← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الحديث الثاني عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَينِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ؛ بفاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْن؛ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، يُسْمعُ الآيةَ أحياناً، وكان يقرأ في العَصْرِ بفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأُوَلى، وَيُقَصِّرُ في الثانِيَةِ، وكَانَ يُطَوِّلُ فَي الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ بِأُمِّ الكِتَابِ (١).

стр. 1087

(عن أبي قتادة) الحارت بن ربعي (الأنصاري ﵁، قال: كان)، تقدم -غير مرة-: أنها تفيد الكثرة، أو المداومة (رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين) بتحتانيتين تثنية أولى (من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب) تقدم سبب تسميتها بذلك، وباقي أسمائها، ومن أسمائها -غير ما تقدم-: سورة الحمد، والحمد لله، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والأساس، وسورة الشكر، وسورة الدعاء (١). (و) كان ﷺ يقرأ مع فاتحة الكتاب بـ (سورتين) تتنية سورة" وهي من القرآن معروفة، سميت بذلك؛ لأنها مَنْزِلة بعد مَنْزِلة، مقطوعة عن الأخرى (٢)، (يطول في الأولى) من الركعتين الأوليين، لطول السورة التي يقرؤها فيها، (ويقصر في) الركعة (الثانية). قال في "الفتح" -كغيره-: كأن السبب في ذلك: أن النشاط [كان] (٣) في الأولى يكون أكثر؛ فناسب التخفيف في الثانية؛ حذراً من الملل (٤). وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى، في آخر هذا الحديث:

стр. 1088

فظننا أنه يريد بذلك: أن يدرك الناس الركعة الأولى (١). ولأبي داود، وابن خزيمة، نحوه؛ من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر (٢). وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني لأحب أن يطول الإمام الركعة الأولى، على الثانية (٣). واستدل بظاهر الحديث: على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة (٤)، زاد البغوي: ولو قصرت السورة عن المقروء، وكأنه مأخوذ من قوله: كان يفعل " لدلالته على الدوام، أو الغالب (٥). وفي "الفروع": تستحب سورة؛ نص على ذلك -يعني: الإمام أحمد-، قال القاضي وغيره: تجوز آية، إلا أن الإمام أحمد استحب كونَها طويلة؛ فإنه قال: تجزىء مع ﴿الحمد﴾ آية؛ مثل: آية الدين، وآية الكرسي (٦). (يسمع الآية) -بضم المثناة تحت-، وفي رواية: ويسمعنا (٧)، وفي حديث البراء: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآية؛ من سورة لقمان، والذاريات. رواه النسائي (٨)، ورواه ابن خزيمة، من

стр. 1089

حديث أنس بمعناه، ولكن من: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والغاشية (١). (أحياناً) يدل على: تكرر ذلك منه. وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على: جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة، كأنه مأخوذ من سماع بعضها، مع قيام القرينة على قراءة باقيها، واحتمالُ كونِ الرسول ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائماً أو غالباً بقراءة السورتين بعيد جداً (٢). (وكان) رسول الله ﷺ ، (يقرأ في) صلاة (العصر بفاتحة الكتاب، وسورتين). ذكر في "الفروع": ذكر جماعة: أن المستحب أن تكون القراءة في الظهر أزيدَ من العصر، ونقل حرب -يعني: عن الإمام أحمد ﵁: في العصر يعني: المستحب-: أن تكون القراءة في العصر- نصف الظهر؛ لخبر أبي سعيد (٣)، وإن عكس، فقيل: يكره، وقيل: لا (٤).

стр. 1090

وكان ﷺ (يطول) القراءة (في) الركعة (الأولى)؛ كما هو مندوب لما تقدم في الظهر، (ويقصر في الثانية). ومن لم يستحب من العلماء تطويل الركعة الأولى على الثانية، قال: إنما طالت الأولى بدعاء الاستفتاح والتعوذ، وأما في القراءة، فهما سواء (١)، يدل له حديث أبي سعيد، عند مسلم: كان يقرأ في الظهر في الأوليين، في كل ركعة؛ قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين؛ خمس عشرة آية، قال: ونصف ذلك في العصر، في الركعتين الأوليين، في كل ركعة؛ قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين؛ قدر نصف ذلك (٢). وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حزروا ذلك من الصحابة، كانوا ثلاثين (٣). (وكان) ﷺ (يطول في) قراءة (الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في) قراءة الركعة (الثانية) دون الأولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر بنحو ستين آية، إلى مئة آية (٤)، يقرأ في الركعة الواحدة: بقاف (٥)، أو الطور، أو ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وفي

стр. 1091

الأخرى: بـ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (١). قال: وكانت قراءته في الظهر، بدون ذلك؛ يقرأ في الركعة الأولى: تارة بثلاثين آية؛ كتبارك الذي بيده الملك، أو دونها، وفي الثانية: بأقل من ذلك، ويقرأ في العصر: بأقل مما يقرأ في الظهر؛ إما النصف، أو غيره (٢)، ودي العشاء الآخرة، بمثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٣)؛ ونحو ذلك من أوساط المفصل (٤)، وأما المغرب: فكان يقرأ فيها أقصر من ذلك، وكان يطيلها أحياناً؛ حتى قرأ فيها مرة بالأعراف (٥)، ومرة بالطور (٦)، ومرة بالمرسلات (٧)، انتهى (٨).

