← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

"خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" (١)، فيكون ذلك مستحباً لقصد مخالفة أهل الكتاب. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه-: الصلاة في النعلين سنة، وكذلك سائر ما يلبس في الرجل من الخف، وذكر حديث أنس، وحديث شداد بن أوس عند أبي داود، وأورد حديث السنن: أنه ﷺ صلى في نعليه، وصلى أصحابه في نعالهم، فخلع ﷺ نعليه، فخلعوا نعالهم، فلما سلم، قال: "لم خلعتم نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك خلعت نعليك؛ فخلعنا نعالنا، فقال: "إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما أذى، فإذا أتى أحدكم المسجد، فلينظر في نعليه؛ فإن كان فيهما أذى، فليدلكهما بالتراب؛ فإن التراب لهما طهور" (٢). قال: فصلاة الرجل للفرض، والتطوع، والجنازة؛ في الحضر، والسفر؛ في نعليه: من سنة رسول الله ﷺ ، انتهى (٣). وقد ورد في كون الصلاة في النعال من الزينة المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف جداً، أورده ابن عدي في "الكامل"، وابن مردويه في "تفسيره"، من حديث أبي هريرة (٤)، والعقيلي، من حديث أنس (٥)، والله أعلم (٦). * * *

стр. 1052

الحديث الثالث عشر عَنْ أَبي قَتادَةَ الأَنْصارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمامَةَ بنْتَ زَيْنَبَ بنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ولأَبي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإذَا سًجَدَ، وَضًعَها، وَإِذا قامَ، حَمَلَها" (١).

стр. 1053

(عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي (الأنصاري) السلمي (﵁)، تقدمت ترجمته في باب: الاستطابة: (أن النبي ﷺ كان يصلي) الصلاة المكتوبة؛ (وهو حامل أمامة). المشهور في الروايات بالتنوين، ونصب أمامة، وروي بالإضافة: كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (١) [الطلاق: ٣] (بنت) السيدة الجليلة (زينب) ﵄ (بنت رسول الله ﷺ ) أما زينب ﵂: فهي أكبر بناته ﷺ ، وأمها:- كسائر بناته - السيدةُ خديجة- ﵅، ولدت ﵂ قبل البعثة بعشر سنين، وتزوجها: ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، واسمه: مِقْسَم - بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح السين المهملة-، وقيل: لَقِيط -بفتح اللام، وكسر القاف، وبالطاء المهملة-؛ نقله ابن عبد البر، عن الأكثر، وقيل: هُشَيم -بضم الهاء، وفتح الشين المعجمة، فياء مثناة تحت، فميم-، وقيل: ياسر -بالمثناة تحت، وكسر السين المهملة-؛ وهو ختن النبي ﷺ . وهو المراد بقول المصنف -رحمه الله تعالى-: (ولأبي العاص بن الربيع)؛ أي: بنت زينب لأبي العاص، ووقع في بعض طرق البخاري: ابن ربيعة (٢)، وهو خلاف المشهور. ماتت السيدة زينب بالمدينة المشرفة، سنة ثمان من الهجرة، ونزل

стр. 1054

النبي ﷺ في قبرها - رضوان الله وسلامه عليها - (١). وأما أبو العاص بن الربيع ﵁، فأسلم، وحسن إسلامه، وكان يثني عليه رسول الله ﷺ خيراً في صهره، وأمه: هالة بنت خويلد، أخت خديجة شقيقتها، وكان مؤاخياً لرسول الله ﷺ ، مضيافاً له، وأبوه: الربيع بن عبد العزى (بن عبد شمس) بن عبد مناف، والمصنف نسب الربيع إلى جده عبد شمس، القرشي. استشهد ﵁ في خلافة الصديق، سنة اثنتي عشرة في ذي الحجة، يوم اليمامة ﵁ (٢). وأما أمامة ﵂: فتزوجها سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد موت خالتها، سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء - رضوان الله عليها، وسلامه-؛ كما أمرته فاطمة بذلك، زوجها منه الزبير بن العوام، بوصية أبيها إياه. ثم تزوجها بعد موت الإمام علي: المغيرةُ بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، بأمر علي إياه بذلك؛ خوفاً من أن يتزوجها معاوية، زوجها

стр. 1055

منه الحسن بن علي - رضوان الله عليهما-، فولدت للمغيرة: يحيى، وبه كان يكنى، وماتت عنده. قال ابن عبد البر: وقد قيل: إنها لم تلد لعلي، ولا للمغيرة؛ وكذلك قال الزبير: إنها لم تلد للمغيرة، وقال: وليس لزينب عقب، انتهى (١). وكذا قيل: ليس لرقية، ولا لأم كلثوم -أيضاً- عقب، وإنما العقب: لفاطمة - رضوان الله عليهن -. قوله: ولأبي العاص؛ كذا في الروايات -بإثبات الواو-، لكن رأيتها محكوكة من نسختي، قال الكرماني: الإضافة في قوله: "بنت زينب"، بمعنى اللام، فأظهر في المعطوف -وهو قوله: ولأبي العاص- ما هو مقدر في المعطوف عليه، انتهى. فعلمنا وجوب إثبات الواو، وأشار ابن العطار إلى أن الحكمة في ذلك: كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركاً، فنسبت إلى أمها؛ تنبيهاً لحقيقة نسبها، انتهى (٢).

