← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فالتكبير لمجضن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيئاتها، فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون: الله أكبر، فلا أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد. وهذا التحليل المتضمن للإحسان إلى إخوانه المؤمنين؛ فافتتحت بالإخلاص، وختمت بالإحسان (١). وحديث: "تحليلها التسليم" أخرجه أصحاب السنن، بسندٍ حسن (٢). وأما حديث: "إذا أحدث وقد جلس في آخر الصلاة قبل أن يسلم، فقد جازت صلاته" (٣)، فقد ضعفه الحفاظ (٤). تنبيهان: الأول:. لم يبين في هذا الحديث عدد التسليم، وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود ﵁، ومن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ التسليمتين. أما حديث ابن مسعود، فرواه مسلم، عن أبي معمر: [أنَّ] أميراً كان

стр. 982

بمكة يسلم تسليمتين، فقال عبد الله -يعني: ابن مسعود-: أنَّى عقلها (١)، إن رسول الله ﷺ كان يفعله (٢). وأما حديث سعد، فأخرجه مسلم، عنه، قال: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده. ورواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والنسائي (٣)، وروي نحو ذلك في عدة أحاديث. وأما حديث التسليمة الواحدة، فمعلول، كما قاله العقيلي (٤)، وابن عبدالبر (٥). وقد بسط ابن عبد البر الكلام على ذلك (٦). ومعتمد المذهب: لا بد من تسليمتين في صلاة الفرض، وفي النفل: الثانية سنة، وفي صلاة الجنازة: الثانية مباحة.

стр. 983

وعند مالك، والشافعي: يخرج من الصلاة -ولو مكتوبة- بتسليمة واحدة، والله تعالى الموفق (١). الثاني: ظاهر سياق المصنف الحافظ -روَّح الله روحه بالرحمة-: أن حديث عائشة هذا متفق من الشيخين، وليس كذلك، بل هو من أفراد مسلم، وقد نبه على ذلك ابن دقيق العيد (٢)، وغيره. وفي "الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحق الإشبيلي -بعد أن ذكر حديث عائشة المذكور عند مسلم-: لم يخرج البخاري هذا الحديث، ولكن أخرج في الركوع، والسجود، والجلوس، عن أبي حميد الساعدي، وغيره (٣). وحديث أبي حميد الساعدي: أخرجه البخاري، عن محمد بن عمرو بن عطاء: أنه كان جالساً مع نفرٍ من أصحاب النبي ﷺ ، فقال أبوحميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر، جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه، استوى حتى يعود كل فقارٍ مكانه، فإذا سجد، وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة، قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته. تفرد بهذا الحديث البخاري (٤).

стр. 984

قوله: هصر ظهره -بفتح الهاء والصاد المهملة-؛ أي: أماله (١). وفي رواية الكشميهني: أمال ظهره، والمعنى: ثناه في استواء من غير تقوس (٢). وفي رواية: غير مقنع رأسه ولا مصوِّبه (٣). وقوله: حتى يعودَ كلُّ فَقار، الفَقَار -بفتح الفاء والقاف- جمع فقارة: هي عظام الظهر، وهي العظام التي يقال لها: خرز الظهر (٤). وقال ابن سيده: هي من الكاهل إلى العجب (٥). وحكى ثعلب عن نوادر ابن الأعرابي: أن عدتها سبع عشرة. وفي "أمالي الزجاج": أصولها تسع غير التوابع. وعن الأصمعي: هي خمسٌ وعشرون، سبع في العنق، وخمس في الصلب، وبقيتها في أطراف الأضلاع (٦)، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 985

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمْرَ ﵄: أَنَّ النَبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ، وَإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ؛ رَفَعَهُمَا كذَلِكَ، وَقَالَ: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُوِد (١).

стр. 986

عن أبي عبد الرحمن (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄: أن النبي ﷺ كان) تقدم أنها تفيد الكثرة والمداومة، (يرفع يديه حذو)؛ أي: مقابل (منكبيه) تثنية مَنْكِب، وهو مجمع عظم العضد والكتف (١). (إذا افتتح الصلاة) بتكبيرة الإحرام. وفي رواية: كان يرفع يديه حين يكبر (٢)، فهو دليل المقارنة. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير، وعكسه، أخرجهما مسلم؛ ففي لفظٍ عند مسلم: رفع يديه ثم كبر (٣). وفي لفظٍ عنده: كبر ثم رفع يديه (٤). وفي المقارنة، وتقديم الرفع على التكبير، خلافٌ بين العلماء (٥). والمرجح عند علمائنا؛ كالشافعية: المقارنة. قال في "الفروع": ويرفع

стр. 987

يديه ندباً، نص عليه -يعني: الإمام أحمد-، أو إحداهما عجزاً مع ابتداء التكبير؛ وفاقاً للشافعي، وينهيه معه، نصَّ عليه، وعنه: يرفعهما قبله، ثم يحطُّهما بعده، وفاقاً للحنفية. ولم يعتبروا حطَّهما بعده؛ لأنه ينفي الكبرياء عن غير الله، وبالتكبير يثبتها لله، والنفي مقدم؛ ككلمة الشهادة، وقيل: يُخَيَّر، وهو أظهر. وقال الشافعي: يرفعهما معه، ثم يحطهما بعده، انتهى (١). والمرجح عند المالكية؛ كمعتمد المذهب: أنه يرفع يديه مع التكبير، وينتهي بانتهائه (٢)، وهو الذي صححه النووي من الشافعية في "شرح المهذب" (٣)، ونقله عن نص الشافعي (٤)، وصحح في "الروضة" تبعاً لأصلها: أنه لا حد لانتهائه (٥). وحكمته: ما ذكرناه من النفي والإثبات. وقيل: الحكمة في اقترانها: أن يراه الأصم، ويسمعه الأعمى. وقيل: الإشارة إلى طرح الدنيا، والإقبال بكليته على العبادة. وقيل: إلى الاستسلام والانقياد؛ ليناسب فعلُه قولَه: الله أكبر (٦)، أو لاستعظام ما دخل فيه. وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود.

