← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٢٥١ - وهذا معنى ما يُروى عن أبي المطوس, عن أبيه, عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة؛ لم يجزه صيام الدهر». وفي لفظ: «لم يقض عنه صيام الدهر». رواه الخمسة, وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

стр. 247

وقال البخاري في «صحيحه»: ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض؛ لم يقضه صيام الدهر, وإن صامه». وبعه قال ابن مسعود. ٢٥٢ - ٢٥٣ - قال ابن عبد البر: وعن علي وابن مسعود مثله.

стр. 248

وقال: ٢٥٤ - ٢٥٩ - سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم

стр. 249

وقتادة وحماد: يقضي يوماً مكانه. ٢٦٠ - وقد روى النسائي, عن علي بن الحسين, عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في شهر رمضان, فأتى أبا هريرة, فقال: «لا يقبل منك صوم سنة».

стр. 250

٢٦١ - وعن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة؛ قال: «من أفطر يوماً من رمضان؛ لم يقضه يوم من أيام الدنيا». وإنما كان كذلك لأن الله سبحانه أوجب عليه صوم ذلك اليوم المعيَّن, وذلك اليوم لا يكون مثله إلا في شهر رمضان, لكن صوم ذلك المثل واجب بنفسه أداءً, فلا يمكن أن يُصام قضاءً عن غيره, فلو صام الدهر كله؛ لم يقض عنه حق ذلك المعين, لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين والتعيين هو الواجب الآخر؛ ففوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر, وهذا معنى كلام أحمد, وسواء أفطر بجماع أو أكل أو غيره. *الفصل الثاني: أنه لا كفارة بالفطر في رمضان إلا بالجماع وأسبابه؛ كما سيأتي إن شاء الله, هذا هو المنصوص عنه في مواضع, وهو المذهب. قال في رواية إسماعيل بن سعيد وإبراهيم بن الحارث والمروذي وأبي طالب وأبي الصقر وغيرهم: من أفطر يوماً من رمضان تعمداً؛ فعليه بالقضاء بلا كفارة, ولو كان كلما أفطر؛ كان عليه الكفارة؛ لكان إذا تقيأ كفَّر, ولكن ذهبنا إلى الحديث في الجماع خاصة. وقال في رواية المروذي فيمن نذر صيام عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفارة, وإن احتجم في رمضان؛ فعليه القضاء.

стр. 251

فأوجب كفارة النذر في صيام النذر لفوات التعيين, ولم يوجب في فطر رمضان إلا القضاء. وقال حرب: سألت أبا عبد الله: قلت: الصائم يحتجم؟ قال: «أما في رمضان؛ فأحب إليَّ أن لا يحتجم, وأما في غير رمضان؛ فإن شاء احتجم إذا لم يكن فريضة. قلت: فإن احتجم في رمضان يكفر أو يقضي يوماً؟ قال: يقضي يوماً مكانه ولا يكفر. وقال مرة: يقضي يوماً مكانه وليست عليه كفارة. لكن يستحب له الكفارة؛ قال في رواية حرب: من افطر يوماً من رمضان متعمداً؛ صام يوماً مكانه, ولم يوجب عليه الكفارة وقال: الكفارة على مَنْ أتى أهله. وقال مرة: إن كفر فهو أفضل. ويقضي يوماً عند أصحابه. وروى حنبل: تكره الحقنة للصائم وغير الصائم؛ إلا من علة وعلاج؛ فإن فعل؛ فعليه الكفارة والقضاء. وروى عن محمد بن عبد ك الفزار فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبر؛ فعليه القضاء والكفارة, وإن لم يبلغه؛ فعليه القضاء. فقد أوجب الكفارة على العالم دون الجاهل, وعلى قياس هذا كل من أفطر عامداً عالماً يجب عليه الكفارة؛ لأن النبي ﷺ أوجب الكفارة على الذي أصاب امرأته في رمضان؛ لعموم كونه مفطراً لا بخصوص كونه مجامعاً؛ لأنه روي من طرق صحيحة أن رجلاً أفطر في رمضان, فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة.

стр. 252

٢٦٢ - ٢٦٤ - هكذا رواه مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد وخلق عظيم, عن الزهري, عن حُميد بن عبد الرحمن.

стр. 253

ولا يخالف هذا رواية من روى: «واقعت أهلي» , أو: «أصبت أهلي»؛ فإن ذلك الفطر لا شك أنه بجماع, لكن هذا يدل على أن الحكم ثبت لكونه مفطراً لا مجامعاً؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يبين أنه علة. ٢٦٥ - ٢٦٦ - كما في قوله: «زنى ماعز فرجم» , «وسها رسول الله ﷺ فسجد». . . ونحو ذلك.

