← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المفسر؛ فإنه حديث واحد إسناداً ومتناً. وكذلك حديث بريدة: فإن قولها: «صوم شهر» بصيغة التنكير, تشعر بأنه غير رمضان, لا سيما رواية من روى: «شهرين». والذي يدل على ذلك أنه قد تقدم عن عائشة وابن عباس وعن ابن عمر موقوفاً ومرفوعاً: أنهم قالوا في صوم رمضان: لا يقضى عنه, بل يطعم عنه لكل يوم مسكيناً. وابن عباس وعائشة رويا هذين الحديثين وهما أعلم بمعنى ما رويا من غيرهما؛ فلو لم يكن معناه عندهما في غير رمضان؛ لما جاز لهما خلافه. وليس الحديث نصّاً حتى يعارض بين الرأي والرواية. وأما كونه ديناً؛ فصحيح, لكن وفاء الدين من تركة الميت وماله أولى من وفائه من بدن غيره, ولأن صوم رمضان لم يجب فيه الصوم عيناً, وإنما وجب الصوم مع القدرة والإِطعام مع العجز, فصار الدين عليه أحد شيئين. وهذا الواجب يصلح عن قوله: «وعليه صيام»؛ فإن العاجز عن قضاء رمضان ليس عليه صيام, وإنما عليه فدية؛ فالواجب عليه أحد شيئين, وفيه نظر. والفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محله الذمة، وقد وجب بإيجابه, وهو

стр. 352

لم يوجب على نفسه إلا الصوم فقط؛ فإذا فُعل عنه؛ فقد أُدِّيَ عنه نفس ما أوجبه, ولو أُطعِم عنه؛ لم يكن قد أُدِّيَ عنه الواجب. ولهذا يصح أن ينذر ما يطيقه وما لا يطيقه؛ فإذا عجز عنه؛ فهو في عهدته. والصوم إنما أوجبه الله سبحانه على بدن المكلف؛ فإذا عجز؛ ففي ماله, فإذا عجز عن الأصل؛ انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه. ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلا ما يطيقه, وكذلك كل صوم وجب بإيجاب الله؛ فإنه بدله الإِطعام, وإن كان سبب وجوبه من المكلف كصوم الكفارة؛ بخلاف النذر. نص عليه احمد في رواية ابن منصور فيمن مات وعليه صيام من دم التمتع أو كفارة يطعم عنه. وكذلك نقل حنبل عنه فيمن مات وعليه نذر صيام شهر؛ صام عنه؛ فإن مات وعليه صيام شهر من كفارة؛ يطعم عنه, النذر فيه الوفاء. وكذلك نقل المروذي صوم السبعة. * فصل: ويصام النذر عنه , سواء تركه لعذر أو لغير عذر. قال القاضي: أومأ أحمد إلى هذا في رواية عبد الله والميموني والفضل وابن منصور. قال في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر المرض

стр. 353

حتى مات؛ ليس عليه شيء؛ فإن كان نذر؛ صام عنه وليه إذا هو مات. لأن النذر محله الذمة, وهو أجبه على نفسه, ولم يشترط القدرة, والله سبحانه قد شرط فيما أوجبه على خلقه القدرة. ولهذا قد يجب على الإِنسان من الديون بفعل نفسه ما يعجز عنه, ولا يجب عليه بإيجاب الله عليه إلا ما يقدر عليه. ولهذا لو تكفَّل من الدين بما لا يقدر عليه؛ لزمه في ذمته. وعلى هذا؛ فلا فرق بين أن ينذر وهو مريض فيموت مريضاً, أو ينذر صوم شهر ثم يموت قبل مضي شهر. وقد ذكر القاضي في موقع من «خلافه» وابن عقيل: أنه لا يلزم أن يقضي عنه من النذر إلا ما أمكنه أن يفعله صحيحاً مقيماً؛ اعتباراً بقضاء رمضان. فأما إذا نذر الحج وهو لا يجد زاداً ولا راحلة بعد ذلك: فقال القاضي: إن وجد في الثاني؛ لزمه الحج بالنذر السابق, وإن لم يجد؛ لم يلزمه؛ كالواجب بأصل الشرع؛ كما قلنا في الصوم سواءً. فإن لم يكن له تركة يصام عنه منها؛ لم يلزمه صوم ولا حج, ويكون بمنزلة مَنْ عليه دين ولم يخلف وفاء. وهذا الصوم لا يجب على الولي, بل يخير بين أن يصوم وبين أن يدفع من [يطعم] عن الميت عن كل يوم مسكيناً إن كان له تركة, فإن لم يكن له تركة؛ لم يلزم الوارث. قاله القاضي في «خلافه».

