Полный текст (824 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ولفظ أبي داوود: عن أبي السليل, عن أبي مجيبة الباهلية, عن أبيها أو عمها: أنه أتى رسول الله ﷺ , ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته, فقال: يا رسول الله! أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت؟». قال: أنا الباهلي الذي
стр. 527
جئتك عام الأول. قال: «فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة؟». قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا بليل. فقال رسول الله ﷺ : «لم عذبت نفسك». ثم قال: «صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر». قال: زدني؛ فإن في قوة. قال: «صم يومين». قال: زدني. قال: «صم ثلاثة أيام». قال: زدني. قال: «صم من الحرم واترك, صم من الحرم واترك, صم من الحرم واترك». وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها.
* فصل:
ويكره إفراد رجب بالصوم .
قال أحمد في رواية حنبل: يفطر في رجب ولا يشبه برمضان.
وقال في روايته: من كان يصوم السنة؛ صامه, وإلا؛ فلا يصومه متوالياً.
٥٩٠ - وقال في رواية ابن الحكم: يروى في صوم رجب عن عمر أنه كان يضرب على صوم رجب.
٥٩١ - وابن عباس قال: لا يصومه؛ إلا يوم أو أيام.
стр. 528
وقال: يروى عن وبرة, عن خرشة بن الحر, عن عمر ﵁: «أنه كان يضرب على صوم رجب».
وإن صامه رجل؛ أفطر فيه يوماً أو أياماً بقدر ما لا يصومه كله.
٥٩٢ - وروي عن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله, فرأى عندهم سلالاً جُدداً وكيزاناً, فقال: ما هذا؟ قالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان؟! فأكفأ السلال وكسر الكيزان».
٥٩٣ - وذلك لما روى داوود بن عطاء, حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب, عن سلمان, عن أبيه, عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب». رواه ابن ماجه.
стр. 529
قال أحمد: لا يُحدث عن داوود بن عطاء بشيء.
واعتمد أحمد على ما روي عن وبرة عن خرشة بن الحر: «أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه, ويقول: إنما هو شهر كانت الجاهلية يعظمونه».
٥٩٤ - وعن عطاء, عن ابن عباس؛ قال: «لا تتخذوا رجب عيداً ترونه حتماً مثل شهر رمضان, إذا أفطرتم اليوم قضيتموه». رواهما سعيد.
وروى أحمد عن خرشة؛ قال: «رأيت عمر يضرب أيدي المترجِّبين حتى يضعوها في الطعام, ويقول: كلوا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية».
٥٩٥ - وعن ابن عمر: أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه, وقال: «صوموا منه وأفطروا».
وعن ابن عباس نحوه.
وعن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله وعندهم سلالاً جدد وكيزان, فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان؟ فألقى السلال وكسر الكيزان». رواهن أحمد.
стр. 530
٥٩٦ - عن حصين بن أبي [الحر]؛ قال: أتيت عمران بن حصين لحاجة وأنا صائم, فدعا بطعام, فقلت: إني صائم. فقال: لا تصومن يوماً تجعله صوم عليك حتماً ليس شهر رمضان».
٥٩٧ - وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون أن يوقتوا شهراً معلوماً أو يوماً معلوماً أن يصوموه». رواهما سعيد.
قال أبو حكيم وغيره: إذا صام قبله أو بعده؛ لم يكره, وإنما يكره إفراده بالصوم.
مسألة:
وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة .
. . . قال أصحابنا: «ويستحب صوم عشر ذي الحجة».
وفي الحقيقة المعنى صوم تسع ذي الحجة, وآكدها يوم التروية وعرفة.
٥٩٨ - وعن حفصة؛ قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ : «صيام عاشوراء, والعشر, وثلاثة أيام من كل شهر, والركعتين قبل الغداة». رواه أحمد والنسائي.
стр. 531
......................... .
стр. 532
وعن بعض أزواج النبي ﷺ ؛ قالت: «كان النبي ﷺ يصوم تسع من ذي الحجة, ويوم عاشوراء, وثلاثة أيام من كل شهر؛ أول اثنين من شهر وخميس». رواه أحمد وأبو داوود والنسائي.
