← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الحديث السادس عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ أنا وعِمْرانُ بنُ حُصَين، فَكَانَ إذَا سَجَدَ، كبَّرَ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَه، كبَّرَ، وَإذَا نَهَضَ مِن الرَّكْعَتَيْنِ، كبَّرَ؛ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ، أَخَذَ بيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: صَلَّىَ بِنَا صَلاَةَ مُحْمَّدٍ ﷺ (١). * * * (عن) أبي عبد الله (مُطَرِّف) -بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، وكسر

стр. 1017

الراء المشددة، ثم فاء- (بن عبد الله) بنِ الشخِّير -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- بنِ عونِ بنِ عوفِ بنِ كعبٍ، العامريِّ الحوشيِّ، نسبة إلى بني الحَرِش -بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وبالشين المعجمة-، وهم بطن من بني عامر بن صعصعة. ومطرف هذا: تابعي، فقيه، ثقة، له فضل، وورع، وعقل، وأدب، ولوالده عبد الله ﵁ صحبةٌ، وفدَ على النبي ﷺ في بني عامر. روى عن: أبي ذر، وعثمان بن أبي العاص، وعمران بن حصين. وروى عنه: علي بن زيد، والحسن البصري، وقتادة. قال ابن الأثير: مات بعد السبع وثمانين. وقال النووي: توفي مطرف بن عبد الله، سنة خمس وتسعين من الهجرة؛ وكذا ذكره الحافظ الربعي، عن ابن المديني، ومشى عليه الذهبي، روى له الجماعة (١). نقل البرماوي، قال: وقع بين مطرف وبين رجل كلام، فكذب عليه، فقال مطرف: اللهم إن كان كاذباً، فأمته؛ فخر مكانه ميتاً، فرفع ذلك إلى زياد؛ فقال: قتلت الرجل، قال: لا، ولكنها دعوة وافقت أجلاً (٢).

стр. 1018

(قال) مصرف: (صليت خلف علي بن أبي طالب)، أمير المؤمنين (﵁ أنا، وعمران بن حصين) صاحبُ رسول الله ﷺ ورضي عن عمران-. ولفظ "الجمع بين الصحيحين"، للحافظ عبد الحق: صليت أنا، وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب ﵁ (١)، وهو أنسب. وكانت هذه الصلاة بالبصرة بعد وقعة الجمل. ووقع عند الإمام أحمد، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن غيلان: بالكوفة (٢)؛ وكذا لعبد الرزاق (٣)، وغير واحد؛ فيحتمل أن يكون وقع منه بالبلدين (٤). (فكان) الإمام علي بن أبي طالب ﵁ (إذا سجد كبَّر) للانتقال، (و) كان (إذا رفع رأسه) من السجود، (كبر)، (و) كان (إذا نهض)؛ أي: قام، يقال: نهض؛ كمنع نهضاً ونهوضاً: قام (٥) (من الركعتين) بعد التشهد الأول (كبر) عند نهوضه؛ للانتقال من حالة إلى أخرى، (فلما قضى) الإمام علي بن أبي طالب الهمام (الصلاة)، قال مطرف: (أخذ بيدي عمران بن حصين) ﵁، (فقال): (قد) وفي لفظ: لقد (٦)، وكل منهما جواب قسم مقدر (ذكرني) -بتشديد الكاف، وفتح الراء-؛ وفيه إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك.

стр. 1019

وقد روى الإمام أحمد، والطحاوي؛ بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: ذكرنا علي صلاة كنا نصليها، مع رسول الله ﷺ ؛ إما نسيناها، وإما تركناها عمداً (١). وللإمام أحمد، من وجه آخر، عن مطرف، قال: قلنا -يعني: لعمران بن حصين-: يا أبا نجيد -وهو بالنون والجيم، مصغراً-! مَنْ أولُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر، وضعف صوته (٢)؛ وهذا يحتمل إفادة ترك الجهر، وهو الظاهر. وروى [الطبراني] (٣)، من حديث أبي هريرة: أن أول من ترك التكبير: معاوية، وروي: أن أول من تركه: زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زياداً تركه لترك معاوية، وكان معاوية تركه لترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويرشحه حديث أبي سعيد في "الصحيح": اشتكى أبو هريرة، أو غاب، فصلى أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين افتتح، وحين ركع، الحديث، وفي آخره: لما انصرف، قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر، فقال: والله! إني ما أبالي اختلفت صلاتكم، أم لم تختلف، إني رأيت رسول الله ﷺ ، هكذا يصلي (٤).

