متى كان الإسراء والمعراج ؟
١ - يكاد يجمع المحققون من العلماء على أن الإِسراء والمعراج كانا بعد البعثة المحمدية، وأنهما كانا في اليقظة والمنام: [كما سيأتي في بحث عقوبة العصاة].
٢ - وقد اختلف العلماء في أي سنة كان؟ وفي أي شهر؟
أ - قال البعض: إنهما كانا قبل الهجرة بسنة، وإلى هذا ذهب الزهري، وعروة بن الزبير، وابن سعد وادعى ابن حزم الِإجماع على هذا.
ب - والذي عليه أكثر المحققين أنهما كانا في شهر ربيع الأول، وقيل في شهر ربيع الآخر، وقيل في شهر رجب وهو المشهور بين الناس.
ج - والذي ترجح عند العلماء أن الإِسراء والمعراج كانا في ليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول فقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أثراً عن جابر وابن عباس يشهد لذلك:
قال جابر وابن عباس: (وُلد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرِج به إلى السماء، وفيه هاجر).
أقول: يشهد لبعض هذا الأثر الحديث الآتي:
"سُئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدتُ فيه، وفيه بُعثت، وفيه أنزل عليَّ" (أي القرآن). "رواه مسلم"
٣ - الإِسراء والمعراج والعلم الحديث:
الإِسراء والمعراج حق أخبر بهما القرآن والسنة، فوجب التصديق بهما، وأنهما من المعجزات، وهما أمران ممكنان للعقل، ومن ادعى استحالتهما فعليه البيان.
إن العلم الحديث يطالعنا الآن باكتشافات جديدة: فالطائرة النفاثة تسبق سرعة الصوت، وأمكن الصعود إلى القمر، إلى غير ذلك من المخترعات؛ فإذا كان الإِنسان مع ضعفه قد استطاع أن يقوم بمثل هذه الاختراعات التي جعلت من المسافات البعيدة قريبة ضمن قوانين دقيقة، أفلا يقدر خالق هذا الإِنسان والكون أن ينقل رسوله محمداً ﷺ إلى حيث أراد بقدرة فائقة وسرعة عجيبة؟ إنه على كل شيء قدير.
стр. 842
الحوادث التي سبقت الإسراء
إن القارىء لسيرة الرسول الكريم ﷺ يرى أن حادثة الإِسراء والمعراج قد سبقتها أحوال قاسية، وحوادث أليمة، أحاطت بالرسول من كل جانب واعترضت سبيل دعوته وسببت له مشاكل كثيرة، لو حصلت لغيره من الدعاة والمصلحين لأوهنت قواهم وأعاقتهم عن دعوتهم، ولكن ما في الرسول ﷺ من شجاعة وصبر، وإيمان بصدق دعوته جعله يستهين بكل ما يحصل له ويعترض طريقه، ولعل في هذا درساً عملياً مفيداً للدعاة والمصلحين من حملة رسالته ليقتدوا به، ويستهينوا بالصعاب التي تعترض سبيلهم.
وأهم هذه الحوادث الأليمة التي سبقت إسراءه ﷺ ثلاث:
١ - موت عمه أبي طالب:
لا شك أن أبا طالب كان نصيراً لابن أخيه محمد ﷺ وحامياً له، حيث لم يجرؤ أحد أن يُلحِق بالنبي أذىً شديداً إلا بعد موت عمه، إذ وجد الكفار فرصة سانحة للإستخفاف بشأنه والإِمعان في إيذائه ﷺ .
٢ - خروجه إلى الطائف:
لقد ضاق الرسول ﷺ بالمشركين في مكة ذَرْعاً بعد كل هذا التكذيب والإِيذاء الذي صدر منهم له، فكان لا بد له من الإِنتقال إلى بلد آخر لنشر الدعوة فيه.
وخرج الرسول ﷺ إلى الطائف أقرب بلد إلى مكة، وله فيها أقارب وأرحام لعله يستعين بهم على المشركين في بلده، وعسى أن يجد منهم عطفاً عليه؛ وتصديقاً لدعوته، وتسلية لمصابه، وإكراماً لضيافته؛ ولكن الأمر كان على العكس تماماً؛ إذ ما كاد يعرض الرسول ﷺ عليهم دعوته حتى خفّوا لتكذيبه وإخراجه من بلدهم، ولم يكتفوا بذلك حتى سلَّطوا عليه عبيدهم وسفهاءهم يقذفونه بالحجارة مما أدمى قدميه، ولم يعد يستطيع متابعة السير عليهما، فجلس قرب بستان لأحد أعدائه؛ وقد أسند ظهره إلى حائط، يمسح الدم بيده بعد أن أنهكه التعب والجوع والجراح؛ وإذا بملَك الجبال يهبط من السماء وَيعْرِض عليه أن يطبق عليهم
стр. 843
الجبلين فيهلكهم، فلا يكون جواب الرسول الكريم الرحيم إلا أن يقول:
(بَلْ أرْجُوا أنْ يُخْرجَ الله مِنْ أصلابهم مَنْ يَعْبُد اللهَ وحدَه؛ لا يشرِك به شيئاً).
"متفق عليه"
جلس الرسول ﷺ يفكر كيف يستطيع أن يدخل مكة بعد هذا كله، فأرسل إلى الأخنس بن شريق أن يدخل مكة في حمايته وجواره، فأبى، ثم أرسل إلى المطعم بن عدي بطلبه هذا، فرضي، وكان يذكرها له.
٣ - موت خديجة:
لقد زاد في مرارة هاتين الحادثتين (موت عمه وخروجه إلى الطائف) موت زوجته الوفية "خديجة" ﵂ التي كانت تخفف آلامه، وتشجعه في دعوته، وتمده بأموالها؛ فخلا الميدان من العم الشفيق الناصر، وانطفأ سراج البيت بموت الزوج الحبيب المؤنس، فسمى بعضهم ذاك العام "عام الحزن".
بعد كل هذه الحوادث الأليمة، والهزات النفسية التي زادت من هموم الرسول ﷺ وأتعابه، أراد الله أن يكرمه بِالِإسراء والمعراج ليريه من آياته وليلتقي بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الذين وجدوا في دعوتهم من الصعاب مثل ما وجده في دعوته ها هم الأنبياء يقتدون به في بيت المقدس، وها هي الملائكة ترحب به في السماوات، وكأنه قيل له:
يا محمد لئن كان يؤذيك شتم السفهاء في الأرض أما يُرضيك ترحيب الملائكة والمرسلين بك في السماوات؛
لئن اصطف حولك الجاهلون المجرمون يرشقونك بالحجارة، فهاهم الأنبياء
يصطفون خلفك لتؤمهم في صلاتهم.