стр. 1056

وهذا على السياق المذكور؛ وهو لمالك وحده، وقد رواه غيره؛ فنسبوها إلى أبيها، ثم بينوا أنها بنت زينب؛ كما هو عند مسلم (١)، وغيره (٢). وللإمام أحمد، من طريق المقبري، عن عمرو بن سليم: يحمل أمامة بنت أبي العاص- وأمُّها زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ على عاتقه (٣). وفي مسلم: رأيت رسول الله ﷺ يؤم للناس، وأمامةُ على عاتقه (٤). (فإذا سجد، وضعها، وإذا قام، حملها)؛ كذا لمالك عندهما. وعند مسلم، من طريق عثمان بن أبي سليمان (٥)، والإمام أحمد من طريق ابن جريج، عن عامر بن عبد الله -شيخ مالك-: فإذا ركع، وضعها، وإذا رفع من السجود، رفعها (٦). وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: ثم ركع، وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده، وقام؛ أخذها، فردها في مكانها (٧)؛ وهذا صريح في: أن فعل الحمل، والوضع كان منه، لا منها. بخلاف ما أوَّله الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية، كانت قد

стр. 1057

ألفته؛ فإذا سجد، تعلقت بأطرافه، والتوَتْ، فينهض من سجوده؛ فتبقى محمولة لذلك، إلى أن يركع؛ فيرسلها، قال: هذا وجه عندي (١). وقال ابن دقيق العيد: من المعلوم أن لفظ "حمل"، لا يساوي لفظ "وضع"؛ في اقتضاء فعل الفاعل، لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمله إياه، بخلاف وضع، وعلى هذا فالفعل الصادر منه، هو الوضع، لا الرفع؛ فيقل العمل، وقد كنت استحسنت ذلك، إلى أن رأيت في بعض طرق هذا الحديث الصحيحة: فإذا قام، أعادها، وهذا يقتضي الفعل ظاهراً، انتهى (٢). وهذه التي أشار إليها رواية مسلم (٣)، ورواية أبي داود أصرح من هذه؛ وهي: ثم أخذها، فردها في مكانها، فإذا قام، حملها، فوضعها على رقبته (٤). ومحل الدليل في هذا الحديث: أنه عمل يسير، فلا يبطل الصلاة، فمن قيد العمل بثلاث حركات، يحتاج إلى أن يجيب عن هذا الحديث، ومن لم يقيده بالثلاث؛ فلا يحتاج إلى ذلك.

стр. 1058

وقد اختلف تأويلهم في ذلك؛ وذلك أنهم عدوه عملاً كثيراً. قال ابن القاسم، عن مالك: أنه كان في النافلة؛ وهذا تأويل بعيد، فإن ظاهر الأحاديث: أنه كان في فريضة (١)، وتقدم ما ثبت في مسلم: رأيت النبي ﷺ يؤم الناس، وأمامة على عاتقه (٢). والظاهر: أن إمامته بالناس في المكتوبة، وأما في النافلة؛ فليست بمعهودة، يؤيد كونه في المكتوبة: حديث: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر، أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج إلينا، وأمامة على عاتقه، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، وكبرنا، وهي في مكانها" (٣). وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي (٤): الصبح، ووهم من عزاه للصحيحين. وقد كثرت أجوبة العلماء عن هذا الحديث، وقل أن يخلو منها من نظر؛ فقيل: منسوخ (٥)، وقيل: إن ذلك من خصائصه (٦)؛ وكل ذلك دعوى لا برهان عليها. وحمل ذلك أهل العلم من المحققين على: أنه عمل غير متوال، فلا يبطل الصلاة (٧).

стр. 1059

وقال النووي: ادعى بعض المالكية: أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم: أنه من خصائصه، وبعضهم: أنه كان لضرورة؛ وكل ذلك دعوى باطلة مردودة، لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال، وأجسادهم محمولة على الطهارة؛ حيث لم تتبين النجاسة. والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت، وتفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز (١). وقال الفاكهاني: كأن السر في حمله ﷺ أمامة في الصلاة: دفعاً لما كانت العرب تألفه؛ من كراهة البنات، وحملهن؛ فخالفهم في ذلك، حتى في الصلاة؛ للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول (٢). وفيه دليل على: صحة صلاة من حمل آدمياً، أو حيواناً طاهراً، وأن ما عفي عنه في حق المحمول، عفي عنه في حق الحامل؛ كما هو مذهبنا. والشافعية يجيبون عن ذلك: بأنها واقعة حال؛ فيحتمل أن تكون أمامة كانت حينئذ قد غسلت؛ كما يحتمل أنه ﷺ كان يمسها بحائل. وفيه: جواز إدخال الصبيان المساجد، وما كان عليه ﷺ ؛ من التواضع، وشفقته على الأطفال، والكرامة عليهم؛ جبراً لهم، ولوالديهم (٣). وفي هذا الحديث: قمع للمتنطعين، ورغم أنوف المتوسوسين، ودحض دعوى المتعمقين، والله أعلم. * * *

стр. 1060

الحديث الرابع عشر عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ" (١). * * * (عن) أبي حمزة (أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ ): أنه (قال: اعتدلوا)؛ أي: كونوا متوسطين بين الافتراش والقبض.