стр. 1020

فالذي يظهر: أن الاختلاف بينهم؛ إنما كان في الجهر بالتكبير، والإسرار به. وكان مروان وغيره من بني أمية يسرُّونه، وكان أبو هريرة ﵁ يصلي بالناس، في إمارة مروان على المدينة. نعم، ذكر الطحاوي: أن قوماً كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذا كانت بنو أمية تفعل (١)، وعن بعض السلف: أنه لا يكبر إلا تكبيرة الإحرام، وفرق بعضهم بين المنفرد، وغيره. والذي استقر عليه الأمر: مشروعية التكبير في الخفض والرفع، والجماعة والفرادى؛ اتباعاً لسنة النبي ﷺ (٢). (هذا) يعني: علياً ﵁ (صلاةَ محمد ﷺ ). وفي لفظ: لقد ذكرني هذا الرجل (٣)، أو قال -كما في بعض طرق البخاري-: ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ (٤)، (أو قال: صلى بنا صلاة محمد ﷺ )، فذكر أنه كان يكبر؛ كلما رفع، وكلما وضع. وفي "الصحيحين"، من حديث أبي هريرة ﵁: أنه كان يكبر في الصلاة؛ كلما رفع، ووضع، فقلنا: يا أبا هريرة! ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ (٥).

стр. 1021

وفي "البخاري": عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﷺ (١). تنبيهات: الأول: التكبير بعد تكبيرة الإحرام، والتسبيح والتحميد، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين؛ واجب في معتمد المذهب؛ يسقط جهلاً وسهواً، وتبطل الصلاة بتركه، أو بشيء منه عمداً. وقيل: سنة؛ وفاقاً للثلاثة، لنا (٢): على معتمد المذهب؛ بأنه ﷺ كان يفعله، ويواظب عليه، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). وفي حديث حذيفة ﵁: أنه صلى مع النبي ﷺ ، وكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" رواه الترمذي، وغيره، وقال: حديث صحيح. وروى الإمام أحمد، من حديث عقبة بن عامر الجهني، قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ :

стр. 1022

"اجعلوها في ركوعكم"، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: "اجعلوها في سجودكم" (١). ورواه أبو داود، وزاد: وكان رسول الله ﷺ إذا ركع، قال: "سبحان ربي العظيم وبحمده"، ثلاثاً، وإذا سجد، قال: "سبحان ربي الأعلى وبحمده"، ثلاثاً، قال: وهذه الزيادة نخاف ألا تكون محفوظة (٢). وتقدم حديث: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد"، وهذا صريح في الأمر، وحقيقته للوجوب، وبه قال جماعة من السلف، منهم: الحميدي شيخ البخاري، والإمام إسحق بن راهويه، وغيرهما. والآثار في ذلك كثيرة. وفي الجملة: من هذه الواجبات ما ثبت من أمره، وفعله، ومنها: ما ثبت من فعله، ومواظبته عليها، مع قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). فلا جرم قلنا: بالوجوب، لنخرج من مَعَرَّة تبعة الترك، والتساهل المفضي لإخلال الصلاة عن هيئتها الموضوعة لها من الزمن النبوي. الثاني: معتمد المذهب: الإتيان بتكبيرات الانتقال، ما بين الابتداء

стр. 1023

والانتهاء، فلو ابتدأ بالتكبير قبل الشروع في الركوع، أو الرفع منه، ونحو ذلك، عالماً عمداً، أو أتمه بعد فراغه منه، لم يعتد به؛ وكذا التسميع للإمام والمنفرد، والتحميد للمأموم، وأما التحميد للإمام والمنفرد، فبعد استوائه قائماً؛ وكذا قول: رب اغفر لي بين السجدتين، ففي حال جلوسه، وأما قوله: سبحان ربي العظيم، ففي حال الركوع، وسبحان ربي الأعلى، ففي حال السجود (١). فإذا صلى الصلاة على هذا النحو، وهذا الترتيب: فقد أداها على أكمل هيئة، وأتم صفة، وحينئذ لا بد من التمهل في الصلاة؛ ليحصل الذكر المقصود، ومحال حصول ما ذكر، مع النقر والتخفيف، الذي يرجع إلى شهوة الإمام، والمأمومين. الثالث: القدر الواجب من التسبيح المذكور في الركوع، والسجود، وكذا طلب المغفرة بين السجدتين: مرة، وأدنى الكمال: ثلاث مرات، وأكثره للإمام: عشر مرات، ولا حد لكثرة المنفرد (٢). والمراد: أنه لا يتقيد بعدد مخصوص؛ بل بحسب نشاط الشخص، ورغبته، لا أنه يتمادى فيه حتى يخرج الوقت، أو يضر بنفسه، أو نحو عياله، والله الموفق. الرابع: ذكر في "الإنصاف": كون تكبير الخفض، والرفع، والنهوض؛ ابتداؤه مع ابتداء الانتقال، وانتهاؤه مع انتهائه، أو إيقاعه فيما بين طرفي الابتداء والانتهاء؛ مما يشق ويعسر، فيحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن

стр. 1024

التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر؛ ففي إبطال الصلاة به، أو السجود له مشقة. قال ابن تميم: الأظهر: الصحة، وتابعه العلامة ابن مفلح في "الحواشي"، وصوبه في "الإنصاف" (١). قلت: وهو الإنصاف؛ وكذلك التسميع، والتحميد، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 1025

الحديث السابع عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: رَمَقْتُ صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ والانْصِرَافِ؛ قَرِيبَاً مِنَ السَّوَاءِ (١). وفي رواية البخاري: مَا خَلاَ القِيَامَ وَالقُعُودَ، قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ (٢).