стр. 988

وقيل: ليستقبل بجميع بدنه. وقال الربيع: قلت للشافعي: ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله، واتباع سنة نبيه (١). ونقل ابن عبد البر، عن ابن عمر ﵄: أنه قال: رفع اليدين من زينة الصلاة (٢). [وعن عقبة بن عامر قال:] بكل رفعٍ عشر حسناتٍ، بكل أصبع حسنة (٣). وقال أبو حفص من أئمة مذهبنا: يجعل المصلي يديه حذو منكبيه، وإبهاميه عند شحمة أذنيه؛ جمعاً بين الأخبار. وقاله في "التعليق" -يعني: القاضي أبا يعلى-. قال: وإن اليد إذا أطلقت، اقتضت الكف، وإن الإمام أحمد أومأ إلى هذا الجمع، وهو تحقيق مذهب الشافعي. قال في "الفروع": ولعل المراد: مكشوفتان، فإنه أفضل هنا، وفي الدعاء. قال: ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه، كما أن السبابة إشارة إلى الوحدانية، ذكره ابن شهاب، انتهى (٤). وقال الإمام النووي في "شرح مسلم": أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. وحكي وجوبه عند تكبيرة الإحرام عن داود، وبه قال أحمد بن [سيَّار] (٥) من أصحابنا، انتهى (٦).

стр. 989

واعترض عليه: بأن مالكاً لا يرى استحبابه، كما في رواية عنه، نقله صاحب "التبصرة" منهم، وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم. وأسلم العبارات قول ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة (١). وقول ابن عبد البر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة (٢). وممن قال بوجوب رفع اليدين أيضاً: الأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة، قاله في "الفتح"، قال: وحكاه القاضي حسين، عن الإمام أحمد (٣). قلت: ولم يحكه عنه في "الإنصاف" مع التزامه ذكر الخلاف، والله أعلم. فائدة: قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري (٤). قال في "الفتح": ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة: يأثم تاركه. ونقل ابن خزيمة: أنه ركن، واحتج ابن حزم بمواظبة النبي ﷺ على ذلك (٥)، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٦)، وكان ﷺ يرفع يديه إذا كبر للركوع (٧).

стр. 990

قال الإمام ابن القيم: في "صفة صلاة النبي ﷺ ": كان ﷺ يرفع يديه إذا كبر للركوع إلى أن يحاذي بهما فروع أذنيه، كما رفعهما في الاستفتاح، صح عنه ذلك، كما صح عنه التكبير للركوع (١). ونقل البخاري عقب هذا الحديث، عن شيخه علي بن المديني، قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع، والرفع منه؛ لحديث ابن عمر هذا (٢). (و) كان ﷺ (إذا رفع رأسه) الشريف (من الركوع) مكبراً، (رفعهما)؛ أي: يديه (كذلك)؛ أي: كما رفعهما عند تكبيرة افتتاح الصلاة التي هي تكبيرة الإحرام. وقد صنف الإمام البخاري في هذه المسألة جزءاً مفرداً، وحكى فيه عن الحسن، وحميد بن هلالٍ: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحداً. وقال محمد بن نصر المروزي: اجتمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك، إلا أهل الكوفة. وقال ابن عبد [البر] (٣): لم يرو أحدٌ عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم، والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر، وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك (٤).

стр. 991

ولم يحك الترمذي عن مالك غيره (١). ونقل الخطابي (٢)، وتبعه القرطبي في "المفهم" (٣): أنه آخر قولي مالكٍ، وأصحهما. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": رفع اليدين عند الركوع والاعتدال عنه، لم يعرفه أكثر فقهاء الكوفة؛ كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم. وأما أكثر فقهاء أهل الأمصار، وعلماء الآثار، فإنهم عرفوا ذلك، بما استفاضت به السنة عن النبي ﷺ ؛ كالأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وهو إحدى الروايتين عن مالك. فإنه قد ثبت في "الصحيحين"، من حديث ابن عمر، وغيره: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك بين السجدتين (٤). وثبت هذا في الصحيح من حديث مالك بن الحويرث (٥)، ووائل بن حجر (٦)، وأبي حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أحدهم أبو قتادة (٧). قال: وهو معروف من حديث علي بن أبي طالب (٨)،

стр. 992

وأبي هريرة (١)، وعدد كثير من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ . وكان ابن عمر ﵄ إذا رأى من يصلي لا يرفع يديه في الصلاة، حَصَبَه (٢). وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات (٣)، انتهى (٤). وقال الإمام أحمد: رفع اليدين من تمام الصلاة، فمن رفع يديه أتمُّ صلاةً ممن لم يرفع يديه. وقال محمد بن سيرين: رفع اليدين من تمام صحتها (٥)، وحكي عنه: أن من تركه، أعاد. وقال الإمام أحمد مرة: لا أدري. قال القاضي: إنما توقف على نحو ما يقوله ابن سيرين، ولم يتوقف على التمام الذي هو تمام فضيلة أو سنة. وقال الإمام أحمد عن رفع اليدين: من تركه، فقد ترك السنة. وقال له المروذي: من ترك الرفع يكون تاركاً للسنة؟ قال: لا نقول هكذا، ولكن نقول: راغب عن فعل النبي ﷺ . قال القاضي: إنما هذا على طريق الاختيار في العبارة؛ لأنه ﷺ سمى

