Полный текст (824 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
نزع:
قال ابن أبي موسى: لم يتحرك بغير انتزاعه, ولم يتيقن أنه استدام الجماع بعد طلوعه.
ففي هذه المواضع لم يوجد منه استدامة الجماع بعد طلوع الفجر وبعد استيقانه طلوع الفجر, وإنما وجد النزع.
فقال ابن أبي موسى: عليه القضاء قولاً واحداً, وفي الكفارة عنه خلاف.
وخرَّجها القاضي على وجهين بناء على الروايتين في النزع: هل هو وطء أم لا؟ وفيه روايتان.
نص عليهما فيمن قال لامرأته: إن وطأتك؛ فأنت عليَّ كظهر أمي, ومثله: إن وطأتك؛ فأنت طالق ثلاثاً: هل يجوز له وطأها؟ على روايتين؛ لأن النزع يقع بعد انعقاد الظهار والطلاق.
ولو حلف وهو مجامع: لا وطئتك, فنزع في الحال؛ لم يحنث؛ لأنه إنما يحلف على ترك ما يقدر عليه, ولأن مفهوم يمينه لا استدمت الجماع. . .
إحداهما: هو جماع فعليه القضاء والكفارة.
قاله ابن حامد والقاضي وأصحابه مثل الشريف وأبي جعفر وابن عقيل في «الفصول» , وقد قال أحمد في رواية حنبل: إذا كان واطئاً, فطلع الفجر؛ نزع وعليه القضاء والكفارة.
لأن النزع جماع؛ بدليل أنه يلتذ بالإِيلاج والانتزاع.
نعم؛ هو معذور في هذا الجماع؛ فإنه لا يقدر على ترك الجماع إلا بالنزع, فيكون بمنزلة من استدام الجماع بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم.
стр. 317
والثاني: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وهو اختيار أبي حفص العكبري وابن عقيل في «خلافه».
وهذا ينبني على أصلين:
أحدهما: أن النزع ليس بجماع, بل هو ترك كخلع القميص والخروج من الدار.
والثاني: أنه وإن كان جماعاً, لكنه مغلوب عليه؛ فلا تجب عليه الكفارة على إحدى الروايتين, وكما لو أوجب الله عليه في هذه الحال أن يترك الجماع؛ فإن تركه إنما يجب بطلوع الفجر.
وعلى هذا: لو أولج في جزء من الليل, وهو يتيقن أن الفجر يطلع عليه وهو مولج, ونزع عقب طلوعه, وتصور ذلك؛ وجبت عليه الكفارة على مقتضى كلام ابن عقيل, وهو بمنزلة المقهورة على الوطء, وتلك لا تجب عليها الكفارة في ظاهر المذهب؛ لأنه تعمد أن يفعل النزع في نهار رمضان.
وعلى المأخذ الأول: لا كفارة عليه؛ كالمتعمد أن ينزع في فرج المطلقة والمظاهر منها.
وعلى الرواية التي ذكرها ابن أبي موسى: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأن النزع جماع هو فيه معذور, فيجب القضاء دون الكفارة؛ كالرواية فيمن جامع يظنه ليلاً, فتبين أنه نهاراً.
فعلى هذه الرواية: إن تعمد الإِيلاج في وقت يتيقن أن الفجر يطلع عليه فيه؛ لزمته الكفارة.
стр. 318
* فصل:
ولو احتلم الصائم في النهار في المنام ؛ لم يفطر.
وإن أصبح جنباً من احتلام أو جماع؛ فصومه صحيح, لكن عليه أن يغتسل ويصلي؛ فإن لم يفعل؛ فعليه إثم ترك الصلاة, وصومه صحيح, وكذلك المرأة إذا طهرت قبل الفجر.
نص على ذلك كله, وأنكر على من خالفه, وذلك لقوله سبحانه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] , فأباح المباشرة, وهي الجماع إلى أن يبين الفجر, ومعلوم أن من جامع إلى ذلك الوقت؛ فإنه يصبح جنباً.
٢٩٦ - وعن عائشة وأم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ : «كان يصبح جنباً من غير احتلام, ثم يصوم في رمضان». رواه الجماعة إلا النسائي.
٢٩٧ - وعن عائشة: أن رجلاً قال: يا رسول الله! تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم». فقال: لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله؛ إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». رواه مسلم وغيره.
стр. 319
مسألة:
ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر؛ فليس عليه غيره, وإن فرط؛ أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً .
في هذا الكلام فصلان:
أحدهما: أنه يجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان, وهو مؤقت بين الرمضانين, يقضي متى شاء, إلى أن يدخل شهر رمضان, وسواء كان قد أفطر لعذر أو لغير عذر فيما ذكره أصحابنا.
٢٩٨ - لما روي عن عائشة؛ قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان, فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان, وذلك لمكان رسول الله ﷺ ». رواه الجماعة.
وذلك لأن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان فكانت تقضيه في شعبان.
قال أبو عبد الله: يقضي رمضان كيف شاء, إن شاء متوالياً, وإن شاء متفرقاً, كيف تيسر, ليس هو محدود, إنما هو دين.
ويستحب أن يقضي رمضان متتابعاً, إن كان فاته متتابعاً, وإن فاته متفرقاً. . . .
стр. 320
وإن قضاه مفرقاً؛ جاز ولم يكره.
وعنه: هما سواء؛ لقوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] , ولم يقيدها بالتتابع, فيجب أن تحمل على الإِطلاق؛ كالمطلقة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٢٩٩ - قال أحمد: قال ابن عباس في قضاء شهر رمضان: «صم كيف شئت, قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾».
