Полный текст (824 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يقع إلا فرضاً, وهذا أبلغ من الصلاة.
والثاني: يشترط. قاله ابن حامد.
وأما نية الأداء؛ فأشبه ما لو نوى صلاة في وقت التي قبلها.
وتشترط النية لكل يوم على انفراده في المشهور عنه الذي عليه عامة أصحابه.
قال في رواية الجماعة صالح وعبد الله وإبراهيم وابن منصور: يحتاج في شهر رمضان أن يجمع في كل يوم على الصوم.
وروي عن حنبل في بعض المواضع قال: سألت أبا عبد الله: هل يحتاج في شهر رمضان إلى نية كل ليلة؟ قال: لا, إذا نوى من أول الشهر؛ يجزيه, وهذه التي نصرها ابن عقيل؛ لأن النبي ﷺ [قال]: «وإنما لكل امرئ ما نوى» , وهذا قد نوى جميع الشهر.
١٦٨ - وعن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ لما أهل رمضان: «قد دخل عليكم هذا الشهر المبارك فقدموا فيه النية».
ولأن شهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضاً يستعان بها على صوم نهاره, ولهذا شملت البركة لياليه وأيامه, وسمي الفطر ليلة العيد فطراً من رمضان, فعُلم أن الفطر الذي يتخلل أيامه ليس فطراً من رمضان,
стр. 177
ويزكون صومهم ويوفون أجرهم في آخره, فعلم أنه عبادة واحدة, فأجزأت فيه نية واحدة كسائر العبادات.
وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه؛ لا يمنع كونه عبادة واحدة؛ كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام ووقوف وطواف وسعي, ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة, أو قد اخترق الحجر, ونحو ذلك لم يتعد الفساد إلى غيره, ومع هذا؛ فهو عبادة واحدة, بحيث تكفيه نية واحدة؛ لأن النية وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم, من غير أن يتخلل النية والصوم المنوي زمان يصلح جنسه لصوم سواه, فجاز ذلك, كما لو نوى لكل يوم من ليلته.
فأما القضاء والنذر؛ فلا يجزيه إلا تبييت النية في كل ليلة قولاً واحداً, ولم يفرق أصحابنا بين النذر المعين والكفارة المتتابعة وغيرها.
ووجه الأول: قوله ﷺ : «من لم يجمع الصيام من الليل قبل الفجر؛ فلا صيام له» , ولأن كل يوم عبادة مفردة, بدليل أنه لا يفسد بعضها بفساد بعض.
والعبادة المفردة تفتقر إلى نية مفردة كسائر العبادات.
والحج عبادة واحدة؛ بدليل أنه لو وطئ في آخره؛ فسد أوله, ومع هذا؛ فلا بد للطواف من نية تخصه, ولا تكفيه نية أصل الحج, وإنما يجزئ ذلك في الوقوف خاصة؛ لأنه من خصائص الحج, وفي ضمنه, بخلاف الطواف؛ فإنه عبادة مفردة بنفسه.
* فصل:
ولا يجزئ الواجب من الكفارة والقضاء والنذر المطلق إلا بتعيين النية
стр. 178
والنذر المعين .
فأما رمضان؛ فلا يجزئ إلا بتعيين النية في إحدى الروايات.
قال في رواية صالح فيمن صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعاً: أيجزيه؟ فقال: أو يفعل هذا مسلم؟ وكذلك الأثرم وقد تقدمت.
ونقل عنه من يحج ينوي به التطوع, ويصوم ينوي به التطوع؛ فالحج والصوم سواء, لا يجزيه العمل فيه إلا بنية, نص عليه فيمن صام رمضان ينوي به تطوعاً لا يجزيه, سواء تعمد ذلك أو لم يدر؛ كيوم الشك والأسير وغيرهما. قال: لا يجزيه يعزمه أنه من رمضان.
والثانية: يجزيه.