стр. 993

تارك السنة: راغباً عنها، فَأَحَبَّ اتباعَ لفظ النبي ﷺ ، وإلا، فالراغب -في التحقيق- هو التارك. وقال الإمام أحمد لمحمد بن موسى: لا ينهاك عن رفع اليدين إلا مبتدع، فقد فعل ذلك رسول الله ﷺ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والكوفيون حجتهم: أن عبد الله بن مسعود لم يكن يرفع يديه، وهم معذورون قبل أن تبلغهم السنة الصحيحة، فإن عبد الله بن مسعود هو الفقيه الذي بعثه عمر بن الخطاب ليعلم أهل الكوفة السنة، لكن لقد حفظ الرفع عن النبي ﷺ كثير من الصحابة- رضوان الله عليهم-. وابن مسعود لم يصرح بأن النبي ﷺ لم يرفع إلا أول مرة، لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع إلا أول مرة، والإنسان قد ينسى وقد يذهل، وقد خفي عن ابن مسعود نسخ التطبيق في الصالأة، فكان يصلي، وإذا ركع، طبق بين يديه، كما كانوا يفعلون ذلك أول الإسلام (٢)، ثم نسخ التطبيق، وأمروا بالرُّكَب (٣)، وهذا لم يحفظه ابن مسعود ﵁ (٤). وأما حديث ابن مسعود ﵁: أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه عند الافتتاح، ثم لا يعود، أخرجه أبو داود (٥)، فرده الإمام الشافعي بأنه لم

стр. 994

يثبت، قال: ولو ثبت، لكان المثبت مقدماً على النافي (١). وقد صححه بعض أهل الحديث، لكنه استدل به على عدم الوجوب. والطحاوي (٢): إنما نصب الخلاف مع من يقول بوجوبه؛ كالأوزاعي، وبعض أهل الظاهر (٣). وقد نسب بعض المغاربة فاعل رفع اليدين إلى البدعة، وعبارة ابن دقيق العيد: لما ظهر لبعض متأخري فضلاء المالكية قوة الرفع في الأماكن الثلاث على حديمث ابن عمر، اعتذر عن تركه في بلاده، وقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه رفع يديه في الركوع، والرفع منه، ثبوتاً لا مردَّ لصحته، فلا وجه للعدول عنه، إلا أنَّ في بلادنا هذه يستحب للعالم تركُه؛ لأنه إن فعله، نسب إلى البدعة، وتأذَّى به في عرضه، وربما تعدت الأذية إلى بدنه، ووقاية البدن والعرض بتركه سنةً واجبٌ في الدين، انتهى (٤). وقد قال البخاري في "جزء رفع اليدين": من زعم أنه بدعة، فقد طعن في الصحابة؛ فإنه لم يثبت عن أحدٍ منهم تركُه، قال: والأسانيد أصح من أسانيد ترك الرفع. وذكر البخاري أيضاً: أنه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة.

стр. 995

وذكر الحاكم (١)، وأبو قاسم بن منده (٢): ممن رواه: العشرة المبشرة. قال في "الفتح": وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ: أنه تتبع من رواه من الصحابة، فبلغوا خمسين رجلاً (٣)، انتهى (٤). تنبيه: زعم بعض من لا تحقيق لديه في علوم الآثار: أن النبي المختار ﷺ إنما رفع يديه بسبب المنافقين الذين كانوا يصلون بالأصنام تحت آباطهم، فلما عدم ذلك الآن، لم يستحب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، وهذا مع كونه معلوماً عدمُ ثبوته، فهو جهل فاحش. ومن المعلوم أنهم كانوا يرفعون أيديهم مع تكبيرة الإحرام، فكانت تسقط الأصنام لو كانت، ثم إنَّ النبي ﷺ لا يقرهم على شيء من ذلك أبداً، وهذا لا ينبغي الاشتغال برده؛ لظهور فساده، ولا شك أن الرفع عند الركوع والرفع منه كالرفع عند تكبيرة الإحرام، فعلى من أسقط هذا أن يسقط الآخر، ولهذا لما صلى الإمام الجليل عبد الله بن المبارك بجنب أبي حنيفة ﵄، فرفع ابن المبارك يديه عند الركوع والرفع منه، قال له أبو حنيفة: تريد أن تطير؟ فقال له ابن المبارك: إن كنت تطير في أول مرة، فأنا أطير في هذه المرة، وإن كنت لا تطير في أول مرة، فأنا لا أطير في هذه المرة، والله الموفق.

стр. 996

(وقال) ﷺ في حال رفعه من ركوعه مع رفع يديه: (سمع الله لمن حمده). قال في "الفروع": معنى سمع -هنا-: أجاب (١). وقال ابن دقيق العيد: وقد فسر قوله: "سمع الله لمن حمده": استجاب الله دعاء من حمده (٢)، (ربنا ولك الحمد) وتقدم الكلام على ذلك، وله قول: "ربنا لك الحمد" بلا واو، وبها أفضل على الأصح، ولَهُ قولُ: "اللهم ربنا ولك الحمد"، وبلا واو أفضل، نص عليه الإمام أحمد، وهو رواية عند مالك (٣). قال الأثرم: سمدت أحمد يثبت الواو، وفي "ربنا ولك الحمد"، ويقول: ثبتت في عدة أحاديث (٤). تنبيه: مال الإمام ابن القيم إلى عدم ثبوت الواو في صيغة: "اللهم ربنا ولك الحمد"، وهي في "صحيح البخاري" في رواية الكشميهني (٥).