стр. 1092

(و) كان ﷺ ، يقرأ (في الركعتين الأخريين: بأم الكتاب) -يعني: من غير زيادة-. قال في "الفتح": سميت أم الكتاب؛ لأن أم الشيء: ابتداؤه، وأصله؛ ومنه سميت مكة: أم القرى؛ لأن الأرض دُحيت من تحتها، وسميت أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن؛ من الثناء على الله، والتعبد بالأمر والنهي؛ كما تقدم (١). تنبيه: قال في "تنقيح التحقيق": لا تسن قراءة السورة في الأخريين؛ خلافاً لأحد قولي الشافعي، واحتج لنا: بحديث أبي قتادة المذكور (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 1093

الحديث الثالث عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بالطُّورِ (١). * * * (عن) أبي محمد (جبير) -بضم الجيم، وفتح الموحدة، وسكون الياء- (بن مطعم) -بضم الميم، وسكون الطاء، وكسر العين المهملتين -بنِ

стр. 1094

عديِّ بنِ نوفلِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قصيٍّ، القرشيِّ النوفليِّ (﵁). روى محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ ، لأكلمه في أسارى بدر، فوافقته، وهو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته، وهو يقرأ، وقد خرج صوته من المسجد ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، قال: وكأنما صدع قلبي (١)، وفي رواية: فسمعته يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، وكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته، كلمته في أسارى بدر، فقال: "لو كان أبوك الشيخ حياً، فأتانا فيهم؛ شفعناه" (٢). وذلك أن المطعم كان له عند رسول الله ﷺ يد؛ وهي أنه كان أجار رسولَ الله ﷺ لما قدم من الطائف؛ حين دعا ثقيفاً إلى الإسلام، وكان أحد الذين قاموا في شأن الصحيفة ونقضوها، وكانت وفاة المطعم في صفر، في الثانية من الهجرة، قبل بدر بنحو سبعة أشهر، ثم أسلم ابنه جبير بعد ذلك؛ يوم الفتح، وقال ابن الأثير: عام خيبر، وقيل: بعد الحديبية وقبل الفتح. وكان جبير بن مطعم ﵁ من حكماء قريش، وساداتهم، وكان يؤخذ عنه النسب؛ فإنه كان عالماً بأنساب العرب، من أنسب قريش لقريش، وكان يقول: إنما أخذت النسب عن أبي بكر الصديق- ﵁. قال أبو عمر: يقال: إنه أول من لبس طيلساناً بالمدينة.

стр. 1095

وأقام جبير ﵁ بالمدينة إلى أن توفي بها سنة سبع وثلاثين، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: أربع. ورجح ابن الأثير الأول في "أسد الغابة"، والثالث: الذهبي في "الكاشف"، والرابع: ابن الأثير في "جامع الأصول"، والنووي في "التهذيب". روي له عن رسول الله ﷺ ستون حديثاً، وقيل: سبعون، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث (١). (قال) جُبير بن مُطْعِم ﵁: (سمعت رسول الله ﷺ ) وهذا مما سمعه جبير من النبي ﷺ قبل إسلامه، لمَّا قَدِمَ بفداء الأسارى، وهذا النوع في الأحاديث قليل، يعني: التحملَ قبل الإسلامِ، والأداءَ بعده. (يقرأ)، وفي لفظ: "قرأ" (٢) (في) صلاة (المغرب) (بـ) سورة (الطور) زاد البخاري: وكان في أسارى بدر (٣)، زاد الإسماعيلي من طريق مَعمَر: وهو يومئذ مشرك (٤). قال جُبير -كما في رواية عند البخاري-: وذلك أول ما وَقَر الإيمان في

стр. 1096

قلبي (١)، وعند سعيد بن منصور، عن هشيم، عن الزهري: فكأنما صُدعَ قلبي، حينَ سمعتُ القرآن (٢). قال الحافظ ابن الجوزي: يحتمل أن تكون الباء، في قوله: بالطور، بمعنى: من؛ كقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٣) [الإنسان: ٦]. وفيه: ما تقدم عن "فتاوى شيخ الإسلام" من كونه ﷺ كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب؛ إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين. وليس في حديث جبير دليل على تكرر ذلك منه ﷺ . تنبيه: المستحب أن يقرأ المصلي في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من الوسط، وتكره القصار في الفجر، لا الطوال في المغرب. واستظهر في "الفروع": أن المريض، والمسافر، كصحيح، وحاضر؛ وإن اختلفا في الكراهة، خلافاً للحنفية، في استحباب القصار لضرورة، وإلا توسط، والأشهر عند الحنفية: الظهر كالفجر (٤). وأول المفصل: "قاف"، وفي "الفنون": "الحجرات"، ومنتهاه: آخر القرآن، وطواله: إلى "عم"، وأوساطه: إلى "الضحى" (٥)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1097

الحديث الرابع عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ: بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً أَحْسَنَ صَوْتاً، أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ ﷺ (١). * * * (عن) أبي عُمارة (البراء) -بفتح الباء الموحدة، وتخفيف الراء، والمد

