← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٢٠٤ - وعنه: «أنه جاء إليه رجل, فقال: أصوم في السفر؟ قال: لا. قال: إنه صوم كنت أصومه. قال: إن هذا يريد أن يتبع هواه, إني لأظنك عراقيّاً».

стр. 212

٢٠٥ - وعن مجاهد؛ قال: قال ابن عمر: «يا مجاهد! لا تصم في السفر؛ فإنهم يقولون: كفوا صاحبكم, أعينوا صاحبكم, حتى يذهبوا بأجرك». ٢٠٦ - وعن عمرو بن دينار؛ قال: «سمعت رجلاً من بني تميم يحدث عن أبيه أنه صام رمضان في السفر, فأمره عمر أن يقضيه». وعن محرر بن أبي هريرة؛ قال: «صمت رمضان في السفر, فأمرني أبو هريرة أن أعيد في أهلي». ٢٠٧ - وعن عمار مولى بني هاشم, عن ابن عباس ﵄: فيمن صام رمضان في السفر: «لا يجزيه». رواه أبو إسحاق الشالنجي.

стр. 213

٢٠٨ - ٢٠٩ - وعن عثمان بن أبي العاص وأنس: «الصوم أفضل». رواه سعيد.

стр. 214

ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة, والصوم قد كرهه جماعة من الصحابة, وأمروا بالقضاء كما تقدم, ولأن الفطر أيسر وأخف, والله يريد اليسر ولا يريد بنا العسر, ويجب أن يؤتى ما أرخصه, والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء كما تقدم, ولأنه رخصة من رُخَص السفر, فكان اتباعها أولى من الأخذ بالثقيل؛ كالقصر والمسح. فإن قيل: هذا يبقى الصوم في ذمته بخلاف الذي يقصر الصلاة. قلنا: إذا قام واتسع له وقت؛ قضاه, وإلا؛ فلا شيء عليه. ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخلق والعجز عن مصالح السفر, وأن يصير الإِنسان كَلاًّ على أصحابه, ولو لم يغيره, لكن الفطر بكل حال أعون له على السفر, وسعة الخلق, وإعانة الرفقاء, وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم. وبهذا يتبين أن الفطر أرفق له بكل حال, ولأن في الفطر قبولاً للرخصة, وبراءة من التعمق والغلو في الدين, وشكر الله على ما أنعم به من الرخصة. فإن من صام؛ فهل يكره له الصوم؟ على روايتين: إحداهما: يكره. كما نقله حنبل. وقال في رواية الأثرم: أنا أكره أن يصوم في السفر؛ فكيف بقضاء رمضان في السفر؟ وهو اختيار الخرقي وأبي طالب وغيرهما: لقوله: «ليس من البر الصوم في السفر» , وما ليس ببر لا يكون عبادة, فيكره أن يشغل زمانه بغير عبادة. ولما تقدم عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ : «صام حتى بلغ كراع

стр. 215

الغميم, فصام الناس معه, فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت, فدعا بقدح من ماء بعد العصر, فشرب, والناس ينظرون إليه, فأفطر بعضهم, وصام بعضهم, فبلغه أن أناساَ صاموا, فقال: أولئك العصاة». رواه مسلم وغيره. ولأن من الصحابة من يأمره بالإِعادة. والثانية: لا يكره. كما نقله المروذي. وهو اختيار ابن عقيل؛ لما تقدم من أنه لم يكن يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم, والكراهة عيب, وأن النبي ﷺ صام في السفر هو وابن رواحة في يوم شديد الحر, وأنه لو كره له الصوم؛ لعادت الرخصة مشقة. والصحيح: أنه إن شق عليه الصوم, بأن يكون ماشياَ أو لا يجد عشاءً يقويه أو بين يديه عدو يخاف الضعف عنه بالصوم أو يصير كَلَاّ على رفقائه أو يسوء خلقه ونحو ذلك؛ كره له الصوم, وكذلك إن صام تعمقاً وغلواً, بحيث يعتقد أن الفطر نقص في الدين ونحو ذلك, وعلى هذا يحمل على ما روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة من أمر الصائم بالإِعادة على سبيل الاستحباب

стр. 216

عقوبة له, وكذلك حديث ابن عمر وغيره. وأما من صام وهو مرفه من غير تغير في حاله؛ فلا بأس بصومه, وذلك لأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالفطر وسماهم عصاة حين شق عليهم الصوم مشقة شديدة ولم يفطروا. ٢١٠ - وعن أبي سعيد؛ قال: «أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء, والناس صيام في يوم صائف مشاة, ونبي الله ﷺ على بغلة له, فقال: اشربوا أيها الناس! قال: فأبوا, فقال: إني لست مثلكم, إني أيسركم, وإني راكب. فأبوا, فثنى رسول الله ﷺ فخذه, فنزل وشرب وشرب الناس, وما كان يريد أن يشرب». رواه أحمد. فقد فرق رسول الله ﷺ بين الراكب والماشي. ٢١١ - وعن سلمة بن المحبق الهذلي؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع؛ فليصم رمضان حيث أدركه». رواه أحمد وأبو داوود. وفي رواية لأبي داوود: «من أدركه رمضان في السفر». فأمر بالصوم من له زاد وراحلة دون غيره.