стр. 997

ومعتمد المذهب: الإجزاء بالصيغ الأربع، والله أعلم. (وكان) ﷺ (لا يفعل ذلك)، يعني: رفع اليدين (في السجود)، أي: لا في الهُوِيِّ إليه، ولا في الرفع منه، وفي البخاري، من حديث ابن عمر: ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود (١). وقد روى يحيى القطان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، هذا الحديث، وفيه: ولا يرفع بعد ذلك، أخرجه الدارقطني في "الغرائب"، بإسنادٍ حسنٍ. وظاهره يشمل النفي عمَّا عدا المواطن الثلاثة. تنبيه: قد ورد الحديث، وصح برفع اليدين إذا قام من الركعتين بعد التشهد عن ابن عمر، واختلف الحفاظ في رفعه، وعلى كل، فهي زيادٌ من ثقةٍ، فعلى من قال بالرفع القولُ بها (٢). قال ابن خزيمة من الشافعية: هو سنةٌ، وإن لم يذكره الشافعي؛ فالإسناد صحيحٌ (٣). وقد قال: قولوا بالسنة، ودعوا قولي (٤). وقال ابن دقيق العيد: قياس نظر الشافعي: أن يستحب الرفع فيه (٥).

стр. 998

قال في "الفتح": وأطلق النووي في "الروضة": أنه نص عليه (١)، لكن الذي في "الأم" خلاف ذلك؛ قإنه قال: ولا نأمره أن يرفع يديه في شيءٍ من الذكر في الصلاة التي لها ركوعٌ وسجودٌ إلا في هذه المواضع الثلاثة، يعني: عند الافتتاح، والركوع، والرفع منه (٢). وأما ما وقع في أواخر "البويطي": يرفع يديه في كل خفضٍ ورفعٍ، فيحمل الخفض على الركوع، والرفع على الاعتدال منه، وإلا فظاهره مخالفٌ لما عليه الجمهور، انتهى (٣). وفي "الفروع": ثم ينهض في ثلاثيةٍ أو رباعيةٍ مكبراً، ولا يرفع يديه وفاقاً، وعنه: بلى، اختاره صا حب "المحرر" -يعني: المجد-، وحفيده -يعني: شيخ الإسلام-، وهي أظهر، انتهى (٤). وفي "الفتاوى المصرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية: سئل: هل رفع اليدين بعد القيام من الجلسة بعد الركعتين الأُول، مُندوبٌ إليه؟ وهل فعله النبي ﷺ ، أو أحد من الصحابة؟ أجاب: نعم، هو مندوب إليه في الصلاة عند محققي العلماء العاملين بسنة رسول الله ﷺ . قال: وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد، وقولُ طائفةٍ من أصحابه، وأصحاب الشافعي، وغيرهم. وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ في "الصحاح"، و"السنن"؛ ففي "البخاري"، و"سنن أبي داود"، والنسائي، عن نافع: أن ابن عمر- ﵄ كان إذا دخل في

стр. 999

الصلاة، كبر، ورفع يديه، وإذا ركع، رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين، رفع يديه، ورفع ابن عمر ذلك إلى النبي ﷺ (١). ورواه الإمام أحمد، وأبو داود مرفوعاً، وفيه: وإذا قام من الركعتين، رفع يديه كذلك، وكبر (٢). ورواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح (٣)، ومثله في حديث أبي حميدٍ الساعدي. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ما جه، والنسائي، والترمذي، وصححه (٤). فهذه ثلاثة أحاديث صحيحةٍ ثابتةٍ، مع ما في ذلك من الآثار، وليس لها ما يصلح أن يكون معارضاً مقاوماً، فضلاً عن أن يكون راجحاً، والله أعلم (٥). * * *

стр. 1000

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِه إلى أَنْفِهِ، واليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ" (١).

стр. 1001

(عن) حبر هذه الأمة (عبد الله بن عباس- ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت) بضم الهمزة في جميع الروايات بالبناء لما لم يُسم فاعله، والمراد به: الله ﷻ . (أن أسجد) قال ابن الأنباري: السجود يرد لمعانٍ؛ منها: الانحناء والميل، من قولهم: سجدت الدابة، وأسجدت: إذا خفضت رأسها لتركب، ومنها: الخشوع والتواضع، ومنها: التحية. قال الجوهري: سجد: خضع، ومنه سجود الصلاة (١)، قاله في "المطلع" (٢). وفي "القاموس": سجد: خضع، وانتصب، ضد، وأسجد: طأطأ رأسه، وانحنى. ثم قال: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]؛ أي: ركعاً، انتهى (٣). قال الإمام ابن القيم: شرع السجود على أكمل الهيئات وأبلغها في العبودية، وأعمها لسائر الأعضاء، بحيث يأخذ كل جزءٍ من البدن بحظه من العبودية. قال: والسجود سر الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة، وما قبله