стр. 844
حديث الإسراء والمعراج
١ - الإسراء:
قال رسول الله ﷺ :
(أتيتُ بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة). "رواه مسلم: انظر جامع الأصول ج ١١/ ٣٠٠"
٢ - المعراج: قال رسول الله ﷺ :
(فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففَرج صدري (شقه)، ثم غسله
بماء زمزم، ثم جاء بِطَست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا) "رواه البخاري ج ١ - ٩١"
: "نطلق جبريل ﵇ (بالرسول ﷺ ) حتى أتى السماء الدنيا".
جبريل [خازن السماء]: افتح.
الخازن: مَنْ هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: هل معك أحد؟
جبريل: نعم معي محمد ﷺ .
الخازن: وقد أرسل إليه؟ (هل دعاه مولاه)؟
جبريل: نعم.
الملائكة: مرحباً به نعم المجيء جاء.
"فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد، على يمينه أسْوِدة (أرواح كثيرة) وعلى يساره أسْوِدة، إذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قِبل يساره بكى".
стр. 845
الرجل [في فرح]: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح.
محمد ﷺ : مَنْ هذا؟
جبريل: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه (أرواحهم) فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
"ثم صعد جبريل بي إلى السماء الثانية".
جبريل [للخازن]: افتح.
الخازن: مَنْ هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: هل معك أحد؟
جبريل: نعم معي محمد ﷺ .
الخازن: وقد أرسل إليه؟
جبريل: نعم.
الملائكة: مرحباً به، فنعم المجيء جاء.
"ففتح فلما خلصت (دخَلت)، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة".
جبريل: [للرسول ﷺ ]: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما.
الرسول ﷺ : فسلمت عليهما، فردا (السلام).
يحيى وعيسى: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
"ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ففتح".
[وقالت الملائكة للرسول مثل ما قالوا له في السماء الثانية].
"فلما خلَصتُ فإذا يوسف ﵇ فسلَّمت عليه، فرَدَّ (السلام) ".
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح
[فقالت الملائكة للرسول مثل ما تقدم]
стр. 846
فلما خلصتُ فإذا إدريس فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ (السلام) ".
"ثم صعد بي (جبريل) حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، [فقالوا له مثل ما سبق].
فلما خلصتُ (دخلت) فإذا هارون، فسلمت عليه فرَدَّ (السلام) ".
* * *
"ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح
[فقالوا مثل ما سبق].
فلما خلصتُ فإذا موسى، فسلمتُ عليه، فردَّ (السلام) ".
"ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح جبريل".
الخازن: مَن هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: ومَن معك؟
جبريل: محمد ﷺ .
الخازن: وقد بُعث إليه؟
جبريل: نعم.
الملائكة [فى فرح]: مرحباً به، فنعم المجيء جاء.
الرسول ﷺ : فلما خلصتُ (دخلت).
جبريل: هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه.
الرسول ﷺ : فسلمتُ عليه، فردَّ السلام وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه.
إبراهيم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
"ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة
стр. 847
وثمرها كالقلال (الجرار الكبيرة)، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيَّرت، فما أحد يستطيع أن ينعتها لحسنها فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى".
موسى: ما فرض ربك على أُمتك؟
الرسول ﷺ : خمسين صلاة.
موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بَلَوتُ بني إسرائيل وخبرتهم.
الرسول ﷺ : فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحطَّ عني خمساً.
"فرجعت إلى موسى فقلت: حَطَّ عني خمساً".
موسى: إنَّ أُمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
"فلم أزل أرجع بين رب ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال:
الربُّ تعالى: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاةً، ومَن همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت عشراً، ومَن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تُكتب شيئاً، فإن عملها كُتبت سيئةً واحدةً.
"قال: فنزلتُ فانتهيتُ إلى موسى فأخبرته".
موسى: ارجع إلى ربَّك فاسأله التخفيف.
الرسول ﷺ : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه،
(ولكن أرضى وأُسلِّم).
"قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان، لا أدري ما هي؟ قال: ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جنابذ (قصور) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك".
"القصة في البخاري ومسلم انظر جامع الأصول ج ١١/ ٢٩٢"
стр. 848
من فوائد حديث المعراج
١ - أن للسماء أبواباً حقيقية، وحفَظَة موكلين بها.
٢ - وفيه إثبات الإستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول أنا فلان، ولا يقتصر على (أنا) لأنه ينافي مطلوب الإستفهام.
٣ - أن المار يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد.
٤ - وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء.
٥ - جواز مدح الإِنسان المأمون عليه الإفتتان في وجهه.
٦ - جواز الإستناد إلى القبلة بالظهر وغيره مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة.
٧ - وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل (تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس).
٨ - فضل السير بالليل على السير بالنهار، لما وقع أن الإِسراء وقع بالليل، ولذلك كانت عبادته ﷺ بالليل، وكان أكثر سفره بالليل، وقال ﷺ :
(عليكم بالدُلجة، فإن الأرضَ تُطوى بالليل). "صحيح رواه أبو داود"
٩ - وفيه أن التجربة أقوى من تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة: يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبي ﷺ أنه عالج الناس قبله وجربهم.
١٠ - ويستفاد من تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبداناً من هذه الأمة، وقد قال موسى: إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه.
١١ - وفيه أن الجنة والنار قد خُلقتا، لقوله في بعض طرقه التي بينتها:
(عُرضتْ علَيَّ الجنة والنار).
١٢ - فيه استحباب الِإكثار من سؤال الله تعالى، وتكثير الشفاعة عنده، لما وقع منه ﷺ في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف.
١٣ - وفي فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشير الناصح في ذلك. "انظر فتح الباري ج ٧/ ٢١٧"
стр. 849
١٤ - الرضا والتسليم بعد المراجعة من الرسول ﷺ .