стр. 1061

وقال ابن دقيق العيد: الاعتدال هنا محمول على أمر معنوي؛ وهو وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ فإن الأمر الخلقي الذي طلبناه في الركوع، لا يتأتى (في السجود)؛ فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا: ارتفاع الأسافل على الأعالي؛ حتى لو تساويا، ففي بطلان الصلاة وجهان، لأصحاب الشافعي. قال: ومما يقوي هذا الاحتمال: قوله ﷺ : (ولا يبسط أحدكم ذراعيه) (١) تثنية ذِراع -بالكسر-؛ وهو من طرف المرفق، إلى طرف الإصبع الوسطى (٢)، والمراد: ما بين المرفق، ومفصل الكف. وفي رواية في البخاري، وغيره: "ولا ينبسط"، قال في "الفتح": كذا للأكثر -بنون ساكنة، قبل الموحدة-، وللحموي: "يبتسط" -بمثناة بعد الموحدة-. وأما التي اقتصر عليها الحافظ المصنف ﵀، فهي: رواية ابن عساكر (انبساط) بالنون، وعلى رواية الحموي: بالمثناة، وعلى الرواية التي اقتصر عليها المصنف ﵀ فالتقدير: ولا يبسط ذراعيه، فينبسط انبساط (الكلب) (٣). قال ابن دقيق العيد: إنه كالتتمة للأول، والأول كالعلة له؛ فيكون الاعتدال -الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع- علةً لترك الانبساط كانبساط الكلب؛ فإنه مناف لوضع الشرع، وقد ذكر في هذا الحديث الحكم مقروناً بعلته؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة،

стр. 1062

ومثله في التنفير: "الراجع في هبته، كالكلب يعود في قيئه" (١). وتقدم -في الحديث الثاني من الباب- ما لعله يشفي ويكفي، والله أعلم. تنبيه: معتمد المذهب: إن علا موضع رأسه على موضع قدميه، فلم تستعل الأسافل بلا حاجة، كره، وصحت صلاته، وقيل: تبطل، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وقال أبو الخطاب، وغيره من علمائنا: إن خرج به عن صفة السجود، لم يجزه، والله أعلم (٢). * * *

стр. 1063

باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود الطمأنينة:-بضم الطاء، وبعدها ميم مفتوحة، وبعد الميم همزة ساكنة، ويجوز تخفيفها بقلبها ألفاً-، قال الجوهري: اطمأن الرجل اطْمِئناناً وطُمأنينة: سكن، واطبأنَّ: مثلُه على الإبدال (١). قال الإمام الموفق في "المغني": معنى الطمأنينة: أن يمكث إذا بلغ حد الركوع قليلاً (٢)، انتهى (٣). وفي "الفتح": الطمأنينة، المراد بها: السكون، وحدُّها: ذهاب الحركة التي قبلها (٤). وفي "تنقيح التحقيق" للحافظ ابن عبد الهادي: الطمأنينة في الركوع والسجود: فرض (٥). وقال أبو حنيفة: قيل: سنة، وقيل: واجب؛ يجب

стр. 1064

بتركها ساهياً سجود السهو (١)؛ وهذا سر تنصيص الحافظ -رحمه الله تعالى- على الركوع والسجود، وإلا فهي في كل ركن فعلي. ثم إنه ذكر في هذا الباب: حديث المسيء في صلاته، فقال: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ فَصَلَّى كَما صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، ثَلاثاً، فَقالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ! ما أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، وَافْعَلْ ذَلِكَ في صَلاتِكَ كُلِّها" (٢).

стр. 1065

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁: أن النبي ﷺ دخل المسجد) النبوي، فجلس، (فدخل رجل)، وفي لفظ: دخل رجل المسجد (١)، (فصلى)، والنبي ﷺ في المسجد. ووقع في حديث رفاعة بن رافع عند ابن أبي شيبة في هذه القصة: فدخل رجل، فصلى صلاة خفيفة، لم يتم ركوعها، ولا سجودها (٢). وفي رواية: ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد (٣). وعند النسائي: بينما رسول الله ﷺ جالس، ونحن حوله (٤). وهذا الرجل هو: خلاد بن أبي رافع، جد علي بن يحيى؛ كما جاء مصرحاً به في رواية ابن أبي شيبة، ولفظه: عن علي بن يحيى، عن رفاعة: أن خلاداً دخل المسجد (٥).