стр. 254

٢٦٧ - ولما روى الدارقطني من طريق الواقدي عن سعد؛ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: أفطرت يوماً من رمضان متعمداً. قال: «اعتق رقبة, أو صم شهرين متتابعين, أو أطعم ستين مسكيناً». وهذا نص في أنه أمره بالكفارة لما أخبر أنه أفطر عامداً, ولم يستفصل بأي المفطرات كان. ٢٦٨ - وروى أيضاً من طريق أبي معشر, عن محمد بن كعب, عن أبي هريرة: «أن رجلاً أكل في رمضان, فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً». ٢٦٩ - وذكر بعضهم عن النبي ﷺ : «من أفطر في رمضان؛ فعليه ما على المظاهر».

стр. 255

لكن لا يعرف له إسناد ولا أصل. ولأن الكفارة إذا وجبت بالوطء مع قلة الداعي إليه في الصوم؛ [فلأن] يجب بالأكل أولى وأحرى, ولأن الكفارة إنما تجب زاجرة عن المعاودة وماحيةً للسيئة وجابرةً لما دخل من النقص على العبادة, وهذا يستوي فيه الأكل والوطء, ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع وتشتهيه النفوس كالجماع, وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنى وشرب الخمر؛ فلا بد من زاجر شرعي, والزواجر إما حدود وإما كفارات؛ فلما لم يكن في الأكل حد؛ فلا بد فيه من كفارة. فعلى هذه الرواية تجب بكل فطر [تعمده] , سواء كان مما يشتهى أو لا يشتهى؛ لأن الحجامة لا تشتهى, وقد أوجب بها الكفارة؛ لأن تعمد إفساد الصوم لا يقع غالباً إلا عما للنفس فيه غرض, فألحق النادر بالغالب؛ كما يجب الحد بوطء العجوز الشوهاء. والأول هو الصحيح: لأن لفظ الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ , فقال: ٢٧٠ - «إن الآخِر وقع على امرأته في نهار رمضان». وفي رواية قال: «أصبت أهلي في رمضان»؛ كما سنذكره. فأمره النبي ﷺ بالكفارة عقيب ذلك, فهذا مفسر في أن النبي ﷺ إنما أمره بالكفارة لأجل الجماع.

стр. 256

فمن قال: «إن رجلاً أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ »؛ فقد صدق, وإفطاره كان بجماع, وترتيب الحكم على الوصف ليس من كلام النبي ﷺ , وإنما المحدث يقول: إنه أفطر فأمر بكذا, وقد علم أن الإفطار كان بالجماع؛ فلو صرح المحدث بذلك, وقال: إنما أمره بالكفارة لمجرد الإِفطار؛ لم يجب قبول ذلك منه؛ لأنه رأي واجتهاد؛ فكيف إذا دل عليه كلامه, مع إمكان أنه لم يقصد بذلك؟! قال الدارقطني: روى مالك ويحيى بن سعيد وابن جريج وسمى نحو عشرة من المحدثين: أن رجلاً أفطر, وخالفهم أكثر منهم عدداً, منهم عبيد الله بن عمر ومعمر ويونس وعقيل والأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة وسمى أكثر من ثلاثين من المحدثين, كلهم رووا عن الزهري هذا الحديث بهذا الإِسناد, وأن إفطار ذلك الرجل كان بجماع. وأما الحديثان الآخران؛ فلا يجوز الاحتجاج بهما على وجه الانفراد لضعف إسنادهما. وإذا ثبت أن النبي ﷺ إنما أمره بالكفارة لما أخبره أنه وقع على امرأته وأصابها؛ لم يجز أن تلحق سائر المفطرات بالجماع؛ لأنه إجماع الصحابة. ٢٧١ - فروى عبد الله بن أبي الهذيل؛ قال: «أتي عمر بشيخ سكران في رمضان, فقال للمتحرين: ويلك! صبياننا صيام وأنت مفطر؟! فجلده ثمانين».