١٥ - تخفيف الصلوات من خمسين إلى خمس صلوات، وهي التي فرضها الله على عباده، والأجر خمسون صلاة، وهذا فضل من الله على عباده بشفاعة سيدنا محمد ﷺ .
١٦ - الَهمُّ بالحسنة بدون عمل تكتب حسنة، بعكس السيئة فلا تكتب.
١٧ - مضاعفة العمل بالحسنة إلى عشر حسنات، والعمل بالسيئة لا يضاعف، بل تكتب واحدة.
стр. 850
خلاصة معجزة الإسراء والمعراج
لقد لخص الحافظ ابن كثير حادثة الإِسراء والمعراج فقال:
١ - والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البُراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلَّى في قبلته تحية المسجد ركعتين.
٢ - ثم أُتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيه، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام (أي أقلام القدر بما هو كائن).
٣ - ورأى سدرة المنتهى (١)، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة، من فَراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفاً (٢) أخضر قد سد الأفق.
[سدرة المنتهى: شجرة ذات ثمر كبير وأوراق طويلة تغشاها الملائكة وفَراش
الطير].
٤ - ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
٥ - ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات الخمسين، ثم خففها إلى خمس رَحمة منه ولطفاً بعباده، وفِى هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.
٦ - ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم لما حانت الصلاة، ويحتمل الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمَّهم في السماء، والذي
стр. 851
تظاهرت به الروايات أنه بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مَرَّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق لأنه كان أولًا مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ في ذلك.
٧ - ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس والله أعلم.
٨ - وأما عرض الآنية من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء أو الجميع، فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ومحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا لأنه كالضيافة والله أعلم. "تفسير ابن كثير ٣/ ٢٢"
стр. 852
من عبرة الإسراء والمعراج
١ - شق الصدر: من أراده الله لأمر عظيم أعده إعداداً قوياً، فموسى ﵇ حينما أرسله الله إلى الطاغية فرعون جعل له آية العصا، وأجرى له تجربة عملية، حتى لا يخاف حينما تنقلب حية تسعى؛ كذلك الرسول محمد ﷺ شق جبريل صدره، وملأه حكمة وإيماناً، ليتأهب لما يراه في الإِسراء والمعراج، والقلب إذا طاب بالإِيمان طاب الجسد كله كما قال النبي ﷺ :
(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب) "متفق عليه"
٢ - البراق: لقد زاد الله في تكريمه لرسوله محمد ﷺ ، فأرسل إليه مركوباً يحمله، ودليلاً يؤنسه، فأرسل إليه جبريل بالبراق يحمله إليه، علماً بأن أهل الجنة يذهبون إليها راكبين مُكرمين كما قال عنهم ربهم: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾ وهكذا يفعل العظماء إذا دَعَوا إلى ضيافتهم عزيزاً عليهم. [سورة مريم ٨٥]
٣ - ربط البراق بالحلقة: لقد علمنا الرسول ﷺ أن نأخذ بالأسباب، فربط البراق بالحلقة، وهو لا ينافي التوكل، وقد قال النبي و ﷺ وللأعرابي الذي كانت معه ناقته: (إعقلها وتوكل). "حسن رواه الترمذي"
٤ - المسجد الأقصى: إن مرور الرسول ﷺ به، وصلاته بالمسجد، ولقاءه بالأنبياء فيها فوائد وعبر:
أ - لعل من الحكمة أن يفهم الناس أن دعوة الرسول ﷺ عامة لكل بلد، بل تسير مسرى الشمس والقمر.
ب - إن اقتداء النبيين بالرسول ﷺ دليل على أن شرعه ناسخ، وأن الاقتداء به واجب على الأنبياء وغيرهم.
ج - وفي مسراه إشارة إلى وحدة الأنبياء في دعوتهم إلى الإِيمان والتوحيد، وربط بين الأماكن المقدسة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى.
د - زيارة الرسول ﷺ للمسجد الأقصى تلويح وإشارة للمسلمين أن يشدوا الرحال إليه، ويطهروه من الوثنية واليهودية المجرمة، وبشارة لهم بفتح بيت المقدس.
стр. 853
٥ - سنة التعارف: لقد قام جبريل بسنة التعريف بالأنبياء في السماء، وأن التعارف من سنن الإِسلام، لأنه سبيل المحبة والتعاون بين المسلمين، فعلى المسلم أن يتعرف على أخيه، ويسأله عن اسمه.
٦ - شعور الأب نحو أولاده: فقد رأى الرسول ﷺ آدم في السماء يضحك فرحاً حينما يرى أولاده السعداء، ويبكي ألماً حينما يرى أولاده الأشقياء، وهذا شعور كل والد نحو ولده، فليت الأولاد يقدرون هذا ويسلكون طريق السعادة والخير ليدخلوا الفرح على أبيهم، ويبتعدوا عن الشقاء لئلا يحزنوه.
٧ - الجرأة في الحق: لقد صارح الرسول ﷺ قومه بما رأى في إسرائه، ولم يحسب حساباً لتصديقهم أو تكذيبهم، وفي هذه الجرأة قدوة للمصلحين أن يجهروا بالحق، قال الله تعالى:
﴿الذين يُبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله﴾. [الأحزاب ٣٩]
٨ - فرض الصلاة: كل العبادات نزل بها الوحي على الرسول ﷺ وهو في الأرض، أما الصلاة فقد رفع الله رسوله إلى فوق السموات، حتى فرضها عليه وعلى أمته، أليس هذا دليلاً على أهمية الصلاة، وأنها معراج أرواح المؤمنين إلى رب العالمين؟ ومن فضل الله العظيم أن الصلاة فُرضت خمسين في الأصل، ثم خففت إلى خمس بشفاعة الرسول الكريم ﷺ ، وبقي الأجر في الأصل خمسين.
٩ - إثبات العلو لله تعالى: إن عروج الرسول ﷺ إلى السموات العلى، وإلى سدرة المنتهى حتى كلمه ربه تعالى دليل واضح على عفو الله تعالى فوق سمواته، علماً بأن هناك أدلة صريحة من القرآن، والأحاديث على ذلك:
أ - قال الله تعالى:
﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾. [البقرة ٢٩]
قال مجاهد وأبو العالية: [استوى، علا وارتفع]. "رواه البخاري في كتاب التوحيد ج ٨/ ١٧٥]
ب - وقال رسول الله ﷺ : (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش). "رواه البخاري"
١ - لقد عرج الرسول ﷺ السموات العلى، حتى بلغ سدرة المنتهى، فكان هذا المعراج رمزاً للارتفاع عن حياة مليئة بالمشكلات والمظالم، إلى عالم تسوده الرحمة والطمأنينة.