قال في رواية المروذي: إذا حال دونه حائل؛ فإنه يصوم. فقيل له: يصومه على أنه من رمضان؟ فقال: نحن اجمعنا على أن نصبح صياماً, ولم نعتقد أنه من رمضان؛ فهو يجزينا من رمضان. فقيل له: أليس تريد أن ينوي أنه من رمضان؟ قال: لا, إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه.
فقد نص بأنه لا يجب تعيين النية, حتى لو نوى الصوم مطلقاً, أو نوى نذراً أو قضاء أو تطوعاً؛ أجزأه من رمضان.
قال القاضي: فظاهره أنه لو نوى صوماً مطلقاً؛ أجزأه عن فرضه.
ومن أصحابنا مَنْ جعل هذا رواية بكل حال, وهذا اختيار الخرقي في «شرحه». قال: من أصلنا لو نوى أن يصوم تطوعاً, فوافق رمضان؛ أجزأه؛ لأنه يحتاج أن يفرق بين الفرض والنفل لما يصلح لهما, وشهر رمضان لا يصلح.
стр. 179
والرواية الثالثة: أن تعيين النية برمضان يجب مع الغيم دون الصحو.
قال في رواية صالح: إذا حال دونه شيء, فأصبح صائماَ؛ أجزأه, وإن لم يحل؛ لم يجزه, حتى ينوي أنه من رمضان.
واختار جَدي ﵀: أنه يجزيه مع الإِطلاق على رواية المروذي, ولا يجزيه مع تعيين غير رمضان؛ كما نص عليه في رواية الجماعة.
وذلك لأن التعيين إنما يفتقر إليه للتمييز بين العبادتين, لجواز أن ينوي كل واحدة منهما, والوقت هنا لا يصلح لغير رمضان, ولا يصح فيه غيره؛ فإنه لو صام في رمضان قضاءً أو نذراً أو نفلاًَ؛ لم يصح وفاقاً.
وإذا كان متميزاً بنفسه؛ لم يفتقر إلى التعيين؛ كما لا يفتقر المقيم أن ينوي الظهر أربعاً, ولأنه متى قصد الصيام وأراده؛ فقد أتى بالصوم الشرعي؛ لأنه عبارة عن الإِمساك والنية, وإذا أتى بالصوم الشرعي؛ أجزأه عن صوم شهر رمضان؛ لأنه لا يصح في هذا الوقت غيره, ولأنها عبادة تعين لها هذا الوقت شرعاً, فإذا وقع غيرها من جنسها, وقع [عينها]؛ كما لو أحرم بالحج نفلاً أو نذراً؛ فإنه يقع عن حجة الإِسلام؛ لأن الشارع عَيَّن أول حجة لحجة الإِسلام بقوله:
١٦٩ - «هذه عنك, ثم حج من شبرمة».
стр. 180
..................
стр. 181
.................
стр. 182
بلى هذا أولى من الحج؛ لأن هذا الزمان تعين بتعيين الشارع.
وقد أجمع الناس أنه لا يجوز أن يوقع فيه غيره.
والحج, وإن تعين له ذلك العام؛ فقد كان يجوز أن يوقع في غيره.
وقد اختلف في جواز إيقاع غيره فيه:
. . والأول هو المذهب الذي عليه عامة الأصحاب؛ مثل أبي بكر
стр. 183
وأبي حفص والقاضي وأصحابه؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فإنه أمر بصوم هذا الشهر متضمن للأمر بنيته, فإن من صام فيه تطوعاً أو قضاءً أو صوماً مطلقاً؛ لم يصمه, وإنما صام فيه, ولأن النبي ﷺ قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» , وهذا لم ينو صوم رمضان أصلاً ولا ضمناً؛ فلا يجزيه, ولأنها عبادة. . . .
وإن قال ليلة الشك: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي, وإن لم يكن منه فهو نفلي؛ أجزأه إن كان منه على قولنا: يصح بنية [من] الليل لا يشترط تعيين النية, وعلى قولنا: يشترط, لا يجزيه.