стр. 257

٢٧٢ - وعن علي: أنه أتى بالنجاشي وقد شرب الخمر في رمضان, فضربه ثمانين, ثم أعاده إلى السجن, ثم أخرجه من الغد, فضربه عشرين, فقال: «ثمانين في الخمر, وعشرين جرأتك على الله في رمضان». رواهما سعيد. وهاتان قضيتان مثلهما يشتهر. فهذا عمر ﵁ قد جلده, ولم يخبره أن عليه كفارة, وكذلك علي ﵁ جلده عشرين لأجل الفطر, ولم يخبره أن عليه كفارة, ولو كان ذلك عليه؛ لبيَّناه له؛ كما قد أقاما عليه الحد؛ لوجوه:

стр. 258

أحدها: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة, والحديث إنما يوجبها في الوقاع؛ فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل, والقياس فيها ليس بالبيِّن؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمن وصفاً فارق به غيره, فما لم يقم دليل على أن الموجب الكفارة مجرد الفطر؛ لم يجز الإِيجاب بمجرد الظن. الثاني: أنه لو وجب لأجل الإِفطار؛ لاستوى فيه جميع المفطرات؛ فإن تخصيص بعضها دون بعض نوعٌ تشريعٍ يحتاج إلى دلالة الشرع. الثالث: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه؛ فإنه إذا هاجت شهوته؛ لم يكد يزعها وازع العقل ولم يمنعها حارس الدين. ٢٧٣ - ولهذا قال النبي ﷺ فما يحكى عن ربه: «كل عمل ابن آدم له, الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي, وأنا أجزي به, يدع طعامه وشهوته من أجلي. فسمى النكاح شهوة, وسمى المأكل طعاماً, وإن كان يشتهى في الجملة. ولهذا كان الحد المشروع فيه القتل, وأدناه الجلد والتغريب, وحدُّ المطعوم إنما هو جلد دون ذلك, وقد يصيب المبتلين بشهوتهم في عقولهم وأديانهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم ما يجل عن النعت. والأكل إن [كانت] الضرورة إليه أشد, وعند شدة الجوع يقدم على كل مطلوب, لكن إنما هو جوع يوم, ومثل هذا لا يكاد يبلغ بكل أحد من الناس إلى شيء من البلاء.

стр. 259

٢٧٤ - ولهذا ظاهر سلمة بن صخر من امرأته, واعتقد أن وطأها حرام, ثم إنه أصابها, وكذلك الأعرابي وقع على امرأته مع ما يعلم فيه من التحريم.

стр. 260

ولم يبلغنا أحداً على عهد رسول الله ﷺ أكل في رمضان. نعم دعية الأكل أكبر وأعم, لكن داعية الجماع إذا وقعت؛ كانت أشد وأقوى؛ فلو سوى بين الأكل وبين الجماع في الكفارة؛ لسوَّى بين شيئين قد فرقت الأصول بينهما؛ بحيث لم يسو بينهما في موضع واحد من الشريعة؛ فكيف يصح مثل هذا القياس؟! وليس في المطعومات حد سوى المسكر؛ لقوة الداعي الطبعي إلى نوعه, وفي رمضان داعية الأكل لا تختص بنوع دون نوع.

стр. 261

الرابع: أن هذه الكفارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرم لعارض, ولهذا وجبت على المظاهر لمَّا حَرُم عليه فرج امرأته بالظهار؛ كما حُرم على الصائم فرج امرأته بالصيام, ووجب نحوها على المحرم لما حرم عليه فرج

стр. 262

امرأته بالإِحرام. الخامس: أن هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر؛ لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء؛ تجب عليه هذه الكفارة؛ كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة, ولكان الناس مخيرين في أول الإِسلام بينها وبين الصوم, وذلك لأن ما وجب الكفارة في محظوره ومباحه لم يختلف جنسها, وإنما يختلف الإِثم وعدمه, [و] دليله كفارة الإِحرام؛ فإن الكفارة التي تجب في اللباس والطيب والحلق والتقليم للعذر وغيره من جنس واحد, فعلم أنها إنما وجبت لخصوص وصف الجماع المحرم. ولهذا قلنا فيمن عجز عن النوم لشبقه: إنه يطعم يوماً؛ لأن الجماع لم يبق في هذه الصورة محرماً ليوجب كفارة, وإنما تجب كفارة الإِفطار, والإِفطار كفارته إطعام المساكين. *الفصل الثالث: أن الجماع في الفرج يوجب الكفارة, وهذا كالمجمع عليه, ليس فيه إلا خلاف شاذ. ٢٧٥ - والأصل فيه ما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي هريرة ﵁؛ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ , إذ جاء رجل, فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: «وما أهلكك؟». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم (وفي رواية: في نهار رمضان). فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟». قال: لا. قال: «اجلس». فمكث النبي ﷺ , فبينا نحن على ذلك؛ أتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر –والعرق المكتل الضخم-, فقال: «أين السائل؟». قال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله؛ ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي

стр. 263

صلى الله عليه وسلم حتى بدأت أنيابه, ثم قال: «أطعمه أهل بيتك». رواه الجماعة. ٢٧٦ - وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داوود: «أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً». ٢٧٧ - ورواه أبو داوود من طريق هشام بن سعد, عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة؛ قال فيه: فأتي بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاً, وقال فيه: «كله أنت وأهل بيتك, وصم يوماً, واستغفر الله».