стр. 354

فعلى هذا: لو تبرع الولي أو غيره بالإِطعام عنه دون الصيام. . . . وقال في «المجرد» وابن عقيل وغيرهما: هذا القضاء لا يلزم الورثة, كما لا يلزمهم أن يقضوا دينه, وإنما الكلام فيه: هل يصح قضاؤه عنه؟ قال ابن عقيل: إذا قضوا عنه؛ صح, لكنه لا يلزمهم القضاء والصوم عنه الأقرب فالأقرب استحباباً. قال أحمد: يصوم أقرب الناس إليه ابنه أو غيره. وقال أيضاً: يصوم عنه واحد. قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا يختص القضاء بجميع الورثة, بل يصوم أحدهم, وهو الأقرب فالأقرب. وهل تعتبر الولاية والقرابة؟. . . . فإن صام غير الولي عنه بإذنه؛ جاز, وإن صام بغير إذنه؛ جاز أيضاً فيما ذكره القاضي, كما لو كان عليه دين يصح أن يقضيه الولي وغيره, وظاهر كلام أحمد. . . . قال في رواية حنبل: إذا نذر أن يصوم شهراً, فحيل بينه وبين ذلك من مرض أو علة حتى يموت؛ صام عنه مليه النذر, وأطعم لكل يوم مسكيناً لتفريطه. وإن عجز عن الصوم المنذور لكبر أو مرض لا يرجى برؤه: فقال: لا يمتنع أن نقول: يصح الصوم عنه كما نقول في الحج إذا عجز عنه في حال الحياة: يحج عنه. وقال الخرقي: يطعم عنه ولا يصام عنه.

стр. 355

وعلى هذا؛ فلا كفارة فيه. والمنصوص عن أحمد: وجوب الكفارة والإِطعام؛ لأن التعيين قد فات. قيل: ليس فيه إلا كفارة يمين فقط * مسألة: وإن نذر الصوم في حال الكبر واليأس من البرء . فقيل: لا ينعقد نذره. وظاهر المذهب: أنه ينعقد موجباً لما يجب إذا نذر ثم عجز عن الكفارة والإِطعام أو عن أحدهما. * فصل: وإذا صام عنه أكثر من واحد في يوم: فقال أحمد في رواية أبي طالب, وقد ذكر له فيمن كان عليه صوم شهر: هل يصوم عشرة أنفس شهراً؟ ٣٥٥ - فقال: طاووس يقول ذلك. قيل له: فما تقول أنت؟ قال: بصوم واحد. قال القاضي: فمنع الاشتراك؛ كالحجة المنذورة تصح بالنيابة فيها من واحد ولا تصح من الجماعة.

стр. 356

وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يصوم عنه جماعة في يوم واحد, ويجزئ عن عدتهم من الأيام, وحُمِل كلام أحمد على نذر مقتضاه التتابع؛ لأن لفظ الشهر في إحدى الروايتين يقتضي التتابع. المسألة الرابعة: إذا نذر غير الصوم من عتقٍ أو صدقة أو هدي أو حج؛ فإنه يجوز أن يفعله عنه وليه, روايةً واحدة, أوصى أو لم يوص. ٣٥٦ - لما روى عبد الله بن عمرو: أنَّ العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مئة بدنة, وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين, وأن عمراً سأل النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: «أما أبوك؛ فلو أقرَّ بالتوحيد, فصمت عنه وتصدقت؛ نفعه ذلك». رواه أحمد. ٣٥٧ - وعن سعيد بن جبير, عن ابن عباس؛ قال: أتى رجل النبي ﷺ , فقال: إن أختي نذرت أن تحج, وإنها ماتت, فقال النبي ﷺ : «لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟». قال: نعم. قال: «فاقض الله؛ فهو أحق بالقضاء». رواه أحمد والبخاري.

стр. 357

٣٥٨ - وفي لفظ للبخاري: إن أمي نذرت أن تحج, فلم تحج حتى ماتت, أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها, أرأيت لو كان على أمك دين؛ ألست قاضيه؟». قالت: نعم. قال: «اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء». ولأن هذه الأمور يجوز أن تفعل عنه من هذه العبادات ما وجب بالشرع بعد موته بدون إذنه؛ فلأن يفعل عنه ما وجب بالنذر أولى وأحرى. وأما الصلاة المنذورة والقرآن والذكر والدعاء؛ فهل يفعل بعد الموت؟ على روايتين: أحدهما: لا يجوز. لأنه لا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال, فلم تجب النيابة فيها بعد الموت؛ كالأيمان. ولأنه لا مدخل للبدل في المشروع منها, فلم يدخل في المنذور. ولأن العبادات المنذورة يحتذى بها حذو العبادات المشروعة, ولا يجوز أن تفعل بالنذر ما لم يكن له أصل في الشرع, وعكسه الصوم؛ فإن للبدل فيه مدخلاً؛ كما ذكره الشيخ. والثانية: يفعل عنه بعد الموت. وهو اختيار أبي بكر والخرقي. قال القاضي: وهو الصحيح؛ لما رَوَى ابن عباس. ٣٥٩ - ولأن سعد بن عبادة سأل النبي ﷺ عن نذر كان على أمه توفيت