٥٩٩ - وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة, يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة, [وقيام كل ليلة منها بليلة القدر». رواه الترمذي وابن ماجه, وفيه ضعف].
стр. 533
٦٠٠ - وقد روي عن عائشة؛ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط». رواه الجماعة إلا البخاري.
مسألة:
ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنما صام الدهر .
وجملة ذلك أن إتباع رمضان بست من شوال مستحب, نص عليه أحمد في غير موضع, وقال في رواية الأثرم: روي عن النبي ﷺ من ثلاثة أوجه, عن أبي أيوب وجابر وثوبان: «من صام ستّاً من شوال؛ فكأنما صام السنة كلها».
فالصيام بعد الفطر من أوله إلى آخره؛ لأن ستة أيام بشهرين, وشهر بعشرة أشهر.
٦٠١ - وذلك لما روى أبو أيوب, عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «من صام رمضان, ثم أتبعه ستّاً من شوال؛ فذلك صيام الدهر». رواه الجماعة إلا البخاري.
стр. 534
ويقال: هو من حديث سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت عن أبي أيوب.
وقد رواه أبو داوود والنسائي من حديث صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت أيضاً.
٦٠٢ - وعن جابر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صام رمضان وستّاً من شوال؛ فكأنما صام السنة كلها». رواه أحمد.
стр. 535
٦٠٣ - وعن ثوبان, عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر؛ كان تمام السنة, ومن جاء بالحسنة؛ فله عشر أمثالها». رواه ابن ماجه.
٦٠٤ - وقول النبي ﷺ : «فذلك صيام الدهر» , و «كان كصيام الدهر»: هو مثل قوله لعبد الله بن عمرو: «صم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر».
٦٠٥ - وكذلك قوله في حديث أبي قتادة: «ثلاثة أيام من كل شهر, ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله».
стр. 536
وذلك أن صيام الدهر وهو استغراق العمر بالعبادة, وذلك عمل صالح, لكن لما فيه من صوم أيام النهي والضعف عن ما هو أهم منه؛ كره؛ فإذا صام ستة مع الشهر الذي هو ثلاثون؛ كتب له صيام ثلاث مئة وستين يوماً؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها, وكذلك فسره النبي ﷺ , فحصل له ثواب من صام الدهر من غير مفسدة, لكنْ بصومه رمضان, ومن صام ثلاثة أيام من كل شهر؛ حصل له ثواب صيام الدهر بدون رمضان, ويبقى رمضان له زيادة.
٦٠٦ - وهذا كما قال الله سبحانه للنبي ﷺ في الصلوات: «هي خمس, هي خمسون؛ لا يبدل القول [لديّ]
فهي خمس في العمل وخمسون في الأجر.
وكان أحمد ينكر على من يكرهها كراهة أن يلحق برمضان ما ليس منه؛ لأن السنة وردت بفضلها والحض عليها, ولأن الإِلحاق إنما خيف في أول الشهر؛ لأنه ليس بين رمضان وغيره فصل, وأما في آخره؛ فقد فصل بينه وبين غيره بيوم العيد, وكان نهيه ﷺ عن صوم يوم العيد وحده دليلاً على أن النهي مختص به, وأن ما بعده وقت إذن وجواز, ولو شاء؛ لنهى عن أكثر من يوم؛ كما قال في أول الشهر: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين».
وسواء صامها عقيب الفطر أو فصل بينهما, وسواء تابعها أو فرقها؛ لأن النبي ﷺ قال: «وأتبعه بست من شوال» , وفي رواية: «ستّاً من شوال» , فجعل
стр. 537
شوالاً كله محلاً لصومها, ولم يخصص بعضه من بعض, ولو اختص ذلك ببعضه؛ لقال: «ستّاً من أول شوال أو من آخر شوال» , وإتباعه بست من شوال يحصل بفعلها من أوله وآخره؛ لأنه لا بد من الفصل بينها وبين رمضان بيوم الفطر, وهو من شوال, فعلم أنه لم يرد بالإِتباع أن تكون متصلة برمضان, ولأن تقديمها أرجح, [رجحه] كونه أقرب وأشد اتصالاً, وتأخيرها أرجح؛ لكونه لا يلحق برمضان ما ليس منه, أو يجعل عيد ثان كما يفعله بعض الناس, فاعتدلا.