стр. 264

.................

стр. 265

.......................

стр. 266

........................

стр. 267

٢٧٨ - وفي رواية ابن ماجه: فقال رسول الله ﷺ : «أعتق رقبة». قال: لا أجد. قال: «صم شهرين متتابعين». قال: لا أطيق. قال: «أطعم ستين مسكيناً».

стр. 268

٢٧٩ - وفي رواية له: «ويصوم يوماً مكانه». ٢٨٠ - وعن عائشة: أن رجلاً أتى النبي ﷺ , فقال: إنه احترق. قال: «ما لك؟». قال: أصبت أهلي في رمضان. فأتى النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق, فقال: «أين المحترق؟». قال: أنا. قال: «تصدق بهذا». رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. وفي رواية لمسلم: أصبت امرأتي في رمضان نهاراً. قال: (. قال: ما عندي شيء. فأمره أن يجلس, فجاءه عرقان فيهما عام, فأمره أن يتصدق به.

стр. 269

...............

стр. 270

٢٨١ - وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داوود: فبينا هو على ذلك؛ أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام, فقال رسول الله ﷺ : «أين المحترق آنفاَ؟». فقام الرجل, فقال رسول الله ﷺ : «تصدق بهذا». فقال: يا رسول الله! أعلى غيرنا, فوالله؛ إنا لجياع ما لنا شيء. قال: «فكلوه». ٢٨٢ - وفي رواية لأبي داوود: «فأتي بعرق فيه عشون صاعاَ». وفي رواية لبعضهم: «من تمر».

стр. 271

وهذه الكفارة على الترتيب في الرواية المنصورة. وفي الأخرى هي على التخيير بين الخصال الثلاثة؛ لما تقدم من رواية مسلم, وقد رواه كذلك مالك وابن جريج, وهما من أجلِّ من رواه عن الزهري.

стр. 272

وكذلك في حديث عائشة أمره بالصدقة, ولم يذكر العتق الصيام, فعلم أنها مجزئة عنه ابتداءً, ولأنها كفارة وجبت.

стр. 273

ووجه الأول: ما تقدم من الرواية المشهورة, وقول النبي صلى اله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟». قال: لا. قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: لا. قال: «هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟». قال: لا. وعامة أصحاب الزهري يروونه هكذا. وأما الرواية الأخرى؛ فلم يذكر فيها لفظ النبي ﷺ , وإنما ذكر أنه أمره بهذا أو بهذا, وهذا مجمل يحتمل أنه أمره به على وجه الترتيب, ويحتمل أنه أمره به على وجه التخيير, والرواية الأخرى ذكر فيها لفظ النبي ﷺ , وهو دليل ظاهر في الترتيب. ولهذا أنكر أحمد على من فهم التخيير, فقال في رواية ابن القاسم: مالك يقول في حديثه: إنه خيَّره في الكفارة, وليس أحد يقول في الحديث: إنه خيره, إنما قال له شيئاً بعد شيء, ومن روى عن النبي ﷺ أنه قال: أعتق أو صم أو تصدق؛ فرواه بالمعنى من حيث الجملة؛ فإن الرجل قد يقول: افعل كذا أو كذا, ومعناه الترتيب. وأما حديث عائشة: فإنها حكت ما استقر عليه الحال, وهو أمره بالصدقة؛ فإنه كان عند العجز عن العتق والصيام, ولهذا لم يذكر العتق والإِطعام. ثم هي قضية في عين, فذلك المأمور بالصدقة إن كان هو غير الذي في حديث أبي هريرة؛ فربما علم النبي ﷺ من حاله العجز عن العتق والإِطعام, ولهذا لم يذكرهما له, ولا ريب في أنهما يُذكران للمستفتي كما في حديث أبي هريرة. ثم هي أكثر رواة وأشد استقصاء وأحوط وأشبه بالقياس. فإن هذه الكفارة لم تجب في الشرع إلا على وجه الترتيب, ولأنها إذا