стр. 217

٢١٢ - وعن أبي سعيد؛ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة, ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلاً, فقال رسول الله ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم, والفطر أقوى لكم». فكانت رخصة, فمنا من صام, ومنا من أفطر, ثم نزلنا منزلاً آخر, فقال: «إنكم مصبحو عدوكم, والفطر أقوى لكم, فافطروا». فكانت عزيمة, فأفطرنا, ثم رأيتنا نصوم بعد مع رسول الله ﷺ في السفر. رواه أحمد ومسلم وأبو داوود, ولفظه: قال أبو سعيد: لقد رأيتني أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك, فأمرهم النبي ﷺ بالفطر لما أرادوا أن يصبحوا العدو, وكانت عزيمة. وأما الإِعراض عن الفطر تعمقاً وتنطعاً أو استعظاماً للفطر وإكباراً له؛ فمثل: ٢١٣ - ما روت عائشة قالت: «رخص رسول الله في أمر, فتنزه عنه ناس من الناس, فبلغ ذلك النبي ﷺ , فغضب حتى بان الغضب على وجهه, فقال: ما بال أقوام يرغبون عن ما رخص لي فيه؛ فوالله؛ إني لأعلمهم بالله, وأشدهم له خشية». متفق عليه. ٢١٤ - كما أراد جماعة من أصحاب النبي ﷺ أن يتبتَّلوا, وقال أحدهم:

стр. 218

أما أنا فأصوم لا افطر. وقال الآخر: أما أن أقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء. فبلغ النبي ﷺ أمرهم, فقال: «لكني أصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وآكل اللحم, وآتي النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني». وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. والأكل في السفر من طيبات ما أحل الله لنا؛ فمن اجتنبه تنزهاً عنه كالذي يجتنب اللحم والنساء كان داخلاً في هؤلاء, وبهذا وشبهه مرقت الخوارج من الدين, وعلى هذا الوجه أنكر دحية بن خليفة الكلبي وأبو بصرة على الذين رغبوا عن الفطر, ورأوه مكروهاً, وكذلك ابن عمر أنكر على من رأى به قوة على الفطر؛ فلا يشرع في حقه.

стр. 219

ومن هذا الباب قوله ﷺ : «لأواصلنَّ وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم». ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور. ٢١٥ - وعلى هذا يخرج ما روى أسامة بن زيد, عن الزهري, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر». رواه ابن ماجه. ٢١٦ - ورواه النجاد من حديث يزيد بن عياض, عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة وأبيه عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ قال: «صائم رمضان في السفر كمفطره في الحضر».

стр. 220

٢١٧ - ورواه النسائي موقوفاً على عبد الرحمن.

стр. 221

يعني: من صامه معتقداً وجوبه, والتشبيه به في الإِثم لا في وجوب القضاء.

стр. 222

فإن قيل: فهلَاّ أوجبتم عليه القضاء, لا سيما وقد استشهد أحمد في رواية حنبل بقول عمر وأبي هريرة. قلنا:. . . . مسألة: والثاني: الحائض والنفساء يفطران ويقضيان, وإن صامتا لم يجزئهما . والأصل في هذا السنة المستفيضة المتلقاة بالقبول والإِجماع على أن الحائض لا تصوم, وقد تقدم ذكر هذا في الحيض, ولا يصح صومها, ولا يجوز لها أن تنوي الصوم وتكف عن الأكل, ومتى حاضت في أثناء يوم؛ بطل صومها, وهل يجب عليها الإِمساك بقية النهار؟ على روايتين. وكذلك [لو] انقطع دمها في أثناءِ يومٍ؛ وجب عليها قضاؤه, وفي وجوب الإِمساك روايتان. وإن انقطع دمها قبل الفجر, [وبيتَّت] النية؛ صح صومها, وإن لم تغتسل. نص عليه, وأنكر على مَنْ قال بخلافه, وقاسه على الرجل إذا أصبح جنباً. مسألة: والثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما؛ أفطرتا وقضتا وأطعمتا