стр. 1002

من الأركان كالمقدمات له، فهو شبه طواف الزيارة في الحج، فإنه مقصود الحج، ومحل الدخول على الله تعالى وزيارته، وما قبله كالمقدمات له. قال: ولهذا "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ" (١)، وأفضل أحواله حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة. ولما خلق الله -سبحانه- العبد من الأرض، كان جديراً بألا يخرج عن أصله، بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه؛ فإن العبد لو ترك وطبعه ودواعي نفسه، لتكبر وأشر، وخرج عن أصله الذي خلق منه، وتوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة، فنازعه إياهما، فأمر بالسجود خضوعاً لعظمة ربه وفاطره، وخشوعاً له، وتذللاً بين يديه، وانكساراً له، فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل راداً له إلى حكم العبودية، ويتدارك به ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله، فيمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه، فيضع أشرف شيء منه وأعلاه، وهو الوجه فيه، وقد صار أعلاه، أسفله، خضوعاً بين يدي ربه الأعلى، وخشوعاً له، وتذللاً لعظمته، واستكانة لعزته، وهذا غاية خشوع الظاهر؛ فإن الأرض التي خلق منها مذللةٌ للوطء بالأقدام، وقد استعمره فيها، ورده إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أمه وأبوه، وأصله وفصله وعنصره، تضمه حياً على ظهرها، وميتاً في بطنها، وجعلت طهوراً له ومسجداً، فأمر بالسجود الذي هو غاية خشوع الظاهر، وأجمع العبودية لسائر الأعضاء (٢).

стр. 1003

ولهذا قال خلاصة العالم ﷺ : (على سبعة أعظم). وفي لفظ عندهما: "سبعة أعضاءٍ" (١). وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد، سجد معه سبعة آراب .. " الحديث، رواه الجماعة إلا البخاري (٢). و"الآراب":-بالمد-: جمع إرب -بكسر أوله وإسكان ثانيه-: العضو (٣). سمى النبي ﷺ كل واحدٍ من هذه الأعضاء عظماً باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحدٍ منها على عظام، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها (٤). ثم فصل السبعة أعضاء بإعادة حرف الجر تأكيداً، فقال: (على الجبهة) بدأ بها؛ لأنها الأصل، ولهذا لو عجز عن السجود بالجبهة، لم يلزم بغيرها، وأومأ ما أمكنه، وسقط لزوم باقي الأعضاء تبعاً لها، على معتمد المذهب، وفاقاً لمالك (٥).

стр. 1004

(وأشار ﷺ بيده إلى أنفه) بلفظة "إلى"، كما في بعض النسخ من رواية كريمة، وفي رواية ابن طاوس: وأشار بيده على أنفه، كأنه ضمن أشار معنى أمرَّ -بتشديد الراء-، فلذلك عداه بـ"على" دون "إلى". وعند النسائي من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي طاوس، فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: قال ابن طاوس: ووضع يده على جبهته، وأمرَّها على أنفه، وقال: هذا واحدٌ (١). فهذه رواية مفسرهٌ (٢). قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبع (٣). ونظر فيه ابن دقيق العيد؛ لأنه يلزم منه أن يكتفى بالسجود على الأنف، كما يكتفى بالسجود على بعض الجبهة. وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف. قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يعتمد أنها كعضوٍ واحدٍ، وذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دل عليه الأمر (٤). ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزىء السجود على الأنف وحده. وذهب الجمهور إلى أنه يجزىء على الجبهة وحدها. ومعتمد مذهب الإمام أحمد: يجب الجمع بينهما، وهو مذهب

стр. 1005

الأوزاعي، وإسحاق، وقول ابن حبيب من المالكية، وغيرهم. قال في "الفتح": وهو قول الإمام الشافعي (١). (واليدين) وهما العضو الثاني والثالث من أعضاء السجود، والمراد بهما: الكفان؛ لئلا يدخل تحت المنهي عنه من افتراش السبع والكلب (٢). ووقع بلفظ: "الكفين" في رواية حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عند مسلم (٣). (والركبتين): تثنية رُكبةٍ -بالضم-، وهي ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق (٤). وهما: الرابع والخامس من أعضاء السجود. (وأطراف): جمع طرفٍ، وهو منتهى (القدمين) تثنية قدمٍ، وهي مؤنثةٌ، وهما السادس والسابع من أعضاء السجود. قال ابن المنير: المراد: أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة (٥). تنبيهات: الأول: ظاهر هذا الحديث -كغيره من الأحاديث الصحيحة الصريحة-: وجوبُ السجود على هذه الأعضاء المذكورة؛ لأن الأمر للوجوب، وهذا مذهبنا كالمالكية، ومعتمد قول الشافعية -خلا الأنف عندهم-.

стр. 1006

وقال أبو حنيفه: لا يجب السجود إلا على الجبهة -يعني: مع الأنف-. وعن الشافعي: فيما عدا الجبهة قولان (١). ولا يخفى قوة دليلنا ومن وافقنا على من لم يقل بذلك؛ ولهذا قال ابن دقيق العيد: لم أر من لم يقل بوجوب ذلك عارضه بدليل قوي؛ فإنه استدل لعدم الوجوب بقوله ﷺ في حديث رفاعة: "ثم يسجد، فيمكن جبهته" (٢). وغاية هذا: أن يكون دلالة مفهوم لقب، أو غاية، ودلالة المنطوق الدالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدمة. وأضعفُ من هذا: ما استدل به على عدم الوجوب من قوله ﷺ : "سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته" (٣). قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، ولا ريب: أنه لا يلزم من ذلك انحصار السجود فيه. وأضعف من هذا: زعمُهم بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ فإن هذا -مع كونه قياساً في معارضة نص-، فقد دل الحديث على إثبات زيادة على المسمى، فلا تترك (٤).