стр. 854
لئن صعد الإِنسان في هذا العصر المادي إلى الفضاء، وحاول الوصول إلى القمر، ليسيطر بظلمه على عالم آخر، فلقد رفعك الله يا رسول الرحمة فوق سماواته إلى مكان لم يصله غيرك، لتنقذ العالَم وتحرر هذا الإِنسان من العبودية لغير الله وتخلصه من ظلم أخيه الإنسان، ثم نزلتَ إلى الأرض لتنشر بتعاليمك السمحة العدل والرحمة للناس كافة.
ألا ما أحوج الإِنسان اليوم إلى هذه التعاليم، ليرتفع من حضيض المادة ويتطلع نحو السماء، فيعيش بروحه وأخلاقه، وتنجو الإِنسانية المهددة بالحروب من ظلمه وجشعه.
стр. 855
هل رأى محمد ﷺ ربه ليلة المعراج
اختلف العلماء في الرؤية على قولين؟
١ - قال فريق منهم: إن محمداً ﷺ رأى ربه.
٢ - وقال آخرون: إنه لم ير ربه.
أقول: الصحيح من هذه الأقوال أن النبي ﷺ لم ير ربه، والدليل على ذلك ما يلي:
أ - لقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت:
"من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفِرية على الله". "متفق عليه"
ب - وفي رواية ثانية للبخاري أنها قالت:
"مَن حدَّثك أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد كذب، وهو يقول: ﴿لا تُدركه الأبصار﴾ ". "الأنعام ١٠٣"
وللعلماء أدلة أخرى أنقلها للقارئ ليكون على بينة من أمره:
١ - تحقيق شيخ الإِسلام:
قال ابن تيمية في الفتاوى ما نصه: (وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصريحة في نفيه أولى، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: (نورٌ أنَّى أراه)؟ ..
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله تعالى:
(وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس والشجرة الملعونة في القرآن) "الإسراء ٦٠"
قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسريَ به، وهذه (رؤيا الآيات) لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم، وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه، وليس في شيءٍ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره، كما ذكر ما دونه وقد ثبت بالنصوص الصحيحة، واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى الله أحدٌ في الدنيا بعينه،
стр. 856
إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ﷺ خاصة واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عياناً كما يرون الشمس والقمع. "انظر الفتاوى ج ٦/ ٥٠٩"
٢ - ورجح العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان عدم الرؤية فليراجع التفسير. "ج ٣/ ٣٦٣"
ومثله ابن حجر في الفتح. "ج ٨/ ٦٠٨"
стр. 857
الرسول يفاجىء المشركين بالإسراء
لما رجع الرسول ﷺ من مسراه إلى بيت عمه أبي طالب وأخبر بنت عمه (أم هانيء) أنه يريد أن يخرج إلى القوم ويخبرهم بما رأى في مسراه من عجيب قدرة الله، تعلقت بردائه.
أم هانئ [في رجاء]: أنشدك الله يا ابن عمي ألا تحدث بهذا قريشاً؛ فيكذبك مَن كان صدّقك.
"الرسول يضرب بيده على ردائه، فينزعه منها ثم يخرج مسرعًا".
أم هانئ [لجاريتها]: اتبعيه وانظري ماذا يقول.
الجارية [بعد عودتها]: إن رسول الله ﷺ انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم فقعد حزيناً حيث عرف أن الناس تكذبه، وما أحبَّ أن يكتم ما أكرمه الله به.
أبو جهل [كالمستهزئ]: هل كان من شيء؟
الرسول ﷺ : نعم أُسري بي الليلة.
أبو جهل: إلى أين؟!!
الرسول ﷺ : إلى بيت المقدس.
أبو جهل [في دهشة]: ثم أصبحت بين ظهرانَيْنا؟!!
رسول الله ﷺ : نعم.
أبو جهل [متحديًا]: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟
الرسول [في شجاعة وتصميم]: نعم.
أبو جهل [صائحًا]: يا معشر بني كعب.
"قريش تَنفضُّ من مجالسها وتسرع نحو الصوت".
أبو جهل [لمحمد]: حدّث قومك بما حدثتني.
стр. 858
الرسول [يتحدث إليهم]: إني أُسري بي.
قريش: إلى أين؟
الرسول ﷺ : إلى بيت المقدس.
"قريش في ضجة وصفير وتصفيق".
المُطْعِم [مكذبًا]: أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإِبل إلى بيت المقدس ذهاباً في شهر، تزعم أنك أتيته في ليلة واحدة؟! واللات والعزى لا نصدقك.
"رجال يسعَون إلى أبي بكر بالخبر".
أبو بكر: إن قال ذلك فقد صدق!!
قريش: أتصدقه على ذلك؟!
أبو بكر: إني لأصدقه فيما هو أبعدُ من ذلك: أصدقه على خبر السماء يأتيه في لحظة.
الرسول [لأبي بكر]: إن الله قد سماك "الصديق".
"انظر السيرة النبوية لابن هشام بتصرف ١/ ٤٠٢"
"وانظر البداية والنهاية لابن كثير بتصرف: ٣/ ١٤١"
стр. 859
آيات صدقه في الإسراء
١ - وصفه بيت المقدس:
"لما رجع محمد ﷺ وحدث قريشًا عن إسرائه، وأنه أتى
بيت المقدس -وكان فيهم من سافر إليه مرات في تجارته- عجبوا وكذبوا".
المطعم بن عدي: كل أمرك كان قبل اليوم أمَماً (يسيراً) غير قولك اليومِ أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإبل مُصْعَدًا شهراً، ومُنْحَدَرًا شهرًا، تزعم أنك أتيته في ليلة!! واللات والعزى لا أصدقك.
أبو بكر [في أسف]: يا مطعم بئسما قلت لابن أخيك جَبَهْتَه وكذَّبتَه، أنا أشهد أنه صادق.
قريش [في استغراب]: صف لنا بيت القدس: كيف بناؤه وهيئته وقربه من الجبل؟
الرسول ﷺ : بناؤه كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا ...