ولأنه يريد اليسر بعباده, وقد يكون التفريق أيسر.
٣٠٠ - قال مجاهد في الرجل يكون عليه صيام من رمضان أيفرق صيامه أو يصله؟ فقال: «إن الله أراد بعباده اليسر؛ فلينظر أيسر ذلك عليه, إن شاء وصله, وإن شاء فرقه».
ولأنه اعتبر إكمال العدة فقط, وإكمال العدة يحصل بالتقطيع والصلة.
٣٠١ - فإن قيل: فقد روى مالك, عن حميد بن قيس؛ قال: «كنت أطوف مع مجاهد, فجاءه إنسان يسأله عن صيام من أفطر في رمضان: أيتابع؟ فقلت: لا. فضرب مجاهد في صدري, ثم قال: إنها في قراءة أبي بن كعب متتابعات».
стр. 321
والقراءة الشاذة تجري مجرى الخبر الواحد.
٣٠٢ - كقراءة عبد الله (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
قيل: هذا الحرف منسوخ تلاوته وحكمه.
٣٠٣ - بدليل ما روي عن عائشة؛ قالت: «نزلت (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ) , فسقطت متتابعات». رواه عبد الرزاق والدارقطني, وقال: إسناد صحيح.
وأن مجاهداً قد صح عنه من غير وجه: أنه يجيز التفريق ويخبر بذلك عن جميع أهل مكة, وهو راوي هذا الحرف, فعلم أنه منسوخ.
стр. 322
عن عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق وإن شاء تابع». رواه الدارقطني, وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر.
٣٠٥ - وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ مثله.
стр. 323
٣٠٦ - وعن محمد بن المنكدر؛ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سُئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال: «ذاك إليك, أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر». رواه الدارقطني, وقال: إسناد حسن؛ إلا أنه مرسل.
٣٠٧ - وعن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ عن تقطيع صيام شهر رمضان؟ فقال: «أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضي الدرهم والدرهمين حتى يقضي, هل كان ذلك قضاء دينه (أو: قاضيه)؟». قالوا: نعم. رواه الدارقطني.
ولأنه إجماع الصحابة.
٣٠٨ - فروى الدارقطني عن أبي عبيدة بن الجراح أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقاً؟ فقال: «أحص وصم كيف شئت».
стр. 324
٣٠٩ - وعن معاذ بن جبل؛ قال: «أحص العدة واصنع كيف شئت».
٣١٠ - وعن عمرو بن العاص؛ أنه قال: «فرق قضاء رمضان, إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾».
٣١١ - وعن رافع بن خديج: أنه كان يقول: «أحص العدة وصم كيف شئت».
٣١٢ - ٣١٣ - وعن ابن عباس وأبي هريرة؛ قالا: «لا بأس بقضاء رمضان متفرقاً».
٣١٤ - وروى سعيد عن أنس بن مالك: أنه سُئل عن قضاء رمضان؟
стр. 325
فقال: «إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ فإذا أحصى العدة؛ فلا بأس بالتفريق».
٣١٥ - وعن مجاهد؛ قال: «أما نحن أهل مكة: فلا نرى بالتفريق بأساً».
وهذه الآثار تعضد الأحاديث المتقدمة وتجعلها حجة عند من لا يقول بالمرسل المجرد.
٣١٦ - وقد روي عن سالم عن ابن عمر: أنه كان يقول: «صمه كما أفطرته».
٣١٧ - ٣١٨ - وعن ابن عباس: أنه كان لا يرى بالتفريق بأساً, وكان ابن عمر يقضيه متتابعاً.
٣١٩ - وعن الحارث عن علي؛ قال: «من كان عليه صوم من رمضان؛ فليقضه متصلاً ولا يفرقه».
стр. 326
وهذا محمول على الاستحباب؛ لأنه قد تقدم عن ابن عمر خلاف ذلك.
وأيضاً؛ فإن القضاء لا يزيد على الأداء, وفعل الصوم أداء لا تجب فيه الموالاة؛ فإنه لو أفطر أثناء الشهر لعذر أو غيره؛ بنى على صومه وقضى ما أفطره؛ إذا لم يشترط الموالاة في الأصل؛ ففي البدل أولى.
نعم؛ لما كان صوم الشهر واجباً وأيامه متوالية؛ وجبت الموالاة للفعل تبعاً للموالاة في الوقت؛ فإذا فات الوقت؛ سقطت الموالاة الواجبة فيه. . . .
ولأن الصوم وإن وجب جملة؛ فهو دين في الذمة, وقضاء الدين يجزئ متتابعاً. . . , ولأنه إذا جاز تأخيره كله إلى شعبان؛ فتأخير بعضه أولى.
الفصل الثاني: أنه ليس له أن يؤخره إلى رمضان آخر إلا لعذر؛ مثل أن يمتد به المرض أو السفر إلى أن يدخل الرمضان الثاني.
فإن أخره إليه لعذر؛ صام رمضان الذي أدركه, وقضى الرمضان الذي فاته بعده, ولا شيء عليه.
قال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان من مرض أو علة, ثم صحَّ ولم يقض حتى جاء رمضان آخر؟ قال: يصوم هذا اليوم الذي جاء, ويقضي الذي ترك, ويطعم لكل يوم مسكيناً. قلت: مُدّاً؟ قال: نعم.
قال القاضي: نص عليه في رواية الأثرم والمروذي وحنبل.
стр. 327
وإن امتدَّ العذر إلى آخر الرمضان الثاني؛ صام. . . .