стр. 1066

(ثم جاء)؛ أي: بعد صلاته، (فسلم على النبي ﷺ )، ومن معه من أصحابه ﵃، وفي بعض الروايات عند النسائي: أنه صلى ركعتين؛ وفيه إشعار بأنه صلى نفلاً، والأقرب أنها: تحية المسجد، وفي رواية النسائي هذه: أنه كان النبي ﷺ يرمقه في صلاته (١). وفي بعض الألفاظ: فجاء، فسلم (٢)، وهي أولى؛ لأنه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخٍ. وفي رواية في "الصحيحين"، وغيرهما: فرد ﵇ (٣)، وفي لفظ في الصحيح: (فقال): "وعليك السلام" (٤). (ارجع فصل)، وفي رواية ابن عجلان، عند الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما: "أعد صلاتك" (٥)؛ (فإنك لم تصل).

стр. 1067

قال القاضي عياض: فيه: أن صلاة الجاهل في العبادة، على غير علم، لا تجزىء (١)؛ وهو مبني على أن المراد بالنفي: نفي الإجزاء؛ وهو الظاهر. ومن حمله على نفي الكمال، تمسك بأنه ﷺ لم يأمره بعد التعليم بالإعادة -يعني: لما تقدم من صلاته-، فدل على إجزائها، وإلا لزم تأخر البيان عن وقت الحاجة؛ كذا قال بعض المالكية، وهو المهلب، ومن تبعه. ونظر فيه في "الفتح"؛ لأنه ﷺ قد أمره -في المرة الأخيرة- بالإعادة، فسأله التعليم، فعلمه؛ فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية (٢). ويأتي الكلام على ذلك في آخر الحديث بأبسط من هذا. (فرجع) الرجل، (فصلى) ثانياً؛ (كما صلى) أول مرة، (ثم جاء فسلم على النبي ﷺ )؛ أي: ومن معه من الصحابة، فرد عليه كما تقدم، (فقال) له: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، فعل ذلك (ثلاثاً) من المرات، (فقال) في الثالثة، أو في التي بعدها (٣). وفي رواية: فقال في الثانية، أو الثالثة (٤)، ويترجح كونه في الثالثة؛ لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه كان من عادته ﷺ : استعمال الثلاث في تعليمه غالباً (٥).

стр. 1068

(والذي بعثك بالحق) نبياً (ما أُحْسِن غيره)، وفي لفظ: غير هذا (١)؛ (فعلِّمني)، وفي لفظ: "فأرني، وعلمني؛ فإنما أنا بشر، أصيب وأخطىء" (٢). (فقال): أجل، (إذا قمت إلى الصلاة، فكبر)، في رواية ابن نمير: "إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر" (٣). (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، قال في "الفتح": لم تختلف الروايات في هذا عن أبي هريرة (٤). وفي حديث رفاعة بن رافع، عند أبي داود، والدارقطني، وفيه: فلما صلى، فسلم، فقال له النبي ﷺ : "وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل"، قال همام: لا أدري، أمره بذلك مرتين، أو ثلاثاً؟ فقال الرجل: ما ألوت، وما أدري ما عبت علي من صلاتي، فقال رسول الله ﷺ : "إنها لا تتم صلاة أحدكم، حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه، ويديه [إلى] المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويثني عليه، ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له فيه، وتيسر" (٥). وللإمام أحمد، وابن حبان، من هذا الوجه: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم

стр. 1069

اقرأ بما شئت" (١)، وترجم له ابن حبان: البيان بأن فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة (٢). (ثم اركع، حتى تطمئن راكعاً)، وفي رواية عند الإمام أحمد: "فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ومكن لركوعك" (٣). وفي رواية إسحق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيركع؛ حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي" (٤). (ثم ارفع) من ركوعك، (حتى تعتدل قائماً)، وفي رواية: "حتى تطمئن قائماً"، أخرجه ابن أبي شيبة، بإسناد على شرط مسلم (٥)؛ وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه، وغيره (٦). وفي حديث رفاعة عند الإمام أحمد: "فإذا رفعت رأسك، فأقم صلبك؛ حتى ترجع العظام إلى مفاصلها" (٧)؛ فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال، على شرط الشيخين. وبهذا عرف ما في كلام بعض الشافعية: في القلب من إيجاب الطمأنينة

стр. 1070

في الرفع من الركوع شيء؛ لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته (١). والحاصل: أن الأحاديث صحت بالأسانيد الثابتة، بوجوبها في الاعتدال من الركوع؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم عن الاعتدال من الركوع: إنه ركن مقصود، بذكر مقصود، ليس بدون الركوع والسجود (٢). (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيسجد، حتى يمكن وجهه، أو جبهته؛ حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي" (٣). (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)، وفي رواية إسحق المذكورة: "ثم يكبر فيرفع؛ حتى يستوي قاعداً على مقعدته، ويقيم صلبه". وفي رواية: "فإذا جلست في وسط الصلاة؛ فاطمئن جالساً، ثم افترش فخذك اليسرى (٤) "، وفي حديث رفاعة، عند الإمام أحمد: "فإذا سجدت؛ فمكن لسجودك، فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى" (٥). (وافعل ذلك في صلاتك كلها)، وفي لفظ: "ثم افعل" (٦)، وعند الإمام أحمد، من حديث رفاعة: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة" (٧).