"وما زال الرسول ينعت لهم حتى التبس عليه النبت، فكرب كرباً ما كرب مثله، فجيء بالمسجد وهو ينظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل".
قريش: كم للمسجد من باب؟
"ينظر الرسول جهة المسجد، ويعدها باباً باباً، وكأنه بناها بيده".
يا واصف الأقصى أتيت بوصفه ... وكأنك الرسَّام والبنَّاء
أبو بكر [في فرح]: صدقت؛ أشهد أنك رسول الله.
قريش [لأبي بكر]: أفتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟
стр. 860
أبو بكر [في إيمان]: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك: أصدقة بخبر
السماء بغُدوةٍ ورَوْحَةٍ.
٢ - إخباره عن العير:
قريش [في امتحان]: أخبرنا عن عيرنا؟
الرسول ﷺ : أتيت على عير بني فلان (قافلتهم) بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم فليس بها منهم أحد، وإذا قَدَحُ ماءٍ فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان فيها جمل عليه غِرارتان (عِدلان) غِرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذيتُ العير نفرت، وضرِع ذلك البعير وانكسر.
قريش [للرسول]: متى تَقْدُم عيرنا؟
الرسول ﷺ : تقدم يوم الأربعاء مع طلوع الشمس من الثنيَّة وفيها فلان وفلان، يَقدُمها جمل أورق (أسمر).
قريش: هذه والله آية.
"تخرج قريش يشتدّون ويركضون مبكرين صباح ذلك اليوم نحو الثنية التي وصف ينتظرون بفارغ الصبر حتى تطلع الشمس ليكذبوه".
أحدهم [في شماتة]: هذه الشمس قد طلعت!!
الآخر [في حسرة وخزي]: وهذه العير قدْ أقبلت يقدمُها جمل أورق فيها فلان وفلان كما قال محمد.
قريش [في عناد]: هذا سحر مبين.
"انظر السيرة النبوية لابن هشام بتصرف ج ١/ ٤٠٢"
"وانظر البداية والنهاية بتصرف ج ٣/ ١١١"
стр. 861
زيارة المسجد الأقصى
إن المسجد الأقصى يعتبره المسلمون أولى قبلتيهم، ومسرى رسولهم الكريم، وإن ما حوله من بلاد باركها الله وجعلها موطن النبوات سابقاً، أصبحت اليوم مهددة باليهود اللئام.
وإن في زيارة المسلمين للمسجد الأقصى وما حوله حافزاً قوياً يثير في النفوس الهمم للدفاع عن بيت المقدس واسترداد ما اغتصبه اليهود.
لهذا حض الإِسلام على زيارة المسجد الأقصى، ونوَّه بفضله ومضاعفة الثواب لمن يصلى فيه، فقال ﷺ :
١ - (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى). "رواه البخاري ومسلم"
٢ - وقال رسول الله ﷺ جواباً لمن سأله عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو في مسجده؟:
(صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولَنِعمَ المُصلَّى ..)
"أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا"
[أي إن الصلاة في مسجد الأقصى تعادل ٢٥٠ صلاة]
стр. 862
عقوبة العصاة كما رآها الرسول ﷺ -
عن سمرة بن جندب: "كان رسول ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ فيقص عليه ما شاء الله أن يقص".
الرسول ﷺ لأصحابه ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان (جبريل وميكائيل)، وإنهما ابتعثاني (نبهاني من النوم)
جبريل وميكائيل [للرسول ﷺ ]: انطلق ...
"وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيُثلَغ رأسه (يُكسر) فَيَتَدَهْدَه (يتدحرج) الحجر هاهنا: فيتبع الحجرَ فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى".
الرسول ﷺ : سبحان الله، ما هذان؟!
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ شِقَّي وجهه، فيُشرشِر (يقطع) شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، قال: فما يفرغ من ذلك الجانب، حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى".
الرسول ﷺ : سبحان الله! ما هذان؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ..
стр. 863
"فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهَب من أسفلَ منه، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوْضَوْا" (أخرجوا أصواتاً).
الرسول ﷺ : ما هؤلاء؟!
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شطر النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه، فيُلقمه حجراً، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فَغَر (فتح) فاه، فألقمه حجراً".
الرسول ﷺ : ما هذان؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة (المنظر) وإذا عنده نار يَحشها (يوقدها)، ويسعى حولها".
الرسول ﷺ : ما هذا؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعْتَمَّة (طويلة النبات) مُعشِبة، فيها من كل نور (زهر) الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في
السماء، وإذا حول الرجل أكثر من ولدان رأيتهم قط".
الرسول ﷺ : ما هذا، ما هؤلاء؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على روضة عظيمة لم أر قط أعظم منها ولا أحسن".
стр. 864
جبريل وميكائيل: ارْق (اصعدَ).
"فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلَبن ذهب، ولَبِن فضة فأتينا باب المدينة. فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ وشطر منهم كأقبح ما أنت راءٍ".
الملائكة [لهؤلاء الرجال]: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر.
"وإذا نهر معترض يجري كان ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة".
الملائكة [للرسول ﷺ ]: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك.
"فسما بصري صعُداً (مرتفعاً)، فإذا قصر مثل الرَّبابة البيضاء (السحابة البيضاء) ".
جبريل وميكائيل: هذاك منزلك.
الرسول ﷺ : بارك الله فيكما، ذراني فأدخلَه.
الملائكة: أما الآن فلا، وأنت داخلُه.
الرسول ﷺ : فإني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟!
جبريل وميكائيل: أما إنا سنخبرك.
عقوبة تارك القرآن والصلاة: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثْلغ (يُكسر) رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.
عقوبة الرجل الكذاب: وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشَرشِرُ شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.
عقوبة الزناة والزواني: وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.
стр. 865
عقوبة آكل الربا: وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويُلقَم الحجارة، فإنه آكل الربا.
وظيفة خازن جهنم: وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.
إبراهيم وحوله الأولاد: وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حَوْله، فكل مولود مات على الفطرة.
بعض المسلمين [للرسول ﷺ ]: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟
رسول الله ﷺ : وأولاد المشركين.
الذي تجاوز الله عنهم: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسَن، وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم.