стр. 1026

(عن) أبي عمارة (البراء) -بفتح الموحدة، وتخفي الراء، والمد- على المشهور، وحكي فيه القصر - صحابي ابن صحابي (بن عازب) -بالعين المهملة، والزاي المكسورة- ﵄. كان البراء ممن استصغرهم ﷺ يوم بدر، وأول مشاهده الخندق، وقال النووي: أحد [من] سكن الكوفة (١)، وافتتح الرَّي سنة أربع وعشرين، مات في الكوفة أيام مصعب بن الزبير، روي له ثلاث مئة حديث وخمسة، اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة، وكانت ولاية ابن الزبير في أواخر عشر الستين، وأوائل عشر السبعين (٢). (قال) البراء: (رمقت)؛ أي: لحظت (صلاة)، قال في "القاموس": رمقه: لحظه لحظاً خفيفاً، ورجل يرموق، ضعيف البصر (٣). مع (محمد) رسول الله ( ﷺ )؛ يعني: نظرت لها، وتأملتها (فوجدت قيامه) ﷺ في الصلاة للقراءة، (فركعته) التي يركعها، (فاعتداله) ﷺ (بعد) رفعه من (ركوعه)، (فسجدته) الأولى، (فجلسته) التي جلسها ﷺ ؛ للفضل (بين السجدتين، فسجدته) الثانية، (فجلسته) التي جلسها ﷺ )؛ أي: في الزمن الذي (بين التسليم) من الصلاة، (و) بين (الانصراف) من السجود؛ أي: الرفع من السجدة الثانية، يعني: حال جلوسه للتشهد، ويحتمل -ولعله المراد-: الجلوس ما بين السلام، والانصراف من المصلى، إلى

стр. 1027

نحو أهله (قريباً)، مفعول ثان لوجدت (من السواء). والمراد: زمان ركوعه، وسجوده، واعتداله، وجلو سه بين السجدتين: متقارب، ولم يقع الاستثناء؛ في المتفق عليه، (وفي رواية البخاري)، في باب: استواء الظهر: (ما خلا القيام والقعود)؛ يعني: القيام للمراءة، والقعود للتشهد. وأما من زعم أنه القعود بين السجدتين، والاعتدال عن الركوع؛ فرده الإمام ابن القيم في "حاشيته على السنن"، فقال: هذا سوء فهم من قائله؛ لأنه قد ذكر القعود بين السجدتين، والاعتدال عن الركوع بينهما، فكيف يستثنيهما؟! وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد، إلا زيداً وعمراً، فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما، كان متناقضاً، انتهى (١). وتعقب: بأن المراد بذكرهما: إدخالهما في الطمأنينة، وباستثناء بعضها: إخراج المستثنى من المساواة (٢). (قريباً من السواء) -بالمد-، قال بعض شراح الحديث: المعنى: أن كل ركن قريب من مثله؛ فالقيام الأول قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود اللذين استثنيا: الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف! بل الأولى أن المراد: القيام للقراءة، والجلوس للتشهد؛ لأن القيام للقراءة أطول من جميع الأركان في الغالب (٣).

стр. 1028

وفي هذا الحديث دليل على: أن الاعتدال عن الركوع ركن طويل. قال الإمام ابن القيم في "صفة صلاته ﷺ ": كان رسول الله ﷺ يطيل هذا الركن، حتى يقول القائل: قد نسي (١)، وقد صرح بذلك في حديث أنس ﵁ الآتي؛ فلا يسوغ العدول عنه لدليل ضعيف؛ وهو قولهم: لم يسن فيه تكرير التسبيحات؛ كالركوع، والسجود، ووجه ضعفه: على أنه قياس في مقابلة النص؛ فهو فاسد. وأيضاً: فالذكر المشروع في الاعتدال أطولُ من الذكر المشروع في الركوع؛ فتكرير قوله: "سبحان ربي العظيم"، ثلاثاً، لا يجيء قدر قوله: "اللهم ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه". وقد ذكر في الاعتدال ذكرٌ أطولُ من هذا؛ كما في "صحيح مسلم"، من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس- ﵃، بعد قوله: "حمداً كثيراً طيباً، ملء السموات، وملء الأرض"؛ كما تقدم. زاد في حديث ابن أبي أوفى: "اللهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا؛ كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" (٢)، وتقدم بعض ذلك (٣). وفي "صفة صلاته ﷺ " لابن القيم، بعد قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد": "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"،