стр. 358

قبل أن تقضيه؟ قال: «اقضه عنها». رواه الجماعة. ولا يخلو إما أن يكون سعد سأل النبي ﷺ عن نذر كان على أمه وأجابه النبي ﷺ على مقتضى هذا السؤال ولم يستفصله, فيكون كأنه قال: إذا كان عليها نذر؛ فاقضه عنها؛ لأن السؤال كالمعاد في الجواب, وهذا عام مطلق في جميع النذور. أو يكون قد سأله عن نذر معين من صوم ونحوه, فيكون إخبار ابن عباس: أنه أمره أن يقضي عنها النذر, ولم يعين ابن عباس أي نذر, هو دليل على أنه فهم أن مناط الحكم عموم كونه نذراً, لا خصوص ذلك المنذور, وأن كل النذور مستوية في هذا الحكم, وابن عباس أعلم بمراد النبي ﷺ ومقصوده. وأيضاً؛ فقد جاء مفسراً من حديث ابن عباس: ٣٦٠ - أن النبي ﷺ : «أمر رجلاً وامرأة أن تقضي نذر صوم كان على أمه وأخته». ووجَّهه النبي ﷺ بأن هذا دين من الديون, وأن الله أحق أن يوفى دينه, وأحق أن يقبل الوفاء, وهذه علة تعم جميع الديون الثابتة في الذمة لله. وأيضاً؛ فإنه لا فرق بين الصلاة والصيام؛ فإنها عبادة بدنية لا يجوز الاستنابة في فرضها بحال, والصوم كذلك؛ فإذا جاز قضاء الصوم المنذور عينا؛ فكذلك الصلاة المنذورة, نعم؛ الصوم دخلت النيابة فيه بالمال بخلاف

стр. 359

الصلاة, لكن هذا لا أثر له في دخول النيابة ببدن الغير؛ فإنهما مستويان فيه. وأيضاً؛ فإن النذور محلها ذمة العبد, فصارت. . . . وأما الاعتكاف: فالمنصوص عن أحمد في رواية ابن إبراهيم وحنبل: إذا نذر أن يعتكف, فمات قبل أن يعتكف؛ ينبغي لأهله أن يعتكفوا عنه. وكذلك قال أصحابنا, ولم يذكروا خلافاً؛ إلحاقاً له بالصوم؛ فإنه به أشبه منه بالصلاة. وعلى قول ابن عقيل في منع النيابة في الصوم يمتنع في الاعتكاف. ٣٦١ - وقد روي عن عامر بن مصعب؛ قال: «اعتكفت عائشة عن أخيها بعدما مات». رواه سعيد. وإذا نذر فعل طهارة: فقال القاضي وابن عقيل: لا تفعل عنه؛ لأنها غير مقصودة في نفسها.

стр. 360

باب ما يفسد الصوم مسألة: ومن أكل أو شرب أو استعط أو وصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر حتى أنزل أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه؛ فسد, وإن فعله ناسياً أو مكرهاً؛ لم يفسد . في هذا الكلام فصول: أحدها: أن الصوم يفسد بالجماع كما تقدم. ويفسد بالأكل والشرب؛ فإن حقيقة الصوم هو الإِمساك عن الأكل

стр. 361

والشرب والجماع توابع لذلك. وهذا من العلم العام المستفيض الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ. . .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]. فأذن في الرفث والأكل والشرب إلى تبين الفجر, وأمر بإتمام الصيام عن هذه الأشياء إلى الليل. ٣٦٢ - وقال النبي ﷺ : «كل عمل ابن آدم له؛ إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به, يدع طعامه وشهوته من أجلي». ٣٦٣ - وقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». متفق عليه. وسواء في ذلك جميع المأكولات والمشروبات من الأغذية والأدوية وغيرها؛ مثل الثلج والبرد. وسواء في ذلك الطعام والشراب المعتادان, اللذان يحصل بهما الاقتيات وغيرهما. ولو استفَّ تراباً أو ابتلع حصاة؛ أفطر.