стр. 1098

على المشهور-، كما تقدم (بن عازب) -بالعين المهملة، وبالزاي المكسورة- بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ الحارثيِّ المدنيِّ (﵄)؛ فقد ذكر ابن سعد في "الطبقات": أنه أسلم (١). (أن النبي ﷺ كان في سفر) من أسفاره (فصلى العشاءَ الآخرة)، زاد الإسماعيلي: ركعتين (٢)، يعني: مقصورة، (فقرأ في إحدى الركعتين) بعد الفاتحة، وفي رواية النسائي: في الركعة الأولى (٣)، (بالتين)؛ أي: سورة التين والزيتون، والتين على الحكاية (والزيتون). قال البراء: (فما سمعتُ أحدًا) من الناس (أحسنَ صوتًا) بالقراءة، (أو) قال: ما سمعتُ أحدًا أحسنَ (قراءةً منه). وإنما قرأ ﷺ في العشاء بقصار المفصل؛ لكونه كان مسافرًا، والسفر يطلب فيه التخفيف، وأما حديث أبي هريرة ﵁: وكان يقرأ في الأوليين من العشاء: من وسط المفصل (٤)، فمحمول على الحضر. وحاصل معتمد المذهب: إنما تكره الصلاة بقصار المفصل في الفجر، ما لم يكن عذر؛ من مرض وسفر، وله: قراءة أواخر السور، وأوساطها، بلا كراهة؛ خلافًا لمالك. وله: جمع سورتين فأكثر في ركعة، ولو فرضًا؛ وفاقًا لمالك، والشافعي. وله: تكرار سورة في ركعتين، وتفريق سورة في الركعتين، نص على

стр. 1099

ذلك الإمام أحمد ﵁؛ لفعله ﷺ (١)، مع أنه لا يستحب الزيادة على سورة في ركعة، ذكره غير واحد؛ لفعله ﷺ ، فدل أن سورة وبعض أخرى كسورتين، وعنه: يكره؛ وفاقًا لأبي حنيفة، وعنه: المداومة، وعنه: يكره جمع سورتين، فأكثر في فرض. قال أبو حفص العكبري في جمعِ سُورٍ في فرضٍ: العملُ على ما رواه الجماعة: لا بأس؛ وكذا صححه القاضي، وغيره. ويجوزُ قراءةُ أوائل السورِ -أيضًا-؛ خلافًا لمالكٍ، وقيل: أواخرها أولى، واللَّه أعلم (٢). * * *

стр. 1100

الحديث الخامس عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابهِ فِي صَلاَتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكرُوا ذَلِكَ لِرَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَلُوهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ، يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ "، فَسَألوهُ، فَقَالَ: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ ؛ فَأنا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" (١). * * * (عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂: أن رسول اللَّه ﷺ بعث رجلًا) قال ابن بشكوال: اسم هذا الرجل: قتادة بن

стр. 1101

النعمان الظَّفَري -بفتح الفاء- (١). يعني بهذا: أبا عمرو الأنصاري، الذي أعيبت عينه يوم أحد، وردها له النبي ﷺ ؛ فكانت أحسن عينيه إلى أن مات سنة ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين، وعمره: خمسون سنة (٢). ونقل عن الإمام الحافظ ابن منده في كتاب "التوحيد" له: أن هذا الرجل: كلثوم بن زهدم (٣)؛ وكذلك فسره ابن طاهر. واعترضه البرماوي: بأنه لم ير في السرايا من السير المشهورة من المتقدمين والمتأخرين؛ كابن إسحاق، وابن هشام، وابن عبد البر، والحافظ الدمياطي، وابن سيد الناس، والحافظ مغلطاي، وغيرهم، ولا في الكتب الستة، ونحوها من المشهور، سرية لكلثوم بن زهدم. والسرايا، وإن قال بعض العلماء: إنها لا تنحصر، فيبعد أن يفسر مبعوث في سرية، ويسمى، ولا تُعرف تلك السرية؛ لأنه إنما يستعان على التسمية بالواقعة، بذكر حديث أو طريق يدل عليها. بل، ولا ذكر ابن عبد البر في "استيعابه"، وأبو نعيم، وغيرهما؛ ممن جمع في الصحابة، حتى الذهبي في "تجريده"، الذي جمع فيه فأوعى، أحدًا من الصحابة، يسمى بهذا الاسم، إنما الذي ذكروه: كلثوم بن الهدم، وكلثوم بن الحصين، وكلثوم بن علقمة، وكلثوم بن المصطلق. قال الذهبي: ولعله الأول، يعني: أن كلثوم بن المطلق؛ هو كلثوم بن علقمة (٤).