стр. 223

عن كل يوم مسكيناً, وإن صامتا؛ أجزأهما . في هذا الكلام فصلان: أحدهما: أن المرأة الحامل إذا خافت من الصوم على ولدها: إما لأن الجوع يضرُّ به, أو لاحتياجه إلى دواء تشربه؛ فإنه يجوز لها أن تفطر؛ لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر وبعض المرضى؛ فإنه يخاف هلاك الولد بصومها. وقد تقدم حديث أنس بن مالك الكعبي عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن الله وضع الصوم عن المسافر (وفي رواية: وعن الحبلى والمرضع»). لقد قالهما رسول الله ﷺ جميعاً أو أحدهما». [وفي رواية]: «وعن الحامل وعن المرضع». وعليهما مع الفطر القضاء؛ لأنها ترجو القدرة عليه, فإذا قدرت؛ صامت كالمريض والمسافر, وعليها أيضاً الفدية, وهو أن تطعم عن كل يوم مسكيناً. ٢١٨ - وعن نافع: أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها, فقال: «تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مُدّاً من حنطة». رواه

стр. 224

٢١٩ - وعن عكرمة: أن ابن عباس قال: «أثبتت للحبلى والمرضع»؛ يعني: قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. رواه أبو داوود. ٢٢٠ - وروي عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ قال: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً,

стр. 225

والحبلى والمرضع إذا خافتا» قال أبو داوود: يعني: على أولادهما. رواه أحمد في «الناسخ والمنسوخ» مستوفى.

стр. 226

٢٢١ - عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾؛ قال: «رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم, ورخص لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً, ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ , وثبتت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم, والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما». ٢٢٢ - وعن عطاء ابن عباس: «أنه كان يرخص في الإِفطار في رمضان للشيخ الكبير والحامل المتم والمرضع, ولصاحب العطاش أن يفطروا ويطعموا لكل يوم مسكيناً». رواه سعيد.

стр. 227

قال أحمد في رواية صالح: المرضع والحامل تخاف على نفسها تفطر وتقضي وتطعم, أذهب إلى: ٢٢٣ - حديث أبي هريرة. ٢٢٤ - ٢٢٥ وأما ابن عباس وابن عمر يقولان: تطعم ولا تصوم. ٢٢٦ - وكان ابن عباس يقرأها: (يطوقونه). قال: يكلفون, ومن قرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾؛ فإنها منسوخة, نسخها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ فقد ثبت وجوب الفدية عن ثلاثة من الصحابة, ولا يعرف لهم مخالف. واختلفوا في القضاء, وأشبه القولين وجوب القضاء.

стр. 228

٢٢٧ - لأن النبي ﷺ ذكر: «أن الله وضع الصوم عن المسافر والحامل والمرضع» , ولم يرد إلا وضع الأداء دون القضاء؛ لأنه ذكر المسافر, وإنما وضع عنه الأداء فقط, ولأنها ترجو القدرة على القضاء؛ فهي كالمريض. وأما إن خافت على نفسها: فقال أصحابنا: تفطر وتقضي ولا تكفر. قال بعضهم: هذا بغير خلاف؛ لأنها بمنزلة المريض أو بمنزلة من يخاف حدوث مرض به, وإنما وجبت الفدية إذا خافت على جنينها, لأنها هناك أفطرت للخوف على غيرها, وهو أغلظ من الفطر خوفاً على نفسها, فغلظ بوجوب الفدية, ولأن الفطر يرتفق به هنا شخصان الحامل وجنينها, فكان القضاء عنها والفدية عن جنينها, بخلاف فطر المريض والمسافر؛ فإنه لا يرتفق به إلا شخص واحد. وقال أحمد في وآية الميموني: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولدهما يفطران ويطعمان ويصومان إذا أطاقا. وقد تقدمت رواية صالح: الحامل والمرضع تخاف على نفسها تفطر وتقضي وتطعم. وقال في رواية حرب في الحامل والمرضع يشتد عليهما الصيام: يفطران ويقضيان ويكفران لكل يوم مدًّا لمسكين, والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويطعم مدًّا أيضاً. وتأل القاضي هذا على أنها تخاف على ولدها مع خوفها على نفسها؛ فإن خافت على نفسها فقط؛ فلا فدية, ولذلك قيَّد الخرقي وغيره أن تخاف على جنينها فكأنها تارة تخاف على ولدها فقط, وتارة تخاف على نفسها وعلى ولدها.