стр. 274

وجبت على المظاهر على وجه الترتيب؛ فعلى المجامع في رمضان أولى؛ فإن ذنب هذا أعظم؛ لأن التحريم في الظهار ثبت بقول المكلف, وهنا ثبت بتحريم الله ابتداء, ولأنه إمساك عن محظورات تجب بالوطء فيه الكفارة, فكانت على الترتيب؛ ككفارة المجامع في إحرامه. * فصل: فإن عجز عن الكفارات الثلاثة: قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أطعمه عيالك» , أتقول به؟ قال: نعم إذا كان محتاجاً, ولكن لا يكون في شيء من الكفارات؛ إلا في الجماع في رمضان وحده, لا في كفارة اليمين, ولا في كفارة الظهار. قيل له: أليس في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ووقع عليها نحو هذا؟ قال: ومن يقول هذا؟ إنما حديث سلمة تفرد بهذا: «واستعن بسائره على أهلك» , وإنما أمر له بما بقي. قلت له: فإن كان المجامع محتاجاً فأطعمه عياله؟ قال: يجزئ عنه. قلت: ولا يكفر إذا وجد؟ قال: لا؛ إلا أنه خاص في الجماع وحده. فذكر أصحابنا هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته: على روايتين: أصحهما تسقط عن ذمته؛ كما ذكره الشيخ؛ لحديث الأعرابي؛ فإن النبي ﷺ أمره أن يطعم العرق أهل بيته, ولم يأمره أن يقضي إذا أيسر, وكان عاجزاً؛ لأن التكفير إنما يكون بما يفضل عن حاجته, ولأنه حق مالي يجب لله على وجه الطهرة للصائم, فلم يجب على العاجز كصدقة الفطر, بخلاف بقية الكفارات؛ فإنها تجب على وجه الطهرة في الصيام.

стр. 275

الثانية: تبقى في ذمته كسائر الكفارات في الأصح من روايتين: [قال الزهري لما روى الحديث: وإنما كان هذا رخصة له خاصة, فلو أن رجلاً فعل ذلك اليوم؛ لم يكن له بدٌّ من التكفير]؛ لأنها كفارة وجبت بسبب من المكلف, فلم تسقط بالعجز؛ ككفارة اليمين وغيرها, ولأن الأعرابي لو سقطت الكفارة عنه؛ لما أمره النبي ﷺ بالتكفير بعد أن أتي بالعرق؛ فإنه حين وجوب الكفارة كان عاجزاً, وعكسه صدقة. وأما الكفارة الصغرى في الصيام, وهي فدية المرضع والحامل والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة؛ فقال ابن عقيل في «التذكرة»: جميعها تسقط بالعجز ولا تثبت في الذمة ككفارة الجماع [و] أولى؛ لأنها تجب بغير فعل من المكلف؛ فهي بصدقة الفطر أشبه. وقال القاضي في «خلافه» وغيره: تسقط كفارة المرضع والحامل, ولا تسقط فدية العاجز عن الصيام لكبر أو مرض؛ لأنها بدل عن الصيام الواجب, فلما لم يسقط الصيام بالعجز عنه؛ فكذلك بدله لا يسقط بالعجز عنه إذا قدر عليه في الثاني, وعلى هذا؛ فلو قدر بعد الصيام على الصيام والإِطعام. . . . وظاهر كلام أحمد أنه لا يسقط شيء من ذلك بالعجز إلا كفارة الجماع. وكذلك ذكر في «المجرد والفصول»؛ لأن كفارة المرضع والحامل بدل عن الصوم الواجب أيضاً.

стр. 276

فإن كان عاجزاً حين وجوب الكفارة ثم قدر على ذلك فيما بعد بقريب كالأعرابي وسلمة بن صخر, وقلنا: تسقط. . . . فإن قلنا: تسقط؛ فلا كلام. وإن قلنا: لا تسقط؛ فكفر عن المظاهر رجل بإذنه لفقره, أو كان عنده ما يكفر به أو دفع إليه, وهو محتاج إليه, أو هو أحوج إليه من غيره؛ فهل يجوز صرفه إلى نفسه؟ على روايتين. فقال القاضي: لا يجوز صرف الكفارة عنه إلى نفسه حملاً لحديث الأعرابي على أنه لم يكن كفارة, وإنما أكلها صدقة محضة؛ لأنه ليس في الأصول أن الواجبات تصرف إلى مَنْ وجبت عليه من غير خروج عن ملكه. وهذا على قولنا: سقطت الكفارة عنه. فأما إن قلنا: تبقى في ذمته: فقال بعض أصحابنا: يجوز صرفها إليه لحديث الأعرابي. وقال بعضهم: هل يجوز ذلك أم يكون خاصّاً بالأعرابي؟ فيه وجهان. [وهل يجوز ذلك في بقية الكفارات؟ على روايتين]. والمنصوص عن أحمد في رواية الأثرم وقد ذكر له حديث أبي هريرة وقول النبي ﷺ : «أطعمه عيالك» , فقال: يكون هذا في شيء من الكفارات؛ إلا في الجماع خاصة؛ فإنه يجزيه ولا يكفر مرة أخرى.