стр. 362

قال أحمد في رواية أبي الصقر: إذا بلع الصائم خاتماً أو ذهباً أو فضة أو جوزة بقشرها أو خرزة أو حبة لؤلؤ أو طيناً متعمداً؛ فعليه القضاء ولا كفارة, ولا قضاء عليه ما لم يتعمد. ٣٦٤ - لأن النبي ﷺ أمر باتِّقاء الكحل الذي يدخل من العين إلى الحلق, وليس في الكحل تغذية, فعلم أنه لا يشترط في الداخل أن يكون مما يغذي في العادة. الفصل الثاني: أن الواصل إلى الجوف يفطر من أي موضع دخل, لا يختص ذلك بمدخل دون مدخل, كما لم يختص بداخل دون داخل في ذلك. ولا بُد عند أصحابنا: أن يصل إلى البطن أو ما بينه وبين البطن مجرى نافذ. هذا كلام أحمد وعامة أصحابه, وهو الذي حرره القاضي في كتبه المعتمدة: أن المفطر وصول الواصل إلى الجوف من أي وضع كان. فإذا استعط بدهن أو ماء أو غيرها, بأن أدخله في أنفه, فوصل إلى دماغه؛ أفطر, سواء تيقن وصوله إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققه؛ بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى؛ فما يصل إلى الدماغ لا بد أن يصل إلى الحلق ويصل إلى الجوف, والحكمة إذا خفيت؛ أقيمت المظنة مقامها؛ كالنوم مع الحدث. وذكر القاضي في بعض المواضع وغيره: أن نفس الوصول إلى الدماغ مفطر؛ لأنه جوف يقع الاغتذاء بالواصل إليه, فأشبه الجوف.

стр. 363

والصواب الأول, لو لم يكن بين الدماغ والجوف منفذ؛ لم يفطر بالواصل إليه, وإن أنبت اللحم وغذّى؛ كما يقطر في الإِحليل, وكالكحل الذي تتغذَّى بع العين, وليس له نفوذ إلى الحلق؛ كالمراهم التي توضع في أعماق الجراح ونحوها؛ [فإن أنبت اللحم بها؛ فلا تفطر] , ولأن الغذاء الذي به البنية لا بد أن يحصل في المعدة. قال: في رواية أبي الصقر: إذا استعط, أو وضع على أسنانه دواء, فدخل حلقه؛ فعليه القضاء. وكذلك أطلق كثير من أصحابنا الاستعاط, وقال: إذا استعط بدهن أو غيره, ووصل إلى دماغه؛ أفطر [وعليه القضاء]. ٣٦٥ - لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً». فلو لم يكن ما يدخل في الأنف مفطراً [كما يفطر ما يدخل في الفم]؛ لم ينهه عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائماً. ولأن العين تفطر بالداخل منها؛ فلأن يفطر بالداخل من الأنف أولى.

стр. 364

لأن ما يدخل من الأنف يحصل به للبدن اغتذاء ونمو, وإن قلَّ؛ كما يحصل بالقليل من الطعام والشراب. فأما شم الأرواح الطيبة من البخور وغيره؛ فلا بأس به للصائم. قال أبو علي ابن البناء: ويكره أن يشم ما لا يأمن أن يجتذبه نفسه؛ كالمسك والكافور السحيق ونحوه. ومن ذلك الأذن: فإذا قطر في أذنه دهناً أو غيره, فوصل دماغه؛ أفطر. قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يخف أن يدخل مسامعه وحلقه الماء؛ فلا بأس أن ينغمس فيه. ذكره أصحابنا, وهو قياس قول أحمد: فإنه يفطر بما يدخل من العين؛ فمن الأذن أولى. ٣٦٦ - وعن سعيد بن المسيب, عن علي بن أبي طالب؛ قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم, ولكن لا يستعط, ولا يُصَيِّرْ شيئاً». رواه حرب. لأنه واصل إلى الدماغ فيفطر؛ كما لو وصل من الأنف والعين أولى. فعلى هذا: لا يكره أن يغتسل ويغوص [في] الماء ويغيب فيه. قاله القاضي وغيره. وكلام أحمد مقيد بما إذا لم يخف أن يدخل الماء مسامعه, وهو الصواب. ومن ذلك العين: فإذا اكتحل بما يصل إلى حلقه: إما لرطوبته

стр. 365

كالأشياف, أو لحدَّته؛ كالذرور والطيب؛ أفطر. وإن شك في وصوله؛ فالأصل صحة الصوم, لكن لا يكتحل بما يخشى دخوله وقال القاضي وابن عقيل: يكره الكحل مطلقاً. قال في رواية حنبل في الكحل للصائم: إن كان فيه طيب يدخل حلقه؛ فلا. ولا يكتحل نهاراً؛ لأنه ربما وصل إلى حلقه, والطيب كذلك. والذرور يدخل إلى حلقه, فإن خشي على عينه؛ تعالَجَ ويقضي إذا لم يجد بُدّاً. وهذا عندنا على الجهد, ولا يعين على نفسه. وقال في رواية الأثرم: الصائم لا يكتحل بالصبر وما أشبهه, هذا يوجد طعمه, فأما الإِثمد؛ فما خفّ منه وجعله عند الإِفطار؛ فهو أسهل. وقال في رواية أبي الصقر: إذا علم أنه قد دخل؛ فعليه القضاء, وإلا؛ فلا شيء عليه. فقد بيَّن أن القضاء لا يجب إلا مع تيقن الدخول, وأمر باجتناب ما يخشى دخوله. ٣٦٧ - وذلك لما روى عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة, عن أبيه, عن جده, عن النبي ﷺ : أنه أمر بالإِثمد المروَّح عند النوم, وقال: «ليتقه الصائم».