стр. 229

وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن أحمد فرَّق بين خوفها على نفسها وخوفها على ولدها, ولأنها إذا خافت على نفسها وولدها؛ لم يجب عليها الفدية في قياس قول مَنْ لا يوجبها بالخوف على النفس. ولو أفطرت وهي حامل مريضة أو وهي حامل مسافرة؛ فإنها تفطر للمرض والسفر ولا كفارة عليها؛ لأنه قد وُجد سبب يبيح الفطر من غير كفارة. وهذا الذي قاله أحمد يجمع قول ابن عمر وابن عباس؛ لأنه أطلق الخوف, وجعلها من الذين يطيقونه, فكأن إيجاب الفدية لأجل طاقتها في الحال لا لأجل ولدها, وابن عمر ذكر خوفها على ولدها, ولأن خوفها على نفسها بسبب الحمل؛ فإن المسألة إنما هي إذا كان كذلك, أما لو خافت من الفطر لأمرٍ آخر غير الحمل, بأن تكون مريضة؛ فإنه لا كفارة عليها ألبتة, وإذا كان بسبب الحمل؛ لم تكن مثل المريض الذي خوفه من جهة نفسه؛ فإنه إذا كان وجود الحمل يمنعها الصوم والحمل في الأصل باختيارها؛ صارت كأنها ممتنعة عن الصوم باختيارها, فناسب ذلك وجوب الفدية, وصارت من وجهٍ قادرة على دفع الحمل فلا تصوم. ويحتمل أن أحمد قال ذلك لأنها إذا خافت على نفسها فإنه يخاف على جنينها؛ لأن الحامل إذا مرضت خيف على الجنين, وقد يخاف على جنينها من غير خوف على نفسها. . . . فعلى هذا يكون قول من أطلق الحامل إذا خافت على جنينها صحيح كالخرقي وابن أبي موسى, وأحمد ﵁ فَصَّلَ الخوف؛ لأنها تارة تخاف على جنينها فقط, وتارة تخاف على نفسها, فتخاف على جنينها.

стр. 230

وأما قول من قال: إذا خافت على نفسها؛ فلا فدية عليها؛ فهو مخالف لنص أحمد ولأقوال السلف. ٢٢٨ - قال مسلم بن يسار: أدركت أهل المدينة وهم يخيرون المرضع والحامل في شهرها الذي تخاف على نفسها يفطران ويطعمان كل يوم مسكيناً. ٢٢٩ - وقال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «وهو الكبير الذي كان يصوم فيعجز, والمرأة الحبلى التي يعسر عليها الصيام؛ [فعليهما] إطعام مسكين كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان». رواهن سعيد. *الفصل الثاني: في المرضع: وهي كالحامل وأولى منها بوجوب الفدية؛ لأنها ترضع الطفل باختيارها في الجملة؛ بخلاف الحامل؛ فإنها لا تستطيع مفارقة الجنين, وحكمها حكم الحامل في جميع أمورها كما تقدم؛ فإنها تخاف على ولدها إذا صامت بتغير اللبن أو نقصه, وقد تخاف على نفسها إذا صامت وأرضعته بأن يضعفها إرضاعه. وجوب الفدية هنا إذا خافت على نفسها ظاهر؛ فإنها قادرة على الصوم, وإنما إرضاعها الذي يضعفها, وهو فعل لها.

стр. 231

ومن استباح المحظورات بفعله؛ وجبت عليه الكفارة, وإن كان جائزاً. ولهذا تجب الكفارة بالحنث في اليمين إذا فعله, وإن كان واجباً, ولو فعل به؛ لم يكن عليه الكفارة, وكذلك محظورات الإِحرام, والفرق بينها وبين المسافر. ثم لا يخلوا إما أن تكون والدة أو ظئراً بأجرة أو غيرها. فأما الأم فقال. . . إن قبل غيرها, وقدرت أن تستأجر له, أو كان له مال تستأجر منه؛ فلتفعل ذلك ولتصم, وإلا جاز لها الفطر. وهذا فيما إذا كان الخوف على نفسها, أما إذا خيف عليه. . . . وأما الظئر التي ترضع ولد غيرها بأجرة أو بدونها؛ فذكر ابن عقيل: أنها تستبيح الإِفطار كاستباحته لولدها؛ لأنه أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق, فهو كالمسافر في المضاربة يستبيح بسفره ما يستبيح بالسفر لنفسه. وطرده العمل في الصنائع الشاقة إذا بلغت منه الجهد. والكفارة في الحال التي تبيح في حق نفسه أباحت في حق غيره, وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإِفطار؛ لم يبح في حقه, ولا في حق غيره. ومن لم يمكنه إنجاء شخص من الهلكة إلا بالفطر, مثل أن يكون غريقاً أو يريد أحد أن يقاتله. . . .