. . فيمن أصبح متلوماً إذا كان من رمضان, وإلا؛ فهو شعبان نافلة, فإذا صام على هذا, قضى يوماً مكانه, ولا يكون صائماً حتى يجمع عليه من الليل.
وإن قال: وإن لم يكن من رمضان؛ فصومي عن واجب آخر سماه لم يجزه عن ذلك الواجب بحال, وهل يجزيه عن رمضان إن بان أنه منه؟ على روايتين.
стр. 184
وإن قال: إن كان من رمضان؛ فأنا صائم, وإلا؛ فأنا مفطر؛ لم يجزه بحال, نص عليه في رواية الأثرم. قال: سألت أحمد: تقول: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائماً, فإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطراً. ثم قال: كان ابن عمر إذا رأى في السماء سحاباً؛ أصبح صائماً. قلت لأبي عبد الله: فيعتد به؟ قال: كان ابن عمر يعتد به, فإذا أصبح عازماً على الصوم؛ اعتد به ويجزيه. قلت لأبي عبد الله: فإن أصبح متلوماً يقول: إن قالوا: هو من رمضان صمت, وإن قالوا: ليس من رمضان أفطرت. قال: هذا لا يعجبني, يتم صومه ويقضيه؛ لأنه لم يعزم.
وكذلك نقل حرب في يوم الشك إن لم يجمع الصيام ولكنه أصبح يقول: أصوم إن صام الناس, وأفطر إن أفطر الناس, ولم يجمع الصيام, وصام ذلك اليوم؛ فإذا هو من رمضان, يعيد يوماً مكانه.
وإن قال: أنا غداً صائم من رمضان أو من نقل؛ لم يجزه عن رمضان؛ إنْ تبين أنه منه؛ إلا على القول بإجزاء الفرض بنية النفل؛ لأنه شرَّك بين الفرض والنفل في النية.
وإن قال في سائر الأيام: أنا صائم غداً قضاءً أو تطوعاً, وقع تطوعاً.
стр. 185
باب في أحكام المفطرين في رمضان
مسألة:
ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به والمسافر الذي له الفطر؛ فالفطر لهما أفضل, وعليهما القضاء, وإن صاما أجزأهما .
في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن المريض والمسافر يباح لهما الفطر:
لقوله : ﴿. . . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
стр. 186
ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
وقد استفاضت الأحاديث عن رسول الله صلى اله عليه وسلم بإباحة الصوم للمسافر؛ فالمريض أولى, وهذا مما أجمع عليه المسلمون في الجملة.
الفصل الثاني: أن السفر المبيح للفطر هو السفر المبيح للقصر على ما مضى؛ لأن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران في أربعة برد فما فوق ذلك.
ولأن السفر المطلق هو السفر الذي يتكرر فيه الشد والحل, وذلك هو مسافة القصر, وأما المريض المبيح؛ قال ابن أبي موسى والخرقي: هو الذي يزيد في مرضه.
وكذلك المريض الذي لا يطيق الصيام أو الذي يزيد الصوم في مرضه؛ له أن يفطر, وإن تحمَّل وصام وأجزأه.
قال في رواية صالح: والمريض يفطر إذا لم يستطع. قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟
وقال في رواية عبد الله: إذا كان تخاف المرأة اللوزتان تفطر إذا كانت تخاف على نفسها.
وقال أبو بكر: والمريض إذا خشي على نفسه أو على بعض أعضائه التلف
стр. 187
يفطر.
وإذا احتاج إلى أن يفطر ببعض أسباب الفطر جاز له غيره مثل أن يحتاج إلى كحل عينه أو إلى الجماع لإزالة الشبق.
وهل يُخرَّج على هذا فطر المسافر بالجماع ويفرق بين من جاز له الفطر وحرم عليه؟
قال فيما إذا احتاج إلى مداواة عينه: يفطر ويعالجها.
وفي معنى المريض الصحيح الذي يخاف من الصوم مرضاً أو جهداً شديداً, مثل مَنْ به عطاش لا يقدر في الحر على الصوم, وهو يقدر عليه في الشتاء, أو امرأة قد حاضت والصوم يجهدها.