стр. 277

وهذا بيان من أحمد أن الذي أطعمه الأعرابي لأهله كان كفارة أجزأت عنه؛ لقوله: «يجزيه» , والإِجزاء لا يكون إلا لشيء قد فعل وامتثل فيه الأمر, ولقوله: «ولا يكفر مرة أخرى» , فدل على أنه قد كفر أول مرة. وقال في رواية مهنا: في رجل عليه عتق رقبة, وليس عنده ما يكفر, فقال له رجل: أنا أعتق عنك هذه الجارية؟ قال: لا يجوز؛ إلا أنه يملكه إياها, فيعتقها هو؛ فإذا لم يملكها؛ فلا تجزيه؛ لأن ولاءها للذي أعتقها, وفي الإِطعام يجوز أن يطعم عنه غيره, فأما في الرقبة؛ فلا. وقال في رواية الأثرم: فإذا لم يكن عنده, وأطعم عنه غيره؛ يكون له ولعياله؟ قال: نعم؛ على حديث النبي ﷺ . قال أبو بكر: قد روي عن أبي عبد الله أن ذلك خاص في الواطئ إذا كفر عنه غيره, رواه إبراهيم بن الحارث: أنه يأكلها إذا أطعم عنه غيره, ويمتنع في غير كفارة الوطء في الصيام أن يأكل منها شيئاً. وروى عنه أبو الحارث: أن كل الكفارات لا بأس بأكلها إذا كفرت عنه. وبما روى الأثرم وإبراهيم بن الحارث. أقول: وهذه طريقة ابن أبي موسى؛ قال - ولم يختلف قوله-: إن من وطئ في رمضان فقدر على الكفارة من ماله؛ أنَّ عليه أنْ يكفر واجباً؛ فإن كان فقيراً, فتصدق عليه بالكفارة؛ فهل له أن يأكلها كما جاء الحديث؟ أم كان ذلك مخصوصاً لذلك الرجل, وعليه أن يتصدق بذلك, ولا يجوز له أكله؟ على روايتين. فعلى هذا يجوز له أن يصرف هذه إلى نفسه, سواء كفر هو عن نفسه أو

стр. 278

كفر عنه غيره بإذنه, وهذا ظاهر الحديث؛ فإن الأعرابي أخبر النبي ﷺ أنه لا يجد ما يطعمه, ثم بعد هذا أمره النبي ﷺ أن يكفر بالعرق الذي جاءه, فعلم أن الكفارة لم تسقط عنه, وإنما كفر بإطعام ذلك العرق لنفسه وعياله. * فصل: ويجب العتق إذا وجد الرقبة أو ثمنها فاضلاً عن حوائجه الأصلية ؛ كما يستوفى إن شاء الله تعالى في موضعه. فإن كان عادمها وقت الوجوب, ثم وجدها قبل الصوم؛ فقال بعض أصحابنا: يلزمه العتق؛ لأن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالعتق, ولم يسأله عن حاله حين الجماع. . . . *الفصل الرابع: أن الكفارة تجب بالجماع في الفرج, سواء كان قبلاً أو دبراً, من ذكر أو أنثى, وسواء أنزل الماء أو لم ينزل؛ رواية واحدة. وكذلك إذا ولج في فرج بهيمة في المشهور عن أصحابنا, وحكاه أبو بكر عن أحمد في رواية ابن منصور. وخرَّج القاضي في الخلاف وأصحابه كالشريف وأبي الخطاب رواية أخرى: أنه لا كفارة عليه, من إحدى الروايتين في الحد بوطء البهيمة؛ تخريجاً للكفارة على الحد. فإن قلنا: فيه الحد؛ ففيه الكفارة, وإن قلنا: فيه التعزيز؛ فلا كفارة فيه. ومنهم من أوجب الكفارة قولاً واحداً, وإن لم يوجب الحد, وهو قول