"رواه البخاري انظر فتح الباري ج ١٢/ ٤٣٨، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح"
стр. 866
من فوائد الرؤيا في الحديث
١ - أن الإِسراء وقع يقظة ومناماً (وأن المنام تحقق يقظة ليلة الإِسراء).
٢ - وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البرزخ.
٣ - وفيه من تلخيص العلم، وهو أن يجمع القضايا جملة، ثم يفسرها على الولاء (الترتيب) ليجتمع قصورها في الذهن.
٤ - التحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن لمن يحفظه (ترك العمل به).
٥ - التحذير من الزنا، وأكل الربا، وتعمد الكذب.
٦ - أن الذي له قصر في الجنة لا يقيم فيه وهو في الدنيا، بل إذا مات، حتى النبي والشهيد.
٧ - الحث على طلب العلم، واتباع من يلتمس منه ذلك.
٨ - فضل الشهداء، وأن منازلهم في الجنة من أرفع المنازل.
٩ - أن من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم. اللهم تجاوز عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
١٠ - الإهتمام بأمر الرؤيا والسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح، لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعاً.
١١ - استقبال الإِمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة، وأراد أن يعظهم، أو يفتيهم، أو يحكم بينهم.
١٢ - ترك استقبال القبلة للإِقبال عليهم لا يكره، بل يشرع كالخطيب.
"انظر فتح الباري للحافظ ابن حجر ج ١٢"
١٣ - وفي الحديث دليل أيضاً على أن الأولاد الذين ماتوا على الفطرة هم في الجنة، حتى أولاد المشركين.
стр. 867
من فضائل الإسراء والمعراج
١ - كفران الذنوب لمن لم يشرك بالله شيئاً:
عن عبد الله بن مسعود قال: (لما أُسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فئقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيُقبض منها، وقال: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ قال: فَراش من ذهب، قال: فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً: أُعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفِر لمن لم يشرك بالله من أُمَّته شيئاً المُقحِمات). "رواه مسلم"
(أي الكبائر من الذنوب المهلكات التي تقحم صاحبها في النار)، (فَراش: طيور).
٢ - دعاء التعوذ من الجن:
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت ليلة أسري بي عفريتاً من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفتُّ إليه رأيته، فقال جبريل: ألا أُعلمك كلمات تقولهن، فتنطفئ شعلته ويخرُّ لِفِيهِ؟ قال رسول الله ﷺ : بلى، فقال جبريل: قلْ: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوِزهُنَّ بَرٌّ ولا فاجر: من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمان). "رواه أحمد وحسنه محقق جامع الأصول"
٣ - ثواب المجاهدين:
"مرَّ رسول الله ﷺ على قوم يزرعون ويحصدون في يوم!! كلَّما حصدوا عاد كما كان!! "
الرسول [لجبريل]: ما هذا؟
جبريل: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، يضاعَف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
٤ - تخفيف الصلوات من خمسين إلى خمس صلوات، مع بقاء أجر خمسين صلاة.
стр. 868
الآيات الكبرى التي رآها الرسول ﷺ -
قال الله تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى). "سورة النجم ١٨"
وهي كقوله: (لِنُرِيَك من آياتنا الكبرى) "سورة طه ٢٣"
أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية (لله) لم تقع، لأنه قال: (لقد رأى مِن آيات ربه الكبرى).
ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك وقال ذلك للناس. "ذكره ابن كثير في تفسيره"
والآيات التي رآها الرسول ﷺ ليلة الإِسراء والمعراج كثيرة:
١ - جبريل ﵇:
(رأى جبريل له ستمائة جناح في صورته). "متفق عليه"
(ما كذب الفؤاد ما رأى): قال:
(رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حُلتا رَفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض). (الرفرف: الثياب الخضر).
(ثم دنا فتدلى) يعني جبريل إلى محمد ﷺ .
(فكان قاب قوسين أو أدنى):
القاب: نصف أصبع، وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما.
(فأوحى إلى عبده ما أوحى): معناه: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما
أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكِلا المعنيين
صحيح. "ذكره ابن كثير"
(ولقد رآه نزلة أخرى): قال رسول الله ﷺ :
(إنما ذاك جبريل، لم يره في صورته التي خُلق عليها إلا مرتين: رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض سادًّا عِظم خَلقه ما بين السماء والأرض). "متفق عليه"
٢ - سدرة المنتهى: قال الله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى). "النجم ١"
وفي الحديث: (فلما غشِيَها من أمر الله ما غشِيها تغيَّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها). "رواه مسلم"
стр. 869
وقال ابن مسعود: لما أُسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض، فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيُقبض منها. "ذكره ابن كثير في تفسيره"
وفي الحديث: (ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قِلال هجر، وإذا أوراقها كآذان الفيلة). "رواه البخاري"
(نبقها مثل قلال هجر: أي ثمرها كبير).
٣ - البيت المعمور: وفي الحديث:
(فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي
فيه كل يوم سبعون ألف ملك، وإذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم).
وفي رواية: (البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة، لو خرَّ لخرَّ عليها). "رواه البخاري"
واستُدل من الحديث على أن الملائكة أكثر المخلوقات لأنه لا يعرف من جميع العوالم ما ينجرد من جنسه في كل يوم سبعون ألفاً غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الحديث.
٤ - الأنهار الأربعة: قال رسول الله ﷺ :
أ - (ثم رفعتُ إلى سدرة المنتهى .. وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة.
"الكوثر والسلسبيل"
وأما الظاهران فالنيل والفرات). "رواه البخاري ومسلم"
ب - ووقع في حديث شريك: (ومضى به يرقى السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر! فقال ﷺ : ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك).
ج - ووقع في رواية يزيد عن أنس عند ابن أبي حاتم: أنه بعد أن رأى إبراهيم قال: (ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعَمُ طير رأيت. قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا آنيته الذهب والفضة، يجري على رضراض من الياقوت والزبرجد، ماؤه أشد بياضاً من اللبن).
стр. 870
قال ﷺ : (فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء، فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك).
د - قال الحافظ في الفتح: ووقع في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة
(أربعة أنهار في الجنة: النيل والفرات، وسيحان وجيحان).
فيحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها،
فيصح أنها من الجنة.
هـ - قال النووي: في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ...