стр. 1102

وقال بعض شراح العمدة: هو كلثوم بن الهدم؛ وكأنه يقول: إن القائل: كلثوم بن زهدم تصحيف والتباس، وأن صوابه: كلثوم بن الهدم. قال البرماوي: وهذا لا يصح -أيضًا-؛ لأن كلثوم هذا، كان شيخًا كبيرًا من الأنصار، نزل عليه النبي ﷺ ، حين قدومه في هجرته إلى المدينة، وأقام عنده أربعة أيام، ثم خرج إلى أبي أيوب الأنصاري، أو سعيد بن خيثمة -على الخلاف المشهور فيه في السير-، وما كان يؤمر -يومئذ- على سراياه أحدًا من الأنصار، بل لم يخرج أحدٌ من الأنصار في شيء من السرايا الواقعة قبل بدر. وأيضًا، فقد نقل ابن عبد البر، عن الطبري: أن كلثوم بن الهدم أول من مات من الأنصار، بعد مقدم النبي ﷺ المدينة؛ مات بعد قدومه بأيام، في حين ابتدأ بنيان مسجده وبيوته، وكان موته قبل موت أبي أمامة أسعد بن زرارة بأيام (١). ومات أسعد بن زرارة في شوال، على رأس ستة أشهر من الهجرة، والسرايا إنما كانت بعد ذلك. فأول راية عقدت: لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، في ربيع الأول، بعد مقدمه باثني عشر شهرًا، وقيل: لواء حمزة إلى سيف البحر، وقيل: أرسلهما معًا. والذي صححه الحافظ مغلطاي: أن أول سرية سرية حمزة، في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر. وبذلك قال ابن حزم؛ تبعًا لموسى بن عقبة، وابن سعد، وغيرهما.

стр. 1103

فتلخص من هذا: أن موت كلثوم بن الهدم قبل السرايا جميعها؛ وكذا قال الحافظ في "الفتح". وقال: إنه رأى بخط الحافظ رشيد الدين العطار، في "حواشي مبهمات الخطيب"؛ نقلًا عن "صفة التصوف" لابن طاهر، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن أبي عبد اللَّه بن منده، عن أبيه؛ فسماه: كرز بن زهدم. قال في "الفتح": وأما من فسره بأنه قتادة بن النعمان، فأبعد جدًا؛ فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها، ليس فيه: أنه أم بها؛ لا في سفر، ولا في حضر، ولا أنه سئل عن ذلك، ولا بشر، وإنما فيه: أن رجلًا سمع رجلًا، يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها (١). قال الحافظ القاري: هو قتادة بن النعمان؛ فقد أخرج الإمام أحمد، من طريق [أبي] الهيثم، عن أبي سعيد، قال: بات قتادة بن النعمان، يقرأ من الليل كله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لا يزيد عليها (٢). والذي سمعه لعله أبو سعيد راوي الحديث؛ لأنه أخوه لأمه، وكانا متجاورين، وبذلك جزم ابن عبد البر (٣)؛ وكأنه أبهم نفسه وأخاه. وقد أخرج الدارقطني بلفظ: إن لي جارًا يقوم بالليل، فما يقرأ إلا بـ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (٤). وأما الحديث الذي فسر مبهمه بكلثوم بن الهدم؛ فلفظه: كان رجلٌ من

стр. 1104

الأنصار يؤمهم في مسجد قباء (١)، قال ابن منده: هو كلثوم بن الهِدْم، والهدم -بكسر الهاء، وسكون الدال-: من بني عمرو بن عوف. فتلخص: أن الذي كان يؤم في مسجد قباء: كلثوم بن الهدم، وأما أمير السرية، فلعله: كرز بن زهدم، وأما قتادة بن النعمان: فلا مدخل له في حديث عائشة. ويدل على التغاير: أن إمام مسجد قباء، كان يبدأ بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأمير السرية: كان يختم بها. وفي هذا: أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة الآخر. وفي هذا: أن النبي ﷺ سأله، وأمير السرية سأل أصحابه أن يسألوه. وفي هذا: أنه قال: إنه يحبها؛ فبشره بالجنة، وأمير السرية قال: إنها صفة الرحمن؛ فبشره أن اللَّه يحبه، واللَّه تعالى الموفق (٢). قوله: (على سرية)؛ متعلق بمحذوف، أي: بعث أميرًا. قال ابن الأثير في "النهاية": السرية: الطائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربع مئة، تبعث إلى العدو، وجمعها: سرايا، سموا بذلك: لأنهم يكونون خلاصة العسكر، وخيارهم من الشيء النفيس، وقيل: لكونهم ينفذون سرًا وخفية، وليس بشيء؛ لأن لام السر: راء، وهذه: ياء، انتهى (٣).

стр. 1105

وقال شهاب الدين ابن خطيب الدهشة، في كتابه "المصباح": السرية: قطعة من الجيش، فعيلة بمعنى: فاعلة؛ لأنها تسري في خفية، والجمع: سرايا، وسريات؛ كعطية، وعطايا، وعطيات (١)، انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: السرية: قطعة من الجيش، تخرج منه، وتعود إليه؛ وهي من مئة إلى خمس مئة، فما زاد على خمس مئة يقال له: منسر -بالنون، والسين المهملة-، فإن زاد على الثمان مئة يسمى: جيشًا، فإن زاد على أربعة آلاف، سمي: جحفلًا، فإن زاد: فجيش جرّار، والخميس: الجيش العظيم (٢). (فكان) ذلك الرجل المبعوث على السرية أميرًا (يقرأ لأصحابه) الذين معه، وتحت لوائه (في صلاتهم) التي يصلي بهم إمامًا فيها، بعد الفاتحة وسورة، (فيختم) الركعة، ويكون فيه دلالة على جمع السورتين، في ركعة واحدة، ويحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة، يقرأ فيها السورة (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)؛ أي: بسورة الإخلاص، وخصت بذلك لاختصاصهما بصفات الرب ﵎، دون غيرها (٣). (فلما رجعوا) من سفرهم، الذي كان رسول اللَّه ﷺ وجههم إليه؛ لنكاية عدوهم، (ذكروا) يحتمل أن الذي ذكر: بعضُهم، وعبر بالجمع؛