стр. 366

رواه أبو داوود, وقال: قال لي يحيى بن معين: وهو حديث منكر, وعبد الرحمن: قيل: هو ضعيف, [وقال الرازي:] هو صدوق. وقد روي ما يصحح هذا الحديث: ٣٦٨ - فروى إسحاق بن راهوية, عن أبي نعيم, عن عبد الرحمن بن النعمان, عن أبي النعمان الأنصاري, عن أبيه, عن جده؛ قال: وكان جدي قد أتى به رسول الله ﷺ , فمسح رأسه, وقال: «لا تكتحل نهاراً وأنت صائم واكتحل ليلاً». قال أبو النعمان: جدي يقول: لا تكتحل نهاراً. قال إسحاق: الأمر فيه على ما قال جد أبي النعمان – وكانت له صحبة -: «لا تكتحل نهاراً وأنت صائم» , وهذا أصح شيء في هذا الباب, وذلك أن معناه حسن.

стр. 367

ورواه [البخاري] , عن عبد الرحمن بن نعمان الأنصاري, عن أبيه, عن جده؛ قال: وكان جدي قد أتى به رسول الله ﷺ , فمسح رأسه, وقال: «لا تكتحل بالنهار وأنت صائم, واكتحل ليلاً بالإِثمد؛ فإنه يجلو البصر وينبت الشعر». فروايته عنه موقوفاً ومرفوعاً يدل على أن له أصلاً. وأيضاً؛ فإن الكحل الحاد يصل إلى الجوف, ويظهر الكحل بعينه إذا تنخعه الإِنسان على اللسان, فعلم أن في العين منفذاً يصل منه, وإذا كان فيها منفذاً وصل بالداخل منه كسائر المنافذ. وأيضاً؛ فإن الدمع يخرج من العين, والدمع محله الدماغ, فعلم أن في العين منافذ ينزل منها الدمع. فإن قيل: دخول الكحل وخروج الدمع من المسام التي في العين, والمسام ليست كالمنافذ التي يحصل الفطر بالداخل منها, بدليل أنه لو اغتسل بالماء أو دهن رأسه أو طيب بدنه؛ فإنه يجد في حلقه برودة الماء وطعم الدهن ولا يفطر, والعرق يخرج من هذه المسام كما يخرج الدمع من العين. قيل: الداخل من العين جسم الكحل, وهو الذي يوجد عند التَّنخع, فأما الذي يجده من الدهن والماء؛ فإنما هو برده وطعمه, وذلك العرض الذي فيه لا جسمه, والعرق يخرج من ظاهر الجسد لا من باطنه, فصار كما لو كان بدنه مجروحاً, فداواه بدواءٍ؛ فإن المفطر لا بد أن يدخل إلى داخل البدن, والكحل بهذه المثابة؛ بخلاف الدهن والماء ونحوهما. ٣٦٩ - فإن قيل: فقد روى أبو عاتكة, عن أنس بن مالك؛ قال: جاء

стр. 368

رجل إلى النبي ﷺ ؛ قال: اشتكت عيني, أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم». رواه الترمذي, وقال: إسناده ليس بالقوي, ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء, وأبو عاتكة ضعيف. ٣٧٠ - وعن بقية بن الوليد؛ قال: ثنا الزبيدي, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة؛ قالت: «اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم». رواه ابن ماجه.

стр. 369

٣٧١ - وقد تقدم عن علي: أنه قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم». ٣٧٢ - وعن عبد الله بن أبي بكر؛ قال: «كان أنس بن مالك يكتحل وهو صائم». رواه أبو داود وغيره. قيل: أما المرفوع؛ فضعيف, وحديث أنس وعائشة قضية في عين. والظاهر أن الكحل كان مما لا يدخل إلى الحلق؛ لأنه فسر في الحديث الذي تقدم أنه أمر بالإِثمد المروح؛ الذي فيه طيب تبدو رائحته, ففرق بين المروح وغيره. قال ابن أبي موسى: وإن اكتحل باليسير من الإِثمد غير المطيب بالمسك ونحوه؛ لم يفطر. ٣٧٣ - وقد روي عن ابن رافع مولى النبي ﷺ ؛ قال: «نزل رسول الله ﷺ خيبر ونزلت معه, فدعا بكحل إثمد غير ممسك, واكتحلت معه في رمضان».

