ١١/ ٣٠٠"
٢ - المعراج: قال رسول الله ﷺ :
(فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففَرج صدري (شقه)، ثم غسله
بماء زمزم، ثم جاء بِطَست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا) "رواه البخاري ج ١ - ٩١"
: "نطلق جبريل ﵇ (بالرسول ﷺ ) حتى أتى السماء الدنيا".
جبريل [خازن السماء]: افتح.
الخازن: مَنْ هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: هل معك أحد؟
جبريل: نعم معي محمد ﷺ .
الخازن: وقد أرسل إليه؟ (هل دعاه مولاه)؟
جبريل: نعم.
الملائكة: مرحباً به نعم المجيء جاء.
"فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد، على يمينه أسْوِدة (أرواح كثيرة) وعلى يساره أسْوِدة، إذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قِبل يساره بكى".
стр. 845
الرجل [في فرح]: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح.
محمد ﷺ : مَنْ هذا؟
جبريل: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه (أرواحهم) فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
"ثم صعد جبريل بي إلى السماء الثانية".
جبريل [للخازن]: افتح.
الخازن: مَنْ هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: هل معك أحد؟
جبريل: نعم معي محمد ﷺ .
الخازن: وقد أرسل إليه؟
جبريل: نعم.
الملائكة: مرحباً به، فنعم المجيء جاء.
"ففتح فلما خلصت (دخَلت)، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة".
جبريل: [للرسول ﷺ ]: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما.
الرسول ﷺ : فسلمت عليهما، فردا (السلام).
يحيى وعيسى: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
"ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ففتح".
[وقالت الملائكة للرسول مثل ما قالوا له في السماء الثانية].
"فلما خلَصتُ فإذا يوسف ﵇ فسلَّمت عليه، فرَدَّ (السلام) ".
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح
[فقالت الملائكة للرسول مثل ما تقدم]