стр. 1106

لاقتضاء رأيهم السؤال عن ذلك، ويحتمل حضور الجميع إلى النبي ﷺ ، وأنهم ذكروا (ذلك)؛ أي: كونه يختم كل ركعة من أولييي صلاتهم، أو يختم صلاتهم؛ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (لرسول اللَّه ﷺ )؛ متعلق بذكروا، (فقال) لهم: (رسول اللَّه ﷺ : سلوه) -بفتح السين المهملة، وضم اللام- (لأي شيء يصنع ذلك؟) في صلاته. (فسألوه) في الكلام طي؛ أي: فرجعوا إليه، فسألوه، (فقال) مجيبًا لهم عن سؤالهم: إنه إنما صنع ذلك؛ (لأنها)؛ أي: سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، (صفة الرحمن )؛ أي: لأن فيها صفة الرحمن، فلكونها صفته ﵎، (فأنا أحب أن أقرأ بها) في كل صلاتي؛ تلذذًا ومحبة لذكر صفاته ﵎، فرجعوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه بما قال، (فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخبروه: أن اللَّه تعالى يحبه")؛ لمحبته قراءة هذه السورة، أو لما شهد به كلامه؛ من محبته لذكر صفات الرب ، وصحة اعتقاده. وفي هذا دليل على: الرضا بفعله ذلك. قال ابن المنير: في هذا الحديث: أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها: أنه لا يحفظ غيرها، لم يبشر برتبة المحبة من اللَّه تعالى؛ لكنه اعتل بحبها، فظهر صحة قصده؛ فصوبه. وفيه دليل على: جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره، والله أعلم (١). * * *

стр. 1107

الحديث السادس عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللَّه ﷺ قالَ لِمُعَاذٍ: "فَلَوْلَا صَلَّيْتَ؛ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، والشَّمْسِ وَضُحَاهَا، واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى؛ فَإنَّهُ يُصَلِّيَ وَرَاءَكَ: الكَبِيرُ، والضعيفُ، وذو الحَاجَةِ" (١).

стр. 1108

(عن) أبي عبد اللَّه -وقيل: أبي عبد الرحمن- (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرام، الأنصاريِّ الخزرجيِّ؛ وهو وأبوه صحابيان (-رضي اللَّه عن هـ) ـما-، وتقدمت ترجمته. قال: (إن رسول اللَّه ﷺ قال لمعاذ) بن جبل ﵁ في قصة إطالته في الصلاة، وانصراف الرجل، وشكايته إلى النبي ﷺ كما يأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى-: (فلولا صليت)؛ أي: قرأت في صلاتك (بـ) سورة: (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) بعد الفاتحة، (و) سورة (﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾)، (و) سورة (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾)، زاد عبد الرزاق: ﴿وَالضُّحَى﴾ (١). وعلل ﷺ ذلك بقوله: (فإنه يصلي وراءك: الكبير، والضعيف، وذو الحاجة). ولم يعين في هذه الرواية في أي الصلاة قيل له ذلك، وقد عرف أن صلاة العشاء الآخرة طوَّل فيها معاذ بقومه -كما يأتي-، فيدل ذلك على: استحباب قراءة هذا القدر في العشاء الآخرة، ومن الحسن قراءة هذه السور بعينها فيها؛ وكذلك كل ما ورد عن النبي ﷺ ، من هذه القراءة المختلفة، فينبغي أن يفعل، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث، ولو مرة، تكن من أهله (٢).

стр. 1109

قلت: ويستدل من مجموع روايتي: "اقرأ من أوساط المفصل"، وزيادة: "والضحى": أن قصار المفصل: ما دون الضحى، وقد استثنى بعض العلماء؛ ومنهم شيخنا التغلبي (١): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، و ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ [البينة: ١]، فقال: هي من أوساطه، لا من قصاره، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 1110

باب ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اعلم: أن البسملة آية من القرآن؛ مستقلة بنفسها، فاصلة بين كل سورتين، سوى ﴿بَرَاءَةٌ﴾، وقال مالك: ليست من القرآن، والمراد: غير التي في "النمل"؛ فإنها بعض آية إجماعًا. فليست من الفاتحة؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، كغيرها؛ خلافًا لأحد قولي الشافعي؛ وهو: أي كونها منها، ومن غيرها من سور القرآن-؛ معتمد مذهبه، فتسن قراءتها في أول الفاتحة سرًا؛ وفاقًا لأبي حنيفة، وقال مالك: لا يسن ذلك، وأوجب الشافعي قراءتها؛ لكونها من الفاتحة، ويسن عنده الجهر بها في جهرية؛ كرواية عندنا (١). وذكر المصنف ﵀، ورضي عنه-، في هذا الباب: حديثًا واحدًا؛ وهو حديث أنس بن مالك ﵁، خادم رسول اللَّه ﷺ ، فقال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ -

стр. 1111

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ، بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) [الفاتحة: ١]. وفي رواية: صَلَّيْتُ مَعَ أَبي بكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، فلم أسمعْ أحدًا منهم يَقْرَأُ: بسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢). ولمسلمٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وأَبي بكْرٍ، وعمرَ له وعثمانَ، فكانوا يستفتحون بالحمدُ للَّه ربِّ العالمينَ، لَا يَذْكُرُونَ: بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فِي أَوَلِ قَرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا (٣).