قال في رواية ابن هانئ: الجارية تصوم إذا حاضت, فإن أجهدها فلتفطر ولتقض.
قال أصحابنا: ولا كفارة في ذلك بخلاف الحامل.
قال القاضي: إن كانت تخاف المرض بالصيام؛ جاز لها الفطر, وإن لم تخف من المرض, لم يبح لها الفطر؛ لأن هذا نادر ليس بمعتاد لخوف المشقة فيه, وكلام أحمد يقتضي. . . .
وإن خاف من الصوم ضعفاً عن عدوه في الحضر أو لم يقدر على تحصيله. . . .
الفصل الثالث: أن المريض يستحب له الفطر, ويكره له الصوم, فإن صام؛ أجزأه.
стр. 188
١٧٠ - عن أبي العلاء بن الشخير, عن عائشة: «أنه أجهدها العطش وهي صائمة, فأمرها رسول الله ﷺ أن تفطر وتقضي مكانه يومين». رواه حرب بإسناد جيد, وكذلك المسافر يستحب له الفطر ويجزيه.
قال أبو عبد الله في رواية المروذي: قد سافروا مع النبي ﷺ , وقالوا: كان منا الصائم ومنا المفطر. والذي نختار أن يفطر, وإن صام في السفر؛ أجزأه. قال أبو سعيد: «سافرنا مع النبي ﷺ , فمنا الصائم ومنا المفطر, ولم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم».
وحديث عمر ليس له إسناد.
ولكن حديث ابن عباس: «لما بلغ الكديد أفطر» , وهو آخر الفعل من النبي ﷺ , وكذا بأمره بالإِفطار.
وقال النبي ﷺ : «ليس من البر الصوم في السفر».
وقال في رواية حنبل: لا يعجبني الصيام في السفر؛ لأن النبي ﷺ قال:
стр. 189
١٧١ - ١٧٢ - «ليس من البر الصوم في السفر» , وكان عمر وأبو هريرة يأمرانه بالإِعادة.
стр. 190
ويتوجه أن لا يكره إذا لم يكن فيه مشقة, ولا فعله تعمقا, وإنما جاز له الأمران.
١٧٣ - لما روى أبو سعيد وجابر؛ قالا: سافرنا مع رسول الله ﷺ : «فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض». رواه مسلم.
١٧٤ - وعن أبي سعيد؛ قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة
стр. 191
مضت من رمضان, فمنا من صام, ومنا من أفطر, فلم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم». رواه أحمد ومسلم والترمذي.
وفي رواية: «كنا نغزو مع النبي ﷺ في رمضان, فمنا الصائم, ومنا المفطر, فلم يجد الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم».
يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن, ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن.
١٧٥ - وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ , فلم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم». أخرجاه في «الصحيحين».
١٧٦ - وعن عائشة ﵂؛ قالت سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم, وإن شئت فأفطر».
وفي رواية: أنه قال للنبي ﷺ : أصوم في السفر؟ وكان كثير الصوم, فقال: «إن شئت فصم, وإن شئت فأفطر». رواه الجماعة.
стр. 192
وفي رواية؛ قال: يا رسول الله! إني رجل أسرد الصوم.
١٧٧ - وعن أبي الدرداء؛ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حر شديد, حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة». رواه الجماعة إلا النسائي والترمذي.
ولأنه ﷺ في غزوة الفتح صام في رمضان حتى بلغ الكديد, ثم أفطر حتى قدم مكة, فصام في السفر وأفطر. وقد تقدم.
١٧٨ - ولهذا قال ابن عباس: «لا يعب على من صام في السفر, ولا على من أفطر؛ فقد صام رسول الله ﷺ وأفطر».
وفي لفظ: «صام رسول الله ﷺ في السفر فمن شاء صام, ومن شاء أفطر». متفق عليه.