стр. 1007

ولا تخفى أرجحية الوجوب على مُنصف، قال في "الفتح": والذي يظهر: أن الأحاديث الواردة في الاقتصار على الجبهة، لا تعارض الحديث المنصوص فيه على الأعضاء السبعة. بل الاقتصار على الجبهة؛ إما لكونها أشرفَ الأعضاء المذكورة، أو أشهرَها في تحصيل هذا الركن، فليس فيها ما ينفي الزيادة التي في غيرها، والله الموفق (١). الثاني: قال في "الفروع": ويخر ساجداً، فيضع ركبتيه ثم يديه، وفاقاً لأبي حنيفة، والشافعي. وعنه: عكسه؛ وفاقاً لمالك، ثم جبهته وأنفه. قال: وسجوده عليها -يعني: الأعضاء المذكورة-، وعلى قدميه، ركنٌ مع القدرة، اخمْاره الأكثر. وعنه: إلا الأنف، اختاره جماعة. ومذهب الحنفية: أن وضع القدمين فرض في السجود، لتحقق السجود، وإن عجز بالجبهة، أومأ ما أمكنه، وفاقاً لمالك. وقيل: يلزم السجود بالأنف؛ وفاقاً لأبي حنيفة، والشافعي، وإن قدر بالوجه، تبعه بقية الأعضاء، وإن عجز به، لم يلزمه بغيره، خلافاً لتعليق القاضي؛ لأنه لا يمكن وضعه بدون بعضها، ويمكن رفعه بدون شيءٍ منها، ولا يلزم بجزء بدل الجبهة مطلقاً، خلافاً لأبي حنفية، وخالفه صاحباه، ويجزىء بعض العضو، لابعضها فوق بعض، على الصحيح المعتمد، ومباشرة المصلي بشيء منها -أي: أعضاء السجود- ليس ركناً في ظاهر المذهب؛ وفاقاً لأبي حنيفة، ومالك. نعم، يكره عدم ذلك لغير عذر، والله تعالى الموفق (٢).

стр. 1008

الثالث: قال الإمام ابن القيم في حكمة السجود: إنه يعفر وجهه في التراب استكانةً، وتواضعاً، وخضوعاً، وإلقاء باليدين. ولذا قال مسروقٌ لسعيد بن جبير: يا سعيد! ما بقي شيءٌ نرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب له (١). وكان ﷺ لا يتقي الأرض بوجهه قصداً، بل إذا اتفق له ذلك، فعله، ولذلك سجد في الماء والطين (٢)، ولهذا كان من كمال السجود الواجب أن يسجد على الأعضاء السبعة، فهذا الذي أمر الله به رسولَه، وبلَّغه الرسولُ لأمته. ومن كماله المستحب أو الواجب: مباشرة مصلاه بأديم وجهه، واعتماده على الأرض؛ بحيث ينالها ثقل رأسه، وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السجود. ومن كماله: أن يكون على هيئة يأخذ كل عضوٍ من البدن بحظه من الخضوع، فيقل بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ولا يفرشهما على الأرض؛ ليستقل كل عضوٍ منه بالعبودية. ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجداً لله، اعتزل ناحيةً يبكي ويقول: يا ويله! أُمر ابنُ آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأُمرت بالسجود

стр. 1009

فعصيت، فلي النار (١)، ولذلك أثنى -جل ذكره وتقدست أسماؤه- على الذين يخرون له سجداً عند سماع كلامه، وذم من لا يقع ساجداً. ولما علمت السحرة صدقَ موسى، وكذبَ فرعون، خروا سجداً لربهم، فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر. ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله تعالى بحسب نصيبه من عبوديته، وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية، متضمنةً لأقسامها، كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه، وكان السجود أفضل أركانها الفعلية، وسرَّها الذي شرعت لأجله، وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان، وجعل خاتمة الركعة وغايتها، وشرع فعله بعد الركوع؛ فإن الركوع توطئة له، ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: سبحان ربي الأعلى (٢)، كما يأتي. وقال الحافظ ابن رجب في كتابه "الذل والانكسار للعزيز الجبار": السجود أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه- ؛ حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء، وأعزها عليه، وأعلاها حقيقةً، أوضعَ ما يمكنه، فيضعه في التراب متعفراً، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه، وخشوعه لله- . ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك: أن يقربه الله إليه، فإن "أقرب

стр. 1010

ما يكون العبدمن الله وهو ساجدٌ" (١)، كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]؛ ولهذا كان يأنف منه المشركون المستكبرون عن عبادة الله ، وكان يقول بعضهم: أكره أن أسجد، فتعلوني استي؛ فكأن العبد المؤمن يقول -حال سجوده-: العز والكبرياء، والعظمة والتقديس وصفك، والذل والانكسار، والتواضع والافتقار وصفي. ورُوي عن النبي ﷺ : أنه قال ليلةً في سجوده: "أقولُ كما قال أخي داود ﵇: أعفرُ وجهي في الترابِ لسيدي، وحُق لوجهِ سيدي؛ أن تُعَفَّرَ الوجوهُ لوجْهِهِ" (٢)، والله أعلم (٣). * * *

стр. 1011

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إلى الصَّلاَةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُو قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ في صَلاَتِهِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، ويُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ" (١).