стр. 1029

قال: وربما زاد على ذلك: "اللهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد"، الحديث (١). قال في "الفروع" في الكلام على ركن الاعتدال: فلو طوله -يعني: المصلي-، لم تبطل صلاته؛ خلافاً للشافعية. قال الحسن بن محمد الأنماطي (٢): رأيت أبا عبد الله؛ يعني: الإمام أحمد ﵁ يطيله، ويطيل بين السجدتين؛ لأن البراء أخبر: أن النبي ﷺ طَوَّلَه قريبَ قيامِهِ, وركوعِهِ (٣). واختار النووي: جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافاً للمرجح في مذهبهم، واستدل لذلك-أيضاً- بحديث حذيفة في "مسلم": أنه ﷺ قرأ في ركعة بالبقرة، وغيرها، ثم ركع نحواً مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: "ربنا لك الحمد" قياماً طويلاً قريباً مما ركع (٤). قال النووي: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى: جواز الإطالة بالذكر، انتهى (٥). قال في "الفتح": وقد أشار الإمام الشافعي في "الأم" إلى عدم البطلان، فقال في ترجمة: كيف القيام من الركوع: ولو أطال القيام بذكر الله، أو

стр. 1030

يدعو، أو ساهياً؛ وهو لا ينوي القنوت، كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك (١). قال في "الفتح": فالعجب ممن يصحح -مع هذا- بطلانَ الصلاة بسطويل الاعتدال، قال: وتوجيههم ذلك؛ أنه إذا أطيل، انتفتا الموالاة، يعترض: بأن معنى الموالاة: ألا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها، انتهى (٢). * * *

стр. 1031

الحديث الثامن عَنْ ثَابتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: إِنَي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بَكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بنَا، لمحالَ ثَابتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً، لَا أَرَاكمْ تَصْنَعُونَهُ؛ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الَرُّكُوعِ، انْتَصَبَ قَائِماً حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ السَّجْدَةِ، مَكَثَ حَتَّى يًقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ (١). * * * (عن) أبي محمد (ثابت) بن أسلم (البناني): تابعي من أعلام أهل البصرة، إمامهم، اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك ﵁، صحبه أربعين سنة.

стр. 1032

وروى عن: ابن عمر، وابن الزبير، وغيرهما، روى عنه: شعبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد. أخرج له الجماعة. وكان رأساً في العلم، والعمل، وكان يلبس الثياب الفاخرة، ويقال: إنه لم [ير] في وقته أعبد منه. وإنما قيل في نسبته: البناني -بضم الباء الموحدة، وتخفيف النون-؛ لاتصال نسبه ببنانة، وهم ولد سعد بن لؤي، وبنانة هي: أم سعد، وقيل: أمة لسعد، كانت حاضنة بنيه. توفي ثابت البناني سنة ثلاث وعشرين ومئة، وقيل: سبع وعشرين، وله ست وثمانون سنة (١). (عن أنس بن مالك ﵁) خادمِ رسول الله ﷺ ، (قال) أنس (إني لا آلو) -بهمزة ممدودة بعد حرف النفي، ولام مضمومة، بعدها واو خفيفة-؛ أي: لا أقصر (٢) (أن أصلي بكم كلما رأيت رسول الله ﷺ )؛ أي: كالصلاة التي رأيته ﷺ (يصلي بنا)؛ أي: يصليها بنا معشر أصحابه. (قال ثابت) -رحمه الله تعالى-: (فكان أنس) بن مالك ﵁، (يصنع شيئاً) من التطويل في الاعتدال (لا أراكم تصنعونه)؛ وفيه إشعار بأنهم كانوا يخلون بتطويل الاعتدال. (كان إذا رفع رأسه من الركوع، انتصب قائماً) بعد اعتداله من الركوع،

стр. 1033

فيطيل هذا القيام (حتى يقول) -بالنصب- (القائل) - بالرفع، فاعل يقول -: (قد نسي)؛ أي: وجوب الهوي إلى السجود؛ قاله الكرماني، ويحتمل أن يكون المراد: أنه نسي أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت، حيث كان معتدلاً (١). (وكان إذا رفع رأسه في السجدة) الأولى، (مكث) جالساً بين السجدتين (حتى يقول القائل: قد نسي) أنه في صلاة. ودلالة الحديث واضحة على: طلب طول الاعتدال من الركوع؛ كما تقدم، وكذا طول المكث بين السجدتين، والله أعلم. * * *

стр. 1034

الحديث التاسع عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁، قالَ: ما صَلَّيْتُ وَرَاءَ إمامٍ قَطٍّ أَخَفَّ صَلاةً، وَلا أَتَمَّ صلاةً مِنْ النَّبيِّ ﷺ (١). * * * (عن) أبي حمزة (أنس بن مالك) الأنصاريِّ النجاريِّ (﵁، قال: ما صليت وراء إمام قط) -بالفتح، ويضم، ويخففان-، وقطٍّ: -مشددة مجرورة-: بمعنى: الدهر (٢)، يعني: ما صليت زمن عمري (أخف صلاة) بالنسبة إلى التطويل المفرط؛ ولهذا قال: (ولا أتم صلاة، من النبي ﷺ ) فان يراعي المصالح؛ في التطويل, والتخفيف. * * *

стр. 1035

الحديث العاشر عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الجَرْمِيِّ البَصْرِيِّ، قالَ: جاءَنا مالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ في مَسْجِدِنا هَذَا، فقالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ وَما أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لِأَبي قِلابَةَ: كيْفَ كانَ يُصَلِّي؟ قالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنا هَذَا، وَكانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ (١).