مسألة:
وصوم عاشوراء كفارة سنة, وعرفة كفارة سنتين .
٦٠٧ - الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن معبد الزِّمَّاني, عن أبي قتادة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة, وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية». رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داوود.
وفي لفظ: «أن رجلاً أتى النبي ﷺ , فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله, فلما رأى غضبه؛ قال: رضينا بالله ربّاً وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبيّاً».
وفي لفظ: وبيعتنا بيعة, نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله.
стр. 538
فجعل عمر يردد الكلام حتى سكن غضبه, فقال عمر: يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: «لا صام ولا أفطر (أو قال: لم يصم ولم يفطر»). قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: «ويطيق ذلك أحد؟!». قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: «ذلك صوم داوود ﵇». قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: «وددت أني طوقت ذلك». ثم قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كل شهر, ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله, وصيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله [والسنة التي بعده, وصيام يوم عاشوراء أحتسب الله أن يكفر السنة التي قبله]».
وفي رواية: أنه سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت, وفيه أنزل عليَّ».
وفي رواية:" «والخميس».
رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
стр. 539
فصل:
ولا يستحب صومه لمن بعرفه
قال أحمد في رواية حنبل: يستحب صيام عرفة ها هنا, وأما بعرفة؛ فلا, يروون عن النبي ﷺ أنه أفطر, وقال: «لا يصام يوم عرفة بعرفة, وعرفة صيامها كفارة سنتين؛ سنة ماضية , وسنة مستقبلة». ورواه عبد الله عن أبيه.
стр. 540
٦٠٨ - وعن أبي الخليل, عن أبي قتادة, عن النبي ﷺ : «كفارة سنتين».
٦٠٩ - ورواه عكرمة عن أبي هريرة: «نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة». رواه الخمسة إلا الترمذي.
стр. 541
٦١٠ - وذلك لما روي عن ميمونة: «أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة, فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف, فشرب منه والناس ينظرون».
٦١١ - وعن أم الفضل: «أنهم شكوا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة, فأرسلت إليه بلبن, فشرب وهو يخطب الناس بعرفة».
متفق عليهما.
٦١٢ - وعن ابن عمر: «أنه سئل عن صوم يوم عرفة, فقال: حججت
стр. 542
مع النبي ﷺ فلم يصمه, [ومع أبي بكر] فلم يصمه, ومع عمر فلم يصمه, ومع عثمان فلم يصمه, وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه». رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن.
стр. 543
٦١٣ - ورواه النسائي, عن أبي [السوار]؛ قال: «سألت ابن عمر عن صوم يوم عرفة فنهاني». ولم يرفعه.
стр. 544
................. .
стр. 545
فإن صامه؛ فظاهر كلامه أنه يكره.
٦١٤ - لأنه قال: لا يصام.
واحتج بالنهي لما روى عكرمة عن أبي هريرة؛ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفات». رواه الخمسة إلا الترمذي.
فقد احتج به أحمد؛ لأن الصوم يضعفه عن الدعاء والذكر الذي هو مقصود التعريف.
ولأن الحاج مسافر قد رخص له القصر والجمع. . . .
ولأن هذا يوم عيد في ذلك المكان.
стр. 546
٦١٥ - وقد بين النبي ﷺ ذلك فيما رواه عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام, وهي أيام أكل وشرب». رواه الخمسة إلا ابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح.
فأما صومه للمتمتع الذي لا يجد الهدي آخر الثلاثة. . . .
وقال القاضي: الاختيار له, والفضل أن يفطر ولا يقف بعرفة صائماً.
* فصل:
وأما صوم يوم عاشوراء ؛ فقد تقدم قوله ﷺ : إنه يكفر السنة الماضية.