стр. 1112

(عن) أبي حمزة (أنس بن مالك) الأنصاري (﵁: أن النبي ﷺ ، وأبا بكر) الصديق من بعدِه، (وعمر) الفاروق، من بعد أبي بكر (﵄، كانوا يفتتحون الصلاة)؛ أي: كان كل واحد منهم يفتتح القراءة في الصلاة. وقد رواه ابن المنذر، والجوزقي، وغيرهما؛ بلفظ: كانوا يفتتحون القراءة (١)؛ (بالحمد للَّه رب العالمين)، بضم الدال على الحكاية؛ وكذا رواه البخاري، في جزء "القراءة خلف الإمام"، وذكر: أن هذه الرواية أبين. وفي قوله: (بالحمد للَّه رب العالمين)؛ إبطال لقول من قال: كانوا يفتتحون بالفاتحة؛ لأنها إنما تسمى بالحمد فقط؛ فمراد الحديث: أنهم كانوا يفتتحون بهذا اللفظ؛ تمسكًا بظاهر الحديث (٢). (وفي رواية) لمسلم، عن أنس ﵁ قال: (صليت مع أبي بكر) الصديق، (وعمر) الفاروق، (وعثمان) ذي النورين ﵃، يعني: زمن خلافة كل واحد منهم-؛ (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ) في الصلاة، (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ورواه الإمام أحمد عنه، وفي لفظه: صليت خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان؛ وكانوا لا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 1113

ورواه النسائي -أيضًا-، ورجاله بشرط الصحيح (١). (ولمسلم) عن أنس ﵁؛ وكذا رواه الإمام أحمد عنه (٢)، قال: (صليت خلف النبي ﷺ ) -يعني: مدة حياته-، (و) خلف (أبي بكر) الصديق ﵁ مدة خلافته، (و) خلف (عمر) الفاروق ﵁ مدة خلافته، (و) خلف (عثمان) ذي النورين، ﵁ مدة خلافته، (فكانوا) كلهم (يستفتحون) القراءة في الصلاة، (بالحمد للَّه رب العالمين)، أي: بهذا اللفظ. (لا يذكرون: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، في أول قراءة) يقرؤونها في الصلاة، (ولا في آخرها)، زاد عبد اللَّه بن الإمام أحمد: قال شعبة: فقلت لقتادة: أنت سمعته من أنس؟ قال: نعم، نحن سألناه عنه (٣). قال شيخ الإسلام، عن حديث أنس: هذا في نفي التسمية صريح لا يحتمل تأويلًا؛ فإن هذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع، مع إمكان الجهر بالإسماع. وقال في قوله: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر، أو قال: يصلي ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: فهذا نفى فيه السماع، ولو لم يرد إلا هذا اللفظ، لم يجز تأويله بأنه لم يكن يسمع مع جهر النبي ﷺ ؛ لوجوه: أحدها: أنه إنما روى هذا؛ ليبين للناس ما كان يفعله النبي ﷺ ؛ إذ لا غرض لهم في معرفة كون أنس يسمع، أو لم يسمع، إلا ليستدلوا بعدم

стр. 1114

سماعه على عدم المسموع، فلو لم يدل على ذلك؛ لما كان أنس يروي شيئًا لا فائدة فيه، ولا كانوا يروون هذا الذي لا يفيدهم. الثاني: إن مثل هذا اللفظ صار دالًا على عدم ما لم يدرك، فإذا قيل: ما سمعنا، ولا درينا، ولا رأينا؛ لما من شأنه أن يُسمع أو يرى؛ فالمقصود: نفي وجوده، وأكثر نفي الإدراك دليل على نفيه بتة. الثالث: أن أنسًا كان يخدم النبي ﷺ ، من حين قدم المدينة إلى أن توفي، وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب، ويصحبه حضرًا وسفرًا، وحين حَجِّه كان تحت ناقته، يسيل عليه لعابها، أفيمكن مع هذا القرب الخاص، والصحبة الطويلة؛ ألَّا يسمع النبي ﷺ يجهر بها، مع كونه كان يجهر؟! هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه عادة. ثم إنه صحب أبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃، ولم يسمع، مع أنهم كانوا يجهرون؟! هذا لا يمكن، بل هو تحريف، لا تأويل، لو لم يرد إلا هذا اللفظ، كيف والآخر صريح في نفي الذكر لها؟! ومثل هذا حديث عائشة ﵂: أنهم كانوا يفتتحون القراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) [الفاتحة: ٢ - ٤]؛ وهذا صريح في إرادة الآية (٢). تنبيهات: الأول: ليس في حديث أنس ﵁ نفيٌ لقراءتها سرًا؛ لأنه