стр. 1036

(عن أبي قلابة) -بكسر القاف، وتخفيف اللام، وبالباء الموحدة-، اسمه: (عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري) الأنصاري، ونسبته بالجرمي إلى جَرْم -بفتح الجيم، وسكون الراء- (١). روى عن: أنس بن مالك، ومالك بن الحويرث، والنعمان بن بشير، وغيرهم، وسمع من جماعة من التابعين، وروى عنه: أيوب السختياني، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وخالد الحذاء، وحميد الطويل، وغيرهم. قال ابن سيرين: قد عَلِمْنا أن أبا قلابة رجل صالح، ثقة. وقال أيوب: كان أبو قلابة من الفقهاء ذوي الألباب. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وعن ابن المديني: أن أبا قلابة أدرك خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال أبو سعد بن يونس: قدم مصر زمن عبد العزيز بن مروان، وتوفي بالشام سنة أربع ومئة، روى له الجماعة -رحمه الله تعالى- (٢).

стр. 1037

(قال: جاءنا مالك) أبو سليمان (بن الحويرث)،-بضم الحاء على التصغير-، وقيل: مالك بن الحارث -بالتكبير-، وقيل: ابن حويرثة، بن أَشْيم -بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الياء المثناة تحت- الليثي، ولم يختلفوا أنه من بني ليث بن بكربن عبدمناة، وفد على النبي ﷺ ، وأقام عنده عشرين ليلة، وسكن البصرة. روى عنه: ابنه عبد الله، وابن عطية، وسلمة الجرمي، وغيرهم. مات سنة أربع وسبعين بالبصرة، روي له عن رسول الله ﷺ : خمسة عشر حديثاً؛ اتفقا على حديثين، وللبخاري واحد ﵁ (١). ونحن (في مسجدنا)، متعلق بمحذوف تقديره: مستقرون (هذا)؛ أي: مسجد البصرة (فقال: إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة)؛ يعني: حينئذ؛ أي: ليس نفسي بناهضة للصلاة، ولا صلاة مكتوبة علي، أو لا تطلب نفسي الإمامة. قال في "الفتح": استشكل نفي هذه الإرادة؛ لما يلزم منها، من وجود صلاة بغير قربة؛ ومثلها لا يصح. وأجيب: بأنه لم يرد نفي القربة، وإنما أراد بيان السبب الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاة معينة جماعة؛ فكأنه قال: ليس الباعث لي على

стр. 1038

هذا الفعل حضورَ صلاة معينة؛ من أداء، أو إعادة، أو غير ذلك، وإنما الباعث لي عليه: قصد التعليم. وكأنه كان تعين عليه حينئذ؛ لأنه أحد من خوطب بقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)؛ ورأى أن التعليم بالفعل أوضح من القول؛ ففيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنه ليس عمله من باب التشريك في العبادة (٢). (أصلي كيف)؛ أي: مثل، يعني: على الكيفية التي (رأيت رسول الله يصلي). وفي لفظ: ولكن أريد أن أريكم (٣). قال أيوب: (فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟)، يعني: مالك بن الحويرث، (قال): كان يصلي صلاة (مثل صلاة شيخنا هذا)؛ وأراد به: أبا بُرَيد -بضم الباء الموحدة، وفتح الراء- عمرو بن سَلِمة -بكسر اللام- الجَرْمي -بفتح الجيم، وسكون الراء المهملة- (٤). وكان ذلك الشيخ يُتِمُّ التكبير، وإذا رفع رأسه من السجدة، جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام. وفي بعض طرق هذا الحديث: فقام؛ فأمكن القيام، ثم ركع؛ فأمكن

стр. 1039

للركوع، ثم رفع رأسه؛ فأنصب [هُنَيَّةً] (١). وفي لفظ: (وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض). ومقصود هذا الحديث؛ كالذي قبله: التخفيف في حق الإمام، مع الإتمام وعدم التقصير؛ وذلك هو الوسط العدل، والميل إلى أحد الطرفين خروج عنه. أما التطويل في حق الإمام: فإضرار بالمأمومين، وقد تقدم من ذلك ما شفى وكفى. وأما التقصير عن الإتمام: فبخس لحق العبادة، ولا يراد بالتقصير هنا: ترك الواجبات؛ فإن ذلك مفسد للصلاة، وإنما المراد: ترك المسنونات (٢). وقد ثبت أن عمر بن عبد العزيز كان أشبه الناس صلاة برسول الله ﷺ ؛ وكان مقدار ركوعه، وسجوده: عشر تسبيحات (٣). تنبيهان: الأول: ظاهر هذا الحديث: مشروعية جلسة الاستراحة؛ لقوله: وكان يجلس، إذا رفع رأسه من السجود، قبل أن ينهض، وفي لفظ: وإذا رفع