فإن قيل: إنما أمر بصيامه قبل رمضان؛ فأما بعد رمضان؛ فهو يوم من الأيام.
стр. 547
٦١٦ - بدليل ما روى علقمة: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يطعم يوم عاشوراء, فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: «قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان, فلما نزل رمضان؛ ترك؛ فإن كنت مفطراً؛ فأطعم». أخرجاه.
ولمسلم: «كان رسول الله ﷺ يصومهم قبل أن ينزل رمضان, فلما نزل رمضان تركه».
٦١٧ - وعن عبد الله؛ قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : «يوم كان يصومه أهل الجاهلية؛ فمن أحب منكم أن يصومه؛ فليصمه, ومن كرهه؛ فليدعه».
٦١٨ - وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء, وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان, فلما فرض رمضان؛ قال رسول الله ﷺ : «إن عاشوراء يوم من أيام الله؛ فمن شاء صامه» , وكان ابن عمر لا يصومه؛ إلا أن يوافق صيامه. متفق عليه.
٦١٩ - وعن جابر بن سمرة؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم يوم
стр. 548
عاشوراء, ويحثنا عليه, ويتعاهدنا عنده, فلما فرض رمضان؛ لم يأمرنا ولم ينهنا عنه, ولم يتعاهدنا عنده». رواه أحمد ومسلم.
قلنا: استحباب صومه ثابت بعد رمضان لحديث أبي قتادة المقدم.
٦٢٠ - ولما روى معاوية بن أبي سفيان؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا يوم عاشوراء, ولم يكتب عليكم صيامه, وأنا صائم؛ فمن شاء صام, ومن شاء أفطر». متفق عليه.
وفي رواية سفيان عن الزهري, عن حميد, [عن معاوية بن أبي سفيان؛ قال]: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بصيام هذا اليوم».
стр. 549
وهذا خطاب يخاطب به النبي ﷺ أصحابه, ولم يؤكد عليهم صيامه, وهذا إنما يكون بعد فرض شهر رمضان؛ لأن ما قبل شهر رمضان كان مؤكداً.
ومعاوية لم ير النبي ﷺ بعد الهجرة يوم عاشوراء إلا وهو مسلم؛ لأنه قبل ذلك كان بمكة, والنبي ﷺ بالمدينة, وإنما أسلم بعد الفتح, وقد فرض قبل ذلك بست سنين.
وحديث ابن عباس الآتي ذكره صريح بأن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه قبل موته بعام.
(وأما هذه الأحاديث) معناها أن التوكيد الذي كان رسول الله ﷺ يؤكد في صومه نسخ شهر رمضان, ولم يؤكد شأنه بعد الهجرة؛ إلا عاماً واحداً؛ لأن النبي ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول, فأدركه عاشوراء من السنة الثانية, وفرض رمضان تلك السنة فلم يجئ عاشوراء آخر إلا ورمضان فرض.
وقد اختلف هل كان هذا التوكيد إيجاباً؟
فقال القاضي: لا يعرف عن أصحابنا رواية بأن صوم عاشوراء كان فرضاً في ذلك الوقت. قال: وقياس المذهب أنه لم يكن مفروضاً؛ لأن من شرط صيام الفرض النية من الليل, والنبي ﷺ أمرهم بالنية من النهار.
وذكر هو وأصحابه وأبو حفص البرمكي وغيرهم أنه لم يكن مفروضاً؛ احتجاجاً بحديث معاوية المتقدم, وبأن النبي ﷺ أمر مَنْ أكل بإمساك بقية اليوم, ولم يأمرهم بالقضاء, ولو كان واجباً لأمرهم بالقضاء؛ كما يجب القضاء على مَنْ أكل يوم الشك ثم قامت البينة بأنه رمضان.
والتزموا على هذا أن الإِمساك بعد الأكل في يوم شريف فيه فضل يكون
стр. 550
قربة كما يكون الإِمساك في اليوم الواجب واجباً.