وإن أخره إلى الثاني لغير عذر؛ أتمَّ وعليه أن يصوم الذي أدركه ثم يقضي الأول ويطعم لكل يوم مسكيناً.
وقيل: له أن يؤخره إلى الرمضان الثالث هنا. . . .
وذلك لما احتج به أحمد.
قال في رواية المروذي في الرجل يلحقه شهر رمضان وعليه شهر رمضان قبله: إن كان فرَّط؛ أطعم عن كل يوم مسكيناً, وإن كان لم يفرط؛ صام الذي أدركه وقضى بعدد ما عليه.
٣٢٠ - رواه عن الحكم, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس.
٣٢١ - وعن أبي الخليل, عن عطاء, عن أبي هريرة.
٣٢٢ - وقيس بن سعد, عن عطاء, عن أبي هريرة.
٣٢٣ - وقد روى الدارقطني عن ابن عمر: أنه كان يقول: «من أدركه رمضان وعليه من رمضان شيء؛ فليطعم مكان كل يوم مسكيناً مدّاً من حنطة».
стр. 328
٣٢٤ - وعن مجاهد, عن ابن عباس؛ قال: «من فرّط في صيام شهر رمضان حتى يدركه رمضان آخر؛ فليصم هذا الذي أدركه, ثم ليصم ما فاته, ويطعم مكان كل يوم مسكيناً».
٣٢٥ - وعن مجاهد, عن أبي هريرة؛ فيمن فرط في قضاء حتى أدركه رمضان آخر؛ قال: «يصوم هذا مع الناس, ويصوم الذي فرط فيه, ويطعم
стр. 329
لكل يوم مسكيناً».
٣٢٦ - ورواه الدارقطني, عن عطاء, عن أبي هريرة, وقال: إسناد صحيح موقوف.
٣٢٧ - ورواه مرفوعاً من وجهٍ غير مرضي.
٣٢٨ - وقد ذكر يحيى بن أكثم: أنه وجد في هذه المسألة الإِطعام عن ستة من الصحابة لم يعلم لهم منهم مخالفاً, ولأن قضاء الرمضان مؤقت بما بين الرمضانين:
لوجوه:
٣٢٩ - أحدها: ما رواه أحمد: عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ : أنه قال: «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يتقبل منه».
стр. 330
لأن العبادات إما أن تجب مؤقتة أو على الفور؛ فإنها لا تكون على التراخي عندنا؛ كما نذكر إن شاء الله في الحج, فلما لم يجب قضاء رمضان على الفور؛ علم أنه مؤقت.
وبهذا يتبين أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لولا حديث عائشة؛ لحُمل على الفور, وحديث عائشة إنما أفاد جواز التأخير إلى شعبان, وما زاد على ذلك؛ لا يعلم جواز التأخير فيه, ومطلق [الأمر] يقتضيه.
وقد احتج أصحابنا بأن عائشة ذكرت أنها كانت تقضيه في شعبان؛ لبيان تضييق وقته في شعبان, وأنها كانت تؤخره إلى آخر وقته, فعُلِم أن وقت القضاء كان محصوراً, وأنها إنما أخرت القضاء شغلاً برسول الله ﷺ , وشعبان وغيره في الشغل سواء, فلولا تضيّق الوقت؛ لأخّرته.
لكن يقال: إنما أخرته إلى شعبان؛ لأن رسول الله ﷺ كان يصوم في شعبان, فتتمكن من الصوم معه.
وكذلك سياق الحديث يدل على ذلك.
الثاني: أن الصوم قد وُسِّع وقته على المسافر والمريض, فهو بالخيرة بين أن يصوم فيه أو فيما بعده, وضيق على الصحيح المقيم.
والعبادة الموسعة يخرج وقتها بدخول وقت مثلها؛ بدليل الصلاة.
٣٣٠ - قال ﷺ : «ليس في النوم تفريط, إنما التفريط في اليقظة: أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى».
стр. 331
فإذا كان هذا في الصلاة؛ فهو في الصوم أولى؛ لأن وقت الصلاة الثانية يتسع للصلاتين, ووقت الصوم الثاني لا يتسع لهما.
ولأن الصوم قد استقر في ذمته أعظم من استقرار الصلاة بأول الوقت.
الثالث: أنه إذا أخره إلى الرمضان الثاني عمداً؛ فقد أخره إلى وقت لا يمكنه فعله فيه, ويجوز أن يدرك ما بعد رمضان, ويجوز أن لا يُدركه, فأشبه تأخير الحج من عام وجوبه إلى العام الذي يليه.
الرابع: أنه إذا أخره إلى رمضان الثاني؛ فإنه يلزمه أن يبدأ بالحاضر قبل الفائت, والعبادات المؤقتة من جنس واحد يجب أن يبدأ بأولها فأولها وجوباً كالصلاتين المجموعتين والفائتتين والجمرات إذا أخَّر رميها اليوم الثالث.
الخامس: أن الصحابة ﵃ سمَّوه مفرطاً كما تقدم.
والتفريط إنما يكون فيمن أخرها عن وقتها.
وإذا ثبت أنه مؤقت؛ فقد ترك الصوم الواجب في وقته على وجه لا يوجب القضاء, فأوجب الفدية؛ كالشيخ الكبير والعجوز إذا تركا الصوم.
ومعنى قولنا: «لا يوجب القضاء»: أنه لا يجب عليه صوم بترك الصوم بين الرمضانين, وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من أفطر عمداً؛ فإن نفس ذلك الترك أوجب القضاء فلا يوجب غيره.
стр. 332
وفوات العين لا سبيل إلى جبرها أصلاً, وهنا الفطر في رمضان أوجب من القضاء, والصوم الواجب بين الرمضانين لا بد له من بدل.