والحاصل: أن أصلها في الجنة، وهما يخرجان أولًا من أصلها، ثم يسيران إلى أن يستقرا في الأرض، ثم ينبعان واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات لكون منبعهما الجنة، وكذا سيحان وجيحان.
و- قال القرطبي: لعل ترك ذكرهما في حديث الإِسراء، لكونهما ليسا أصلاً برأسهما، وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات.
وقيل: إنما أطلق على هذه الأنهار أنها أنهار من الجنة تشبيهاً (١) لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة، والأول أولى والله أعلم.
٥ - الخطباء القوالون: "ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار".
الرسول ﷺ : ما هذا يا جبريل؟
جبريل: هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون.
"صححه الألباني في السلسلة رقم ٢٩٢"
стр. 871
بدع الإسراء والمعراج
١ - الإحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وهذا الإحتفال لم يفعله الرسول صلي الله عليه وسلم والصحابة والتابعون، ولو كان الإحتفال خيراً لسبقونا إليه، والأصل في الأمور التعبدية -ومنها الإحتفال بعيد المولد النبوي، والإسراء والمعراج وغيرها- المنع حتى يأتي الدليل من الشارع، ولم يأت دليل من الشارع على فعله فعلمنا أنه من البدع المحدثة في الدين، وقد حذر الرسول ﷺ منها فقال: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
"رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن وصحيح "
٢ - قراءة قصة المعراج في ليلة السابع والعشرين من رجب، وتخصيصها بالذكر والعبادة والدعاء والصوم والعمرة والصلاة، وليعلم أن قصة المعراج المنسوبة إلى ابن عباس كلها أباطيل وأضاليل ولم يصلح منها إلا أحرف قليلة، ومن فظيع ما نراه أن بعض المشايخ الذين لا علم لهم بصحيح الحديث من سقيمه يقرأون هذه القصة على الناس في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، والناس يصدقون أولئك المشايخ، علماً أنه ﷺ قال في الحديث المتواتر:
" من كذب عَليَّ مُتعمداً فلْيتبَّوأ مقعده من النار". "متفق عليه"
ومما جاء في معراج ابن عباس أن هناك سماء من ذهب، وفضة ونحاس وكلها كذب.
٣ - وقد ذهب أكثر المحققين من أهل العلم والتاريخ والسير أن الإِسراء والمعراج كان في ليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول، وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية -أثراً عن جابر وابن عباس يشهد لذلك. قال جابر وابن عباس:
"ولد رسول صلي الله عليه وسلم عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء وفيه هاجر.
وعروج الرسول صلي الله عليه وسلم إلى السماء دليل على أن الله في السماء وفوق العرش كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة.
стр. 872
الإسراء والمعراج
أسْرَى بكَ الله ليلاً إذ ملائكُهُ ... والرسْل في المسجد الأقصى على قَدَم
لمَّا خَطَرتَ به التفُوا بسيدهم ... كالشُّهبِ بالبَدْر أو كالجُنْدِ بالعَلَمِ
صلَّى وراءَك مِنْهم كل ذِي خَطِر ... ومن يَفُزْ بحبيب الله يأتَمِم
جُبْتَ السماواتِ أو ما فوقهُنَّ بهم ... على منوَّرة دُرِّية اللّجَمَ (١)
مشيئةُ الخالقِ الباري وصنعته ... وقدرةُ الله فوقَ الشَّك والتُّهَمِ
حَتَّى بلغتَ سماء لا يُطارُ لها ... على جَنَاحٍ ولا يُسعى على قَدَم
وقيل: كل نبي عند رتبته ... ويا محمد هذا العرش فاسْتَلِم (٢)
خطَطْتَ للدين والدنيا علومهما ... يا قارىء اللوح بل يا لامس القلمِ (٣)
أحطْتَ بينهما بالسِّرِّ وانكشفَتْ ... لك الخزائنُ من علمٍ ومن حكمِ
وضاعفَ القربُ ما قُلِّدَت من مِنَنٍ ... بلا عِدَادٍ وما طُوَّقتَ من نعَمِ
"أمير الشعراء أحمد شوقي"
стр. 873
الإسراء والمعراج
" للبوصيري" (١)
قال في بردته (٢):
يا خير من يَمم العافون ساحته ... سعياً وفوق متون أنيُق الرُسم
ومَن هو الآية الكبرى لمعتبر ... ومن هو النعمة العظمى لِمغتنِم
سريت من حرم ليلاً إلى حرم (٣) ... كما سرى البرق في داج من الظُلم
وبتَّ ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرَك ولم تُرَمِ
وأنت تخترق السبع الطباق بهم ... في موكب كنت فيهم صاحب العلَم
فحُزتَ كل مقام غير مشترك ... وجُزتَ كل مقام غير مزدَحِم
стр. 874
بُشرى لنا معشر الإِسلام إن لنا ... من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته ... بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
وقال البوصيري في قصيدته (الهمزية):
فصفى الليلة التي كان المخـ ... ـتار فيها على البراق استواء
وترقى به إلى قاب قوسـ ... ـين وتلك السعادة القعساء
رُتَبٌ تسقط الأماني حسرى ... دونها ما وراءهن وراء
ثم وافى يُحدث الناس شكراً ... إذ أتته مِن ربه النَّعماء
وتحدَّى فارتاب كلُّ مُريب ... أو يبقى مع السيول الغُثاء
وهو يدعو إلى الإله وإن شقْـ ... ـقَ عليه كفرٌ به وازدراء
ويدل الورى على الله بالتو ... حيد (١) وهو المحَجَّةُ البيضاء
стр. 875
(٧)
كيف نربي أولادنا وما هو واجب الآباء والأبناء
стр. 876
موجز كيف نربي أولادنا رقم (٧)
* - وصايا لقمان الحكيم لابنه.
* - وصايا نبوية مهمة للأولاد.
* - أركان الإِسلام والإيمان.
* - قصة رائعة مفيدة جدًّا.
* - نصائح نبوية للآباء والأبناء.
* - مسؤولية الأبوين والمعلم.
* - واجب المربي.
* - خطر تحديد النسل.
* - فضل الصلوات والتحذير من تركها.
* - حكم الغناء والموسيقا.
* - حكم الصور والتماثيل.
* - هل الدخان حرام.