стр. 1071

واستدل بهذا الحديث على: وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة؛ وبه قال الجمهور. واشتهر عن الحنفية: أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم. واعلم: أن المصنفين قد أكثروا من الاستدلال بهذا الحديث نفياً وإثباتاً، وحمَّلوه فوق وسعه، وطريق الإنصاف لا يخفى؛ فإن الظاهر من حال المصطفى ﷺ أنه إنما علم الرجل الأمور التي أخل بها؛ فما لم يذكره له، فلا يخلو؛ إما أن يرد بدليل خاص فيعمل به، وإلا فيسوغ الاستدلال به عليه. وأما الأخبار التي وردت في الأذكار ونحوها، فلا يسوغ أن يقال: إنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته، فيهمل العمل بمقتضى الأحاديث الواردة، مما سندُها فوق سند هذا الحديث، أو مثله، أو دونه؛ بمجرد سكوت النبي ﷺ عن ذكرها، هذا عدول عن سنن الشريعة. فمن ذلك: تسبيحات الركوع والسجود، والذكر بين السجدتين، وذكر الرفع من الركوع والاعتدال، وتكبيرات الانتقال؛ فلا يسوغ إلغاء الأحاديث الواردة في ذلك كله؛ لعدم ذكرها في هذا الحديث؛ فإنه لم يذكر فيه النية، وهي ركن، أو شرط باتفاق منَّا ومنهم، وكذلك لم يذكر التشهد الأول والأخير، ولا الجلوس لهما، ولا السلام؛ وكل هذه ثابتة بأحاديث تخصها. والحاصل: ما ورد فيه حديث يوجبه، أو ينفيه، أو يندبه، عُمل بمقتضاه، وما لم يرد به شيء، ولم يذكر في هذا الحديث صلح أن يستدل له بهذا، وهذا بين ظاهر، ولله الحمد.

стр. 1072

وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب الإعادة على من أخل بشيء من واجبات الصلاة. وربما استدل به على أن الشروع في النافلة ملزم، لكن يحتمل كون تلك الصلاة كانت فريضة، فيقف الاستدلال. وفيه: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة [وتلخيص] (١) المقاصد، وطلب المتعلم من العالم أن يعلمه. وفيه: تكرير السلام، ورده، وإن لم يخرج من الموضع؛ إذا وقعت صورة انفصال. وفيه: جلوس الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه. وفيه: الامتثال للعالم، والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ، والحلف، وأن يحلف. وفيه: أن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن، إلا ما زادته السنة، [فيندب]. وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ، ومعاشرته. وفيه: جواز تأخير البيان في المجلس؛ للمصلحة، وقد استشكل تقرير النبي ﷺ له على صلاته وهي فاسدة؛ على القول بأنه أخل ببعض الواجبات.

стр. 1073

وأجاب المازري: بأنه أراد استدراجه، بفعل ما جهله مرات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسياً، أو غافلاً؛ فيتذكره، فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ؛ بل من باب تحقيق الخطأ. وللنووي نحوه: وإنما لم يعلمه أولاً؛ ليكون أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره، بصفة الصلاة المجزئة (١). وقال الحافظ ابن الجوزي: فيحتمل أن يكون ترديده؛ لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته؛ فأراد إيقاظ الفطنة للمتروك (٢). وقال ابن دقيق العيد: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا بد من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجيه سؤاله؛ مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة إلى التعليم، ولاسيما مع أمن خوف الفوات؛ إما بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص (٣). والمقصود الأعظم: وجوب الطمأنينة في الركوع، والاعتدال، والسجود والاعتدال منه. وفي حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود" رواه الإمام أحمد، والترمذي، وقال: حديث صحيح (٤).

стр. 1074

وروى الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما، عن أبي وائل، عن حذيفة ﵁: أنه رأى رجلاً، لا يتم ركوعاً، ولا سجوداً، فلما انصرف من صلاته، دعاه حذيفة، فقال له: منذ كم صليت هذه الصلاة؟! قال: قد صليتها منذ كذا، وكذا، فقال حذيفة: ما صليت، أو ما صليت لله صلاة -شك مهدي-، وأحسبه قال: لو مت، مت على غير سنة محمد ﷺ (١). والله تعالى الموفق. * * *

стр. 1075

باب القراءة في الصلاة أي: وجوبها؛ فهي -يعني: فاتحة الكتاب- ركن في كل ركعة؛ ؤوفاقاً لمالك، والشافعى. وعند أبى حنيفة: تكفى آية من غيرها، وظاهره: ولو قَصُرت. قال في "الفروع": ظاهره: ولو كانت كلمة، قال: وللحنفية خلاف، لا بعضَ آية، إلا أن تكون طويلة، وعند صاحبيه: تكفي آيةٌ طويلة، أو ثلاثٌ قصار، وعند أبي حنيفة: لا تجب قراءة، في غير الأولتين والفجر؛ فإن شاء سَّبحَ، وإن شاء سكت (١). ثم إن الحافظ -طيب الله ثراه- ذكر في هذا الباب ستة أحاديث. * * *

стр. 1076

الحديث الأول عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (١). (عن) أبي الوليد (عُبَادة) -بضم العين المهملة، وتخفيف الباء الموحدة - (بن الصامت) -بالصاد المهملة، فألف ساكنة، فميم مثناة فوق-، بنِ