فإن قيل: فهلَاّ أوجب صوم يوم آخر.
قيل. . . .
ولأنها عبادة لا تفعل في العام إلا مرة.
* مسألة:
وأما إذا أخر القضاء لعذر ؛ فإنه لم يجب عليه قضاؤه بين الرمضانين لوجود العذر, والصوم باقٍ في ذمته, فلا يجب عليه أكثر منه.
٣٣١ - فإن قيل: فقد روى سعيد, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس: أنه كان يقول فيمن مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتى جاء رمضان آخر؛ قال: «يطعم للأول ويصوم للثاني, فإن كان صح بينهما أو فرط في صيامه؛ صام هذا الذي أدرك, وأطعم للأول وصامه أيضاً».
وعن أبي هريرة وابن عباس نحوه.
ولأنه قد فوت للعجز عنه على وجه لا يوجب عليه القضاء, فلم يكن عليه إلا الفدية؛ كالشيخ الكبير.
قيل: قد تقدم عن أحمد أنه ذكر عنهما خلاف ذلك, ولأن القضاء قد وجب في ذمته, وفوات وقته لا يقتضي سقوطه كفوات وقت الأداء.
стр. 333
* فصل:
فإن كان قد أمكنه قضاء بعض ما فاته دون بعض ؛ لزمه الإِطعام عن قدر ما أمكنه قضاؤه؛ لأنه هو الذي فرط فيه, فلم يلزمه إلا فديته؛ كما لو أفطر في رمضان أياماً؛ لم يلزمه إلا قضاؤها, والإِطعام قبل القضاء. . . .
* مسألة:
فإن أخره إلى رمضان ثالث ؛ لم يلزمه أكثر من كفارة أخرى, مع الإِثم:
لأنه قد لزمه كفارة بتأخيره عن وقته, فلم يلزمه كفارة أخرى بزيادة التأخير؛ كمل لو أخَّر قضاء الحج من عام إلى عام.
ولأن وقت القضائين رمضان الأول ورمضان الذي يليه, فإذا فات وقته؛ لم يبق للقضاء وقت محصور؛ فلا شيء بتأخيره.
فإن لم يفرط حتى أدركه الرمضان الثاني, ثم قدر على القضاء, ففرط فيه حتى دخل الرمضان الثالث؛ فهنا ينبغي أن تلزمه الكفارة.
* فصل:
ومن عليه قضاء رمضان, لا يجوز أن يصوم تطوعاً .
وكذلك مَنْ عليه صوم واجب غير القضاء يجب أن يبدأ به قبل التطوع, فإن اجتمع عليه كفارة وقضاء أو نذر. . . .
стр. 334
وعلى هذا؛ فلا يكره قضاء رمضان في العشر, بل لا يجوز له أن يصوم فيه التطوع قبل القضاء. هذا إحدى الروايتين.
قال أحمد في رواية حنبل: يقضي رمضان في العشر.
لأنه لا يجوز له أن يصوم تطوعاً [وعليه] فرض, فيقضي رمضان كيف شاء إلا يوم الفطر والأضحى.
وإذا نذر أن يصوم وعليه أيام من رمضان؛ يبدأ بالفرض قبل التطوع.
وإذا كان عليه نذر؛ صامه بعد الفرض.
قال أحمد: رواية ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يقبل منه».
ورواه في «المسند»؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يتقبل منه حتى يصومه».
والفتيا المذكورة فيما بعد عن أبي هريرة تؤيد هذا المسند, واحتجاج أحمد به يدل على أنه من جيد حديث ابن لهيعة.
٣٣٢ - ولأن في وصية أبي بكر لعمر ﵄: «اعلم أنه لا تقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة».
стр. 335
٣٣٣ - وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ ؛ كما تقدم في الصلاة. لأنها عبادة [لا] يدخل في جبرانها المال فلم يصح التطوع بها ممن عليه فرضها؛ كالحج.
ولأنه إنما جاز له تأخير القضاء رفقاَ به وتخفيفاً عنه؛ فلم يجز له أن يشتغل عنه بغيره كالأداء؛ فإنه لو أراد المسافر أن يصوم في رمضان عن غيره؛ لم يجز له ذلك.
стр. 336
فعلى هذا: إذا اجتمع عليه نذر مطلق وقضاء رمضان؛ بدأ بقضاء رمضان. نص عليه لأن وجوبه آكد.
ولهذا يبدأ بقضاء الحجة الفاسدة قبل النذر.
ونقل عنه أبو الحارث: إذا نذر صيام أيام, وعليه من صوم رمضان؛ بدأ بالنذر.
وحمل ذلك القاضي وابن عقيل وغيرهما على أن الأيام المنذورة معينة.
ويتوجه: أن يقر على ظاهره؛ لأن وفاء النذر يجب على الفور, وقضاء رمضان مؤقت بما بين الرمضانين؛ فأشبه ما لو دخل عليه الزوال وعليه صلاة منذورة.
والثانية: يجوز أن يتطوع قبل القضاء.
لأن عائشة أخبرت أنها كانت تقضي رمضان في شعبان, ويبعد أن لا تكون تطوعت بيوم, مع أن النبي ﷺ كان يصوم حتى يقال: لا يفطر, ويفطر حتى يقال: لا يصوم, وكان يصوم يوم عرفة وعاشوراء, وكان يكثر صوم الاثنين والخميس, وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
ولأن القضاء مؤقت, فجاز التنفل قبل خروج وقته؛ كما يجوز التنفل أول وقت المكتوبة؛ بخلاف قضاء الصلاة؛ فإنه على الفور, وكذلك الحج هو على الفور.