стр. 1012

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي (﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم) يعني: تكبرة الافتتاح التي هي تكبيرة الإحرام، وهي ركن من أركان الصلاة، لا يُدْخَل في الصلاة إلا بها؛ بأن يقول في حال قيامه: الله أكبر، مرتباً، وعن الحنفية: بكل لفظ يُقصدُ به التعظيم؛ كما تقدم. (ثم) كان ﷺ (يكبر) -أي: يقول: الله أكبر- (حين يركع)، وفي رواية عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: أنا أشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ : كان يكبر إذا ركع (١) (ثم يقول) ﷺ بعد إتيانه بالذكر المشروع في حال الركوع، وهو: سبحان ربي العظيم؛ كما سنبينه: (سمع الله لمن حمده). وفي لفظ: كان ﷺ يكبر حين يقوم، ثم [يكبر] (٢) حين يركع. ثم يقول: سمع الله لمن حمده (حين يرفع) ﷺ (صلبه) -بضم الصاد المهملة، وسكون اللام-: عظم من لدن الكاهل إلى العجب، ويقال له: صالب (٣)، والمراد به: ظهره ﷺ . (من الرَّكعة، ثم يقول وهو قائم)؛ أي: حال قيامه معتدلاً. (ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو في أكثر الروايات، ويكون قوله: "ربنا" متعلقاً بما قبله؛ أي: سمع الله لمن حمده، يا ربنا فاستجب، ولك الحمد على ذلك (٤)؛ كما تقدم.

стр. 1013

وفي "صحيح مسلم"، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع، قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد" (١). وفيه: من حديث ابن عباس- ﵄، عن النبي ﷺ : "اللهم ربنا لك الحمد"، وقال: "ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما" (٢). وفيه: عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع، قال: "ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٣). قال في "الفروع": أي حمداً، لو كان أجساماً، لملأ ذلك (٤). (ثم) كان ﷺ (يكبر) أي: يقول الله أكبر (حين يهوي). فالتكبيرُ ذكرُ الهُوِيُّ، فيبتدىء به من حين يشرع في الهُوَي ساجداً. والهُوِيُّ: السقوط؛ وهو بالفتح والضم، يقال: هوى الشيء هوياً، وهوياناً: سقط من علو إلى أسفل، وقيل: الهَوي -بالفتح- للإصعاد،

стр. 1014

والهُوي -بالضم- الانحدار؛ كما في "القاموس" (١). قال الزين بن المنير: رُويناه بالفتح، وضبطه بعضهم بالضم، والفتح أرجح (٢)، قال في "الفتح": وقع في روايتنا بالوجهين (٣). (ثم) كان ﷺ ، (يكبر حين يرفع رأسه) من السجود، (ثم يكبر حين يسجد) السجدة الثانية؛ وذلك أنه لما شرع السجود بوصف التكرار، لم يكن بد من الفصل بين السجدتين؛ ففصل بينهما بركن مقصود، شمرع فيه من الدعاء ما يليق به، ويناسبه؛ وهو سؤال المغفرة -كما يأتي بيانه-، فجعل جلوس الفصل بين السجدتين محلاً لهذا الدعاء؛ لما تقدمه من حمد لله، والثناء عليه، والخضوع له، فكان هذا وسيلة للداعي، ومقدمة بين يدي حاجته، فجثا على ركبتيه؛ متمثلاً في خدمة مولاه، ملقياً نفسه الأمارة بالسوء بين يديه، راغباً فيما لديه، راهباً مما جنى عليها، معتذراً إليه (٤). (ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجدة الثانية، (ثم) كان ﷺ ، (يفعل) مثل (ذلك)؛ يعني: أنه يكبر، عند ابتداء كل ركوع، وعند الرفع منه، وعند ابتداء كل سجود، وعند الرفع منه، فيكون التكبير مقارناً لأول ذلك الفعل؛ من الانتقالات من حال إلى أخرى. (في صلاته) فرضاً كانت، أو نفلاً، جماعة، أو لا؛ ولهذا قال: (كُلِّها) تأكيداً، ليفيد الشمول والإحاطة بسائر صلاته ﷺ ، ([حتَّى يقضيَه]).

стр. 1015

(و) كان ﷺ (يكبر حين يقوم من الثنتين) من الصلاة بأن كانت الصلاة ثلاثية؛ كالمغرب، أو رباعية: كالظهر (بعد الجلوس). وفي لفظ: ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الثنتين (١)، فيَشرع في التكبير من حين ابتداء القيام في الثالثة، بعد التشهد الأول، خلافاً لمن قال: لا يكبر حتى يستوي قائماً. ومن تراجم البخاري: باب: يكبر وهو ينهض من السجدتين (٢). قال في "الفتح": ذهب أكثر العلماء إلى أن المصلي يشرع في التكبير، أو غيره؛ عند-أي: مع- ابتداء الخفض، أو الرفع، إلا أنه اخُتلف على مالكٍ في القيام إلى الثالثة من التشهد الأول، فروى في "الموطأ"، عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما: أنهم كانوا يكبرون، في حال قيامهم (٣)، ورَوَى ابن وهبٍ عنه: أن التكبير بعد الاستواء أولى. وفي "المدونة": لا يكبر حتى يستوي قائماً (٤). ووَجَّهه بعض أتباعه: بأن تكبيرة الافتتاح، تقع بعد القيام، فينبغي أن يكون هذا نظيره؛ من حيث إن الصلاة فرضت أولاً ركعتين، ثم زيدت الرباعية؛ فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه. قال في "الفتح": وكان ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يستحب رفع اليدين حينئذٍ؛ لتكمل المناسبة، ولا قائل منهم به (٥). * * *

стр. 1016

الحديث السادس عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ أنا وعِمْرانُ بنُ حُصَين، فَكَانَ إذَا سَجَدَ، كبَّرَ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَه، كبَّرَ، وَإذَا نَهَضَ مِن الرَّكْعَتَيْنِ، كبَّرَ؛ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ، أَخَذَ بيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: صَلَّىَ بِنَا صَلاَةَ مُحْمَّدٍ ﷺ (١). * * * (عن) أبي عبد الله (مُطَرِّف) -بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، وكسر