стр. 1077

قيسِ بنِ أصرمَ بنِ ثعلبةَ بنِ غنمِ بنِ سالمِ بنِ عوفٍ، الأنصاريِّ، الخزرجيِّ. كان ﵁ أحد النقباء الاثني عشر، وشهد العقبة الأولى، والثانية، والثالثة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مرثد كناز بن حصن الغنوي، وشهد بدراً، والمشاهد كلها. استعمله النبي ﷺ على الصدقات، وكان يعلم أهل الصفة القرآن. ولما فتحت الشام، ولاَّه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قاضياً ومعلماً وإماماً بحمص، وأرسل أيضاً معاذاً وأبا الدرداء؛ ليعلموا الناس، ويفقهوهم؛ فأقام عبادة (﵁) بحمص، ومعاذ بفلسطين، وأبو الدرداء بدمشق، ثم صار عبادة إلى فلسطين، بعد موت معاذ ﵁. ومات عبادة ﵁ بالرملة؛ كما رجحه ابن الأثير، لكن النووي رجح: أنه مات ببيت المقدس، وقيل: إنه مات بفلسطين، ودفن ببيت المقدس، وكان ذلك سنة أربع وثلاثين، وقيل: خمس وأربعين، والأول أصح؛ وهو ابن اثنين وسبعين. قلت: له بظاهر القدس لصق السور (١) في الجانب الشرقي قبرٌ يزار ويتبرك به، وقد زرته، ولله الحمد. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وثمانون حديثاً؛ اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم باثنين. روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وفضالة بن جبير، والمقدام، وغيرهم من الصحابة، والتابعين ﵀، ورضي عنه- (٢).

стр. 1078

(أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة) شرعية صحيحة مسقطة للفرض، الذي أوجبه الله على عباده (لمن)، أي: لمكلف، ولا غيره (لم يقرأ) في تلك الصلاة (بفاتحة الكتاب) في كل ركعة منها. وهي أفضل سورة في القرآن؛ قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر معناه ابن شهاب، وغيره (١). قال ﷺ فيها: "أعظم سورة في القرآن؛ وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته" رواه البخاري، وغيره (٢). وآية الكرسي أعظم آية؛ كما رواه مسلم، وكذا رواه الإمام أحمد (٣). وللترمذي، وغيره: "إنها سيدة آي القرآن" (٤)؛ وقاله إسحاق بن راهويه، وغيره، وقاله شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)؛ كما نطقت به النصوص.

стр. 1079

وفي حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قرأ عليه أُبي بن كعب فاتحة الكتاب، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؛ إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت" رواه الترمذي، وصححه، والنسائي بمعناه، وغيرهما (١). قال الحافظ ابن رجب في كتابه "الحجة الواضحة في وجوب الفاتحة" (٢): وسبب ذلك: أن هذه السورة اشتملت على أصول قواعد الإسلام، وأهم مقاصد الدين؛ بما تضمنته من ذكر الحمد لله، والثناء عليه، وتمجيده، وذكر أصول الأسماء الحسنى؛ وهي: الله، والرب، والرحمن، والرحيم، والمالك؛ فإن معاني سائر الأسماء الحسنى ترجع إليها، ومحلى ذكر توحيد الإلهية بالعبادة التي لأجلها خلق الخلق، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب. وتوحيد الربوبية؛ بالتوكل، والاستعانة، والتفويض. وعلى الدعاء الذي لا غنى لأحد عنه طرفة عين، ولا سعادة لأحد في الدارين إلا بحصول مطلوبه منه؛ وهو هداية الصراط المستقيم. وعلى ذكر الجزاء، وإدانة العباد بأعمالهم، وافتراق الخلق، وانقسامهم إلى منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالين. وسميت فاتحة الكتاب؛ لأنه يفتتح بها في المصاحف؛ فتكتب قبل الجميع (٣).

стр. 1080

وتسمَّى أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله، والتعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذكر الذات، والصفات، والفعل، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد، والمعاش. وللفاتحة أسماء أخرى، جمعت من آثار وأخبار؛ منها: الكنز، والوافية، والشافية، والكافية (١). قال الحافظ ابن رجب: سميت الكافية؛ لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي غيرها عنها. قال: والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلفة من أقوال، وأفعال، وأفضل أقوالها وأوجبه: قراءة القرآن، وأفضك أفعالها وأوجبه: السجود؛ وقد جمع الله بين هذين الأمرين، في أول سورة أنزلها من القرآن وهي: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]. فافتتحها بالأمر بالقراءة، وختمها بالأمر بالسجود؛ فوضعت الصلاة على ذلك، أولها قراءة، وآخرها سجود؛ فكما أن السجود لا يقوم مقامه غيره من أنواع الخضوع والذل؛ فكذلك قراءة سورة الفاتحة، لا يقوم غيرها من سور القرآن مقامها. فإن فضل هذه السورة على غيرها من السور، أعظمُ من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال الخضوع، فإذا لم يقم مقام الركوع والسجود غيره من أفعال الخضوع والتذلل؛ فلأن لا يقوم مقام الفاتحة غيرها من الأقوال أولى.