وإنما اخترنا له الفطر لقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] , ولأنه آخر الأمرين من النبي ﷺ ؛ فإنه أفطر في أثناء غزوة الفتح, ثم لم يزل مفطراً, ثم لم يسافر بعدها في رمضان, وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ , ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره.
стр. 193
١٧٩ - وعن معمر بن أبي حبيبة: أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصيام في السفر, فحدثه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوتين في شهر رمضان يوم بدر ويوم الفتح, فأفطرنا فيهما». رواه أحمد والترمذي, وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
١٨٠ - وعن حمزة بن عمرو الأسلمي؛ أنه قال: يا رسول الله! أجد مني قوة على الصوم في السفر, فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله, فمن أخذ بها فحسن, ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». رواه مسلم والنسائي.
ورواه أبو داوود ولفظه: قلت: يا رسول الله! إني صاحب ظهر
стр. 194
أعالجه, أسافر عليه وأكريه, وإني ربما صادفني هذا الشهر (يعني: رمضان) , وأنا أجد القوة, وأنا شاب, فأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً, أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال «أي ذلك شئت يا حمزة».
فقد أخبر النبي ﷺ أنه به قوة على الصوم, وأنه أيسر عليه من الفطر, وخيَّره النبي ﷺ , وقال: «هي رخصة من الله, من أخذ بها فحسن» , والحسن هو المستحب, «ومن أحب أن يصوم؛ فلا جناح عليه» , ورفع الجناح إنما يقتضي الإباحة فقط, وهذا بين لمن تأمله.
١٨١ - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر, فرأى زحاماً, ورجل قد ظلل عليه, فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: «ليس من البر الصيام في السفر». رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
وفي رواية النسائي: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها».
١٨٢ - وعن كعب بن عاصم الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس
стр. 195
من البر الصيام في السفر». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
قال سفيان بن عيينه: تفسيره: ليس من صام بأبر ممن فطر.
١٨٣ - وعن ابن عمر عن النبي ﷺ ؛ قال: «ليس من البر الصوم في السفر». رواه الأثرم.
стр. 196
والبر هو العمل الصالح, فقد بين أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح, بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به.
١٨٤ - وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر؛ يقول الله لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح مقيم». رواه البخاري:
فإذا سافر في رمضان وأفطر؛ كتب له صوم رمضان, ثم إذا قضاه؛ كتب له صوم القضاء؛ فلا يكون في الصوم زيادة فضل.
ولا يصح أن يقال: إنما هذا فيمن شق عليه الصوم في السفر, لأن الحديث خارج على هذا السبب؛ لأنه قد روي مبتدأ غير خارج على سبب.
ولأن اللفظ عام, لا يجب قصره على سببه؛ بل يحمل على عمومه.
ولأن التظليل ليس فيه دليل على المشقة التي تضره حتى يجب معها الفطر.
ولأنه لو كان ذلك لأجل المشقة خاصة؛ لكان الصوم إثماً, ولقيل: إن من الإِثم الصوم في السفر, فإن نفي البر ليس يلزم منه وجود الإِثم, لأن بينهما مرتبة ثالثة.
ولأنه قد قال في الحديث: «عليكم برخصة الله التي أرخص لكم فاقبلوها» , والرخصة عامة لجميع الناس.
стр. 197
ولأنه لما كان الصوم في الجملة مظنة المشقة؛ بيَّن أنْ لا برَّ في الصوم فيه لإِفضائه إلى هذا الضر, وإن تخلف عنه في بعض الصور.
١٨٥ - وأيضاً؛ تقدم ما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ ؛ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره تؤتى معصيته». رواه أحمد وابن خزيمة في
стр. 198
.................
стр. 199
«صحيحه».
١٨٦ - وعن محمد بن المنكدر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يحب أن تؤتى فريضته».
١٨٧ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه».
١٨٨ - وعن ابن عمر وابن عباس؛ قالا: «إن الله يحب أن تؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه». رواهن ابن أبي شيبة.
١٨٩ - وعن عائشة ﵂؛ قالت: «ما خُيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 200
بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما, ما لم يكن إثماَ؛ كان أبعد الناس منه».