واعتذروا عما ورد من النسخ بأن المنسوخ تأكيد صيامه وكثرة ثوابه؛ فإنه كان قبل رمضان أوكد وأكثر ثواباً منه بعد رمضان.
وذكر بعض أصحابنا عن أحمد: أنه كان مفروضاً.
وهو الذي ذكره أبو بكر الأثرم؛ قال في «ناسخ الحديث ومنسوخه»: وقد روي من أكثر من عشرين وجهاً: أن النبي ﷺ أمر بصوم عاشوراء. وذكر الأحاديث الأخر. قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ, وذلك أن النبي ﷺ وكَّد صومه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم, حتى أمرهم بأن يتموا بقية يومهم, وإن كانوا قد أكلوا, وإنما يفعل ذلك في الفريضة, ثم جاءت الأحاديث لما بين أن ذلك كله كان قبل شهر رمضان, فلما فرض في شهر رمضان؛ كان ما سواه تطوعاً.
ومما يؤكد ذلك حديث معاوية؛ ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء, وفيه أيضاً بيان أن النسخ لم يكن على تركه ألبتة, ولكن على أنه صار تطوعاً, وهو اختيار أبي محمد, وهو أشبه.
٦٢١ - وهذا لما روى سلمة بن الأكوع ﵁؛ قال: «أمر رسول الله ﷺ رجلاً أن أذن في الناس أن من كان أكل؛ فليصم بقية يومه, ومن لم يكن أكل؛ فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء». متفق عليه.
стр. 551
والأمر يقتضي الإِيجاب, خصوصاً في الصوم؛ فإنه لم يكن يأمر بصيام التطوع، وإنما يرغب فيه ويحض عليه, ثم أذانه بذلك في الناس أذاناً عاماً وأمره للآكل بصوم بقية يومه توكيد ومبالغة لا يكون مثله لصوم مستحب.
٦٢٢ - وعن هند بن أسماء؛ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي من اسلم, فقال: «مُرْ قومك؛ فليصوموا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء؛ فمن وجدته منهم قد أكل أول يومه؛ فليصم آخره». رواه أحمد.
стр. 552
٦٢٣ - وعن الربيع بنت معوذ ﵂؛ قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى [الأنصار] التي حول المدينة: «من كان أصبح
стр. 553
صائماً؛ فليتم صومه, ومن كان أصبح مفطراً؛ فليتم بقية يومه». فكنا بعد ذلك نصومه, ونصومه صبياننا الصغار منهم, ونذهب إلى المسجد, فنجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام؛ أعطيناها إياه حتى يكون عند الإِفطار». أخرجاه.
وفي لفظ. . . .
٦٢٤ - وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «أرسل رسول الله ﷺ إلى أهل قرية على أربع فراسخ (أو قال: فرسخين) يوم عاشوراء, فأمر من أكل أن لا يأكل بقية يومه, ومن لم يأكل أن يتم بقية صومه». رواه أحمد.
٦٢٥ - وعن محمد بن صيفي؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في يوم عاشوراء, فقال: «أصمتم يومكم هذا؟». فقال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم هذا». وأمرهم أن يؤذنوا أهل العوالي أن يتموا بقية يومهم.
стр. 554
٦٢٦ - وعن عائشة ﵂؛ قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية, وكان رسول الله ﷺ يصومه, فلما قدم المدينة؛ صامه وأمر بصيامه, لما فرض رمضان؛ قال: «من شاء صامه, ومن شاء تركه». متفق عليه.
٦٢٧ - وعن أبي موسى؛ قال: كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيداً, فقال رسول الله ﷺ : «فصوموه أنتم». [متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء؛ يتخذونه عيداً, ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم, فقال رسول الله ﷺ : «فصوموه أنتم»].
٦٢٨ - وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قدم النبي ﷺ , فرأى اليهود تصوم عاشوراء, فقال: «ما هذا؟». فقالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم, فصامه موسى ﵇. فقال: «أنا أحق بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه.
стр. 555
٦٢٩ - وعن ابن عباس أيضاً: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم, ولا شهراً إلا هذا الشهر (يعني: رمضان»). متفق عليهما.