ثم الحج لا يمكنه الخروج من نفله, وليس لبعض الأعوام على بعض مزية, ولا يعود إلى العام المقبل؛ بخلاف التطوع.
فعلى هذا: هل يكره رمضان فيه؟ على روايتين.
الأولى: يكره.
стр. 337
قال أحمد في رواية أبي طالب: لا يقضي رمضان في العشر.
٣٣٤ - يروى عن علي: «لا يقضى رمضان في العشر؛ لأنها عبادة».
٣٣٥ - وقد روى سعيد عن الحارث عن علي: «من كان عليه صوم من رمضان؛ فليقضه متصلاً, ولا يفرقه, ولا يصوم في ذي الحجة؛ فإنه شهر نسك».
٣٣٦ - وعن الحسن عن علي؛ قال: «كره قضاء رمضان في العشر».
ولأن صوم هذه الأيام بمنزلة السنن والرواتب, فكره تفويتها بالفرض الذي لا يخاف فوته؛ كما لو صلى الفجر والظهر قبل سننهما.
والثانية: لا يكره.
قال حرب: قيل لأحمد: يُقضى رمضان في العشر؟ فقال: «يُروى عن علي كراهته». وكان أحمد يسهل فيه.
وتسهيله فيه يقتضي جوازه لا المنع من غيره؛ فإنه لو منع من غيره؛ لأوجب تقديمه.
٣٣٧ - لما روى عن عثمان بن عبد الله بن موهب؛ قال: «سأل أبي هريرة رجل, فقال: إني كنت أصوم هذه الأيام أيام العشر (يعني: ذي الحجة) , وإني
стр. 338
مرضت في رمضان, وعليَّ أيام من رمضان, أفأصوم هذه الأيام؟ قال: ابدأ بحق الله عليك». رواه سعيد.
٣٣٨ - وتقدم عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر.
والأوجه: أن يجوز صومهما تطوعاً وقضاءً, والتطوع أفضل؛ كالسنن الراتبة في أول وقت الصلاة.
ومن أصحابنا مَنْ بنى الروايتين في كراهة قضاء رمضان في العشر على الروايتين في وجوب تقديم القضاء على النفل.
فإن قلنا: يجب تقديم القضاء؛ لم يكره قضاؤه في العشر.
وإن قلنا: لا يجب تقديم القضاء؛ كره قضاؤه في العشر.
والطريقة التي ذكرناها أصوب؛ كما دل عليه كلام أحمد وأصوله, وهو أنَّا إذا قلنا يجوز التطوع قبل القضاء؛ ففي كراهة قضاء رمضان فيه روايتان.
стр. 339
وإذا قلنا: يجوز التطوع قبل القضاء؛ فلا معنى لكراهة القضاء فيه.
مسألة:
وإن ترك القضاء حتى مات لعذر؛ فلا شيء عليه, وإن كان لغير عذر؛ أطعم عنه لكل يوم مسكيناً؛ إلا أن يكون الصوم منذوراً؛ فإنه يصام عنه, وكذلك كل نذر طاعة .
في هذا الكلام مسائل:
المسألة الأولى: من استمر به العذر من سفر أو مرض حتى مات قبل إدراك رمضان الثاني أو بعده؛ فإنه لا شيء عليه من قضاء ولا كفارة.
قال في رواية المروذي فيمن صام من رمضان خمسة عشر يوماً ثم مرض فعاش شهرين ومات: أطعم عنه كل يوم مسكيناً, وإن مات في مرضه؛ فلا شيء عليه».
وقال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان في السفر, أو مرض, فلم يقضه, فمات؟ قال: إذا توانى في ذلك؛ يطعم عنه؛ إلا أن يكون من نذر. قلت: فإن كان من نذر؟ قال: يصام عنه. قال: أقرب الناس إليه أو غيره؟ قال: نعم.
وقال في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر به المرض حتى مات؛ فليس عليه شيء, وإن كان نذر؛ صام عنه وليه إذا هو مات.
وقد أطلق في رواية الأثرم: إذا مات وعليه نذر؛ يصام عنه, ولو مات وعليه
стр. 340
صوم رمضان؛ يطعم عنه.
لأنه لم يجب عليه الصوم قضاءً ولا أداءً, فلم تجب عليه الكفارة, كالمجنون والصبي. فإن قيل: فالمريض الذي لا يرجى برؤه قد أوجبتم عليه الكفارة, وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنزلته.
ثم الوجوب في الذمة لا يشترط فيه التمكن من الفعل كالصلاة والزكاة؛ فإذا استقر وجوب الصلاة والزكاة أيضاً في الذمة قبل التمكن؛ فكذلك الصوم أولى, وإذا استقر في ذمته؛ فلا بد من الكفارة بدلاً عن ذلك الواجب.
قلنا: المريض الميئوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل, ولهذا لم يجب الصوم في ذمته, ولا يجب عليه القضاء البتًّة, ولا بد من البدل, وهو الفدية.
وأما المريض المرجو والمسافر؛ فهما عازمان على القضاء بشرط القدرة, فلا يجمع عليهما واجبان على سبيل البدل. . . .
وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكن؛ فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقر الوجوب في ذمته, لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكن معناها إيجاب القضاء عند التمكن, فأما إذا لم يتمكن من القضاء؛ فإنه يموت غير آثم بلا تردد.
كما لو حاضت في أثناء الوقت وماتت قبل الطهر, أو تلف النصاب قبل التمكن من الإِخراج, وليس له ما يخرج غيره, ومات قبل اليسار, ونحو ذلك.