стр. 370

ومن ذلك: الدبر؛ فلو احتقن أو أدخل دهناَ أو غيره إلى مقعدته؛ أفطر. فأما إن قطر في إحليله؛ فقال أصحابنا: لا يفطر. قال أحمد في رواية أحمد بن الحسين في الرجل يصيب في إحليله الدهن بالدواء: أرجو أن لا يكون عليه شيء ما لم يصل إلى البطن. والأشياف في المقعدة يصل إلى البطن, وهذا خلاف ذاك. فعلى هذا يكره أن يكتحل. قاله القاضي؛ لأنه يخاف من الفطر. والصحيح: أنه إذا غلب ظنه أنه لا يصل إلى حلقه؛ لم يكره؛ فقد فرق بين القُبُل والدبر بأن ما يدخل الدبر يصل إلى البطن؛ بخلاف ما يدخل [من] الإِحليل. قال: أصحابنا الفطر إنما هو بما يصل إلى البطن أو إلى ما بينه وبين الطريق طريق؛ لأن الصوم هو الإِمساك عن الأكل والشرب ونحوهما مما يصل إلى المعدة, والواصل من العين والأذن يصل إلى الدماغ, وبين الدماغ والبطن مجرى يصل منه إلى البطن, وليس بين المثانة مجرى إلى الجوف, وما يحصل منها من البول؛ فإنما يحصل بالرشح كالعرق يخرج من البدن, فإذا لم يصل منها إلى الجوف؛ لم يفطر؛ كمن أخذ في فمه ماءً لم يفطره؛ فإن علم أنه رشح منه

стр. 371

شيء إلى البطن؛ فهل يكون كالعين؟. . . . فإن أدخل في دبره عوداً أو بقي طرفه خارجاً, أو ابتلع خيطاً طرفه بيده, ثم أخرجه, فقال أصحابنا: يفطر. وظاهر كلامه في العود يدخل البطن. . . . قال ابن أبي موسى: ومن داوى جرحه بيابس أو رطب, فوصل إلى جوفه؛ أفطر. ومن ذلك أن يداوي المأمومة أو الجائفة بدواء يصل إلى الجوف لرطوبته, فأما [الدواء اليابس]؛ فهو لا يصل إلى الجوف في العادة, فإن وصل إليه؛ فهو والرطب سواء؛ لأنه لا فرق بين الواصل من المخارق المعتادة وغير المعتادة. . . . فإن جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه؛ أفطر, سواء استقر النصل في جوفه أو لم يستقر؛ لأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما أمكنه الاحتراز منه.

стр. 372

وإن جرح بغير اختياره, فوصل إلى جوفه؛ لم يفطر. هذا قول [أصحابنا] القاضي وغيره. * فصل: فإن تجوَّف جوف في فخذه أو يده أو ظهره أو غير ذلك, وليس بينه وبين البطن منفذ, فوضع فيه شيء ؛ لم يفطره؛ كما لو وضعه في فمه وأنفه. الفصل الثالث: إذا استقاء, وهو أن يستدعي القيء؛ فإنه يفطر. فأما إن ذرعة القيء؛ فلا قضاء عليه. ٣٧٤ - والأصل فيه ما روى عيسى بن يونس, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من ذرعه القيء وهو صائم؛ فليس عليه قضاء, ومن استقاء عمداً؛ فليقض». رواه الخمسة. لكن لم يذكر أبو داوود وابن ماجه: «عمداً».

стр. 373

قال الدارقطني: رواته كلهم ثقات. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب, لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من حديث عيسى بن يونس, وقال محمد: لا أراه محفوظاً.

стр. 374

٣٧٥ - قلت: وقد رواه ابن ماجه, عن أبي زرعة, عن علي بن الحسن بن سليمان أبي الشعثاء, عن حفص بن غياث, عن هشام: مثل رواية عيسى بن يونس.

стр. 375

٣٧٦ - ورواه النسائي موقوفاً على أبي هريرة من حديث الأوزاعي عن عطاء عنه. ٣٧٧ - وعن أبي الدرداء حدثه: «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر». فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق, فقلت: إنّ أبا الدرداء حدثْني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: صدق, وأنا صببت له وضوءه. رواه الخمسة إلا ابن ماجه.

стр. 376

٣٧٨ - وفي رواية: «استقاء رسول الله ﷺ , فأفطر, فأتى بماء, فتوضأ».