فقد بين أصحاب النبي ﷺ : أن النبي أمر بصيامه ووكده, وجعلوا في نفسه كفضل رمضان, وأخبروا أن ذلك كان قبل أن يفرض رمضان, ولما فرض رمضان؛ لم يأمر به, وبينوا أنه كان يصومه بعد فرض رمضان ويأمر بذلك أمر استحباب.
٦٣٠ - ويدل على أنهم قصدوا ترك صومه وجوباً ما روى علقمة؛ قال: «أتيت ابن مسعود ما بين رمضان إلى رمضان, ما من يوم إلا أتيته فيه, فما رأيته في يوم صائماً؛ إلا يوم عاشوراء».
وقد تقدم عنه أنه ترك صومه.
٦٣١ - وقال الأسود بن يزيد: «لم أر رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا بالكوفة آمر بصوم عاشوراء من علي والأشعري». رواهما سعيد.
стр. 556
ومعلوم أن هذا التوكيد لا يليق بمستحب؛ لأن يوم عرفة أفضل منه؛ فإنه يكفر سنتين, ومع هذا فلم يؤمر به, فثبت أن ذلك [إنما هو لوجوبه إذْ ذاك, ولأنه ﷺ صامه أولاً بناء على اعتيادهم صومه قبل الإِسلام؛ كما ذكرت عائشة, وموافقة لموسى ﵇ في صومه؛؛ لأنا أحق به من بني إسرائيل؛ كما ذكر أبو موسى وابن عباس, ثم نسخ التشبيه بأهل الكتاب في صومه صوم يوم آخر.
وأما حديث معاوية؛ فهو متأخر بعد فرض رمضان, وإذ ذاك لم يكن واجباً بالاتفاق.
٦٣٢ - وأما كونه لم يأمر بالقضاء؛ فقد روى قتادة, عن عبد الرحمن بن مسلمة, عن عمه: أن أسلم أتت النبي ﷺ , فقال: «صمتم يومكم هذا؟». قالوا: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه». رواه أبو داوود والنسائي.
ثم إنما لم يأمر بالقضاء لأن الوجوب إنما ثبت بالنهار. . . .
* فصل:
وعاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم .
стр. 557
والسنة لمن صامه أن يصوم تاسوعا معه .
قال في رواية الميموني وأبي الحارث: من أراد أن يصوم عاشوراء؛ فليصم التاسع والعاشر؛ إلا أن يشكل الشهر, فيصوم ثلاثة أيام, ابن سيرين يقول ذلك.
وقال في رواية الأثرم: أنا أذهب في عاشوراء أن يصام يوم التاسع والعاشر, حديث ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر».
وقال حرب: سألت أحمد عن صوم عاشوراء؟ فقال: يصوم التاسع والعاشر.
٦٣٣ - وذلك لما روى ابن عباس؛ قال: لما صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه؛ قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله؛ صمنا يوم التاسع». قال؛ لم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . رواه مسلم وأبو داوود.
وفي لفظ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع (يعني: يوم عاشوراء»). رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
стр. 558
٦٤٣ - وعن الحكم بن الأعرج؛ قال: «انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم, فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت الهلال المحرم؛ فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً. قلت: هكذا كان محمد يصومه. قال: نعم». رواه مسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
ومعنى هذا والله أعلم: صم التاسع والعاشر كما ذكره الإِمام أحمد عنه رواه سعيد وغيره.
٦٣٥ - [وما روى عمرو بن دينار] , سمع عطاء, سمع ابن عباس يقول: «صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود».
стр. 559
٦٣٦ - وعن شعبة مولى ابن عباس؛ قال: «كان ابن عباس يصوم عاشوراء في السفر, ويوالي بين اليومين؛ فرقاً أن يفوته». رواه حرب.
٦٣٧ - عن إسماعيل بن علية؛ قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح [أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع. فقال ابن نجيح:] إنما قال ابن عباس: «أكره أن يصوم يوماً فارِداً, ولكن صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً».