وذلك لأن تكليف ما [لا] يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في
стр. 341
الشرائع, فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل, وأما مع انتفائهما؛ فمحال.
المسألة الثانية: إذا فرط في القضاء حتى مات قبل أن يدركه الرمضان الثاني؛ فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين.
وهل يأثم ويكون هذا الإِطعام بمنزلة ما لو مات ولم يحج؛ لقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] , وهذا قد أطاق الصوم ولم يصمه أداءً ولا قضاءً, فتجب عليه الفدية بظاهر الآية؟
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ , بعد قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ , فيفيد ذلك أنه يَعمُّ منْ أطاق الصوم في رمضان وأفطر, ومَنْ أطاق الصوم في أيام أخر فلم يصم.
ثم نسخ الأول يوجب نسخ الثاني؛ لأنه إنما نسخ التخيير, أما وجوب الفدية مع الفطر الذي لا قضاء فيه, فلم يُنسخ البتَّة.
٣٣٩ - لما روى أشعث, عن محمد, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام شهر رمضان؛ فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً». رواه ابن ماجه والترمذي وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه, والصحيح عن ابن عمر موقوف. قال: وأشعث هو ابن سوَّار, ومحمد هو ابن أبي ليلى.
стр. 342
ورواه الأثرم وأبو بكر, [كلاهما عن قتيبة, عن عمر بن القاسم, عن أشعث].
٣٤٠ - وعن عبد العزيز بن رفيع, عن عمرة امرأة منهم؛ قال: توفيت أمها وعليها أيام من رمضان, فسألت عائشة رحمها الله أن تقضيه عنها؟ قالت: «لا؛ بل أطعمي مكان كل يوم مسكيناً». رواه سعيد.
٣٤١ - وعن ميمون بن مهران: أن ابن عباس سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان؛ فيطعم عنه, وأما النذر؛ فيصام عنه». رواه أبو بكر.
стр. 343
٣٤٢ - ٣٤٣ - وعن ابن عباس وابن عمر مثله.
ولا يُعرف لهم في الصحابة مخالف.
٣٤٤ - وعن ابن عباس؛ قال: «إذا مرض الرجل في رمضان, ثم مات ولم يصم؛ أُطعِم عنه, ولم يكن عليه قضاء, وإن نذر؛ قضى عنه وليه». رواه أبو داوود.
ولأنه قد وجب القضاء في ذمته, واشترطت له الفدية في المال؛ فإذا قدر عليه لم يكن بدٌّ من إيجاب الفدية؛ لأن الصوم الواجب لا يخلو من فعله أو فعل الفدية.
فإن قيل: قضاء رمضان موسَّع, والعبادة الموسعة إذا مات في أثناء وقتها؛ لم يكن آثماً؛ بدليل الصلاة, ومنْ لا إثم عليه؛ لا فدية عليه.
قلنا: نعم؛ إذا لم يغلب على ظنه الموت قبل القضاء؛ لم يأثم, وإن غلب على ظنه الموت قبله؛ أثم؛ كما قلنا في الصلاة, لكن الفدية تجب بدون الإِثم؛ كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه؛ لأنه بدل عن الصوم الواجب.
وإنما كان البدل هو الإِطعام؛ لما ذكرنا من الآية والحديث وإجماع
стр. 344
الصحابة.
٣٤٥ - فإن هؤلاء الذين قالوا: يطعم عنه, هم الذين رووا عن النبي ﷺ : «إن الولي يصوم عنه مولِّيه» , وبينوا أنما هو النذر كما سيأتي.
ولأن الصوم المفروض قد جعل الله له بدلاً في الحياة, وهو الإِطعام, فوجب أن يكون له بدلاً بعد الموت مثل بدله في الحياة؛ كسائر الفرائض.
فإن معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت, ولهذا لمَّا كان البدل في الحج عن المعضوب أن يحج عنه غيره؛ كان البدل في الميت أن يحج عنه غيره.
ولأن إيجاب الله إنما هو ابتلاء وامتحان للمكلف, وهو المخاطب بهذا الفرض, وكل ما كان أقرب إليه؛ كان أحق بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه.
فإذا كان قادراً ببدنه؛ لم يجز أداؤه بماله, وإذا كان قادراً بماله؛ لم يجز أداؤه ببدن غيره؛ لأن ماله أحق بأداء الفرض منه منْ بدن غيره.
فلو جاز أن يصوم عنه الولي؛ لكان قد أدى الفرض ببدن غيره دون ماله. . . .
ولأن الله قد أوجب عليه الصوم, والولي لا يوجب عليه شيئاً يكله إلى غيره, وإذا أوجبنا من ماله؛ كان ديناً في التركة.
فعلى هذا: إن كان له تركة؛ أطعم عنه تركته, فإن أطعم رجل عنه من
стр. 345
غير ماله بإذن الولي أو بغير إذنه, أو لم يكن له مال, فتبرع رجل بالإِطعام عنه. . . .
فإن لم يكن له تركة, فأحب أحد أن يصوم عنه, فقال القاضي: لا يجزئ الصوم عنه, ويحتمل كلام أحمد أنه يجزئ؛ لأنه سمَّاه ديناً.
* فصل:
فإن فرط حتى أدركه رمضان الثاني قبل أن يصوم, ومات في أثناء ذلك الرمضان أو بعده قبل أن يصوم:
فقال القاضي في «المجرد» وأصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب: يطعم عنه لكل يوم مسكيناً؛ لأنه قد وجب عليه القضاء والكفارة لو عاش؛ فإذا مات قبل القضاء؛ لزمه عنه كفارتان: كفارة لتأخير القضاء, وكفارة لتفويته.