стр. 1081

ولا ريب أن القراءة في الصلاة ركن من أركانها؛ فتكون معينة كسائر الأركان؛ فإن أركان الصلاة نوعان: فعلية، وقولية، وكل أركانها الفعلية متعينة، لا يقوم غيرها مقامها مع القدرة؛ كالقيام، والقعود، والركوع، والسجود؛ فكذلك أركانها القولية متعينة -أيضاً-؛ كالتكبير للتحريم، والتسليم للتحليل، والتشهد. وهذا، وإن نازع فيه من نازع، لكن الواجب اتباعه النص، وقد ثبت بالنصوص الصحيحة الدالة على المقصود الدلانة الصريحة؛ فوجب المصير إليه، وليس مع من لم يوجب الفاتحة ما ينهض بحجة ناجحة، كيف، والمصطفى يقول -بما ثبتت به النقول من غير شك ولا ارتياب-: "لا صلاة لمن، لم يقرأ بفاتحة الكتاب"؟! وقال الحافظ ابن عبد الهادي، في "تنقيح التحقيق": لا تصح الصلاة إلا بفاتحة الكتاب. وقال أبو حنيفة: يجزئه آية. لنا: حديثان: فذكر حديث عبادة بن الصامت هذا، قال: وأخرجه الدارقطني، بلفظ: "لا تجزىء صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقال: إسناده صحيح (١). الثاني: حديث أبي هريرة، رواه الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما، ولفظه: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ :"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن؛ فهي خداج، هي خداج، غير تمام"، فقال أبو السائب: قلت:

стр. 1082

يا أبا هريرة! أنا أحياناً أكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، يا فارسي!! (١). تنبيهان: الأول: تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة، وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة إلا في ركعتين، ويأتي في الحديث الآتي: التصريح بالقراءة بالفاتحة في الركعتين الأخيرتين، وفي حديث أبي الدرداء: أن رجلاً قال: يارسول الله! أفي كل الصلاة قراءة؟ فقال: "نعم"، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه. رواه الإمام أحمد (٢). قال ابن الجوزي: وقد روى أصحابنا من حديث عبادة، وأبي سعيد ﵄، قالا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بالفاتحة في كل ركعة، ورووا: أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة"، قال ابن الجوزي: وما عرفت هذين الحديثين (٣). قال الحافظ ابن عبد الهادي: حديث عبادة، وأبي سعيد؛، رواه إسماعيل بن سعيد الشالنجي (٤)، وروى حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ في

стр. 1083

كل ركعة بفاتحة الكتاب"، من حديث أبي سعيد -أيضاً-، انتهى (١). ولا يصح حديث يتمسك به القائل بعدم وجوب القراءة، والله تعالى الموفق. الثاني: لا تجب القراءة على المأموم، وفاقاً لأبي حنيفة، ومالك؛ أي: يحملها الإمام عنه، وإلا فهي واجبة عليه. وعن الإمام أحمد رواية ثانية: تجب؛ ذكرها الترمذي (٢)، والبيهقي، واختاره الآجري. نقل الأثرم، عن الإمام أحمد ﵁: لا بد للمأموم من قراءة الفاتحة، ذكره ابن الزاغوني من علمائنا، قال: وكثير من أصحابنا لا يعرف وجوبه؛ حكاه في "النوادر"، واستظهر هذا القول في "الفروع"؛وفاقاً للشافعي. ونقل أبو داود، عن الإمام أحمد: يقرأ خلفه في كل ركعة إذا جهر، وقال: في الركعة الأولى تجزىء (٣)، وهي مستحبة: بـ"الحمد"، ويقرأ في السكتات، ولو لتنفس. وقال أبو حنيفة: تكره، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا تكره بالإجماع، كذا قال. نعم، تكره القرَاءة في حال جهر الإمام؛ وفاقاً لمالك (٤). واحتج علماؤنا، ومن وافقهم، لعدم وجوب القراءة على المأموم: بما

стр. 1084

روى الإمام أحمد، من حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "من كان له إمام، فقراءته له قراءة"، ورواه الدارقطني (١). ورواه -أيضاً- من طريق أخرى، بلفظ: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة" (٢). ومن طريق أخرى، عن جابر، مرفوعاً: "من صلى خلف الإمام، فقراءة الإمام له قراءة" (٣). وعن مالك بن أنس -الإمام-، ثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: "كل صلاة، لا يقرأ فيها بأم الكتاب؛ فهي خداج، إلا أن يكون وراء الإمام" رواه الدارقطني (٤). وروى الدارقطني، من حديث ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة" (٥). ومن حديث علي ﵁، قال: قال رجل للنبي ﷺ : أقرأ خلف الإمام، أو أنصت؟ قال: "بل أنصت، فإنه يكفيك" (٦).