стр. 279

القاضي في «المجرد»؛ لأن سبب وجوب الكفارة أوسع من سبب وجوب الحد؛ بدليل أنها تجب في الإِنزال عن الوطء دون الفرج, والحد ليس كذلك. ويفطر بالجماع في هذه المواضع قولاً واحداً, سواء أنزل أو لم ينزل؛ لأنه جماع يوجب الغسل, فأفسد الصوم, وأوجب الكفارة؛ كجماع المرأة. وسواء كان الوطء بعقد نكاح أو شبهه أو ملك يمين أو زنى. ذكره أصحابنا. ويتوجه في الزنى. . . وجماع الميتة. . . . أما المباشرة فيما دون الفرج بقبلة أو جسّ أو وطء دون الفرج أو غير ذلك بحيث يمس بدنه بدن امرأة لشهوة, إذا لم ينزل بها؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة. وفي «زاد المسافر» رواية حنبل: إذا غشي دون الفرج؛ فعليه القضاء والكفارة. وفي «التعليق»: فأنزل. وإن انزل الماء الأعظم؛ فسد صومه. رواية واحدة. وفي الكفارة فيه ثلاث روايات: إحداهن: لا كفارة عليه كما ذكره الشيخ: إذا لامس امرأته, فأنزل وأنزلت, يقضي يوماً مكانه. هذا لم يجامع, إنما لمس فأنزل. وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضاً. وظاهره أنه لم يجامع الجماع المعروف؛ لأن الوطء في الفرج يفارق غيره في ثبوت الإِحصان والإِحلال ووجوب الغسل بمجرده, والحد والمهر والعدة

стр. 280

والصهر اتفاقاً, وهو الاستمتاع التام, فلا يلزم من وجوب الكفارة فيه وجوبها فيما دونه. والثانية: عليه الكفارة. نقلها حنبل وأحمد بن إبراهيم الكوفي. وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن النبي ﷺ أفتى الأعرابي بوجوب الكفارة لما أخبره أنه أصاب امرأته, ولم يستفصله كما استفصل الذي أقر بما يوجب الحد, والاستمتاع أفسد الصوم فأوجب الكفارة كالوطء. فعلى هذا إذا لمس صبياً. . . . والثالثة: إن جامع دون الفرج, فانزل فعليه الكفارة. فأما المعانقة والقبلة المباشرة؛ فلا كفارة فيه. نقلها الأثرم. وقال في رواية حرب: الجماع في الفرج وغير الفرج سواء, إذا أنزل فعليه الكفارة. وهي اختيار قدماء الأصحاب كالخرقي وأبي بكر وابن موسى. والجماع دون الفرج أن يباشرها بفرجه في موضع من بدنها على أي وجهٍ كان فيما ذكره ابن عقيل, سواء أولج بين فخذيها ونحوها من بدنها أو لم يولج. وفرق أحمد بين المجامعة دون الفرج وبين المعانقة, وقال: هو جماع؛ لأن استمتاعه فيما دون الفرج جماع, فأشبه الإِيلاج في الفرج. [فأما إذا مس امرأته, فأنزل وأنزلت؛ يقضي يوماً مكانه. هذا لم يجامع, إنما لمس فأنزل, وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضاً, وظاهره أنه لم يجامع الجماع المعروف].

стр. 281

وإن استمنى بيده؛ فعليه القضاء دون الكفارة فيما ذكره أصحابنا, وفرَّق القاضي بينه وبين الإِنزال عن مباشرة أو نظر. وأما ابن عقيل؛ فخرجها على روايتين, وجعل النص على رواية التي تقول: لا يفطر بالإِنزال عن مباشرة, لا سيما إذا قلنا: الإِنزال عن دوام النظر يوجب الكفارة؛ فالاستمتاع أبلغ في إنزال الماء وتسكين الشهوة. والمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب في صائم وجد شهوة, فخشي أن يمذي, فجعل ينثر ذكره لكي يقطع المذي, فأدفق الماء الأعظم؛ فعليه القضاء دون الكفارة. وأخذ القاضي من هذا أن الاستمناء لا كفارة فيه. ويتوجه الفرق بين هذا وبين الاستمناء؛ فإن هذا لم يقصد إلا تكسير الذكر لئلا يخرج المذي؛ فأين هو ممن يستخرج المني؟ وكذلك لو حكَّ ذكره بشيء ناعم حتى أنزل؛ لأنه أنزل الماء الأعظم باختياره, ولأنه لم يستمتع. وإن أمذى بالمباشرة؛ فعليه القضاء دون الكفارة. نص عليه في رواية حنبل والأثرم. وربما ذكر بعض أصحابنا رواية حنبل: أن عليه القضاء والكفارة؛ لأنه جزء من المني يجري في مجاريه, ويخرج بأسبابه, وهو دونه؛ لأنه لم يكمل, ولا يحصل معه كمال لذة, فجعل فوق البول ودون المني؛ كما وجب به غسل الذكر والأنثيين, فأفسد الصوم ولم يوجب الكفارة. وكذلك إن أمذى بالعبث بذكره؛ فهو كما لو أمذى بالمباشرة. ذكره ابن أبي موسى.