стр. 377

٣٧٩ - وعن ابن عمر؛ قال: «إذا استقاء الصائم؛ فعليه القضاء, وإذا ذرعه القيء؛ فلا قضاء عليه». ٣٨٠ - وعن زيد بن أرقم؛ قال: «ليس بفطر من ذرعه القيء وهو صائم». رواه سعيد. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عمداً. ٣٨١ - فإن قيل: فقد روى البخاري عن أبي هريرة؛ قال: «إذا قاء؛ فلا يفطر, إنما يخرج ولا يولج». قال: ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر, والأول أصح.

стр. 378

٣٨٢ - ٣٨٣ - قال: وقال ابن عباس وعكرمة: «الفطر مما دخل وليس مما خرج». ٣٨٤ - وعن إبراهيم؛ قال: قال: «إنما الصيام مما دخل وليس مما خرج, وإنما الوضوء مما خرج [وليس مما دخل]». رواه سعيد. ٣٨٥ - وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه عن عطاء ابن يسار, عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة, والقيء, والاحتلام». رواه الترمذي وقال: هو غير محفوظ, وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير

стр. 379

واحد هذا الحديث عن زيد بن اسلم مرسلاً, ولم يذكر فيه: عن أبي سعيد. ٣٨٦ - وقد رواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد متصلاً. . . . ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ويقول: روى هذا الحديث عن أبيه عن عطاء بن أبي سعيد عن النبي ﷺ : «ثلاث لا يفطرون الصائم: القيء, والحجامة, والاحتلام». ٣٨٧ - وقال العمري: عن نافع, عن ابن عمر: «إذا ذرعه القيء؛ فلا قضاء عليه, وإن استقاء؛ فعليه القضاء». ٣٨٨ - ورواه أبو داوود من حديث سفيان, عن زيد بن أسلم, عن

стр. 380

بعض أصحابه, عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفطر من قاء ولا من احتجم ولا من احتلم». قيل: أما الحديث المرفوع؛ فضعيف, ثم قِرانه بالاحتلام قد يحتمل أنه أراد من ذرعه القيء؛ فإنه لو استمنى أفطر, فيحمل هذا على من ذرعه القيء. ثم لو لم يكن في الباب حديث مرفوع, وتعارضت أقوال الصحابة؛ لكان قول من فطَّره أولى بالاتباع؛ لأن التفطير بالاستقاء لا يدرك بالقياس على الأكل والشرب. فمن نفى الفطر به؛ بناه على ما ظهر من أن الفطر إنما هو مما دخل, ومن أوجب الفطر به؛ فقد اطلع مزيد علم وسنة خفيت على غيره. والاستقاء: أن يستدعي القيء بيده أو بجذب نفسه. فأما إن نظر إلى شيء بغتة أو تفكر في شيء بغتة حتى قاء: فقال ابن عقيل: يفطر إذا قصد ذلك. كما اختار أنه يفسد صومه إذا نظر

стр. 381

أو تفكر فأنزل. وذكر عمن خالفه من أصحابنا: أنه إذا نظر فقاء أو تذكر فقاء؛ لم يفطر. والقيء المفطر: هو الطعام ونحوه الذي يخرج من الجوف, فأما ما ينزل من الرأس؛ فلا بأس به. فأما النخامة: التي تخرج من الجوف: فقال في رواية المروذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وأنت صائم؛ إلا أنه لا يعجبني أن يفعل. والنخاعة إذا كانت من الصدر, ليس فيها طعام؛ فلا بأس. وإن استقاء حتى يخرج الطعام؛ فعليه القضاء. وقال في رواية حنبل: إذا تنخم الصائم, ثم ازدرده؛ فقد أفطر. فإن بلع ريقه؛ لم يفطر. لأن النخامة تنزل من الرأس, والريق من الفم؛ فبينهما فرق. ولو أن رجلاً تنخع من جوفه, ثم ازدرده؛ فقد أفطر. لأنه شيء قد بان منه, وكان بمنزلة من أكل شيئاً. ولا ينبغي أن يتنخم ويقلع من جوفه بلغماً أو غيره؛ إلا أن يغلبه أمر, فيقذفه ولا يزدرده؛ فقد نص في استخراج النخامة من الصدر عمداً على روايتين: قال القاضي: وتحقيق المذهب في قدر القيء الذي يحصل به الفطر مبني على قدر ما يحصل به نقض الطهر, وفيه ثلاث روايات: إحداها: ما كان ملء الفم.