стр. 1085

ومن حديث ابن عباس ﵄، مرفوعاً: "تكفيك قراءة الإمام؛ خافَتَ، أو جاهر" (١). ومن حديث عمران بن حصين ﵁: كان النبي ﷺ يصلي بالناس، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ، قال: "من ذا الذي يخالجني سورتي؟! "، فنهاهم عن القراءة خلف الإمام (٢). ومن حديث أبي الدرداء ﵁: سئل رسول الله ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم"، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال رسول الله ﷺ لي -وكنت أقرب القوم إليه-: "ما أرى الإمام، إذا أم القوم، إلا قد كفاهم" (٣). ومن حديث أبي هريرة ﵁: "من كان له إمام، فقراءته له قراءة" (٤). وقل حديث منها، إلا وفيه مقال، والله أعلم (٥). * * *

стр. 1086

الحديث الثاني عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَينِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ؛ بفاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْن؛ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، يُسْمعُ الآيةَ أحياناً، وكان يقرأ في العَصْرِ بفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأُوَلى، وَيُقَصِّرُ في الثانِيَةِ، وكَانَ يُطَوِّلُ فَي الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ بِأُمِّ الكِتَابِ (١).

стр. 1087

(عن أبي قتادة) الحارت بن ربعي (الأنصاري ﵁، قال: كان)، تقدم -غير مرة-: أنها تفيد الكثرة، أو المداومة (رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين) بتحتانيتين تثنية أولى (من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب) تقدم سبب تسميتها بذلك، وباقي أسمائها، ومن أسمائها -غير ما تقدم-: سورة الحمد، والحمد لله، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والأساس، وسورة الشكر، وسورة الدعاء (١). (و) كان ﷺ يقرأ مع فاتحة الكتاب بـ (سورتين) تتنية سورة" وهي من القرآن معروفة، سميت بذلك؛ لأنها مَنْزِلة بعد مَنْزِلة، مقطوعة عن الأخرى (٢)، (يطول في الأولى) من الركعتين الأوليين، لطول السورة التي يقرؤها فيها، (ويقصر في) الركعة (الثانية). قال في "الفتح" -كغيره-: كأن السبب في ذلك: أن النشاط [كان] (٣) في الأولى يكون أكثر؛ فناسب التخفيف في الثانية؛ حذراً من الملل (٤). وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى، في آخر هذا الحديث:

стр. 1088

فظننا أنه يريد بذلك: أن يدرك الناس الركعة الأولى (١). ولأبي داود، وابن خزيمة، نحوه؛ من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر (٢). وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني لأحب أن يطول الإمام الركعة الأولى، على الثانية (٣). واستدل بظاهر الحديث: على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة (٤)، زاد البغوي: ولو قصرت السورة عن المقروء، وكأنه مأخوذ من قوله: كان يفعل " لدلالته على الدوام، أو الغالب (٥). وفي "الفروع": تستحب سورة؛ نص على ذلك -يعني: الإمام أحمد-، قال القاضي وغيره: تجوز آية، إلا أن الإمام أحمد استحب كونَها طويلة؛ فإنه قال: تجزىء مع ﴿الحمد﴾ آية؛ مثل: آية الدين، وآية الكرسي (٦). (يسمع الآية) -بضم المثناة تحت-، وفي رواية: ويسمعنا (٧)، وفي حديث البراء: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآية؛ من سورة لقمان، والذاريات. رواه النسائي (٨)، ورواه ابن خزيمة، من

стр. 1089

حديث أنس بمعناه، ولكن من: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والغاشية (١). (أحياناً) يدل على: تكرر ذلك منه. وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على: جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة، كأنه مأخوذ من سماع بعضها، مع قيام القرينة على قراءة باقيها، واحتمالُ كونِ الرسول ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائماً أو غالباً بقراءة السورتين بعيد جداً (٢). (وكان) رسول الله ﷺ ، (يقرأ في) صلاة (العصر بفاتحة الكتاب، وسورتين). ذكر في "الفروع": ذكر جماعة: أن المستحب أن تكون القراءة في الظهر أزيدَ من العصر، ونقل حرب -يعني: عن الإمام أحمد ﵁: في العصر يعني: المستحب-: أن تكون القراءة في العصر- نصف الظهر؛ لخبر أبي سعيد (٣)، وإن عكس، فقيل: يكره، وقيل: لا (٤).

стр. 1090

وكان ﷺ (يطول) القراءة (في) الركعة (الأولى)؛ كما هو مندوب لما تقدم في الظهر، (ويقصر في الثانية). ومن لم يستحب من العلماء تطويل الركعة الأولى على الثانية، قال: إنما طالت الأولى بدعاء الاستفتاح والتعوذ، وأما في القراءة، فهما سواء (١)، يدل له حديث أبي سعيد، عند مسلم: كان يقرأ في الظهر في الأوليين، في كل ركعة؛ قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين؛ خمس عشرة آية، قال: ونصف ذلك في العصر، في الركعتين الأوليين، في كل ركعة؛ قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين؛ قدر نصف ذلك (٢). وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حزروا ذلك من الصحابة، كانوا ثلاثين (٣). (وكان) ﷺ (يطول في) قراءة (الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في) قراءة الركعة (الثانية) دون الأولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر بنحو ستين آية، إلى مئة آية (٤)، يقرأ في الركعة الواحدة: بقاف (٥)، أو الطور، أو ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وفي
следующие страницы →