стр. 232

* فصل: ولو أحاط العدو ببلد, وكان الصوم المفروض يضعفهم؛ فهل يجوز لهم الفطر ؟ على روايتين ذكرهما الخلال في كتاب السير. مسألة: الرابع: العجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه؛ فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين . هذا القسم هو الذي يعجز عن الصوم في الحال, ولا يرجى قدرته عليه في المآل, مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذين لا يطيقان الصوم, والمريض مرضاً لا يرجى برؤه, مثل صاحب العطاش الذي لا يصبر عن شرب الماء شتاءً ولا صيفاً, أو من لا يصبر عن النكاح يخاف إن قطعه تشققت أنثياه. قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فيمن به شهوة غالبة للجماع: يجزيه أن يطعم ولا يصوم إذا كان لا يملك نفسه, وذلك أنه يؤمن عليه عند ذلك أن تنشق أنثياه. قال القاضي: يجب أن تحمل المسألة على أنه حصل به ذلك كالمرض الدائم الذي لا يمكنه الصيام معه, فيكون حكمه حكم الشيخ إذا عجز عن الصايم, فيسقط الصيام, وينتقل إلى الإِطعام, ولا يكون عليه كفارة الجماع؛ لأن الصيام غير متعين عليه؛ فهو كالمسافر إذا وطئ, وكل من كان به هذا الشبق الذي يخاف من الصوم معه أن ينشق أنثياه يفطر, لكن إن أمكنه القضاء؛ قضى

стр. 233

ولم يكفر, وإن لم يكن القضاء؛ أطعم, والعبرة بإمكان القضاء أن يكون ممن يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه. قال ابن عقيل وغيره من أصحابنا: هذا الذي به الشبق يستخرج ماءه بما لا يفسد صوم غيره: إما استمناء بيده, أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة التي يخاف أن يحرك ذلك شهوتها, فإن كان له زوجة أو أمة صغيرة أو كافرة؛ استمنى بيدها, ويجوز أن يستخرجه بوطئها دون الفرج. فرخصا له في المباشرة دون الفرج مطلقاً. فأما وطؤها في الفرج مع إمكان إخراج الماء ودفع ضرورة الشبق بما دون الفرج؛ فقال ابن عقيل وغيره: لا يجوز؛ لأن الضرورة إذا دفعت؛ حرم ما وراءها؛ كما يمنع من الشبع من الميتة إذا سدَّ رمقه, فإن جامع؛ فعليه الكفارة, فأما إن لم يندفع إلا بوطئ غير صائمة؛ جاز له وطؤها. وكلام أحمد والقاضي يقتضي أنه يباح له الجماع مطلقاً؛ فإنهما إنما ذكرا إباحة الجماع, ولم يتعرضا لغيره؛ لأن مَنْ أبيح له استخراج الماء بالمباشرة دون الفرج أبيح له الجماع في الفرج؛ كالمسافر, وذلك لأن الفطر يحصل بهما جميعاً, والكفارة أيضاً في إحدى الروايتين, ولأنه من أبيح له الفطر لعذر؛ صار في حكم المفطرين, وجاز له ما يجوز لهم مطلقاً؛ كالمريض والمسافر وغيرهما, ولأن من أبيح له الفطر لحاجته إلى الأكل, وهو الشيخ الكبير والمريض؛ جاز له أن يأكل ما شاء, ولم يختص ذلك بقدر الضرورة؛ فكذلك مَنْ أبيح له لحاجته إلى الجماع, وقياسه عليه أولى من قياسه على المضطر إلى الميتة إن سلم الحكم فيه؛ فإن المانع هناك في معنى الغذاء, وهو موجود في كل جزء منه, والمانع هنا الصوم الواجب, وهذا قد زال بإباحة الفطر. ثم الفطر هنا له بدل, وهو القضاء أو الكفارة, بخلاف الأكل هناك,

стр. 234

وقياس المذهب يقتضي أنه يباح له الأكل إذا أبيح له الجماع, كما أنه يباح الجماع لمن يباح له الأكل؛ إلا أن يُخرَّج من منع المسافر من الجماع وجه. وأما تفطيره غيره؛ فهذا لا يجوز إلا عند الضرورة بلا ريب؛ لأنه إفساد صوم صحيح لغير حاجة, وذلك لا يجوز. فإن أراد وطئ زوجته أو أمته الصائمة؛ لم يحل له ولا لها تمكينه. قال ابن عقيل لأن الوطء لا يستباح بالضرورة, وإنما يباح إخراج الماء, ولا ضرورة إلى ما وراءه؛ لأن الضرورة تندفع بما دون الفرج والاستمناء باليد, فلا يجوز التعدي إلى ما يضر بالغير. وقال أبو محمد: إذا لم تندفع الضرورة إلا بإفساد صوم الغير؛ أبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة, فأبيح الفطر, كفطر الحامل والمرضع للخوف على ولديهما. فإن كان له امرأتان أحدهما صائمة, والأخرى حائض؛ فهل وطء الصائمة أولى أو يتخيَّر بينهما؟ على وجهين. قال أصحابنا: لسنا نريد بالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة من بلغ حدّاً إن ترك الأكل هلك, وإنما نريد به من يلحقه مشقة شديدة في الصيام, وإنما يسقط عن هؤلاء الصيام؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها, وقد قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٢٣٠ - وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم».