стр. 1115

روي: فكانوا لا يجهرون (١)، فنفى الجهر؛ وكذا قوله: لا يذكرون؛ نفي ما يمكنه العلم به، وذلك موجود في الجهر؛ فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإمام لم يقرأها؛ فلا يمكن إدراكه، إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكتة. يؤيد ذلك: حديث عبد اللَّه بن مغفل، في "السنن"، لما سمع ابنه يجهر بها؛ فأنكره، وقال. يا بني! إياك والحدث، وذكر أنه صلى خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر؛ فلم يكونوا يجهرون بها (٢). وأيضًا فمن المعلوم: أن الجهر بها مما تتوافر الدواعي على نقله، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد، أو الاثنان، قُطع بكذبهما؛ وبمثل هذا تكذب دعوى الرافضة: النص على علي ﵁ في الخلافة، وأمثال ذلك. وقد اتفق أهل المعرفة على: أنه ليس في الجهر حديث صريح، ولم يرو "أهل السنن" شيئًا من ذلك؛ إنما يوجد الجهر بها في أحاديث موضوعة، يروي ذلك: الثعلبي، والماوردي، وأمثالهما من الذين يحتجون بمثل حديث الحميراء (٣).

стр. 1116

ولما سئل الدارقطني عن البسملة: أفيها شيء صحيح؟ أجاب: أما عن النبي ﷺ ؛ فلا، وأما عن الصحابة؛ فمنه صحيح، وضعيف (١). فإذا لم يكن فيها حديث صحيح، فضلًا أن يكون فيها أخبار متواترة، أو مستفيضة، امتنع أن يكون النبي ﷺ جهر بها. ولا يعارض ذلك كون عدم الجهر مما تتوافر الدواعي على نقله، ولم ينقل متواترًا، بل تنازع فيه العلماء؛ لأن الذي تتوفر الهمم والدواعي على نقله في العادة هي الأمور الوجودية، فأما العدمية، فلا، ولا ينقل منها إلا ما ظن وجوده، أو احتيج إلى معرفته، ولهذا لو نقل ناقل: افتراضَ صلاة سادسة، أو صومَ يوم زائد، أو زيادةً في القراءة، أو في الركعات، لقطعنا بكذبه، وإن كان عدم ذلك لم ينقل نقلًا متواترًا قاطعًا. ولما احتيج إلى نقل الأمور العدمية، نُقلت، فلما انقرض عصر الخلفاء، سأل الناس أنسًا لمَّا جهر بها بعض الأئمة، كابن الزبير، فأخبرهم أنس بترك الجهر، مع أن نفي الجهر بها نقل نقلًا صحيحًا صريحًا، والجهر لم ينقل نقلًا صحيحًا، مع كون العادة توجب نقل الجهر، دون عدمه (٢).

стр. 1117

الثاني: العلماء قد اختلفوا في هذا الباب على ثلاثة مذاهب: * أحدها: قراءتها سرًا لا جهرًا؛ وهذا مذهب الإمام أحمد، والإمام أبي حنيفة، ومن وافقهما. * الثاني: تركها سرًا وجهرًا؛ وهذا مذهب الإمام مالك بن أنس. * والثالث: الجهر بها في الجهرية؛ وهذا مذهب الإمام الشافعي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن تدبر وجوه الاستدلال من حديث أنس وغيره، قطع بأن النبي ﷺ لم يكن يجهر بها (١). وقال ابن دقيق العيد: المتيقن من حديث أنس عدمُ الجهر، وأما التركُ أصلًا، فمحتمل مع ظهور ذلك في بعض الألفاظ، وهو قوله: لا يذكرون. قال: وقد جمع جماعة من الحفاظ باب الجهر؛ وهو أحد الأبواب التي يجمعها أهل الحديث، وكثير منها، أو الأكثر: معتل، وبعضها: جيد الإسناد، إلا أنه غير مصرح فيه بالقراءة في الفرائض في الصلاة، وبعضها: فيه ما يدل على القراءة في الصلاة، إلا أنه ليس بصريح الدلالة على خصوص التسمية (٢). الثالث: من روي عنه من الصحابة أنه يجهر بالبسملة: يحتمل أنه كان يجهر بها أحيانًا؛ كما أنه ﷺ كان يجهر ببعض الآيات من الفاتحة أحيانًا -يعني: في صلاة السر-. أو: لأنه كان ﷺ يجهر قديمًا، ثم ترك ذلك؛ كما روى أبو داود، والطبراني: أنه ﷺ كان يجهر بها بمكة، فإذا سمعه المشركون، سبوا

стр. 1118

الرحمن؛ فما جهر بها حتى مات ﷺ (١)؛ فهذا محتمل. وفي "الصحيحين": أنه ﷺ كان يجهر بالآية أحيانًا (٢)، ومثل جهر عمر ﵁، بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" (٣)، ومثل جهر ابن عمر، وأبي هريرة: بالاستعاذة (٤)، وجهر ابن عباس: بالقراءة على الجنازة؛ ليعلم الناس (٥)، فيمكن أن يقال: إن من جهر بها من الصحابة، كان على مثل هذه الوجوه؛ ليعرف الناس أن قراءتها سنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر بالبسملة؛ لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث؛ ليلبسوا بها على الناس دينهم؛ ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين؛ كسفيان الثوري أنهم يذكرون: من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر، وعمر، ونحو ذلك؛ لأن هذا كان عندهم من شعار الرافضة.