стр. 382

والثانية: ما كان نصفه. والثالثة: قليلة وكثيرة سواء في الفساد. والرواية الأولى؛ قال [في رواية] حنبل: إذا استقاء عمداً أفطر. قيل له: ما القلس؟ قال: إذا كان فاحشاً. قيل له: ما الفاحش؟ قال: ما كان كثيراً في الفم. ونصر القاضي إذا كان فاحشاً على ظاهر رواية حنبل, وتعليله يقتضي أن يخرج إلى فمه مقدار لا يمكنه أن يمسكه حتى يمجه؛ بخلاف ما دونه. والإِفطار بملء الفم اختيار الشريف. . . . . الفصل الرابع: إذا استمنى أو فعل فعلاً فأنزل به مثل أن يباشر بقبلةٍ أو لمسٍ أو نظر, فيمني أم يمذي. وقد تقدم ذلك بحديث عمر لما قبَّل وهو صائم. * فصل: ويكره للصائم أن يباشر أو يقبل أو ينظر لشهوة في إحدى الروايتين. قال في رواية حنبل وقد سئل عن القبلة للصائم؟ فقال: لا يُقبِّل. وينبغي له أن يحفظ صومه, والشاب ينبغي له أن يجتنب ذلك؛ لما يخاف من نقض صومه. وفي الأخرى: لا يكره. لمن لا تحرك القبلة شهوته.

стр. 383

وأما المباشرة باليد: فقال في رواية ابن منصور وقد سُئل عن الصائم يقبل أو يباشر؟ قال: المباشرة شديدة, والقبلة أهون. الفصل الخامس: إذا احتجم؛ فإنه يفطر. نص عليه في رواية الجماعة, وهو قول أصحابه. قال في رواية ابن إبراهيم في الرجل يحتجم على ساقه أو على يده أو على شيء منه: فقد أفطر. وقال في رواية المروذي فيمن نظر صيام عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفارة, وان احتجم في رمضان؛ فعليه القضاء. وقال في رواية ابن عبدك فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبر؛ فعليه القضاء والكفارة, وإن لم يبلغه الخبر؛ فعليه القضاء. فقد نص في رواية المروذي: أنه لا كفارة فيها, وإنما عليه كفارة ترك النذر, وهذا هو المذهب. وقال في الرواية الأخرى: عليه الكفارة مع العلم. قال ابن عقيل: لم يقدرها, والأشبه أنها كفارة الوطء. قال: ويحتمل أن يجب فدية المرضع والحامل. وأما الذي يحجم غيره: فقال أكثر أصحابنا: يفطر أيضاً. قال أحمد في رواية حنبل: «الحجامة تفطر». وقال في رواية ابن إبراهيم: حديث النبي ﷺ : «أفطر الحاجم

стр. 384

والمحجوم» , يقولون: إنهما كانا يغتابان؛ فالغيبة أشد للصائم بفطره أجدر أن يفطره الغيبة, ومن يَسْلَم من الغيبة؟ وقال أيضاً في رواية عبد الله من أصح حديث يروى عن النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم»: حديث شداد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعاً. فظاهر هذا أنه أخذ به, ولم يذكر الخرقي الحجم في المفطرات. . . . ٣٨٩ - والأصل في ذلك ما روى ابن قلابة, عن أبي الأشعث, عن شداد بن أوس: أنه مرَّ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».

стр. 385

٣٩٠ - وعن أبي قلابة ومكحول, عن أبي أسماء, عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ أتى على رجل يحتجم في رمضان, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». رواهما الخمسة إلا الترمذي.

стр. 386

٣٩١ - وعن رافع بن خديج؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم». رواه أحمد والترمذي, وقال: حديث حسن.

стр. 387

قال الترمذي: ذكر عن أحمد بن حنبل: أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج. وذكر عن علي بن عبد الله: أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس. [قال الترمذي: وسألت محمد بن إسماعيل؟ فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس] وثوبان. فقلت له: وكيف ما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن شداد بن أوس الحديثين جميعاً.

стр. 388

وذكر عباس بن عبد العظيم؛ قال: سمعت علي بن عبد الله, وسئل عن أصح حديث في الحجامة للصائم؟ فقال: أصحهما حديث رافع بن خديج. وقال أحمد في رواية عبد الله: من أصح حديث يروى عن النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ حديث شداد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعاً. اهـ. وقال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله حديث ثوبان وشداد بن أوس: صحيحان هما عندك؟ قال: نعم. وقال ابن إبراهيم: قيل لأبي عبد الله: أي حديث أقوى عندك في الحجامة؟ قال: حديث ثوبان. وقال في رواية الميموني: حديث رافع بن خديج إسناده جيد؛ [إلا أنه لا أحد رواه غير عبد الرزاق]. ٣٩٢ - وعن الحسن, عن معقل بن سنان الأشجعي: أنه قال: مرَّ عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». رواه أحمد.

стр. 389

٣٩٣ - ٣٩٤ - وعن عائشة وبلال: أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». رواهما أحمد والنسائي.

стр. 390

وعن أبي هريرة مثله. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
следующие страницы →