стр. 1040

رأسه من السجدة الثانية، جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام (١). وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، قال في "الفروع": ثم يرفع مكبراً، قائماً على صدور قدميه، معتمداً على ركبتيه؛ وفاقاً لأبي حنيفة، نص الإمام أحمد على ذلك، لا على يديه؛ خلافاً لمالك، وإن شق، اعتمد بالأرض. وعنه -أي: الإمام أحمد-: يجلس للاستراحة؛ وفاقاً للشافعي؛ كجلوسه بين السجدتين، وفاقاً له أيضاً، وعنه: على قدميه، وعنه: وألييه، ثم ينهض كما سبق. واختار الآجري: جلسته على قدميه، ثم اعتمد بالأرض، وقام. وقيل: يجلس للاستراحة من كان ضعيفاً؛ جمعاً بين الأخبار، واختاره: الإمام الموفق، وغيره، وقاله القاضي، وغيره، انتهى (٢). وفي "المقنع": لا يجلس جلسة الاستراحة، بل يقوم على صدور قدميه، معتمداً على ركبتيه، نصّ عليه، إلا أن يشق (٣). وذكره في "الإنصاف"، مقدماً له، ثم قال: وعنه: أنه يجلس جلسة الاستراحة؛ اختاره أبو بكر عبد العزيز، والخلال، وقال: إن الإمام أحمد رجع عن الأول، وجزم به في "الإفادات" (٤)، وقدمه في "الرعايتين"، و"الحاوي الصغير".

стр. 1041

ثم ذكر ما اختاره الموفق، والقاضي؛ من التفصيل بين الضعيف، وغيره (١). ومعتمد المذهب: عدم مشروعية جلسة الاستراحة، مطلقاً؛ بدليل قول المغيرة بن حكيم، لما رأى عبد الله بن عمر ﵄، يرجع من سجدتين من الصلاة، على صدور قدميه، قال: فلما انصرف، ذكرت له ذلك، فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك" من أجل أني أشتكي (٢). وفي حديث آخر، لابن عمر: أنه قال: إن رجليَّ لا تَحْمِلاَنِي (٣). ويؤيد هذا ما تقدم عن كل من ذكر نسق صلاته ﷺ ، فلم يذكر هذه الجلسة؛ فعلم أن ذلك الشيخ -الذي هو: عمرو بن سلمة-، إنما جلسها لضعفه، والله أعلم. الثاني: ظاهر صنيع الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: أنَّ حديث مالك بن الحويرث ﵁ مما اتفق عليه الشيخان؛ كما هو شرطه

стр. 1042

في كتابه، وليس كذلك، بل هو من أفراد البخاري، كما نص عليه ابن دقيق العيد، في "شرحه" (١)، والحافظ عبد الحق الإشبيلي، في "جمعه بين الصحيحين" (٢)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1043

الحديث الحادي عشر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مالِكِ ابْنِ بُحَيْنَهَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا صَلَّى، فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَياضُ إِبْطَيْهِ (١). * * * (عن) أبي محمد (عبد الله بن مالك ابن بحينة) هي أم عبد الله -بضم الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وسكون المثناة تحت، ثم نون -بنت الأرث- وهو الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وقيل: بحينة:

стр. 1044

أم أبيه (١)، والأول: أصح؛ فعلى الأول: ينون مالك، وعلى الثاني: يحذف التنوين منه (٢)، وقيل في أم بحينة -أيضاً-: إنها أزدية من أزد شنوءة: ومالك أبو عبد الله هو ابن القِشْب -بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة، وبالموحدة-، واسمه: جندب بن عبد الله بن نضلة الأزدي، من أزد شَنُوءة -بفتح الشين المعجمة، وضم النون، والمد والهمز-؛ وهو حليف لبني المطلب بن عبد مناف. ومات ﵁ في خلافة معاوية؛ ما بين سنة أربع وخمسين، وثمان وخمسين؛ وهو صحابي، وأبوه مالك صحابي- ﵄ (٣). قال عبد الله بن مالك (﵁: إن النبي ﷺ كان إذا صلى) صلاة، (فرج) في حال سجوده (بين يديه)، أي نَحَّى كل يد عن الجنب الذي يليها. قال القرطبي: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود: أنه يخفف بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر وجهه، ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض (٤).

стр. 1045

وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ابن المنير: الحكمة فيه: أن يظهر كل عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده، كأنه عدد؛ ومقتضى هذا: أن يستقل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض؛ وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن المقصود هناك: إظهار الاتحاد بين المصلين؛ كأنهم جسد واحد (١). وقد روى الطبراني، وغيره؛ بإسناد صحيح، من حديث ابن عمر ﵄: أنه قال: "لا تفترش افتراش السبع، وادعم على راحتيك، وأبد ضبعيك؛ فإذا فعلت ذلك، سجد كل عضو منك" (٢). وعند ابن خزيمة، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "إذا سجد أحدكم؛ فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وليضم فخذيه" (٣). (حتى يبدو) -أي: يظهر- (بياض إبطيه) تثنية إبط، وهو -بسكون الموحدة-: باطن المنكب، وتكسر الباء، وقد يؤنث، وجمعه: آباط، وتأبطه: وضعه تحت إبطه؛ كما في "القاموس" (٤).