стр. 282

وإن تساحقت امرأتان فأنزلتا؛ وجب القضاء. وفي الكفارة إذا كان عبثاً وجهان؛ كالروايتين فيمن باشر بالفرج فيما دونه. هذا قول ابن عقيل وغيره. وقال أبو محمد: يخرَّج الوجهان على أن جماع المرأة هل يوجب الكفارة؟ قال: وأصح الوجهين أنه لا كفارة عليهما؛ فإن أنزلت إحداهما؛ فحكمها كذلك. والمحبوب إذا ساحق النساء أو فاخذ الرجال فأنزل؛ فسد صومه. وفي الكفارة روايتان. فأما الخصي؛ فإنه بمجرد إيلاجه يفسد صومه وتجب الكفارة كما يجب عليه الحد. وأما النظر؛ فإن نظر الفجأة معفو عنها, فإن خرج منه الماء في عقبها؛ فلا شيء عليه. وإن تعمد النظر لشهوة؛ لم يحل له, وإن أنزل بذلك: فقال أبو بكر والقاضي وأصحابه مثل الشريف وأبي الخطاب وغيرهما: يفسد صومه ولا كفارة عليه, وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل في رجل نظر إلى امرأته في شهر رمضان لشهوة, فأمنى من غير أن يكون أحدث حدثاً غير ذلك؛ فعليه القضاء ولا كفارة؛ إلا أن يكون قبل أو لمس أو عمل عملاً يدعو إلى أنْ جاء الماء الدافق, فتجب عليه الكفارة. وقال الخرقي وابن أبي موسى وأبو محمد: إذا كرر النزر فأنزل؛ فعليه القضاء بلا كفارة. وكذلك ذكر القاضي في «المجرد» أنه لا يفسد صومه إلا إذا كرر النظر, فأما إن نظر ثم صرف بصره في الحال؛ فصومه صحيح, ويتخرَّج

стр. 283

على الحج. قال: لأنه أنزل بسبب لا يأثم فيه. فإن كرر النظر فأمنى؛ لزمه القضاء رواية واحدة؛ لأنه أنزل باستمتاع محرم, فأشبه الإِنزال بالمباشرة, وذلك لأن استدامة النظر تحت قدرته. ٢٨٣ - قال جرير عن عبد الله البجلي: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك». ٢٨٤ - وعن علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ قال له: «يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية».

стр. 284

وفي وجوب الكفارة روايتان منصوصتان: إحداهما: تجب عليه. وهو اختيار ابن عقيل؛ لأنه أنزل باستمتاع محرم, فأشبه الإِنزال عن الملامسة. والثانية: لا تجب عليه الكفارة, وهي اختيار أكثر أصحابنا. وإن أمذى بنظر؛ فقال أبو بكر وأبو حفص البرمكي: يفطر ولا كفارة عليه. وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلامه أنه لا يفطر بذلك. وعلى الأول: هل يفطر بمطلق النظر المتعمد أم بالمستدام المتكرر؟ على وجهين. وأما إن تفكر في شيء حتى أنزل؛ فقال أحمد في رواية أبي طالب في

стр. 285

محرم نظر فأمنى؟ قال: عليه دم. قيل له: فإن ذكر شيئاً فأمنى؟ قال: لا ينبغي أن يذكر شيئاً. قيل: فوقع في قلبه شيء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء. فعلى هذا: إن غلبه الفكر لم يفطر؛ لأنه يصير كالإِنزال بالاحتلام, وهو لا يفطر إجماعاً؛ فإنه لا يدخل تحت قدرته. وأما إن استدعاه أو قدر على دفعه عن قلبه فلم يفعل؛ ففيه وجهان: أحدهما: لا يفطر, وهو قول ابن أبي موسى, وذكر أن أحمد أومأ إليه والقاضي وأكثر أصحابه؛ بناءً على أنه من جنس ما لا يملك صرفه عن نفسه. والثاني: يفطر, وهو قول أبي حفص البرمكي وابن عقيل. حتى قال أبو حفص: من تفكر في شهوة, فأمذى, ليس عن أبي عبد الله فطور, ولكن يجيء والله أعلم أن يفسد صومه. وذكر ابن عقيل أن كلام أحمد يقتضيه؛ لأنه نهاه عن أن يذكر ذلك؛ لأن هذا إفطار بسبب من جهته, داخل تحت قدرته؛ فهو كالإِنزال بإدامة النظر؛ فإن التفكر يؤمر به تارة وينهى عنه أخرى؛ كما في الحديث. ٢٨٥ - «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله».
следующие страницы →