стр. 1119

ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة -أحد الأئمة من أصحاب الشافعي (١) إلى ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين (٢). والكلام في البسملة كثير شهير، واللَّه تعالى الموفق. * * *

стр. 1120

باب سجود السهو اعلم: أن السهو، والنسيان، والغفلة، ألفاظ متقاربة، معناها: ذهول القلب عن معلوم. وقال الآمدي: يقرب أن تكون معانيها متحدة، وفي "المواقف"، وشرحها: السهو: زوال الصورة عن المدركة، مع بقائها في الحافظة، والنسيان: زوالها عنهما معًا، فيحتاج في حصولها حينئذ إلى سبب جديد (١). وهذا معنى قول الأصوليين: السهو: الذهول، أي: الغفلة عن المعلوم الحاصل في الحافظة، فلا ينافي الغفلة عنه؛ لأنه باعتبار المدرك، فيتنبه له بأدنى تنبه، بخلاف النسيان؛ فهو: زوال المعلوم، فيستأنف تحصيله؛ كما في "حاشية العلامة النجدي على المنتهى" (٢). وذكر الحافظ -طيب اللَّه ثراه- في هذا الباب حديثين. * * *

стр. 1121

الحديث الأول عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي العَشِيِّ، قَالَ ابنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، قَالَ: فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلى خَشَبةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّه غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَه اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابعِهِ، وخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وفي القَوْمِ أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْم رَجُلٌ في يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ، ولَمْ تُقْصَرْ، فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كبَّرَ، وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ كبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُوْدِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَنُبِّئْتُ: أَنَّ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: ثُمَّ سَلَّم (١).

стр. 1122

(عن) أبي بكر (محمد بن سيرين) الإمام المشهور البصري، ووالده سيرين مولى أنس بن مالك، يكنى: أبا عمرة، كاتَبَهُ مولاه أنس، فعتق بالأداء؛ كما تقدم في ترجمة أخيه أنس. وكان محمد بن سيرين إمامًا في التفسير، والفقه، والحديث، وتعبير الرؤيا، والزهد، والورع.

стр. 1123

قال ابن قتيبة في "المعارف": وكانت أمه تسمى: صفية، مولاة أبي بكر الصديق ﵁. روى عن أنس، وأبي هريرة، وسمع من ابن عمر حديثًا، أو حديثين، وسمع عمران بن حصين، وعبد اللَّه بن الزبير، وعدي بن حاتم، وغيرهم من الصحابة، وسمع من كثير من التابعين. وقال هشام: أدرك الحسن البصري من أصحاب النبي ﷺ مئة وعشرين، وأدرك ابن سيرين ثلاثين منهم. روى عنه: الشعبي، وأيوب، وقتادة، وسليمان التيمي، وخلائق. قال ابن قتيبة: ولد لابن سيرين ثلاثون ولدًا من امرأة واحدة، ولم يبق منهم غير عبد اللَّه بن محمد، وقضى عنه ابنه هذا ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد اللَّه حتى صار ماله ثلاث مئة ألف درهم. واتفقوا على أن ابن سيرين توفي بالبصرة، سنة عشر ومئة، بعد الحسن بمئة يوم. قال حماد بن زيد: مات الحسن أول رجب، سنة عشر، وصليت عليه، ومات ابن سيرين لتسع مضين من شوال، سنة عشر، قيل: إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ (١).

стр. 1124

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ )؛ في هذا تصريح بحضور أبي هريرة ﵁ ذلك. ويؤيده: ما في رواية الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ (١). وفيه: رد على الطحاوي، في حمله قوله: صلى بنا؛ على المجاز، وأن المراد: صلى بالمسلمين؛ متمسكًا بما قاله الزهري، وهو أن القصة لذي الشمالين المستشهد ببدر، قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين (٢). والصواب: أنها لذي اليدين؛ وهو غير ذي الشمالين؛ كما جزم به في "الفتح" (٣)، وأبو عبد اللَّه الحاكم، والبيهقي (٤)، وغيرهم. وقال الإمام النووي، في "الخلاصة": إنه قول الحفاظ، وسائر العلماء، إلا الزهري، واتفقوا على تغليطه (٥). وقال أبو عمر: وأما قول الزهري: إن ذا اليدين هو ذو الشمالين، فلم يتابع عليه، ولم يعول على ما قاله في ذلك أحد، فليس قوله: إنه المقتول ببدر، حجة؛ فقد تبين غلطه في ذلك، انتهى (٦).

стр. 1125

(إحدى صلاتي العَشِي) -بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء-: الظهر، أو العصر". (قال) محمد (بن سيرين: وسماها أبو هريرة) ﵁، (ولكن نسيت أنا). وفي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عندهما: صلى بنا النبي ﷺ الظهر، أو العصر؛ بالشك (١). وجزم البخاري عنه، في باب الإمامة: أنها الظهر (٢)؛ وكذا مسلم، في رواية له (٣). وفي أخرى عند مسلم، الجزمُ من أبي هريرة: بأنها العصر (٤). والشك الواقع بين الظهر والعصر من أبي هريرة؛ كما تبين من رواية عون، عن محمد بن سيرين، عند النسائي، ولفظه: قال أبو هريرة: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: لكن نسيت (٥). فبين أبو هريرة أن الشك منه، وكأنه رواه في كثير من الروايات على الشك، وربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، ومرة، أنها العصر، فجزم بها. وأما قول ابن سيرين: وسماها أبو هريرة، ولكني نسيت أنا، وفي لفظ
следующие страницы →