стр. 235

٢٣١ - وجبت الكفارة لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن معاذ ابن جبل؛ قال: «أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . .﴾ إلى هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: فكان من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً؛ أجزأ ذلك عنه. قال: ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. قال: فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح, ورخص فيه للمريض والمسافر, وثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام». مختصر من حديث طويل رواه أبو داوود.

стр. 236

٢٣٢ - ورواه البخاري عن ابن ليلى؛ قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ : «نزل رمضان, فشق عليهم, فكان من أطعم كل يوم مسكيناً؛ ترك الصوم ممن يطيقه, ورُخِّص لهم في ذلك, فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ , فأمروا بالصوم». ٢٣٣ - وعن عطاء, سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ , قال ابن عباس: «ليست بمنسوخة, هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً». رواه البخاري. ٢٣٤ - وفي رواية أخرى صحيحة رواها ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عنه؛ في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: «يتكلفونه ولا يستطيعونه ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ , ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فأطعم مسكيناً آخر, ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ , وليست بمنسوخة». قال ابن عباس: «ولم يرخص في هذه الآية إلا للشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام والمريض الذي علم أنه لا يشفى» , وقد تقدم عنه مثل هذا.

стр. 237

٢٣٥ - وعن أيوب, عن ابن سيرين, عن ابن عباس؛ قال في هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «نسختها الآية الأخرى, ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾». ٢٣٦ - قال أيوب: وسمعت عكرمة يقول ابن عباس: «ليست منسوخة, هي في الشيخ الذي يكلف الصيام ولا يطيقه, فيفطر ويطعم». رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ».

стр. 238

فالرواية الأولى أراد أن قراءة العامة المنسوخة في الجملة, والرواية الثانية أراد بها أنها ليست منسوخة على الحرف المشدّد. ٢٣٧ - وعن أنس بن مالك: «أنه ضعف عن الصوم قبل موته بعام أو عامين, فأفطر وأطعمهم». قال: «[فـ] كان يجمعهم ويطعمهم». رواه سعيد. ٢٣٨ - وذكر الليث بن سعد, عن يحيى بن سعيد؛ في الشيخ إذا كبر

стр. 239

ولم يطق الصيام: «افتدى بطعام مسكين كل يوم مُدّاً مِنْ حنطة». قال ذلك أبو بكر بن حزم عن أشياخ الأنصار. ٢٣٩ - وعن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: «هو الكبير الذي كان يصوم فيعجز, والمرأة الحبلى التي يعسر عليها الصيام؛ فعليها طعام مسكين كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان». رواه سعيد. ٢٤٠ - وعن إبراهيم؛ قال: «كان الرجل يفتدي بطعام يوم, ثم يظل مفطراً, حتى نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. قال: فنسخت وكانت الرخصة للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم». ٢٤١ - وعن الزهري: أنه سئل عن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. قال: «إنها منسوخة, وقد بلغنا أن هذه الآية للمريض الذي تدارك عليه الأشهر, يطعم مكان كل يوم أفطر مدّاً م~نْ حنطة». رواهما أحمد.

стр. 240

٢٤٢ - وعن قتادة في هذه الآية: «كانت فيها رخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة, وهما لا يطيقان الصيام: أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً ويفطرا, ثم نَسَخَ تلك الآية التي بعدها, فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ , فنسختها هذه الآية, فكان أهل العلم يرون ويرجون أن الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا لم يطيقا الصيام أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً, وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها, والمرضع إذا خشيت على ولدها». رواه محمد بن كثير عن همام عنه. فهذا قول ثلاثة من الصحابة, ولم يعرف لهم مخالف. وأيضاً؛ فإن الصحابة والتابعين أخبروا أن الله رخص في هذه الآية للعاجز عن الصوم أن يفطر ويطعم, وأن حكم الآية باقٍ في حقه, وهم أعلم بالتنزيل والتأويل. وأيضاً؛ فإن ذلك تبين من وجهين: ٢٤٣ - أحدهما: أن ابن عباس وأصحابه قرؤوا (يُطَوَّقونه)