١٩٠ - وقال ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى: «يسرا ولا تعسرا».
١٩١ - وعن بشر بن حرب؛ قال: سألت عبد الله بن عمر, قلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: تأخذ إن حدثتك؟ قلت: نعم. قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من هذه المدينة؛ قصر الصلاة, ولم يصم حتى يرجع إليها». رواه أحمد.
١٩٢ - وعن أبي طعمة؛ قال: كنت عند ابن عمر, إذ جاءه رجل, فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني أقوى على الصيام في السفر. فقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه الإِثم مثل جبال عرفة». رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة.
стр. 201
١٩٣ - وأيضاً: ما روى أنس بن مالك الكعبي؛ قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ , فانتهيت [أو قال:] فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل, قال: «اجلس فأصب من طعامنا هذا». فقلت: إني صائم. قال: «اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام, إن الله وضع شطر الصلاة (أ: نصف الصلاة) والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى» , والله لقد قالهما جميعاً أو احدهما, فتلهفت نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ . رواه
стр. 202
.................
стр. 203
......................
стр. 204
الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأحمد والنسائي: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى وعن المرضع».
فأخبره النبي ﷺ أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاء منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم, ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم.
١٩٤ - ١٩٥ - وعن أبي أمية الضمري وعبد الله بن الشخير عن النبي
стр. 205
................
стр. 206
..................
стр. 207
صلى الله عليه وسلم؛ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة». رواهما النسائي.
١٩٦ - وأيضاً: عن عبد الرحمن بن حرملة, عن سعيد بن المسيب؛ قال: سمعت رجلاً سأله: أتمُّ الصلاة والصوم في السفر؟ فقال: لا. قال: إني أقوى على ذلك. فقال: كان رسول الله ﷺ أقوى منك, قد كان يفطر ويقصر الصلاة في السفر. وقال رسول الله ﷺ : «خياركم من قصر الصلاة في السفر وأفطر». رواه سعيد والأثرم وغيرهما.
وهذا مع أنه من مراسيل سعيد؛ فقد احتج به, واحتجاجه يدل على صحته عنده.
١٩٧ - ورواه النجاد عن جابر مسنداً.
стр. 208
١٩٨ - وعن ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الصيام في السفر؟ فنهاه, فقال: إن ذلك عليَّ يسير. فقال: «أنت أعلم باليسير أم الله؟ يقول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ , إن الله تصدق برمضان على مرضى أمتي ومسافريهم؛ فأيكم يحب أن يتصدق بصدقة ثم ترد عليه؟!». رواه أبو حفص.
١٩٩ - وقد روى عمر عن النبي ﷺ : أنه قال في القصر: «صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته». رواه مسلم.
وأيضاً؛ فإن عامة الصحابة على ذلك:
٢٠٠ - عن أبي جمرة؛ قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: «عسر ويسر, خذ بيسر الله تعالى». رواه أبو سعيد الأشج.
стр. 209
٢٠١ - وعن أبي سلمة؛ قال: «نهتني عائشة أن أصوم في السفر». رواه سعيد.
стр. 210
وقد تقدم عن ابن عمر الأمر بالفطر.
٢٠٢ - وعن سعيد بن جبير؛ قال: كان ابن عمر لا يستأذنه في السفر, فصحبه رجل, فدعاه إلى طعامه, قال: إني صائم. قال: «من صحبنا؛ فليقتد بنا, ومن لا؛ فليعتزلنا؛ فإن في الأرض سعة». رواه البغوي.
٢٠٣ - وعن ابن عمر: «أنه كان لا يصوم في السفر رمضان ولا غيره, وإذا أقام قلما فطر».
стр. 211
٢٠٤ - وعنه: «أنه جاء إليه رجل, فقال: أصوم في السفر؟ قال: لا. قال: إنه صوم كنت أصومه. قال: إن هذا يريد أن يتبع هواه, إني لأظنك عراقيّاً».