стр. 1046

وفي "صحيح الحاكم"، من حديث ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ إذا سجد، يُرى وَضَحُ إبطيه (١). وروى الإمام أحمد، من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أنه قال: كان النبي ﷺ إذا سجد جافى حتى نرى بياض إبطيه (٢). ولمسلم، من حديث البراء، رفعه: "إذا سجدت، فضع كفيك، وارفع مرفقيك" (٣). وظاهر هذه الأحاديث: وجوب تجافي المرفق، وإنما صرف عن الوجوب؛ لحديث أبي هريرة ﵁: شكا أصحاب النبي ﷺ له مشقة السجود عليهم، إذا انفرجوا، فقال: "استعينوا بالرُّكَب"، رواه أبو داود، وترجم له: الرخصة في ذلك؛ أي: في ترك التفريج، قال ابن علان -أحد رواته-: وذلك بأن يضع مرفقيه على ركبتيه، إذا طال السجود أعيا (٤). واستدل ابن التين بالحديث: بأن النبي ﷺ لم يكن عليه قميص؛

стр. 1047

لانكشاف إبطيه، وتعقب: باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد روى الترمذي في "الشمائل"، عن أم سلمة ﵂، قالت: كان أحب الثياب إلى النبي ﷺ القميص (١). واستدل به إلى: أن إبطيه ﷺ لم يكن عليهما شعر، وفيه نظر؛ فقد حكى المحب الطبري، في الاستسقاء من "الأحكام" (٢) له: أن من خصائصه ﷺ : أن الإبط من جميع الناس متغير اللون، غيره. واستدل بإطلاقه على: استحباب التفريج في الركوع، وفيه نظر؛ لتقييده بالسجود؛ كما في رواية عند البخاري (٣)، وفي رواية لمسلم، بلفظ: كان إذا سجد، فرج يديه عن إبطيه؛ حتى إني لأرى بياض إبطيه (٤). تنبيه: خصص الفقهاء تفريج اليدين، عن الجنبين بالرجال، وقالوا: المرأة تضم بعضها إلى بعض؛ لأن المقصود منها التستر، والتجمع؛ وهو أقرب في حال التضامِّ، والاجتماع.

стр. 1048

قال في "الفروع": والمرأة تجمع نفسها، وتجلس متربعة، أو تسدل رجليها عن يمينها، ونصه -أي: الإمام أحمد-: سدلها أفضل، ولا تجلس كالرجل، خلافاً لمالك، والشافعي (١). * * *

стр. 1049

الحديث الثاني عشر عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ ﵁: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي في نَعْلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ (١). * * * (عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد) بن مسلم، الأزدي البصري، ويقال: الطاحي؛ نسبة إلى طاحية -بالطاء وكسر الحاء المهملتين، وتخفيف المثناة تحت- بن سُوْد -بضم السين المهملة، وسكون الواو، ثم دال مهملة-: بطن من الأزد.

стр. 1050

سمع أنس بن مالك، وأبا نضرة، وعبد الله بن غالب، وغيرهم. وعنه: سعيد، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وغيرهم. روى له الجماعة، قال يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن نافع: مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة -رحمه الله تعالى- (١). (قال) أبو سلمة: (سألت أنس بن مالك) الأنصاري (﵁)، فقلت له: (أكان) -بهمزة الاستفهام- (النبي ﷺ يصلي) الصلوات، أو شيئاً منها؛ (في نعليه) -أي: ورجلاه فيهما-؟ (قال) أنس ﵁ مجيباً له: (نعم)، كان يصلي في نعليه. قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثم هي من الرخص؛ كما قال ابن دقيق العيد، لا من المستحبات؛ لأن ذلك لا يدخل في معنى المطلوب من الصلاة. وهو وإن كان من ملابس الزينة، إلا أن ملابسة الأرض، التي تكثر فيها النجاسات؛ قد تقصر به عن هذه المرتبة، وإذا تعارضت مصلحة مراعاة التحسين، ومراعاة إزالة النجاسة، قدمت الثانية؛ لأنها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح، إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل به؛ فيرجع إليه، ويترك هذا النظر، انتهى (٢). وقد روى أبو داود، والحاكم، من حديث شداد بن أوس، مرفوعاً:

стр. 1051

"خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" (١)، فيكون ذلك مستحباً لقصد مخالفة أهل الكتاب. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه-: الصلاة في النعلين سنة، وكذلك سائر ما يلبس في الرجل من الخف، وذكر حديث أنس، وحديث شداد بن أوس عند أبي داود، وأورد حديث السنن: أنه ﷺ صلى في نعليه، وصلى أصحابه في نعالهم، فخلع ﷺ نعليه، فخلعوا نعالهم، فلما سلم، قال: "لم خلعتم نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك خلعت نعليك؛ فخلعنا نعالنا، فقال: "إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما أذى، فإذا أتى أحدكم المسجد، فلينظر في نعليه؛ فإن كان فيهما أذى، فليدلكهما بالتراب؛ فإن التراب لهما طهور" (٢). قال: فصلاة الرجل للفرض، والتطوع، والجنازة؛ في الحضر، والسفر؛ في نعليه: من سنة رسول الله ﷺ ، انتهى (٣). وقد ورد في كون الصلاة في النعال من الزينة المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف جداً، أورده ابن عدي في "الكامل"، وابن مردويه في "تفسيره"، من حديث أبي هريرة (٤)، والعقيلي، من حديث أنس (٥)، والله أعلم (٦). * * *

стр. 1052

الحديث الثالث عشر عَنْ أَبي قَتادَةَ الأَنْصارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمامَةَ بنْتَ زَيْنَبَ بنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ولأَبي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإذَا سًجَدَ، وَضًعَها، وَإِذا قامَ، حَمَلَها" (١).

стр. 1053

(عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي (الأنصاري) السلمي (﵁)، تقدمت ترجمته في باب: الاستطابة: (أن النبي ﷺ كان يصلي) الصلاة المكتوبة؛ (وهو حامل أمامة). المشهور في الروايات بالتنوين، ونصب أمامة، وروي بالإضافة: كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (١) [الطلاق: ٣] (بنت) السيدة الجليلة (زينب) ﵄ (بنت رسول الله ﷺ ) أما زينب ﵂: فهي أكبر بناته ﷺ ، وأمها:- كسائر بناته - السيدةُ خديجة- ﵅، ولدت ﵂ قبل البعثة بعشر سنين، وتزوجها: ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، واسمه: مِقْسَم - بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح السين المهملة-، وقيل: لَقِيط -بفتح اللام، وكسر القاف، وبالطاء المهملة-؛ نقله ابن عبد البر، عن الأكثر، وقيل: هُشَيم -بضم الهاء، وفتح الشين المعجمة، فياء مثناة تحت، فميم-، وقيل: ياسر -بالمثناة تحت، وكسر السين المهملة-؛ وهو ختن النبي ﷺ . وهو المراد بقول المصنف -رحمه الله تعالى-: (ولأبي العاص بن الربيع)؛ أي: بنت زينب لأبي العاص، ووقع في بعض طرق البخاري: ابن ربيعة (٢)، وهو خلاف المشهور. ماتت السيدة زينب بالمدينة المشرفة، سنة ثمان من الهجرة، ونزل

стр. 1054

النبي ﷺ في قبرها - رضوان الله وسلامه عليها - (١). وأما أبو العاص بن الربيع ﵁، فأسلم، وحسن إسلامه، وكان يثني عليه رسول الله ﷺ خيراً في صهره، وأمه: هالة بنت خويلد، أخت خديجة شقيقتها، وكان مؤاخياً لرسول الله ﷺ ، مضيافاً له، وأبوه: الربيع بن عبد العزى (بن عبد شمس) بن عبد مناف، والمصنف نسب الربيع إلى جده عبد شمس، القرشي. استشهد ﵁ في خلافة الصديق، سنة اثنتي عشرة في ذي الحجة، يوم اليمامة ﵁ (٢). وأما أمامة ﵂: فتزوجها سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد موت خالتها، سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء - رضوان الله عليها، وسلامه-؛ كما أمرته فاطمة بذلك، زوجها منه الزبير بن العوام، بوصية أبيها إياه. ثم تزوجها بعد موت الإمام علي: المغيرةُ بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، بأمر علي إياه بذلك؛ خوفاً من أن يتزوجها معاوية، زوجها

стр. 1055

منه الحسن بن علي - رضوان الله عليهما-، فولدت للمغيرة: يحيى، وبه كان يكنى، وماتت عنده. قال ابن عبد البر: وقد قيل: إنها لم تلد لعلي، ولا للمغيرة؛ وكذلك قال الزبير: إنها لم تلد للمغيرة، وقال: وليس لزينب عقب، انتهى (١). وكذا قيل: ليس لرقية، ولا لأم كلثوم -أيضاً- عقب، وإنما العقب: لفاطمة - رضوان الله عليهن -. قوله: ولأبي العاص؛ كذا في الروايات -بإثبات الواو-، لكن رأيتها محكوكة من نسختي، قال الكرماني: الإضافة في قوله: "بنت زينب"، بمعنى اللام، فأظهر في المعطوف -وهو قوله: ولأبي العاص- ما هو مقدر في المعطوف عليه، انتهى. فعلمنا وجوب إثبات الواو، وأشار ابن العطار إلى أن الحكمة في ذلك: كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركاً، فنسبت إلى أمها؛ تنبيهاً لحقيقة نسبها، انتهى (٢).
следующие страницы →