ولا فرق على هذا بين أن يفوت بين وقت القضاء برمضان واحد أو رمضانات.
والمنصوص عن أحمد: أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة؛ لأنه لا يجب في اليوم الواحد بدلان من جنس واحد؛ كما لم يجب في شيء من الأيام صوم يومين, ولأنه إذا أدرك رمضان الثاني؛ فإنما وجبت عليه الكفارة لترك القضاء في وقته, وهذا بعينه هو المقتضي لوجوب الكفارة بالموت, وإذا كان السببان من جنس واحد؛ تداخل موجبهما.
المسألة الثالثة: أن الصوم المنذور إذا مات قبل فعله؛ فإنه يصام عنه, بخلاف صوم رمضان وصوم الكفارة, وسواء كان معيناً أو مطلقاً.
هذا منصوص أحمد في غير موضع, وهو قول عامة أصحابه.
стр. 346
وقال ابن عقيل: عندي أن الصوم لا يفعل عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة للعجز؛ فكذلك بعد الموت؛ كالصلاة, وعكسه الحج.
٣٤٦ - لما روى سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر, أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟». قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك». رواه الجماعة إلا أبا داوود.
٣٤٧ - وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي: أن امرأة ركبت البحر, فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهراً, فأنجاها الله, فلم تصم حتى ماتت, فجاءت قرابة لها إلى رسول الله ﷺ , فذكرت ذلك, فقال: «صومي عنها».
٣٤٨ - وفي رواية ابن ماجه والترمذي؛ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ , فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: «أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه؟». قالت: نعم. قال: «فحق الله أحق». قال الترمذي: حديث حسن.
стр. 347
٣٤٩ - وفي رواية متفق عليها: جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر, أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت تقضيه عنها؟». قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى».
فهذه الرواية المطلقة منهم من يقول: «رجل» , ومنهم من يقول: «امرأة» , وأكثرهم يقول: «أمي»؛ قد فسِّرت في الروايات المتقدمة أن الصوم كان نذراً.
стр. 348
٣٥٠ - ورواية من روى شهرين متتابعين كأنها وهم.
٣٥١ - وعن عبيد الله بن عبد الله, عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة سأل النبي ﷺ عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه, فقال: «اقضه عنها». رواه الجماعة.
وفي لفظ: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله ﷺ : «اقضه عنها». فكانت سنة بعد.
стр. 349
٣٥٢ - وعن عائشة؛ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليه». متفق عليه.
٣٥٣ - وعن بريدة بن الحصيب قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ ؛ إذ أتته امرأة, فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية, وإنها ماتت. فقال: «وجب أجرك, وردها عليك الميراث». فقالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر, أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: إنها لم تحج قط, أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي وصححه.
٣٥٤ - وفي رواية لمسلم: صوم شهرين.
стр. 350
فهذه الأحاديث نصوص في أن النذر يصام عن الميت, وظاهر بعضها أن جميع الصوم كذلك؛ لأن حديث عائشة عام, وفي حديث بريدة وبعض ألفاظ ابن عباس: أنها قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر؛ أفأصوم عنها؟ فأمرها النبي ﷺ بالصوم عنها, ولم يستفصل هل من رمضان أو غيره, وذَكر معنى يعم رمضان وغيره, وهو كونه ديناً, فإن صوم رمضان دين في ذمة من وجب عليه, ودين الآدمي يقضى عن الميت؛ فدين الله أحق, وجمع بينه وبين الحج في نسق واحد.
لكن هذه الأحاديث إنما هي على وجهها في النذر:
أما حديث ابن عباس: فقد صرح فيه بذلك, والمطلق منه محمول على
стр. 351
المفسر؛ فإنه حديث واحد إسناداً ومتناً.
وكذلك حديث بريدة: فإن قولها: «صوم شهر» بصيغة التنكير, تشعر بأنه غير رمضان, لا سيما رواية من روى: «شهرين».
والذي يدل على ذلك أنه قد تقدم عن عائشة وابن عباس وعن ابن عمر موقوفاً ومرفوعاً: أنهم قالوا في صوم رمضان: لا يقضى عنه, بل يطعم عنه لكل يوم مسكيناً.
وابن عباس وعائشة رويا هذين الحديثين وهما أعلم بمعنى ما رويا من غيرهما؛ فلو لم يكن معناه عندهما في غير رمضان؛ لما جاز لهما خلافه.
وليس الحديث نصّاً حتى يعارض بين الرأي والرواية.
وأما كونه ديناً؛ فصحيح, لكن وفاء الدين من تركة الميت وماله أولى من وفائه من بدن غيره, ولأن صوم رمضان لم يجب فيه الصوم عيناً, وإنما وجب الصوم مع القدرة والإِطعام مع العجز, فصار الدين عليه أحد شيئين.
وهذا الواجب يصلح عن قوله: «وعليه صيام»؛ فإن العاجز عن قضاء رمضان ليس عليه صيام, وإنما عليه فدية؛ فالواجب عليه أحد شيئين, وفيه نظر.
والفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محله الذمة، وقد وجب بإيجابه, وهو
стр. 352
لم يوجب على نفسه إلا الصوم فقط؛ فإذا فُعل عنه؛ فقد أُدِّيَ عنه نفس ما أوجبه, ولو أُطعِم عنه؛ لم يكن قد أُدِّيَ عنه الواجب.
ولهذا يصح أن ينذر ما يطيقه وما لا يطيقه؛ فإذا عجز عنه؛ فهو في عهدته.