رواه داوود بن عمرو عنه.
٦٣٨ - وعن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: «أنه كان يصوم يومين لعاشوراء احتياطاً أن لا يفوته». رواه أبو زرعة الدمشقي عن أبي صالح عن معاوية بن صالح عنه.
стр. 560
٦٣٩ - يحقق ذلك ما روى. . . عن ابن عباس؛ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
٦٤٠ - وقد روى داوود بن علي, عن أبيه, عن جده ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء, وخالفوا فيه اليهود, صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً».
стр. 561
[رواه أحمد وسعيد ولفظه: «صوموا يوماً قبله أو بعده»].
فإن صام عاشوراء مفرداً؛ فهل يكره؟
قال بعض أصحابنا: لا يكره. . . .
والأشبه بكلامه أنه يكره:
لأنه أمر بصوم اليومين لمن أراد صوم عاشوراء, وأخذ بأثر ابن عباس,
وابن عباس كان يكره إفراده, ويأمر بصوم اليومين مخالفة لليهود.
ولأنه إفراد يوم يعظمه غير أهل الإِسلام, فكره؛ كإفراد النيروز والمهرجان.
ولأن التشبه بأهل الكتاب مكروه, وقطع التشبه بهم مشروع ما وجد إلى ذلك سبيل؛ فإذا صيم وحده؛ كان فيه تشبيه بأهل الكتاب. . . .
قال أبو الخطاب: ويستحب صوم عشر المحرم, وآكدها تاسوعا
стр. 562
وعاشوراء. . . .
* فصل:
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: سمعنا في الحديث: «من وسع على عياله يوم عاشوراء؛ أوسع الله عليه سائر سنته».
قال ابن عيينة: قد جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيراً.
٦٤١ - وقال في رواية صالح: ابن عيينة عن جعفر الأحمر عن إبراهيم ابن المنتشر - قال أبي: ثقة صدوق - أنه بلغه: «من وسع على عياله يوم عاشوراء؛ وسع الله عليه سائر سنته».
٦٤٢ - وقد روي في حديث مرفوع من حديث أيوب, عن سليمان بن مينا, عن رجل, عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: «من وسع على أهله يوم عاشوراء؛ وسع الله عليه سائر سنته». رواه حرب.
стр. 563
٦٤٣ - وروى أيضاً من حديث إبراهيم بن علقمة, عن عبد الله؛ مثله مرفوعاً, وقال: هذا حديث منكر.
وقال: سئل أحمد عن هذا الحديث «من وسع على أهله يوم عاشوراء»؟ فلم يره شيئاً.
стр. 564
مسألة:
ويستحب صيام أيام البيض .
وجملة ذلك أنه يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فإنها تعدل صوم الدهر, ويستحب أن يكون يوم الاثنين والخميس, وأفضل ذلك أن يكون من أوسطه, وهي أيام البيض.
قال حرب: سمعت أحمد يقول: من صام ثلاثة أيام من الشهر فقد صام الشهر كله. يقول بتوكيد.
٦٤٤ - وقال في رواية عبد الله, [عن] عبد الملك بن قتادة بن ملحان, عن أبيه: «كان النبي ﷺ يأمر بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة, وأربع عشرة, وخمس عشرة».
стр. 565
قيل له: فصيام ثلاثة أيام من كل شهر يصام من أول الشهر؟ قال: «نعم, ولكن يكون قصده لهذه».
وقال في رواية عبد الله, [عن] هنيدة الخزاعي, عن أمه؛ قالت: دخلت على أم سلمة, فسألتها عن الصيام؟ فقالت: «كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس». . . .
٦٤٥ - وذلك لما تقدم عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال له: «صم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر». متفق عليه.
٦٤٦ - وتقدم أيضاً عن أبي قتادة: أن النبي ﷺ قال له: «ثلاث من كل شهر, ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر». رواه مسلم وغيره.
وتقدم أيضاً قوله للباهلي: «صم ثلاثة أيام من كل شهر». . . .
٦٤٧ - وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: أوصاني خليلي بثلاث
следующие страницы →