* - إعفاء اللحية واجب.
* - بر الوالدين.
стр. 877
الإهداء
١ - إلى كل أم وأب يريدان السعادة لأولادهم.
٢ - إلى المعلمين والمعلمات الذين هم الأسوة لطلابهم.
٣ - إلى الطلاب والطالبات الذين يريدون النجاح.
٤ - إلى الآباء والأبناء جميعاً أقدم لهم هذه الرسالة.
سائلًا الولى أن ينفع بها القراء ويجعلها خالصة لله تعالى.
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن موضوع تربية الأولاد مهم جداً، يتوقف عليه مصلحة الآباء والأبناء معاً، بل يتوقف عليه مستقبل الأمة والمجتمع؛ لذلك اهتم به الإِسلام، والمربون، وعلى رأسهم المربي الكبير، محمد ﷺ الذي بعثه الله معلما ومرشدًا للآباء والأبناء، ليكفل لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
لذلك نجد القرآن الكريم -الذي فيه صلاحنا وفلاحنا- يذكر الله تعالى فيه قصصاً تربوية نافعة، كقصة لقمان الحكيم وهو يوصي ولده بوصايا نافعة مهمة، وهذا رسول الله ﷺ يغرس في نفس ابن عمه عبد الله بن عباس عقيدة التوحيد منذ الصغر، وسيجد القارىء هذا كله، مع غيرها من واجب الآباء نحو الأبناء، وكذلك واجب الأبناء نحو الأبوين.
والله أسأل أن ينفع بها القراء، ويجعلها خالصة لله تعالى.
стр. 878
وصايا لقمان الحكيم لابنه
قال الله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه). "لقمان ١٣"
هذه وصايا نافعة حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم:
١ - (يا بُني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم). "لقمان ١٣"
احذر الشرك في عبادة الله، كدعاء الأموات أو الغائبين، فقد قال ﷺ : (الدعاء هو العبادة).
"رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
ولما نزل قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانَهم بِظلم﴾ "الأنعام ٨٢"
شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه:
﴿يا بُني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم﴾). "متفق عليه"
٢ - (ووصينا الإِنسان بوالديه حملته أُمه وَهْناً على وَهن، وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير). "لقمان ١٤"
ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين لعظم حقهما، فالأم حملت ولدها بمشقة، والأب تكفل بالإِنفاق فاستَحقا من الولد الشكر لله ولوالديه.
٣ - (وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به عِلم فلا تُطِعهما، وصاحِبهما في الدنيا مَعروفاً، واتبعْ سبيلَ مَن أنابَ إليَّ، ثم إليّ مرجعكم فأُنبئكم بما كنتم تعملون). "لقمان ١٥"
قال ابن كثير:
"أي إن حرصا عليك كل الحرص أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنع ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا أي محسناً إليهما؛ واتَّبِعْ سبيل المؤمنين".
أقول: يؤيد هذا قول النبي ﷺ :
(لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف). "متفق عليه"
٤ - ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. "لقمان ١٦"
قال ابن كثير: أي إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل أحضرها الله
стр. 879
تعالى يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيراً فخير، وإن شراً فشَرٌ.
٥ - (يا بني أقِم الصلاة)، أدها بأركانها وواجباتها بخشوع على الوجه المشروع.
٦ - (وأمُرْ بالمعروف وانهَ عن المنكر)، بلُطف ولين بدون شدة.
٧ - (واصبرْ على ما أصابك)، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سيناله أذىً فأمره بالصبر، قال ﷺ :
(المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). "صحيح رواه أحمد وغيره"
(إن ذلك من عزم الأمور)، أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور.
٨ - (ولا تصَعِّر خدَّكَ للناس). "سورة لقمان ١٨"
قال ابن كثير:
لا تُعرِض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقاراً منك لهم، واستكباراً عليهم، ولكن ألِن جانبك وابسُطْ وجهك إليهم.
قال النبي ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة). "صحيح رواه الترمذي وغيره"
٩ - (ولا تمش في الأرض مَرحَاً)، أي خيلاء متكبراً جباراً عنيداً، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال: (إن الله لا يحب كل مختال فخور). "سورة لقمان ١٨"
أي مُختال مُعجَب في نفسه، فخور على غيره. "ذكره ابن كثير"
١٠ - (واقصِد في مشيك)، أي امش مشياً مقتصداً، ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، عدلًا وسطاً بين بين.
١١ - (واغضُض مِن صوتك)، أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: (إن أنكر الأصوات لَصوت الحمير). "لقمان ١٩"
قال مجاهد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير. أي غاية مَن رفع صوته أنه يُشبه بالحمير في علُوه ورَفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله، وهذا التشبيه بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم لأن النبي ﷺ قال:
أ - (ليس لنا مَثل السوء، العائد في هِبته كالكلب يعود في قيئه). "رواه البخاري"
ب - (إذا سمعتم أصواتَ الديكه، فسلوا الله مِن فضله؛ فإنها رأت ملَكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا). "متفق عليه" "انظر تفسير ابن كثير ج ٣/ ٤٤٦"
стр. 880
من هداية الآيات
١ - مشروعية وصية الوالد لابنه بما ينفعه في الدنيا والآخرة.
٢ - البدء بالتوحيد والتحذير من الشرك لأنه ظلم يحبط الأعمال.
٣ - وجوب الشكر لله، وللوالدين، ووجوب برهما وصلتهما.
٤ - وجوب طاعة الوالدين في غير معصية الله، لقول الرسول ﷺ :
(لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف). "رواه البخاري"
٥ - وجوب اتباع سبيل المؤمنين الموحدين، وتحريم اتباع المبتدعين.
٦ - مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلَّت أو صغرت.
٧ - وجوب إقام الصلاة بأركانها وواجباتها والإطمئنان فيها على الوجه المطلوب.
٨ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن علم، ولطف حسب استطاعته.
قال الرسول ﷺ : (من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
٩ - الصبر على ما يلحق الآمر والناهي من أذى، وأنه مِن عزم الأمور.
١٠ - تحريم التكبر والإختيال في المشي وغيره.
١١ - الإعتدال في المشي المطلوب، فلا يُسرع ولا يُبطىء.
١٢ - عدم رفع الصوت زيادة على الحاجة، لأنه من عادة الحمير.