стр. 212
٢٠٥ - وعن مجاهد؛ قال: قال ابن عمر: «يا مجاهد! لا تصم في السفر؛ فإنهم يقولون: كفوا صاحبكم, أعينوا صاحبكم, حتى يذهبوا بأجرك».
٢٠٦ - وعن عمرو بن دينار؛ قال: «سمعت رجلاً من بني تميم يحدث عن أبيه أنه صام رمضان في السفر, فأمره عمر أن يقضيه».
وعن محرر بن أبي هريرة؛ قال: «صمت رمضان في السفر, فأمرني أبو هريرة أن أعيد في أهلي».
٢٠٧ - وعن عمار مولى بني هاشم, عن ابن عباس ﵄: فيمن صام رمضان في السفر: «لا يجزيه». رواه أبو إسحاق الشالنجي.
стр. 213
٢٠٨ - ٢٠٩ - وعن عثمان بن أبي العاص وأنس: «الصوم أفضل». رواه سعيد.
стр. 214
ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة, والصوم قد كرهه جماعة من الصحابة, وأمروا بالقضاء كما تقدم, ولأن الفطر أيسر وأخف, والله يريد اليسر ولا يريد بنا العسر, ويجب أن يؤتى ما أرخصه, والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء كما تقدم, ولأنه رخصة من رُخَص السفر, فكان اتباعها أولى من الأخذ بالثقيل؛ كالقصر والمسح.
فإن قيل: هذا يبقى الصوم في ذمته بخلاف الذي يقصر الصلاة.
قلنا: إذا قام واتسع له وقت؛ قضاه, وإلا؛ فلا شيء عليه.
ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخلق والعجز عن مصالح السفر, وأن يصير الإِنسان كَلاًّ على أصحابه, ولو لم يغيره, لكن الفطر بكل حال أعون له على السفر, وسعة الخلق, وإعانة الرفقاء, وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم.
وبهذا يتبين أن الفطر أرفق له بكل حال, ولأن في الفطر قبولاً للرخصة, وبراءة من التعمق والغلو في الدين, وشكر الله على ما أنعم به من الرخصة.
فإن من صام؛ فهل يكره له الصوم؟
على روايتين:
إحداهما: يكره. كما نقله حنبل.
وقال في رواية الأثرم: أنا أكره أن يصوم في السفر؛ فكيف بقضاء رمضان في السفر؟ وهو اختيار الخرقي وأبي طالب وغيرهما:
لقوله: «ليس من البر الصوم في السفر» , وما ليس ببر لا يكون عبادة, فيكره أن يشغل زمانه بغير عبادة.
ولما تقدم عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ : «صام حتى بلغ كراع
стр. 215
الغميم, فصام الناس معه, فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت, فدعا بقدح من ماء بعد العصر, فشرب, والناس ينظرون إليه, فأفطر بعضهم, وصام بعضهم, فبلغه أن أناساَ صاموا, فقال: أولئك العصاة». رواه مسلم وغيره.
ولأن من الصحابة من يأمره بالإِعادة.
والثانية: لا يكره. كما نقله المروذي.
وهو اختيار ابن عقيل؛ لما تقدم من أنه لم يكن يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم, والكراهة عيب, وأن النبي ﷺ صام في السفر هو وابن رواحة في يوم شديد الحر, وأنه لو كره له الصوم؛ لعادت الرخصة مشقة.
والصحيح: أنه إن شق عليه الصوم, بأن يكون ماشياَ أو لا يجد عشاءً يقويه أو بين يديه عدو يخاف الضعف عنه بالصوم أو يصير كَلَاّ على رفقائه أو يسوء خلقه ونحو ذلك؛ كره له الصوم, وكذلك إن صام تعمقاً وغلواً, بحيث يعتقد أن الفطر نقص في الدين ونحو ذلك, وعلى هذا يحمل على ما روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة من أمر الصائم بالإِعادة على سبيل الاستحباب
следующие страницы →