стр. 241

و ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ , وهي قراءة صحيحة عنه, والقراءة إذا صحت عن الصحابة؛ كان أدنى أحوالها أن تجري مجرى خبر الواحد في اتباعها والعمل بها؛ لأن قارئها يخبر أن النبي ﷺ قرأها كذلك, فإما أن يكون حرفاً من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها, ويكون بعد النسخ يقرأ الآية على حرفين: (يُطَوَّقونه) و ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ , أو يكون سمعها على جهة التفسير وبيان الحكم, فاعتقد أنها من التلاوة, وعلى التقديرين؛ فيجب العمل بها, وإن لم يقطع بأنها قرآن, ولهذا موضع يستوفى فيه غير هذا الموضع. ومعنى (يطوقونه)؛ أي: يكلفونه فلا يستطيعونه؛ فكل من كلف الصوم فلم يطقه؛ فعليه فدية طعام مسكين, وإن صام مع الجهد والمشقة؛ فهو خير له, وهذا معنى كلام ابن عباس في رواية عطاء عنه. الثاني: أن العامة تقرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ , فكان في صدر الإِسلام لما فرض الله الصوم خير الرجل بين أن يصوم وبين أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً؛ فإن صام ولم يطعم؛ كان خيراً له, ثم نسخ الله هذا التخيير في حق القادر بقوله:

стр. 242

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ , فأوجب الصوم ومنع من الفطر والإِطعام, وبقي الفطر والإِطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنه لما أوجب على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين, وهو الصيام والإِطعام, لقدرته على كل منهما؛ كان القادر على أحدهما مأموراً بما قدر عليه؛ فمن كان إذْ ذاك يقدر على الصيام دون الإِطعام؛ لزمه, ومن يقدر على الإِطعام دون الصيام؛ لزمه, ومن قدر عليهما؛ خُيِّر بينهما؛ فإن هذا شأن جميع ما خُير الناس بينه؛ مثل خصال كفارة اليمين, وخصالة فدية الأذى, وغير ذلك, ثم نسخ الله جواز الفطر عن القادر عليه, فبقي الفطر والفدية المستفاد من معنى الآية للعاجز. ويُبيِّن ذلك أن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم؛ فإنهما كانا يكونان مخيران بين الصيام والإِطعام, فإذا عجز بعد ذلك عن الصوم؛ تعين عليهما الإِطعام, ثم نسخ ذلك التخيير, وبقي هذا المعين, وهذا ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جبير وغيره من التابعين. ومنهم من يوجهه بوجه آخر, وهو أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: عام فيمن يطيقه بجهد ومشقة, وفين يطيقه بغير جهد ومشقة, فنسخ في حق مَنْ لا مشقة عليه, وبقي في حق مَنْ لا يطيقه إلا بجهد ومشقة. ٢٤٤ - فإن قيل: فقد رُوي عن جماعة من السلف أنها منسوخة, منهم ابن عباس كما تقدم. ٢٤٥ - وعن سلمة بن الأكوع؛ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها». وفي رواية: «حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ

стр. 243

مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾». رواه صاحبا الصحيح وأصحاب السنن الأربعة. ٢٤٦ - وعن ابن عمر: أنه قرأ: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِساكِينَ)؛ قال: «هي منسوخة». رواه البخاري. ٢٤٧ - وعن عَبيدة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ قال: «نسختها التي بعدها والتي تليها». ٢٤٨ - وعن علقمة: أنه كان يقرؤها ﴿يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: «كانوا إذا أراد أحدهم أن يفطر؛ أطعم مسكيناً وأفطر, فكانت تلك كفارته, حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾». ٢٤٩ - وعن الشعبي؛ قال: «لما نزلت هذه الآية, فكان الأغنياء