والصوم إنما أوجبه الله سبحانه على بدن المكلف؛ فإذا عجز؛ ففي ماله, فإذا عجز عن الأصل؛ انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه.
ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلا ما يطيقه, وكذلك كل صوم وجب بإيجاب الله؛ فإنه بدله الإِطعام, وإن كان سبب وجوبه من المكلف كصوم الكفارة؛ بخلاف النذر.
نص عليه احمد في رواية ابن منصور فيمن مات وعليه صيام من دم التمتع أو كفارة يطعم عنه.
وكذلك نقل حنبل عنه فيمن مات وعليه نذر صيام شهر؛ صام عنه؛ فإن مات وعليه صيام شهر من كفارة؛ يطعم عنه, النذر فيه الوفاء.
وكذلك نقل المروذي صوم السبعة.
* فصل:
ويصام النذر عنه , سواء تركه لعذر أو لغير عذر.
قال القاضي: أومأ أحمد إلى هذا في رواية عبد الله والميموني والفضل وابن منصور.
قال في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر المرض
стр. 353
حتى مات؛ ليس عليه شيء؛ فإن كان نذر؛ صام عنه وليه إذا هو مات.
لأن النذر محله الذمة, وهو أجبه على نفسه, ولم يشترط القدرة, والله سبحانه قد شرط فيما أوجبه على خلقه القدرة.
ولهذا قد يجب على الإِنسان من الديون بفعل نفسه ما يعجز عنه, ولا يجب عليه بإيجاب الله عليه إلا ما يقدر عليه.
ولهذا لو تكفَّل من الدين بما لا يقدر عليه؛ لزمه في ذمته.
وعلى هذا؛ فلا فرق بين أن ينذر وهو مريض فيموت مريضاً, أو ينذر صوم شهر ثم يموت قبل مضي شهر.
وقد ذكر القاضي في موقع من «خلافه» وابن عقيل: أنه لا يلزم أن يقضي عنه من النذر إلا ما أمكنه أن يفعله صحيحاً مقيماً؛ اعتباراً بقضاء رمضان.
فأما إذا نذر الحج وهو لا يجد زاداً ولا راحلة بعد ذلك:
فقال القاضي: إن وجد في الثاني؛ لزمه الحج بالنذر السابق, وإن لم يجد؛ لم يلزمه؛ كالواجب بأصل الشرع؛ كما قلنا في الصوم سواءً.
فإن لم يكن له تركة يصام عنه منها؛ لم يلزمه صوم ولا حج, ويكون بمنزلة مَنْ عليه دين ولم يخلف وفاء.
وهذا الصوم لا يجب على الولي, بل يخير بين أن يصوم وبين أن يدفع من [يطعم] عن الميت عن كل يوم مسكيناً إن كان له تركة, فإن لم يكن له تركة؛ لم يلزم الوارث. قاله القاضي في «خلافه».
стр. 354
فعلى هذا: لو تبرع الولي أو غيره بالإِطعام عنه دون الصيام. . . .
وقال في «المجرد» وابن عقيل وغيرهما: هذا القضاء لا يلزم الورثة, كما لا يلزمهم أن يقضوا دينه, وإنما الكلام فيه: هل يصح قضاؤه عنه؟
قال ابن عقيل: إذا قضوا عنه؛ صح, لكنه لا يلزمهم القضاء والصوم عنه الأقرب فالأقرب استحباباً. قال أحمد: يصوم أقرب الناس إليه ابنه أو غيره. وقال أيضاً: يصوم عنه واحد.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا يختص القضاء بجميع الورثة, بل يصوم أحدهم, وهو الأقرب فالأقرب.
وهل تعتبر الولاية والقرابة؟. . . .
فإن صام غير الولي عنه بإذنه؛ جاز, وإن صام بغير إذنه؛ جاز أيضاً فيما ذكره القاضي, كما لو كان عليه دين يصح أن يقضيه الولي وغيره, وظاهر كلام أحمد. . . .
قال في رواية حنبل: إذا نذر أن يصوم شهراً, فحيل بينه وبين ذلك من مرض أو علة حتى يموت؛ صام عنه مليه النذر, وأطعم لكل يوم مسكيناً لتفريطه.
وإن عجز عن الصوم المنذور لكبر أو مرض لا يرجى برؤه:
فقال: لا يمتنع أن نقول: يصح الصوم عنه كما نقول في الحج إذا عجز عنه في حال الحياة: يحج عنه.
وقال الخرقي: يطعم عنه ولا يصام عنه.
стр. 355
وعلى هذا؛ فلا كفارة فيه.
والمنصوص عن أحمد: وجوب الكفارة والإِطعام؛ لأن التعيين قد فات.
قيل: ليس فيه إلا كفارة يمين فقط
* مسألة:
وإن نذر الصوم في حال الكبر واليأس من البرء .
فقيل: لا ينعقد نذره.
وظاهر المذهب: أنه ينعقد موجباً لما يجب إذا نذر ثم عجز عن الكفارة والإِطعام أو عن أحدهما.
* فصل:
وإذا صام عنه أكثر من واحد في يوم:
فقال أحمد في رواية أبي طالب, وقد ذكر له فيمن كان عليه صوم شهر: هل يصوم عشرة أنفس شهراً؟
٣٥٥ - فقال: طاووس يقول ذلك. قيل له: فما تقول أنت؟ قال: بصوم واحد.
قال القاضي: فمنع الاشتراك؛ كالحجة المنذورة تصح بالنيابة فيها من واحد ولا تصح من الجماعة.
следующие страницы →