стр. 1017

الراء المشددة، ثم فاء- (بن عبد الله) بنِ الشخِّير -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- بنِ عونِ بنِ عوفِ بنِ كعبٍ، العامريِّ الحوشيِّ، نسبة إلى بني الحَرِش -بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وبالشين المعجمة-، وهم بطن من بني عامر بن صعصعة. ومطرف هذا: تابعي، فقيه، ثقة، له فضل، وورع، وعقل، وأدب، ولوالده عبد الله ﵁ صحبةٌ، وفدَ على النبي ﷺ في بني عامر. روى عن: أبي ذر، وعثمان بن أبي العاص، وعمران بن حصين. وروى عنه: علي بن زيد، والحسن البصري، وقتادة. قال ابن الأثير: مات بعد السبع وثمانين. وقال النووي: توفي مطرف بن عبد الله، سنة خمس وتسعين من الهجرة؛ وكذا ذكره الحافظ الربعي، عن ابن المديني، ومشى عليه الذهبي، روى له الجماعة (١). نقل البرماوي، قال: وقع بين مطرف وبين رجل كلام، فكذب عليه، فقال مطرف: اللهم إن كان كاذباً، فأمته؛ فخر مكانه ميتاً، فرفع ذلك إلى زياد؛ فقال: قتلت الرجل، قال: لا، ولكنها دعوة وافقت أجلاً (٢).

стр. 1018

(قال) مصرف: (صليت خلف علي بن أبي طالب)، أمير المؤمنين (﵁ أنا، وعمران بن حصين) صاحبُ رسول الله ﷺ ورضي عن عمران-. ولفظ "الجمع بين الصحيحين"، للحافظ عبد الحق: صليت أنا، وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب ﵁ (١)، وهو أنسب. وكانت هذه الصلاة بالبصرة بعد وقعة الجمل. ووقع عند الإمام أحمد، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن غيلان: بالكوفة (٢)؛ وكذا لعبد الرزاق (٣)، وغير واحد؛ فيحتمل أن يكون وقع منه بالبلدين (٤). (فكان) الإمام علي بن أبي طالب ﵁ (إذا سجد كبَّر) للانتقال، (و) كان (إذا رفع رأسه) من السجود، (كبر)، (و) كان (إذا نهض)؛ أي: قام، يقال: نهض؛ كمنع نهضاً ونهوضاً: قام (٥) (من الركعتين) بعد التشهد الأول (كبر) عند نهوضه؛ للانتقال من حالة إلى أخرى، (فلما قضى) الإمام علي بن أبي طالب الهمام (الصلاة)، قال مطرف: (أخذ بيدي عمران بن حصين) ﵁، (فقال): (قد) وفي لفظ: لقد (٦)، وكل منهما جواب قسم مقدر (ذكرني) -بتشديد الكاف، وفتح الراء-؛ وفيه إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك.

стр. 1019

وقد روى الإمام أحمد، والطحاوي؛ بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: ذكرنا علي صلاة كنا نصليها، مع رسول الله ﷺ ؛ إما نسيناها، وإما تركناها عمداً (١). وللإمام أحمد، من وجه آخر، عن مطرف، قال: قلنا -يعني: لعمران بن حصين-: يا أبا نجيد -وهو بالنون والجيم، مصغراً-! مَنْ أولُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر، وضعف صوته (٢)؛ وهذا يحتمل إفادة ترك الجهر، وهو الظاهر. وروى [الطبراني] (٣)، من حديث أبي هريرة: أن أول من ترك التكبير: معاوية، وروي: أن أول من تركه: زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زياداً تركه لترك معاوية، وكان معاوية تركه لترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويرشحه حديث أبي سعيد في "الصحيح": اشتكى أبو هريرة، أو غاب، فصلى أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين افتتح، وحين ركع، الحديث، وفي آخره: لما انصرف، قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر، فقال: والله! إني ما أبالي اختلفت صلاتكم، أم لم تختلف، إني رأيت رسول الله ﷺ ، هكذا يصلي (٤).

стр. 1020

فالذي يظهر: أن الاختلاف بينهم؛ إنما كان في الجهر بالتكبير، والإسرار به. وكان مروان وغيره من بني أمية يسرُّونه، وكان أبو هريرة ﵁ يصلي بالناس، في إمارة مروان على المدينة. نعم، ذكر الطحاوي: أن قوماً كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذا كانت بنو أمية تفعل (١)، وعن بعض السلف: أنه لا يكبر إلا تكبيرة الإحرام، وفرق بعضهم بين المنفرد، وغيره. والذي استقر عليه الأمر: مشروعية التكبير في الخفض والرفع، والجماعة والفرادى؛ اتباعاً لسنة النبي ﷺ (٢). (هذا) يعني: علياً ﵁ (صلاةَ محمد ﷺ ). وفي لفظ: لقد ذكرني هذا الرجل (٣)، أو قال -كما في بعض طرق البخاري-: ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ (٤)، (أو قال: صلى بنا صلاة محمد ﷺ )، فذكر أنه كان يكبر؛ كلما رفع، وكلما وضع. وفي "الصحيحين"، من حديث أبي هريرة ﵁: أنه كان يكبر في الصلاة؛ كلما رفع، ووضع، فقلنا: يا أبا هريرة! ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ (٥).
следующие страницы →