стр. 244

يطعمون ويفطرون, فصار الصيام على الفقراء, فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. . .﴾؛ قال: «فوجب الصوم على الناس كلهم». رواهن أحمد. قيل: هي منسوخة في حق الذي كان قد خُيِّر بين الأمرين, وهو القادر على الصيام؛ كما دل عليه نطق الآية, وكما بيَّنُوه, فأما من كان فرضه الطعام فقط كما دل عليه معنى الآية؛ فلم يُنسخ في حقه شيء, وعلى هذا يُحمل كلام من أطلق القول بأنها منسوخة؛ لأنه قد روي عن ابن عباس التصريح بذلك. * فصل: وإن قوي الشيخ أو العجوز بعد ذلك على القضاء, أو عوفي المريض الميؤوس من بُرئه, بأن زال عطاشه وزال شبقه ونحو ذلك بعد إخراج الفدية , فقال أصحابنا: لا قضاء عليه؛ كما قالوا في المعضوب إذا حج عن نفسه ثم قوي؛ لأن الاعتبار بما في اعتقاده, ولأنه لو اعتقد أنه يقدر على القضاء, ثم مات قبل القدرة عليه؛ لم يكن عليه شيء؛ فكذلك إذا اعتقد أنه لا يقدر عليه ثم قدر. وخرَّج بعضهم وجهاً بوجوب القضاء إذا قدر عليه؛ لدخوله في عموم قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا. . .﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولأنها بدل إياس, وقد تبينا زوال اليأس, فأشبه من اعتدَّت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت. وإن عوفي قبل إخراج الفدية؛ فينبغي هنا أن يجب عليه القضاء رواية واحدة.

стр. 245

مسألة: وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير؛ إلا من أفطر بجماع في الفرج؛ فإنه يقضي ويعتق رقبة؛ فإن لم يجد؛ فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع؛ فإطعام ستين مسكيناً؛ فإن لم يجد؛ سقطت عنه . في هذا الكلام فصول: أحدها: أن المفطرين قسمان: أحدهما: ومَنْ يباح له الفطر, وهم الأربعة المذكورون أولاً المريض والمسافر والحائض والنفساء والمرضع والحامل والعاجز عن الصوم, وقد تقدم حكمهم, وهؤلاء ليس عليهم كفارة, سوى الكفارة الصغرى المذكورة. الثاني: من أفطر بغير هذه الأعذار, وسيأتي أنواع المفطرات؛ فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كل يومٍ يوماً؛ كما يجب القضاء على مَنْ فوَّت الصلاة؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور؛ فعلى غير المعذور أولى, مع أن الفطر متعمداً من الكبائر, وفوات العين باقٍ في ذمته, وعليه أن يتوب منه, وهو أعظم من أن يمحوه كفارة مقدرة أو تكرار الصيام أو غير ذلك. ٢٥٠ - لأن النبي ﷺ أمر الذي وقع على امرأته في رمضان أن يقضي يوماً مكانه ويستغفر الله. رواه أبو داوود وابن ماجه.

стр. 246

٢٥١ - وهذا معنى ما يُروى عن أبي المطوس, عن أبيه, عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة؛ لم يجزه صيام الدهر». وفي لفظ: «لم يقض عنه صيام الدهر». رواه الخمسة, وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

стр. 247

وقال البخاري في «صحيحه»: ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض؛ لم يقضه صيام الدهر, وإن صامه». وبعه قال ابن مسعود. ٢٥٢ - ٢٥٣ - قال ابن عبد البر: وعن علي وابن مسعود مثله.

стр. 248

وقال: ٢٥٤ - ٢٥٩ - سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم

стр. 249

وقتادة وحماد: يقضي يوماً مكانه. ٢٦٠ - وقد روى النسائي, عن علي بن الحسين, عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في شهر رمضان, فأتى أبا هريرة, فقال: «لا يقبل منك صوم سنة».

стр. 250

٢٦١ - وعن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة؛ قال: «من أفطر يوماً من رمضان؛ لم يقضه يوم من أيام الدنيا». وإنما كان كذلك لأن الله سبحانه أوجب عليه صوم ذلك اليوم المعيَّن, وذلك اليوم لا يكون مثله إلا في شهر رمضان, لكن صوم ذلك المثل واجب بنفسه أداءً, فلا يمكن أن يُصام قضاءً عن غيره, فلو صام الدهر كله؛ لم يقض عنه حق ذلك المعين, لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين والتعيين هو الواجب الآخر؛ ففوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر, وهذا معنى كلام أحمد, وسواء أفطر بجماع أو أكل أو غيره. *الفصل الثاني: أنه لا كفارة بالفطر في رمضان إلا بالجماع وأسبابه؛ كما سيأتي إن شاء الله, هذا هو المنصوص عنه في مواضع, وهو المذهب. قال في رواية إسماعيل بن سعيد وإبراهيم بن الحارث والمروذي وأبي طالب وأبي الصقر وغيرهم: من أفطر يوماً من رمضان تعمداً؛ فعليه بالقضاء بلا كفارة, ولو كان كلما أفطر؛ كان عليه الكفارة؛ لكان إذا تقيأ كفَّر, ولكن ذهبنا إلى الحديث في الجماع خاصة. وقال في رواية المروذي فيمن نذر صيام عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفارة, وإن احتجم في رمضان؛ فعليه القضاء.
следующие страницы →